← Книги сунны

Книги сунны · id 541

القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني

Полный текст (1 397 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، وابن سَعْد: ثِقَةٌ، وزاد ابن معين: لا يُسْئل عنه. وقال الذهبي: مِنْ كِبَار التابعين، ومِن المُخَضْرمين الذين أسلموا في حياة النَّبي ﷺ . وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ فَقيهٌ عابدٌ، مُخَضْرمٌ". (١) ٧) عبد الله بن مسعود: "صحابيٌّ جليلٌ، مِنْ كبار الصحابة"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). ثانياً: - الوجه الثاني: الشَّعْبِيُّ، عن وَرَّادٍ كاتب المُغِيرَة، عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: ورواه عن الشَّعْبِيِّ بهذا الوجه جماعةٌ، كالآتي: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٨١٤٧)، قال: حدَّثنا حُسَيْن بن بِهْرَام، ثنا شَيْبَانُ بن عبد الرحمن، عن مَنْصُور بن المُعْتَمِر، عن الشَّعْبِيِّ، عن وَرَّادٍ، عن المُغِيرَةِ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ. وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَأْدَ الْبَنَاتِ، وَعُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ". - والبخاري في "صحيحه" (٢٤٠٨) ك/الاستقراض، ب/مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، وبرقم (٥٩٧٥) ك/الأدب، ب/عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ مِنَ الكَبَائِرِ - ومِن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٣٤٢٦) -، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٧١٦/ ١،٢) ك/الأقضية، ب/النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ مَنْعٍ وَهَاتِ، والنَّسائي في "الكبرى" (١١٧٨٤) ك/الرَّقائق (٢)، وأبو العبَّاس السَّرَّاج في "حديثه" (٢٤٦٢)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٦٣٨٨ و ٦٣٩٢)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٣١٩٧)، وخيثمة بن سُليمان في "حديثه" (ص/١٩٧)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٥٥٥٥)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٣٨٤/٩٠١ و ٩٠٣)، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (٢٩٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١١٣٤٠)، وفي "المدخل" (٢٨٠)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٦٨٨)، وأبو القاسم الأصبهاني - الملقب بقوام السنة - في "الترغيب والترهيب" (٤٦٧ و ٢٢٠٨)، وابن العديم في "تاريخ حلب" (٧/ ٣٣٩١)، كلهم مِن طُرُقٍ عن مَنْصور بن المُعْتمر، به. • وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٨١٧٩)، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، حدَّثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، حدَّثني سعيد بن عَمرو بن أَشْوَعَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: حدَّثني ورَّاد، عن المُغيرة، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ". - والبخاري في "صحيحه" (١٤٧٧) ك/الزكاة، ب/قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٧١٦/ ٣) ك/الأقضية، ب/النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٦٣٨٩، ٦٣٩٠)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٥٧١٩)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٣٨٤/٩٠٠)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص/١٠٠)، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١٠١٤). كلهم مِن طُرُقٍ عن خالد الحَذَّاء، عن ابن أَشْوع، به.

стр. 772

وقال الحاكم: سَعِيدُ بن عَمْرِو بن أَشْوَع شَيْخٌ مِنْ ثِقَاتِ الكُوفِيِّينَ يُجْمَعُ حَدِيثهُ وَيُعَزُّ وُجُودُهُ، وليس هذا الحديث عند الكوفيِّين عنه، إنَّما يَنْفَرِدُ به خالد بن مِهْرَان الحَذَّاء البصريُّ عنه. • وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٨١٩٢، ١٨٢٣٢) - ومِن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢١/ ٢٩١)، و"الاستذكار" (٤١٤٩٨) -، قال: حدَّثنا هُشَيْم بن بَشير، أخبرنا غيرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ مُغِيرَةُ بن مِقْسم الضبِّيّ - مِن أصح الأوجه عنه (١) -، عن الشَّعْبِيِّ، عن وَرَّادٍ، عن المُغيرة، … وذكر حديثاً، وفيه: "وَكَانَ " يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ". - والبخاري في "صحيحه" (٦٤٧٣) ك/الرِّقَاق، ب/مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ، وابن خزيمة في "صحيحه" (٧٤٢)، كلاهما مِن طريق مُغيرة، به. • وأخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" (٥٥٥٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٣٨٥/٩٠٢)، مِن طريق عاصم بن أبي النَّجُود - مِن أصح الأوجه عنه (٢) -، عن الشعبي، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني: هذا الوجه أخرجه البخاري، ومسلمٌ في "صحيحيهما"، وهذا كافٍ لإثبات صحته، وثقات رواته. ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ هذا الحديث مَدَاره على الشعبي، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: الشَّعْبِيُّ، عن مَسْروق، عن عبد الله بن مسعود. ولم يَرْوه عن الشَّعبي بهذا الوجه إلا السَّرِي بن إسماعيل، وهو متروك الحديث، كما سبق. الوجه الثاني: الشَّعْبِيُّ، عن وَرَّادٍ كاتب المُغِيرَة، عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ. بينما رواه عن الشعبي بهذا الوجه جماعة مِن الثقات، وقد أخرجه البخاري ومسلمٌ. وعليه؛ فيتبيَّن - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية، والأحفظية. ٢) أنَّ الوجه الأول رواه السَّري بن إسماعيل، وهو متروك الحديث، وقد انفرد به. ٣) إخراج البخاري ومسلم للوجه الثاني في "صحيحيهما". رابعاً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ جداً"؛ لأجل السَّري بن إسماعيل "متروك الحديث"، وقد انفرد به - كما قال الطبراني، وابن عدي، وكما هو واضحٌ مِن التخريج -، والله أعلم.

стр. 773

لذا أخرجه ابن عدي في ترجمته، وقال: لا يرويه عن الشَّعْبيِّ غير السَّري، وأحاديثه التي يرويها لا يُتَابعه أحدٌ عليها خاصةً عن الشَّعْبِيّ فإنَّ أحاديثه عنه منكرات لا يرويها عنه غيره، وهو إلى الضعف أقرب. (١) وقال الهيثمي: رواه الطَّبرانيُّ في "الأوسط"، وفيه السَّرِيُّ بن إسماعيل، وهو مَتْرُوكٌ. (٢) ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح: ومِن خلال ما سبق يتبيَّن أنَّ الحديث مِن وجهه الراجح "صحيحٌ لذاته"، وهو مُتَّفَقٌ عليه. خامساً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الشَّعْبِيِّ إلا السَّرِيُّ بن إِسْمَاعِيلَ. قُلْتُ: وقال ابن عدي: لا يرويه عن الشعبي غير السَّرِي بن إسماعيل. (٣) ومِن خلال ما سبق بيانه في التخريج يتبيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف، وابن عدي، وأنَّه لم يروه عن الشعبي عن مسروقٍ عن ابن مسعود ﵁ إلا السَّرِي بن إسماعيل. سادساً: - التعليق على الحديث: قال الحافظ ابن حجر: قوله "كَرِه لكم قِيلَ وَقَالَ"، قال المحب الطبري: في "قيل وقال" ثلاثة أوجه، أحدها: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولاً وقيلاً وقالاً، والمراد: الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنَّها تؤل إلى الخطأ، قال: وإنَّما كَرَّرَه للمبالغة في الزجر عنه. ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل كذا، والنهي عنه: إمَّا للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيءٍ مخصوصٍ مِنْهُ، وهو ما يَكْرهه المَحْكي عنه. ثالثها: أنَّ ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين، كقوله: قال فلان كذا وقال فلان كذا، ومحل كراهة ذلك: أنْ يُكْثِر مِنْ ذلك بحيث لا يَأمن مع الإكثار مِن الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تَثَبُّت ولكن يُقَلِّد مَن سَمِعَهُ ولا يَحْتَاط له. قلت (ابن حجر): ويُؤَيِّد ذلك الحديث الصحيح «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٤). (٥) وقال ابن عبد البر: المعنى في "قِيلَ وَقَالَ": الخَوْضُ في أَحَادِيثِ النَّاسِ التي لا فائدة فيها، وإنَّمَا جُلُّهَا الغَلَطُ والحَشْو والغِيبَةُ وما لا يُكْتَبُ فيه حَسَنَةٌ ولا سَلِمَ القائل والمُسْتَمِعُ فيه مِنْ سَيِّئِهِ. (٦)

стр. 774

قوله: "وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ"، قال ابن حجر: اختلف العلماء في المراد منه، على أقوال: هل هو سؤال المال؟ أو السؤال عن المشكلات والمعضلات؟ أو أعم من ذلك؟ والأولى حمله على العموم، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به: كثرة السؤال عن أخبار النَّاس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله فإنَّ ذلك مما يَكْرهه المسئول غالباً، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات (١)، وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يَسْتَحيل وُقُوعها عادةً أو يَنْدُر جداً، وإنَّمَا كرهوا ذلك: لِمَا فيه من التَنَطُّع، والقول بالظن، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ. (٢) وقال ابن عبد البر: قال مالك: أمَّا نَهْي رسول الله ﷺ عن كثرة السؤال، فلا أدري: أهو الذي أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، أم هو مسألة الناس. قال ابن عبد البر: الظاهر في لفظ هذا الحديث كراهة السؤال عن المسائل، إذا كان ذلك على الإكثار لا على الحاجة عند نزول النازلة، لأنَّ السؤال في مسألة الناس إذا لم يجز فليس ينهى عن كثرته دون قلته، بل الآثار في ذلك آثار عموم لا تفرق بين القلة والكثرة لمن كره له ذلك. (٣) قوله: "وَإِضَاعَةَ الْمَالِ"، قال الحافظ ابن حجر: حمله الأكثرون على الإسراف في الإنفاق، وقيَّده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى: أنَّه ما أُنْفِقَ في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية، فَمُنِعَ منه؛ لأنَّ الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، إمَّا في حق مُضَيِّعِها، وإما في حق غيره، ويُسْتَثْنَى مِن ذلك: كثرة إنفاقه في وجوه البِر لتحصيل ثواب الآخرة مَا لم يُفَوِّت حقاً أُخْرَوياً أهم منه. والحاصل في كثرة الإنفاق، ثلاثة أوجه: الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعاً، فلا شك في منعه. والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً، فلا شك في كونه مطلوباً بالشرط المذكور. والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة، كملاذ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عُرفاً، وهو ينقسم أيضا إلى قسمين: أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة إما ناجزة أو متوقعة، فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف، قال لأنه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية فهو مباح له. قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. والذي

стр. 775

يترجح أنه ليس مذموماً لذاته، لكنه يُفْضِي غالباً إلى ارتكاب المحذور، كسؤال الناس وما أدى إلى المحذور فهو محذور. (١) وقال ابن عبد البر: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أحدهما: أنَّ المال أُرِيدَ به ملك اليمين من العبيد والإِماءِ والدَّوابِّ وسائر الحيوان الذي في ملكه، أن يُحْسِن إليهم ولا يُضَيِّعهم فيضيعون، وهو قول السَّرِيِّ بن إِسْمَاعِيلَ عن الشَّعْبِيِّ. والثَّاني: تَرْكُ إِصْلَاحه والنَّظر فيه وتنميته وكسْبِه. والثَّالِثُ: إِنْفَاقُهُ في غَيْرِ حَقِّهِ مِنَ البَاطِلِ وَالإِسْرَافِ وَالْمَعَاصِي، وهو الصَّوَابُ عند ذوي الدين والألباب. (٢) * * *

