← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

(١٦٥٦)، والسَّرَّاج في "مسنده" (١٤٥١ - ١٤٦٠)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (١٣٠٢ - ١٣٠٦)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٦٠٨٧)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٢٠٧٦ و ٢٠٧٧ و ٢٠٨٠)، والطبراني في "الأوسط" (٦٨٤٥ و ٧٣٤٨)، وفي "مسند الشاميين (٢٤١٩)، والدَّارقطني في "العلل" (١٣/ ٢٠٣)، وأبو نُعيم في "المُستخرَج" (١٥٦١)، والبيهقي في "الكبرى" (١٨٦٦ و ١٨٦٧ و ٥٠١٨ و ٥٠١٩ و ٥٠٢٠ و ٥٠٢١)، وفي "المعرفة" (٥٦٣٦)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٥٦٥)، كلهم من طرقٍ عن نافع - من أصح الأوجه عنه (١) -، عن ابن عُمَر، بنحوه، والبعض بزيادة فعل ابن عُمر له. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) الْحَسَن بن دَاوُد بْن مُحَمَّد بْن المنكدر بن عَبد اللَّه بن الهدير القرشي التَّيْمِيّ المنكدري. روى عن: بكر بن صدقة، وسُفيان بن عُيَيْنَة، وعبد الرزاق الصنعاني، وآخرين. روى عنه: أحمد الخلَّال، النَّسَائي، وابْن ماجه، وآخرون. حاله: قال النَّسائي: لا بأس به. وقال ابن عَدي: أرجو أنَّه لا بأس به. وقال الذهبي: صَدُوقٌ تُكُلِّم فِيهِ. وقال ابن حجر: لا بأس به، تَكَلَّمُوا في سماعه من المُعْتَمِر. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". - وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. (٢) والحاصل: أقل أحواله أنَّه "صدوقٌ"، فهو مِن شيوخ النَّسائي، وقال فيه: لا بأس به، وهذا يكفيه. بالإضافة إلى أنَّ الجرح فيه مُبْهم فيُقدَّم التعديل عليه، ولعلَّه خاص بسماعه مِن المُعْتمر كما قال ابن حجر. ٣) بَكْرُ بن صَدَقة، أبو صدقة الجُدِّيُّ. روى عن: محمد بن عَجْلان، وعبد اللَّه بن سَعِيد بن أَبِي هِنْد. روى عنه: الحسن بن داود، وسُلَيْمَان بن أبي حُجر، وحامد بن يحيى البَلْخِي، وآخرون. حاله: ذكره ابن حبَّان في "الثقات". (٣) ولم أجد من ترجم له غيره. فالحاصل: "أنَّه مجهول الحال". ٤) مُحمَّد بن عَجْلان القُرشيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٦). ٥) نافع مولى ابن عمر: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ مَشْهُورٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٩). ٦) عبد الله بن عُمَر بن الخطاب ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، من المُكْثرين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يتبيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضعيفٌ"؛ لأجل بَكر بن صَدقة، لم أقف له على توثيق.

стр. 597

مُتابعاتٌ للحديث: - وبَكر بن صَدقة لم يَنْفرد به، بل تابعه حاتم بن إسماعيل المدني، ومحمَّد بن سَعْد الأَشْهَلِي، كلاهما عن مُحمَّد بن عَجْلان - أخرجه أبو العبَّاس السَّرَّاج في "مسنده"، كما سبق في التخريج -. وهما (حاتم، ومحمد) ثِقَتان (١)، والإسناد إليهما "صحيحٌ". - وقد تابعه أيضًا غير واحدٍ عن نافعٍ - مُتابعة قاصرة - كمالكٍ، وغيرِه، ومِنْها ما هو مُخَرَّجٌ في "الصحيحين" - كما سبق في التخريج -. شواهد للحديث: - أخرج البخاريُّ، ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: " إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ "، قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ، فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا، قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ». (٢) واللفظ لمسلمٍ. - وأخرجه مُسْلمٌ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: «لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ». (٣) وعليه فإسناد الطبراني يرتقي من "الضعيف"، بمتابعاته وشواهده إلى "الصحيح لغيره" - والله أعلم -. رابعًا: - التعليق على الحديث: - هذا الحديث بابٌ عظيمٌ مِنْ أبواب رفع الحرج والمشقة على الأمة، إذ رَخصَّ النبي ﷺ في بعض الظروف والأحيان، ولأصحاب الأعذار، التخلف عن صلاة الجماعة؛ ومن هذه الأمور وجود البرد الشديد، أو المطر؛ لكن هل يُشْترط اجتماعهما في ليلة، أم يكفي وجود أحدهما؟ وقد أجاب عن ذلك الإمام ابن خزيمة، فقال: ورد في بعض الروايات بلفظ "في الليلة المطيرة والباردة" وهذه تحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون الليلة مطيرة وباردة جميعا، وتحتمل أن يكون أراد الليلة المطيرة، والليلة الباردة أيضا، وإن لم تجتمع العلتان جميعا في ليلة واحدة، وجاء في بعض الروايات ما يدل على أنه أراد أحد المعنيين بلفظ "كانت الليلة مطيرة أو كانت باردة". (٤) وقال الحافظ ابن حجر: وقوله "أو" للتنويع لا للشك، ودلَّ ذلك على أنَّ كلاً من الثلاثة - المطر، والبرد،

стр. 598

والريح - عذر في التأخير عن الجماعة، ونقل ابن بطال فيه الإجماع. (١) - فإذا وُجِدت العلتان، أو أحدهما، يُستحب للمُؤذن أنْ يُنادي في آذانه، ويقول: "صلوا في رحالكم"، أو "صلوا في بيوتكم"، أو نحو ذلك؛ لكنَّ السؤال: هل يقول ذلك أثناء الآذان، أم بَعْده؟ والجواب: لقد اختلفت الروايات في ذلك، فصريح رواية الباب أنَّه يُتْبع الآذان بقوله هذا، بينما في حديث ابن عبَّاس - والذي سبق ذكره في الشواهد -، يدلُّ على أنَّ قوله هذا يكون بدلاً مِن الحيعلتين، فإذا انتهى من الشهادتين لم يقل: "حي على الصلاة"، وإنَّما يقول: "صلوا في رحالكم"؛ واختلف العلماء في توجيه ذلك: فقال القرطبي: يُحْتمل أن يكون المراد في آخره قبيل الفراغ منه؛ جمعا بينه وبين حديث ابن عبَّاس. بينما ذهب ابن خُزيمة إلى حمل حديث ابن عبَّاس على ظاهره، وأن ذلك يقال بدلا من الحيعلة، نظرًا إلى المعنى؛ لأن معنى "حي على الصلاة": هلموا إليها، ومعنى "الصلاة في الرحال": تأخروا عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معا لأن أحدهما نقيض الآخر. وبعد أنْ ذكر الحافظ ابن حجر القولين السابقين، قال: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذُكر؛ بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا، فقال: "ليصل من شاء منكم في رحله". (٢) (٣) - وأخيرًا: هل الأمر في قوله "صلوا في رحالكم"، للوجوب، أم للنَّدب؟ قال ابن خُزيمة: لَوْ حُمِلَ الْخَبَرُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ شُهُودُ الْجَمَاعَةِ فِي اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ وَالبَارِدَةِ مَعْصِيَةً، إِذِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ (٤) - وبمثل هذا قاله ابن حبَّان (٥) -. ثمَّ قال: لكن جاء في بعض الأخبار ما يدل على حمل الأمر فيه على أمر الإباحة لا أمر العزم، وذكر الحديث عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: «لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ». (٦) * * *

стр. 599

[٨٥/ ٤٨٥]- حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلالُ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ (١)، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا مَثَلُ نَارِكُمْ هَذِهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ؟ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ دُخَانِ نَارِكُمْ هَذِهِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا». * لم يَرو هذا الحديثَ عن مالك إلا مَعْن، تَفَرَّد به: إبراهيم بن المُنذِر. هذا الحديث مداره على الإمام مالك بن أنس، وقد اختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: مالك بن أنس، عن عمه أبي سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: مالك بن أنس، عن عمه أبي سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة ﵁ (موقوفًا). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: مالك بن أنس، عن عمه أبي سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبرانيُّ في "الأوسط" - برواية الباب - مِنْ طريق مَعْنِ بن عيسى، عن مالك، به. وذكره ابن كثير بإسناد الطبراني، ومتنه، دون قوله بعده. (٢) وعزاه ابن رجب الحنبلي (٣) إلى البزَّار، ولم أقف عليه عنده. • ورواه يحيى بن عبد الله بن بُكير، عن مالك، به، أشار إلى روايته الإمام الدَّارقطني في "العلل" (١٠/ ٨٣/مسألة ١٨٨٢)، فقال: وَرُوِي عن مَعْنٍ، وابن أبي بُكَيْر مَرْفُوعًا. ب متابعات للوجه الأول: • وأخرجه البيهقي في "البعث والنشور" (٥٠١)، بإسناد صحيح، مِنْ طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي، عن أبي سُهيل بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا، بنحو رواية الباب. ت دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) إبراهيمُ بن المُنْذِر الحِزَامِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٦).

стр. 600

٣) مَعْن بن عيسى بن يحيى بن دينار، أبو يحيى، المدنيُّ، القَزَّاز. روى عن: مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن طَهْمان، وآخرين. روى عنه: إبراهيم بن المُنذر، وزُهَيْر بن حرب، وعلي بن المديني، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك وأوثقهم مَعْن. وقال ابن معين: ثقةٌ. وقال ابن سعد: ثقةٌ ثبتٌ مأمونٌ، وكان مَعْنٌ يَتَوَسَّدُ عَتَبَة مالك، فلا يَلْفِظُ مالكٌ بشيءٍ إلاَّ كتبه، وكان رَبِيْبَه. وقال ابن حبَّان: وكان هو الذي يتَوَلَّى القِرَاءة على مالك. والحاصل: ما قاله ابن حجر: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ، مِنْ أَثْبَتِ أصحاب مالك". (١) ٤) مالك بن أنس: "إمام دار الهجرة، رأس المُتْقِنين، وكَبير المُتَثَبِّتِين"، تقدَّم في رقم (٨٠). ٥) نافع بن مالك بن أَبي عامر الأَصْبَحيُّ، أَبُو سُهَيل المدنيُّ، عَمّ مالك بن أنس. روى عن: أبيه، وأنس بن مالك، وعَبد اللَّه بن عُمَر ﵃، وآخرين. روى عنه: ابن أخيه مالك بن أنس، وعبد العزيز بن محمد الدَّراورديُّ، والزُّهْرِيّ، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، وأحمد، والنَّسائي، والذهبي، وابن حجر: ثقةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (٢) ٦) مالك بن أبي عامر الأَصْبَحي، أبو أنس، ويُقال: أبو مُحَمَّد المدنيّ، جد الإمام مالك. روى عن: أبي هُرَيْرة، وعثمان بن عفان، وعائشة ﵃، وآخرين. روى عنه: أبناؤه نافع، والربيع، وأنس، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والنَّسائي، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال ابن حبَّان: من مُتْقِني أهل المدينة. (٣) ٧) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، من المُكثرين"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ثانيًا: - الوجه الثاني: مالك بن أنس، عن عمه أبي سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة (موقوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه يحيى بن يحيى الليثي - كما في "الموطأ" بروايته (٢٨٤٣) -، عن مالكٍ، به، ولفظه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَتُرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذِهِ، لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ». وَالْقَارُ: الزِّفْتُ. • وأخرجه أبو مُصْعَب أحمد بن أبي بكر الزُّهري - كما في "الموطأ" بروايته (٢٠٩٩) -، - ومن طريق أبي مُصْعب أخرجه البغوي في "شرح السنة" (٤٤٠٠) -، عن مالك، بنحو رواية الليثي. وقال ابن كثير: قال الضِّياء: ورَوَاه أبو مُصْعَب، عن مالك، فوقفه، وهو عندِي على شرط الصَّحِيح. (٤) • وأخرجه سُوَيد بن سَعيد الهَرَوي - كما في "الموطأ" بروايته (٧٨٤) -، عن مالك، بنحوه.

