← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقد رَوَى محمد بن الحَسَنِ بن زَبَالَةَ وهو "متروك الحديث، مُجْمَعٌ على تَرْكِ الاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ"، وقد انْفَرَدَ بهذا الحديث، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قال في حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ، فَسَكِّنِي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ"، وهذا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ عند أهل العلم بالحديث ولا يَخْتَلِفُونَ في نكارته ووضعه. ثُمَّ قال: وَحَسْبُكَ بِمَكَّةَ أَنَّ فيها بَيْت اللَّهِ الذي رَضِيَ لِعِبَادِهِ على الحطِّ لأَوْزَارِهِم، وغُفْرَانِ ذُنُوبِهِم، أَنْ يَقْصِدُوهُ مَرَّةً وَاحِدَةً في أَعْمَارِهِم، ولم يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ صَلَاةً إلا باسْتِقْبَالِ جِهَتِهِ بِصَلَاتِهِ، إذا كان عَالِمًا بِالجِهَةِ قَادِرًا على التَّوَجُّهِ إليها فهي قِبْلَةُ أهل دينه أحياءً وأمواتًا، والآثَارُ عن السَّلَفِ في فَضَائِلِ مَكَّةَ كثيرةٌ جدًّا. (١) وقال ابن القيم: اختار الله مِنْ الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي البلد الحرام، فإنه اختاره لنبيه ﷺ ، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رءوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا، وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا تعضد به شجرة، ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا، وجعل قصده مُكَفِّرًا لما سلف من الذنوب، ماحيًا للأوزار، حاطًا للخطايا، كما في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢)، ولم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي "السنن" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الجَنَّةُ» (٣)، وفي "الصحيحين" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ» (٤)، فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبها إليه، ومختاره من البلاد؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ (٦)، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل

стр. 422

قادر السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود، والركن اليماني. وثبت عن النبي ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، فبإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي ذَاكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاةٍ فِي هَذَا»، يَعْنِي فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. رواه ابن حبان في "صحيحه" (١)، وهذا صريحٌ في أنَّ المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شد الرحال إليه فرضًا، ولغيره مما يُستحب ولا يجب، وفي "المسند"، والترمذيّ، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرة من مكة، يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا. فلله كم أنفق في حبها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد، والأهل والأحباب والأوطان، مقدمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ويراه - لو ظهر سلطان المحبة في قلبه - أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم. (٢) وقال النووي: قال القاضي عياض: أجمعوا على أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلفوا في أفضلهما، ما عدا موضع قبره ﷺ ، فقال عمر ﵁، وبعض الصحابة ﵃، ومالك، وأكثر المدنيين: المدينة أفضل. وقال أهل مكة، والكوفة، والشافعي، وابن وهب، وابن حبيب المالكيان: مكة أفضل. قلت (النووي): ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة، حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء ﵁ أنه سمع النبي صلى الله ﷺ وهو واقف على راحلته بمكة، يقول: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»، رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي هو حديث حسن صحيح. وعن عبد الله بن الزبير، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي ذَاكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاةٍ فِي هَذَا»، حديث حسنٌ. (٣) * * *

стр. 423

[٥٥/ ٤٥٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، و [أَنْتَقُ] (١) أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِاليَسِيرِ». أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه المزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٦٤)، مِنْ طريق الطبراني، عن أحمد بن خُلَيْد، به. وقال المِزِّيُّ: قال أَبُو الْقَاسِم: لا يُرْوَى عن عُوَيْم بن سَاعِدَة إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّد به محمد بن طَلْحَة التَّيْمِيُّ. • وأخرجه ابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٢٨٨)، وأبو على القالي في "الأمالي" (٢/ ٣٠٧)، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ٢١١٨)، مِنْ طريق بِشْر بن مُوسَى، وخَلَف بن عَمْرٍو العُكْبُرِيّ؛ والطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٤٠/٣٥٠) - ومِنْ طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٦٤) -، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٤٧٤)، كلاهما عن خلف بن عَمرو وحده؛ قالا (بشر، وخلف): نا الحُمَيْدِيُّ، قال: نا محمد بن طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ، نا عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عُوَيْمِ بنِ سَاعِدَةَ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ، به. وعند أبي نُعيم: عبد الرحمن بن سالم بن عبد الله بن عُوَيْم؛ ووقع فيه التصريح باسم جده، فقال: عن جده عُويم بن سَاعدة. وذهب البيهقي أنَّ الضمير في قوله: "عن جده" يعود إلى عبد الرحمن بن سالم، فجعل الحديث مِنْ مُسْنَد عبد الرحمن بن عُوَيْم؛ فقال: وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عُوَيْمٍ ليست له صُحْبَةٌ. • وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٨٦١)، ك/النكاح، ب/تزويج الأبكار، وابن قُتَيْبَة في "غريب الحديث" (١/ ٢٥٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٤٧)، وتَمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البَسَّام" (٧٤٨) -، وأبو نُعيم في "الطب النبوي" (٤٤٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٣٤٧٣)، والبغوي في "شرح السنة" (٢٢٤٦)، مِنْ طُرُقٍ عن محمد بن طلحة، قال: حدَّثني عبد الرحمن بن سالم بن عُتْبَة بن عُوَيْم بن ساعدة الأنصاري، به. وعند تَمَّام، قال: عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عُوَيْم. وقال البغوي: عبد الرَّحْمَن بن سَالم هو ابن عبد الرَّحْمَنِ بن عُوَيْم بن سَاعِدَة، وعبد الرَّحْمَن بن عُوَيْم ليست له صُحْبَة. ووافقه ولي الدين التبريزي، فقال: رواه ابن ماجه مُرْسلًا. (٢)

стр. 424

ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عَبدُ اللَّهِ بن الزُّبَيْر، الحُمَيْدِيُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، أَجَلّ أصحاب ابن عُيَيْنَة"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٤). ٣) محمد بن طلحة بن عَبْد الرَّحْمَن بن طلحة، أبو عبد الله التَّيْميّ المَدَنِيُّ، ويُقال له ابن الطَّوِيلِ. روى عن: عبد الرحمن بن سالم، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأبي سُهَيل نافع بن مالك، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن الزُّبير الحُميْديّ، وعليُّ بن المدينيّ، ونُعيم بن حَمَّاد، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: محله الصدق، يُكتب حديثه، ولا يُحتج به. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: رُبَّما أخطأ. وقال الذهبي: مَعْرُوفٌ صَدُوقٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ يُخطئ. وقال صاحبا "تحرير التقريب": بل صدوقٌ، كما قال الذهبي؛ وقول ابن حبَّان: "رُبَّما" تدل على القلَّة، فقوله: "يُخطئ" فيه نظر. (١) ٤) عَبْد الرَّحْمَن بن سالم بن عُتْبَة، بْنِ عُوَيْمِ الأَنْصارِيّ المدني. وجده عُوَيْم من أعيان الصحابة. روى عن: أبيه، عن جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . روى عنه: محمد بن طلحة بن الطويل التَّيْمِيّ، ولم أقف - على حد بحثي - على أحد روى عنه غيره. حاله: قال ابن حجر: "مجهولٌ". (٢) ٥) سَالِم بن عتبة، ويُقال: ابن عبد الله، ويُقال: ابن عبد الرحمن، بن عُوَيْم بن ساعدة، الأَنْصارِيّ، الْمَدَنِيّ، والد عَبْد الرَّحْمَنِ بن سَالِم. روى حديثه: مُحَمَّد بْن طَلْحَة التَّيْمِيّ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن سَالِم، عَن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ . روى عنه: ابنه عبد الرحمن بن سالم. حاله: قال ابن حجر: مقبولٌ. فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال". (٣) ٦) عُوَيْمُ بن ساعدة الأَنْصارِيّ، أَبُو عبد الرحمن المدني، صاحب رَسُول الله ﷺ . روى عن: النَّبيّ ﷺ . … روى عنه: حفيده سالم بن عُتْبَة، وشَرَحْبِيل بن سَعْد - إن كان محفوظًا -. شهد العقبة الثانية مع السبعين مِنْ الأنصار، وشهد بَدْرًا، والمشاهد كلها مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ . قال عُمر بن الخطاب ﵁: مَا نَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَايَةً إِلا وَعُوَيْمٌ تَحْتَ ظِلِّهَا. مَاتَ في خلافة عمر بن الْخطاب ﵁. (٤) وذهب البعض إلى أنَّ الحديث مِنْ مُسْند عُتْبَة بن عُويم، وعُتْبة "مُختلفٌ في صحبته، والراجح عدم صحة

стр. 425

صحبته"، فحكموا على الحديث بالإرسال، والصواب ما ذكره ابن نقطة، وابن حجر وغيرهما أنَّ الحديث مِنْ مُسْنَد عُويم بن ساعدة، وأنَّ الضمير في قوله في الإسناد: "عن جده" يعود على سالم بن عُتْبَة، ويُؤيد ذلك أنَّه وقع التصريح باسمه في بعض روايات الحديث - كما سبق عند أبي نُعيم في "معرفة الصحابة" -، لذا جعله ابن أبي عاصم، وابن قانع، والطبراني في مُسند عُويم، قال ابن حجر في "التهذيب": وهو الصواب. بينما جعله المزي في "التحفة" - تبعاً لابن عساكر -، مِنْ مُسند عُتبة بن عُويم. وجعله في "التهذيب" مِنْ مُسْنَد عُويم بن ساعدة. وقال ابن كثير في "جامع المسانيد": جعله شيخنا في الأطراف في ترجمة عتبة، ويُحتمل أن يَعود الضمير إلى عُوَيْم بن سَاعِدَة. وقال ابن حجر في "التلخيص": وفي الباب عن عُويم بن ساعدة، وذكر رواية الباب، وعزاه إلى ابن ماجه. وجعله كذلك السيوطي في "الجامع الصغير" مِنْ مُسند عُويم. (١) ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه: عبد الرحمن بن سالم بن عُتبة بن عُوَيْم الأنصاري، هو وأبوه "مجهولان". شواهد للحديث: وللحديث جملة مِنْ الشواهد مِنْ أمثلها: • ما أخرجه أبو نُعيم في "الطب النبوي" (٤٤٨)، مِنْ طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عُمَر، عَن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُم بِالأَبْكَار فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَسْخَنُ إِقْبَالاً، وَأَرْضَى بِاليَسِير مِنْ العَمَلِ". قال ابن حجر: فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضَعيفٌ. (٢) وذكره السيوطي، وعزاه إلى ابن السُّنيّ، وأبي نُعيم، ورمز له بالضعف. (٣) وقال العجلوني: رواه ابن السني، وأبو نعيم عن ابن عمر بسند ضعيف. (٤) • وأخرج الإمام عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٠٣٤١)، عن مَعْمَرٍ، عن ابْنِ خُثَيْم، عن مَكْحُولٍ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَانْكِحُوهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ أَفْتَحُ أَرْحَامًا، وَأَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَغَرُّ غُرَّةً». وهذا مُرْسَلٌ، إسناده صحيحٌ. • وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧٦٩٤)، وابن أبي الدنيا في "الإشراف في منازل الأشراف" (٤٦٠)، مِنْ طريق حَمَّادِ بن زَيْدٍ، قال: نا عَاصِم بن أبي النَّجود، عن عُمَر بن الْخَطَّابِ ﵁، قال: «عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ

стр. 426

مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَصَحُّ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ». وهذا موقوفٌ، إسناده حَسَنٌ، فيه: ابن أبي النَّجود. • ويشهد لعموم الحث والترغيب على التزويج مِنْ الأبكار، ما أخرجه البخاري ومسلمٌ في "صَحيحيهما"، أنَّ النَّبيّ ﷺ قال لجابر بن عبد الله رضى الله عنهما: «أَتَزَوَّجْتَ بَعْدَ أَبِيكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «ثَيِّبًا، أَمْ بِكْرًا؟» قَالَ: قُلْتُ: ثَيِّبًا، قَالَ: «فَهَلا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا» … الحديث. (١) قلتُ: وعليه فالحديث بمجموع طرقه وشواهده يرتقي إلى "الحسن لغيره"، والله أعلم. والحديث ذكره السيوطي مِنْ حديث عُوَيْم بن سَاعِدَة، وعزاه إلى ابن ماجه، والبيهقي، ورمز له بالحُسْن. (٢) وحسَّنه الألباني بمجموع طرقه، وشواهده. (٣) رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لا يُرْوَى عن عُوَيْم بن سَاعِدَة إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّد به محمد بن طَلْحَة. (٤) قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. * * *

