← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مُتابعات للحديث: والحديث قد جاء مِنْ طُرُقٍ عِدَّة عن عدي بن ثابت، وبعضها مُخَرَّجٌ في "الصحيحين" - كما سبق في التخريج -؛ وعليه فالحديث بمتابعاته يرتقي إلى "الصَحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِه عن إِسْمَاعِيلَ إلا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَمْرٍو، تَفَرَّدَ به: عُبَيْدُ بن هِشَامٍ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. ولم أقف عليه بهذا الطريق إلا عند المُصَنِّف ﵁، مِمَّا يدل على سعة روايته، وكثرة علمه، وكثرة رحلاته. خامسًا:- التعليق على الحديث: قال الإمام الترمذي: وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَرَأَ فِي العِشَاءِ الآخِرَةِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ»، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ بِسُوَرٍ مِنْ أَوْسَاطِ المُفَصَّلِ نَحْوِ سُورَةِ المُنَافِقِينَ، وَأَشْبَاهِهَا، وَرُوِيَ عن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتَّابِعِينَ ﵃: أَنَّهُمْ قَرَأُوا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَأَقَلَّ، كَأَنَّ الأَمْرَ عِنْدَهُمْ وَاسِعٌ فِي هَذَا، وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ». (١) وقال ابن حجر: كثر سؤال بعض الناس هل قرأ بها في الركعة الأولى أم الثانية، أو قرأ فيهما معًا، كأن يقول أعادها في الثانية، وعلى أن يكون قرأ غيرها، فهل عُرِفَ؛ وما كنت أستحضر لذلك جوابًا، إلى أن رأيت في كتاب "الصحابة" لأبي علي بن السكن في ترجمة زرعة بن خليفة رجل من أهل اليمامة، أنه قال: سمعنا بالنبي ﷺ فأتيناه فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا، وأسهم لنا، وقرأ في الصلاة بالتين والزيتون، وإنا أنزلناه في ليلة القدر، فيمكن إن كانت هي الصلاة التي عَيَّن البراء بن عازب أنَّها العشاء، أن يُقَال: قرأ في الأولى بالتين، وفي الثانية بالقدر، ويحصل بذلك جواب السؤال، ويقوي ذلك أنَّا لا نعرف في خبر من الأخبار أنه قرأ بالتين والزيتون، إلا في حديث البراء، ثم حديث زرعة هذا. (٢) * * *

стр. 387

[٥١/ ٤٥١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ الأَذَنِيُّ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَةِ أَنْ لا تَخْرُجَ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى تَطْعَمَ، ولا يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى تَرْجِعَ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن جُرَيْجٍ إلا ابنُ عُلَيَّةَ، تَفَرَّدَ بِهِ: إِسْحَاقُ بن عَبْدِ اللَّهِ. هذا الحديث مداره على عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، واخْتُلف عليه مِنْ وجهيْن: الوجه الأول: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، بِذِكر الأكل يوم الفِطر قبل الخروج إلى المُصَلَّى، ويوم الأضحى بعد الرجوع، وأنَّ الأمريْن من السُّنَّة. الوجه الثاني: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، يقول: "إِنِ اسْتطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفِطْرِ حتى يَطْعَم فَلْيَفعل … الحديث"، وليس فيه ذِكر الإطعام يوم النَّحر. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا:- الوجه الأول: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، بِذِكر الأكل يوم الفِطر قبل الخروج إلى المُصَلَّى، ويوم الأضحى بعد الرجوع، وأنَّ الأمريْن من السُّنَّة. أ تخريج الوجه الأول: • لم أقف عليه - على حد بحثي - إلا برواية الطبرانيّ - ومن طريقه الضياء المَقْدِسي في "المختارة" (١٩٨)، وذكره الزيلعيُّ في "نصب الرَّاية" (٢/ ٢٠٩) بإسناد الطبراني ومتنه -. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) إسحاق بن عبد الله التَّميميُّ الأَذَنِيُّ: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٩). ٣) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، أبو بِشْر، المعروف: بابن عُليَّة، وعُلَيَّة أُمُّه، وقيل: جدَّته لأمِّه. روى عن: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، وسعيد بن إياس الجُريري، وأيُّوب السِّختيانيّ، وآخرين. روى عنه: إسحاق بن عبد الله التميميّ، وشُعبة بن الحَجَّاج، وعبد الرحمن بن مهديّ، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ مأمونٌ صدوقٌ وَرِعٌ تَقِيٌّ. وقال أحمد: إليه المُنْتَهى والتَّثَبْت بالبصرة. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ مُتَثَبِّتٌ في الرجال. وقال ابن حبَّان: كان مِنْ المُتْقِنِين. وقال النسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال الذهبي: إمامٌ حُجَّةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ حافظٌ. وقال شُعبة: ابن عُليَّة رَيْحانة الفقهاء، وسَيَّد المُحدِّثين. - وقال قُتيبة بن سعيد: إسماعيل أَرْواهم عن الجُرَيري - وهو سعيد بن إياس-. وقال سهل بن أبي

стр. 388

خدويه: كتب إليَّ أصحابنا من البصرة أن ليس أحدٌ أثبت في الجُريري من ابن عُلَيَّة. (١) فالحاصل: أنّه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيهٌ، حافظٌ، أَثْبِتُ مَنْ رَوَى عن الجُريريِّ"، روى له الجماعة. ٤) عَبْدُ المَلِك بن عبد العزيز بن جُريج، أبو الوليد، وأبو خالد - له كنيتان- المكيّ، القُرَشيّ، الأُمويّ. روى عن: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ونافع مَوْلى ابن عمر، وآخرين. روى عنه: إسماعيل بن عُلَيَّة، والسفيانان، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وغيرهم. حاله: قال أحمد: ابن جُريج ثبتٌ صحيح الحديث، لم يُحَدِّث بشيءٍ إلا أتقنه. وقال ابن سعد، والعجلي، والدَّارقطني، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ، وزاد الدّارقطني: حافظٌ. وقال أبو زرعة: بَخٍ، مِنْ الأئمة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حبَّان: مِنْ فقهاء أهل الحجاز وقُرَّائهم ومُتْقِنِيهم. وروى له الجماعة. - وقال ابن جُريج: لَزِمت عطاء ثماني عشرة سنة، أو تسع عشرة سنة، ثم جالَسْتُ عمرو بن دينار سبع سنين. وقيل لعطاء: مَنْ ترى صاحب مجلسك من بعدك؟ قال: هذا - وأشار إلى ابنِ جُريج-. وقال أحمد، وابن المديني: ابن جُريج مِنْ أثْبت النَّاس في عطاء. وقال ابن المديني، والدَّارقطني: مِنْ أَعْلم النَّاس بعمرو بن دينار - وذكروا معه غيره-. وقال يحيى بن سعيد: لم يكن أحدٌ أَثْبت في نافع من ابن جُريج، وهو أَثْبت من مالك في نافع. وذكره علي بن المديني في الطبقة الثانية من طبقات أصحاب نافع. (٢) - قال الذهبي: كان ابن جُريج يَرَى الرواية بالإجازة، وبالمناولة، ويتوسَّع في ذلك، ومن ثَمَّ دخل عليه الدَّاخل في رواياته عن الزُّهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التَّصْحيف، ولا سيَّما في ذلك العصر، لم يكن حَدَثَ بَعْدُ في الخَطِّ شَكْلٌ ولا نَقْطٌ. - وَوَصَفَهُ بالتَّدليس غير واحدٍ من أهل العلم، منهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطَّان، وأحمد ابن صالح المصريُّ، والنَّسائيُّ، وابن حبَّان، والدَّارقطنيُّ، والذهبيُّ، وابن حجر - وذكره في المرتبة الثالثة-. وقال الدَّارقطني: يُتجنَّب تدليسه؛ فإنه وَحِش التدليس، لا يدلِّس إلا فيما سمعه من مجروحٌ؛ مثل: إبراهيم ابن أبي يحيى، وموسى بن عُبيدة، وغيرهما. وذكره أبو زرعة العراقي في "المدلسين"، وقال: مُكثرٌ من التدليس. بينما ذكره العلائي في المرتبة الثانية. وقال الذهبي: الرجل في نفسه ثقة، حافظ، كان ربَّما دلَّس. - وعن يحيى بن سعيد، عن ابن جُريج، قال: إذا قلتُ "قال عطاء" فأنا سَمِعت منه، وإن لم أقل "سمعت". (٣) ووصفه الحافظ ابن حجر في غير موضعٍ بقلة تدليسه عن نافع؛ فقال مَرَّة: سمع عن نافع كثيرًا، وروى عنه بواسطة، وهو دالٌّ على قلة تدليسه، وقال أيضًا: أدخل موسى بن عُقبة بينه وبين نافع، وهو قد

стр. 389

سمع الكثير من نافع، ففيه دلالة على قلة تدليسه. وغيرها من الأقوال. (١) وهذا يدل على قلة تدليسه عن نافع لكثرة روايته عنه وسماعه منه، ولتصريحه بالواسطة بينهما. - وَصْفُهُ بالإرسال: قال الإمام أحمد: بعض الأحاديث التي كان يرسلها ابن جُريج أحاديث موضوعة؛ كان لا يُبالي من أين يأخذها - يعني قوله: أُخْبِرْتُ، وحُدِّثْتُ عن فلان-. وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": كان يُدَلِّس ويُرسل. وحاصله: ما قاله الحافظ ابن حجر في "التقريب": "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، كان يُدَلِّسُ ويُرْسِلُ". (٢) قلتُ: وهو مِنْ أثبت النَّاس في عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وفي الطبقة الثانية من أصحاب نافع - مولى ابن عمر-، وهو مُكثرٌ من التدليس إلا في روايته عن عطاء فلا يتوقف في عنعنته، وكذلك في روايته عن نافع - لكثرة روايته عنه، مع تصريحه بالواسطة-؛ إلا إذا ثبت في روايةٍ بعينها أنَّه دلَّس فيها. ٥) عَطَاءُ بن أبي رَبَاح القُرَشِيُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيهٌ، فَاضِلٌ، كَثِيرُ الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٧). ٦) عبدُ الله بن عبَّاس بن عبد المُطَّلِب الهاشميُّ، أبو العباس المدنيُّ، صاحب النبيّ ﷺ ، وابن عمِّه. روى عن: النبيّ ﷺ ، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطَّاب ﵃، وغيرهم. روى عنه: أنس بن مالك، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كَيْسان ﵃، وغيرهم كثير. دعا له النَّبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ». (٣) ولمَّا مات، قال محمد بن الحنفية: اليوم مات رَبَّانِيُّ هذه الأُمَّة. وفضائله كثيرة، وأخرج له الجماعة. (٤) ثانيًا:- الوجه الثاني: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، يقول: "إِنِ اسْتطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفِطْرِ حتى يَطْعَم فَلْيَفعل … الحديث، وليس فيه ذِكر الإطعام يوم النَّحر". أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٥٧٣٤) - ومِنْ طريقه أحمد في "مسنده" (٢٨٦٦)، وابن المُنذر في "الأوسط" (٢١١١)، والطبراني في "الكبير" (١١٤٢٧)، والضياء في "المختارة" (١٩٧) -، عن ابن جُريج، قال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَال: إِنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: "إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ

стр. 390

فَلْيَفْعَلْ، قَالَ: فَلَمْ أَدَعْ أَنْ آكُلَ قَبْلَ أَنْ أَغْدُوَ مُنْذُ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ … ، الحديث مطولاً"، وليس فيه ذكر الإطعام يوم النَّحر. وقال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. (١) • وأخرجه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ٣٩٢) (٢)، من طريق سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، قال: سمعت ابن عَبَّاسٍ، يَقُولُ: لا يَغْدُو أَحَدٌ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ. ب متابعات للوجه الثاني: • لقد تُوبع ابن جُريج على روايته لهذا الحديث بهذا الوجه، تَابَعَه راويان عن عطاء: - فأخرجه ابن أبي شيبة في "المُصنَّف" (٥٥٨٤)، والطبراني في "الكبير" (١١٢٩٦)، والدَّارقطني في "سننه" (١٧٠٩ و ٢١٣٦)، وابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ٣٩١). كلهم من طريق الحجَّاج بن أرطاة، عن عطاءٍ، عن ابن عباس، قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا تَخْرُجَ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى تُخْرِجَ الصَّدَقَةَ، وتطعم شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ». وهذا لفظ الطبراني، والباقون بنحوه. قال الهيثمي: إسناد الطبراني حسن. (٣) قلتُ: بل فيه الحجَّاج بن أرطاة مُتَكَلَّمٌ فيه، ويُدلّس، وقد رواه بالعنعنة، ولم يُصَرِّح بالسَّمَاع. وقال العظيم أبادي: وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو مُختلف في الاحتجاج به، والحديث له شواهدٌ قوية من رواية أنس، وغيره - سيأتي بإذن الله ذِكر بعض هذه الشواهد -. (٤) - وأخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ١٠٦) من طريق الحكم بن مَرْوَان، قال: حدَّثنا محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَميّ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس، قال: كان النَّبِيُّ ﷺ لا يَخْرُج يَوَم عِيدٍ حتى يُطْعَمَ التَّمَرَات. قال العقيلي: وهذا الحديث رُوي بإسنادٍ أصلح من هذا. • وتابعه عن ابن عبَّاس بهذا الوجه راوِيان أيضًا: - فأخرجه عبد الرزَّاق في "المصنف" (٥٧٤١)، عن ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ

стр. 391

ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَأْكُلُونَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا. (١) والطبراني في "الأوسط" (٧٥٢٢)، من طريق إِسْحَاق بن سُليمان الرَّازيّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن يَزِيدَ (٢)، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، ثُمَّ نَخْرُجُ إِلَى الْمُصَلَّى. وقال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، تَفَرَّدَ بِهِ: إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ. قلتُ: لم ينفرد إبراهيم بن يزيد، بل تابعه ابن جُريج كما عند عبد الرزَّاق في الرواية السَّابقة. - وأخرجه ابن أبي شيبة في "المُصنَّف" (٥٥٩٥)، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس؛ وأبو عمرو عثمان بن محمد السَّمَرْقندي في "الفوائد المُنتقاة عن شيوخه" (٧٧)، قال: حدثنا أبو داود - وهو الطيالسي-، عن شُعبة؛ كلاهما (عبد الله، وشُعبة) عن الأعمش، عن المِنْهال، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عبَّاس، قال: لا تخرج يوم الفِطر حتى تأكل ولو تمرة. وإسناده جيّد. ت دراسة إسناد الوجه الثاني - إسناد عبد الرزَّاق-: سبق دراسة رواته في الوجه الأول من هذا الحديث. (٣) ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يتضح أنَّ هذا الحديث مداره على ابن جُريج، واخْتُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، بذكر الأمرين معًا؛ الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى، ويوم الأضحى بعد الرجوع، وأنَّ الأمرين من السُّنَّة. الوجه الثاني: ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، بذكر الأكل يوم الفطر قبل الخروج، بدون ذكر الزيادة السابقة بترك الأكل يوم النَّحر حتى الرجوع من المصلى. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه للصواب، وأنَّ الزيادة - بذكر ترك الأكل يوم النَّحر حتى يرجع من المصلَّى- في الوجه الأول لم تثبت من حديث ابن عبَّاس ﵁؛ وذلك للقرائن الآتية:

стр. 392

أ - ضعف إسناد الوجه الأول؛ ففيه إسحاق بن عبد الله التميمي "مجهول الحال"، وقد انفرد به عن إسماعيل بن عُلَيَّة، ولم يتابعه عليه أحدٌ من أصحاب بن عُلَيَّة - وفيهم الإمام أحمد، وابن راهويه، وزُهير بن حرب، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين ..... وغيرهم-، فَتَفرُّدُهُ عن مثل إسماعيل بن عُلَيَّة بما لم يأتِ به هؤلاء الأثبات، مع ضعفه، دليلٌ على نكارة هذه الزيادة. (١) وهذا بخلاف الوجه الثاني؛ فقد رواه عبد الرزَّاق، ولم ينفرد به، بل تابعه سفيان بن عُيينة - والإسناد إليه صحيح-، كلاهما عن ابن جُريج بالوجه الثاني. ب أنَّ الوجه الثاني قد تُوبع فيه ابن جُريج بمتابعاتٍ تامةٍ، وقاصرة من حديث ابن عبَّاس تؤكِّد بمجموعها واتفاق رواتها على أنَّ الحديث عن ابن عبَّاس بدون الزيادة التي أتى بها راوية الوجه الأول، ولا شكَّ أنَّ الرواية التي تُوبع فيها راويها تُرَجَّح على غيرها. (٢) رابعًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبرانيّ: مما سبق يتضح أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ" بدون الزيادة التي انفرد بها إسحاق بن عبد الله التَّميميّ، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، فهي زيادة "مُنْكرةٌ" مِنْ حديث ابن عبَّاس، ومِثْله لا يُحتمل مِنْه التَّفرُّد. قلتُ: وهذه الزيادة - بذكر الأكل يوم النَّحر- إنما هي ضعيفةٌ من حديث ابن عباس فحسب، وإلا فقد ثبتت عن غيره من الصحابة، وسيأتي مزيد ذلك عند ذكر الشواهد. ب الحكم على الحديث بإسناد الوجه الثاني: مما سبق يتضح أنَّ الحديث - بذكر الأكل يوم الفِطر فقط- بالوجه الثاني - إسناد عبد الرزَّاق- "صحيح"، وقد تابعه سفيان بن عُيينة بروايته عن ابن جُريج، بل وله متابعات تامة، وقاصرة سبق ذكرها، وللحديث شواهدٌ صحيحة - ستأتي الإشارة إليها- وكل هذه المتابعات والشواهد تزيد الحديث قوة. شواهد للحديث: أ شواهد للجزء الأول من الحديث - بذكر الأكل يوم الفطر قبل الخروج للمصلَّى-: - أخرج البخاري في "صحيحه" من حديث أنس ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». قال البخاري: وَقَالَ مُرَجَّأُ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا». (٣)

стр. 393

ب - شواهد للجزء الثاني من الحديث - بذكر الأكل يوم النَّحر بعد الرُّجوع من المُصلَّى-: - وللحديث بجزئيه شاهدٌ من حديث بُرَيْدَةَ بن الحُصَيب الأَسْلَمِيُّ: أخرجه أحمد في "مسنده"، من طريق ثوَّاب (١) بن عُتْبَة المَهْريّ، عن عبد الله بن بُريدة، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كَانَ النبي ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يَطْعَمَ، ويَوْمَ النَّحْرِ لَا يطعم حَتَّى يَرجع" (٢). وفي بعض روايات الحديث: "حتى يذبح"، وفي بعضها: "حتى يأكل من أضحيته". قلتُ: رجاله ثِقَاتٌ، رجال الصحيح، غير ثوَّاب بن عُتبة المَهْري، فأقلّ أحواله - إن لم يُحسَّن حديثه- فإنه كما قال الحافظ ابن حجر عنه في "التقريب": مقبولٌ (٣) - وهو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يُترك من أجله، فهو مقبولٌ إذا تُوبع، وإلا فَلَيِّن الحديث-. وقد تُوبع ثوَّاب في روايته لهذا الحديث - ولله الحمد-، وسيأتي ذكر من تابعه بعد ذكر أقوال أهل العلم في الحكم على هذا الحديث: فقال الترمذي: حديث بُريدة بن حُصَيب - بالحاء المُهملة، المضمومة- الأَسْلميّ حديثٌ غريبٌ. وقال البخاري: لا أعرف لثوَّاب بن عُتبة غير هذا الحديث. وقد استحبَّ قومٌ من أهل العلم أن لا تخرج يوم الفطر حتى تطعم شيئًا، ويُستحبُّ له أن يُفطر على تمرٍ، ولا يطعم يوم الأضحى حتَّى يرجع. (٤) وقال الحاكم: حديثٌ صحيحُ الإسناد، ولم يُخرّجاه، وثَوَّاب بن عُتبة قليل الحديث، ولم يُجَرَّح بنوعٍ يَسْقُط به حديثه، وهذه سُنَّة عزيزة مِنْ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ، مُسْتَفِيضَةٌ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. ووافقه الذهبي في "التلخيص". (٥) وقال ابن عدي: وثوَّاب بن عُتْبَة يُعرف بهذا الحَدِيث وحديث آخر، وهذا الْحَدِيث قد رواه غيره عَن عَبد اللَّهِ

стр. 394

بْن بريدة منهم عقبة بْن عَبد اللَّهِ الأصم ففي الحديثين اللذين يرويهما ثَوَّاب لا يلحقه ضعف. (١) وقال ابن القطَّان: وعندي أنَّه صحيحٌ؛ لأنَّ ثَوَّاب بن عُتبة ثقة، وثّقه ابن معين. (٢) وقال ابن الملقن في "البدر المنير": هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (٣) وصحَّحه الألباني في "المشكاة" (٤)، وفي "صحيح الجامع". (٥) - وتُوبع ثَوَّاب بن عُتبة على هذا الحديث، تابعه عُقْبة بن عبد الله الأصمّ: فأخرجه أحمد، والطبراني، وابن عدي وغيرهم، من حديث عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرِّفَاعِيُّ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ، ولا يَأْكُلُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ. (٦) قال الطبراني: لم يروِ هذا الحديث عن عبد الله بن بُريدة إلا عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وثوَّاب بن عُتبة. وقال ابن عدي: ورَوَى هذا عن ابن بُريدة مع عُقبة ثَوَّاب وغيره. وقال الهيثمي: فيه عُقبة بن عبد الله الرفاعي، وهو ضعيف. (٧) - وللحديث شاهدٌ من حديث جابر بن سَمُرة، أخرجه البزَّار - كما في "جامع المسانيد والسنن" (١٥٢٣) - وابن عدي في الكامل" (٨/ ٣٠٤)، من طريق ناصح أبو عبد الله - وهو الحائك، صاحب سِماك-، عن سِماك بن حَرْب، عن جابر بن سَمُرة، قال: "كان النبي ﷺ يَطْعَمُ يوم الفطر سبع تمراتٍ أو سبع زبيبات، ولا يَطْعَم يم الأضحى حتى يرجع". قال ابن عدي: وهذه الأحاديث عن سِماك، عن جابر غير محفوظات. وقال ابن القيسراني: ناصح متروك الحديث. (٨) وقال الهيثمي: فيه ناصح بن عبد الله متروك. (٩) وقال ابن كثير: تفرَّد به ناصح، وهو غير ناصح، بل هو ضعيف الحديث منكره. (١٠)

стр. 395

قلتُ: وقال الحافظ ابن حجر - بعد أن ذكر الحديث من حديث بُريدة، وابن عبَّاس، وجابر بن سَمُرة-: وفي كُلٍّ من الأسانيد الثلاثة مقال، وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلَّت عليه هذه الأحاديث. (١) - ويشهد له أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المُصنَّف" (٥٥٩١)، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: نَا المُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَطْعَمَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ، وَيُؤَخِّرَ الطَّعَامَ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ». قلتُ: ورجاله ثِقَاتٌ، وهو من مراسيل عامر الشَّعبي، قال العجلي: ومُرسَل الشّعبي صحيح، لا يكاد يُرسل إلا صحيحًا. وقال أبو داود: مُرسَلُ الشّعبي أحبُّ إليَّ من مُرسل النَّخْعي. (٢) وعليه فحديث بُريدة الأسلمي يرتقي بطرقه وشواهده من "الضعيف" إلى "الحسن لغيره". تنبيهٌ: ذكر البخاري في "صحيحه" في ك/العيدين؛ ترجمتين؛ الأولى: باب/الأكل يوم الفِطر قبل الخروج، وأخرج فيه حديث أنس السَّابق ذكره (٣)، ثم ترجم بعده بقوله باب/الأكل يوم النَّحر، وأخرج فيه بسنده حديث البراء بن عازب ﵁، قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا نُسُكَ لَهُ»، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ البَرَاءِ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ، قَالَ: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (٤). قال الحافظ ابن حجر: قال الزين بن المنير ما محصله: لَمْ يُقَيِّدِ الْمُصَنِّفُ الْأَكْلَ يَوْمَ النَّحْرِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْفِطْرِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، قَوْلُ الرَّجُلِ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَلَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ بِوَقْتٍ انْتَهَى، وَلَعَلَّ المُصَنِّفَ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ مُغَايَرَةِ يَوْمِ الْفِطْرِ لِيَوْمِ النَّحْرِ مِنِ اسْتِحْبَابِ البَدَاءَةِ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ أَكَلَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيَّنَ لَهُ ﷺ أَنَّ الَّتِي ذَبَحَهَا لَا تُجْزِئُ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ وَأَقَرَّهُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا (٥). قلتُ: ولا تعارض بين الحديثين، فقد جمع بينهما الحافظ ابن خزيمة، فقال في "صحيحه": ب/ذكر الخبر