стр. 601

ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد أبي مُصْعب الزُّهري): ١) أبو مُصْعَب أحمد بن أبي بكر الزُّهري: "ثقةٌ". (١) ٢) وبقية رجال الإسناد: تقدَّمت دراستهم في الوجه الأول. ثالثًا: - النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يتضح أنَّ الحديث مداره على الإمام مالك، وقد اختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: مالك بن أنس، عن عمه أبي سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: مالك بن أنس، عن عمه أبي سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة ﵁ (موقوفًا). والذي يظهر - والله أعلم - صحة الوجهين؛ وذلك لتساوي وتكافؤ القرائن المُرجِّحة لكلٍ مِنْهما: - فيُرجح الوجه الأول لكونه من رواية مَعْن بن عيسى؛ فهو مِن أثبت النَّاس في مالك، وتُقدَّم روايته في الموطأ على رواية غيره (٢)، ويُقابل ذلك رواية الجماعة في الوجه الثاني. - وكذلك الوجه الأول تُوبع فيه مالك، بخلاف الوجه الثاني. - وفي الوجه الثاني رواية يحيى بن يحيى، وهو آخر مَن روى الموطأ عن مالك، وقد سمعه مِنه في السنة التي تُوفى فيها الإمام مالك. • وعليه فيتعذر الترجيح بينهما، ولقد رجح الإمام الدَّارقطني في "العلل" (٣) الوجه الثاني الموقوف. قلتُ: ولعلَّه رجَّحه لكونه مِنْ رواية الجماعة - والله أعلم -. • وعلى فرض صحة الوجه الموقوف، فهو مِمَّا له حُكم الرفع، لأنه لا يُقال من قبل الرأي والاجتهاد: - قال ابن عبد البر: حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْنَاهُ مَرْفُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا تَوْقِيفًا. (٤) وقال الإمام أبو الوليد الباجي: وَمِثْلُ هَذِا لَا يَعْلَمُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (٥) وزاد الزرقاني: لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَغِيبٍ فَحُكْمُهُ الرَّفْعُ. (٦) قلتُ: وبهذا يُجْمع بين الوجهين، وهو أولى مِن الترجيح - والله أعلم -. • بالإضافة إلى أنَّ غير واحدٍ مِن أهل العلم ذكر أنَّ مِن عادة مالكٍ أنَّه كان يرفع الحديث أحياناً ويُوقفه حيناً، على حسب نشاطه، فقال ابن حبَّان: وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَةً لِمَالِكٍ، يَرْفَعُ فِي الْأَحَايِينِ الْأَخْبَارِ وَيُوقِفُهَا مِرَارًا

стр. 602

وَيُرْسِلُهَا مَرَّةً وَيُسْنِدُهَا أُخْرَى عَلَى حَسَبِ نَشَاطِهِ، فَالْحُكْمُ أَبَدًا لِمَنْ رَفَعَ عَنْهُ وَأَسْنَدَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً حَافِظًا، مُتْقِنًا عَلَى السَّبِيلِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. (١) وقال الدَّارقطني: ومن عادة مالك أن يُرْسل أحاديث. (٢) وقال الخليلي: كَانَ مَالِكٌ يُرْسِلُ أَحَادِيثَ، لا يُبَيِّنُ إِسْنَادَهَا، وَإِذَا اسْتَقْصَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَجَاسَرُ أَنْ يَسْأَلَهُ، رُبَّمَا أَجَابَهُ إِلَى الْإِسْنَادِ. (٣) ونقل ابن رجب عن الإمام أحمد، قال: ومالكٌ يُرسل أشياء كثيرة يُرْسلها غيره. (٤) رابعًا: - الحكم على الحديث: من خلال ما سبق يتضح أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته". وقال الهيثميُّ: رَوَاهُ الطَّبرانيُّ في "الأَوسط"، ورجاله رجال الصَّحيح. (٥) خامسًا: - النظر في كلام المُصنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصنِّف ﵁: لم يَرو هذا الحديثَ عن مالك إِلَّا مَعْن، تَفَرَّد به: إبراهيم بن الْمُنذِر. قلتُ: وفي كلامه ﵁ نظر؛ لكون مَعْن بن عيسى لم يَنْفرد برواية هذا الحديث عن مالك، بل تابعه يحيى بن عبد الله بن بُكير، عن مالك، وقد أشار الإمام الدَّارقطني إلى روايته - كما سبق -. سادسًا: - التعليق على الحديث: - قال ابن عبد البر: ليس في الحديث ما يحتاج إلى القول، وفيه إباحة الخبر عن القيامة والآخرة وحال النار - أجارنا الله منها -، وفيما نطق به القرآن من الخبر عن الآخرة، مُعْتَبر لأولي الأبصار. (٦) - وليُعلم أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان وموجودتان الآن، نطقت بذلك الآيات والأخبار؛ قال الله عن الجنَّة ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (٧)، وقال ﷻ عن النَّار ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ (٨). وتواترت الأحاديث الصحيحة على إثبات ذلك، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، في حديث الإسراء، وفيه: أنَّ النبي ﷺ قال: " ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ ". (٩) وأخرج البخاري في "صحيحه"، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ،

стр. 603

وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». (١) وغير ذلك من الأدلة. وقد عقد الإمام البخاري في "صحيحه" في كتاب/بدء الخلق، بابًا بعنوان/مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الجَنَّةِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وآخر بعنوان/ صِفَةِ النَّارِ، وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وأفاض ﵀ في إثبات ذلك. قال الحافظ ابن حجر (٢): قوله: باب/ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة: أي موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به، فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن، ومنها ما يتعلق بصفتها، وأَصْرَح مما ذكره في ذلك: ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، أَرْسَلَ جِبْرِيلَ، قَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا .... الحديث". (٣) وقال الإمام الطحاوي: والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً، ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكلٌّ يعمل لما قد فرغ له، وصائرٌ لما خُلق له، والخير والشر مُقَدَّران على العباد. (٤) - وفي هذا الحديث يصف النبي ﷺ لون نار جهنَّم - نعوذ بالله مِنها - وأنَّها أشد سوادًا مِن القار، وهو: الزِّفتُ، وقد وصف النبي ﷺ كذلك شدة حرِّها كما في "الصحيحين" من طريق مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا». (٥) فهذا في وصف شدة أمرها في الحرِّ، وذاك في وصف شدة سوادها، وهذا فيه تأكيدٌ لشدة العذاب؛ إذ اجتمع مع شدة الحرِّ شدة السواد - نسأل الله العفو والعافية -. (٦) * * *

стр. 604

[٨٦/ ٤٨٦]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخلالُ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيّ، قَالَ: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ العَلاءِ بن الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ : إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ بَدَنَهُ، وأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ لمَحْرُومٌ». * لم يَرْفَع هذا الحديث عن سُفْيَان إلا عَبدُ الرَّزَّاقِ. هذا الحديث له مَدَاران: • فَمَدَاره الأول على عبد الرَّزَّاق الصنعانيّ، واختُلِف عليه فيه مِنْ وجهين: الوجه الأول: عبد الرَّزَّاق، عن الثوريّ، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدري ﵁ (مَرْفُوعَاً). الوجه الثاني: عبد الرَّزَّاق، عن الثوريّ، عن العلاء، عن أبيه أو عن رجل، عن أبي سعيد ﵁ (مَوْقُوفًا). • وأمَّا مداره الثاني فعلى العلاء بن المُسيَّب، واختُلِف عليه فيه مِن عِدَّة أوجه: الوجه الأول: العلاء بن المُسَيَّب، عن أَبِيه، عن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: العلاء بن المُسَيَّب، عن رجل، عن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ ﵁ (موقوفاً). الوجه الثالث: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُس بن خَبَّاب، عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ (مرفوعًا). الوجه الرابع: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُس بن خَبَّاب، عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ (مَوْقُوفًا). الوجه الخامس: العَلاء بن المسيَّب، عن أبيه، عن أبي هُرَيرة ﵁ (مرفوعًا). الوجه السادس: العَلاء بن المسيَّب، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (مَوْقُوفًا). وتفصيل ذلك كالآتي: • أمَّا مداره الأول على عبد الرَّزَّاق الصنعانيّ، واختُلِف عليه فيه مِنْ وجهين: أولاً: - الوجه الأول: عبد الرَّزَّاق، عن الثوريّ، عن العلاء بن المُسيَّب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁ (مَرْفُوعَاً). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (٩٥١)، عن محمد بن أبي عُمر، به - كما في رواية الباب -. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عُمَر العَدنيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٣) عبد الرزاق بن هَمَّام بن نافع الحِمْيَري، مولاهم، اليماني، أبو بكر الصَّنْعَاني. روى عن: سفيان الثوري، وسفيان بن عُيَيْنَة، ومَعْمَر بن راشِد، وآخرين.

стр. 605

روى عنه: محمد بن أبي عُمر، ويحيى بن مَعِين، وأَحْمَد بن حَنْبَل، وآخرون. حاله: قال العِجْلي: ثقةٌ. وقال يحيى بن معين: ثقةٌ لا بأس به، وأحاديثه عن عبيد الله مُنْكرة. وقال أيضًا: ما كتبت عنه حديثًا قط إلا مِنْ كتابه، وأَقْسَم على ذلك. وقال ابن عساكر: أحد الثقات المشهورين. - وقال أبو حاتم: يُكْتَبُ حديثه ولا يُحْتَجُّ به. - وقال البخاري: ما حدَّث من كتابه فهو أصح. وقال ابن حبَّان: كان مِمَّن جَمَع وصَنَّف وَحَفِظ وذاكر، وكان مِمَّن يُخْطئ إِذا حدَّث مِنْ حِفْظِه. - وقال النَّسائي: فِيه نظر لمن كتب عَنهُ بِآخرَة. وقال الإمام أحمد: أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومَنْ سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وبنحوه قال البيهقي. وقال ابن حبَّان: مات بعد أن عمي سنة إحدى عشرة ومائتين. وأطال ابن الكيال في "الكواكب النيرات"، ومحققه، في ذكر مَن روى عنه قبل وبعد الاختلاط. - وأسند ابن أبي حاتم عن عبد الرزاق، قال: جالسنا معمرًا تَمَام سبع سنين أو ثمان. وقال ابن معين: كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف. وقال الدَّارقطني: عبد الرَّزَّاق يُخْطئ عن مَعْمر في أحاديث لم تكن في الكِتاب. - وسُئل يحيى بن معين عن أصحاب الثوري، فقال: أمَّا عبد الرزاق، والفريابي، وعبيد الله بن موسى، وأبو أحمد الزبيري، وأبو عاصم، وقبيصة، وطبقتهم فهم كلهم في سفيان قريبًا بعضهم من بعض؛ وهم دون يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدى، ووكيع بن الجرَّاح، وابن المبارك، وأبى نُعيم. وقال يحيى بن معين: وكان هشام بن يوسف أعلم بحديث سفيان الثوري من عبد الرزاق. وأنكروا عليه بعض أحاديثه عن الثوري. وضعف الإمام أحمد ما سمعه عبد الرزاق مِن الثوري بمكة دون ما سمعه منه باليمن. - وقال الذهبي: عبد الرّزّاق راوية الإسلام، وهو صدوق في نفسه، وحديثه محتجٌ بِهِ في الصِّحاح، ولكن ما هُوَ ممّن إذا تفرّد بشيء عُدّ صحيحًا غريبًا، بل إذا تفرّد بشيء عُدّ مُنْكَرًا. - وقال الحافظ في "التقريب": ثِقَةٌ حافظٌ مُصَنِّفٌ شَهيرٌ عَمى في آخر عُمره فَتغيَّر (١) وكان يَتشيَّع (٢)، وكتابه صحيح. وروى له الجماعة. (٣)

стр. 606

٤) سُفيان بن سَعِيد بن مَسْروق الثوري، أَبُو عَبد الله الكوفي. روى عن: العلاء بن المُسَيَّب، وشعبة بن الحجاج، والأعمش، وخلقٌ سواهم. روى عنه: عبد الرَّزَّاق بن هَمَّام، وعَبد الرَّحْمَنِ بن مهدي، وابن عُيَيْنَة، والناس. حاله: قَال شُعبة، وابن عُيَيْنَة، وابن معين، وغَيْرُهم: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وَقَال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ للحديث منه. وقال العِجْلي: ثِقَةٌ صَالحٌ عَابِدٌ ثَبتٌ في الحديث فَقِيهٌ صَاحب سنة وَاتِّبَاع. وقال ابن حبَّان: من سَادَات أهل زَمَانه فقهاً وورعاً وحفظاً وإتقاناً. وذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية مِن المدلسين، وقال البخاري: ما أقل تدليسه. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ حافظٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ إمَامٌ حُجَّةٌ، رُبَّما دلَّس. (١) ٥) العلاء بن المُسَيَّب بن رافع الأسدي، الكُوفيُّ. روى عن: أبيه المُسَيَّب بن رافع، وعطاء بن أَبي رباح، وعَمْرو بن مُرَّة، وآخرين. روى عنه: الثوري، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الواحد بن زياد، وآخرون. حاله: قال يحيى بن معين، والعِجْلي، وابن سعد، ويعقوب بن سُفيان، وابن عَمَّار الموصليّ: ثِقَةٌ. وزاد ابن عَمَّار: يُحْتَج بحديثه. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: صَدُوقٌ، ثِقَةٌ، مشهورٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ رُبَّمَا وهم. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة سوى التِّرْمِذِيّ. - ونقل ابن حجر في "التهذيب" عن الحاكم، قال: له أوهام في الإسناد والمتن. وقال الأزدي: في بعض حديثه نظر. ثُمَّ قال - أي ابن حجر -: وتعقبه النَبَاتِيُّ: بأنه كان يجب أن يذكر ما فيه النظر. وقال الذهبي في "الميزان": وهو قول لا يعبأ به - أي من وهَّمَه -. (٢) وحاصله: أنَّه "ثِقَةٌ". ٦) المُسَيَّب بن رافع الأسدي، أَبُو العلاء الكوفي الأعمى، والد العلاء بن المُسَيَّب. روى عن: أبي سَعِيد الخُدْرِيّ، والبراء بن عازب، وجابر بْن سَمُرَة ﵃، وآخرين. روى عنه: ابنه العلاء بْن المُسَيَّب، ومنصور بن المُعْتَمِر، وأَبُو إسحاق السبيعي، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: مَاتَ سنة خمس ومائة. وقال ابن مَعِين: لم يسمع من أصحاب النَّبِيّ ﷺ إلا من البراء بن عازب، وعامر بن عبدة. وقال أبو زرعة العراقي: وَرِوَايَته عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي صَحِيح ابن حبَّان - وهي رواية الباب -، وقال والدي في "أطرافه": لم يسمع مِنْهُ؛ لقول ابن معين لم يسمع مِن صحابيّ إلا من البراء وعامر. (٣) ٧) أبو سعيد الخُدْري ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٩).