стр. 776

[١١٩/ ٥١٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ (١)، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمُ النَّقْصُ، جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَنْهَاهُ عَنْهُ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ، فلا يَمْنَعُهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خَلِيطَهُ، وَأَكِيلَهُ، وَشَرِيبَهُ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢)». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كلا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ فَتَأْطِرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا (٣)». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن سُفْيَانَ إلا عَبْدُ الكَبِيرِ الحَنَفِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بن المُبَارَكِ، والأَشْجَعِيُّ. هذا الحديث مَدَاره على سُفْيَان الثوري، واختلف عنه مِن ثلاثة أوجهٍ: الوجه الأول: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مَسْعود ﵁. الوجه الثاني: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن مَسْروقٍ، عن ابن مَسْعود ﵁. الوجه الثالث: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، مُرْسلاً. وتفصيل ذلك على النَّحو التالي: أولاً: - الوجه الأول: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن ابن مَسْعود ﵁. أ تخريج الوجه الأول: ورواه عن الثوري بهذا الوجه جماعة، وهم: ١) عبد الرَّزَّاق الصَّنْعَاني: أخرجه عبد الرَّزَّاق في "التفسير" (١/ ١٩٤)، عن الثوري، به. ٢) عبد الله بن المبارك: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥١٩)، وهي رواية الباب. ٣) أبو بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحَنَفِيُّ: أشار الطبراني إلى روايته كما في رواية الباب، وذكره الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٥٢/مسألة ٨٦٢) و (٥/ ٢٨٦/مسألة ٨٨٩) مُعَلَّقاً. ولم أقف عليه. ٤) عُبيد الله بن عُبيد الرحمن الأشْجَعي: ذكره الطبراني كما في رواية الباب، ولم أقف عليه. ٥) وعلي بن قادم الخُزَاعيُّ: ذكره الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٥٢/مسألة ٨٦٢) مُعَلَّقاً. ٦) وعبَّاد بن موسى أبو عُقْبَة الأَزْرَق القُرشيُّ: أخرجه الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٨٨)، بسندٍ صحيحٍ

стр. 777

إلى عبَّاد بن موسى - وهو ثقةٌ (١) -، عن سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، به. ٧) وشُعيب بن صَفْوان: ذكره الدَّارقطني في "العلل" (٥/ ٢٨٦/مسألة ٨٨٩) مُعَلَّقاً. ب متابعات للوجه الأول: وقد تُوبع سُفيان على روايته لهذا الوجه، تابعه جماعة، كالآتي: • فأخرجه أحمد في "مسنده" (٣٧١٣)، والترمذي في "سننه" (٣٠٤٧) ك/تفسير القرآن، ب/ (٦) مِن سورة المائدة، والطبراني في "الكبير" (١٠٢٦٥)، مِن طريقين عن شَرِيكٍ بن عبد الله النَّخعيّ. وقال الترمذي: حسنٌ غريبٌ. • وابن ماجه في "سننه" (٤٠٠٦/ ٢) ك/الفتن، ب/الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والترمذي في "سننه" (٣٠٤٨) ك/تفسير القرآن، ب/ (٦) مِن سورة المائدة، وابن جرير الطبري في "التفسير" (١٢٣١٠)، ثلاثتهم مِنْ طريق محمد بن مسلم بن أبي الوَضَّاح. • وأبو داود في "سننه" (٤٣٣٦) ك/الملاحم، ب/الأمر والنَّهي - ومِن طريقه أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٢/ ٣١٦ و ٤/ ١٠٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٠١٩٦) -، مِنْ طريق يُونُسُ بن رَاشِدٍ. • والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١١٦٤)، مِنْ طريق مُوسَى بن أَعْيَنَ. • والطبراني في "الكبير" (١٠٢٦٤)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام وأهله" (٦٦)، كلاهما مِن طريقين عن سُليمان بن مِهْران الأعمش، بنحوه مُخْتصراً. • والطبراني في "الكبير" (١٠٢٦٦)، مِن طريق مِسْعَر بن كِدَام. ستتهم (شريك، وابن أبي الوضَّاح، ويونس، وموسى، والأعمش، ومِسْعَر) عن علي بن بَذِيمَة، بنحوه. ت دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أحمد بن جَمِيْل، أبو يوسف المَرْوَزي. روى عن: عبد الله بن المُبَارك، وعبد العزيز بن عبد الصمد، ومُعْتمر بن سُليمان، وآخرين. روى عنه: أحمد بن القاسم، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن أبي الدُّنيا، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وعبد الله بن أحمد: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صدوقٌ. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (٢) ٣) عبد الله بن المبارك: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَالمٌ، جُمِعَتْ فيه خِصال الخير"، تَقَدَّم في الحديث (٩٦). ٤) سُفيان الثوري: "ثِقَةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٦). ٥) عَلِيُّ بن بَذِيْمَة أبو عبد الله الجَزَرِيُّ الحَرَّانِيُّ، مولى جَابر بن سَمُرَة. روى عن: أبي عُبَيدة بن عَبْد اللَّهِ بن مسعود، وسَعِيد بن جُبَيْر، وعامر الشَّعْبِي، وآخرين.

стр. 778

روى عنه: الثوري، والأعمش، ومِسْعَر بن كِدَام، وآخرون. حاله: قال العِجْلي، وابن معين، وأبو زرعة، وابن سعد، والنَّسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أحمد: صالحُ الحديث، وكان رأساً في التَّشيع. وقال أيضاً: ثِقَةٌ، وفيه شيءٌ. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديثِ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وحاصله: ما قاله ابن حجر: "ثِقَةٌ رُمِى بالتَّشيُّع". (١) ٦) أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: "ثِقَةٌ، لم يَصِح سماعه مِنْ أبيه"، تَقَدَّم في الحديث (٢٨). ٧) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). ثانياً: - الوجه الثاني: الثوري، عن عليٍّ، عن أبي عُبيدة، عن مَسْروقٍ، عن ابن مَسْعود ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: ولم أقف على أحدٍ رواه عن الثوري بهذا الوجه إلا مُؤَمَّل بن إسماعيل: • أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٣٠٨)، قال: حدَّثنا عَلي بن سَهْل الرَّمْلي، حدثنا المُؤَمَّل بن إسماعيل، حدثنا سُفْيَان، حدَّثنا عَلِيّ بن بَذِيْمَة، بنحوه. قال الدَّارقطني: وَهِمَ مُؤَمَّل بن إسماعيل في ذكر مَسْرُوقٍ. (٢) ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) عليُّ بن سَهْل الرَّمْلي: "ثقةٌ". (٣) ٢) مُؤَمَّل بن إسماعيل: "ضعيفٌ يُعتبر به إذا تُوبع"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١١). ثالثاً: - الوجه الثالث: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، مُرْسلاً. أ تخريج الوجه الثالث: ورواه عن الثوري بهذا الوجه جماعة: • فأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٤٠٠٦/ ١) ك/الفتن، ب/الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والترمذي في "سننه" (٣٠٤٨) ك/تفسير القرآن، ب/ (٦) مِن سورة المائدة، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٣٠٩)، ثلاثتهم قال: حدَّثنا بُنْدار محمد بن بَشَّار، عن عبد الرحمن بن مَهْدي. • وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢٣١١)، مِنْ طريق وكيعٍ بن الجَرَّاح. • وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٧٥٤٤)، بسند ضَعيف (٤) مِن طريق محمَّد بن يُوسُفَ الفِرْيَابيّ. ثلاثتهم (ابن مهدي، ووكيع، والفِرْيَابيّ) عن سُفْيَانُ، عن عَلِيِّ بن بَذِيمَةَ، به. وقال الترمذي: قال عبد الله بن بِهْرام: قال يزيد بن هارون: كان الثَّوْرِيُّ لا يقول فيه عن عَبْدِ اللَّهِ.

стр. 779

ب دراسة إسناد الوجه الثالث (إسناد ابن ماجه): ١) مُحَمَّد بن بَشَّار، بُنْدَار: "ثِقَةٌ". (١) ٢) عبد الرحمن بن مَهْدي: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ حافظٌ، عارفٌ بالرجال والحديث". (٢) رابعاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِن خلال ما سبق يَتَبيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على سُفيان الثوري، وقد اختلف عنه مِن ثلاثة أوجهٍ: الوجه الأول: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مَسْعود. وهذا الوجه هو رواية الجماعة عنه، خاصةً وفيهم عبد الرَّزَّاق، وابن المبارك، وعُبيد الله الأشجعي، وغيرهم، وهؤلاء الثلاثة مِن أصحاب الثوري ومِنَ المُقَدَّمين فيه. (٣) بل وتُوبع سُفيان على رواية هذا الوجه، تابعه جماعة مِن الثِّقات كما سبق في التخريج. الوجه الثاني: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، عن مَسْروقٍ، عن ابن مَسْعود. بينما لم يَرْوه عن سُفْيان بهذا الوجه إلا مُؤَمَّل بن إسماعيل، وهو "ضَعيفٌ"، ولم يُتابع عليه، لذا وهَّمَه الدَّارقطني في هذا الحديث في موضعين مِن "العلل" كما سبق بيانه. الوجه الثالث: الثوري، عن علي بن بَذِيمَة، عن أبي عُبيدة، مُرْسلاً. ورواه عن الثوري بهذا الوجه إمامان جبلان في الثوري وهما عبد الرحمن بن مَهْدي، ووكيعٌ بن الجَرَّاح، ولم يخْتلف أحدٌ على أنَّهما مِن أثبت النَّاس في الثوري. (٤) وتابعهما محمد بن يوسف الفريابي عن سُفيان، إلا أنَّ الإسناد إليه فيه ضَعْفٌ. ولذلك رجَّح الإمام الدَّارقطني هذا الوجه في "العلل"، فقال: والمُرْسل أصحُّ مِن المُتَّصِل. (٥) وأمَّا ما نقله الإمام الترمذي عن يَزيد بن هارون، أنَّه قال: كان سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لا يقول فيه عن عَبْدِ اللَّهِ. فيُحْتمل أنْ يكون هذا باعتبار عِلْمه وما اطَّلع عليه، (٦) لذا أعقب الترمذي قوله بذكر الحديث عن الثوري بالوجهين الموصول، والمرسل، والله أعلم. قلتُ: فلعلَّ الحمل في هذا الحديث على الثوري، فنشط أحياناً فوصله، وقَصَّر مَرَّة فأرسله، وعليه فلا