стр. 427

[٥٦/ ٤٥٦]- وَعَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎ اخْتَارَنِي، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا، فَجَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ، وأَنْصَارًا، وأَصْهَارًا، فَمَنْ سَبَّهُمْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». * لا يُرْوَى هذان الحديثان (١) عن عُوَيْمِ بن سَاعِدَةَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ بهما: محمد بن طَلْحَةَ التَّيْمِيُّ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه أبو عليّ القالي في "أماليه" (٢/ ٣٠٧)، والخطيب البغدادي في "تلخيص المتشابه في الرسم" (٢/ ٦٣١)، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٥٣٢٤)، عن بِشْر بن موسى الأسديّ، وخَلَف بن عَمرو العُكْبُري؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٢٨٨)، وأبو بكر الآجُريّ في "الشريعة" (١٩٨٩)، وفي "الأربعين" (١١) - ومِنْ طريقه السبكي في "معجم الشيوخ" (١/ ١٧٧) -، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ١٤٠/٣٤٩) - ومِنْ طريقه الضياء المقدسي في "النهي عن سب الأصحاب" (٥) -، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٧)، عن خلف بن عَمرو وحده؛ والحاكم في "المستدرك" (٦٦٥٦)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٢/ ١١)، عن بشر بن موسى وحده؛ كلاهما (بِشْر، وخلف) عن الحُمَيْدي، به. وزادوا: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً». وعند الحاكم، وأبي نُعيم: عن جده عُويم بن سَاعِدة. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه. وقال الذهبي: صَحيحٌ. وقال البيهقي: تَفَرَّدَ به محمد بن طلحة، وفيه إرسالٌ، لأنَّ عبد الرحمن بن عُوَيْمٍ لَيْسَتْ له صُحْبَةٌ. قلتُ: الصواب أنَّ الحديث مِنْ مُسْنَد عُوَيْم بن سَاعدة، ووقع التصريح به في بعض الطُرُقِ - كما سبق -. • وأخرجه أبو محمد حرب الكرماني في "مسائله" (١٤٢٢)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٠٠)، وفي "الآحاد والمثاني" (١٧٧٢ و ١٩٤٦)، والخلال في "السنة" (٨٣٤)، والمحاملي في "الأمالي" (٢٩) - ومِنْ طريقه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (١٣٥٢)، وفي "تلخيص المتشابه" (٢/ ٦٣١) -، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ١٤٢)، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٤٤٢٤)، والآجري في "الشريعة" (١٩٩٠)، وابن الغطريف الجرجاني في "جزئه" (٣٧)، وأبو طاهر المُخَلِّص - كما في "المُخَلِّصيات" (١٩١٢ و ٢١٥٧) -، - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "معجم شيوخه" (٦٨٥)، وابن الجوزي في "التبصرة" (١/ ٤٨٢)، والقزويني في "أخبار قزوين" (٤/ ١٤) -، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٢٣٤١)، وابن بِشْرَان في "أماليه" (١١٣٦)، وابن حجر في "الأمالي المطلقة" (ص/٧٠). كلهم مِنْ طُرُقٍ عن محمد بن طلحة، به. وزاد جميعهم ما عدا ابن بِشْرَان: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً». وقال ابن عساكر: محفوظٌ مِنْ حديث محمد بن طلحة، رواه جماعة عنه. وقال ابن الجوزي: تَفَرَّد بروايته محمد بن طلحة، وكان ثِقَةً. وقال ابن حجر: حديثٌ حسنٌ. وذكره القرطبي في "تفسيره" (١٦/ ٢٩٧)، وقال: رواه عُويم بن ساعدة.

стр. 428

ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عَبدُ اللَّهِ بن الزُّبَيْر، الحُمَيْدِيُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، أَجَلّ أصحاب ابن عُيَيْنَة"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٤). ٣) محمد بن طلحة بن عَبْد الرَّحْمَن بن طلحة: "صدوقٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٥). ٤) عَبْد الرَّحْمَن بن سالم بن عُتْبَة: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٥). ٥) سَالِم بن عتبة الأنصاري: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٥). ٦) عُوَيْمُ بن ساعدة الأَنْصارِيّ، أَبُو عبد الرحمن المدنيُّ: "صحابيٌّ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٥). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه: عبد الرحمن بن سالم بن عُتبة بن عُوَيْم الأنصاري، هو وأبوه "مجهولان". وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه. (١) وقال الألباني، والحويني: ضَعيفٌ. (٢) بينما قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه! وقال الذهبي: صَحيحٌ. وقال ابن حجر: حسنٌ. وقال الألباني: وبالجملة، فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي على أقل الدرجات. والله أعلم. (٣) شواهد للحديث: وفي الباب عن ابن عبَّاسٍ، وعائشة، وأبي سعيد الخُدْري، وعبد الله بن عُمر، وجابر بن عبد الله ﵃، وعطاء بن أبي رَباح مُرْسلًا؛ وبيانها كالآتي: • أمَّا حديث ابن عبَّاس: فأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢٧٠٩)، مِنْ طريق عَبْد اللهِ بن خِرَاشٍ، عن العَوَّامِّ بن حَوْشَبٍ، عن عبد اللهِ بن أبي الهُذَيْلِ، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف. (٤) • وأمَّا حديث عائشة رضى الله عنها، فرُوي عنها مِنْ طريقين: - فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٧٧١)، قال: حدَّثنا عبد الرَّحْمَن بن الحُسَيْنِ الصَّابُونِيُّ، قال: نا عَلِيُّ بن سَهْلٍ المدائنيُّ، قال: نا أبو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بن مَخْلَد، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ، عن عَائِشَةَ، قالت: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي». وقال الطبراني: لم يَرْوِه عن ابن جُرَيْجٍ إلا أبو عَاصِمٍ، تَفَرَّدَ به: عَلِيُّ بن سَهْلٍ.

стр. 429

وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح غير علي بن سهل، وهو ثِقَةٌ. (١) قلتُ: وعلي بن سَهل، قال فيه ابن حجر: "صدوقٌ" (٢). والحديث كما قال الطبراني: تَفَرَّد به عليّ بن سهل المدائني، عن الضَّحَّاك بن مَخْلد، ورواه عن عطاء بن أبي رَبَاحٍ عن عائشة (موصولاً)، وخالفه محمد بن خالد الضَّبِّيّ، فرواه عن عطاءٍ (مُرْسَلاً)، والمرسل رَجَّحه العقيلي - كما سيأتي بإذن الله تعالى -. قلتُ: وعليّ بن سَهْل المدائني لم أقف - على حد بحثي - على أحدٍ وثَّقه غير الهيثمي، وابن حجر - كما سبق -، بخلاف الضَّبِّيّ. - وأخرجه أبو نُعيم في "تثبيت الإمامة" (١٩٧)، مِنْ طريق أبي بَكْرِ بن أبي سَبْرَة، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ ﵂، قالت: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَالْعَنُوهُمْ، شِرَارُ أُمَّتِي أَجْرَؤُهُمْ عَلَى أَصْحَابِي». وأخرجه في "الحلية" (٢/ ١٨٣)، مُخْتصرًا. وقال أبو نُعيم: غَرِيبٌ مِنْ حديث عُرْوَةَ، وهِشَامٍ، تَفَرَّدَ به أبو بَكْرِ بن أبي سَبْرَةَ، وهو مَدَنِيٌّ صاحبُ غَرَائِبَ. قلتُ: وأبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سَبْرَة "رَموه بالوضع". (٣) • وأمَّا حديث أبي سعيد الخُدري ﵁: فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٨٤٦)، مِنْ طريق محمد بن مُصْعَب القَرْقَسَانِيّ، قال: نا فُضَيْلُ بن مَرْزُوقٍ، عن عَطِيَّة، عن أبي سَعِيدٍ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ». وقال الطبراني: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ فُضَيْلٍ إِلَّا مُحَمَّدٌ ". وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ضعفاء، وقد وثقوا. (٤) قلتُ: فيه محمد بن مُصْعَب القَرْقَسَانِيّ "ضَعيفٌ يُعتبر به". (٥) وعطية بن سعيد بن العَوفيّ "ضَعيفٌ". (٦) والقَرْقَسَانيّ قد خُولف في متنه، كالآتي: - فأخرجه ابن الجعد في "مسنده" (٢١٢٠)، وأحمد في "مسنده" (١١٨٤٢)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٥٨)، مِنْ طُرُقٍ عن يَحْيَى بن أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: … الحديث، وفيه: أنَّ النَّبيّ ﷺ ، قال: «لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، الأَنْصَارُ كَرِشِي، وَأَهْلُ بَيْتِي وَعَيْبَتِي الَّتِي آوِي إِلَيْهَا، فَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ».

стр. 430

- وأخرجه ابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٣٢٣٥٧) - ومِنْ طريقه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٧١٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٠٢٥) -، والترمذي في "سننه" (٣٩٠٤)، ك/المناقب، ب/فضل الأنصار وقريش، مِنْ طُرُقٍ عَنْ زَكَرِيَّا بن أبي زائدة، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ﷺ : «أَلا إِنَّ عَيْبَتِي الَّتِي آوِي إِلَيْهَا أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ كَرِشِي الأَنْصَارُ، فَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ». وقال الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ. • وأمَّا حديث عبد الله بن عُمر، فقد رُوي عنه مِنْ طريقين، كالآتي: - فأخرجه أحمد في "فَضَائل الصحابة" (٦٠٦)، والترمذي في "سننه" (٣٨٦٦)، ك/المناقب، ب/ (٦٠)، والبزار في "مسنده" (٥٧٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٨٣٦٦)، وأبو نُعيم في "تثبيت الإمامة" (١٩٧)، والخلال في "المجالس العشرة" (٦٣) - ومِنْ طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (١٢/ ٣٢٧) -، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٥/ ٢٥٨)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ٢٥٦)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن النَّضْر بن حَمَّادٍ العَقَدِيّ، عن سَيْف بن عُمَرَ، عن عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَالْعَنُوهُمْ». وقال الترمذي: هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لا نَعْرِفُهُ مِنْ حديث عُبَيْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ إلا مِنْ هذا الوجه. وقال البزار: وهذا الحديثُ لا نعلم رواهُ عَن عُبَيد اللَّه إلا سَيْف. وقال الطبرانيُّ: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عُبيْدِ اللَّهِ إلا سَيْفٌ، تَفَرَّدَ به: النَّضْرُ. قلتُ: النَّضر بن حَمَّاد: "ضَعيفٌ، مُنْكر الحديث". (١) وسيف بن عُمر: "متروك الحديث". (٢) وانفرد به سَيْفُ بن عُمر عن عُبَيْد الله - كما قال الأئمة -، ولا يُحتمل تَفَرُّده خاصة عن مِثْل عُبَيد الله، فلا شكَّ أنَّه مِنْ مناكيره، لذا قال الترمذيُّ: مُنْكَرٌ. وأخرجه الذهبي في ترجمته في "الميزان"، فلا يُعتبر به. - وأخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٦٤)، والطبراني في "الأوسط" (٧٠١٥)، وفي "الكبير" (١٣٥٨٨)، وأبو بكر القطيعي في "جزء الألف دينار" (٢٦٧)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٢٣٤٨)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن عَبْد اللَّهِ بن سَيْفٍ الخُوَارِزْمِيّ، ثنا مَالِكُ بن مِغْوَلٍ، عن عَطَاءٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي». وقال العقيلي: عَبْدُ اللَّهِ بن سَيْفٍ عن مالك بن مِغْوَلٍ حَدِيثُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ بِالرَّفْعِ، وهو مَجْهُولٌ بِالنَّقْلِ. وفي النَّهْي عن سَبِّ، أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحاديث ثابتة الإسناد من غير هذا الوجه، وأمَّا اللَّعْنُ فالرِّواية فيه لَيِّنَةٌ، وهذا يُرْوَى عن عَطَاءٍ مُرْسَلًا. وقال الطبرانيُّ: لم يَرْوِه عن مالك بن مِغْوَلٍ إلا عَبْدُ اللَّهِ بن سَيْفٍ. وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط. وفي إسناد البزار سيف بن عمر، وهو متروك،

стр. 431

وفي إسنادي الطبراني عبد الله بن سيف الخوارزمي، وهو ضعيفٌ. (١) قلتُ: عبد الله بن سَيْف قال فيه ابن عدي: رأيتُ له غير حديثٍ مُنْكر. والحديث ذكره الذهبي في ترجمته، وقال: صوابه مُرْسَلٌ. (٢) وعليه؛ فهذا الوجه كذلك لا يَصْلح للاعتبار، والله أعلم. • وأمَّا حديث جابر بن عبد الله ﵁: فأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٢١٨٤)، والطبراني في "الدعاء" (٢١٠٩)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ٣٥٠)، مِنْ طريق محمد بن الفضل بن عطية؛ وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٢٠٣)، وفي "الدعاء" (٢١١١)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ٣٥٠)، والخلال في "المجالس العشرة" (٧٣)، مِنْ طريق عَبْد اللَّهِ بن معاوية الجُمَحِيُّ، قال: نا أبو الرَّبِيع السَّمَّانُ أَشْعَثُ بن سَعِيدٍ؛ كلاهما (محمد بن الفضل، والسَّمَّان) عن عَمْرِو بن دِينَارٍ، عن جَابِرِ بن عبد اللَّه ﵁، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَأَصْحَابِي يَقِلُّونَ، فلا تَسُبُّوهُمْ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّهُمْ». وأخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢١١٠)، مِنْ طريق مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عن أبيه، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، به. وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَمْرٍو إلا أبو الرَّبِيعِ، ومحمد بن الفضل بن عَطِيَّة. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الفضل بن عطية، وهو "متروكٌ". (٣) قلتُ: وأبو الربيع أشعث بن سعيد، ومحمد بن الفضل "متروكان". (٤) • وأمَّا مُرْسل عطاء: فأخرج ابن أبي شيبة، وغيره مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الضَّبِّيُّ، عَنْ عَطَاءٍ بن أبي رَبَاح، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ». (٥) قلتُ: وهو "ضَعيفٌ"؛ لإرساله. وقال الإمام أحمد: ليس في المرسلات شيءٌ أضعف مِنْ مُرْسلات الحسن، وعطاء بن أبي رَبَاح، فإنَّهما كانا يَأخذان عن كل أحد. وقال يحيى بن سعيد القَطَّان: كان عطاء يأخذ عن كل ضَرْبٍ. (٦) والإسناد إليه حسنٌ؛ فيه: محمد بن خالد الضَّبِّيُّ "صَدُوقٌ" (٧). • فهذه الطُرُق مِنْها ما يصلح للاعتبار، ومِنْها ما لا يصلح، وعلى كل الحال فالحديث بمجموع طرقه وشواهده يرتقي إلى "الحسن لغيره"؛ ولعلَّ مَنْ حسَّنه - ابن حجر، كما سبق -، إنَّما حَسَّنَه لذالك، والله أعلم.