стр. 607

ثانيًا: - الوجه الثاني: عبد الرَّزَّاق، عن الثوريّ، عن العلاء بن المُسيَّب، عن أبيه أو عن رجل، عن أبي سعيد الخُدري (مَوْقُوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٨٨٢٦)، عن الثوريّ، وفيه: عن أبيه أو عن رجل، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قال: " يَقُولُ الرَّبُّ ﵎: إِنَّ عَبْدًا وَسَّعْتُ عَلَيْهِ الرِّزْقَ، فَلَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ لَمَحْرُومٌ ". ورواه عن عبد الرَّزَّاق بهذا الوجه: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيْم بنِ عَبَّاد الدَّبَرِي: أخرجه في "حديثه عن عبد الرَّزَّاق" (٢٧) - مخطوط نشر ضمن برنامج المكتبة الشاملة -. ومحمد بن رافع بن أبى زيد النيسابوري: قال البيهقي في "الشعب" (٣٨٣٨): ورواه محمد بن رافع، عن عبد الرزاق موقوفًا على أبي سعيد ﵁. • ولم ينفرد به عبد الرَّزَّاق، بل تابعه وكيعٌ: فرواه وكيعٌ، عن سُفْيَانَ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، يَقُولُ اللَّهُ ﵎: "إِنَّ رَجُلا أَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ … الحديث". (١) هكذا بدون الشك. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد عبد الرَّزَّاق، برواية الدَّبري عنه): ١) إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيْم بنِ عَبَّاد الدَّبَرِي: قال الدارقطني: صدوقٌ، وما رأيت فيه خلاف، قيل له: يدخل في الصحيح، قال: إي والله. (٢) وسماعه مِنْ عبد الرَّزَّاق صحيح؛ لأنه قد سَمِع منه بقراءة والده من "المُصنَّف"، وعبد الرَّزَّاق يسمع، وقد سبق أنَّ كتابه صحيحٌ. (٣) ٢) وبقية رجال الإسناد: سبقت تراجمهم في الوجه الأول.

стр. 608

ثالثًا: - النظر في الخلاف والترجيح: مِن خلال ما سبق يَتَّضِح أنَّ الحديث مَداره على عبد الرَّزَّاق، واختُلِف عليه فيه مِنْ وجهين: الوجه الأول: عبد الرَّزَّاق، عن الثوريّ، عن العلاء بن المُسيَّب، عن أبيه، عن أبي سعيد ﵁ (مَرْفُوعَاً). ولم يروه عنه بهذا الوجه إلا محمد بن أبي عُمر، ولم يُتابع عبد الرَّزَّاق فيه على رفعه. الوجه الثاني: عبد الرَّزَّاق، عن الثوريّ، عن العلاء، عن أبيه أو عن رجل، عن أبي سعيد ﵁ (مَوْقُوفًا). وقد رواه عنه بهذا الوجه اثنان مِن الثقات، بل وتابعه على وقفه وكيع بن الجرَّاح. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ وذلك للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الأول انفرد برفعه عبد الرَّزَّاق عن الثوري، ولم يُتابع عليه: قال الطبراني: لم يرفع هذا الحديث عن سُفْيان إلا عَبدُ الرَّزَّاقِ. (١) وقال الدارقطني: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ. وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ قَوْلِهِ. (٢) وقال ابن عدي: وقد رُوي عن الثَّوْريّ، عن العلاء - أي مرفوعًا -، وهو غريبٌ. (٣) وقال الذهبي: إذا انفرد بشيء يُعد مُنْكراً. وعبد الرَّزَّاق ليس مِن المُقدَّمين في الثوري - كما سبق في ترجمته -، فَلعلَّ هذا مِمَّا حدَّث به عبد الرَّزَّاق مِنْ حفظه بآخرة. وهذا بخلاف الوجه الثاني فلم ينفرد به عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ: بل تابعه على وقفه وكيع بن الجرَّاح، فرواه عن سُفيان، عن العلاء بن المُسيَّب، كما سبق في التخريج. ٢) كما أنَّ الوجه الأول انفرد به محمد بن أبي عُمر عن عبد الرَّزَّاق، وهو مِمَّن روى عنه بعد الاختلاط، قال العراقي: والظاهر أنَّ الذين سَمِع منهم الطبراني في رحلته إلى صنعاء مِن أصحاب عبد الرَّزَّاق كلهم سمعوا منه بعد التغير. (٤) وهذا بخلاف الوجه الثاني فقد رواه عن عبد الرَّزَّاق محمد بن رافع، وهو مِمَّن روى عنه قبل الاختلاط (٥)، وسماع الدَّبري مِن عبد الرَّزَّاق صحيح؛ لكونه سمع من كتابه - كما سبق -. • وأمَّا مداره الثاني فعلى العلاء بن المُسيَّب، واختُلِف عليه فيه مِن عِدَّة أوجه: أولاً: - الوجه الأول: العلاء بن المُسَيَّب، عن أَبِيه، عن أبي سَعِيد ﵁ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة - كما في "الأحكام الكبرى" (٣/ ٣٥٥)، و"المطالب العالية" (١١٣٩) -، - ومِن طريقه أبو يَعْلى في "مسنده" (١٠٣١) -، وأبو عبد الله العطَّار في "منتقى حديثه" (١٥٦) - ومِن

стр. 609

طريقه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٢٦٤) -، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٧٠٣)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٥١٣)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠٣٩٢)، وفي "شعب الإيمان" (٤١٣٣) - ومِن طريقه ابن الجوزي في "العلل" (٩٢٩) -، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٩٢٨)، كلهم مِن طرقٍ عن خلف بن خليفة بن صاعد - مِن أصح الأوجه عنه (١) -، عن العلاء، بنحو رواية الباب، بلفظ: "خَمْسَةُ أَعْوَامٍ". وقال ابن عدي: وهذا يُعرف بخلف، وقد رُوي عن الثَّوْريّ، عن العلاء - أي مرفوعًا -، وهو غريبٌ. وقال البيهقي: وقيل: عن أبي سعيد موقوفًا، وقيل: مُرْسلاً، وروى مِن وجه آخر عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف. • وأخرجه أبو حاتم مُعلَّقًا - كما في "العلل" لابن أبي حاتم (٣/ ٢٨٢/ مسألة ٨٦٩) -. والدارقطني في "العلل" (١١/ ٣١٠/ مسألة ٢٣٠٣)، مُعَلَّقًا. وعزاه البوصيري في "الإتحاف" (٢٣٨٧) إلى الحاكم. ثانيًا: - الوجه الثاني: العلاء بن المُسَيَّب، عن رجل، عن أبي سَعِيد الخُدْريِّ ﵁ (موقوفاً). أ تخريج الوجه الثاني: • رواه بهذا الوجه: سفيانُ الثوريَّ - مِنْ أصح الأوجه عنه -، ووكيعٌ بن الجَرَّاح، كما سبق تفصيله عند ذكر الاختلاف فيه على عبد الرَّزَّاق، لكنَّه في رواية وكيع قال: عن العلاء، عن رجلٍ بدون الشك، بينما شك عبد الرَّزَّاق في روايته عن الثوري، فقال: عن العلاء عن أبيه أو عن رجلٍ، ولعلَّ هذا مِنْ وهمه، والله أعلم. ثالثًا: - الوجه الثالث: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُس بن خَبَّاب، عن أَبي سَعِيدٍ ﵁ مرفوعًا. أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه البيهقي في "الشعب" (٤١٣٢)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٩/ ٢٦٥)، من طريقين عن مُحَمَّد بن فُضَيْل، عن العلاء بن المُسَيَّب، به، بنحو رواية الباب، لكن بلفظ: " خَمْسَة أَعْوَامٍ ". • وأخرجه الدارقطني في "العلل" (١١/ ٣١٠/ مسألة ٢٣٠٣) - مُعَلَّقًا -، وقال: قال الأخْنَسِيُّ - محمد بن عِمْران -: عن ابن فُضَيْل، عن العَلاء، عن يُونُسَ بن خَبَّاب، عن مُجَاهد بن جبر، عن أبي سَعِيدٍ ﵁. رابعًا: - الوجه الرابع: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُس بن خَبَّاب، عن أَبي سَعِيدٍ ﵁ مَوْقُوفًا. أ تخريج الوجه الرابع: • أخرجه أبو حاتم في "العلل" (٣/ ٢٨٣/ مسألة ٨٦٩)، مُعلقًا. قال ابن أبي حاتم: قلتُ لأَبِي: لَمْ يَسْمَعْ يونسُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: لا. خامسًا: - الوجه الخامس: العَلاء بن المسيَّب، عن أبيه، عن أبي هُرَيرة ﵁ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الخامس: • أخرجه أبو حاتم في "العلل" (٣/ ٢٨٢/ مسألة ٨٦٩)، مُعلقًا، فقال: وَرَوَاهُ بعضُهم، فقال: عن العَلاء بن المسيَّب، عن أبيه، عن أبي هُرَيرة، عن النبيِّ ﷺ .

стр. 610

سادسًا: - الوجه السادس: العَلاء بن المسيَّب، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (مَوْقُوفًا). أ تخريج الوجه السادس: • أخرجه أبو حاتم في "العلل" (٣/ ٢٨٢/ مسألة ٨٦٩)، مُعلقًا، فقال: وَرَوَاهُ بعضُهم، فقال: عن العَلاء بن المسيَّب، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، مَوْقُوفًا. سابعًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَّضِح أنَّ الحديث مداره الثاني على العلاء بن المُسيَّب، واختُلِف عليه فيه مِن عِدَّة أوجه: الوجه الأول: العلاء بن المُسَيَّب، عن أَبِيه، عن أبي سَعِيد الخُدْريّ ﵁ (مرفوعًا). ورواه عن العلاء بهذا الوجه خلف بن خليفة الأشجعيّ، وخَلَف هذا قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوقٌ اختلط في الآخر. (١) وقال ابن عدي: لا أبرئه من أن يُخطئ في الأحايين في بعض رواياته. (٢) وقد رواه عن خلف بن خليفة جماعة مِن الرواة، وبعد البحث تبيَّن أنَّهم جميعًا مِمَّن لم تُميز مروياتهم عنه، هل رووا عنه قبل أم بعد الاختلاط؟! (٣) ولم يُتابع خلفٌ على هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديثٍ رَوَاهُ الوليد، عن صَدَقَةَ بن يزيد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هُرَيرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ … "؟ قال أبي: هذا عِنْدِي وَهَمٌ؛ إِنَّمَا هو: كما رَوَاهُ خَلَفُ بنُ خَلِيفَة، عن العَلاء بن المُسيَّب، عن أبيه، عن أبي سَعِيدٍ، عن النبيِّ ﷺ ، ومنهُم مَنْ يَقِفُه. (٤) وقال أَبُو زُرْعَة: والصَّحيحُ عن العَلاءِ، عن أبيه، عن أبي سَعِيدٍ، عن النبيِّ ﷺ . (٥) الوجه الثاني: العلاء بن المُسَيَّب، عن رجل، عن أبي سَعِيد الخُدْريّ ﵁ (موقوفاً). ورواه عن العلاء بهذا الوجه الثوري، ووكيع بن الجرَّاح. وكلاهما ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ. الوجه الثالث: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُس بن خَبَّاب، عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْريّ ﵁ (مرفوعًا). بينما رواه عن العلاء بهذا الوجه محمد بن فُضَيل بن غَزْوان، وقد اختُلف عليه، فرواه مَرَّة عن العلاء عن يونس عن أبي سعيد، ومَرَّة عن العلاء عن يونس عن مُجاهد عن أبي سعيد. وابن فُضَيل قال فيه الحافظ ابن حجر (٦): صدوقٌ عارفٌ. والصواب أنَّه ثقةٌ، فقد وثقه غير واحدٍ، واحتج به الشيخان في "صحيحيهما". (٧) وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديثٍ رَوَاهُ الوليد، عن صَدَقَةَ بن يزيد، عن العلاء بن عبد الرحمن،