стр. 780

إشكال على رواية ابن مَهْدي، ووكيع، فهما قد رويا ما سَمِعَاه مِن الثوري، والله أعلم. وعليه؛ فيتبيَّن مِن خلال ما سبق أنَّ الحديث محفوظٌ بالوجهين الأول، والثالث؛ وأنَّ المُرْسل لا يُعِلُّ الموصول؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية: فالحديث بالوجه الأول هو رواية الجماعة، بينما لم يروه بالوجه الثالث إلا عبد الرحمن بن مَهْدي، ووكيعٌ بن الجَرَّاح، والفريابي. ٢) وجود متابعات للثوري بالوجه الأول: فقد تُوبع سُفيان على روايته بالوجه الأول، بينما لم يُتابع على روايته بالوجه الثالث، مِمَّا يُؤَكد أنَّ الحمل فيه على سُفْيان كما سبق، وأنَّه أوصله حيناً، وأرسله أُخرى. ٣) أنَّ الحديث محفوظٌ عن أبي عُبيدة عن عبد الله بن مَسْعودٍ ﵁، وعليه يَرْجع الحديث: قال أبو حاتم في "العلل" - بعد أن ساق الخلاف في هذا الحديث على أبي عُبيدة، وأنَّه يُروى عنه مرَّة عن أبي موسى، ومَرَّة عن أبيه، ومَرَّة مُرسلاً -: والحديثُ مَرجِعُهُ إلى أَبِي عُبَيدة، عن عبد الله، عن النبيِّ ﷺ . (١) وكذلك فعل الدَّارقطني، فبعد أنْ ساق الخلاف في هذا الحديث، على الثوري، وعلى أبي عُبيدة، قال: وَالصَّحِيحُ عَنِ العلاء بن المُسَيَّبِ، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبَيدة، عن عَبْدِ اللَّهِ. وحديثُ عَلِيِّ بن بَذِيمَة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. (٢) ٤) أمَّا الوجه الثاني فخطأه ظاهرٌ، لا يحتاج إلى بيان، والله أعلم. خامساً: - الحكم على الحديث: مِن خلال ما سبق يتضح أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ للانقطاع بين أبي عُبَيدة وابن مَسْعود، فلم يَصح له سماعٌ مِن أبيه، وإنْ أدركه، ومَدار الحديث ومرجعه عليه، كما سبق. قال المنذري: أبو عُبيدة لم يسمع مِن أبيه فهو مُنْقطعٌ. (٣) وبهذه العلة؛ أعلَّه غير واحدٍ مِن أهل العلم: كالشيخ/ مُقْبل بن هادي الوادعي، والألباني، والحويني (٤). وقال الألباني: فقول الترمذي عقب الحديث: "حديثٌ حسنٌ غريب"، مِمَّا يتعارض مع الانقطاع الذي اعترف به هو نفسه، وذلك من تساهله الذي عُرِفَ به. (٥) قلتُ: ولعلَّ الترمذي ﵁ حسَّنه بشواهده، فإن وقفنا عليها زال الإشكال، وإلا فيبقى الحديث على ضعفه. وعلى كل حال: فالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر

стр. 781

كثيرة لا تخفى على أحد، والله أعلم. سادساً: - النَّظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِه عن سُفْيَانَ إلا عَبْدُ الكَبِيرِ الحَنَفِيُّ، وابن المُبَارَكِ، والأَشْجَعِيُّ. قلتُ - والله أعلم -: لم يُسَلَّم للمُصَنِّف ﵁ في ذلك، فلم يَنْفَرد به مَن ذكرهم فقطٌ عن سُفيان؛ بل رواه جماعة عن سُفيان غيرَهم، منهم: عبد الرَّزَّاق، وعلي بن قادم، وعبَّاد بن موسى، وشُعيب بن صَفْوان - كما سبق بيانه في التخريج -، والله أعلم. وبمثل ذلك تعقَّبه الشيخ/ أبو إسحاق الحويني في "تنبيه الهاجد". (١) سابعاً: - التعليق على الحديث: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أصل عظيمٌ مِن أصول هذا الدين، بل هو سبب خيرية هذه الأمة على غيرها مِن الأمم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢). وبيَّن ربنا ﷻ في كتابه أنَّ الذين كفروا مِنْ بني إسرائيل لُعِنوا على لسان داود وعيسى بن مريم؛ وبيَّن أنَّ مِن أسباب هذا اللعن هو تركهم النَّهى عن المنكر، فقال ﷻ : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (٣)، قال القرطبي: في هذه الآية ذمٌ لتركهم النهي، وكذا مَنْ بَعْدَهم يُذَمُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهم. ثُمَّ قال القرطبي: قال ابن عطية: والإجماع مُنْعَقِدٌ على أنَّ النَّهي عن المنكر فرضٌ لِمَن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فيُنْكِر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. وقال حُذَّاقُ أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا. (٤) وفي المقابل أخبرنا ربنا عن قوم مِن أهل الكتاب كانوا يُنكرون المنكر على مَنْ فعله، وأنَّ الله نجَّاهم مِن العذاب الذي وقع على العُصاة، فقال : ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ (٥)، فنص ربنا على نجاة مَن يَنْهَون عن المُنْكر،

стр. 782

وسكت على السَّاكتين، والسلف في هؤلاء على قولين: البعض على أنَّهم مِن الناجين، والبعض على أنَّهم مِن الهالكين، والأول أولى كما قال ابن كثير (١). وحذرنا ربنا مِن مُخالطة العصاة والكافرين، فقال : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (٢)، قال القرطبي: في هذه الآية دليلٌ على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم مُنْكَرٌ، لأنَّ مَن لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله : ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، فكل من جلس في مجلس معصية ولم يُنكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن يُنكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية، وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بَيَّنا فَتَجَنُّبُ أهل البدع والأهواء أولى. وقوله ﷺ في الحديث: "فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ"، في رواية أبي داود بلفظ: "بِبَعْض"، قال العظيم آبادي في "عون المعبود": قال ابن الملك ﵀: البَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أي سَوَّدَ اللَّهُ قلب من لم يعص بِشُؤْمِ مَنْ عصى فَصَارَتْ قُلُوبُ جَمِيعِهِمْ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والخَيْرِ أو الرَّحْمَةِ بِسَبَبِ المَعَاصِي ومُخَالطة بعضهم بعضا. قال القاري: وقوله: "قلب مَنْ لم يَعْصِ" ليس على إطلاقه لأنَّ مُؤَاكَلَتَهُمْ وَمُشَارَبَتَهُمْ مِنْ غير إكراه وإلجاء بعد عَدَمِ انتهائِهِم عن مَعَاصِيهِم مَعْصِيَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لأنَّ مُقْتَضَى البُغْضِ في اللَّهِ أنْ يَبْعُدُوا عنهم ويُهاجروهُمُ. قُلْتُ (العظيم آبادي): ما قال القاري حَقٌّ صُرَاحٌ. (٣) * * *

стр. 783

[١٢٠/ ٥٢٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: نا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ، قَالَ: نا الرُّحَيْلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن الرُّحَيْلِ إلا شُجَاعُ بن الوليد. هذا الحديث مَدَاره على يَزيد الرَّقاشي، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: يَزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك ﵁ (موصولاً). الوجه الثاني: يزيد الرَّقاشي، عن النَّبي ﷺ (مرسلاً). وتفصيل ذلك على النحو التالي: أولاً: - الوجه الأول: يَزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك ﵁، (موصولاً). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٣٣٢)، مِن طريق خَلادٌ الصَّفَّارُ؛ وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٠٦) مِن طريق مُوسَى بن أبي عائشة (١)؛ وفي "المُصَنَّف" أيضاً برقم (١١٤ و ٣٦٤٦٦)، وأبو بكر ابن عبدويه في "الفوائد" (٨٤٨) - الشهير بالغيلانيات -، - ومن طريقه الخطيب البغدادي في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٤٥٣) - كلاهما (ابن أبي شيبة، وابن عبدويه) مِن طريق الهَيْثَمِ بن جَمَّاز؛ وابن ماجه في "سننه" (٤٣١) ك/الطهارة، ب/ما جاء في تخليل اللحية مِنْ طريق يحيى بن كَثِير أبي النَّضْرِ؛ وأحمد بن مَنيع - كما في "اتحاف الخيرة المهرة" (٥٦٧) -، وأبو الحسين ابن جُميع الصيداوي في "معجم شيوخه" (ص/٢٧٩) عن أبي غَسَّان مالك بن يحيى، كلاهما (ابن منيع، وأبو غَسَّان) عن أبي بَدْر شُجَاع بن

стр. 784

الوليد عن الرُّحَيْل بن مُعَاوية؛ وابن حبَّان في "الثقات" (٨/ ٣٠٤) مِن طريق مُوسَى الجُهَنِيُّ. ستتهم (الصَفَّار، وابن أبي عائشة، والهيثم، والرُّحيل، وموسى) عن يزيد بن أبان الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك ﵁ به، وبعضهم يزيد على بعض، فزاد ابن سعد: "بِهَذا أَمَرَنِي رَبِّي "، وعند ابن ماجه: "وفَرَّج أصابعه مرَّتين"، وعند أحمد بن مَنيع وابن جُمَيع "ويُخَلل لحيته مَرَّتين، ورُبَّما فعله ثلاثاً أو أكثر مِنْ ذلك مَرَّتين"، وعند ابن حبَّان: "وخلل لحيته مَرَّتين"، بينما في رواية الهيثم بن جَمَّاز قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ لِحْيَتَكَ". وقال ابن حبان: الحديثُ بَاطِلٌ، ويزيد الرَّقَّاشِيُّ قد تَبَرَّأنا مِن عُهْدَتِه. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أَحْمَد بن مَنِيْع بن عَبْد الرَّحْمَنِ البغويُّ، أَبُو جَعْفَر الأصم. روى عن: أبي بدر شجاع بن الوليد، وابن عُيَيْنَة، وابن عُلَيَّة، وآخرين. روى عنه: أبو حاتم، وأبو زرعة الرَّزيان، والجماعة سوى البخاري، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: صدوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال النَّسائي، وصالح جزرة، ومسلمة بن قاسم، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال الدَّارقطني: لا بأس به. وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ حافِظٌ". (١) ٣) شُجَاع بن الوَلِيد بن قَيْس السَّكُونيُّ، أبو بدر الكوفيُّ. روى عن: الرُّحَيْل بن معاوية، وأخيه زُهير، وسُليمان الأعمش، وآخرين. روى عنه: أحمد بن مَنِيْع، وزُهير بن حَرْب، وعلي بن المديني، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ. وقال أحمد: صدوقٌ. وحدَّث عنه الإمام أحمد وهو حي - وهذا يعني أنَّه كان عنده ثِقَة -. وقال العِجْلي، والنَّسائي، وأبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثِقَةٌ مشهورٌ. وفي "الميزان": صدوقٌ مشهورٌ. وقال ابن حجر: صدوقٌ ورعٌ له أوهامٌ. وروى له الجماعة. - وقال أبو حاتم: لَيِّنُ الحديث، شيخٌ ليس بالمتين، لا يُحْتَج به، إلا أنَّ عنده عن محمد بن عمرو بن علقمة أحاديث صِحَاحاً، وقال: روى حديث قابوس في العرب وهو حديثٌ مُنْكرٌ. وأجاب عنه الذهبي في "السير"، فقال: قَدْ قَفَزَ القَنْطَرَةَ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَربَابُ الصِّحَاحِ. وقال ابن حجر في "هدي الساري": تكلم فيه أبو حاتم بِعَنَتٍ. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، مشهورٌ". (٢) ٤) رُحَيْل بن مُعَاوية بن حُدَيْج بن الرُّحَيْل بن زُهَيْر بن خَيْثَمَة الجُعْفِيُّ الكوفيُّ. روى عن: يزيد الرَّقَاشيِّ، وأبي إسحاق السَّبيعي، وأبي الزُّبير المكي، وآخرين.