стр. 396

الدَّال على أنَّ ترك الأكل يوم النَّحر حتى يذبح المُراد به فضيلة، وإن كان الأكل مُباح قبل الغدو إلى المُصلَّى، والآكل غير خارج، ولا آثم، ثم ذكر فيه حديث البراء بن عازب ﵁. (١) خامسًا:- النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرْوِه عن ابن جُرَيْجٍ إلا ابنُ عُلَيَّةَ، تَفَرَّدَ بِهِ: إِسْحَاقُ بن عَبْدِ اللَّهِ. - من خلال ما سبق في التخريج يتضح بالفعل أنَّ هذا الحديث - بذكر الأَمْرَيْن معًا؛ الأكل يوم الفطر، ويوم النَّحر- لم يروه عن ابن جُريج إلا ابن عُلَيَّة، تفرَّد به: إسحاق بن عبد الله التَّمِيمِيّ. - بينما رواه عن ابن جُريج بالوجه الثاني - بذكر الأكل يوم الفطر فقط، دون يوم النَّحر- اثنان من الرواة؛ هما: عبد الرزَّاق الصَّنْعاني، وسُفيان بن عُيينة. - وعلى هذا فلو كان الطَّبراني يقصد بقوله إطلاق التفرُّد؛ فلا يُسَلَّم له بذلك، لكنَّ هذا - في نظري- بعيد؛ بدليل أنَّ الطبراني نفسه قد أخرج الحديث من طريق عبد الرزَّاق، عن ابن جُريج في "المعجم الكبير" (١١٤٢٧) - كما سبق في التخريج-، فهو يعلم الطَّريقين، لذا يُسَلَّم له بإطلاق التفرُّد عن ابن جُريج لكن بالوجه الأول فقط - بذكر الأكل يوم الفطر، ويوم النَّحر معًا-. والله أعلم. سادسًا:- التعليق على الحديث: قال الحافظ ابن حجر: قَالَ الْمُهَلَّبُ: الحِكْمَةُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا وَقَعَ وُجُوبُ الْفِطْرِ عَقِبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ اسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُبَادَرَةً إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الِامْتِثَالِ لأكل قدر الشِّبَع. وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُحْبَسُ فِي رَمَضَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بِدَارًا إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ وَسْوَسَتِهِ. وَقَالَ ابن قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْأَكْلِ يَوْم الْفطر اخْتِلَافا. وَقد روى ابن أبي شيبَة، عَن ابن مَسْعُودٍ: التَّخْيِيرَ فِيهِ. وَعَنِ النَّخَعِيِّ أَيْضًا مِثْلَهُ، وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ التَّمْرِ: لِمَا فِي الْحُلْوِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْبَصَرِ الَّذِي يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ، وَلِأَنَّ الْحُلْوَ مِمَّا يُوَافِقُ الْإِيمَانَ، وَيُعَبَّرُ بِهِ الْمَنَامُ، وَيَرِقُّ بِهِ الْقَلْبُ وَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَبَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يُفْطِرُ على الحلو مُطلقًا كالعسل. (٢) * * *

стр. 397

[٥٢/ ٤٥٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ. عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن حُمَيْدٍ إلا إسماعيل بن جعفر، تَفَرَّدَ به: إسحاقُ بن عَبْدِ اللَّهِ. أولًا:- تخريج الحديث: • أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢٠٩٦) مِنْ طريق الطبراني، عن أحمد بن خُليد، به. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وَرِجاله وُثِّقوا. (١) وللحديث طرق أخرى، عن أنس بن مالك ﵁، وهي كالآتي: • فأخرجه محمد بن يحيى الذهلي في "علل أحاديث الزهري" - كما في "الوهم والإيهام" لابن القَطَّان (٥/ ٢٢٠)، و"تهذيب السنن" لابن القيّم (١/ ٢٢٣)، و"التلخيص الحبير" (١/ ١٤٨) -، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله - وكان صدوقًا-. - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٦٩١)، حدَّثنا واثلة بن الحسن العِرَاقيُّ، ثنا كثير بن عُبيد الحَذَّاء. - وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٥٢٩)، من طريق محمد بن وهب بن أبي كريمة. ثلاثتهم (الصَّفار، والحَذَّاء، وابن أبي كريمة)، عن محمد بن حرب الخولانيّ - مِنْ أصح الأوجه عنه (٢) -، عن محمد بن الوليد الزُّبيديّ، عن محمد بن مُسلم بن شهاب الزُّهريّ، عن أنس بن مالكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأ فَأدْخل أَصَابِعه تَحت لحيته فخللها بأصابعه، ثمَّ قَالَ: "هَكَذَا أَمرنِي رَبِّي ". واللفظ للذهليّ، والباقون بنحوه. قلتُ: وإسناده صحيحٌ، وصَحَّحَه الحاكم، وابن القَطَّان، وابن حجر، والألباني. (٣) • وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٢٤٨)، نا أبو العبّاس محمد بن يعقوب - الأصم -، ثنا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، ثنا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، ثنا السُّكَّرِيُّ أَبَا حَمْزَةَ محمد بن ميمون، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن ميمون الصَّائِغَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: وَضَّأْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَعَنْفَقَتَهُ (٤) بِالأَصَابِعِ وَقَالَ: "هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ".

стр. 398

قلتُ: "وإسناده حسن - إن شاء الله "؛ لأجل إبراهيم بن ميمون الصائغ، قال الحافظ ابن حجر: "صدوقٌ". (١) وأما أبو خالد، قال ابن القيم: أبو خالد هذا مجهول. (٢) قلتُ: لعله - إن شاء الله : عنبسة بن سعيد بن العاص بن سعيد القرشي، فهو الذي يروي عن أنس بن مالك ﵁، ويُقال له: أبو خالد. قال ابن حجر في "التقريب": "ثقة". (٣) • وأخرجه القاسم بن سلَّام في "الطهور" (٣١٣)، وأبو داود في "سننه" (١٤٥)، ك/الطهارة، ب/تخليل اللحية - ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (٢٤٧)، والبغوي في "شرح السنة" (٢١٥) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٤٢٦٩)، وتمَّام بن محمد في "فوائده" - (الروض/١٧٦) -، والمزي في "التهذيب" (٣١/ ١٣). كلهم من طرقٍ، عن أَبِي الْمَلِيحِ الحسن بن عُمر الرَّقّي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ زَوْرَانَ (٤)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: وَضَّأْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا غَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ مِنْ تَحْتِ لِحْيَتِهِ، فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا أَمَرَنِي اللَّهُ»، أَوْ قَالَ: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي». واللفظ للقاسم بن سلَّام، والباقون بنحوه. قلت: وإسناده صحيح إلى الوليد بن زَوْران؛ أمَّا الوليد: فقد روى عنه جماعةٌ من الثقات، منهم: أبو المليح، وجَعْفر بن بُرْقان، وحجَّاج بن حجَّاج الباهلي، وغيرهم - فارتفعت بذلك عنه جهالة عينه -، وذكره البخاري في "التاريخ الكبير"، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وابن حبَّان في "الثقات" - ولم يوثقه بالعبارة -، وقيل للإمام أحمد: الوليد بن زَوْران؟ فقال: هذا يُحَدِّثُ عنه أبو المليح فمالي به تلك المعرفة. وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة - قلتُ: لعله قال ذلك باعتبار ذِكْر ابن حبَّان له في "الثقات" -؛ لكنه قال في "الميزان": ما هو بحجة، مع أنَّ ابن حبَّان وَثَّقه. وقال ابن حجر في "التقريب": لَيِّن الحديث. وقال في "التلخيص الحبير": مجهول الحال. وقال في "النكت" - بعد أن ذكر الحديث بهذا الإسناد -: إسناده حسن؛ لأن الوليد وَثَّقه ابن حبَّان، ولم يُضعّفه أحد. (٥) فالحاصل في ابن زوران هذا؛ أنّه: إن لم يكن مجهول الحال - وهو الأقرب -؛ فهو لَيِّن الحديث، يُحسن

стр. 399

حديثه في الشواهد والمُتابعات، فيُعتبر بحديثه؛ إلا أنَّ الحديث بهذا الطريق فيه عِلَّةٌ أُخرى؛ وهي سماع الوليد من أنس: قال أبو داود: لا ندري سَمِعَ من أنس أم لا؟ (١). • وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢٩٧٦، ٥١٢٧)، وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ٢١٣). كلاهما من طريق داود بن حمَّاد بن فَرافِصة البَلْخي، نا عتّاب بن محمد بن شَوْذب، عن عيسى الأزرق، عن مطر الورّاق أبي رجاء السُّلَميّ، عن أنس بن مالك ﵁ بنحو رواية الوليد بن زروان. وقال الطبراني في الموضع الأول: لا يُرْوى عن مَطَر إلا بهذا الإسناد. وقال في الموضع الثاني: لم يَروِ هذا الحديث عن مَطَر الوراق إلا عيسى الأزرق، ولا عن عيسى إلا عتّاب بن محمد، تفرّد به داود بن حمّاد. قلت: وفيه مطر الورّاق (٢) لم يسمع من أنس شيئًا؛ قال أبو زرعة: روايته عن أنس مُرسلة، لم يسمع مطر من أنس شيئًا. وقيل للعجلي: مَطَر تابعي؟ قال: لا. وقال البزّار: ليس به بأس رأى أنس، وحَدَّث عنه بغير حديثٍ، ولا نعلم سمع منه شيئًا، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه (٣). وفيه كذلك عيسى بن يزيد الأزرق، أبو مُعاذ النَّحوي، "مجهول الحال". (٤) (٥) ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيد: "ثِقَةٌ"، تَقَدّم في الحديث رقم (١). ٢) إسحاقُ بن عبد الله أبو يعقوب التَّمِيميُّ: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٩). ٣) إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، الأنصاري، الزُّرَقيّ - مولاهم-، أبو إسحاق المَدَني. روى عن: حُمَيد الطويل، وإسرائيل بن يونس، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، وآخرين. روى عنه: إسحاق بن عبد الله التميميُّ، وقُتيبة بن سعيد، ومحمد بن سلَّام البيكندي، وآخرون.

стр. 400

حاله: قال ابن معين، وابن سعد، وأبو زرعة، وعلي بن المديني، والنسائي، والخليلي: ثِقَةٌ. وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا، فقيل له: ثِقَةٌ؟ قال: نعم. وقال ابن معين: ثِقَةٌ، مَأمونٌ، قليل الخطأ، صدوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: من ثِقَات العلماء. وقال ابن حجر: ثقة ثبت. (١) ٤) حُميدُ بن أبي حُمَيد الطويل (٢)، أبو عُبيدة الخُزَاعِيُّ، اخْتُلف في اسم أبيه، وهو خال حمَّاد بن سلمة. روى عن: أنس بن مالك، وثابت البُناني، والحَسَن البصري ﵃، وآخرين. روى عنه: إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وخالد بن الحارث، وآخرون. حاله: قال يحيى بن معين، والعجليُّ، والنسائيُّ، وابن سعد، والذهبيُّ، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ لا بأس به، وأكبر أصحاب الحسن قتادة، وحُمَيد. وقال ابن عدي: حُميد له حديثٌ كثيرٌ مستقيمٌ، فأغنى لكثرة حديثه أن أذكر له شيئًا من حديثه، وقد حَدَّث عنه الأئمة. وقال حَمَّاد بن سلمة: لم يدع حُميد لثابتٍ علمًا إلا وعاه وسمعه منه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وروى له الجماعة. - ووصفه غير واحدٍ بالتدليس، وتقيّده بروايته عن أنس: فقال ابن سعد: رُبّما دَلّس عن أنس. وقال ابن حبَّان: كان يدلّس، سمع من أنس بن مالك ثمانية عشر حديثًا، وسمع الباقي عن ثابت فدلّس عنه. وقال حمّاد بن سلمة: عَامَّة ما يُحدّث به حُميد الطويل عن أنس سمعته من ثابت. وقال ابن عدي: ما يُحدّث به حُميد، عن أنس؛ البعض مما يُدلّسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت، وقد دلّس جماعة من الرواة عن مشايخ قد رأوهم. وذكره النسائي في المدلسين، وقال الذهبي: يدلس عن أنس. وقال ابن حجر في "التقريب": مُدَلِّس. وذكره في المرتبة الثالثة في المدلسين، بينما ذكره العلائي في المرتبة الثانية. وقال أبو بكر البرديجي: وأما حديث حُمَيد فلا يُحْتجّ منه إلا بما قال: حدثنا أنس. بينما قال العلائي: فعلى تقرير أن تكون أحاديث حُميد مُدَلَّسة، فقد تبيَّن الواسطة بينهما، وهو ثِقَةٌ مُحتجٌّ به. قلتُ: ووافقه على قوله - أي قول العلائي - صاحبا "تحرير التقريب"، وصاحب "معجم المدلسين"، ود/ صالح بن سعيد عومار الجزائري في كتابه "التدليس وأحكامه". (٣) بل وقال الحافظ في "تعريف أهل التقديس": إنّ معظم حديثه عنه بواسطة ثابت، وقتادة، وقد وقع تصريحه عن أنس بالسّماع، وبالتحديث في أحاديث