стр. 432

رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لا يُرْوَى عن عُوَيْم بن سَاعِدَة إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّد به محمد بن طَلْحَة. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. خامسًا: - التعليق على الحديث: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَهُ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ، وَقَدْ رَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ جَمِيعًا أَنْ يَسْتَخْلِفُوا أَبَا بَكْرٍ. (١) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَّرَهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَنَقْلِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ، فَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ. (٢) وقال الإمام الآجري: فَمَنْ سَمِعَ فَنَفَعَهَ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِالْعِلْمِ أَحَبَّهُمْ أَجْمَعِينَ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَأَصْهَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَنْ تَزَوَّجَ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ زَوَّجَهُمْ، وَجَمِيعَ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ، وَجَمِيعَ أَزْوَاجِهِ، وَاتَّقَى اللَّهَ الْكَرِيمَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَسُبَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا سَمِعَ أَحَدًا يَسُبُّ أَحَدًا مِنْهُمْ نَهَاهُ وَزَجَرَهُ وَنَصَحَهُ، فَإِنْ أَبَى هَجَرَهُ وَلَمْ يُجَالِسْهُ. فَمَنْ كَانَ عَلَى هَذَا مَذْهَبُهُ رَجَوْتُ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ كُلَّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. (٣) وقال أيضًا: لَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ مَنْ سَبَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَحِقَتْهُ اللَّعْنَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، لَا فَرِيضَةً وَلَا تَطَوُّعًا، وَهُوَ ذَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا، وَضِيعُ القَدْرِ، كَثَّرَ اللَّهُ بِهِمُ الْقُبُورَ، وَأَخْلَى مِنْهُمُ الدُّورَ. (٤) * * *

стр. 433

[٥٧/ ٤٥٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُفْيَانَ الأَسْلَمِيُّ (١)، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎ مَعَ الْمَدِينِ حَتَّى يَقْضِيَ دِينَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ دِينُهُ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن عبد اللَّه بن جَعْفَرٍ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: ابنُ أبي فُدَيْكٍ. الحديث مَدَاره على أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحُسين الباقر، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: أبو جعفر الباقر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁. الوجه الثاني: أبو جعفر الباقر، عن عائشة ﵂. الوجه الثالث: أبو جعفر الباقر، عن جابر بن عبد الله ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: أبو جعفر الباقر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الدَّارمي في "سننه" (٢٦٣٧)، وابن ماجه في "سننه" (٢٤٠٩)، ك/الصدقات، ب/مَنِ ادَّانَ دَيْنًا وهو يَنْوِي قَضَاءَهُ، وأبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ٢٠٤)، وفي "معرفة الصحابة" (٤٠٤٣) - ومِنْ طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" (١٧٦) -، والخطيب البغدادي في "الموضح لأوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٢٠٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٧/ ٢٧٤)، كلهم مِنْ طريق إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيّ. • والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٤٧٥) - في ترجمة سعيد بن سفيان -؛ والطبراني في "المعجم الكبير" (١٣/ ٧٤/١٨٤) - ومِنْ طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" (١٧٣ و ١٧٤)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ٤٧٥) -، قال: حدَّثنا أحمد بن خُليد الحلبي؛ وأبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ٢٠٤) - ومِنْ طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" (١٧٥) -، عن بشر بن موسى؛ والضياء المقدسي في "المختارة" (١٧٢)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ٤٧٦)، مِنْ طريق إسماعيل بن عبد الله سَمَّوَيْه. أربعتهم (البخاري، وأحمد بن خُليد، وبشر، وإسماعيل)، عن عبد الله بن الزُّبير الحُميدي. • وحنبل بن إسحاق في "التاسع مِنْ فوائد ابن السَّمَّاك" (٥٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢٢٠٥)، كلاهما مِنْ طريق أَبي نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ.

стр. 434

• والبزار في "مسنده" (٢٢٤٣)، قال: حدَّثنا محمد بن الحَسَنِ المعروفُ بابن أبي عَلِيٍّ الكرمانيِّ. • والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠٩٦٠)، مِنْ طريق أبي بكر أحمد بن المنذر القَزَّاز. خَمْسَتُهم (الحزاميُّ، والحميديُّ، وضِرَار، والكرمانيُّ، والقَزَّاز)، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك، عن سَعيد بن سُفْيَان، عن جعفر بن محمد الصَّادق، عن أبيه أبي جعفر الباقر، به، وعند بعضهم زيادة. - وقال أبو نُعيم: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرٍ، وَأَبِيهِ، وعبدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، لم يَرْوِهِ عنه إلا سَعِيدٌ، ولا عنه إلا ابنُ أبي فُدَيْكٍ. وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه. وقال الذهبي: صحيحٌ. - وقال البزار: وهذا الكلامُ لا نعلم رواهُ بهذا اللَّفْظِ إلا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عَبدُ اللَّهِ بن الزُّبَيْر، الحُمَيْدِيُّ: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، أَجَلّ أصحاب ابن عُيَيْنَة"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٤). ٣) مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن مُسْلِم بن أَبي فُدَيك - واسم أبي فُدَيك: دينار -، أَبُو إِسْمَاعِيل المدني. روى عن: رَبَاح بن أبى مَعْرُوف، وهشام بن سعد، والضحاك بن عُثْمَان، وسعيد بن سُفْيَان، وآخرين. روى عنه: أحمد بن محمد السَّالميُّ، ويَحْيَى بن المغيرة المَخْزُومي، وأحمد بن حنبل، والحُميديُّ، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأحمد، والنَّسَائيُّ: ليس به بأس. وقال ابن مَعِين: كان أروى الناس عن ابن أَبي ذئب، وهو ثقةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: رُبَّمَا أخطأ. وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": وكان ثقةً صاحبَ حديث، لكنّه لا رحلة له. وفي "الميزان": وثقه جماعة. وروى له الجماعة. - وقال الذهبي في "الميزان ": صدوقٌ مشهورٌ يُحْتجُ به. وَقَال ابن حجر في "التقريب": صدوقٌ. - وقال ابن سعد: كان كثيرَ الحديثِ وليس بِحُجَّةٍ. وَقَال يعقوب بن سفيان: ضعيف. وأجاب ابن حجر في "هدي الساري" عن تضعيف ابن سعد، فقال: كذا قال ابن سعد وَلم يُوَافقهُ على ذَلِك أَئِمَّة الجرح وَالتَّعْدِيل. وقال أيضًا: تَكَلَّم فيه ابن سعد بلا مُسْتَند. (١) - والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"، فقد وَثَّقَهُ ابنُ معين مع تَشَدُّدِه، والذهبي في إحدى أقواله، وقال: وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ. وأمَّا قول ابن حبَّان: رُبَّمَا أخطأ. فهو قول انْفَرَدَ به وحده، فلا عبرة به، بالإضافة إلى أنَّه قال "رُبَّما"، وهي تدل على قلة خطئه ونُدْرَته، فلا تُوجب انحطاط الراوي من الثقة إلى الصدوق، ومَنْ مِنْ الثقات سَلِمَ مِنْ الخطأ!. ٤) سَعِيد بن سُفْيَان الأَسلميّ مولاهم، الْمَدَنِيّ. روى عن: جَعْفَر بن مُحَمَّد الصادق، وسَدِير بن حَكيم الصَّيْرَفِيّ. روى عنه: عَبد الله بن إِبْرَاهِيم الغِفَارِيُّ، ومحمد بن إِسْمَاعِيل بن أَبي فُدَيْك. حاله: ذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يَذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال

стр. 435

الذهبي: لا يَكاد يُعرف، وقَوَّاه ابن حبَّان. وقال ابن حجر: مقبولٌ. فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال". (١) ٥) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالِب الهاشميُّ، أبو عَبْد اللَّهِ المَدَنِيُّ الصادق. روى عن: أبيه أبي جعفر الباقر، وابن شهاب الزُّهْرِيّ، وعطاء بن أبي رَبَاح، وآخرين. روى عنه: سعيد بن سُفْيَان الأَسْلميّ، ومالك، والسُفْيَانان، وشعبةُ، ويحيي بن سعيد الأنصاريُّ، وآخرون. حاله: قال ابن معين: مأمونٌ ثِقَةٌ صدوقٌ. وقال الشافعيُّ، وأبو حاتم، والذهبي: ثِقَةٌ. وزاد أبو حاتم: لا يُسْأل عن مِثْلِه. وقال ابن حبَّان: مِنْ سَادَات أهل البَيْت فِقْهًا وعِلْمًا وفَضْلًا. وقال ابن عديّ: جعفر مِنْ ثقات النَّاس كَما قال ابْنُ مَعِين. وقال ابن حجر: صدوقٌ، فقيهٌ، إمامٌ. أخرج له الجماعة، إلا البخاري ففي "الأدب". وقال ابن حبَّان: يُحْتَج بروايته ما كان مِنْ غير رِوَايَة أولاده عَنهُ؛ لأنَّ في حديث ولده عنهُ مَنَاكِير كَثِيرَة، وَإِنَّمَا مَرَّض القول فيه مَنْ مَرَّض مِنْ أَئِمَّتنَا بسب ذلك، وقد اعتبرتُ حديثه مِنْ الثِّقَات عنهُ مثل ابن جُرَيْج والثَّوْري ومالك وشُعْبَة وابن عُيَيْنَة ووهيب بن خَالِد ودونهم، فَرَأَيْتُ أَحَادِيث مُسْتَقِيمَة، لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُخَالف حَدِيث الأَثْبَات، وَرَأَيْتُ في رِوَايَة وَلَدِه عَنهُ أَشْيَاء لَيْسَ مِنْ حَدِيثه، ولا مِنْ حَدِيث أبيه، ولا مِنْ حديث جَدِّه، ومِنْ المُحَال أن يُلْزَق به ما جنت يدا غيره. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، لا يُحتج برواية أولاده عنه". (٢) ٦) مُحَمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طَالِب الْقُرَشِي الهاشمي، أَبُو جَعْفَر الباقر. روى عن: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأبيه عليّ بن الحسين ﵃، وآخرين. روى عنه: ابنه جعفر بن محمد، والأوزاعيُّ، وعمرو بن دينار، وأبو إسحاق السَّبيعيُّ، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وأحمد، والعجلي، والدَّارقطني: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال في "المشاهير": من أفاضل أهل البيت وقُرَّائهم. وقال الذهبي: أحد مَنْ جَمَعَ العلم، والفِقْه، والشَرَف، والديانة، والثّقة، والسُّؤْدُد. وروى له الجماعة. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، فَاضِلٌ. مات سنة مائة، وبضع عشرة سنة. (٣) ٧) عَبدُ اللَّهِ بن جَعْفَر بن أَبي طالب القرشيُّ الهاشميُّ، أبو جعفر المدني، الجَوَّاد ابن الجَوَّاد. روى عن: النَّبي ﷺ ، وعمه عليّ بن أبي طالب، وأُمِّه أسماء بنت عُمَيْس، وآخرين. روى عنه: أبو جعفر الباقر، وابن أبي رَافع مولى النَّبي ﷺ ، وعُمر بن عبد العزيز، وآخرون. أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، وقدم مع أبيه المدينة. وتوفي رَسُول اللَّهِ ﷺ وله عشر سنين. وتوفي بالمدينة سنة ثمانين، وصلىّ عليه أبان بن عُثْمَان، أمير المدينة يومئذ. ومناقبه وفضائله كثيرة جدًا. (٤)