стр. 785

روى عنه: شجاع بن الوليد، وأخوه زُهير، وزياد بن عَبد الله البَكَّائيُّ، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ليس به بأسٌ ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن حجر: صدوقٌ. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"، فلم أقف فيه على جرحٍ. (١) ٥) يزيد بن أبان الرَّقَاشيُّ، أبو عَمْرو البَصْرِيّ القاص، مِنْ زُهَّاد أهل البصرة. روى عن: أبيه أبان الرقاشي، وأنس بْن مالك، والحسن البَصْرِيّ، وآخرين. روى عنه: الرُّحيل بن معاوية، والحسن البَصْري، وحمَّاد بن سلمة، وآخرون. حاله: قال أحمد: مُنْكر الحديث، فوق أبان بن أبي عيَّاش. وقال ابن معين: ضَعيفٌ. وقال أيضاً: حديثه ليس بشيء. وقال أبو حاتم: كان واعظاً بَكَّاءً، كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر، صاحب عبادة وفي حديثه ضَعْفٌ. وقال مسلمٌ، والنَّسائي، وأبو أحمد الحاكم: متروك الحديث. وقال ابن حبَّان: غَفَلَ عن صِناعَة الحَدِيث وحِفْظِها، واشتغل بِالعبَادَة وأسبابها، حَتَّى كان يَقْلِبُ كَلَام الحسن فَيَجْعَلهُ عن أنس عن النَّبِي ﷺ وهو لا يعلم، فَلَمَّا كثر في رِوَايَته مَا لَيْسَ من حَدِيث أنس وغيره من الثِّقَات بَطل الاحْتِجَاج به، فَلَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا على سَبِيل التَّعَجُّب. وقال الدَّارقطني، والبَرْقاني، والذهبي، وابن حجر: ضعيفٌ. وقال الذهبي في "السير": لا يَثْبت حديثه؛ لوهنه في ضبط الأحاديث. وقال في "الميزان": تالفٌ. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"، وفي "مختصر زوائد البزار": ضعيفٌ جداً، وقال في "المطالب العالية": سيء الحفظ جداً، كثير المناكير، لا يضبط الإسناد فيلزق بأنسٍ كل ما سَمِعَه مِن غيره. فالحاصل: أنَّه "متروك الحديث". (٢) ٦) أنس بن مالك: "صحابيٌّ جليلٌ مُكثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثانياً: - الوجه الثاني: يزيد الرَّقاشي، عن النَّبيّ ﷺ (مرسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الدَّارقطني في "سننه" (٥٥٨، ٥٥٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢٥٠) مِن طريقين عن الأوزاعيُّ (٣)، قال: حدَّثني عَبْدُ الواحد بن قَيْسٍ، عن قتادة، ويَزيد الرَّقاشيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ، وَشَبَّكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ. وقال الدَّارقطني: والمرسل هو الصواب.

стр. 786

ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد الدَّارقطني): ١) إسماعيل بن محمد الصَفَّار: قال الخليلي، والدَّارقطني، والذهبي: "ثِقَةٌ". (١) ٢) إبراهيم بن هانئ: قال ابن أبي حاتم: ثِقَةٌ صدوقٌ. وقال أحمد، والدارقطني: ثِقَةٌ. (٢) ٣) أبو المغيرة عبد القدوس بن الحَجَّاج: "ثقةٌ". (٣) ٤) عبد الرحمن بن عمرو بن أبى عمرو الأوزاعي: "ثِقَةٌ، جليلٌ". (٤) ٥) عبد الواحد بن قيس السُّلمي: "ضَعيفٌ يُعْتبر به". (٥) ٦) يزيد بن أبان الرَّقَاشيُّ: "متروك الحديث"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ هذا الحديث مَدَاره على يَزيد الرَّقاشي، واختلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: يَزيد الرَّقَاشي، عن أنس بن مالك ﵁ (موصولاً). الوجه الثاني: يزيد الرَّقاشي، عن النَّبي ﷺ (مرسلاً). ومَدَار الوجهين على يَزيد الرَّقاشي، وهو "متروك الحديث"، وكان يَلْزق بأنسٍ كل ما سمعه مِنْ غيره، كما قال ابن حبَّان. لذا قال أبو حاتم: كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر - كما سبق -. وعلى الرغم مِن كون الوجهين باطلين؛ بسبب يَزيد؛ إلا أنَّ الوجه الثاني (المرسل)، هو الأقرب للصواب، وهو ما رجَّحه ابن أبي حاتم، فقال - بعد أن ذكر رواية الأوزاعي المرسلة -: وهذا هو الأشبه بالصَّواب. (٦) ورجحه كذلك الدارقطني كما سبق، والله أعلم. رابعاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِن طريق يَزيد بن أبان الرَّقاشي بوجهيه "ضَعيفٌ جداً" فلا يُعْتبر به؛ لأجل يَزِيد الرَّقاشي "متروك الحديث". وقال ابن حبان: الحديثُ بَاطِلٌ، ويزيد الرَّقَّاشِيُّ قد تَبَرَّأنا مِن عُهْدَتِه. (٧) لكن للحديث طُرُق أخرى عن أنس، وشواهد أخرى عن عُثمان وغيره، يصِحُّ الحديث بها، وقد سبق بيانها

стр. 787

في الحديث رقم (٥٢)، فلتُراجع. خامساً: - النَّظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الرُّحَيْلِ إلا شُجَاعُ بن الوليد. قلتُ: ومِن خلال ما سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁، فقد أخرجه أحمد بن مَنيع - كما في "اتحاف الخيرة المهرة" (٥٦٧) -، وأبو الحسين ابن جُميع الصيداوي في "معجم شيوخه" (ص/٢٧٩) عن أبي غَسَّان مالك بن يحيى، كلاهما (ابن منيع، وأبو غَسَّان) عن أبي بَدْر شُجَاع بن الوليد عن الرُّحَيْل بن مُعَاوية عن يَزيد الرَّقاشي، ولم يَنْفرد به الرُّحَيْل عن يَزيد، بل تابعه جماعة كما سبق في التخريج، والله أعلم. * * *

стр. 788

[١٢١/ ٥٢١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، وَبَشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا نِكَاحَ إلا بِإِذْنِ وَلِيٍ مُرْشِدٍ، أَوْ سُلْطَانٍ». * لم يَرْوِ هذا الحديث مُسْنَدًا عن سُفْيَانَ إلا ابنُ دَاوُدَ، وَبِشْرٌ، وابنُ مَهْدِيٍّ، تَفَرَّدَ به: القواريريُّ. هذا الحديث مَدَاره على سُفْيَان الثوريّ، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: سُفْيَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (مرفوعًا). الوجه الثاني: سُفْيَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (موقوفًا). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: سُفْيَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢٢٣)، مِنْ طريق الطبراني، عن أحمد بن القاسم، به. • وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢٤٨٣) - ومِنْ طريقه الضياء في "المختارة" (٣٣٣) -، قال: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بن أحمد بن حَنْبَلٍ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ القَوَارِيرِيُّ، ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَبِشْرُ بن المُفَضَّلِ، عن سُفْيَانَ، به. • والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٣٧١٣)، مِنْ طريق مُعَاذ بن المُثَنَّى، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، به؛ لكنَّه قال: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنْ شَاءَ اللهُ -. قال البيهقي: كذا قال أبو المُثَنَّى مُعَاذُ بن المُثَنَّى، وَرَوَاهُ غيره عن عُبَيْدِ اللهِ القَوَارِيرِيِّ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوَارِيرِيُّ مَرْفُوعًا، وَالْقَوَارِيرِيُّ ثِقَةٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ أنَّه مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاس. • والحافظ شرف الدين الدمياطي - كما في "البدر المنير" (٧/ ٥٥٢) - مِنْ طريق مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، به. ثمَّ قال: قال أبو الفَتْح بن أبي الفوارس الحافظ: هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديث سُفْيَان الثَّوْريّ عن أبي عُثْمَان تَفَرَّد به مُؤَمَّل بن إِسْمَاعِيل عن سُفْيَان، والمَحْفُوظ عن سُفْيَان مَوْقُوفٌ. قال الدمياطي: دفن مُؤَمل كتبه، وكان يُحَدِّث مِنْ حفظه فكثر خَطؤُهُ. (١) متابعات للوجه الأول: • أخرجه الدارقطني في "سننه" (٣٥٢١)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٧١٦)، مِنْ طُرُقٍ عن عَدِيّ بن الفَضْلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَهَا وَلِيُّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ».

стр. 789

قال الدَّارقطني: رَفَعَهُ عَدِيُّ بن الفَضْلِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُهُ. وقال البيهقي: كذا رَوَاهُ عَدِيُّ بن الفَضْلِ وهو ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ. قلتُ: وعدي بن الفضل قال فيه الحافظ ابن حجر "متروكٌ" (١). ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) عُبَيد الله بن عُمَر بن مَيْسَرة، القَوَاريري: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٤). ٣) عَبد اللَّهِ بن دَاوُد بن عَامِر، أبو عبد الرحمن، الشَّعبي، الخُرَيْبِيُّ. (٢) روى عن: سفيان الثوري، وسُليمان الأعمش، ومِسْعر بن كِدَام، وآخرين. روى عنه: القَوَاريري، وبُنْدار محمد بن بَشَّار، ومُسَدَّد بن مُسَرْهد، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ مَأمونٌ. وقال أبو زرعة، وابن سعد، والنَّسائي، والدارقطني، وابن قانع: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صدوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": كان مُتْقِناً. وقال الذهبي: ثقةٌ حجةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ عابدٌ. فحاصله: "ثِقَةٌ مُتْقنٌ". روى له الجماعة إلا مسلمٌ. (٣) ٤) بِشْر بن المُفَضَّل بن لاحق الرَّقَاشِيُّ، أبو إسماعيل البَصْرِيّ. روى عن: الثوري، وشعبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرين. روى عنه: القواريري، وأحمد بن حنبل، وابن المديني، وآخرون. حاله: قال العِجْلي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ حسنُ الحديث. وقال أحمد: إليه المُنْتَهى في التَّثَبْتِ بالبصرة. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن سعدٍ، والنَّسائي، والبزَّار: ثِقَةٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابدٌ. (٤) ٥) عَبْد الرَّحْمَن بن مَهْدي، أَبُو سَعِيد البَصْرِيّ. روى عن: السُفْيانين، والحمَّادين، وشعبة، ومالكٌ، والنَّاس. روى عنه: القَوَاريري، وابن معين، وابن المديني، والنَّاس. حاله: اتفقوا على أنَّه مِن أثبت أصحاب سُفْيان الثوري. وقال أبو حاتم: إمامٌ ثقةٌ، أَثْبَت مِن يحيى بن سعيد، وأَتْقَن مِن وكيع، وكان عرض حديثه على سفيان الثوري. وقال علي بن المديني: أعلم الناس بالحديث. وقال ابن حبَّان: كان من الحُفَّاظ المُتْقِنين وأهل الورع في الدَّين مِمَّن حَفِظ وجمع وتَفَقَّه وصنَّف وحدَّث، وأبى