стр. 401

كثيرة في البخاري، وغيره. (١) والحاصل: أنّه "ثقة، وأنَّ تدليسه خاصٌّ بروايته عن أنس، وقد عُرِف الواسطة بينهما؛ وهو إما ثابت، أو قتادة، وكلاهما "ثقة"، وعليه فلا ينبغي التوقف في عنعنته سواء في روايته عن أنس أو عن غيره، إلا إذا ثبت ما ينافي ذلك، والله أعلم. (٢) ٥) أنس بن مالك ﵁: صحابيٌّ جليلٌ، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيفٌ"؛ لأجل إسحاق بن عبد الله التميمي "مجهول الحال"، وقد انفرد به عن إسماعيل بن جعفر، ولم يأتِ به أحدٌ من أصحابه الأثبات. (٣) وللحديث مُتابعات مِنْ طُرُقٍ أخرى عن أنس بن مالك ﵁ سبق ذكرها في التخريج -، منها: - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك ﵁، وتَبَيَّن أنَّه "صحيح الإسناد"، وصححه الحاكم، وابن القطّان، وأقرّه الحافظ ابن حجر، وصححه الألباني. - أبو خالد - عَنْبسة بن سعيد بن العاص القرشي -، عن أنس بن مالك ﵁، وإسناده حسن. - الوليد بن زَوْران، عن أنس بن مالك ﵁، وإسناده فيه مجهول، ومنقطعٌ. - مَطَر بن طَهْمان الوَرَّاق، عن أنس بن مالك ﵁، وإسناده أيضًا ضعيفٌ. شواهد للحديث: وللحديث شواهد كثيرة، نكتفي منها بحديث عثمان بن عفان ﵁، والحديث أخرجه الترمذي في "سننه" مِنْ طريق عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان بن عفان ﵁: " أنَّ النبي ﷺ كان يُخَلِّلُ لحيته ". (٤) وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح. ونقل عن البخاري أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان ﵁، ثم قال: وقال بهذا أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومَنْ

стр. 402

بعدهم: رأوا تخليل اللحية. وبه يقول الشافعي. وقال أحمد: إن سهى عن تخليل اللحية فهو جائز. وقال إسحاق: إن تركه ناسيًا أو متأولًا أجزأه، وإن تركه عامدًا أعاد. ا. هـ قلتُ: ولعل الترمذي ﵀ صححه بشواهده - والله أعلم -، ففيه عامر بن شقيق بن جمرة، وهو مُخْتَلَفٌ فيه كما قال الحافظ في "التلخيص"، وقال في "التقريب": لين الحديث. وفي "النكت": قَوّاه البخاري، والنسائي، وابن حبّان، وليّنه ابن معين، وأبو حاتم. وقال الذهبي في "الكاشف": صدوقٌ ضُعِّف. (١) وقال الإمام أحمد: أصح شيء في هذا الباب: حديث عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان، يُريد به هذا الحديث. (٢) وقال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل: أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان، قلتُ (الترمذي): إنهم يتكلمون في هذا الحديث! فقال (البخاري): هو حَسَنٌ. (٣) وقال الحاكم: وهذا إسنادٌ صحيح قد احتج بجميع رواته غير عامر بن شقيق، ولا أعلم عن عامر بن شقيق طعنًا بوجهٍ من الوجوه، ثم قال: وله شاهدٌ صحيح، وساق شواهده. (٤) وتعقّبه الذهبي، فقال: ضعّفه ابن معين. وقال الزيلعي: رَوَىَ تخليل اللحية عن النبي ﷺ جماعةٌ مِنْ الصحابة، ثم ذكرهم، ثم قال: وأمثلها حديث عثمان. (٥) وقال ابن الملقن (٦): هذا الحديث حَسَنٌ، وللحديث شواهد أخرى كثيرة؛ ثُمَّ قال (٧) بعد أن ذكر شواهد الحديث: فهذا اثنا عشر شاهدًا لحديث عثمان ﵁، فكيف لا يكون صحيحًا؟!، والأئمة قد صححوه: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وشهد له إمام هذا الفن أبو عبد الله البخاري بأنه حديث حسن، وبأنه أصح حديث في الباب. (٨) وعليه فالحديث بمجموع طُرُقِهِ، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم.

стр. 403

تنبيه: قال أبو حاتم: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث. (١) وقال الإمام أحمد: ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء. (٢) وقد حمل ابن الملقن قولهما على غير حديث عثمان، واستدل على ذلك بما قاله الإمام أحمد، قال: تخليل اللحية قد رُوي فيه أحاديث ليس يثبت فيها حديث، وأحسن شيء فيه حديث شقيق بن عثمان. (٣) رابعًا: - النَّظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يروه عن حُمَيد إلا إسماعيل بن جعفر، تفرَّد به إسحاق بن عبد الله. مما سبق يتضح صحة ما قاله المصنف ﵁، وهذا تَفَرُّدٌ نِسْبِيٌّ، ولم أقف - على حد بحثي - على ما يدفعه، والحديث قد ثبت من طرق أخرى عن أنس بن مالك ﵁، من غير طريق حُميد الطويل، والله أعلم. خامسًا: - التعليق على الحديث: - قال الشوكاني: والإنصافُ أنَّ أحاديثَ البَابِ بعد تَسْلِيمِ انتهاضها للاحتجاجِ وصلاحِيَّتِهَا للاستدلال لا تَدُلُّ على الوُجُوبِ؛ لأنَّهَا أَفْعَالٌ، وما وَرَدَ في بعض الرِّوَايَاتِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي" لا يُفِيدُ الوُجُوبَ على الأُمَّة لظُهُورِهِ في الاختِصَاصِ به، وهو يَتَخَرَّجُ على الخلاف المشهور في الأصول هل يَعُمُّ الأُمَّة ما كان ظاهر الاختِصَاصِ به أم لا؟ والفرائضُ لا تَثْبُتُ إلا بِيَقِينٍ، والحكمُ على ما لَمْ يَفْرِضْهُ اللَّهُ بالفَرْضِيَّةِ كالحكم على ما فَرَضَهُ بعدهما، لا شَكَّ في ذلك لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما مِنْ التَّقَوُّلِ على اللَّهِ بما لم يَقُلْ؛ وقال الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، والطبري، وأكثر أهل العلم: أن تخليل اللحية واجبٌ في غسل الجنابة، ولا يجب في الوضوء. (٤) - فإن قيل: لِمَ لَمْ يَرِد في الأحاديث المشهورة في صفة وضوء النبي ﷺ ؟ فجوابه ما ذكره ابن القيم: أنَّه كان يُخَلِّلُ لِحْيَتَه أحيانًا، ولم يكن يواظب على ذلك، وقد اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِيهِ، فَصَحَّحَ الترمذي وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ﷺ : كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ أحمد، وَأَبُو زُرْعَةَ: لَا يَثْبُتُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ حَدِيثٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِ وُضُوئِهِ كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والربيع ﵃ وَغَيْرِهِم. (٥) - ولذلك قال ﵀ في "إعلام الموقعين": إنَّ الصَّحَابِيَّ إذا قَالَ قَوْلًا أَوْ حَكَمَ بِحُكْمٍ أَوْ أَفْتَى بِفُتْيَا فَلَهُ مَدَارِكُ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنَّا، وَمَدَارِكُ نُشَارِكُهُ فِيهَا، فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ شَفَاهًا أَوْ

стр. 404

مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ مَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ الْعِلْمِ عَنَّا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ، فَلَمْ يَرْوِ كُلٌّ مِنْهُمْ كُلَّ مَا سَمِعَ، وَأَيْنَ مَا سَمِعَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ وَالْفَارُوقُ ﵁ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ إلَى مَا رَوَوْهُ؟ فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ مِائَةَ حَدِيثٍ، وَهُوَ لَمْ يَغِبْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ مَشَاهِدِهِ، بَلْ صَحِبَهُ مِنْ حِينِ بُعِثَ بَلْ قَبْلَ الْبَعْثِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ ﷺ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَجِلَّةُ الصَّحَابَةِ رِوَايَتُهُمْ قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا سَمِعُوهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ، وَشَاهَدُوهُ، وَلَوْ رَوَوْا كُلَّ مَا سَمِعُوهُ وَشَاهَدُوهُ لَزَادَ عَلَى رِوَايَةِ … أَبِي هُرَيْرَةَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فَإِنَّهُ إنَّمَا صَحِبَهُ نَحْوَ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْكَثِيرَ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّحَابِيِّ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَذَكَرَهُ، قَوْلُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْمِ وَأَحْوَالَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُعَظِّمُونَهَا وَيُقَلِّلُونَهَا خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ الَّذِي سَمِعُوهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مِرَارًا، وَلَا يُصَرِّحُونَ بِالسَّمَاعِ، وَلَا يَقُولُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (١) * * *

стр. 405

[٥٣/ ٤٥٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ (١)، قَالَ: نا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ. عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ (٢) رِجَالٍ (٣) خَلْفَهُ. فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ، قَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: أَسْرَعْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: «فَلا تَفْعَلُوا، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ مَا أَدْرَكَ، وَلْيَقْضِ مَا فَاتَهُ». * لَمْ يَرْوِ هذا الحديثَ عن يَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ إلا شَيْبَانُ. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه أبو نُعيم الأصبهاني في "تسمية من انتهى إلينا من الرواة عن أبي نُعيم الفضل بن دُكين عاليًا" (٣٦)، قال: حدثنا سليمان بن أحمد - الطبراني -، أخبرنا أحمد بن خُليد، به. وذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (٦٧٦)، بإسناد الطبراني، ومتنه، وقال: ولمْ يَنْفرد به شيبان. وقال في "مجمع الزوائد" (٢/ ٣١): رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح، وهو مُتفق عليه بلفظ "وما سبقكم فأتمُّوا". قلتُ: بل هذا لفظه عند مسلم، وعند البخاري بلفظ "وما فاتكم فأتمُّوا". • وأخرجه الدَّارمي في "مسنده" (١٣٢٠)، والبخاري في "صحيحه" (٦٣٥) ك/الآذان، ب/قول الرجل فاتتنا الصلاة، وفي "القراءة خلف الإمام" (١٠٧) - ومن طريقه ابن حزم في "المُحَلَّى" (٤/ ٢٦٢، ٥/ ٧٤) -، وأبو العبَّاس السَّرَّاج في "مسنده" (٩٠٥)، عن محمد بن يحيى الذُّهَليّ (٤)؛ وأبو عوانة في "المُسْتخرج" (١٥٤٣)، عن أبي أُميَّة محمد بن إبراهيم الخُزَاعي؛ والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣٦٣٠)، من طريق علي بن الحَسَن بن موسى النَّيْسابوري؛ وبرقم (٥٨٧٣)، من طريق محمد بن عبد الوهاب أبو أحمد الفرَّاء. ستتهم (الدَّارمي، والبخاري، والذهليّ، والخُزاعيّ، والنَّيْسابوري، والفَرَّاء) عن أبي نُعيم الفضل بن دُكين، بسنده، والجميع بنحوه، إلا عند الدَّارمي، والبخاري في "القراءة خلف الإمام" مُختصرًا، ولفظه في "صحيحه"،