стр. 436

ثانيًا: - الوجه الثاني: أبو جعفر الباقر، عن عائشة ﵂. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٥٢٤) - ومِنْ طريقه الطحاوي في "شرح المُشَكل" (٤٢٨٨)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠٩٥٩/ ١) -؛ وأحمد في "مسنده" (٢٤٤٣٩)، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بن داود؛ وأيضًا برقم (٢٤٤٣٩)، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن أبي بُكَيْرٍ؛ وبرقم (٢٤٩٩٣)، قال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بن مسلم الصَفَّار؛ وبرقم (٢٥٩٧٧)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْحَدَّادُ؛ وبرقم (٢٦١٢٧) - ومِنْ طريقه ابن بِشْرَان في "أماليه" (١٠٩١) -، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بن عبد الوارث العَنْبَريّ؛ والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٤٧٥)، عن أبي نُعيم الفضل بن دُكين؛ وأبو محمد الحارث ابن أبي أسامة في "مسنده" - كما في "بغية الباحث عن زوائد مُسْنَد الحارث" (٤٤٥)، و"إتحاف الخيرة المهرة" (٢٩١٣/ ٤) -، قال: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ؛ والحاكم في "المستدرك" (٢٢٠٣) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٠٩٥٩/ ٢) -، مِنْ طريق الْحَجَّاج بن مِنْهَالٍ. تسعتهم عن القَاسِم بن الفَضْلِ، عن أبي جعفر الباقر، عن عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَدَّانُ، فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَكِ وَالدَّيْنَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ نَوَى قَضَاءَ الدَّيْنِ كَانَ مَعَهُ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ»، وَأَنَا الْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد أبي داود الطيالسيّ): ١) القاسم بن الفضل بن مَعْدَان الحُدَّانيُّ: "ثِقَةٌ". (١) ٢) مُحَمَّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أَبُو جَعْفَر الباقر: "ثِقَةٌ، فَاضِلٌ"، في الوجه الأول. وقال الإمام أحمد: لم يَسْمَع مِنْ عائشة. (٢) ٣) عائشة بنت أبي بكر الصديق: "أمُّ المؤمنين، وزوج النَّبيّ الكريم ﷺ "، تَقَدَّمت في الحديث رقم (٥). ثالثًا: - الوجه الثالث: أبو جعفر الباقر، عن جابر بن عبد الله ﵁. أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه أبو عبد الله الصوريُّ في "الفوائد المنتقاة والغرائب الحسان عن الشيوخ الكوفيين" (١٦)، مِنْ طريق عَمْرو بن شمر، قال: حدَّثني جَعْفَر بن مُحَمَّد، عن أبيه، عن جابر، قال: قال رَسُول الله ﷺ : "إِن الله مَعَ الدَّائِن حَتَّى يقْضى دينه مَا لم يكن فِيمَا يكره". ب دراسة إسناد الوجه الثالث: قلتُ: فيه عَمْرو بن شمر أبو عبد الله الجُعْفيّ "متروك الحديث". (٣)

стр. 437

رابعًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على أبي جعفر الباقر، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: أبو جعفر الباقر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁. الوجه الثاني: أبو جعفر الباقر، عن عائشة ﵂. الوجه الثالث: أبو جعفر الباقر، عن جابر بن عبد الله ﵁. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) أنَّ الحديث بالوجه الأول في سنده سعيد بن سُفيان الأسلمي وهو "مجهول الحال"، وانفرد به، فلم يُتابعه أحدٌ على روايته بهذا الوجه؛ وقد أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" في ترجمة سعيد هذا بالوجه الأول، ثُمَّ أعقبه برواية القاسم بن الفضل بالوجه الثاني، وكأنَّ هذا فيه إشارة إلى إعلال الوجه الأول بالثاني، والله أعلم. ٢) وأمَّا الوجه الثالث ففي سنده عَمرو بن شَمر الجُعْفيّ وهو "متروك الحديث". ٣) وهذا بخلاف الوجه الثاني فرواه القاسم بن الفضل، وهو "ثِقَةٌ". خامسًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "مُنْكرٌ"؛ لأجل سعيد بن سُفْيان الأسلميّ "مجهول الحال"، ولم يُتابع عليه، وخالف فيه القاسم بن الفضل وهو "ثِقَةٌ". - وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه. وقال الذهبي: صحيحٌ. - وقال المنذري: رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن، والحَاكِم، وقال: صَحِيح الإسناد، وله شَوَاهِد. (١) - وقال البوصيري: رواه ابن ماجه، وإِسْنَاده صَحِيح رِجَاله ثِقَات. (٢) - وقال ابن حجر: رواه ابن ماجه، والحاكم، وإسناده حسنٌ، لكن اختلف فيه على محمد بن علي. (٣) - وعزاه السيوطي إلى ابن ماجه، والحاكم، ورمز له بالصحة. (٤) - وقال الألبانيُّ: كذا قالوا! ورجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سفيان قال الذهبي في "الميزان": " لا يكاد يُعرف، قواه ابن حبان. ثُمَّ صححه بشواهده. (٥)

стр. 438

ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "رجاله ثِقَاتٌ"، لكنَّه "ضَعيفٌ"؛ لانقطاعه، لكون أبي جعفر الباقر لم يَسْمَع مِنْ عائشة. وقال البوصيري - بعد أن ذكره عن عائشة -: هذا حديثٌ رجاله ثِقَاتٌ. (١) وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن محمد بن علي بن الحسين لم يسمع من عائشة. (٢) مُتابعات للحديث: • أخرج الطبراني في "الأوسط" (٧٦٠٨)، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبي، نا سَعْدُ بن الصَّلْتِ، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَنْوِي أَدَاءَهُ كَانَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ عَوْنٌ، وسَبَّبَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا». وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ إلا سَعْدُ بن الصَّلْتِ، ولا رَوَاهُ عن سَعْدٍ إلا شَاذَانُ. قلتُ: وسعد بن الصلت ذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: رُبَّما أغرب. وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": محله الصدق، ما رأيت لأحد فيه جرحًا. وقال في "السير": صالح الحديث. (٣) وأمَّا إسحاق بن إبراهيم فهو المعروف بشاذان، قال أبو حاتم، والذهبي: صدوقٌ. (٤) وأمَّا ابنه محمد بن إسحاق "فمجهول الحال". (٥) • وأخرج الطبراني في "الأوسط" (٥٢٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٢٢٠٢) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٠٩٥٨) -، مِنْ طريق سَعِيد بن سُلَيْمَانَ، قال: نا محمد بن عبد الرَّحْمَنِ بن مُجَبَّرٍ، عن عبد الرَّحْمَنِ بن القَاسِمِ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: مَا أُحِبُّ أَنْ أَبِيتَ لَيْلَةً إِلا وَعَلَيَّ دَيْنٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَهْتَمُّ بِهِ إِلا كَانَ مَعَهُ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ عَنْهُ». فَلا أُحِبُّ أَنْ يُفَارِقَنِي عَوْنُ اللَّهِ. وهذا لفظ الطبرانيُّ، وعند الحاكم بنحوه. وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن القاسم إلا ابن مُجَبَّرٍ. وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسناد، ولم يُخَرِّجَاهُ. وقال الذهبي: ابن مُجَبِّر وهَّاه أبو زرعة، وقال النسائيُّ: متروك. لكن وثَّقه أحمد. شواهد للحديث: • أخرج البخاري في "صحيحه" (٢٣٨٧)، ك/الاستقراض، ب/مَنْ أخذ أموال النَّاس يُريد أداءها أو إتلافها، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ». وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره".

стр. 439

سادسًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لا يُرْوَى عن عبد اللَّه بن جَعْفَرٍ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: ابنُ أبي فُدَيْكٍ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. ووافقه على ذلك الأمام أبو نُعيم - كما سبق في التخريج -، فقال: هذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرٍ، وَأَبِيهِ، وعبدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، لم يَرْوِهِ عنه إلا سَعِيدٌ، ولا عنه إلا ابنُ أبي فُدَيْكٍ. وقال البزار: وهذا الكلامُ لا نعلم رواهُ بهذا اللَّفْظِ إلا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قلتُ: بل رُوي عن جابر بن عبد الله لكن في سنده عَمرو بن شمر، وهو "متروك الحديث" - كما سبق -. سابعًا: - التعليق على الحديث: قال ابن بَطَّال: ثبت عن عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ، كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ، فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ». (١) فإن قيل: فقد عارض هذا الحديث ما رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن النَّبيّ ﷺ ، أنَّه قّالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ مَعَ الْمَدِينِ حَتَّى يَقْضِيَ دِينَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ دِينُهُ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ»، وكان عبد الله بن جعفر يقوله لحارثه: اذهب فخذ لي بدين، فإنِّي أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي. قال الطبري: كلا الخبرين صحيحٌ، وليس في أحدهما دفع معنى الآخر، فأما قوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎ مَعَ الْمَدِينِ حَتَّى يَقْضِيَ دِينَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ دِينُهُ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ»، فهو المستدين فيما لا يكرهه الله، وهو يريد قضاءه، وعنده في الأغلب ما يؤديه منه فالله ﷻ في عونه على قضائه. وأما المَغْرَم الذى استعاذ منه ﷺ فإنَّه الدين الذى استدين على أوجه ثلاثة: إما فيما يكرهه الله، ثم لا يجد سبيلاً إلى قضائه، أو مستدين فيما لا يكرهه الله، ولكن لا وجه لقضائه عنده، فهو متعرض لهلاك مال أخيه ومتلف له، أو مستدين له إلى القضاء سبيل، غير أنَّه نوى ترك القضاء وعزم على جحده، فهو عاص لربه ظالم لنفسه، فكل هؤلاء لوعدهم إن وعدوا من استدانوا منه القضاء يخلفون، وفى حديثهم كاذبون لوعدهم. وقد صحت الأخبار عنه ﷺ أنه استدان في بعض الأحوال، فكان معلومًا بذلك أن الحال التي كره ذلك ﷺ فيها غير الحال التي ترخص لنفسه فيها. واستدان السلف: فاستدان عمر بن الخطاب وهو خليفة، وقال لما طعن: انظروا كم على من الدين، فوجوده ثمانين ألفًا أو أكثر، وما ثبت عن السلف من استدانتهم الدين مع تكريههم له، فيه الدليل الواضح على اختلاف الأمر في ذلك. (٢) * * *

стр. 440

[٥٨/ ٤٥٨]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً قَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَوْا فِي قِيَامِهِ عَجْزًا، فَقَالُوا: مَا أَعْجَزَ فُلانًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكَلْتُمْ أَخَاكُمْ واغْتَبْتُمُوهُ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن مُوسَى بن وَرْدَانَ إلا حَمَّادُ بْنُ أبي حُمَيْدٍ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٧٩)، عن جَابِر بن الكُرْدِيِّ؛ والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣٠٩) - في ترجمة حمَّاد -، عن عَبَّاس بن الفَضْلِ الأَسْفَاطِيّ، كلاهما عن إسماعيل بن أبي أُوَيْسٍ، به. وقال العقيلي: لا يُتابع عليه، وفي الغِيبَةِ أحاديثُ بغير هذا الإسناد صَالِحَةُ الأسانيد بألفاظٍ مُخْتَلِفَة. • وابن وهبٍ في "الجامع" (٢٧٨) - ومِنْ طريقه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٤١٠)، في ترجمة حَمَّاد -، وبكر بن بَكَّار في "جزئه" (٣٢) - ومِنْ طريقه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدِّثين بأصبهان" (٥٠٦)، وفي "التوبيخ والتنبيه" (١٨٦)، وأبو بكر بن مردويه في "جزئه الذي انتقى فيه أحاديث أبي الشيخ الأصبهاني" (٤٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٢٢٢٨) -، وأحمد بن منيع في "مسنده" - كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥٣٦٦/ ١)، و"المطالب العالية" (٢٦٧٠)، ومِنْ طريقه ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة" (٧١)، وفي "الصمت" (٢٠٨) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٦١٥١)، كلاهما (ابن منيع، وأبو يعلى)، عن قُرَّان بن تَمَّامٍ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٧٣٣)، مِنْ طريق إسحاق بن سُليمان الرَّازي. أربعتهم (ابن وهب، وبكر بن بَكَّار، وقُرَّان، وإسحاق)، عن حَمَّاد بن أبي حُميد، به. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) إسماعيل بن أبي أُوَيس: "ضَعيفٌ، يُعتبر به"، تقدَّم في الحديث رقم (٢٧). ٣) عبد الحميد بن عَبد اللَّهِ بن عَبد اللَّهِ بن أويس، أَبُو بَكْرِ بن أَبي أويس، المدنيُّ، أخو إِسْمَاعِيل. روى عن: محمد بن أبي حميد المدنيّ، وسُليمان بن بلال، ومالك بن أنس، والثوريّ، وآخرين. روى عنه: أخوه إسماعيل بن أبي أُويس، وإسحاق بن راهويه، وأيوب بن سليمان بن بلال، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: يَتَفَرَّد. وقال الدارقطني: حُجَّةٌ. وروى له الجماعة، سوى ابن ماجه. (١)

стр. 441

٤) مُحَمَّدُ بن أبي حُمَيْد، أبو إِبْرَاهِيم الأَنْصارِيّ، المدنيُّ، وهو حَمَّاد بن أبي حُميد، وحَمَّاد لقبه. روى عن: موسى بن وَرْدان، والزُّهْري، وعمرو بن شُعَيْب، وآخرين. روى عنه: عبد الحميد بن أبي أُويس، وأبو داود الطيالسي، وإسماعيل بن عُليَّة، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأبو زرعة، والدارقطني، والذهبي، وابن حجر: ضَعيف الحديث. وزاد ابن معين: ليس حديثه بشيء، ولا يُكتب حديثه. وقال أحمد: أحاديثه أحاديث مناكير. وقال البخاري، وأبو حاتم، والترمذي: مُنْكر الحديث. وقال النَّسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبَّان: كثير الخطأ، يَروي المناكير عن المشاهير، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال ابن عدي: ضعفه بَيِّنٌ على ما يَرويه، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال ابن حجر في "الإتحاف"، وفي "التلخيص": متروكٌ. وقال أيضًا في "الإتحاف": ضَعيفٌ جدًا. (١) ٥) مُوسَى بن وَرْدَان القُرشيُّ، أَبُو عُمَر المِصْرِي، مولى عَبْد الله بْن سعد بن أَبي سرح، مدني الأصل. روى عن: أبي هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃، وآخرين. روى عنه: محمد بن أبي حُميد، وضمام بن إسماعيل، والليث بن سعد، وآخرون. حاله: قال العجليُّ، وأبو داود: ثِقَةٌ. وقال أحمد: لا أعلم إلا خيراً. وقال ابن معين: صالحٌ. وقال أبو حاتم: ليس به بأسٌ. وقال يعقوب بن سفيان: كان فاضلًا، لا بأس به. وقال الدَّارقطني: لا بأس به. وقال البزار: صالح الحديث، لا بأس به، وروى عنه محمد بن أبي حُميد أحاديث مُنْكرة. وقال الذهبي: صدوقٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ رُبَّما أخطأ. وقال ابن معين: كان قاصًا بمصر، ضَعيفُ الحديث. وقال أيضًا: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم أيضًا: ليس بالمتين، يُكتب حديثه. وقال ابن حبَّان: كان مِمَّن فَحُشَ خطؤه، يَروي عن المشاهير المناكير. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"، والمنكر مِنْ روايته ليس مِنْه، وإنَّما مِنْ الرواة عنه، كما قال البزار، وهو ما فعله ابن عدي في "الكامل"، وعليه يُحمل قول مَنْ ضَعَّفه. (٢) ٦) أبو هريرة الدُّوسيّ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ المُكْثرين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه حَمَّاد بن أبي حُمَيْد "ضَعيفٌ"، ضَعَّفوه مِنْ قِبَل حفظه، وقال بعضهم: لا يُكتب حديثه، لذا قال ابن حجر - كما سبق -: متروك. وقال أيضًا: ضَعيفٌ جدًا. وقال البوصيري: إِسْنَاده ضَعِيفٌ؛ لِضَعْفِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حميد. (٣)