стр. 611

عن أبيه، عن أبي هُرَيرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ … "؟ قال أبي: هذا خطأٌ؛ إنما هو: العلاء ابن المسيَّب، عن يُونُسَ بن خَبَّاب، عن أبي سَعِيدٍ ﵁، مُرسَلاً، مَرْفُوعاً. (١) الوجه الرابع: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُس بن خَبَّاب، عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْريّ ﵁ (مَوْقُوفًا). وقال أبو حاتم: والناسُ يَضْطَرِبون فِي حَدِيثِ الْعَلاءِ بْنِ المسيَّب، ثُمَّ ذكر أوجه الخلاف فيه. قال ابن أبي حاتم: قلتُ لأبي: فأيُّهما الصَّحيحُ مِنْهُمَا؟ قال: هو مُضْطَرِبٌ، فأعدتُّ عليه، فلم يزدني على قوله: هو مُضطَرِبٌ. ثُمَّ قال: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُسَ بن خَبَّاب، عن أبي سَعِيدٍ، مَوْقُوفاً مُرسَلاً أشبهُ. (٢) الوجه الخامس: العَلاء بن المسيَّب، عن أبيه، عن أبي هُرَيرة ﵁ (مرفوعًا). الوجه السادس: العَلاء بن المسيَّب، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (مَوْقُوفًا). قلتُ: ومِمَّا سبق يتبيَّن صعوبة الترجيح بين هذه الأوجه؛ لذا اختلفت فيها أقوال الأئمة، فأبو حاتم الرازي مَرَّة رَجَّحَ الوجه الأول، ومَرَّة رَجَّحَ الوجه الثالث، ومَرَّة رَجَّحَ الوجه الرابع، ووافقه أبو زرعة على ترجيح الوجه الأول، وحكم أبو حاتم أيضاً على الحديث مِنْ رواية العلاء بن المُسيَّب بالاضطراب، بل ولمَّا أعاد عليه ابنه عبد الرحمن السؤال ما زاده على قوله مُضطربٌ. قلتُ: ولعلَّ مراد أبي حاتم وأبي زرعة مِنْ تصحيحهم للوجه الأول، هو: شهرته عن خلف بن خليفة، لكثرة مَن رواه عنه، بخلاف الأوجه الأخرى، لذا قال ابن عدي: وهذا يُعرف بخلف بن خليفة، عن العلاء. (٣) والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني لعلَّه الأقرب إلى الصواب؛ لكون رواته أكثر وأثبت مِن رواة الأوجه الأخرى، ولعله الوجه الثالث أيضاً لثقة راويه، وإلا فهو مضطرب كما قال أبو حاتم. أمَّا الوجه الأول فَرَاويَتُه اختلط، ولم تتميز روايته. ثامنًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني ﵁: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني - بالوجه المرفوع - "منكرٌ"، لتفرد عبد الرَّزَّاق عن الثوري برفعه، ولم يُتابعه أحدٌ مِن أصحاب الثوري، مع مخالفته لما رواه غيره (موقوفًا). وقال الذهبي: عبد الرّزّاق راوية الإسلام، وهو صدوق في نفسه، وحديثه محتجٌ بِهِ في الصِّحاح، ولكن ما هُوَ مِمّن إذا تفرّد بشيء عُدّ صحيحًا غريبًا، بل إذا تفرّد بشيء عُدّ مُنْكَرًا. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح: على فرض أنَّ الأقرب للصواب هو الوجه الثاني، "فإسناده ضعيف"، في إسناده مبهم، ولو قلنا بالوجه

стр. 612

الثالث فهو "ضعيفٌ" أيضاً؛ لإرساله كما قال أبو حاتم، ولو قلنا بالوجه الرابع فهو كسابقه "ضعيفٌ" لإرساله، وهو موقوفٌ أيضاً. ولو قلنا بالوجه الأول فهو "ضعيفٌ" أيضاً لاختلاط راويه، وعدم تميز روايته، هل رواه قبل أم بعد الاختلاط؟، والحديث مُتوقفٌ أيضاً على ثبوت سماع المُسيَّب بن رافع مِن أبي سعيد الخدري ﵁. وعلى كل حال فالإسناد مِن جميع وجوهه المحتملة "ضعيفٌ"؛ والحديث فيه عِلةٌ أخرى، وهى مخالفته لما أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ "، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». (١) ولمخالفته ما أجمع عليه علماء الأمة، قال الإمام النووي: وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا مرة واحدة بأصل الشرع وقد تجب زِيَادَة بِالنَّذْرِ. (٢) لذلك تتابع العلماء بالحكم عليه بالضعف والبطلان، كالآتي: - قال أبو حاتم: اضطراب الناس في حديث العلاء بن المسيب، فقال له ابنه: فأيها الصحيح منها؟ قال هو مضطرب، فأعاد عليه، فلم يزده على قوله: هو مضطرب. (٣) - وقال الدارقطني - بعد ذكره للأوجه المُختلف فيه على العلاء بن المُسيَّب -: وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ. (٤) - وقال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قُلْنَا رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ فَكَيْفَ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ. (٥) - وقال القرطبي: وقال بعض الناس: يجب الحج في كل خمسة أعوام مرة، ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي ﷺ ، والحديث باطلٌ لا يصح، والإجماع صادٌ في وجوههم. (٦) وفي المقابل نجد بعض أهل العلم قد أخذوا بظاهر الإسناد وحكم على الحديث بالصحة، كالآتي: - فقد أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" - كما سبق في التخريج -، وبوَّب عليه ابن بلبان، فقال: ذِكْرُ الإِخبار عن إثبات الحرمان لمن وسَّعَ اللَّهُ عليه، ثُمَّ لم يَزُر البيت العَتِيق في كلِّ خَمْسَة أعوام مَرَّة. وقال محققه الشيخ/ شُعيب الأرنؤوط: حديثٌ صحيحٌ رجاله ثقات رجال الشَّيخين غير خلف بن خليْفَة، فمن رجال مُسلم، وقد اختلط قبل موته، ولكن تابعه سُفيان الثَّوري.

стр. 613

- وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "خَمْسَة أَعْوَامٍ"، وَرِجَالُ الْجَمِيعِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. (١) - وقال الملا علي القاري (٢): رَوَاهُ أبو يَعْلِي في "مُسْنَدِهِ" وَابْنُ حِبَّانِ بِسَنَدٍ صَحِيْحٍ. وقال محققه الشيخ/ الحويني - حفظه الله ورعاه -: هذا حديثٌ حسنٌ إن شاء اللَّه … ثم تكلم على طُرقه … وقال في ختامه: لعل الحديث بمجمُوع هذه الطُّرق يصلُح لقيام الحُجَّة به. - وقال الشيخ/ الألباني - بعد أنْ ذكر الحديث مِن رواية أبي سعيد، وأبي هريرة -: إنَّ الحديثَ صحيحٌ قطعًا بمجموع طرقه. (٣) شواهد للحديث: - وللحديث شاهدٌ عن أبي هريرة ﵁، وقد رُوِىَ عنه مِنْ طريقين: الأول: مِن طريق صَدَقَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وذكر الحديث بنحوه. وهذا وَهْمٌ مِن صدقة بن يزيد، فلا يُعتبر به. (٤) والثاني: أخرجه الخطيب في "الموضح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٢٦٦)، من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عباد بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَنْ أَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ ثُمَّ لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي ثَلاثِ سِنِينَ أَوْ خَمْسِ سِنِينَ لَمَحْرُومٌ ". قَالَ عَوْنٌ يَعْنِي فِي الْحَجِّ. والحديث مِن هذا الوجه "مُنكرٌ"، لا يُعتبر به أيضاً، فلا يفيد الحديثَ بشيءٍ. (٥)

стр. 614

- وله شاهد عن خَبَّاب بن الأرت ﵁: رواه أبو يعلى - كما في "المطالب العالية" (٦/ ٢٩٠/١١٤٠) - مِنْ طريق المَسْعُودِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ خَبَّابِ بن الأرت ﵁، مرفوعًا بنحو رواية الباب، بلفظ: "خمس سنين". قال البوصيري: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ راوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَالرَّاوِي عَنْهُ ضَعِيفٌ. (١) ثم إنَّ المسعودي قد خالف العلاء بن المسيب الذي سبقت روايته عن يونس بن خَبَّاب، عن أبي سعيد مرفوعاً وموقوفاً، والحديث معروف بالعلاء بن المسيَّب. (٢) تاسعًا: - النظر في كلام المُصنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصنِّف ﵁: "لَمْ يَرْفَعْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ". قلتُ: ووافقه ابن عدي، فقال: وقد رُوي عن الثَّوْريّ، عن العلاء - أي مرفوعًا -، وهو غريبٌ. (٣) - ومِن خلال ما سبق يَتَبَيَّنُ صحة ما قاله المُصنِّف ﵁، فلم يرفعه عن الثوري إلا عبد الرَّزَّاق. سادسًا: - التعليق على الحديث: قال ابن الجوزي في مقدمة كتابه "مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن": فإني كنت أتوق إلى مكة قبل الحج؛ فداويت هذا الداء بالقصد، فزاد الشوق بعد الرجوع على الحد، وعلمت أن كثرة الترداد لا تزيد إلا شوقاً، كما أن لقيا المحبوب لا تزيد نار الوجد إلا وقداً، ثم إنِّي صادفت من هو أشوق مني؛ فشغلني ما رأيت من وجده عني؛ فاتفقنا في أصل الشوق، وافترقنا في قدر التوق، فلمَّا رأيت الزمان لا يواتي على المطلوب؛ فشرعت في التعلل بذكر المحبوب. (٤) وقال البيهقي: قال عليُّ بن المُنْذِرِ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كَانَ حَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَبِهِ يَأْخُذُ، وَيُحِبُّ لِلرَّجُلِ الْمُوسِرِ الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْحَجَّ إِلَى خَمْسِ سِنِينَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَقِيلَ لَهُ: كَمْ حَجَجْتَ؟، قَالَ: مَا بَيْنَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ إِلَى ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. (٥) قال الإمام السبكي (٦): اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ مُسْتَطِيعٍ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ؛ إلَّا مَنْ شَذَّ، فَقَالَ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ مَرَّةً، وَمُتَعَلَّقُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي

стр. 615

كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ» حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ: رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ فَكَيْفَ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا. فَقَالَ: لِكُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا. فَقَالَ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وقال القرطبي: ولا خلاف في فريضته، وهو أحد قواعد الإسلام، وليس يجب إلا مرة في العمر. وقال بعض الناس: يجب في كل خمسة أعوام مَرَّة، ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي ﷺ ، والحديث باطل لا يصح، والإجماع صاد في وجوههم. (٢) وقال المناوي: وقد اتفقوا على أن هذا القول من الشذوذ بحيث لا يُعْبأ به. (٣) * * *

стр. 616

[٨٧/ ٤٨٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلالُ، قَالَ: نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ [الْعَدَنِيُّ] (١)، قَالَ: نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ. عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». قَالُوا: لَسْنَا نَعْنِي مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ: «فَأَبُوهَا إِذًا». هذا الحديث مداره على مُعْتَمِر بن سُليمان، واختلف عليه فيه مِن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن أنس بن مالك ﵁. الوجه الثاني: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁. الوجه الثالث: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطويل، عن الحسن (مرسلاً). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: مُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، عن حُمَيد الطَويل، عن أنس بن مالك ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٠١) في المقدمة، ب/فضل أبي بكر الصديق، والطبراني في "الأوسط" (٤٨٧) - ومِن طريقه الضياء في "المختارة" (١٩٤١) -، وأبو طاهر المُخَلِّص في "المُخَلِّصِيَّات" (٥٥٩) - ومِن طريقه الضياء في "المختارة" (١٩٣٩) -، مِنْ طُرقٍ عن الحسين بن الحسن، عن المُعْتَمِر، به. • وأخرجه ابن ماجة في "سننه" (١٠١) في المقدمة، ب/ فضل أبي بكر الصديق ﵁، والترمذي في "سننه" (٣٨٩٠) ك/المناقب، ب/مِن فَضْل عائشة، والبزار في "مسنده" (٦٥٥٨)، وابن عساكر في "تاريخه" (٣٠/ ١٣٦)، والضياء في "المختارة" (١٩٤٠)، مِنْ طُرُقٍ عن أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّيُّ، عن المُعْتَمِر، به. وقال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وقال البزار: لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ حُميد، عن أنس، إلا المُعْتَمِر بن سُليمان، ولم نسمعه إلا من أحمد بن عَبْدَة. (٣) وقال ابن عساكر: قال الدارقطني: غريب مِن حديث حُميدٍ عن أنس، تفرَّد به المُعْتَمِر. • وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٦٧٣٩)، مِن طريق مُحَمَّد بن عَبْد الأَعلى، قال: وَجَدْتُ عِنْدِي فِي كِتَابِ سَمِعْتُهُ مِنَ المُعْتَمِرِ بن سُلَيْمَان، عن حُمَيْدٍ، عن أنس ﵁، وذكر الحديث. وقال الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَبِهِ يُعْرَفُ. وتعقبه الذهبي، فقال: غريبٌ جدًا.