стр. 406

بعد أن ذكر القصة في أوله: "قَالَ: فَلا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمُ بالسَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فاتكم فَأَتِمُّوا»، وعند السرَّاج، وأبي عوانة، والبيهقي في الرواية الأولى: "وما سُبقْتم فأتمُّوا". • وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢٢٦٠٨)، عن الحسن بن موسى الأَشْيَب، والحسين بن محمد بن بَهْرَام، وأبو عوانة في "المستخرج" (١٥٤٣)، من طريق الحسن بن الأشيب وحده؛ وابن حبَّان في "صحيحه" (٢١٤٧)، من طريق الحُسين بن محمد وحده؛ ومسلم في "صحيحه" (٦٠٣/ ٢) ك/المساجد ومواضع الصلاة، ب/استحباب إتيان الصلاة بوقار، وسكينة، والنَّهي عن إتيانها سَعْيًا، وأبو نعيم في "المستخرج" (١٣٣٩/ ١)، كلاهما (مسلم، وأبو نُعيم)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام الأسدي؛ وأبو العبَّاس السَّرَّاج في "مسنده" (٩٠٣)، وأبو عوانة في "المستخرج" (١٥٤٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٥٨٧٣)، ثلاثتهم (السَّرَّاج، وأبو عوانة، والبيهقي) عن عبَّاس بن محمد الدُّوري، عن يزيد بن هارون الواسطي؛ وأبو عوانة في "المستخرج" (١٥٤٣)، عن أبي أُميَّة محمد بن إبراهيم، عن عُبيد الله بن موسى العَبْسيّ. خمستهم (الحسن، والحسين، والأسديّ، والواسطيّ، والعبسيّ)، عن أبي معاوية شيبان بن عبد الرحمن، بسنده، وبنحو لفظه، ولفظه بعد ذكر القصة عند أحمد: "فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا سُبِقْتُمْ فَأَتِمُّوا". وعند ابن حبَّان: "فلا تستعجلوا" بدل "فلا تفعلوا"، وعند أبي نُعيم من رواية أبي بكر بن أبي شيبة "وما سُبِقْتُم فاقضوا" بدل "فأتمُّوا". • وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٦٠٣/ ١) ك/المساجد ومواضع الصلاة، ب/استحباب إتيان الصلاة بوقارٍ وسكينةٍ، والنَّهي عن إتيانها سعيًا، وأبو العبَّاس السرَّاج في "مسنده" (١) (٩٠٤) - ومن طريقه أخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" (١٣٣٩/ ٣) (٢) -، كلاهما من طريق محمد بن المُبارك الصُّوري القُرَشي. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" (١٣٣٩/ ٢)، بسنده عن مروان بن محمد الطَّاطري. كلاهما (الصُّوري، والطَّاطري)، عن معاوية بن سلَّام، عن يحيى بن أبي كثير، بسنده، وبنحو لفظه،

стр. 407

ولفظه عند مسلم بعد القصَّة: «فَلا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا». (١) ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين، واسمه: عمرو بن حمَّاد بن زهير، القُرَشِيُّ، التَّيْميّ، الكُوفِيُّ، الأحول. روى عن: شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، والسفيانين، وشُعبة، وخلقٌ كثير. روى عنه: البخاريُّ، وأحمد بن خُليد الحلبيُّ، وأحمد بن حنبل، والنَّاس. حاله: قال العجلي، ويعقوب بن شيبة، وابن حجر: ثقةٌ ثبتٌ. وزاد يعقوب: صدوقٌ. وقال ابن سعد، والنَّسائي: ثِقَةٌ، مأمونٌ. وزاد ابن سعد: كثير الحديث حُجَّةٌ. وقال أحمد: ثَبْتٌ في الحديث كَيِّس. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ، كان يحفظ حديث الثوري ومِسْعَر حفظًا جيدًا، وكان لا يُلَقَّن، وكان حافظًا متقنًا. وقال ابن حبَّان: كان أتقن أهل زمانه. وقال أبو داود: كان حافظًا جدًا. وقال الذهبي: ثِقَةٌ حُجَّةٌ. وكان عثمان بن أبي شيبة يلقبه بالأسد. وقال يعقوب الفسوي: أجمع أصحابنا أنَّ أبا نُعيم كان في غاية الإتقان والحفظ وأنَّه حُجَّة. وقال أحمد: أبو نُعيم أثبت وأقلّ خطأ من وكيع، أبو نُعيم أعلم بالشيوخ وأنسابهم، وبالرجال، ووكيع أفقه. وسُئل أبو زرعة: أبو نُعيم أم قبيصة؟ فقال: أبو نُعَيم أتقن الرَّجليْن. وقدَّمه علي بن المديني، ويحيى بن معين في أصحاب الثوري، وقال ابن المديني: كان من الثقات. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ". وأخرج له الجماعة. (٢)

стр. 408

٣) شيبان بن عبد الرَّحمن التَّميمي، النَّحوي، أبو معاوية البَصْري، المُؤَدِّب. روى عن: يحيى بن أبي كثير، والحسن البصري، وسليمان الأعمش، وغيرهم. روى عنه: أبو نُعيم الفضل بن دُكين، وعُبيد الله بن موسى العَبْسي، ومعاوية بن هشام، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والعِجليُّ، والنّسائيُّ، وابن معين، وابن عمَّار، ويزيد بن هارون، وابن شاهين، والبَزَّار، والترمذيُّ، والذهبيُّ، وابن حجر: ثِقَةٌ. وزاد ابن معين، والترمذيّ، وابن حجر: صاحب كتاب. ثم زاد الترمذي: وهو صحيح الحديث. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وروى له الجماعة. وقال أحمد: ثبتٌ في كل المشايخ. وقال: ثبتٌ في يحيى بن أبي كثير، أحبُّ إليّ من الأوزاعي في يحيى ابن كثير، صاحب كتابٍ صحيحٍ. وقال يحيى بن معين: شيبان أحبّ إليَّ من مَعْمَر في قتادة. وبه قال أبو داود أيضًا. وقال يحيى: ثبتٌ في كل شيء. فحاصله: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، صاحب كتابٍ صحيحٍ". (١) ٤) يحيى بن أبي كثير الطَّائي، مَوْلاهم، أبو نصر التِّمامي، واختُلف في اسم أبيه على عدة أقوال. روى عن: عبد الله بن أبي قتادة، وزيد بن سَلَّام، وعِكرمة مولى ابن عبَّاس، وآخرين. روى عنه: شيبان بن عبد الرحمن، وحُسَين المُعَلّم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرون. حاله: قال أيُّوب السختياني: ما علمتُ أحدًا كان أعلم بحديث أهل المدينة بعد الزهري من يحيى بن أبي كثير. وقال أيضًا: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير. وقال شُعبة: يحيى أحسن حديثًا من الزهري. وقال أبو حاتم: يحيى إمامٌ لا يحدّث إلا عن ثقة. وقال أحمد: يحيى من أثبت الناس، إنَّما يُعَدُّ مع الزُّهري، ويحيى بن سعيد، وإن خالفه الزُّهري فالقول قول يحيى. وقال العجلي: ثِقَةٌ، حسن الحديث. وقال الذهبي: من العُبَّاد العلماء الأثبات. وفي "الميزان": هو في نفسه عَدْلٌ حافظٌ من نظراء الزُّهري. - وَصْفُهُ بالتدليس: وَصَفَه به النسائي، والدَّارقطني، وابن حبَّان، والعُقيلي، وابن خُزيمة، وغيرهم. وذَكَره في المرتبة الثانية من مراتب المدلّسين العلائيُّ وابن حجر؛ لكنَّه في "النكت" عَدَّه في المرتبة الثالثة. - وَصْفُهُ بالإرسال: وَصَفَه أبو حاتم، وأحمد، وغيرهما بالإرسال، وقال العلائي: وهو مُكْثرٌ من الإرسال. وقال ابن حجر: يُدَلِّسُ، ويُرْسِلُ. والثابت أنَّه لم يَرَ أحدًا من الصحابة، سِوى أنس بن مالك رآه رُؤية، لكنه لم يسمع منه. وقال يحيى القطّان: مُرسلات يحيى أشْبه بالرّيح. - فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، مُتَفقٌ على توثيقه في نفسه، لكنه كثير الإرسال، والتدليس" (٢).

стр. 409

٥) عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، السَّلَمي، أبو إبراهيم، ويُقال: أبو يحيى المَدَنيُّ. روى عن: أبيه أبي قتادة، وجابر بن عبد الله ﵃. روى عنه: يحيى بن أبي كثير - وهو راويته -، وسَلَمَة بن دِينار، وزيد بن أسلم، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والعِجليُّ، والنسائيُّ، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال الذهبي: من علماء أهل المدينة وثقاتهم. وقال أبو زرعة: روايته عن عمر مرسلة. والحاصل: أنّه "ثِقَةٌ". أخرج له الجماعة. (١) ٦) أبو قتادة الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ وفارسه، اُخْتُلف في اسمه، فقيل: الحارث، وقيل: النُّعمان، وقيل: عمرو، والمشهور: الحارث بن رِبْعي بن بَلْدمة بن خُناس السَّلَميُّ. روى عن: النبي ﷺ ، وعُمر بن الخطاب، ومُعاذ بن جبل ﵃. روى عنه: ابنه عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري ﵃، وآخرون. شهد أُحُدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . (٢) أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي قتادة، أنّ النبي ﷺ دَعَا له؛ فقال: «حَفِظَكَ اللهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ» (٣). وأخرج مسلم في "صحيحه" أيضًا، من حديث سَلَمة بن الأَكْوع، أنّ النبي ﷺ ، قال: «كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ» (٤). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "صحيحٌ لذاته"، رجاله رجال الشيخين، غير أحمد بن خليد، وهو ثِقَةٌ، وقد تابعه على روايته البخاري، وغيره. - والحديث مُخرّجٌ في "الصحيحين" من طريق شيبان بن عبد الرحمن، وهو عند مسلم في "صحيحه" من طريق معاوية بن سَلَّام، عن يحيى بن أبي كثير. - وقد صرّح يحيى بن أبي كثير بسماعه هذا الحديث من عبد الله بن أبي قتادة، عند مسلم. - وللحديث شواهد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، وأبي بكرة ﵃ سيأتي بإذن الله ذكرها -. - والحديث ذكره الهيثمي في "المجمع" - كما سبق -، وقال: رجاله رجال الصحيح. قلتُ: لو كان يقصد بقوله: رجال الصحيح؛ صحيح البخاري ومسلم فلا يُسَلَّم له على إطلاقه، ففيه أحمد ابن خليد ليس من رجالهما، وإن كان ثقة. وإن كان يقصد أنَّ رجاله ثقات، فيصح حديثهم، فهو كما قال. شواهدٌ للحديث:

стр. 410

• أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي ﷺ ، قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (١)، وهذا لفظ البخاري. • وأخرج البخاري في "صحيحه" من حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». (٢) رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا شيبان. مما سبق في التخريج يتضح عدم صحة ما أطلقه المصنف ﵁، فالحديث لم ينفرد به شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، بل تابعه معاوية بن سلام، وروايته عند مسلم في "صحيحه" - كما سبق بيانه في التخريج -. لذا تعقّبه غير واحدٍ من أهل العلم، فقال الهيثمي بعد أن ذكر كلام الطبراني: ولم ينفرد به شيبان. (٣) وقال د/عبد الله الجديع: وهذه الطريق - أي طريق معاوية بن سلام عند مسلم - قد خَفِيَت على … أبي القاسم الطبراني، لذا قال: لم يروه عن يحيى إلا شيبان (٤). وتعقبه كذلك الشيخ/أبو إسحاق الحويني في "تنبيه الهاجد". (٥) ولعل كلام البيهقي يشير إلى هذا، فقال - بعد تخريجه للحديث من طريق شيبان -: والحديث أخرجه مسلم من حديث معاوية بن سلام، وشيبان، عن يحيى بن أبي كثير كذلك. (٦) خامسًا: - التعليق على الحديث: - هذا الحديث يدل على استحباب المشي إلى الصلاة بسكينة، ووقار، وهدوء، وعدم العَجَلة والإسراع، حتى ولو سمع الإقامة، بل ولو فاتته الركعة والركعتين، حتى يتسنّى له الحصول على الأجر كاملًا، قال ابن رجب الحنبلي: وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة، وترك الاسراع والهرولة في المشي، ولما في ذلك من كثرة الخُطى إلى المساجد. (٧) - وأكثر الروايات بلفظ: "وما فاتكم فأتموا"، ووقع في بعضها بلفظ: "فاقضوا". قال البيهقي في "السنن