стр. 442

وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب"، وصدَّره برُوي إشارة إلى تضعيفه. (١) وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والطبراني، وفي إسنادهما: محمد بن أبي حُميد، وهو ضعيفٌ جدًا. (٢) شواهد للحديث: • أخرج الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٧٠٥)، وفي "المسند" (٢) - ومِنْ طريقه أبو الشيخ في "التوبيخ والتنبيه" (١٩٢)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٨/ ١٨٩)، والبغوي في "شرح السنة" (٣٥٦٢)، وأبو القاسم في "الترغيب والترهيب" (٢٢٣٥) -، قال: أخبرنا المُثَنَّى بن الصَبَّاح، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ رَجُلاً، فَقَالُوا: لا يَأْكُلُ حَتَّى يُطْعَمَ، وَلا يُرَحِّلُ حَتَّى يُرَحَّلَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْتَبْتُمُوهُ بِمَا فِيهِ». وقال أبو نُعيم: غَرِيبٌ بهذا اللَّفْظِ، لم نكتبهُ إلا من حديث عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، تَفَرَّدَ به عنه المُثَنَّى. قلتُ: والمثنى بن الصَّبَّاح "ضَعيفٌ، اختلط بآخرة". (٣)، ولم يَنْفَرد به المُثَنَّى بل تابعه ابن لهيعة: فأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "التوبيخ والتنبيه" (١٩٣)، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى، نا كامل بن طَلْحَةَ، نَا ابن لَهِيعَةَ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، نحوهُ. • وأخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٥٨٩)، ك/البر والصلة، ب/تحريم الغيبة، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ». وعليه؛ فالحديث بمجموع شواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن مُوسَى بن وَرْدَانَ إلا حَمَّادُ بْنُ أبي حُمَيْدٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. * * *

стр. 443

[٥٩/ ٤٥٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رَاشِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: نا صَدَقَةُ بْنُ [عبد الله] (١)، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لا طَلاقَ لِمَنْ لا يَمْلِكُ، ولا عِتْقَ لِمَنْ لا يَمْلِكُ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن صَدَقَةَ بن [عبد الله] (١) إلا عبدُ اللَّهِ بن يَزِيدَ. هذا الحديث مَدَاره على محمد بن المُنْكدر، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عَمَّن سَمِعَ طاوسًا، عن طاوسٍ (مُرْسلاً). الوجه الثالث: محمد بن المُنْكَدِر، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ ﵁ (مرفوعاً). الوجه الرابع: محمد بن المُنْكَدِر، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ ﵁، عن عليّ بن أبي طالب ﵁ (مرفوعاً). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أبو بكر ابن المُقرئ في "معجم شيوخه" (١٠٨٦) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٦/ ٣٩) -، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ خُليد، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يزيد، ثنا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ وَأَنَا مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَحْلَلْتُ لِلْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ: أَنَا لَكِنْ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا طَلاقَ فِيمَا لا تَمْلِكُ، وَلا عِتْقَ فِيمَا لا تَمْلِكُ». • وأخرجه ابن مَرْدُوَيْهِ في "تَفْسِيرِهِ" - كما في "نصب الراية" (٣/ ٢٧٨) -، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٧٢) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٤٨٧٩)، وابن عساكر في "تاريخه" (٦٩/ ٢٢٠) -، وابن عساكر في "تاريخه" (٥٦/ ٣٩)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن عبد اللَّهِ بن يزيد، ثنا صَدَقَةُ بن عبد اللَّه، حدَّثني محمد بن المُنْكَدِرِ، حدَّثني جَابِرُ بن عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا طَلاقَ لِمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، ولا عِتْقَ لِمَا لا يَمْلِكُ".

стр. 444

• وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧٨٢٠) - ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٤٨٧٦) -، والبزار في "مسنده" - كما في "كشف الأستار" (١٤٩٩) -، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٧٣)، عن وَكِيع، قال: نا ابن أبي ذِئْبٍ - بإحدى الروايات عنه -، عن عَطَاءٍ، وعن محمد بن المُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ ﵁، قال: «لا طَلاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ». وعند الحاكم مرفوعاً عن النَّبيّ ﷺ . وقال البزار: رفعه محمد، ووافقه عطاء. قلتُ: ولعلَّ صواب العبارة: "وأوقفه عطاءٌ" - كما في "الإتحاف" للبوصيري (٣٣٠٦/ ٨) -. وقال البزار: رواه بعضهم، عن ابن أبي ذئب عمن حَدَّثَهُ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَطَاءٍ. وقال ابن حجر: وَاسْتَدْرَكَ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ وَهُوَ مَعْلُولٌ. (١) أي بالمخالفة - كما سيأتي -. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عَبْد اللَّه بن يزيد بن راشد، أبو بَكْر القُرَشِيّ الدمشقيُّ المقرئ. روى عن: صدقة بن يزيد، وهشام بْن الغاز، والأوزاعي، وآخرين. روى عنه: أبو زرعة، وأبو حاتم الرَّازيان، وعثمان الدارميّ، وأحمد بن خُليد، وجماعة. حاله: قال أبو حاتم: شيخٌ. وقال ابن عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ. فالحاصل: أنَّه "صدُوقٌ". (٢) ٣) صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، أَبُو مُعَاوِيَةَ، أو أبو محمد السَّمِينُ. روى عن: عبد الكريم بن مالك الجزري، ومحمد بن المُنكدر، وهشام بن عروة، وآخرين. روى عنه: عُمر بن سعيد، والحسن بن يحيى الخُشَنيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والبخاري، والنَّسائي، وابن نُمير، والدَّارقطني، وابن حجر: ضعيفٌ. وقال أبو زرعة: كان قدرياً ليِّنَاً. وقال دُحيم، وأبو حاتم: محله الصدق، غير أنه كان يشوبه القدر. وقال مسلم، وابن ماكولا: مُنكر الحديث. وقال الذهبي: هو مِمَّنْ يَجُوْزُ حَدِيْثُه، ولا يُحتَجُّ به، وقد طَحَنَهُ ابنُ حِبَّانَ، فقال: كان مِمَّنْ يَرْوِي الموضوعات عن الأثبات، لا يُشْتَغَلُ بروايته إلا عند التَّعَجُّبِ. فالحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ". (٣) ٤) مُحَمَّدُ بن المُنْكَدِر بن عبد الله، القُرَشِيُّ: "ثِقَةٌ، فَاضِلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٠). ٥) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). متابعات للوجه الأول: • أخرجه الطيالسي في "مسنده" (١٧٨٧) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٤٨٧٨) -، عن ابن أبي

стр. 445

ذِئْبٍ، قال: حدَّثني مَنْ سَمِعَ عَطَاءً، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا طَلاقَ لِمَنْ لَمْ يَنْكِحْ، ولا عَتَاقَ لِمَنْ لَمْ يَمْلِكْ». - وأخرجه أبو بكر ابن عبدوَيْه الشافعي في "الغيلانيات" (٦٢٧)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ شَاكِرٍ، ثنا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، به. - وأخرجه أبو يعلى - كما في "الإتحاف" للبوصيري (٣٣٠٦/ ٧) -، - ومِنْ طريقه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ١٢٧)، وابن حجر في "تغليق التعليق" (٤/ ٤٤٨) -، والطبراني في "الأوسط" (٨٢٢٤) - ومِنْ طريقه ابن حجر في "تغليق التعليق" (٤/ ٤٤٨) -، عن محمد بن المنهال، والحاكم في "المستدرك" (٢٨١٩) - ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٤٨٧٧) - مِنْ طريق محمد بن سِنَانٍ القَزَّاز، كلاهما (ابن المنهال، وابن سنان) عن أبي بكر الحنفي؛ والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٦٢)، والحضائري في "جزئه" - كما في "تغليق التعليق" (٤/ ٤٤٩)، مِنْ طريق أيوب بن سُويد؛ وابن حجر في "تغليق التعليق" (٤/ ٤٤٨)، مِنْ طريق وكيع، ثلاثتهم (الحنفي، وأيوب، ووكيع) عن ابن أبي ذئبٍ، عن عطاءٍ، عن جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعًا، به. ووقع في بعض الروايات تصريح ابن أبي ذئبٍ بالسماع مِنْ عطاءٍ، ولا يَثبت. قال ابن حجر: وفي كل من ذلك نظر، والمحفوظ فيه العنعنة، فقد أخرجه الطيالسي عن ابن أبي ذئب عمَّن سمع عطاء. (١) وقال الطبراني: لم يَرْوِه إلا أبو بكرِ بنُ الحنفيُّ، وَوَكِيعٌ، ولم يقل وَكْيِعٌ في حديثه: "ولا عِتْقَ إِلا بعد مِلْكٍ"، ولا رَوَاهُ عن أبي بَكْرٍ الحَنَفِيِّ إلا محمدُ بن المِنْهَالِ. قلتُ: وفيه نظر - وهو واضح في التخريج -. وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ. قلتُ: وتصحيح الحاكم يقابله قول أبي حاتم، وأبي زرعة، فإنَّهما قالا: لم يَسْمَع ابنُ أبي ذِئْبٍ مِنْ عَطَاءٍ ومحمد بن المُنْكَدِر. (٢) • وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٨٧٦) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٤٨٨١) -، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" - كما في "بغية الباحث" (٣٥٧)، وأبو يعلى في "مسنده" - كما في "الإتحاف" للبوصيري (٣٣٠٦/ ٧) -، وأبو بكر محمد بن عبدوَيْه الشافعي في "الغيلانيات" (٦٠٤)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن حَرَامِ بن عُثْمَانَ، عن أبي عَتِيقٍ عبد الرحمن بن جابر، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ، ولا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ، ولا عِتْقَ إِلا بَعْدَ مِلْكٍ، ولا طَلاقَ إِلا بَعْدَ النِّكَاحِ، … الحديث مطولاً». - وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١٣٨٩٩ و ١٥٩١٩)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣٨٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٤٨٨٠)، مِنْ طريقين عن حَرَامِ بن عُثْمَانَ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومحمد ابني جَابِرٍ، عن أبيهما جابر بن عَبْدِ اللَّهِ، بنحوه. قلتُ: وفي سنده حرام بن عثمان "متروك الحديث". (٣) وعليه فهذه المتابعة لا تصلح للاعتبار.