стр. 617

ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) الحُسَين بن الحَسَن بن حَرب أَبُو عَبْد اللَّه المَرْوَزي، نَزيل مكة، صاحب ابن المبارك. روى عن: مُعْتَمِر بن سُليمان، وعبد الله بن المبارك، وابن عُيَيْنَة، وآخرين. روى عنه: أحمد بن عَمرو الخَلَّال، والتِّرْمِذِيّ، وأبو حاتم الرَّازي، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم الرازي، وابن حجر: صدوقٌ. وقال مَسْلمة الأندلسي: كان ثقةً. وقال الذهبي في "الكاشف": ثقةٌ عالمٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (١) ٣) مُعْتَمِر بن سُلَيْمان بن طَرْخَان التَّيْمِيّ (٢)، أَبُو مُحَمَّد البَصْرِيّ. روى عن: حُمَيد الطويل، وأبيه سُلَيْمان، ومنصور بن المُعْتَمِر، وآخرين. روى عنه: الحسين بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، وابن سعد، وابن حجر: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوق. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال: كان متيقظاً. وقال ابن معين: مِن أعلم الناس بحديث أبيه. وقال الذهبي: إمامٌ حُجّةٌ. - وقال ابن خِراش: صدوقٌ يُخْطئ مِن حفظه، وإذا حَدَّث من كتابه فهو ثِقَةٌ. وتَعَقَّبَه الذهبي بقوله: هو ثقةٌ مطلقا. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، أعلم النَّاس بحديث أبيه". وروى له الجماعة. (٣) ٣) حُمَيْد بن أبي حُمَيْد الطويل: "ثِقَةٌ"، وأمَّا تدليسه فخاص بروايته عن أنس، لكنَّه قد عُرِفَ الواسطة بينهما، وهو إمَّا ثابتٌ أو قتادة، وكلاهما ثقةٌ، وعليه فلا يُتوقف في عنعنته عن أنس، أو غيره، إلا إذا ثبت ما يُنافي ذلك - والله أعلم -. تَقَدَّم تفصيل ذلك في الحديث رقم (٥٢). ٤) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثانياً: - الوجه الثاني: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: ورواه بهذا الوجه المُسَيَّبُ بن وَاضِحٍ، واضطرب فيه: - فَرُوى عنه مَرَّة بالوجه الأول: أخرجه أبو بكر الآجري في "الشريعة" (١٢٤٧)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابن أبي دَاوُد، قال: حَدَّثنا المُسَيِّبُ بن وَاضِحٍ، قال: حَدَّثنا المُعْتَمِر، عن حُمَيْدٍ، عن أنس. - وَرُوى عنه مَرَّة بالوجه الثاني: أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" (٧١٠٧)، وأبو نُعيم في "تاريخ

стр. 618

أصبهان" (٢/ ٩٤)، مِن طريق أبي عَرُوبَةَ؛ وابن عدي في "الكامل" (٨/ ١٢٦)، قال: حَدَّثنا الحُسَيْنُ بن إِبْرَاهيم السَّكُونِيُّ؛ وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ١٣٢)، مِن طريق عَبْد الغَفَّار بن أحمد الحِمْصِيُّ. ثلاثتهم (أبو عَروبة، والسَّكُونيّ، وعبد الغفار) عن المُسَيَّب بن وَاضِحٍ، عن المُعْتَمِر، به. وقال ابن عدي: وزاد المُسَيَّب فِي هذا الحديث على مُعْتَمِر، حيث قال: عن حُمَيْد، عن الحَسَن، عن أنس بن مالك ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وإنما رواه مُعْتَمِر عن حُمَيدٍ، عن أنس، وليس بينهم الحسن. وقال الشيخ/ شُعيب الأرنؤوط في تعليقه على "صحيح ابن حبَّان": حديث صحيح. وذكر أقوال أهل العلم في تضعيف المُسَيَّب بن وَاضِح، ثُمَّ قال: وقد تُوبع، ومَنْ فوقه ثِقاتٌ من رجال الشيخين. قلتُ: والظاهر - والله أعلم - أنَّ الاضطراب فيه مِن المُسيَّب بن واضح، قال فيه أبو حاتم: صدوقٌ يُخطئ كثيراً. وقال ابن حبَّان: يُخطئ. (١) لذا أخرجه ابن عدي في ترجمته، وقال: وعامة ما خالف فيه الناس هو ما ذكرته لا يتعمده بل كان يُشبه عليه. (٢) ثالثاً: - الوجه الثالث: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطويل، عن الحسن (مرسلاً). • ذكره ابن أبي حاتم في "العلل"، والدارقطني في "العلل"، ولم يذكروا مَن رواه. قلتُ: ولم أقف عليه. رابعاً: النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سلف ذكره يتبيَّن أنَّ الحديث مداره على مُعْتَمِر بن سُليمان، واختلف عليه فيه مِن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن أنس بن مالك ﵁. وقد رواه عن مُعْتَمِر بهذا الوجه ثلاثة مِن الثقات، والإسناد إليهم صحيحٌ. وهذا الوجه صَحَّحَه بعض أهل العلم باعتبار ظاهره: فقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ. وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وأخرجه الضياء في "المختارة". بينما حكم عليه بعض أهل العلم بأنَّه قد تَفرَّد به المُعْتَمِر بن سُليمان، فلم يُتابع عليه؛ فقال الترمذي: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وقال البزار: هَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ حُميد، عن أنس، إلا المُعْتَمِر. وقال الدَّارقطني: غريبٌ مِن حديث حُميدٍ عن أنس، تفرَّد به المُعْتَمِر. وقال الذهبي: غريبٌ جدًا. وسُئل أبو حاتم عنه، فقال: هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ، يُمْكِنُ أَنْ يكونَ: حُمَيد، عَنِ الحسن، عن النبيِّ ﷺ . (٣) قلتُ: فلعلَّ مُراد الترمذي بقوله: "حسنٌ صحيحٌ" أي المتن دون الإسناد، وقوله: "غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ" أي الإسناد دون المتن؛ فقد صَحَّ المتن بشواهد أخرى - كما سيأتي بيانه -، وبهذا يُجمع بين أقوال أهل العلم، فلا يتعارض قول الترمذي مع أقوالهم. وأمَّا الحاكم فمعروفٌ بتساهله؛ لذا تعقبه الذهبي، فقال: غريبٌ جداً.

стр. 619

الوجه الثاني: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁. ورواه عن المُعْتَمِر بهذا الوجه المُسيَّب بن واضح، واضطرب فيه: فرواه بالوجه الأول، ومَرَّة بالوجه الثاني. وهذا الوجه صَحَّحَه بعض أهل العلم باعتبار ظاهره: فأخرجه ابن حبَّان في "صحيحه"، وقال محققه: صحيحٌ فيه المُسيَّب، وقد تُوبع. واعتبر المُحقق الفاضل الوجه الأول مُتَابِعٌ لهذا الوجه، وهذا خطأ ظاهر. بينما أخرجه ابن عدي في ترجمة المُسيَّب بن واضح، وعدَّه مِن مناكيره - كما سبق -. الوجه الثالث: مُعْتَمِر، عن حُمَيد الطويل، عن الحسن (مرسلاً). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثالث هو الأشبه والأقرب للصواب؛ وذلك للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الأول عدَّه العلماء مِمَّا تفرَّد به مُعْتَمِر بن سُليمان، ولمَّا سُئل عنه أبو حاتم، قال: هذا حديثٌ مُنكر. وقال يحيى القطان: إذا حدَّثكم المُعْتَمِر بشيء فاعرضوه فإنَّه سيء الحفظ. (١) ٢) لعلَّه في الوجه الأول سلك به الجَّادة، فكثيراً ما يُروى حُميدٌ عن أنس، فاشتبه عليه. ٣) أمَّا الوجه الثاني فقد عدَّه العلماء مِن مناكير المُسيَّب بن واضح. ٤) ترجيح الأئمة للوجه الثالث المُرْسل: قال أبو حاتم: إِنَّمَا هُوَ عَنْ الحسن، عن النبيِّ ﷺ ، وَأَمَّا عَنْ أَنَسٍ؛ فَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. (٢) وقال الدارقطني: والصحيح: عن مُعْتَمِر، عن حُمَيد، عن الحسن مرسلاً. (٣) خامساً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنْكرٌ"، ليس بمحفوظ؛ قاله أبو حاتم الرَّازي كما سبق. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح المُرْسل: والحديث مِن وجهه الراجح "ضعيفٌ"؛ لإرساله، لكن للحديث شواهد يرتقى بها إلى "الصحيح لغيره". شواهد للحديث: أخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما"، عن عَمْرُو بن العَاصِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: " أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ»، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: «أَبُوهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ» فَعَدَّ رِجَالاً. (٤) وعليه فالحديث مِن طريق حُميد: الصواب فيه أنَّه "مُرْسل صحيحٌ لغيره"، وليس بمحْفوظ عن أنس.

стр. 620

تنبيه: وللحديث طريقٌ آخر عن أنس، أخرجه ابن سَمْعون الواعظ في "أماليه" (٦٢) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ١٣٦) -، من طريق الخَلِيل بن زَكريَّا، قال: حَدَّثنا محمَّد بن ثَابِتٍ، قال: حَدَّثني أبى ثَابِتٌ البُنَانيُّ، عن أنس ﵁، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ ﵂، قَالُوا: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: فَأَبُوهَا إِذَنْ. قلتُ: فيه الخليل بن زكريا "متروكٌ"، وكَذَّبه بعضهم. (١) فلا يُعْتبر به. سادساً: - التعليق على الحديث: • أخرج الترمذي، والحاكم مِن حديث أسامة بن زيد، أنَّ علياً والعباس رضى الله عنهما دخلا على النبي ﷺ ، فقالا: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَا: مَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ. قَالَ: أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ مَنْ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. قَالَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهُمْ؟ قَالَ: لأَنَّ عَلِيًّا قَدْ سَبَقَكَ بِالهِجْرَةِ. (٢) وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَكَانَ شُعْبَةُ يُضَعِّفُ عُمَر بن أبي سَلَمَة. وقال الحاكم: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وتعقبه الذهبي، فقال: عُمَر بن أبي سلمة ضعيفٌ. وحاول بعض أهل العلم الجمع بين رواية الباب وهذا الحديث: فقال ابن العربي: كان أحب الناس إلى رسول الله ﷺ أبو بكر، وأحب أزواجه إليه عائشة، وأحب أهله إليه فاطمة، وعليّ من رجالهم، وبهذا الترتيب تأتلف الأحاديث، ويرتفع عنها التعارض. (٣) - وقال المُناوي: ليس هناك تعارضٌ بينهما، لما تَقَرَّرَ أن جهات المحبة مختلفة، فكأنه قال: كل من هؤلاء أحبُّ إليَّ مِن جهةٍ مخصوصة لمعنى قام به وفضيلة تخصه. وقال أيضًا: قوله: (أحب الناس إلي) أي: مِنْ حلائلي الموجودين بالمدينة إذ ذاك (عائشة) يعني: بالمدينة؛ وإلا فمحبة المصطفى ﷺ لخديجة أمر معروفٌ شهدت به الأخبار الصحاح، وأصله قول الكشاف: يقال في الرجل أعلم الناس وأفضلهم، يراد: من في وقته. وإنما كانت عائشة أحب إليه من زوجاته الموجودات حالتئذ لاتصافها بالفضل وحسن الشكل. قال القرطبي: فيه جواز ذكر الأحب من النساء والرجال وأنه لا يعاب على من فعله إذا كان المقول له من أهل الخير والدين، ويقصد بذلك مقاصد الصالحين وليقتدي به في ذلك، فيحب من أحب، فإن المرء مع من أحب. وإنَّما بدأ بذكر محبته عائشة لأنها محبة جبلية ودينية، وغيرها دينية لا جبلية؛ فسبق الأصل على الطارئ. (٤) * * *