стр. 411

الكبرى": والذين قالوا "فأتموا" أكثر وأحفظ، وألزم لأبي هريرة ﵁ فهو أَوْلى، والله أعلم. (١) بينما قال ابن الجوزي: وَقَوله: " فَأتمُّوا " أَكثر الروَاة هَكَذَا رووا " فَأتمُّوا " مِنْهُم ابْن مَسْعُود، وأبو قَتَادَة، وأنس، وَأكْثر طرق أبي هُرَيْرَة " فَأتمُّوا " فَإِن الزبيدِيّ وَابْن أبي ذِئْب وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَمعمر، كلهم رَوَوْهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، فَقَالُوا: " فَأتمُّوا "، وَاخْتلفت الرِّوَايَة عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ: فَفِي رِوَايَة عَنهُ كَمَا ذكرنَا، وَفِي رِوَايَة أبي الْيَمَان عَنهُ " فاقضوا "، وَفِي رِوَايَةٍ عَن شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: " فاقضوا "، وَكَذَلِكَ روى ابْن سِيرِين وَأَبُو رَافع عَن أبي هُرَيْرَة؛ وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يُدْرِكهُ الْمَأْمُوم من صَلَاة الإِمَام، فَقَالَ قوم: هُوَ أول صلَاته، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ آخر صلَاته، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَابْن سِيرِين وَالثَّوْري وَأَصْحَاب الرَّأْي وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَالَّذِي نختاره أَنه آخر صلَاته، وَهُوَ الْأَشْبَه بمذهبنا وَمذهب أبي حنيفَة؛ لِأَن صَلَاة الْمَأْمُوم مرتبطة بِصَلَاة الإِمَام، فَيُحْمَل قَوْله: " فَأتمُّوا " على أَن من قضى مَا فَاتَهُ فقد أتمَّ، لأنَّ الصَّلَاة تنقص بِمَا فَاتَ، فقضاؤه إتْمَام لما نقص. (٢) وجمع بين اللفظين ابن عبد الهادي، فقال: والتَّحقيق أنَّه ليس بين اللفظين فرقٌ، فإنَّ القضاء هو الإتمام في عرف الشَّارع، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤). (٥) وقال الحافظ ابن حجر: والحاصلُ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ وَرَدَ بِلَفْظِ: "فَأَتِمُّوا"، وَأَقَلُّهَا بِلَفْظِ: "فَاقْضُوا"، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ إِذا جعلنَا بَين الإتمام والقَضَاءِ مُغَايَرَةً، لَكِنْ إِذَا كَانَ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ وَاحِدًا وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِةٍ مِنْهُ، وَأَمْكَنَ رَدُّ الِاخْتِلَافِ إلى مَعْنًى وَاحِدٍ كَانَ أَوْلَى، وَهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ القَضَاءَ وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْفَائِتِ غَالِبًا لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْأَدَاءِ أَيْضًا، وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦)، وَيَرِدُ بِمَعَانٍ أُخَرَ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: "فَاقْضُوا" عَلَى مَعْنَى الْأَدَاءِ أَوِ الْفَرَاغِ فَلَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ: "فَأَتِمُّوا". (٧)

стр. 412

- والحديث فيه النهي عن الإسراع إلى الصلاة، وهو لا يتعارض مع الأمر بالسعي في قول تعالى: … ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١) قال ابن حبان: السَّعْيُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ هُوَ الْمَشْيُ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَى هَيْنَةِ الْإِنْسَانِ، وَالسَّعْيُ الَّذِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْهُ هُوَ الِاسْتِعْجَالُ فِي الْمَشْي، لِأَنَّ الْمَرْءَ تُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ حَسَنَةٌ، عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تُوقِعَ فِي لُغَتِهَا الِاسْمَ الْوَاحِدَ عَلَى الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مَأْمُورًا بِهِ، وَالْآخَرُ مَزْجُورًا عَنْهُ. (٢) (٣) * * *

стр. 413

[٥٤/ ٤٥٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ (١)، قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ (٢)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَزْوَرَةِ (٣)، فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابنِ أخي الزُّهْرِيِّ إلا الدَّرَاوَرْدِيُّ. هذا الحديث مَدَاره على الزُّهْرِيّ، واختلف عليه فيه مِنْ عِدَّة أوجهٍ: الوجه الأول: الزُّهْرِيُّ، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن عبد الله بن عَدِيّ بن الحَمْرَاء ﵁. الوجه الثاني: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عَدِيّ بن الحَمْرَاء ﵁. الوجه الثالث: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هُرَيْرَة ﵁. الوجه الرابع: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النَّبي ﷺ (مُرْسلًا). الوجه الخامس: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن بعضهم، عن النَّبي ﷺ . وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: الزُّهْرِيُّ، عن محمد بن جُبَيْر، عن عبد الله بن عَدِيّ بن الحمراء ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني برواية الباب - والحديث ذكره ابن عبد الهادي، بإسناد الطبراني، ومتنه (٤) -. • والحاكم في "المستدرك" (٥٢٢٠)، مِنْ طريق عليّ بن المَدِينِيّ، وعَبْد اللَّهِ بن عَبْدِ الوَهَّابِ الحَجَبِيّ، قالا: ثنا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن ابن أخي الزُّهْريّ، عن عَمِّه الزُّهريّ، بنحوه. وقال المزي: ورواه الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن ابن أخي الزُّهْرِيّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن عبد الله بن عَدِيّ بن الحَمْرَاء. (٥)

стр. 414

ب دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عَبدُ اللَّهِ بن الزُّبَيْر بن عِيْسَى، أَبُو بَكْر، الحُمَيْدِيُّ، المَكِّيُّ، القرشيُّ. روى عن: الدَّرَاوَرْدِيُّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وفُضَيْل بن عِيَاض، وآخرين. روى عنه: أحمد بن خُلَيْد، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرَّازيان، والبخاري، والنَّاس. حاله: قال ابن سعد، والعجلي: ثِقَةٌ. وقال أحمد: الحُمَيْدِيُّ عندنا إِمَامٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ إمامٌ. وقال الحاكم: ثِقَةٌ مَأمونٌ. وقال الذهبي: مَعْدُودٌ مِنْ الفُقَهَاء الذين تَفَقّهوا بالشّافعيّ. - وقال الحُمَيْدِيُّ: جالستُ ابن عُيَيْنَة تسع عشرة سنة، أو نحوها. وقال ابن سعد: صاحب ابن عُيَيْنَة وراويته. وقال أبو حاتم: أثبت النَّاس في ابن عُيَيْنَة الحُمَيْدِيُّ، وهو رئيس أصحاب ابن عُيَيْنَة. والحاصل: ما قاله ابن حجر في "التقريب": "ثِقَةٌ، حَافِظٌ، فَقِيْهٌ، أَجَلّ أصحاب ابن عُيَيْنَة". (١) ٣) عَبْدُ العَزيز بن مُحَمَّدِ بن عُبَيد بن أَبي عُبَيد الدَّراوَرْدِيّ، أبو محمد المَدَنِيُّ. روى عن: محمد بن عبد الله ابن أخي الزُّهْريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عُرْوة، وآخرين. روى عنه: الحُميديُّ، وسُفْيان، وشُعْبَة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني، وآخرون. حاله: قال ابن المديني: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ. وقال ابن معين: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ. وقال أيضاً: إذا روى من كتابه فهو أثبت من حفظه. وقال العجلي: ثِقَةٌ. وكان مالك يُوَثِّقُه. وقال ابن حبَّان: كان يُخْطئ. وقال الذهبي في "الميزان": صدوقٌ، وغيره أقوى منه. وفي "السير": حديثه في الدواوين، روى له البخاريُّ مقرونًا بغيره، وحديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن. وقال ابن حجر: صدوقٌ، كان يُحَدِّث مِنْ كتب غيره فَيُخْطئ. - وقال أحمد: كان معروفًا بالطلب، وإذا حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدَّث من كتب الناس وَهِمَ، كان يقرأ من كتبهم فيُخطئ، ورُبَّما قلب حديث عبد الله العمرى يرويه عن عُبَيْد الله بن عُمَر. وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، وحديثه عن عُبَيد الله بن عُمَر مُنْكَرٌ. - وقال أبو زرعة: سيئ الحفظ، فرُبَّما حدَّث مِنْ حفظه الشيء فيُخْطئ. وقال النَّسائيُّ: ليس بالقوي. فحاصله: "ثِقَةٌ، وإذا حدَّث مِنْ حفظه أو مِنْ كتب غيره أخطأ، وحديثه عن عُبَيْد الله العُمَريّ ضَعيفٌ". (٢) ٤) مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن مُسْلِم بن عُبَيْد الله، القرشي الزُّهْرِيّ، أَبُو عبد اللَّه المدني ابْن أخي الزُّهْرِيّ. روى عن: صالح بْن عَبد اللَّه بْن أَبي فروة، وأبيه، وعمه مُحَمَّد بْن مسلم بْن شهاب الزُّهْرِيّ، وآخرين. روى عنه: الدَّرَاوَرْديُّ، ومحمد بن إسحاق، وعبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبيُّ، وآخرون. حاله: قال أحمد: لا بأس به. وقال أيضًا: صالح الحديث. وقال ابن معين: صالحٌ. وقال أبو داود: ثِقَةٌ،

стр. 415

كان أحمد وابن معين يُثْنِيَان عليه. وقال ابن عدي: لم أَرَ بِحَدِيثِهِ بَأْسًا، إذا رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ، ولا رَأَيْتُ له حَدِيثًا مُنْكَرًا فَأَذْكُرُهُ إِذَا رَوَى عَنْهُ ثِقَةٌ. وقال السَّاجي، والذهبي: صدوقٌ، صالحُ الحديثِ، وقد انفرد عن عمه بثلاثة أحاديث. وقال ابن حجر: صدوقٌ، له أوهامٌ. وروى له الجماعة، البخاريُّ متابعة، ومُسلم استشهاداً. - وقال ابن معين: ليس بذاك القوي. وقال أيضًا: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يُكتب حديثه. وقال ابن حبَّان: كان رديء الحفظ كثير الوهم، يُخطئ عن عمه في الروايات، ويخالف فيما يروي عن الأثبات، فلا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الدَّارقطني: ضَعيفٌ. - وقال ابن معين: ابن أخي الزهري أحب إلي في الزهري من محمد بن إسحاق. (١) وقيل لأحمد بن حنبل: محمد بن إسحاق، وابن أخي الزُّهري، في حديث الزُّهريّ؟ فقال: ما أدري، وحَرَّك يده، كأنَّه ضَعَّفَهما. - فحاصله: كما قال الحافظ ابن حجر "صدوقٌ، له أوهامٌ". (٢) ٥) محمد بن مُسْلم بن شهاب الزُّهْريُّ: "ثقةٌ، حافظٌ، متفقٌ على جلالته، وإتقانه"، تقدَّم في رقم (١٠). ٦) مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أبو سعيد القُرَشِيُّ النوفليُّ المَدَنِيُّ. روى عن: أبيه جُبَيْر، وعبد الله بن عبَّاس، ومُعَاوية بن أبي سُفْيَان ﵃، وآخرين. روى عنه: الزُّهريُّ، وعَمرو بن دينار، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والعِجْليُّ، وابن خِرَاش، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: مِنْ أعلم قريش بأحاديثها - أي بأيَّامها، وأنسابها -. وقال الذهبي: إمامٌ، فَقِيْهٌ، ثَبْتٌ. وروى له الجماعةُ. (٣) ٧) عَبْدُ اللَّهِ بن عَدِيّ بن الحَمْرَاء الزُّهْرِيّ، أَبُو عُمَر، وقِيلَ: أَبُو عَمْرو، عداده فِي أهل الحجاز. روى عن: النَّبي ﷺ . … روى عنه: محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال البخاري، وأبو حاتم، وابن عبد البر، وغير واحدٍ: له صحبةٌ. وهو مِنْ مَسْلمة الفتح، وسكن المدينة. وذكروا حديث الباب في ترجمته، وقال ابن عبد البر: قال إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق القاضي: هُوَ الَّذِي سمع رَسُول اللَّهِ ﷺ بالحزورة قوله في فضل مكة. وقال البغوي: لا أعلم روى غيره. وقال البزار: ولا يُعْلَم لعبد الله بن عدي بن الْحَمْرَاء غير هَذَا الحَدِيث. (٤)