стр. 446

• وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨٢٩٦)، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، نا شَبَابٌ العُصْفُرِيُّ (خليفة بن خياط)، نا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الكِلَابِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا طَلاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، ولا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ». وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَمْرِو بن دِينَارٍ إلا محمد بن مُسْلِمٍ، ولا عن محمد إلا عَمْرُو بن عاصم، تَفَرَّدَ به: شَبَابٌ. قلت: وفي سنده: موسى بن زكريا التستري "متروكٌ". (١) ثانيًا: - الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عَمَّن سَمِعَ طاوسًا، عن طاوسٍ (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المصنَّف" (١١٤٥٧)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" - كما في "الإتحاف" للبوصيري (٣٣٠٩)، و"المطالب العالية" (١٧١٣) -، وابن أبي شيبة في "المصنَّف" (١٧٨١٥ و ٣٦٣١٤)، عن وَكِيعٍ؛ كلاهما (عبد الرَّزَّاق، ووكيعٌ) عَنْ سُفْيَان الثوري، عن محمد بن المُنْكَدِرِ، عَمَّنْ سَمِعَ طَاوُسًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا طَلاقَ لِمَنْ لَمْ يَنْكِحْ، ولا عَتَاقَ لِمَنْ لَمْ يَمْلِكْ». واللفظ لعبد الرَّزَّاق، والباقون بنحوه. • وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (١٦١٠٣) مِنْ طريق عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا إسماعيل بن مسلم المكِّيُّ، عن ابن المُنْكَدِرِ، به، وفيه زيادة. وقال البيهقي: هذا مُنْقطعٌ. قلتُ: وإسماعيل المكي "ضَعيفٌ". (٢) • وأخرجه أبو بكر ابن عبدوَيْه في "الغيلانيات" (٦٢٨)، قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ شَاكِرٍ، ثنا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ طَاوُسٍ، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد عبد الرَّزَّاق): ١) سُفيان بن سعيد بن مسروق الثوري: "ثِقَةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حُجَّةٌ"، سيأتي في الحديث رقم (٨٦). ٢) محمد بن المُنْكدر بن عبد الله، القُرَشِيُّ: "ثِقَةٌ، فَاضِلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٠). ٣) طاووس بن كَيْسَان اليَمَانِيُّ: "ثِقَةٌ فَقيهٌ فاضلٌ"، سيأتي في الحديث رقم (١٠١). ثالثًا: - الوجه الثالث: محمد بن المُنْكَدِر، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ ﵁ (مرفوعاً). أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١٠٠٤)، مِنْ طريق عبد الله بن لهيعة، عن ابن المُنْكَدِرِ، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لا طَلاقَ إلا مِنْ بَعْدِ مِلْكٍ، ولا عِتْقَ إلا مِنْ بَعْدِ مِلْكٍ». قلتُ: وفي إسناده ابن لهيعة "ضَعيفٌ، يُعتبر به". (٣)

стр. 447

رابعًا: - الوجه الرابع: ابن المُنْكَدِر، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، عن عليّ بن أبي طالب (مرفوعاً). أ تخريج الوجه الرابع: • أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٠٣) - ومِنْ طريقه ابن الجوزي في "العلل" (١٠٦) -، والخطيب في "تاريخه" (١١/ ١٢٤)، مِنْ طريق عَبد اللَّهِ بن زِيَاد، عن ابن المُنْكَدِر، عن طاووس، عن ابن عَبَّاسٍ، عن عليٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "لا طَلاقَ إلا بَعْدَ مِلْكٍ، ولا عِتْقَ إلا بَعْدَ مِلْكٍ". وقال ابن الجوزي: هذا حديثٌ لا يصح. قلتُ: في إسناده عبد الله بن زياد بن سمعان "متروك الحديث"، وكذبه بعضهم. (١) خامسًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتبيَّن أنَّ هذا الحديث مَدَاره على محمد بن المُنْكدر، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عَمَّن سَمِعَ طاوسًا، عن طاوسٍ (مُرْسلاً). الوجه الثالث: محمد بن المُنْكَدِر، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ ﵁ (مرفوعاً). الوجه الرابع: محمد بن المُنْكَدِر، عن طَاوُسٍ، عن ابن عَبَّاسٍ ﵁، عن عليّ بن أبي طالب ﵁ (مرفوعاً). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) ضَعْف الإسناد عن محمد بن المُنْكدر بالوجه الأول والثالث والرابع، وهذا بخلاف الوجه الثاني، فقد رواه سفيان الثوري، مع صحة الإسناد إليه. ٢) قال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديثٍ رواه صَدَقَةُ بن عبد الله السَّمِينُ، عن محمد بن المُنْكَدِر، … وذكر الحديث بالوجه الأول، فقال أَبِي: هذا خطأٌ؛ والصَّحيحُ ما رَوَاهُ الثَّوْري، عن محمد بن المُنْكَدِر؛ قال: حدَّثني مَنْ سَمِعَ طَاوُسًا. قال أبي: فَلَوْ كَانَ سَمِعَ مِنْ جَابِرٍ؛ لَمْ يُحَدِّثْ عَنْ رجُلٍ، عَنْ طَاوُسٍ، مُرسَلًا. (٢) ٣) اتفاق كلمة الأئمة على ترجيح الوجه الثاني: فأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن مَعِينٍ، قال: لا يَصحُّ عن النبيّ ﷺ "لا طَلاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ"، وأصحُّ شيءٍ فِيهِ: حديثُ الثَّوْري، عَنِ ابْنِ المُنْكَدِر، عَمَّن سَمِعَ طَاوُسًا: أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ: "لا طَلاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ". (٣) وقال ابن أبي حاتم - بعد أن ساق الأوجه المُختلف فيها على ابن المُنْكدر -: قال أبي، وأبو زرعة جميعًا: هذه الأسانيدُ كُلُّهَا وَهَمٌ عِنْدَنَا، والصَّحيحُ: ما رَوَاهُ الثَّوْري، عَنْ ابن المُنْكَدِر، عمَّن سمع طاوسًا، عن النبيِّ ﷺ . (٤) وقال الدَّارقطني: ولا يصح عن جابر، وإنَّما رواه ابن المُنْكَدِر مُرسلاً عن النَّبيّ ﷺ ، وهو الصواب. (٥)

стр. 448

٤) وأخرج البخاري في "الصحيح"، ك/الطلاق، ب/لا طلاق قبل النكاح، وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ (١) (٩/ ٣٨١)، وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن علي وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير … أنها لا تطلق. (٢) وهذه إشارة من الإمام البخاري إلى عدم صحة المرفوع في ذلك، حيث ذكر بعض الآثار، ولم يُخرِّج في الباب حديثًا مرفوعًا عن النَّبي ﷺ ، والله أعلم. (٣) سادسًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكرٌ"؛ لأجل صدقة بن عبد الله السَّمين "ضَعيفٌ"، مع مخالفته لما رواه مَنْ هو أوثق مِنْه عن محمد بن المُنْكدر. وأمَّا ما ذكرته مِنْ المتابعات فغير صالحة للاعتبار؛ إمَّا لكونها معلولة بالمخالفة، أو كون إسنادها يدور على أحد المتروكين، والله أعلم. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح بالوجه الثاني "ضَعيفٌ"؛ لإرساله، وللإبهام في إسناده، وهو صريحٌ في قول محمد بن المُنْكدر: عَمَّنْ سَمِعَ طَاوُسًا. شواهد للحديث: وفي الباب عن جماعة مِنْ الصحابة (٤)، مِنْ أمثلها: • ما أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢٣٧٩) - ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٤٨٧١) -، من طريق حبيب المُعَلِّمِ؛ وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٢٠)، وعبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١١٤٥٦)، وابن أبى شيبة في "المصنف" (١٧٨١٤)، وأحمد في "مسنده" (٦٧٨٠)، وابن ماجه في "سننه" (٢٠٤٧) ك/الطلاق، ب/لا طلاق قَبْلَ النِّكَاحِ، والترمذي في "سننه" (١١٨١) ك/الطَّلَاقِ وَاللِّعَانِ، ب/ما جَاءَ لا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وفى "العلل الكبير" (٣٠٢)، والبزار في "مسنده" (٢٤٧٢)، وابن الجارود في المنتقى (٧٤٣)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٦٥٩)، والدارقطني في "سننه" (٣٩٣٣)، وفي "المعرفة" (١٤٦٠٤) من طرق

стр. 449

عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وابن أبى شيبة في "المُصَنَّف" (٣٦٣١٢)، وأحمد في "المسند" (٦٧٦٩ و ٦٧٨١)، وأبو داود في "سننه" (٢١٩٠) ك/النكاح، ب/الطَّلَاق قَبْلَ النِّكَاحِ، والطحاوي في "شرح المشكل" (٦٦٠)، والدارقطني في "سننه" (٣٩٣١ و ٣٩٣٢)، والبيهقي في "الكبرى" (١٤٨٧٠) من طرق عَنْ مَطَرٍ بن طهمان الورَّاق، وأحمد في "مسنده" (٦٩٣٢) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وابن ماجه في "سننه" (٢٠٤٧) ك/الطلاق، ب/لا طلاق قَبْلَ النِّكَاحِ، والدارقطني في "سننه" (٣٩٣٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٩٨٥٨) من طريق عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، والحاكم في "المستدرك" (٢٨٢٠)، والبيهقي في "الكبرى" (١٤٨٦٩) من طريق حسين بن ذكوان. ستتهم (حبيب، وعامر، ومطر، وابن إسحاق، وعبد الرحمن المخزومي، وحسين) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (مرفوعًا)، وزاد بعضهم النذر. وقال الترمذي: وفي الباب عن عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ، وجَابِرٍ، وابن عَبَّاسٍ، وعَائِشَةَ، وحديثُ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَالحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وَشُرَيْحٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ … الخ. وقال الترمذي أيضًا في "العلل": سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عن هذا الحديث، فَقُلْتُ: أيُّ حَدِيثٍ في هذا الباب أَصَحُّ في الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ؟ فقال: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وقال الحافظ ابن حجر: لقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب: فرواه عامر الأحول، ومطر الوراق، وعبد الرحمن بن الحارث، وحسين المعلم، كلهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، والأربعة ثقات، وأحاديثهم في "السنن"، ومن ثم صححه من يُقوي حديث عمرو بن شعيب، وهو قوي؛ لكن فيه علة الاختلاف، وقد اختلف عليه فيه اختلافا آخر: فأخرج سعيد بن منصور من وجه آخر عن عمرو بن شعيب أنه سئل عن ذلك، فقال: كَانَ أَبِي عَرَضَ عَلَيَّ امْرَأَةً يُزَوِّجُنِيهَا، فَأَبَيْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، وَقُلْتُ: هِيَ طَالِقٌ الْبَتَّةَ يَوْمَ أَتَزَوَّجُهَا، ثُمَّ نَدِمْتُ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا طَلاقَ إِلا بَعْدَ نِكَاحٍ» (١)، وهذا يشعر بأن من قال فيه عن أبيه عن جده سلك الجادة، وإلا فلو كان عنده عن أبيه عن جده لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة، ويكتفي فيه بحديث مرسل، وقد تَقَدَّم أنَّ الترمذي حكى عن البخاري أن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أصح شيء في الباب، وكذلك نقل ما هنا عن الإمام أحمد، فالله أعلم. (٢) وقال ابن عبد البر: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، إِلَّا أَنَّهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ معلولة، ومنهم مَنْ يُصَحِّحُ بَعْضَهَا، وَلَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ يُخَالِفُهَا. (٣)

стр. 450

سابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن صَدَقَةَ بن عبد الله إلا عبدُ اللَّهِ بن يَزِيدَ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. ثامنًا: - التعليق على الحديث: قال الحافظ ابن حجر: هذه المسألة من الخلافيات الشهيرة، وللعلماء فيها مذاهب: الوقوع مطلقًا، وعدم الوقوع مطلقًا، والتفصيل بين ما إذا عيَّن أو عمَّم، ومنهم من توقف؛ فقال بعدم الوقوع: الجمهور، وهو قول الشافعي وابن مهدي وأحمد وإسحاق وداود وأتباعهم وجمهور أصحاب الحديث، وقال بالوقوع مطلقًا أبو حنيفة وأصحابه، وقال بالتفصيل ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وابن أبي ليلى ومن قبلهم، ومالك في المشهور عنه، وعنه عدم الوقوع مطلقًا ولو عين، … قال البيهقي - بعد أن أخرج كثيرًا من الأخبار، ثم من الآثار الواردة في عدم الوقوع -: هذه الآثار تدل على أن معظم الصحابة والتابعين فهموا من الأخبار أن الطلاق أو العتاق الذي علق قبل النكاح والملك لا يعمل بعد وقوعهما، وأن تأويل المخالف في حمله عدم الوقوع على ما إذا وقع قبل الملك والوقوع فيما إذا وقع بعده ليس بشيء؛ لأن كل أحد يعلم بعدم الوقوع قبل وجود عقد النكاح أو الملك فلا يبقى في الإخبار فائدة، بخلاف ما إذا حملناه على ظاهره، فإن فيه فائدة وهو الإعلام بعدم الوقوع ولو بعد وجود العقد، فهذا يرجح ما ذهبنا إليه من حمل الأخبار على ظاهرها، والله أعلم. (١) قلتُ: وقول الجمهور هو الراجح؛ لقول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ (٢)، قال الإمام القرطبي: استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وبمهلة ﴿ثُمَّ﴾ على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، وأنَّ مَنْ طَلَّق المرأة قبل نكاحها وإن عيَّنها، فإن ذلك لا يلزمه، وقال هذا نيف على ثلاثين من صاحبٍ وتابعٍ وإمامٍ، سمَّى البخاري (٣) منهم اثنين وعشرين. (٤) وقال ابن كثير: وقد استدل ابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح؛ لأن الله تعالى أعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وطائفة كثيرة من السلف والخلف، رحمهم الله تعالى. (٥) * * *

стр. 451

[٦٠/ ٤٦٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: نا أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ (١)، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْحِجَارَةَ، فَيَجْمَعُهَا مَسْجِدًا فَيُصَلِّي إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، إِذَا نَحْنُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢). * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عاصم بن عُبَيْدِ اللَّهِ إلا أبو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه أبو نُعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" (١/ ١٧٩)، مِنْ طريق أحمد بن خُليدٍ، به. • وأبو داود الطيالسيّ في "مسنده" - برواية يونس بن حبيب - (١٢٤١) - والبيهقي في "الكبرى" (٢٢٤١)، من طريق يونس بن حبيب، عن أبي داود -، قال: حدَّثنا الأشعثُ بن سَعِيدٍ أبو الرَّبِيعِ، وعُمَرُ بن قَيْسٍ، قالا: حدَّثنا عَاصِمُ بن عُبَيْدِ اللَّهِ، بنحوه. - بينما أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٠٢٠) ك/إقامة الصلاة والسنة فيها، ب/مَنْ يُصلي لغير القلبة وهو لا يعلم، والبزار في "مسنده" (٣٨١٢)، كلاهما عن يحيي بن حكيم، والدارقطني في "سننه" (١٠٦٧)، من طريق يعقوب بن إسماعيل، كلاهما (يحيى، ويعقوب)، عن أبي داود الطيالسي، عن الأشعث بن سعيد أبي الربيع السَّمَّان وحده - بدون ذكر عُمر بن قيس -، عن عاصم بن عُبيد الله، به. - وأخرجه عبد بن حُميد - كما في "المُنْتخب" (٣١٦) -، والترمذي في "سننه" (٣٤٥) ك/الصلاة، ب/ما جاء في الرجل يُصلي لغير القبلة في الغيم، وبرقم (٢٩٥٧) ك/التفسير، ب/سورة البقرة، والطبري في "تفسيره" (١٨٤١ و ١٨٤٣)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١١٢٠)، والدارقطني في "سننه" (١٠٦٥ و ١٠٦٦)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن الأشعث بن سعيد، بنحوه. وقال الترمذي في الموضع الأول: هذا حديثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بذاك، لا نَعْرِفُهُ إلا مِنْ حديث أشعث السَّمَّانِ، وأشعث بن سعيدٍ أبو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ يُضَعَّفُ في الحديث. وقال في الموضع الثاني: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نعرفهُ إلا مِنْ حديث أَشْعَثَ السَّمَّانِ عن عَاصِمِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ، وأشْعَثُ يُضَعَّفُ في الحديث. وقال العقيلي - وقد أخرج الحديث في ترجمة أشعث بن سعيد -: وله غيرُ حديثٍ مِنْ هذا النَّحْوِ لا يُتَابَعُ على شيءٍ مِنْهَا، … وأمَّا حديثُ عَامِرِ بن رَبِيعَة فليس يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مَتْنُهُ.