стр. 621

[٨٨/ ٤٨٨]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلالُ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً، لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلا ظَالِمٌ». يَعْنِي: حِجَابَةَ الْكَعْبَةِ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن أبي مُلَيْكَةَ إلا عَبْدُ اللَّهِ بن المُؤَمَّلِ، تَفَرَّدَ به: مَعْنُ بن عِيسَى. هذا الحديث مداره على ابن أبي مُلَيكة، واختُلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: عبد الله بن أبي مُليكة، عن ابن عبَّاس، عن النَّبي ﷺ (مَوصولاً). الوجه الثاني: عبد الله بن أبي مُليكة، عن النَّبي ﷺ (مُرْسلاً). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: عبد الله بن أبي مُليكة، عن ابن عبَّاس، عن النَّبي ﷺ (مَوصولاً). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (١١٢٣٤)، عن أحمد بن عَمرو الخلَّال، قال: ثنا إِبْرَاهِيمُ بن المُنْذِر الحِزَامِيُّ، قال: ثنا مَعْنُ بن عِيسَى، قال: ثنا عَبْدُ اللهِ بن المُؤَمَّلِ، عن ابن أبي مُلَيْكَة، به. • وابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٢٤)، وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ٢٤٧)، كلاهما مِن طريق أحمد ابن محمد بن سَعِيد الصَّيْرَفِيُّ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٨/ ٣٨٩)، مِن طريق محمد بن سعد. كلاهما (الصيرفي، وابن سعد)، عن مَعْنُ بْنُ عِيسَى، به. وقال ابن عدي: وما أمليتُ مِن أحاديث ابن المُؤَمَّل - وقد أخرجه في ترجمته - فكلها غير محفوظة. (١) وذكره الذهبي، في "الميزان" في ترجمة عبد الله بن المُؤمَّل. (٢) ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسْلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) إبراهيمُ بن المُنْذِر الحِزَامِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٦). ٣) مَعْن بن عِيسَى القَزَّاز: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ، أثبتُ أصحاب مالك"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٥). ٤) عَبد اللَّهِ بن المُؤَمَّل بن وَهْبِ الله القرشيُّ، المخزوميُّ، المكيُّ. روى عن: عبد الله بن أَبي مُلَيْكَة، وعطاء بن أَبي رباح، وعَمْرو بْن شعيب، وآخرين.

стр. 622

روى عنه: مَعْن بن عِيسَى، والفضل بن دُكين، وسفيان الثوري، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن نُمير: ثِقَةٌ. وقال ابن معين: صالح الحديث. وقال أيضاً: ليس به بأس، يُنكر عليه الحديث. وقال ابن معين، والنَّسائيُّ، والدَّارقطني، وابن حجر: ضعيفٌ. وقال أحمد: ليس هو بذاك، أحاديثه مَناكير. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: ليس بالقوي. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال ابن حبَّان في "المجروحين" (١): كَانَ قَلِيل الحَدِيث، مُنكر الرِّوَايَة، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ إِذا انْفَرد. وقال في "المشاهير": وكان يَهم في الشيء بعد الشيء. وقال ابن عدي: عَامَّةُ مَا يَرويه الضَعْف عليه بَيِّن. وقال العُقيلي: لا يُتابع على كثيرٍ مِن حديثه. وقال عَليّ بن الجُنَيْد: شبه المَتْرُوك. (٢) فالحاصل: أنَّه "ضعيف الحديث"؛ فالجرح فيه مُفسَّر، وهو قول الجمهور، فيُقدَّم على التعديل. ٥) عَبد الله بن عُبَيد الله بن أَبي مُلَيْكَة، القرشيُّ التَّيْمِيّ، أَبُو بكر، ويُقال: أَبُو محمد، المكيُّ. روى عن: عَبْد اللَّهِ بْن عبَّاس، وعبد الله بن عُمَر بن الخطاب، وعائشة ﵃، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن المُؤمَّل، والليث بن سعد، وأيوب السختيانيّ، وآخرون. حاله: قال أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن سعد، والعِجْلي، والدَّارقطني، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وزاد ابن سعد: كثير الحديث. وزاد ابن حجر: فقيهٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": مِن الحُفَّاظ المُتْقِنين. رَوَى له الجَمَاعَة. (٣) والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ مُتْقِنٌ فَقِيهٌ". ٦) عبد الله بن عبَّاس ﵃: "صحابيٌّ جليلٌ مُكْثر"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانياً: - الوجه الثاني: عبد الله بن أبي مُليكة، عن النَّبي ﷺ (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف"، (٩٠٧٦)، قال: عن بعض أصحابنا، عن ابن جُرَيْج، قَال: حَدَّثني ابن أبي مُلَيْكَة، قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَة يَوْمَ الْفَتْحِ بِمِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ، فَأَقْبَلَ بِهِ مَكْشُوفًا حَتَّى دَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، اجْمَعْ لِي الْحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةِ، وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِي عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ»، فَدُعِيَ لَهُ، فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ، وَسَتَرَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ مَنْ سَتَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوهُ يَا بَنِي طَلْحَةَ لا يَنْتَزِعُهُ مِنْكُمْ إلا ظَالِمٌ».

стр. 623

ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) بعض أصحابنا: مبهمٌ، لم أقف عليهم. ٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج: "ثقةٌ، فقيهٌ، يُدَلِّس ويُرْسِل"، تَقَدَّم في الحديث (٥١). ٣) عبد الله بن أبي مُلَيْكة: "ثِقَةٌ مُتْقِنٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يتضح أنَّ هذا الحديث مداره على ابن أبي مُلَيكة، واختُلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: عبد الله بن أبي مُليكة، عن ابن عبَّاس، عن النَّبي ﷺ (مَوصولاً). الوجه الثاني: عبد الله بن أبي مُليكة، عن النَّبي ﷺ (مُرْسلاً). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الوجه الأول انفرد بروايته عبد الله بن المُؤمَّل عن ابن أبي مُلَيْكة، وابن المُؤَمَّل "ضَعيفُ الحديث". وأمَّا الوجه الثاني فقد رواه ابنُ جُريجٍ وهو "ثِقَةٌ مُتْقِنٌ" وقد صرَّح بالتحديث، إلا أنَّ الإسناد إليه فيه مبهمٌ، فقد قال عبد الرَّزَّاق: عن بعض أصحابنا. قلتُ: لكنهم جماعة يقوي بعضهم بعضا. ٢) بالإضافة إلى أنَّ الموصول عدَّه ابن عدي والذهبي مِن مناكير ابن المُؤَمَّل. ثالثاً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنكرٌ"؛ لأجل عبد الله بن المُؤَمَّل "ضعيف الحديث"، وقد انفرد به؛ لذا عدَّه ابن عدي والذهبي مِنْ مناكيره، وقال ابن عدي: غير محفوظ. وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الكبير"، و"الأوسط"، وفيه عَبْدُ اللَّهِ بن المُؤَمَّل، وَثَّقَهُ ابن حِبَّان، وقال: يُخْطِئُ، وَوَثَّقَهُ ابن معين في رِوَايَةٍ، وَضَعَّفَهُ جماعة. (١) قلتُ: وابن حبَّان قد ذكره في "المجروحين" وضَعَّفه، وإنَّما ذكره في "الثقات" ظنًا منه أنَّه شخصٌ آخر غير صاحبنا، ولذا تعقبه الحافظ ابن حجر كما سبق في دراسة الإسناد، والله أعلم. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح (إسناد عبد الرَّزَّاق): والحديث بإسناد عبد الرَّزَّاق "ضعيفٌ"؛ لإرساله، ولإبهام الرواة عن ابن جُريج، ولكنهم جماعة. شواهد للحديث: وللحديث شواهدٌ، مِنْ أمثلها (٢): • ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٩٠١)، عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي السَّوَادِ،

стр. 624

عَنْ ابْنِ سَابِطٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَاوَلَ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ الْمِفْتَاحَ مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ. قلتُ: وهذا مُرْسلٌ رجاله ثقاتٌ، وابن سابط هو: عبد الرحمن، وأبو السَّواد هو: عمرو بن عِمْران النهدي، وسُفيان: أظنه الثوري، والله أعلم. • وأخرج أبو الوليد الأزرقي في "أخبار مكة" (٣١٤) - ومن طريقه الواحدي في "التفسير" (٢/ ٧٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٨/ ٣٨٩) -، عن سَعِيد بن سالم، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجَاهِد في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١) قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حِينَ قَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ وَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاحَ، وَقَالَ: «خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلا ظَالِمٌ». قلتُ: وهذا مُرسلٌ ضعيفٌ؛ فيه: سعيد بن سالم القَدَّاح قال الحافظ ابن حجر: "صدوقٌ يَهِمُ" (٢). وابن جُرَيْج يُدلس وقد عنعنه. وأمَّا مراسيل مُجاهد، فقال عنها يَحيى القَطّان: مُرسلات مُجاهد أحبُّ إليَّ مِن مُرسلات عَطاء بكَثِير. وبنحوه قال ابن المديني، وأبو داود. (٣) وهو إمام في القراءة والتفسير، حُجَّةٌ (٤) فروايته لهذا الحديث يقوى حال الحديث إذا سَلِمَ الإسناد إليه. إلا أنَّ هذا الشاهد عن مُجاهد لا يُقوي روايتنا من الوجه الراجح - عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة - أخشى - والله أعلم - أن يكون ابن جُريج سمعه من ابن أبي مُليكة عن مُجاهد، فرواه مَرَّة عن ابن أبي مُليكة مُرسلاً، ثُمَّ دلَّسه مَرَّة عن مُجاهد؛ فقد صرَّح بالسماع من ابن أبي مُليكة، ورواه بالعنعنة عن مُجاهد. (٥) تنبيه: ثَبَتَ في "الصحيح" أنَّ المفتاح كان مع عثمان بن طلحة، وأخذه منه النَّبيُّ ﷺ يوم الفتح: فأخرج الإمام مسلمٌ في "صحيحه" (١٣٢٩)، ك/الحج، ب/اسْتِحْبَاب دُخُولِ الكعبة للحَاجِّ وغيره والصَّلاة فيها والدُّعاء في نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، عن أيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَقَالَ: «ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ»، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللهِ، لَتُعْطِينِهِ أَوْ لَيَخْرُجَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِي، قَالَ: فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ.