стр. 790

الرِّوَايَة إِلَّا عن الثِّقَات. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ ثَبْتٌ حَافِظٌ، عَارِفٌ بالرجال والحديث. (١) ٦) سُفْيان الثوري: "ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٦). ٧) عَبدُ اللَّهِ بن عُثْمَان بن خُثَيْم، أَبُو عُثْمَان المكيُّ. روى عن: سَعِيد بن جُبَير، وعطاء بن أبي رَبَاح، ونافع مولى بن عُمَر، وآخرين. روى عنه: السُفْيانان، وزُهَير بن مُعاوية، وإسماعيل بن عُلية، وآخرون. حاله: قال العِجْلي، وابن سعد، والنَّسائي، وابن خلفون: ثِقَةٌ. وقال ابن معين: ثِقَةٌ حُجَّةٌ. وقال أبو حاتم: ما به بأسٌ، صالح الحديث. وقال ابن حبَّان: كان يُخْطئ. وقال في "المشاهير": كان مِن أهل الفضل والنسك والفقه والحفظ. وقال ابن عدي: عزيز الحديث، وأحاديثه أحاديث حِسَان مِمَّا يَجب أن تُكْتَب عنه. وقال الفَلَّاس: كان يحيى وعبد الرحمن يُحَدِّثان عنه. وقال البزار: حَسَنُ الحديثِ لا نعلَمُ أحدًا تَرَكَ حديثه. وقال ابن حجر: صدوقٌ. واستشهد به البخاري في "الصحيح"، ومسلمٌ في المتابعات، والباقون. - وقال ابن معين - مَرَّة -: أحاديثه ليست بالقوية. وقال ابن المديني: منكر الحديث. وقال النَّسائي - مَرَّة -: ليِّن الحديث. وقال الدَّارقطني: ضَعيفٌ. - وحاصله: أنَّه "ثقةٌ"، لموافقة ذلك ما قاله الجمهور، والجرح فيه غير مُفَسَّر فَيُقَدَّم التعديل عليه. (٢) ٨) سَعيد بن جُبير: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٩) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانيًا: - الوجه الثاني: سُفْيَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بن خُثَيْم، عَنْ سعيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (موقوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٠٤٨٣) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٣٧١٤) -، عن الثَّوْرِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بن عُثْمَانَ بن خُثَيْمٍ، عن ابن جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لا نِكَاحَ إِلا بِإِذْنِ وَلِيٍّ أَوْ سُلْطَانٍ». • وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٥٩٢٣)، حدَّثنا وكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، به، وفيه: «أَوْ سُلْطَانٍ مُرْشِدٍ». متابعات للوجه الثاني: • أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٥٣٣) - ومِنْ طريقه البيهقي في "الكبرى" (١٣٧١٥) -، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، به، وزاد: «فَإِنْ أَنْكَحَهَا سَفِيهٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ فَلا نِكَاحَ عَلَيْهِ».

стр. 791

• وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (١٣٦٥٠)، وفي "المعرفة" (١٣٥٤٨)، مِنْ طريق الشافعيّ، قال: أنبأ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، به، وزاد فيه: " وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ". ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد ابن أبي شيبة): ١) وكيعٌ بن الجرَّاح بن مَليحٍ الرُؤاسيُّ: "ثِقَةٌ حافظٌ عابدٌ". (١) ٢) سُفْيان الثوري: "ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٦). ٣) عَبدُ اللَّهِ بن عُثْمَان بن خُثَيْم، أَبُو عُثْمَان المكيُّ: "ثقةٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٤) سَعيد بن جُبير: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٥) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثًا: - النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مَدَاره على سُفْيَان الثوريّ، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: سُفْيَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (مرفوعًا). الوجه الثاني: سُفْيَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (موقوفًا). والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: أ ترجيح الأئمة للوجه الثاني: كالبيهقي، والدَّارقطني، وأبي الفَتْح بن أبي الفوارس - كما سبق بيانه -. ب الوجه الثاني تُوبع عليه الثوري بأسانيد صحيحة، بخلاف الوجه الأول فمتابعاته ضعيفة الإسناد. ت أنَّ الوجه الأول رواه عبيد الله بن عمر القواريريّ - وهو متفق على توثيقه - عن جماعة من الثقات، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس مرفوعاً، هكذا رواه عنه اثنان جازمين بالرفع، ورواه عنه ثالث وفيه التردد برفع الحديث، فيبدو أنه وقع له تردد في رفعه بعد أن كان جازماً بالرفع، وقد خالفه في رفع الحديث عن سفيان الثوري وكيع وعبد الرزاق - كما سبق -، ولهذا قال البيهقي: تَفَرَّد به القواريريُّ مرفوعاً، والقواريريُّ ثِقَةٌ إلا أن المشهور بهذا الإسناد موقوفٌ على ابن عباس، ورواية ثقتين بوقف الحديث أولى من رواية ثقة واحد برفعه، وخاصة إذا تردد في رفعه في بعض الأوقات. ثم إذا ارتقينا درجة في سلم الإسناد لوجدنا مسلم بن خالد وجعفر بن الحارث يرويان الحديث عن ابن خثيم موقوفاً، وهذا يؤكد صحة رواية هذين الثقتين، وأن الثالث قد وهم، والله أعلم. رابعاً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شاذٌّ"؛ لأجل عُبَيْد الله بن عُمر القواريريّ، فهو وإنْ كان ثِقَةً؛ لكنَّه تَفَرَّد به عن عبد الرحمن بن مهدي وبِشْر بن المُفَضْل وعبد الله بن داود، مع مخالفته لما رواه الثِّقات

стр. 792

عن سُفْيَان الثوري، بل وخالف ما رواه الثِّقات عن عبد الله بن عُثْمَان بن خُثَيم غير الثوري. قال البيهقي: تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوَارِيرِيُّ مَرْفُوعًا، وَالْقَوَارِيرِيُّ ثِقَةٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ أنَّه مَوْقُوفٌ على ابْنِ عَبَّاس. بينما قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. (١) وقال ابن حجر: إسناده حسنٌ. (٢) وعزاه السيوطي إلى البيهقي مِنْ حديث ابن عبَّاس، ورمز له بالصحة. (٣) ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح - بالوجه الثاني - "صحيحٌ" موقوفًا على ابن عبَّاس ﵁. شواهد للحديث: وللحديث جملة مِنْ الشواهد (٤)، مِنْ أمثلها: • ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي إِسْحَاقَ، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي مُوسَى ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ». (٥)

стр. 793

خامسًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ: لم يَرْوِه مُسْنَدًا عن سُفْيَانَ إلا ابنُ دَاوُدَ، وَبِشْرٌ، وابنُ مَهْدِيٍّ، تَفَرَّدَ به: القواريريُّ. أمَّا قوله: "لم يَرْوِه مُسْنَدًا عن سُفْيَانَ إلا ابنُ دَاوُدَ، وَبِشْرٌ، وابنُ مَهْدِيٍّ": قلتُ: بل تابعهم مُؤَمَّل بن إسماعيل، فرواه عن سُفيان الثوري مرفوعًا - كما سبق في التخريج -. وزعم أبو الفتح بن أبي الفوارس - كما سبق في التخريج - أنَّ الحديث غريبٌ مِنْ حديث سُفْيَان الثَّوْريّ عن أبي عُثْمَان تَفَرَّد به مُؤَمَّل بن إِسْمَاعِيل عن سُفْيَان - أي مرفوعًا -؛ وقوله مُتَعَقَّبٌ برواية الثلاثة. وأمَّا قوله: "تَفَرَّدَ به: القواريريُّ": أي تَفَرَّد به عن ابن داود، وبشر، وابن مهدي؛ ومِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ذلك. وقد وافقه على ذلك الإمامُ البيهقي، فقال: تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوَارِيرِيُّ مَرْفُوعًا، وَالْقَوَارِيرِيُّ ثِقَةٌ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ أنَّه مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاس. سادسًا: - التعليق على الحديث: قال الإمام الترمذي: والعَمَلُ في هذا الباب على حديثِ النَّبِيِّ: «لا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ» عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بن الخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ وَغَيْرُهُمْ. وهكذا رُوِيَ عن بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَشُرَيْحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَغَيْرُهُمْ.

стр. 794

وَبِهَذَا يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. (١) وأخرج الترمذي في "سننه" عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا". (٢) قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؛ وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِجَازَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَلَيْسَ في هَذَا الحَدِيثِ مَا احْتَجُّوا بِهِ لأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ»، وَهَكَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «لا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ»، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا" عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الوَلِيَّ لَا يُزَوِّجُهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا وَأَمْرِهَا، فَإِنْ زَوَّجَهَا فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ عَلَى حَدِيثِ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ، حَيْثُ زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ نِكَاحَهُ. (٣) * * *

стр. 795

[١٢٢/ ٥٢٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى البُدِّيِّ (١)، عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ. عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن زكريا بن يحيى إلا جَرِيرٌ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه ابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٢٥٤٩٣)، وفي "المسند" (٥١٨) - ومِن طريقه أبو الفضل الزُّهري في "حديثه" (٢١٤) -، وأحمد في "مسنده" (١٩٢٦٣ و ١٩٢٧٣)، ومحمد بن أسلم الطوسي في "الأربعون" (٤١)، وعبد بن حُميد في "مسنده" (٢٦٤)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٢٣٣) - ومِنْ طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦٤٤٥) -، والترمذي في "سننه" (٢٧٦١) ك/الأدب، ب/ ما جاء في قَصِّ الشَّارب، والبزار في "مسنده" (٤٣٣٢)، والنَّسائي في "السنن الكبرى" (١٤) ك/الطهارة، ب/قَصُّ الشَّارب، وأيضاً برقم (٩٢٤٨) ك/الزينة، ب/إحفاء الشَّارب، وإعفاء اللِّحَى، وفي "السنن الصغرى" (١٣، ٥٠٤٧) - ومِنْ طريقه القضاعي في "مسند الشهاب" (٣٥٧، ٣٥٨)، والسَّمْعَاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (١/ ٢٨) -، وأبو بكر بن الخلَّال في "السنة" (١٤٥١)، والعُقَيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ١٥٩)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٥٤٧٧)، والطبراني في "الكبير" (٥٠٣٣ و ٥٠٣٤ و ٥٠٣٦) - ومِن طريقه بالموضع الأول أبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٢٩٨٠)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٥/ ٤٠٦) -، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ٨٧)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٣٥٦)، والبيهقي في "الآداب" (٦٩٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢١/ ٦٣) و (٢٤/ ١٤٤)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٢٢٥). كلهم مِن طُرُقٍ عِدَّة عن يوسف بن صُهَيب الكِنْدي - مِن أصح الأوجه عنه (٢) -، عن حَبيبٍ بن يَسَار، به. (٣) الأكثرون بلفظه، والبعض بنحوه بلفظ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِن شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا».