стр. 452

ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو نُعيم الفضل بن دُكين: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥٣). ٣) أَشْعَثُ بن سَعِيد البَصْرِيّ، أبو الربيع السَّمَّان. روى عن: عاصم بن عُبَيد اللَّه، وأبي الزناد عَبد الله بن ذكوان، وعَمْرو بن دينار، وآخرين. روى عنه: الفضل بن دُكين، ووكيع بن الجَرَّاح، وأبو داود الطيالسيُّ، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال هُشَيْم: كان يكذب. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، مُنْكر الحديث، سيئ الحفظ، يَروى المناكير عن الثقات. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنَّسائيُّ، والذهبي: ضَعيف الحديث. وقال النَّسائيُّ: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه. وقال ابن حبَّان: يروي عن الثقات الأحاديث الموضوعات وبخاصة عن هشام بن عروة. وقال الفلاس، وابن الجُنيد، والدَّارقطني، وابن حجر: متروكٌ. وقال أحمد: حديثه مُضْطرب، ليس بذاك. وقال البخاري: ليس بالحافظ، يُكتب حديثه، ليس بمتروكٍ. وقال ابن عدي: في حديثه ما ليس بمحفوظٍ، ومع ضَعْفِه يُكتب حديثه. فالحاصل: أنَّه "متروك الحديث". (١) ٤) عاصم بن عُبَيْد الله بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ العَدَوِيُّ العُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ. روى عن: أبيه، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وسالم بن عَبد الله بن عُمَر، وآخرين. روى عنه: أبو الربيع السَّمَّان، والسفيانان، وشعبة، ومالك، وآخرون. حاله: قال العجليُّ: لا بأس به. وقال أحمد: ليس بذاك. وقال ابن معين: ضعيفٌ، لا يُحتج بحديثه، وهو أضعف من سُهيل والعلاء بن عبد الرحمن. وقال البخاري: مُنْكر الحديث. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة، مُنْكر الحديث، مُضْطَرب الحديث. وزاد أبو حاتم: ليس له حديث يُعتمد عليه، وما اقربه من ابن عقيل. وقال ابن خزيمة: لست أحتج به لسوء حفظه. وقال ابن حبَّان: سيء الحفظ، كثير الوهم، فاحش الخطأ، فترك من أجل كثرة خطئه. وقال ابن عدي: احتمله الناس، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال ابن حجر: ضَعيفٌ. (٢) ٥) عَبْدُ الله بن عَامِر بن رَبِيْعَة العَنَزِيُّ: "ثِقَةٌ مِنْ كِبَار التَّابعين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٦). ٦) عَامِرُ بن رَبِيْعَة بن كَعْب بن مَالِك العَنَزِيُّ: "صحابيٌّ، جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٦). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيُّ "ضَعيفٌ جدًا"؛ لأجل أَشْعث بن سعيد "متروك الحديث"، وقد خالف ما صَحَّ وثبت في سبب نزول هذه الآية - كما سيأتي بيانه -.

стр. 453

مُتَابعات للحديث: • والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في "مُسْنده" - برواية يونس بن حبيب -، عن الأشعث بن سعيد، وعُمر بن قيس، كلاهما عن عاصم بن عُبيد الله - كما سبق في التخريج -. بينما أخرجه ابن ماجه في "سننه"، والبزار في "مسنده"، كلاهما عن يحيي بن حكيم، والدارقطني في "سننه"، من طريق يعقوب بن إسماعيل، كلاهما (يحيى، ويعقوب)، عن أبي داود الطيالسي، عن الأشعث بن سعيد وحده - بدون ذكر عُمر بن قيس -، عن عاصم بن عُبيد الله، به. فلعلَّ ذكر عُمَر بن قيس في هذا الحديث خطأٌ؛ إمَّا مِنْ الناسخ، أو مِنْ يونس بن حبيب. وعلى فرض صحة الرواية عن عُمر بن قيس، فهي مُتابعة لا يُفرح بها، ولا تصلح للاعتبار، فَعُمر بن قيس، هو المكي المعروف بِسَنْدل، وهو "متروك الحديث". (١) شواهد للحديث: - وفي الباب عن جابر بن عبد الله، وابن عبَّاس، ومُعاذ بن جبل ﵃، وبيانه كالآتي: • أمَّا حديث جابر بن عبد الله، فمداره على عطاء بن أبي رَبَاح، ورُوي عنه مِنْ طُرُقٍ: أ فأخرجه أبو محمد الحارث ابن أبي أسامة في "مسنده - كما في "بغية الباحث" (١٣٦)، و"المطالب العالية" (٣١٧) -، والدَّارقطني في "سننه" (١٠٦٤) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (٢٢٣٥/ ٢) -، والحاكم في "المستدرك" (٧٤٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٢٣٥). كلهم مِنْ طريق دَاوُد بن عَمْرٍو الضَّبِّيّ، قال: ثنا محمد بن يَزِيدَ الواسطيُّ، عن محمد بن سالم، عن عطاءٍ، عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ، بنحو رواية الباب، وبدون ذكر الآية. وقال الدَّارقطني: كذا قال - أي داود بن عَمرو -: عن محمد بن سَالِمٍ، وقال غيره: عن محمد بن يَزِيد، عن محمد بن عُبَيْدِ اللَّهِ العَرْزَمِيِّ، عن عَطَاءٍ، وهما - أي محمد بن سالم، والعَرْزَميّ - ضَعِيفَانِ. وقال الحاكم: الحَدِيثٌ مُحْتَجٌّ بِرُوَاتِهِ كُلِّهُم، غير محمد بن سالمٍ، فإنِّي لا أَعْرِفُهُ بعدالةٍ ولا جَرْحٍ، وقد تأمَّلْتُ كتاب الشَّيخَيْنِ فلم يُخَرِّجا في هذا الباب شَيْئًا. وقال الذهبي: هو - أي محمد بن سالم - أبو سهل: وَاهٍ. وقال البيهقي: تَفَرَّدَ به محمد بن سَالِمٍ، ومحمد بن عُبَيْدِ اللهِ العَرْزَمِيُّ، عن عطاءٍ، وهما ضَعِيفَانِ. قلتُ: بل تابعهما عبد الملك بن أبي سُلَيْمان العَرْزَمِيّ، كما سيأتي. وداود بن عَمرو قد خُولف في هذا الحديث، خالفه موسى بن مَرْوان، فرواه عن محمد بن يزيد، عن محمد بن عُبيد الله العَرْزَميّ، كما سيأتي. وأمَّا محمد بن سالم: فقال أحمد، وأبو حاتم: شبه المتروك. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال مُسْلمٌ، والنَّسائيُّ، والدَّارقطني: متروك الحديث. وقال النَّسائيُّ: لا يُكتب حديثه. وقال الذهبي: ضَعَّفُوه جدًا. (٢) ب وأخرجه أبو بكر ابن مردويه - كما في "تفسير ابن كثير" (١/ ٣٩٣) -، والدارقطني في "سننه"

стр. 454

(١٠٦٢ و ٢٢٤٣)، مِنْ طريق أحمد بن عُبَيْدِ اللَّهِ بن الحَسَنِ العَنْبَرِيّ، قال: وَجَدْتُ في كتاب أبي: ثنا عَبْدُ المَلِكِ بن أبي سليمان العَرْزَمِيُّ، عن عطاء بن أبي رَبَاحٍ، عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ، بنحوه. وقال البيهقي - بعد أن أخرج الحديث عن عامر بن ربيعة، وجابر بن عبد الله -: ولم نَعْلَمْ لهذا الحديث إِسْنَادًا صَحِيحًا قَوِيًّا؛ وذلك لأنَّ عاصم بن عُبَيْدِ اللهِ بن عُمَرَ، ومحمد بن عُبَيْدِ اللهِ العَرْزَمِيّ، ومحمد بن سَالِمٍ الكُوفِيّ كُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ، والطريقُ إلى عبد المَلِكِ العَرْزَمِيِّ غير واضحٍ لِمَا فيه مِنَ الوجادة وغيرها، وفي حديثه أيضا نُزُولُ الآيَةِ في ذلك، وصحيحٌ عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمَانَ العَرْزَمِيِّ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ بن الخَطَّابِ أنَّ الآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ في التَّطَوُّعِ خاصَّةً حيث تَوَجَّهَ بِكَ بَعِيرُكَ. وقال ابن القَطَّان: علته الانْقِطَاع فيما بين أحمد بن عُبَيْد الله بن الحسن العَنْبَريّ، وأبيه، والجهل بحال أحمد المذكور، وما مس به أيضا عُبَيْد الله العَنْبَريّ من المَذْهَب، على ما ذكر ابن أبي خَيْثَمَة وَغَيره. (١) قلتُ: والحديث بهذا الوجه جيدٌ، لولا أنَّه مُخالف لما صَحَّ عن عبد الملك بن أبي سُلَيْمان العَرْزَميّ - كما سيأتي بيانه -، وهذا هو ما أشار إليه البيهقي في كلامه السابق قريبًا. ت وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٢٢٣٥/ ٣)، مِنْ طريق موسى بن مَرْوان الرَّقيّ، قال: ثنا مُحَمَّدُ بن يَزِيدَ الوَاسِطِيُّ؛ وأخرجه البيهقي أيضًا برقم (٢٢٤٢)، مِنْ طريق الحارث بن نَبْهَان؛ كلاهما (الواسطي، والحارث) عن محمد بن عُبَيْدِ اللهِ العَرْزَميّ، عن عطاءِ بن أبي رَبَاحٍ، عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ، فذكره بمعناه. قلتُ: وفيه محمد بن عُبيد الله بن أبي سُلَيْمان العَرْزَميّ، والحارث بن نَبْهَان كلاهما "متروك الحديث". (٢) وسُئل الدَّارقطني عن هذا الحديث، فقال: يرويه مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَرَوَاهُ داود بن عمرو، عن محمد بن يزيد، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، وغيره يرويه عن محمد بن يزيد، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء، عن جابر، وكلاهما ضعيفان. (٣) ث وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" - كما في "التفسير مِنْ سنن سعيد بن منصور" (٢١٠) -، قال: نا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ، قال: حدَّثني حَجَّاجُ بن أرطاة الكوفي، عن عَطَاءٍ، أَنَّ قَوْمًا عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ إِلَى نَاحِيَةٍ، ثُمَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤). قلتُ: وفيه إسماعيل بن عَيَّاش "صَدُوقٌ في روايته عن الشاميين، مُخَلِّطٌ في غيرهم" (٥)، وهذا مِنْ روايته عن الحَجَّاج وهو كوفي. والحَجَّاج بن أرطاة، قال فيه أبو حاتم: صدوقٌ يُدَلِّس عن الضعفاء، يُكتب حديثه،