стр. 416

ثانيًا: - الوجه الثاني: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عَدِيّ ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه ابن أبي شيبة في "المسند" (٦٧٨)، والدَّارمي في "سننه" (٢٥٥٢)، وابن ماجه في "سننه" (٣١٠٨)، ك/المناسك، ب/فضل مكة، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" - كما في "أخبار المكيين مِنْ تاريخه" (١٢٧) -، والترمذي في "سننه" (٣٩٢٥)، ك/المناقب، ب/في فضل مكة - ومِنْ طريقه ابن الأثير في "أسد الغابة" (٣/ ٣٣٣) -، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (٤٢٣٨)، ك/المناسك، ب/فضل مكة، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٥٥٢/ ٣) - ومِنْ طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (١٥/ ٢٩١) -، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٧٠٨)، وأبو أحمد العسكري في "تصحيفات المحدِّثين" (١/ ٨٧)، والحاكم في "المستدرك" (٤٢٧٠)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢/ ٢٨٩ و ٦/ ٣٣)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٥/ ٢٩٢). كلهم مِنْ طُرُقٍ عن اللَيْث بْن سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ بن خالد بن عَقِيل الأَيْلِيّ. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ صَحيحٌ؛ وَرَوَاهُ محمد بن عَمْرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وحديثُ الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بن عَدِيِّ بن حَمْرَاءَ عِنْدِي أَصَحُّ. وقال الحاكم: حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولم يُخَرِّجَاهُ. وقال الذهبي: على شرط البخاري، ومسلم. • وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٨٧١٥) - ومِنْ طريقه ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢/ ٢٨٨) -، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٥٥٥)، والطبراني في "الشاميين" (٣٠٣٤) - ومِنْ طريقه المزي في "التهذيب" (١٥/ ٢٩١) -، والحاكم في "المستدرك" (٥٨٢٧)، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٤٣٧٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥١٧)، وابن الجوزي في "مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن" (١٩٣). كلهم مِنْ طُرُقٍ عن شُعَيْب بن أبي حمزة. وقال البيهقي: وهذا هو المحفوظ. • وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٨٧١٦)، وعبد بن حُميد - كما في المنتخب (٤٩١) -، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" - كما في "أخبار المكيين مِنْ تاريخه" (١٢٨) -، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٦٢١)، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (٤٢٣٩)، ك/المناسك، ب/فضل مكة، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٥٥٢/ ٢) - ومِنْ طريقه المزي في "التهذيب" (١٥/ ٢٩١) -، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٩٧). كلهم مِنْ طُرُقٍ عن صَالِح بن كَيْسَان - مِنْ أصح الأوجه عنه (١) -. • والفاكهي في "أخبار مكة" (٢٥١٤)، مِنْ طريق عُبيد الله بن أبي زياد الرصافيّ. • وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٦٢٢)، مِنْ طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذِئْبٍ. • وابن خزيمة في "صحيحه" - كما في "إتحاف المهرة" (٩٣٣٢) -، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٥٥٢/ ١) - ومِنْ طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (١٥/ ٢٩٠) -، مِنْ طريق يُونس بن يزيد الأَيْلِيِّ. • والبغوي في "معجم الصحابة" (٤/ ١٢)، مِنْ طريق الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر.

стр. 417

سبعتهم (عُقَيْل بن خالد، وشُعَيْب بن أبي حمزة، وصالح بن كَيْسَان، وعُبَيْد الله بن أبي زياد، وابن أبي ذئب، ويُونس بن يَزيد، وعبد الرحمن بن خالد)، عن الزهري، به، والبعض بنحوه. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد ابن أبي شيبة): ١) قُتَيْبَة بن سَعيد، أبو رجَاء البَغْلانيُّ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ". (١) ٢) الليْثُ بن سَعْد، أبو الحارث المصري: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ، إمامٌ، مَشْهورٌ". (٢) ٣) عُقَيْلُ بن خَالد بن عَقِيْل الأَيْليُّ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، صاحب كتاب"، وعَدَّه غير واحدٍ مِنْ أثبت النَّاس في الزُّهْريِّ، وجعلوه في الطبقة الأولى في أصحاب الزُّهْريِّ، وقَدَّمه أبو حاتم على مَعْمَر في الزُّهْريِّ. (٣) ٤) محمد بن مُسْلم بن شهاب الزُّهْريُّ: "ثقةٌ، حافظٌ، متفقٌ على جلالته، وإتقانه"، تقدَّم في رقم (١٠). ٥) أَبُو سلمة بن عَبْد الرحمن بن عوف القُرَشِيُّ: "ثِقَةٌ مُكْثرٌ"، سيأتي في الحديث رقم (١٣٢). ٦) عَبْدُ اللَّهِ بن عَدِيّ بن الحَمْرَاء الزُّهْرِيّ: "صحابيٌّ، جليلٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ثالثًا: - الوجه الثالث: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هُرَيْرَة ﵁. أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه أحمد في "مُسْنَدِه" (١٨٧١٧)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٥١٨)، والنَّسائيُّ في "السنن الكبرى" (٤٢٤٠)، ك/المناسك، ب/فضل مكة، مِنْ طريقين عن مَعْمَر - بإحدى الروايات عنه -، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، به. وقال البيهقي: وهذا وَهْمٌ مِنْ مَعْمَرٍ - واللهُ أعلم -، وقد رَوَى بعضهم عن محمد بن عَمْرٍو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيْرَةَ، وهو أيضا وَهْمٌ، والصَّحِيحُ رِوَايَةُ الجماعة. وقال ابن عبد البر: وَهِمَ فِيهِ مَعْمَر، إذ جعله لأبي سلمة عن أبي هُرَيْرَةَ، وخالفهُ أصحابُ ابن شِهَابٍ فجعلوا الحديث لأبي سَلَمَة عن عبد اللَّهِ بن عَدِيِّ بن الحَمْرَاءِ. (٤) وقال ابن عبد الهادي: كأنَّ ذلك وَهْمٌ مِنْ مَعْمَر. (٥) ب متابعات للوجه الثالث: • وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٥٩٥٤)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٣١٤٦ و ٤٧٩٥ و ٤٧٩٦)، وفي "شرح معاني الآثار" (٤١٦١ و ٤١٦٢ و ٥٤٦٢ و ٥٤٦٣)، مِنْ طُرُقٍ عن محمد بن عَمْرٍو - بإحدى الروايات عنه -، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى الْحَجُونِ عَامَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ

стр. 418

إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَلَوْ لَمْ أُخْرَجْ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ مِنْ سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُحْتَشُّ خَلاهَا، … الحديث». وفي بعض المواضع عند الطحاوي مُخْتَصراً. قال ابن أبي حاتم في "العلل": وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ محمَّد بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: … وذكر الحديث؟ فَقَالا: هَذَا خطأٌ؛ وَهِمَ فِيهِ محمَّد بْنُ عَمْرٍو؛ وَرَوَاهُ الزُّهْري، عن أبي سَلَمة، عن عبد الله بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْراء، عَنِ النبيِّ ﷺ ؛ وهو الصَّحيحُ. (١) قلتُ: ووافقهما على ذلك - أي على جعل الحديث مِنْ طريق محمد بن عَمرو مِنْ حديث أبي هريرة خطأٌ، ووهمٌ -: الترمذي، والبيهقي، كما سبق بيانه في الوجه الثاني، والثالث. وقال ابن حجر: وسلك محمد بن عمرو الجادة، فقال عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁. (٢) رابعًا: - الوجه الرابع: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النَّبيّ ﷺ (مُرْسلًا). أ تخريج الوجه الرابع: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (٨٨٦٨) - ومِنْ طريقه البغوي في "معجم الصحابة" (١٥٥٣)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥١٨) -، عَنْ مَعْمَرٍ - بإحدى الروايات عنه -، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَزْوَرَةِ فَقَالَ: وذكر الحديث. وقال البيهقي: وهذا وَهْمٌ مِنْ مَعْمَر. ب متابعات للوجه الرابع: • أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (٧٦٨)، مِنْ طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، قال: حدَّثنا محمد بن عَمْرٍو، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن بن عَوْفٍ، قال: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْحَجُونِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: « … الحديث». قلتُ: وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى "متروك الحديث". (٣) • وأخرجه أيضًا الأزرقي في "أخبار مكة" (٩٠٤)، من طريق عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قال: أخبرني محمد بن عَمْرِو بن علقمة، عن أبي سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى الْحَجُونِ، ثُمَّ قَالَ: … الحديث. قلتُ: وفيه عثمان بن ساج "ضَعيفٌ" (٤)، واضطرب فيه، فرواه أيضًا كما أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (٩٠٣)، مِنْ طريق عُثمان، قال: أخبرني طلحةُ بن عَمْرٍو الحَضْرَمِيُّ، عن عَطَاء بن أبي رَبَاحٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْرُجَ مِنْكِ وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ الْبِلادِ إِلَى اللَّه … ».

стр. 419

خامسًا: - الوجه الخامس: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة، عن بعضهم، عن النَّبي ﷺ . أ تخريج الوجه الخامس: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٨٧١٨) - ومِنْ طريقه البغوي في "معجم الصحابة" (١٥٥٤) -، مِنْ طريق مَعْمَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، به. سادسًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ مَدَاره على الزُّهْرِيّ، واختلف عليه فيه مِنْ عِدَّة أوجهٍ: الوجه الأول: الزُّهْرِيُّ، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن عبد الله بن عَدِيّ بن الحَمْرَاء ﵁. الوجه الثاني: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عَدِيّ بن الحَمْرَاء ﵁. الوجه الثالث: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هُرَيْرَة ﵁. الوجه الرابع: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (مُرْسلًا). الوجه الخامس: الزُّهْريُّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن بعضهم، عن النَّبي ﷺ . والذي يَظْهَرُ - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية والأحفظية: فرواة الوجه الثاني عن الزُّهري أكثر وأحفظ مِنْ غيرهم، وأكثرهم مِنْ الطبقة الأولى في أصحاب الزُّهْري. ٢) أنَّ الوجه الأول رواه محمد بن عبد الله بن مُسْلم (ابن أخي الزُّهْرِيّ)، عن الزُّهري، ولم أقف - على حد بحثي - على مَنْ تابعه على رواية هذا الوجه، وقد ضَعَّفه الإمام أحمد في روايته عن الزُّهري خاصة، وتكلَّم فيه غير واحد مِنْ جهة حفظه، وقال ابن حجر: صَدُوقٌ، له أوهام. فَلَعَلَّ هذا الحديث مِنْ أوهامه؛ لمخالفته لما رواه الجماعة عن الزُّهري. ٣) وأمَّا الوجه الثالث، والرابع، والخامس فَمَدَارها على مَعْمَر، ولم أقف على مَنْ تابعه مِنْ وجهٍ صَحيحٍ، مع مخالفته لما رواه الجماعة عن الزُّهري، لذا ذهب البيهقي، وابن عبد البر، وابن عبد الهادي إلى القول بأنَّ مَعْمَر قد وَهِمَ في رواية هذا الحديث؛ لتفرُّده، مع اضطرابه، ومخالفته. ٤) وأمَّا ما سبق ذكره مِنْ المتابعات للوجه الثالث والرابع، فلا تصلح للاعتبار؛ لكون بعضها قد اعتبره العلماء مِمَّا وَهِمَ فيه محمد بن عَمرو، وبعضها شديد الضعف - كما سبق تفصيله -. ٥) بالإضافة إلى ترجيح الأئمة لما رواه الجماعة عن الزُّهْريِّ - أي بالوجه الثاني -: فَرَجَّحه أبو حاتم، وأبو زرعة، والترمذي، والبيهقي، وابن عبد البر - كما سبق نقله عنهم في التخريج -. ورَجَّحه كذلك ابن كثير (١)، وابن حجر (٢).

стр. 420

سابعًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيُّ "شَاذٌّ"؛ فيه محمد بن عبد الله بن مُسْلم (ابن أخي الزُّهْرِيّ) "صدوقٌ، له أوهام"، وخالف فيه ما رواه الجماعة عن الزُّهْرِيّ، ولم يُتابع عليه. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِنْ خلال ما سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "صحيحٌ". قال الترمذي: حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ صَحيحٌ. وقال الحاكم: حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولم يُخَرِّجَاهُ. وقال الذهبي: على شرط البخاري، ومسلم. وهو مِمَّا استدركه الدَّارقطني على البخاري ومسلمٌ، فقال: ذِكْرُ أحاديث رجالٍ من الصَّحابة رووا عن النَّبيِّ ﷺ رُوِيَت أحاديثهم مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ لا مطعن في ناقلها، ولم يُخرجا من أحاديثهم شيئًا، فيلزم إخراجها على مذهبهم … ثُمَّ ذكر جماعة، منهم: عبد الله بن عَدِيِّ بن الحمراء الزُّهريَّ، روى عنه أبو سلمة ابن عبد الرحمن ومحمَّد بن جبير بن مطعم، قاله الزهريَّ عنهما. (١) وقال ابن عبد البر: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عند جماعة أهل العلم بالحديث، ولم يَأْتِ عن النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ شَيْءٌ يُعَارِضُهُ. (٢) وقال الذهبي: إسناده صحيحٌ. (٣) وقال ابن حجر - بعد أن ذكر الحديث بالوجه الراجح -: هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أصحاب السنن، وصَحَّحَه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبَّان، وغيرهم. (٤) ثامنًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابنِ أخي الزُّهْرِيِّ إلا الدَّرَاوَرْدِيُّ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. تاسعًا: - التعليق على الحديث: قال ابن عبد البر: والذي أقول به في هذا الباب أَنَّ البِقَاعَ أَرْضُ اللَّهِ وَخَلْقُهُ، فلا يَجُوزُ أنْ يُفَضَّلَ منها شَيْءٌ على شَيْءٍ إلا بِتَوْقِيفِ مَنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ له بِنَقْلٍ لا مدفع فيه ولا تأويل، وقد ثبت عن النَّبِيّ ﷺ في هذه المسألة ما يُغْنِي عن قول كُلِّ قَائِلٍ، ويقطعُ الخلاف فيها، ثم ذكر حديث الباب مِنْ طريق الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عند جماعة أهل العلم بالحديث، ولم يَأْتِ عن النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ شَيْءٌ يُعَارِضُهُ.