стр. 796

وقال الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يُحَدِّثُ به عن النَّبِيّ ﷺ إلا زَيْدُ بن أَرْقَمَ، ولا نعلم له إسنادًا إلا هذا الإسناد. (١) ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) إسماعيل بن إبراهيم، أبو مَعْمَر القَطِيْعِيُّ: "ثِقَةٌ، مأمونٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٩). ٣) جَرير بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبِّيُّ، أَبُو عَبْد الله الرَّازيُّ. روى عن: زكريا بن يحيى البَدِّي، وسُليمان الأعمش، ومُغِيْرَة بن مِقْسَم الضَّبِّيِّ، وآخرين. روى عنه: أبو مَعْمَر القَطِيْعيُّ، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، والعِجْلي، والنَّسائي، والدارقطني: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ يُحْتج به. وقال أبو زرعة، وابنُ خِرَاش: صدوقٌ. وقال اللالكائي: مُجْمَعٌ على ثِقَته. وقال الذهبي: كان النَّاس يَرْحلون إليه لِعِلْمِه وإتْقَانه، وهو ثِقَةٌ مُحْتَجٌ به في كتب الإسلام كلها. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ صَحيح الكتاب. وروى له الجماعة. (٢) ٤) زَكَرِيَا بن يَحْيى بن حَكِيم، أبو يحيى الكوفي، الحَبَطِيُّ، الكِنْدي، البُدِّيُّ. يُنسب كثيراً لجده. روى عن: حبيب بن يَسار، وإبراهيم النَّخَعي، والشَّعْبي، وآخرين. روى عنه: جرير بن عبد الحميد، وعَمرو بن النُّعْمان الباهليّ، وغسَّان بن الرَّبيع، وآخرون. حاله: قال ابن المديني: هالكٌ. وقال أحمد: ليس بشيء، ترك الناس حديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء.

стр. 797

وقال أيضاً: ليس بثقةٍ. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بقوى. وقال ابن حبَّان: يَرْوِي عن الأثبات مالا يشبه أحاديثهم حَتَّى يُسْبق إلى القلب أنَّه المُتَعَمد لها لا يجوز الاحتجاج بِخَبَرِهِ. وقال ابن عدي: قليلُ الحديث. وقال الدارقطني: ضَعيفٌ. فحاصله: أنَّه "هالكٌ، ليس بشيء". (١) ٥) حبيب بن يَسَار الكِنْدِيُّ الكُوفيُّ. روى عن: زيد بن أَرْقَم، وعبد الله بْن أَبي أوفى، وعبد الله بن عباس، وآخرين. روى عنه: زكريا بن يحيى، وعمارة الأحمر، ويوسف بن صهيب، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر: ثَقَةٌ. (٢) ٦) زَيْد بن أَرْقَم بن زَيْد بن قَيْس بن النُّعْمَان، الأَنْصارِيّ، الخَزْرَجيُّ ﵁. روى عن: النَّبِيُّ ﷺ ، وعن علي بن أَبي طَالِب ﵁. روى عنه: حَبيب بن يَسَار، وأَنَس بن مَالِك، وأبو إسحاق السَّبيعيُّ، وآخرون. غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، واستُصغر يوم أحد، وكان يتيماً في حِجْر عبد الله بن رَواحة. وكانت وفاته، في سنة ثمان وستين. وروى له الجماعة. (٣) ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيفٌ جداً"؛ لأجل زكريا بن يحيى البُدِّي، قال ابن المديني: هالكٌ. وقال أحمد وابن معين: ليس بشيء. فلا يُعتبر بها. مُتابعات للحديث: هذا الحديث قد ثبت مِن عِدَّة طُرقٍ عن يُوسف بن صُهَيب عن حَبيب بن يَسَار عن زيد بن أرقم، به؛ وعليه فالحديث عن زيد بن أرقم بهذا الوجه "صحيحٌ لذاته"، والله أعلم. قال الإمام الترمذي - عقب تخريجه للحديث -: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال ابن حجر: أخرجه الترمذي والنسائي من حديث زيد بن أرقم مرفوعاً وسنده قوي. (٤) وعزاه السيوطي إلى أحمد والترمذي والنسائي، ورمز له بالحسن. (٥) وقال العجلوني: رواه أحمد والترمذي - وصححه - والنسائي بسند قوي عن زيد بن أرقم. (٦) وقال الألباني: إسناده جيدٌ. (٧)

стр. 798

رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن زكريا بن يحيى إلا جَرِيرٌ. قلتُ: ومِنْ خلال ما سبق في التخريج يتضح صحة قول المُصَنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ الْفِطْرَةِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ - الْخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ " (١). وَاتَّفَقَوا كذلك عَلَى أَنَّ الأَخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ السُّنَّةِ، لِلْحَدِيث السَّابِق، ولحديث الباب. قال النووي: وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ. (٢) وفي "طرح التثريب": الحديث فيه استحباب قص الشارب، وهو مُجْمَعٌ على استحبابه، وذهب بعض الظاهرية إلى وجوبه لِمَا رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ «قُصُّوا الشَّوَارِبَ» (٣)، وعند مسلم بلفظ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ» (٤). (٥) وقال المناوي: أخذ بظاهره جمعٌ فأوجبوا قَصَّه، والجمهور على الندب. (٦) لَكِن اختلف الْفُقَهَاءُ فِي ضَابِطِ الأَخْذِ مِنَ الشَّارِبِ، هَلْ يَكُونُ بِالْقَصِّ أَمْ بِالْحَلْقِ أَمْ بِالإِحْفَاءِ؟ وفصَّل القول في ذلك الإمام ابن القيم ﵀، فقال: وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَحَلْقِهِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ مالك: يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى تَبْدُوَ أَطْرَافُ الشَّفَةِ، وَهُوَ الْإِطَارُ، وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلَ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ: أَشْهَدُ فِي حَلْقِ الشَّارِبِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَرَى أَنْ يُوجَعَ ضَرْبًا مَنْ فَعَلَهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ أَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ شَيْئًا مَنْصُوصًا فِي هَذَا، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ رَأَيْنَا - المزني والربيع - كَانَا يُحْفِيَانِ شَوَارِبَهُمَا، وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا أَخَذَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀. وَأَمَّا أبو حنيفة وأصحابه فَكَانَ مَذْهَبُهُمْ فِي شَعَرِ الرَّأْسِ وَالشَّوَارِبِ أَنَّ الْإِحْفَاءَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ. وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ فَقَالَ الأثرم: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُحْفِي شَارِبَهُ شَدِيدًا، وَقَالَ حنبل: قِيلَ لأبي عبد الله: تَرَى الرَّجُلَ يَأْخُذُ شَارِبَهُ أَوْ يُحْفِيهِ؟ أَمْ كَيْفَ يَأْخُذُهُ؟ قَالَ: إِنْ أَحْفَاهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ أَخَذَهُ قَصًّا فَلَا

стр. 799

بَأْسَ. (١) قال المباركفوري: ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِحْفَاءِ وَالْقَصِّ، وقد دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَيهما، وَلَا تَعَارُضَ، فَإِنَّ الْقَصَّ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ وَالْإِحْفَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ. (٢) قَالَ الْحَافِظُ ابن حجر: وَيُرَجِّحُ قَوْلَ الطَّبَرِيِّ ثُبُوتُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ. (٣) قُلْتُ (المباركفوري): مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ هُوَ الظَّاهِرُ. وقال السندي (٤): قوله: "فَلَيْسَ مِنَّا" أي: من أهل سنتنا وطريقتنا، وقيل: هو تغليظٌ. وبالجملة، ففيه تأكيدٌ أكيد بأخذ الشارب، وأنه لا ينبغي إهمالُه، ثم في قوله: "مِنْ شَارِبِه" إشارةٌ إلى أنَّه يكفي أخذُ البعض، كمذهب مالك، والله تعالى أعلم. (٥) * * *

стр. 800

[١٢٣/ ٥٢٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِم، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخُو أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ». هذا الحديث مَدَاره على سُهيل بن أبي صالح، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: سُهَيْل بن أبي صَالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. الوجه الثاني: سُهَيْل بن أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه مالكٌ في "الموطأ" (٢٧٣٩) - ومِنْ طريقه أحمد في "مسنده" (٨٨٨٠)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (٤٥٩)، والنَّسائي في "الكبرى" (١٠٣٥٠) ك/عمل اليوم والليلة، ب/مَا يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ حِينَ يُمْسِي، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١٦)، وابن حبَّان في "صحيحه" (١٠٢١)، والطبراني في "الدعاء" (٣٤٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٣٦٥)، والبغوي في "شرح السنة" (٩٣ و ١٣٤٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (١٧٥) -. • وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٢٩٧٩٩)، وأحمد في "مسنده" (٧٨٩٨)، والترمذي في "سننه" (٣٦٠٤/ ١) ك/الدعوات، ب/الاستعاذة مِنْ جهنم وبكلمات الله تعالى، والنَّسائيّ في "الكبرى" (١٠٣٥١) ك/اليوم والليلة، ب/ما يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ - ومِنْ طريقه الطحاوي في "شرح المشكل" (٢٠) -، كلهم مِنْ طريق يَزِيد بن هارون، عن هِشَام بن حسَّان القُردوسيّ. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ. • والبخاري في "أفعال العباد" (٤٦٠)، والبزار في "مسنده" (٩٠٦٥)، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (١٠٣٥٢) ك/اليوم والليلة، ب/ما يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ - ومِنْ طريقه الطحاوي في "شرح المُشْكَل" (٢٢) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٦٨٨)، وابن حبَّان في "صحيحه" (١٠٣٦)، مِنْ طُرُقٍ عن عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ. • والبخاري في "أفعال العباد" (٤٦٠)، والطحاوي في "شرح المُشْكَل" (٢١)، وابن حبَّان في "صحيحه" (١٠٢٢)، والطبراني في "الدعاء" (٣٤٩)، والحاكم في "المستدرك" (٨٢٨٠)، مِنْ طُرُقٍ عن جَرِيرِ بن حَازِمٍ. وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ مُسْلِمٍ، ولم يُخْرِجَاهُ بهذه السِّيَاقَةِ. وسكت عنه الذهبي. • والبخاري في "خلق أفعال العباد" (٤٦١)، مِنْ طريق سَعِيد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُمَحِيّ. • وابن ماجه في "سننه" (٣٥١٨) ك/الطب، ب/رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، والنَّسائي في "الكبرى" (١٠٣٥٣)