стр. 455

وإذا قال: حدَّثنا فهو صالح لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بَيَّن السَّمَاع. وقال ابن معين: ليس بالقوي، يُدَلِّس عن محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَمِيّ، عن عمرو بن شُعيب. (١) وقد رواه بالعنعنة، عن عطاء مُرْسلًا. • وأمَّا حديث عبد الله بن عبَّاس ﵃: فأخرجه أبو بكر ابن مردويه - كما في "تفسير ابن كثير" (١/ ٣٩٤) -، من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: بنحوه. قلتُ: وفيه محمد بن السائب بن بِشْر الكلبي "مُتَّهم بالكذب، ورُمِي بالرفض". (٢) وأبو صالح، هو: باذام مولى أُمّ هانئ، قال ابن حجر: ضَعيفٌ، يُرْسل. وقال ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي، فليس بشيءٍ، لأنَّ الكلبي يحدث به مَرَّة من رأيه، ومَرَّة عَن أبي صالح عَنِ ابن عباس. (٣) وقال ابن كثير - بعد أن ذكر الحديث برواية الباب، وذكر له شواهده عن جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عبَّاس -: وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا. (٤) • وأمَّا حديث مُعاذ بن جبل ﵁: فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢٤٦)، وفي "مسند الشاميين" (٥١)، وأبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (١/ ٢٥٥)، عن أحمد بن رِشْدِينَ، قال: نا هشام بن سَلَّامٍ البَصْرِيُّ، قال: نا أبو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قال: نا إسماعيلُ بن عبد اللَّهِ السَّكُونِيُّ، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن أَبِيهِ، عن مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قال: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ غَيْمٍ، فِي سَفَرٍ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ وَسَلَّمَ، تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَقَالَ: «قَدْ رُفِعَتْ صَلاتُكُمْ بِحَقِّهَا إِلَى اللَّهِ ». وقال الطبراني: لم يَرْوِه عن إبراهيم إلا إسماعيلُ، ولا عن إِسْمَاعِيلَ إلا أبو دَاوُدَ، تَفَرَّدَ به: هِشَامُ بن سَلَّامٍ. وقال أبو داود الطيالسي: هذا حديثٌ مُنْكرٌ. (٥) وقال أبو أحمد الحاكم: هذا حديثٌ مُنْكر، وفي ابن رِشْدِين، وهشام بن سَلَّام، وإسماعيل بن عبد الله نظر، والله يغفر لنا ولهم. وقال الهيثمي: فيه أبو عبلة والد إبراهيم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، واسمه شمر بن يقظان. (٦) قلتُ: وشمر بن يقظان أَبُو عبلة الشَّامي، يَرْوِي عَن: عَوْف بن مَالك، ومعاذ، وروى عَنهُ: ابنه إبراهيم بن أبي عبلة، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو "مجهول الحال". (٧) • قلتُ: ومِنْ خلال ما سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مع كثرة طرقه، وشواهده فلا يصلح واحدًا منها للاعتبار،

стр. 456

ويبقى الحديث على ضَعفه، وهذا هو ما قرَّره الأئمة الأجلاء: فقال العُقيلي: وأمَّا حديثُ عَامِرِ بن رَبِيعَة فليس يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مَتْنُهُ. (١) وقال البيهقي: ولم نَعْلَمْ لهذا الحديث إِسْنَادًا صَحِيحًا قَوِيًّا. (٢) وهذا الكلام نقله النووي، ولم يُنْكره. (٣) والحديث مع ضعف رواته، فهو مخالفٌ لما صَحَّ وثبت في سبب نزول قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤)، فأخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" (٧٠٠/ ٣،٤)، ك/الصلاة، ب/جواز صلاة النَّافِلَةِ على الدَّابَّةِ في السَّفَر حيث تَوَجَّهَتْ، مِنْ طُرُقٍ عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمَانَ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: … ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وفي بعض الروايات: ثُمَّ تَلا ابْنُ عُمَرَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وسُئل أبو حاتم عن حديث الباب - حديث عامر بن ربيعة -، وعن حديث ابن عُمر هذا، فقال: إنَّ حَدِيث ابن عُمَرَ أصَحُّ من حَدِيث أَبِي الربيع السَّمَّان. (٥) وهذا هو ما أشار إليه البيهقيُّ - بعد أن ضَعف الحديث برواية الباب، وبشواهده -، فقال: وصَحَّ عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمَانَ العَرْزَمِيِّ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ بن الخَطَّابِ أنَّ الآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ في التَّطَوُّعِ خاصَّةً حيث تَوَجَّهَ بِكَ بَعِيرُكَ. (٦) • هذا والحديث حسَّنَه الشيخ/أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "سنن الترمذي"، فقال - بعد أن خَرَّج الحديث -: وبذلك يظهر أنَّ الحديث معروفٌ مِنْ غير حديث أشعث، ولعَلَّ الترمذي لم يَطَّلِع على رواية عَمرو بن قيس، وأشعث السَّمَّان إنَّما تُكُلِّم فيه مِنْ قبل حفظه، وهو صدوقٌ، والحديث حسن الإسناد؛ لأنَّ عاصم بن عُبيد الله ضَعَّفوه مِنْ قبل حفظه، وقد روى عنه مالك، وشعبة مع تشدُّدهما في الرجال، ثُمَّ خَرَّج الحديث عن جابر بن عبد الله، وضَعَّفه، وقال: فَعُلم مِنْه أنَّ للواقعة أصلاً مَعْروفاً. قلتُ: وهذا الكلام لا يخلو مِنْ نظر - كما لا يخفى، وهو واضحٌ مِنْ خلال ما سبق بيانه -: فالمُتابع لأشعث بن سعيد هو: عُمر بن قيس المكيّ المعروف بِسَنْدل، وهو "متروك الحديث"، وليس هو عَمرو بن قيس الملائيّ "الثقة"، كما ظن الشيخ/شاكر ﵀، وأشعث السَّمَّان ليس بصدوقٍ، بل هو "متروك الحديث" - كما سبق بيانه في دراسة الإسناد -.

стр. 457

لذا تراجع الشيخ/شاكر ﵀ عن تحسينه، وذهب إلى تضعيفه، فقال في تعليقه على "تفسير الطبري": وقد ذهبت في شرحي للترمذي إلى تحسين إسناده، ولكني أستدرك الآن، وأرى أنَّه حديثٌ ضَعيفٌ. وقال: والأشعث بن سعيد "ضَعيفٌ جدًا". (١) والحديث حسَّنه أيضًا الشيخ/الألباني ﵀ بمتابعاته، وبمجموع شواهده: فظن أنَّ المُتابع لأشعث بن سعيد هو عَمرو بن قيس "الثقة"، والصواب - كما سبق - أنَّه: عُمر بن قيس المكيّ "المتروك". وقال: وبالجملة فالحديث بهذا الشاهد مع طرقه الثلاث عن عطاء يرقى إلى درجة الحسن إن شاء الله. قلتُ: وسبق أنْ ذكرت طُرق الحديث وشواهده، وبَيَّنتُ أنَّ الحديث ليس له طريق صحيحٌ يصلح للاعتبار، إلا رواية عبد الملك بن أبي سُليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله، لكنَّها مُخالفةٌ لما أخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" مِنْ طُرُقٍ عن عبد الملك بن أبي سُليمان - كما سبق تفصيله -. وعليه فيبقى الحديث على ضَعفه، وهو ما ذهب إليه أبو حاتم، والعقيلي، وأبو داود الطيالسي، والدَّارقطني، والبيهقي - كما سبق بيانه -، وضَعَّفه كذلك ابن حزم (٢)، والنووي (٣). رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عاصم بن عُبَيْدِ اللَّهِ إلا أبو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ. وافقه على ذلك الترمذي، فقال - كما سبق في التخريج -: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نعرفهُ إلا مِنْ حديث أَشْعَثَ السَّمَّانِ عن عَاصِمِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ. وقال العقيلي - بعد أن أخرج الحديث في ترجمة أشعث -: وله غيرُ حديثٍ مِنْ هذا النَّحْوِ لا يُتَابَعُ على شيءٍ مِنْهَا. قلتُ: بل تابعه عُمر بن قيس المكي المعروف بِسَنْدل، وهو "متروك الحديث"، أخرج روايته أبو داود الطيالسي، إن كان ذلك محفوظاً عنه - كما سبق بيانه في التخريج، والحكم على الحديث -. خامسًا: - التعليق على الحديث: قال الإمام الترمذي: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلَّى في الغَيْمِ لغير القبلة ثُمَّ اسْتَبَانَ له بعد ما صَلَّى أنَّه صَلَّى لغير القِبْلَةِ فإنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، وبه يقول الثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبَارَكِ، وأحمد، وإسحاقُ. (٤) * * *

стр. 458

[٦١/ ٤٦١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ (١)، قَالَ: نا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ (٢)، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَوْدِيُّ (٣)، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ. عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ (٤)، وَدَخَلَ الْحَمَّامَ (٥)، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، فَلَمَّا دَخَلَهُ وَوَجَدَ حَرَّهُ، وغَمَّهُ، قَالَ: أَوِّهْ (٦) مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، أَوِّهْ، أَوِّهْ، قَبْلَ أَنْ لا يَنْفَعَ أَوِّهْ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أبي مُوسَى إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إبراهيمُ بن مَهْدِيٍّ. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "الأوائل" (١٢)، عن أحمد بن خُليد، به. (٧) وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، ولم أقف عليه - على حد بحثي - في "الكبير". (٨)

стр. 459

• وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (١/ ٦٠) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٧) -، قال: حدثنا علي بن أحمد بن علي المِصِّيصي، ثنا أحمد بن خُليد، به. وقال أبو نعيم: تَفَرَّد به الأبَّار، عن إسماعيل. • وأخرجه مَسْلمة بن قاسم في "زوائده على مصنف ابن أبي شيبة" (٣٦٠٣٢)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٣٦٢)، وابن أبي عاصم في "الأوائل" (١٣٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٦٨، ١/ ٨٤)، وابن السنيّ في "عمل اليوم والليلة" (٣١٧)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٦٣) - ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٥٦٦) -، والبيهقي في "الشعب" (٧٧٧٨) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٧) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٨)، وابن العديم في "تاريخ حلب" (٣/ ١٠٣٩). كلهم من طرقٍ عن إبراهيم بن مهدي، بسنده، البعض بنحوه، والبعض مختصرًا. • وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١٤)، من طريق أبي هارون العَطَّار؛ ومشرق بن عبد الله الفقيه في "حديثه" (٢٣) - مخطوط نُشِر ضمن جوامع الكَلِم، وعزاه إليه الألباني في "الضعيفة" (٢٧٠٤) -، من طريق محمد بن الحسين بن صالح السّبيعي، كلاهما (العطّار، والسّبيعيّ)، عن أبي حفص الأبّار، به. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) إبراهيم بن مَهْدي، المِصّيصي، بَغْدَاديُّ الأصل، سَكَن المِصِّيصة، ويُقال له: الطرسوسي. روى عن: عُمر بن عبد الرحمن أبي حفص الأبَّار، وحمَّاد بن زيد، وسفيان بن عُيَينة، وآخرين. روى عنه: أحمد بن خُليد، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرَّازي، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، وابن قانع، وابن يونس: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وارتضاه الإمام أحمد، فكان يُحَدِّث عنه. وروى عنه أبو داود - وهو لا يُحدّث إلا عن ثقة -. وقال الحافظ في "التقريب": مقبول. - وقال ابن مَعين: كان رجلًا مسلمًا، فقيل له: أهو ثقة؟ فقال: ما أراه يكذب. وقال مَرَّةً - كما أسنده عنه العقيلي -: جاء بمناكير. وقال العقيلي: حَدَّث بمناكير - وذكر حديث الباب في ترجمته (١) -. وقال الأزدي: له عن علي بن مُسْهر أحاديث لا يُتابع عليها. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، له مناكير". (٢)

стр. 460

٣) عُمر بن عبد الرحمن بن قيْس، الكوفي، أبو حفص الأبَّار، نزيل بغداد. روى عن: إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي، وسُليمان الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرين. روى عنه: إبراهيم بن مهدي، وعثمان بن أبي شيبة، ويحيى بن معين، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وابن شاهين، وابن أبي شيبة، والدّارقطني، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أحمد، والنسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": من متقني الكوفيِّين. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حجر: صدوقٌ. والحاصل: أنه "ثِقَةٌ"؛ فوَثَّقه جمعٌ، ولم يُعْلم فيه جرحٌ. (١) ٤) إسماعيل بن عبد الرحمن، الكوفي، الأَوْديّ، ويُقال له: المَكيُّ. روى عن: أبي بُرْدة عامر بن عبد الله بن قيْس، والحسن البصري. روى عنه: عُمر بن عبد الرحمن أبو حفص الأبَّار. حاله: قال البخاري: فيه نظر، وذكر حديث الباب في ترجمته، وقال: لا يُتابَع عليه. وقال العقيلي: لا يُتابع عليه، ولا يُعْرف إلا به. وقال ابن عدي: يُعرف بحديث الحمّامات، وقد ذكرنا له بإسناده حديثًا آخر، ولا أعرف له غيرهما. وقال الأزدي: مُنْكَر الحديث. وقال الذهبي: تُكُلّم فيه، حديثه في الحمَّامات لا يَثْبَت. وقال ابن معين: شَيْخٌ، والذي يسبق إلى قلبي أنّ إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي الذي يروي عنه أبو حفص الأبّار هو الأوْدي. وذكره ابن حبّان في "الثقات". (٢) فالحاصل: أنه "فيه نظر". له حديثان، انفرد بأحدهما، فهذا يدل على شدة ضعفه - والله أعلم -. ٥) أبو بُرْدة عامر بن عبد الله بن قيْس: روى عن: أبيه، "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٤). ٦) أبو مُوسى عبد الله بن قيْس الأشْعري: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٤). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضعيفٌ جدًا"؛ لأجل إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي "فيه نظر"، له حديثان، أحدهما رواية الباب، وقد انفرد به، فلم يُتابع عليه. قال البخاري - بعد أن أخرج الحديث في ترجمته -: فيه نظر، ولا يُتابع عليه. ونقله عنه: العقيلي، وابن عدي، والبيهقي، والذهبي. وقال العُقيلي: لا يُتابع عليه، ولا يُعْرف إلا به. وقال ابن عدي - بعد أن أخرج الحديث في ترجمة إسماعيل -: يُعرف بحديث الحمّامات، وقد ذكرنا له بإسناده حديثًا آخر، ولا أعرف له غيرهما. وقال ابن الجوزي في "العلل": هذا حديثٌ لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وإسماعيل له أحاديثه منكرة، وقال الخطيب: وإبراهيم بن مهدي: ضعيفٌ. وقال الذهبي: حديثه في الحمَّامات لا يثبُت. وقال الهيثمي: فيه
следующие страницы →