стр. 421

وقد رَوَى محمد بن الحَسَنِ بن زَبَالَةَ وهو "متروك الحديث، مُجْمَعٌ على تَرْكِ الاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ"، وقد انْفَرَدَ بهذا الحديث، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال في حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ، فَسَكِّنِي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ"، وهذا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ عند أهل العلم بالحديث ولا يَخْتَلِفُونَ في نكارته ووضعه. ثُمَّ قال: وَحَسْبُكَ بِمَكَّةَ أَنَّ فيها بَيْت اللَّهِ الذي رَضِيَ لِعِبَادِهِ على الحطِّ لأَوْزَارِهِم، وغُفْرَانِ ذُنُوبِهِم، أَنْ يَقْصِدُوهُ مَرَّةً وَاحِدَةً في أَعْمَارِهِم، ولم يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ صَلَاةً إلا باسْتِقْبَالِ جِهَتِهِ بِصَلَاتِهِ، إذا كان عَالِمًا بِالجِهَةِ قَادِرًا على التَّوَجُّهِ إليها فهي قِبْلَةُ أهل دينه أحياءً وأمواتًا، والآثَارُ عن السَّلَفِ في فَضَائِلِ مَكَّةَ كثيرةٌ جدًّا. (١) وقال ابن القيم: اختار الله مِنْ الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي البلد الحرام، فإنه اختاره لنبيه ﷺ ، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رءوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا، وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا تعضد به شجرة، ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا، وجعل قصده مُكَفِّرًا لما سلف من الذنوب، ماحيًا للأوزار، حاطًا للخطايا، كما في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢)، ولم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي "السنن" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الجَنَّةُ» (٣)، وفي "الصحيحين" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ» (٤)، فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبها إليه، ومختاره من البلاد؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ (٦)، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل

стр. 422

قادر السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود، والركن اليماني. وثبت عن النبي ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، فبإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي ذَاكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاةٍ فِي هَذَا»، يَعْنِي فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. رواه ابن حبان في "صحيحه" (١)، وهذا صريحٌ في أنَّ المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شد الرحال إليه فرضًا، ولغيره مما يُستحب ولا يجب، وفي "المسند"، والترمذيّ، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرة من مكة، يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا. فلله كم أنفق في حبها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد، والأهل والأحباب والأوطان، مقدمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ويراه - لو ظهر سلطان المحبة في قلبه - أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم. (٢) وقال النووي: قال القاضي عياض: أجمعوا على أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلفوا في أفضلهما، ما عدا موضع قبره ﷺ ، فقال عمر ﵁، وبعض الصحابة ﵃، ومالك، وأكثر المدنيين: المدينة أفضل. وقال أهل مكة، والكوفة، والشافعي، وابن وهب، وابن حبيب المالكيان: مكة أفضل. قلت (النووي): ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة، حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء ﵁ أنه سمع النبي صلى الله ﷺ وهو واقف على راحلته بمكة، يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»، رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي هو حديث حسن صحيح. وعن عبد الله بن الزبير، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي ذَاكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاةٍ فِي هَذَا»، حديث حسنٌ. (٣) * * *

стр. 423

[٥٥/ ٤٥٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، و [أَنْتَقُ] (١) أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِاليَسِيرِ». أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه المزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٦٤)، مِنْ طريق الطبراني، عن أحمد بن خُلَيْد، به. وقال المِزِّيُّ: قال أَبُو الْقَاسِم: لا يُرْوَى عن عُوَيْم بن سَاعِدَة إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّد به محمد بن طَلْحَة التَّيْمِيُّ. • وأخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٢٨٨)، وأبو على القالي في "الأمالي" (٢/ ٣٠٧)، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ٢١١٨)، مِنْ طريق بِشْر بن مُوسَى، وخَلَف بن عَمْرٍو العُكْبُرِيّ؛ والطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٤٠/٣٥٠) - ومِنْ طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٦٤) -، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٤٧٤)، كلاهما عن خلف بن عَمرو وحده؛ قالا (بشر، وخلف): نا الحُمَيْدِيُّ، قال: نا محمد بن طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ، نا عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عُوَيْمِ بنِ سَاعِدَةَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، به. وعند أبي نُعيم: عبد الرحمن بن سالم بن عبد الله بن عُوَيْم؛ ووقع فيه التصريح باسم جده، فقال: عن جده عُويم بن سَاعدة. وذهب البيهقي أنَّ الضمير في قوله: "عن جده" يعود إلى عبد الرحمن بن سالم، فجعل الحديث مِنْ مُسْنَد عبد الرحمن بن عُوَيْم؛ فقال: وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عُوَيْمٍ ليست له صُحْبَةٌ. • وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٨٦١)، ك/النكاح، ب/تزويج الأبكار، وابن قُتَيْبَة في "غريب الحديث" (١/ ٢٥٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٤٧)، وتَمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البَسَّام" (٧٤٨) -، وأبو نُعيم في "الطب النبوي" (٤٤٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٣٤٧٣)، والبغوي في "شرح السنة" (٢٢٤٦)، مِنْ طُرُقٍ عن محمد بن طلحة، قال: حدَّثني عبد الرحمن بن سالم بن عُتْبَة بن عُوَيْم بن ساعدة الأنصاري، به. وعند تَمَّام، قال: عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عُوَيْم. وقال البغوي: عبد الرَّحْمَن بن سَالم هو ابن عبد الرَّحْمَنِ بن عُوَيْم بن سَاعِدَة، وعبد الرَّحْمَن بن عُوَيْم ليست له صُحْبَة. ووافقه ولي الدين التبريزي، فقال: رواه ابن ماجه مُرْسلًا. (٢)

стр. 424

ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عَبدُ اللَّهِ بن الزُّبَيْر، الحُمَيْدِيُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، أَجَلّ أصحاب ابن عُيَيْنَة"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٤). ٣) محمد بن طلحة بن عَبْد الرَّحْمَن بن طلحة، أبو عبد الله التَّيْميّ المَدَنِيُّ، ويُقال له ابن الطَّوِيلِ. روى عن: عبد الرحمن بن سالم، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأبي سُهَيل نافع بن مالك، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن الزُّبير الحُميْديّ، وعليُّ بن المدينيّ، ونُعيم بن حَمَّاد، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: محله الصدق، يُكتب حديثه، ولا يُحتج به. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: رُبَّما أخطأ. وقال الذهبي: مَعْرُوفٌ صَدُوقٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ يُخطئ. وقال صاحبا "تحرير التقريب": بل صدوقٌ، كما قال الذهبي؛ وقول ابن حبَّان: "رُبَّما" تدل على القلَّة، فقوله: "يُخطئ" فيه نظر. (١) ٤) عَبْد الرَّحْمَن بن سالم بن عُتْبَة، بْنِ عُوَيْمِ الأَنْصارِيّ المدني. وجده عُوَيْم من أعيان الصحابة. روى عن: أبيه، عن جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . روى عنه: محمد بن طلحة بن الطويل التَّيْمِيّ، ولم أقف - على حد بحثي - على أحد روى عنه غيره. حاله: قال ابن حجر: "مجهولٌ". (٢) ٥) سَالِم بن عتبة، ويُقال: ابن عبد الله، ويُقال: ابن عبد الرحمن، بن عُوَيْم بن ساعدة، الأَنْصارِيّ، الْمَدَنِيّ، والد عَبْد الرَّحْمَنِ بن سَالِم. روى حديثه: مُحَمَّد بْن طَلْحَة التَّيْمِيّ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن سَالِم، عَن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ . روى عنه: ابنه عبد الرحمن بن سالم. حاله: قال ابن حجر: مقبولٌ. فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال". (٣) ٦) عُوَيْمُ بن ساعدة الأَنْصارِيّ، أَبُو عبد الرحمن المدني، صاحب رَسُول الله ﷺ . روى عن: النَّبيّ ﷺ . … روى عنه: حفيده سالم بن عُتْبَة، وشَرَحْبِيل بن سَعْد - إن كان محفوظًا -. شهد العقبة الثانية مع السبعين مِنْ الأنصار، وشهد بَدْرًا، والمشاهد كلها مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ . قال عُمر بن الخطاب ﵁: مَا نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَايَةً إِلا وَعُوَيْمٌ تَحْتَ ظِلِّهَا. مَاتَ في خلافة عمر بن الْخطاب ﵁. (٤) وذهب البعض إلى أنَّ الحديث مِنْ مُسْند عُتْبَة بن عُويم، وعُتْبة "مُختلفٌ في صحبته، والراجح عدم صحة

стр. 425

صحبته"، فحكموا على الحديث بالإرسال، والصواب ما ذكره ابن نقطة، وابن حجر وغيرهما أنَّ الحديث مِنْ مُسْنَد عُويم بن ساعدة، وأنَّ الضمير في قوله في الإسناد: "عن جده" يعود على سالم بن عُتْبَة، ويُؤيد ذلك أنَّه وقع التصريح باسمه في بعض روايات الحديث - كما سبق عند أبي نُعيم في "معرفة الصحابة" -، لذا جعله ابن أبي عاصم، وابن قانع، والطبراني في مُسند عُويم، قال ابن حجر في "التهذيب": وهو الصواب. بينما جعله المزي في "التحفة" - تبعاً لابن عساكر -، مِنْ مُسند عُتبة بن عُويم. وجعله في "التهذيب" مِنْ مُسْنَد عُويم بن ساعدة. وقال ابن كثير في "جامع المسانيد": جعله شيخنا في الأطراف في ترجمة عتبة، ويُحتمل أن يَعود الضمير إلى عُوَيْم بن سَاعِدَة. وقال ابن حجر في "التلخيص": وفي الباب عن عُويم بن ساعدة، وذكر رواية الباب، وعزاه إلى ابن ماجه. وجعله كذلك السيوطي في "الجامع الصغير" مِنْ مُسند عُويم. (١) ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه: عبد الرحمن بن سالم بن عُتبة بن عُوَيْم الأنصاري، هو وأبوه "مجهولان". شواهد للحديث: وللحديث جملة مِنْ الشواهد مِنْ أمثلها: • ما أخرجه أبو نُعيم في "الطب النبوي" (٤٤٨)، مِنْ طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عُمَر، عَن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُم بِالأَبْكَار فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَسْخَنُ إِقْبَالاً، وَأَرْضَى بِاليَسِير مِنْ العَمَلِ". قال ابن حجر: فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضَعيفٌ. (٢) وذكره السيوطي، وعزاه إلى ابن السُّنيّ، وأبي نُعيم، ورمز له بالضعف. (٣) وقال العجلوني: رواه ابن السني، وأبو نعيم عن ابن عمر بسند ضعيف. (٤) • وأخرج الإمام عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٠٣٤١)، عن مَعْمَرٍ، عن ابْنِ خُثَيْم، عن مَكْحُولٍ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَانْكِحُوهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ أَفْتَحُ أَرْحَامًا، وَأَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَغَرُّ غُرَّةً». وهذا مُرْسَلٌ، إسناده صحيحٌ. • وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧٦٩٤)، وابن أبي الدنيا في "الإشراف في منازل الأشراف" (٤٦٠)، مِنْ طريق حَمَّادِ بن زَيْدٍ، قال: نا عَاصِم بن أبي النَّجود، عن عُمَر بن الْخَطَّابِ ﵁، قال: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ
следующие страницы →