стр. 801

ك/اليوم والليلة، ب/مَا يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ - ومِنْ طريقه الطحاوي في "شرح المُشْكَل" (٢٣) -، والطبراني في "الدعاء" (٣٤٩)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٥٨)، مِنْ طُرُقٍ عن عُبَيْد اللَّهِ الْأَشْجَعِيّ، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١٧)، مِنْ طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود النَّهْدِيّ، كلاهما عَنْ سُفْيَانَ الثوري - بإحدى الروايات عنه -. وقال الخطيب البغدادي: تفرد برواية هذا الحديث عن سفيان الثوري، هكذا مجودًا الأشجعي، ورواه غير واحد، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن رجل من أسلم. قلتُ: بل تابعه موسى بن مسعود النَّهْديّ - كما هو ظاهرٌ في التخريج -، وعُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ أبو عبد الرحمن الكوفي: ثقة مأمون، أثبت الناس كتابا في الثوري. (١) وقال البوصيري: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح رِجَاله ثِقَات. (٢) • والبزار في "مسنده" (٩٠٦٦)، مِنْ طريق عبد العزيز بن مُحَمَّد الدراوردي. • والنَّسائي في "الكبرى" (١٠٣٤٩)، ك/اليوم والليلة، ب/مَا يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ - ومِنْ طريقه الطحاوي في "شرح المُشْكل" (١٩)، وابن السنيّ في "اليوم والليلة" (٧١٤/ ١) -، والطبراني في "الأوسط" (٦٠٣٨)، وابن السنيّ في "اليوم والليلة" (٧١٤/ ٢)، مِنْ طريق حَمَّادِ بن زَيْدٍ - بإحدى الروايات عنه -. وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن حَمَّادِ بن زَيْدٍ مُجَوَّدًا، عن أبى هُرَيْرَةَ إلا مُحَمَّدُ بن سُلَيْمَانَ، ورواهُ النَّاسُ عن حَمَّادٍ، عن سُهَيْلٍ، عن أَبِيهِ، عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . • والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١٨)، والطبراني في "الدعاء" (٣٤٧)، وأبو العبَّاس العصمي في "جزئه" (٥)، مِنْ طُرُقٍ عن مُحَمَّد بن المِنْهَالِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ، حدَّثنا رَوْحُ بن القَاسِمِ. وقال أبو العبَّاس العصمي: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ عن سُهَيْلٍ في هذا الباب لم يَرْوِهِ عَنْهُ إِلا يَزِيدُ. • وأبو بكر الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٨٦٩)، مِنْ طريق محمَّد بن سُلَيْمَانَ الأصْبَهَانِيّ. • وابن عبدويه في "الغيلانيات" (٦١٢)، مِنْ طريق عبد العَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلَمَة الماجِشُونُ. • والطبراني في "الأوسط" (٢٦٤٤)، وفي "الدعاء" (٣٤٨)، عن أبي عَاصِمٍ النَّبيل، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رِفَاعَةَ. وقال الطبراني: لم يَرْوِه عن محمَّد بن رِفَاعَةَ إلا أبو عَاصِمٍ. • والطبراني في "الأوسط" (١٣٨٧)، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: نا سَلْمُ بْنُ سَلَّامٍ أَبُو الْمُسَيَّبِ قَالَ: نا شُعْبَةُ - بإحدى الروايات عنه -. كلهم (مالك، وهشام بن حسَّان، وعُبيد الله بن عُمر، وجرير بن حازم، والجُمَحِيّ، والثوري، والدراوردي، وحمَّاد بن زيد، وروح بن القاسم، والأصبهاني، والماجشون، ومحمد بن رفاعة، وشعبة)، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، بنحوه، بألفاظ متقاربة، ويزيد بعضهم على بعضٍ.

стр. 802

• وقال الدارقطني في "العلل" (١٠/ ١٧٦/مسألة ١٩٦٥): رَوَاهُ عبيد الله بن عُمَرَ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وروح بن القاسم، وهشام بن حسان، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رِفَاعَةَ الْقَرَظِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. متابعات للحديث بالوجه الأول: • وأخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٧٠٩)، ك/الذكر والدعاء، ب/فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَغَيْرِهِ، مِنْ طريق القَعْقَاع بن حَكِيمٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: " أَمَا لَوْ قُلْتَ، حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ ". ب دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) محمد بن إبراهيم، أبو بكر القَطِيْعِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٣) إبراهيم بن أبي بكر بن المُنْكَدِر بن عبد الله بن الهُدَيْر، التَّيْمِيُّ المَدَنيُّ. روى عن: سُهيل بن أبي صالح، وعمه محمد بن المُنْكدر، وصفوان بن سُليم، وآخرين. روى عنه: أبو بكر القَطيعيُّ، وعبد الله بن وهب، والحميدي، وآخرون. حاله: ذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يَذْكرا فيه جرحاً ولا تَعْديلاً. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الدَّارقطني: ضَعيفٌ. وقال الأزدي: مُنْكر الحديث. فالحاصل: أنَّه "ضَعيفٌ". (١) ٤) سُهَيْل بن أَبي صَالح، واسم أبي صالح: ذَكْوَان السَّمَّان، أَبُو يَزيد المَدَنِيُّ. روى عن: أبيه، وسُليمان الأعمش، وعبد الله بن دِينار، وآخرين. روى عنه: إبراهيم بن أبي بكر، والسُّفْيانان، وشعبة، ومالكٌ، ويحيى بن سعيد، وآخرون. حاله: قال العِجْلي، وابن معين، وابن سعد، والنَّسائي، وأبو يَعْلى الخليلي، وابن عبد البر: ثِقَةٌ. وقال أحمد: سُهَيل أثبت عندهم من محمد بن عمرو (٢)، ما أصلح حديثه. وقال ابن عُيَيْنَة: كان ثَبْتاً في الحديث. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: كان يُخطئ. وقال ابن عدي: ولسهيل نسخٌ، روى عنه الأئمة، وحدَّث عن أبيه وعن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على تمييز الرجل، لكونه ميَّز ما سَمِعَ مِن أبيه وما سمع من غير أبيه عنه، وهو عندي ثبتٌ لا بأس به مقبول الأخبار. وقال الذهبي في "المغني": ثِقَةٌ، تَغَيَّر حِفْظه. وقال في "الديوان": ثِقَةٌ. وفي "الميزان": أحد الثقات، وغيره أقوى مِنه. وقال ابن حجر في "التقريب": صدوقٌ تغَيَّر حفظه بآخرة. بينما قال في "اللسان": ثِقَةٌ، ورمز له بـ"صح" التي تدل على أنَّه مُتكلم فيه بلا حجة. وروى له الجماعة،

стр. 803

والبخاري مَقْرُوناً (١)، وأكثر له مسلمٌ، لكن أغلبها في الشواهد. - وقال الخليلي: قال البخاريُّ: مات ابْنٌ (٢) لِسُهَيلٍ فَحَزِنَ عليه، فَنَسِيَ في آخِرِ عُمْرِهِ كَثِيرًا مِنْ حَدِيثِهِ، ولم يُخْرِجْهُ في "صَحِيحَهِ"، وأخرجه مُسْلِمٌ. وقال الذهبي في "السير": كان مِنْ كِبَارِ الحُفَّاظِ، لَكِنَّهُ مَرِضَ مَرضَةً غَيَّرَتْ مِنْ حِفْظِه. قال العلائي: يمكن أن يكون تغيُّره مِن القسم الأول. - وقال ابن معين: ليس بحجة. وقال أبو حاتم: سُهَيل ابن أبي صالح يُكْتَب حديثه، ولا يُحْتَج به، وهو أحبُّ إليَّ من عَمرو بن أبي عَمرو، وأحبُّ إليَّ من العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. - والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، يُتَجَنَّب ما أُنْكِر عليه"؛ فقد أطلق توثيقه جمعٌ مِن أهل العلم كما سبق، وروى عنه الكبار كمالك وشعبة والسفيانان، لكنَّه ليس في الحفظ كمالك وشعبة والكبار. وأمَّا تَغَيُّرَه فهو مِن القسم الأول الذي لا يَضر حديثه، أو يُراد به مُطْلق الخطأ والوهم. وأمَّا تضعيف ابن معين وأبو حاتم: فابن معين وثَّقه حيناً وضَعَّفه أخرى فيُقْبَل مِنْه ما وافق قول الجمهور؛ وأمَّا أبو حاتم فهو مِن المتشددين، والجرح مِنه غير مُفَسَّر فيُقَدَّم التعديل عليه، أو يُحْمل تَضْعِيفهما على التَّغير، فقد ذكره الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" في فصل مَن ضُعِّف بأمر مَرْدود، وقال: ذُكِرَ فيمن تَغَيَّر. (٣) ٥) ذَكْوَان بن عبد الله، أَبُو صَالِح السَّمَّان الزَّيَّات (٤)، المَدَنِيُّ. روى عن: أبي هُريرة، وأبي سعيد الخُدري، وعبد الله بن عبَّاس ﵃، وآخرين. روى عنه: أبناؤه، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، وابن سعد، وأبو زرعة، والذهبي: ثِقَةٌ. وزاد أبو زرعة: مستقيم الحديث. وقال أحمد: ثِقَةٌ ثِقَةٌ، مِن أجلِّ النَّاس وأوثقهم، ومِن أصحاب أبي هُريرة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث يُحْتج بحديثه. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وروى له الجماعة. (٥) ٦) أبو هريرة ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدّم في الحديث رقم (٦).