стр. 625

وفي بعض طرق الحديث أنَّ عُثمان بن طلحة كان فيمن دخل الكعبة يومها مع النَّبي ﷺ : - فأخرج البخاري في "صحيحه" (١٥٩٨)، ك/الحج، ب/إغلاق البَيْتِ ويُصَلِّي في أيِّ نواحي البَيْتِ شاء، عن ابن شِهَابٍ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيه، أَنَّهُ قال: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلجَ، فَلَقِيتُ بِلالا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ. - وأخرج الإمام مُسلمٌ في "صحيحه" (١٣٢٩)، ك/الحج، ب/اسْتِحْبَاب دُخُولِ الكعبة للحَاجِّ وغيره، والصَّلاة فيها والدُّعاء في نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلالا، حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ - وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ - ثُمَّ صَلَّى. رابعاً: - النظر في كلام المصنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصنِّف ﵁: لم يَرْوِه عن ابن أبي مُلَيْكَة إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بن المُؤَمَّل، تَفَرَّدَ به: مَعْنُ. قلتُ: مِنْ خلال ما سبق في التخريج يتضح جلياً صحة كلام المُصنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: اشتهر في كتب التفسير أنَّ هذا الحديث هو سبب نزول قول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (١) قال أبو جعفر الطبري: اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية: فقال بعضهم: عني بها ولاة أمور المسلمين. وقال آخرون: الذي خوطب بذلك النبيّ ﷺ في مفتاح الكعبة، أمر برَدّها على عثمان بن طلحة. قال: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قولُ من قال: هو خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وَعظ به الرعية بقوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة. (٣) وقال ابن كثير (٤): وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح، ثم رده عليه. وهذا من

стр. 626

المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا فحكمها عام. (١) وقال القرطبي: ومِمَّن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب، قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع. (٢) قلتُ: وثبت في "الصحيحين" أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا قَدِم يوم الفتح دعا عُثْمان بن طلحة، فجاء بالمِفْتَحِ، ففتح باب الكعبة، كما سبق ذكره. وقال ابن عبد البر - في ترجمة شيبة بن عثمان بن أبي طلحة -: فبنو طلحة هم الذين يلون سِدانة الكعبة دون بني عبد الدار. وشيبة هو جد بني شيبة حجبة الكعبة إلى اليوم دون سائر الناس أجمعين. (٣) وقال القاضي عياض: قال العلماء لا يجوز لأحد أن يَنْزَعها - أي الحجابة - منهم - أي مِن بني طلحة -؛ قال: وهي ولاية لهم عليها من رسول الله ﷺ فتبقى دائمة لهم ولذُرِّيَّاتهم أبداً، ولا يُنَازعون فيها، ولا يُشَاركون ما داموا موجودين صالحين لذلك. (٤) وقال الفخر الرَّازي: ومفتاح الكعبة في ولد بني شيبة إلى اليوم. (٥) وقال النووي: سِدَانَةُ الكَعْبَةِ وحِجَابَتُهَا، هي: ولايتُها وخِدمَتُهَا وفَتْحُها وإغْلاقُها ونحو ذلك، وهذا حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لبني طلحة الحجبين من بني عبد الدَّار بن قُصَيّ اتَّفق العُلَمَاءُ على هذا. (٦) قلتُ: وهذا ما زال معهوداً إلى كبير بني شيبة إلى اليوم، فلقد أذاعت بعض القنوات الإخبارية العالمية قيام أمير مكة المكرمة خالد الفيصل بتسليم مفتاح الكعبة الجديد وقفلها لسادن بيت الله الشيخ عبدالقادر الشيبي، وذلك في مناسبة غسل الكعبة المشرفة، يوم الاثنين الرابع عشر مِن شهر الله المحرم لعام ألف وأربعمائة وخمسة وثلاثين مِن الهجرة النبوية المباركة، الموافق الثامن عشر مِن شهر نوفمبر لعام ٢٠١٣ م. (٧) * * *

стр. 627

[٨٩/ ٤٨٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلالُ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى التَّيْمِيُّ، قَالَ: نا يَعْقُوبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ (١)، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ. عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «بَعَثَ ثَلاثَةَ نَفَرٍ (٢) إِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى كِسْرَى، وَإِلَى صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِيِّ». فَلَمَّا أَتَى عَمْرٌو النَّجَاشِيَّ وَجَدَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَدْخُلُونَ مُكَفِّرِينَ (٣) مِنْ خَوْخَةٍ (٤)، فَلَمَّا رَأَى عَمْرٌو الْخَوْخَةَ، ودُخُولَهُمْ عَلَيْهِ وَلَّى ظَهْرَهُ، ثُمَّ دَخَلَ يَمْشِي القهقري، فَلَمَّا دَخَلَ مِنْهَا اعْتَدَلَ، فَفَزِعَتِ الْحَبَشَةُ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ. قَالُوا: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ كَمَا دَخَلْنَا؟ فَقَالَ: لا نَصْنَعُ ذَلِكَ بِنَبِيِّنَا، فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ بِهِ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: اتْرُكُوهُ، صَدَقَ. * لا يُرْوَى هذا الحديث عن عَمْرِو بن أُمَيَّةَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إبراهيمُ بنُ الْمُنْذِرِ. هذا الحديث مداره على يَعْقُوب بن عَمْرو الضَّمْرِيِّ، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: يَعْقُوب بن عَمْرو، عن جَعْفَر بن عَمرو بن أُميَّة، عن أبيه (مَوْصولاً). الوجه الثاني: يَعْقُوب بن عَمْرو، عن جَعْفَر بن عَمرو بن أُميَّة الضَّمْرِيِّ (مُرْسلاً). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: يَعْقُوب بن عَمْرو، عن جَعْفَر بن عَمرو بن أُميَّة، عن أبيه (مَوْصولاً).

стр. 628

أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٨٩) - وهو رواية الباب - ولم أقف عليه إلا عنده. والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (٣٠٤٢) بإسناد الطبرانيِّ ومَتْنِه وقَوْلِه. وذكره في "مجمع الزوائد" (٨/ ٣٩)، وعزاه إلى الطبراني في "الأوسط"، وقال: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَفِي بَعْضِهِمْ كَلَامٌ لَا يَضُرُّ. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسْلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) إبراهيمُ بن المُنْذِر الحِزَامِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٦). ٣) عَبد اللَّهِ بن مُوسَى بن إِبْرَاهِيمَ بن طلحة بن عُبَيد اللَّه، أَبُو مُحَمَّد القرشي، التَّيْمِيّ. روى عن: يَعْقُوب بن عَمْرو الضَّمْرِيِّ، وصَفْوَان بن سُلَيم، وعبد الحميد بْن جَعْفَر، وآخرين. روى عنه: إبراهيم بْن المُنْذِر، وإِبْرَاهِيم بْن عَبد اللَّهِ الهروي، إِبْرَاهِيم بْن حمزة، وآخرون. حاله: قال ابن مَعِين: صدوقٌ، كثير الخطأ. وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسا، قيل: يُحتج بحديثه؟ قال: ليس محله ذاك. وقال أحمد: كل بَليةٍ منه. وقال ابن حبَّان: في أحَادِيثه رفع المَوْقُوف وَإسْنَاد المُرْسل كثيراً حَتَّى يَخْطر ببال مَنْ الحَدِيث صناعته أنَّها معمولة مِنْ كَثرتها لا يجوز الاحْتِجَاج به عِنْد الانْفِرَاد ولا الاعْتِبَار عِنْد الوِفاق. وقال الذهبي: ليس بحجةٍ. فالحاصل: ما قاله ابن حجر أنَّه: صدوقٌ كثير الخطأ. (١) ٤) يَعْقُوب بن عَمْرو بن عَبد اللَّهِ بن عَمْرو بن أُمَيَّة الضَّمْريُّ، الحِجَازيُّ. رَوَى عَن: عَمِّ أبيه جعفر بن عَمْرو بن أُمَيَّة الضَّمْريّ، وعَمِّه الزِّبْرِقان بن عَبد اللَّهِ. رَوَى عَنه: حاتم بْن إسماعيل، وعَبد اللَّهِ بن موسى التَّيْمِيّ. حاله: ذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يُوردا فيه جرحاً أو تعديلاً. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وأخرج له في "صحيحه" (٢) وقال عنه: مَشْهورٌ مَأمونٌ. وقال ابن حجر في "التقريب": مقبول (٣). فالحاصل: أنَّه "حسن الحديث"؛ فلم نقف فيه على جرحٍ. (٤) ٥) جعفر بْن عَمْرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِيُّ المدنيُّ. روى عن: أبيه عَمْرو بن أمية، وأنس بن مالك، ووحشي بن حرب ﵃، وآخرين. روى عنه: يعقوب بن عَمْرو، والزُّهْرِيّ، وسُلَيْمان بن يَسار، وآخرون. حاله: قال العِجْلي: ثِقَةٌ مِنْ كبار التابعين. وقال ابن سعد، وابن حجر: ثقةٌ. وروى له الجماعة. (٥)

стр. 629

٦) عَمْرو بْن أمية بْن خويلد بن عَبد الله بن إياس، أَبُو أُمَيَّة الضَّمْريُّ. رَوَى عَن: النَّبِيُّ ﷺ . رَوَى عَنه: أبناؤه الثلاثة: عبد الله، وجعْفر، والفضل، وآخرون. شهد بدرًا وأحدًا مَعَ المشركين، ثُمَّ أسلم حِينَ انصرف المشركون عن أحد، وكان رجلاً شجاعاً له إقدام مِن أبطال الصحابة. قال ابن عَبد البَرِّ: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبعثه في أموره. وذكر غير واحدٍ أنَّ النبي ﷺ بعثه إلى النَّجاشي بكتاب يَدْعوه فيه إلى الإسلام. روى له الجماعة. (١) ثانياً: - الوجه الثاني: يَعْقُوب بن عَمْرو، عن جَعْفَر بن عَمرو بن أُميَّة الضَّمْرِيِّ (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه ابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٣٦٦٢٨) - ومِن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٥/ ٤٢٩) -، قال: حدَّثنا حَاتِمُ بن إِسْمَاعِيل، عن يَعْقُوب، عن جَعْفر بن عَمْرو، مُرْسلاً، بنحو رواية الباب، إلا أنَّه ذكر: أنَّ الذي بعثه النبيُّ ﷺ هو عمرو بن أُميَّة، وليس عمرو بن العاص، وفيه زيادة قوله: " قَالُوا لِلنَّجَاشِيِّ: هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى مَمْلُوكٌ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ قَالَ: كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، قَالَ: مَا اسْتَطَاعَ عِيسَى أَنْ يَعْدُوَ ذَلِكَ ". ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد ابن أبي شيبة): ١) أبو بكر ابن أبي شيبة: "ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف". (٢) ٢) حاتم بن إسماعيل: "ثِقَةٌ"، وروى له الجماعة. (٣) ٣) يَعْقُوب بن عَمْرو الضَّمْريُّ: "حسن الحديث"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٤) جعفر بن عَمْرو بن أمية الضَمْريُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبيَّن أنَّ الحديث مداره على يَعْقُوب بن عَمْرو الضَّمْريِّ، واختُلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: يَعْقُوب بن عَمْرو، عن جَعْفَر بن عَمرو بن أُميَّة، عن أبيه (مَوْصولاً). الوجه الثاني: يَعْقُوب بن عَمْرو، عن جَعْفَر بن عَمرو بن أُميَّة الضَّمْرِيِّ (مُرْسلاً). والذي يَظْهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الأول لم يَروه عن يعقوب إلا عَبْد اللَّهِ بن مُوسَى التَّيْمِيّ - فيما وقفتُ عليه -، وهو "صدوقٌ كثير الخطأ"، وقال ابن حبَّان: في أحَادِيثه رفع المَوْقُوف وَإسْنَاد المُرْسل كثيراً - كما سبق -. وهذا بخلاف الوجه الثاني، فقد رواه حاتم بن إسماعيل، ووثَّقه غير واحدٍ مِن أهل العلم.

стр. 630

٢) أنَّ عبد الله التَّيْمِيّ - راوية الوجه الأول - ذكر أنَّ الذي بعثه النبيُّ ﷺ إلى النَّجاشيِّ هو: عَمرو بن العاص. بينما خالفه حاتم بن إسماعيل؛ فذكر أنَّ الذي بعثه النبيُّ ﷺ إلى النَّجاشيِّ هو: عَمرو بن أُمَيَّة الضَّمْري. وما رواه عبد الله بن مُوسى التَّيْمِيّ مُخالف للواقع؛ فقد ذكر أهل التاريخ والسير أنَّ النبيَّ ﷺ أرسل كُتُبَه إلى الملوك في أوائل السنة السابعة للهجرة بَعْد صُلحِ الحُديبية، وكان إسلام عَمرو بن أُمَيَّة بعد غَزوة أُحدٍ، بينما أسلم عَمرو بن العاص في السنة الثامنة للهجرة. (١) وصرَّح ابن حبَّان أنَّ عَمرو بن العاص قَدِمَ زَائِرًا لرَسُول اللَّهِ ﷺ وَمُسلمًا من عِنْد النَّجَاشِيّ بعد ذهاب عَمرو بن أُمَيَّة الضَّمْري. (٢) وأخرج أبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٤٩٩٣) بسندٍ ضَعيفٍ، عن عَمرو بن العاص، مُطوَّلاً بذكر قصة إسلامه، وفيه: أنَّه كان في وَفْدٍ مع المُشْركين عِند النَّجاشيِّ بعد غزوة الأحزاب، حين أرسل النَّبيُّ ﷺ عَمرو بن أُمَيَّة الضَّمْريَّ بكتاب إلى النَّجاشي يَدْعوه فيه إلى الإسلام، ثُمَّ أسلم عَمرو بن العاص وأظهر إسلامه للنَّجاشيِّ، ثُمَّ قَدِم على النَّبي ﷺ . رابعاً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَّضح أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شاذٌّ"؛ لأجل عبد الله بن مُوسى التَّيْمِيّ "كثير الخطأ، يَرْفَعُ المَوْقوف، ويُسْنِدُ المُرْسَل"، وقد انْفرد به، مع مُخالفته لِمَنْ هو أوثق منه كما سبق. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح بإسناد ابن أبي شيبة: والحديث مِن وجهه الراجح بإسناد ابن أبي شيبة "مُرْسلٌ حسنٌ". خامساً: - النَّظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لا يُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ إِلا بِهَذَا الإسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ. قلتُ: ومِمَّا سبق يتَّضح صِحةَ ما قاله المُصَنِّف ﵁ على الحديث. * * *

стр. 631

[٩٠/ ٤٩٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلالُ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى التَّيْمِيُّ، عَنِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيمِيِّ، قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعِيدَينِ أَتَى وَسْطَ الْمُصَلَّى، فَقَامَ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ كَيفَ يَنْصَرِفُونَ، وَكَيفَ سِمَتُهُمْ؛ ثُمَّ يَقِفُ سَاعَةً، ثُمَّ يَنصَرِفُ. * لا يُرْوَى هذا الحديث عن عبد الرَّحْمَنِ بن عُثْمَانَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إبراهيم بن الْمُنْذِرِ. هذا الحديثُ مَدَاره على المُنْكَدِر بن مُحمَّد، واختُلف عنه في مَتْنه مِن وجهين: الوجه الأول: المُنْكَدِر بن مُحمَّد، عن أبيه، عن عبد الرَّحمن التَّيْميِّ، قال: "رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العِيدَينِ أَتَى وَسْطَ المُصَلَّى، فَقَامَ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ كَيفَ يَنْصَرِفُونَ". الوجه الثاني: المُنْكَدِر بن مُحمَّد، عن أبيه، عن عبد الرَّحمن التَّيْميِّ، قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَائِماً فِي السُّوقِ يَوْمَ الْعِيدِ يَنْظُرُ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ". وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: المُنْكَدِر بن مُحمَّد، عن أبيه، عن عبد الرَّحمن التَّيْميِّ، قال: "رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العِيدَينِ أَتَى وَسْطَ المُصَلَّى، فَقَامَ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ كَيفَ يَنْصَرِفُونَ". أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" - وهو رواية الباب -، وفي "المعجم الكبير" - كما في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٠٦) -، - ومِن طريقه أبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٤٥٩٨) -. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسْلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) إبراهيمُ بن المُنْذِر الحِزَامِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٦). ٣) عَبد اللَّهِ بن مُوسَى التَّيْمِيُّ: "صدوقٌ كثير الخطأ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٩). ٤) المُنْكَدِر بن محمد بن المُنْكَدِر، القُرَشيُّ، التَّيْمِيُّ، المَدَنيُّ. رَوَى عَن: أبيه، وصفوان بن سُليم، والزُّهْرِيّ، وآخرين. رَوَى عَنه: وعبد الله بن موسى التَّيْمِيّ، وإِبْرَاهِيم بن إسحاق الطالقاني، والقَعْنَبيُّ، وآخرون. حاله: قال أحمد: ثِقَةٌ. وقال ابن معين - في إحدى الروايات عنه -: ليس به بأس. - وقال العِجْلي، والنَّسائيُّ، والجُوزَجانيُّ: ضعيفُ الحديثِ. وقال أبو زرعة، والنَّسائيُّ: ليس بقوى. وقال

стр. 632

ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: كان رجلاً صالحاً لا يُقيمُ الحديثَ، كان كثيرَ الخطأ، لم يكن بالحافظ لحديث أبيه. وقال أحمد: كان كثير الخطأ. وقال ابن حبَّان: كَانَ مِن خِيَار عباد الله مِمَّن اشْتغل بالتقشف وقطعته العِبَادَة عن مراعاة الحِفْظ والتعاهد في الإتقان، فكان يَأْتِي بالشَّيء الذي لا أصل له عن أبيه توهمًا، فلمَّا ظهر ذلك في رِوَايَته بَطل الاحْتِجَاج بأخباره. والحاصل: ما قاله ابن حجر: لَيِّنُ الحديثِ. وأمَّا توثيقه فَمَحْمولٌ على العدالة والصلاح في العبادة. والجرح فيه مُفَسَّر، وهو قول الجمهور، فَيُقدَّم على التعديل. (١) ٥) مُحمَّد بن المُنْكَدِر: "ثِقَةٌ فَاضِلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٠). ٦) عَبْد الرَّحْمَن بن عثمان بن عُبَيد الله القرشيُّ التَّيْمِيُّ، ابن أخي طلحة بْن عُبَيد اللَّه. رَوَى عَن: النَّبِيّ ﷺ ، وعن عمه طلحة بن عُبَيد اللَّه، وعثمان بن عفان. رَوَى عَنه: مُحَمَّد بن المنكدر، وابنه معاذ، وسَعِيد بْن المُسَيَّب، وآخرون. أسلم يوم الحديبية. وأُصِيبَ مع ابن الزُّبَيْرِ، فَدُفِنَ في المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَأُخْفِيَ مَكَانُ قَبْرِهِ عن أهل الشَّامِ. (٢) ثانياً: - الوجه الثاني: المُنْكَدِر بن مُحمَّد، عن أبيه، عن عبد الرَّحمن التَّيْميِّ، قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَائِماً فِي السُّوقِ يَوْمَ الْعِيدِ يَنْظُرُ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ". أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (١٦٠٦٨)، وأبو يَعْلى في "مسنده" (٩٣٥) - ومِن طريقه ابن الأثير في "أسد الغابة" (٣/ ٤٦٨) -، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٤٥٩٨)، عن إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاقَ - هو ابن عيسى الطَالقَانيّ -، قال: حدَّثني المُنْكَدِرُ بن محمد بن المُنْكَدِرِ، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد الإمام أحمد): ١) إِبْرَاهِيمُ بن إِسْحَاقَ ابن عيسى الطَّالقَانيّ: "صدوقٌ يُغْرب". (٣) ٢) وبقية رجال الإسناد: سبقت ترجمتهم في الوجه الأول. ثالثاً: - النظر في الخلاف على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبيَّن أنَّ الحديث مَداره على المُنْكَدِر بن مُحمَّد، واختُلف عنه في متنه على وجهين: الوجه الأول: المُنْكَدِر بن مُحمَّد، عن أبيه، عن عبد الرَّحمن التَّيْميِّ، قال: "رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العِيدَينِ أَتَى وَسْطَ المُصَلَّى، فَقَامَ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ كَيفَ يَنْصَرِفُونَ". رواه عَبد اللَّهِ بن مُوسَى، وهو صدوقٌ كثير الخطأ.

стр. 633

الوجه الثاني: المُنْكَدِر بن مُحمَّد، عن أبيه، عن عبد الرَّحمن التَّيْميِّ، قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَائِمًا فِي السُّوقِ يَوْمَ الْعِيدِ يَنْظُرُ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ". رواه إبراهيم بن إسحاق الطَّالقانيُّ، وهو صدوقٌ يُغْرب. فالذي يظهر - والله أعلم - هو عدم صحةُ الوجهين؛ فَمَدارهما على المُنْكدر بن مُحمَّد، وهو لَيِّنُ الحديث، خاصةً في أحاديث أبيه فلم يكن بالحافظ - كما سبق -، وقد انفرد به عن أبيه، ولم يُتابع عليه. رابعاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل المُنْكَدِر بن مُحمَّد "لَيِّنُ الحديث"، وقد انفرد به عن أبيه، ولم يُتابع عليه، بل واضطرب فيه، فَدل على عدم ضبطه له، فلعلَّه مِن مَناكيره وأوهامه عن أبيه، فإنَّه لم يكن حافظاً لحديث أبيه. ومَدَار الحديث عليه، فلم يصح الحديث مِن الوجهين. قال الهيثمي: رِجَالُ الطَّبَرَانِيِّ مُوَثَّقُون، وإنْ كان فيهم المُنْكَدِر بن مُحَمَّدِ بن المُنْكَدِر: فقد وَثَّقَهُ أحمد، وأبو داود، وابن مَعِين - في رِوَايَة -، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُمْ. (١) قلتُ: وقد سبق الجواب على توثيق البعض له، وأنَّه محمول على العدالة والصلاح والعبادة، والجرح فيه مُفَسَّر، وهو قول الجمهور، فَيُقَدَّم التعديل عليه. وأمَّا أبو داود فقد سُئل عن المُنْكدر: أهو ثقةٌ؟ قال: لا. (٢) وقال البوصيري: رواه أبو يَعْلى، وأحمد، وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ. (٣) قلتُ: وهذا ليس بحسن، ففي إسنادهما المُنْكدر، وانفرد به، وهو ليِّنُ الحديث - كما سبق -. (٤) خامساً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف: لا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: ابنُ الْمُنْذِرِ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁ أي بالوجه الأول -. - قال ابن كثير - بعد أنْ ذكر الحديث مِنْ رواية الإمام أحمد -: تَفَرَّد به - أي المُنْكَدِر بن مُحمَّد -. (٥) * * *

стр. 634

[٩١/ ٤٩١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلالُ، قَالَ: نا مَرْوَانُ بْنُ أَبِي مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَدَخَلْنَا مَعَهُ مِنْ بَابِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ (١)، وَخَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَابِ الْحَزْوَرَةِ (٢)، وَهُوَ بَابُ [الْخَيَّاطِينَ] (٣). * لم يَرْوِ هذا الحديث عن مَالِكٍ إلا عَبْدُ اللَّهِ بن نافع، تَفَرَّدَ به: مَرْوَانُ بن أبي مَرْوَانَ. أولاً: - تخريج الحديث: لم أقف عليه مِنْ حديث ابن عُمر إلا في رواية الباب. وذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (١٧١٩)، بإسناد الطَّبرانيِّ، ومتنه، وقوله. وقال البيهقي في "الكبرى": وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي دُخُولِهِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَخُرُوجِهِ مِنْ بَابِ الْخيَّاطِينَ وَإِسْنَادُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وقال في "السنن الصغرى": وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ»، وَرُوِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا. (٤) وعزاه جماعة إلى الطبراني: كابن تَيْمِيَّة (٥)، وابن القيِّم (٦)، وابن المُلقِّن (٧)، والهيثميُّ (٨)، وابن حجر (٩).

стр. 635

ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسلم الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) مَرْوَانُ بن أَبِي مَرْوَانَ العُثْمَانِيُّ: لم أهتدي إليه، وليس هو مَرْوَانُ بن أَبِي مَرْوَانَ أبو العريان الراوي عن: عبد الله بن بُريدة والذي قال فيه السُّلَيْمَانِيُّ: فيه نظر (١). ولا مَرْوان أبو سلمة الذي يَرْوي عن شَهْر بن حَوْشَب، الذي قال فيه البخاري: مُنْكر الحديث (٢). فكلاهما مُتقدِّمٌ في الطبقة، بخلاف صاحبنا فهو مُتأخرٌ. ولعلَّ الأقرب - والله أعلم -: أنَّه مَرْوان بن عُبيد، فقد ذكره ابن حجر في "اللسان" (٣) - بعد أن ذكر ترجمة مَرْوان بن عُبَيد الذي حَدَّث عن شَهْر بن حَوْشَب -، ثُمَّ قال: ولهم شيخ آخر يقال له: مَرْوان بن عُبَيد، متأخر الطبقة عن هذا، يَرْوي عن بُسْر بن السَّري، روى عنه عبد الله بن الحسن بن أبي شُعيب الحَرَّانِيُّ، وخَرَّج الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" من طريقه، غريب الإسناد، وقال: إنه تفرَّد به. قلتُ: أخرج له الطبراني حديث رقم (٤٣٤٤)، ويَرْوي عن: فُضَيْل بن عِيَاض، ومُحَمَّد بن يَزِيد بن حُبَيْشٍ. فإنْ كان هو صاحبنا؛ فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال". ٣) عَبْدُ اللَّهِ بن نَافِعِ بْنِ أَبي نافع الصائغ القرشيُّ، المَخزوميُّ، أَبُو مُحَمَّد المدنيُّ. (٤) روى عن: مالك بن أَنَس، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وآخرين. روى عنه: مَرْوان بن أبي مَرْوان، ومُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي، وقتيبة بن سَعِيد، وآخرون. حاله: قال ابن معين، العِجْلي، والنسائيُّ: ثِقَةٌ. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي: روى عن مالك غرائب، وهو في رواياته مستقيم الحديث. - وقال البخاري، وأبو حاتم: يُعرَفُ حِفظُه ويُنكَرُ، وكتابه أصح. وزاد أَبُو حَاتِم: ليس بالحافظ. وقال الإمام أحمد: لم يكن صاحب حديث، كان صاحب رأى مالك، وكان يُفْتى أهل المدينة برأي مالك، ولم يكن في الحديث بذاك. وقال ابن حبَّان: كَانَ صَحِيح الكتاب وإذا حَدَّث مِنْ حفظه رُبمَا أَخطَأ. وقال الدَّارقطني: فقيه يُعْتَبر به.
следующие страницы →