стр. 804

ثانيًا: - الوجه الثاني: سُهَيْل بن أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٥٧٠٩) - ومِنْ طريقه أبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٧١٦٩) -، عن محمد بن جَعْفَرٍ، والنَّسائي في "الكبرى" (١٠٣٥٧)، ك/عمل اليوم والليلة، ب/مَا يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ حِينَ يُمْسِي، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٢٨)، مِنْ طُرُقٍ عن أَسَد بن مُوسَى، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٢٥)، مِنْ طريق وَهْب بن جَرِيرٍ، وأبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (٧١٦٩)، مِنْ طريق علي بن الجعد، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٧١٧٠) من طريق سليم بن سلام؛ خمستهم (محمد بن جعفر، وأسد بن موسى، ووهب بن جرير، وعلي بن الجعد، وسُليم)، عن شعبة - بإحدى الروايات عنه -. • وأحمد في "مسنده" (٢٣٠٨٣)، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، والنَّسائي في "الكبرى" (١٠٣٥٦)، ك/عمل اليوم والليلة، ب/مَا يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ، عن قُتَيْبة بن سعيد، كلاهما عن الثوري - بإحدى الروايات عنه -. • وأبو داود في "سننه" (٣٨٩٨) ك/الطب، ب/كيف الرُّقَى؟، والنَّسائي في "الكبرى" (١٠٣٥٥)، ك/اليوم والليلة، ب/مَا يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ، والطحاوي في "شرح المُشْكَل" (٢٦)، عن زُهير بن معاوية. • والنَّسائي في "الكبرى" (١٠٣٥٤)، ك/عمل اليوم والليلة، ب/مَا يَقُولُ إِذَا خَافَ شَيْئًا مِنَ الْهَوَامِّ حِينَ يُمْسِي - ومِنْ طريقه الطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٢٩) -، مِنْ طريق وُهَيْب بن خالد الباهليّ. • والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٢٧)، مِنْ طريق أبي عَوَانَة الوضَّاح بن عبد الله اليَشْكريّ. • والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٢٤)، مِنْ طريق سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ. ستتهم (شعبة، والثوري، وزُهير، ووُهيب، واليَشْكُريّ، وابن عُيَيْنَة)، عن سُهيل بن أبي صالح، بنحوه. • وقال الدَّارقطني في "العلل" (١٠/ ١٧٧/مسألة ١٩٦٥): وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ … وَاخْتُلِفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَعَنْ شُعْبَةَ، وَعَنْ زُهَيْرُ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ … والصَّحِيحُ عَنْ شُعْبَةَ: الْمُرْسَلُ. ثالثًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على سُهيل بن أبي صالح، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: سُهَيْل بن أبي صَالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. الوجه الثاني: سُهَيْل بن أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ﵁. وقد اختلف العلماء في الترجيح بين الوجهين: فَرَجَّح الإمام الطحاوي الوجه الأول - بجعل الحديث عن أبي هريرة ﵁، فقال: وَلَمَّا وَجَدْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، لَا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، قَوِيَ فِي قُلُوبِنَا أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، لَا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ. (١)

стр. 805

ولعلَّ هذا هو الظاهر مِنْ قول الإمام الذهبي، حيث قال: رواه الناس عن سهيل، فقالوا: عن أبي هريرة. (١) بينما رجَّح الإمام الدارقطني الوجه الثاني - بجعل الحديث عن رجلٍ عن أسلم -، فقال: وَالْمَحْفُوظُ: عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ؛ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سُهَيْلٌ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً هَكَذَا فَحَفِظَهُ عَنْهُ مَنْ حَفِظَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ حُفَّاظٌ ثِقَاتٌ، ثُمَّ رَجَعَ سُهَيْلٌ إِلَى إِرْسَالِهِ. (٢) بينما قال الخطيب البغدادي - بعد أن ذكر الاختلاف في هذا الحديث على سُهيل بن أبي صالح -: ونرى أن سهيلا كان يضطرب فيه ويرويه على الوجهين جميعا، والله أعلم. (٣) والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الحديث محفوظ بالوجهين؛ لتكافؤ القرائن في الوجهين: قال ابن حجر، في "أمالي الأذكار" فيما نقله عنه ابن علان في "الفتوحات الربانية" (٣/ ٩٥): أن مالكاً أحفظ لحديث المدنيين من غيره، وأن الدارقطني كأنه رَجَّح حديث الرجل من أسلم بالكثرة، ثم قال: والذي يظهر لي أنه كان عند سهيل على الوجهين؛ فإنَّ له أصلاً مِنْ رواية أبي صالح عن أبي هريرة - كما تقدَّم في "صحيح مسلم" -. رابعًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ"؛ لأجل إبراهيم بن أبي بكر بن المُنْكَدِر "ضَعيفٌ". قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر ولم أعرفه. (٤) قلتُ: وقد تابعه جماعة عن سُهيل بن أبي صالح - كما سبق في التخريج -. شواهد للحديث: وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٢٧٠٨) ك/الذكر والدعاء، ب/فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَغَيْرِهِ، عن سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ، تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ". وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. وقال ابن عبد البر: هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ. (٥) وقال البغوي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (٦) وقال ابن حجر: وعند أبي داود والنسائي بسند صحيح عن سهيل، عن أبيه، عن رجلٍ من أسلم. (٧)

стр. 806

خامسًا: - التعليق على الحديث: قال ابن عبد البر: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَعَلَى ذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَجْمَعُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَوْ كَانَ كَلَامُ اللَّهِ أَوْ كَلِمَاتُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ مَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا أَنْ يَسْتَعِيذَ بِمَخْلُوقٍ؛ دَلِيله قَوْلُ اللَّهِ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ (١). وَفِيهِ إِبَاحَةُ الرُّقَى بِكِتَابِ اللَّهِ، أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْمُعَالَجَةِ، وَالتَّطَبُّبِ، وَالرُّقَى. (٢) وقال ابن القيم: اعْلَمْ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ الطَّبِيعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ تَنْفَعُ مِنَ الدَّاءِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَتَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهِ، وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يَقَعْ وُقُوعًا مُضِرًّا، وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا، وَالْأَدْوِيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ إِنَّمَا تَنْفَعُ، بَعْدَ حُصُولِ الدَّاءِ، فَالتَّعَوُّذَاتُ وَالْأَذْكَارُ، إِمَّا أَنْ تَمْنَعَ وُقُوعَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَإِمَّا أَنْ تَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَمَالِ تَأْثِيرِهَا بِحَسَبِ كَمَالِ التَّعَوُّذِ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ، فَالرُّقَى وَالْعُوَذُ تُسْتَعْمَلُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، وَلِإِزَالَةِ الْمَرَضِ. (٣) * * *

стр. 807

[١٢٤/ ٥٢٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا عَمِّي عِيسَى بْنُ مُسَاوِرٍ، قَالَ: نا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١)، قَالَ: فَتْحُ مَكَّةَ، نُعِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسُهُ، فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَجْلُكَ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن سُفْيَانَ إلا سُوَيْدٌ. هذا الحديث مَدَاره على سعيد بن جُبَيْر، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (موقوفاً). الوجه الثاني: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (مرفوعاً). أولاً: - الوجه الأول: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (موقوفاً). أ تخريج الوجه الأول: رواه عن سعيدٍ بهذا الوجه جماعة، كالآتي: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "تفسيره" (٢/ ٤٠٥)، وأحمد في "مسنده" (٣١٢٧)، وفي "فضائل الصحابة" (١٨٧١)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٥١٥) - ومِن طريقه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٦٧٧) -، والبزَّار في "مسنده" (١٩٢، ٥١٤٧)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" (١٤٣)، كلهم مِن طرقٍ عن هُشَيْم بن بَشِيْر. - وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٦٢٧) ك/المناقب، ب/علامات النُّبُوَّة في الإسلام، وأيضاً برقم (٤٤٣٠) ك/المغازي، ب/مَرَض النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاته، والترمذي في "سننه" (٣٣٦٢) ك/التفسير، ب/سُورَة الفتح، والنَّسائي في "الإغراب" (٢٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠٨)، والطبراني في "الكبير" (١٠٦١٦)، والحاكم في "المستدرك" (٦٢٩٦)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ١٦٧)، كلهم مِن طُرُقٍ عن شُعْبة بن الحجَّاج. وقال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكم: حديثٌ صَحِيحٌ على شرط الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ. قلتُ: بل أخرجه البخاري - كما سبق -، لذا تعقَّبَه الزيلعي (٢). وقال الذهبي: على شرطيهما. - وأخرجه البخاري أيضاً في "صحيحه" (٤٢٩٤) ك/المغازي، ب/مَنْزِل النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ، وبرقم (٤٩٧٠) ك/التفسير، ب/قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٣)، والطبراني في "الكبير" (١٠٦١٧) - ومِن طريقه أبو نُعيم في "الحلية" (١/ ٣١٧) -، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٤٤٦)

стр. 808

و (٧/ ١٣٤)، مِنْ طُرُقٍ عن أبي عَوانة الوضَّاح بن عبد الله اليَشْكُري. - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٢٤) - وهي رواية الباب - عن أحمد بن القاسم عن عيسى بن مُساور؛ وأيضاً في "المعجم الكبير" (١٢٤٤٥) عن الحُسَيْن بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيّ، ثنا علِيُّ بن بَحْرٍ؛ كلاهما (عيسى، وعلي) عن سُويد بن عبد العزيز عن سُفْيان بن حُسَيْن. أربعتهم (هُشَيْم، وشُعْبة، واليَشْكُري، وسُفيان بن حُسين) عن أبي بِشْرٍ جعفر بن إياسٍ الواسطي. • وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٩٦٩) ك/التفسير، ب/قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (١)، وعبد الله بن أحمد في (زوائده) على "فضائل الصحابة" (١٩٣٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠٨)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٤٤٧)، كلهم مِن طُرُقٍ عن الثوري، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ. • وأخرجه البلاذري في "أنساب الأشراف" (٤/ ١٤٦٠)، والنَّسائي في "الكبرى" (٧٠٤٠) ك/وفاة النَّبي ﷺ ، وأيضاً برقم (١١٦٤٧) ك/التفسير، ب/سورة النصر، وفي "الوفاة" (١)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ٢٠٩)، مِن طُرُقٍ عن عَبْدِ الملك بن أبي سليمان العَرْزَميُّ. ثلاثتهم (جعفر بن إياس، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك العَرْزَميّ)، عن سعيد بن جُبَيْر، بنحوه، وعند بعضهم مختصراً، والبعض مطولاً، وفيه قصة. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٣) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٤) سُفْيَان بن حُسَين بن الحَسَن، أَبُو مُحَمَّد، ويُقال: أَبُو الحَسَنِ، الواسطي. روى عن: جعفر بن إياس، والزُّهْري، وحُميد الطويل، وآخرين. روى عنه: سُويد بن عبد العزيز، وشعبة بن الحجَّاج، ويَزيد بن هارون، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، والبزار، والذهبي في "الديوان": ثِقَةٌ. وفي "الميزان": صدوقٌ مشهورٌ. وقال ابن سعد: ثقة يُخْطِئ في حديثه كثيراً. - وقال ابن معين: ثِقَةٌ، وهو ضَعِيفٌ عن الزُّهْرِيّ. وبه قال أحمد، وعثمان بن سعيد، ويعقوب ابن أبي شيبة، والنَّسائي، وابن عدي. وقال ابن حبَّان: ثِقَة فِي غير حَدِيث الزُّهْرِيّ، اخْتَلَطت عليه صحيفة الزُّهْري فكان يأتي بها على التَّوَهُّم، فالإنصاف في أمره تنكب ما روى عن الزُّهْرِيّ والاحتجاج بِمَا روى عن غَيره. - وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكْتب حديثه ولا يُحْتج به. وقال ابن خِراش: ليِّنُ الحديث.

стр. 809

- وحاصله: ما قاله ابن حجر: "ثِقَةٌ في غير الزُّهْري باتفاقهم". وعليه يُحمل قول مَن ضَعَّفه. (١) ٥) جَعْفَر بن إياس، وهو ابن أَبي وَحْشِيَّة اليَشْكُريُّ، أَبُو بِشْر الواسطيُّ. روى عن: سعيد بن جُبير، وعطاء بن أبي رَبَاح، ومَيْمون بن مِهْرَان، وآخرين. روى عنه: سُفْيان بن حُسين، وشُعْبة بن الحَجَّاج، وهُشيم بن بَشير، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، وابن سعد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنَّسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال البرديجي: ثِقَةٌ، مِن أثبت النَّاس في سعيد بن جُبير. روى له الجماعة. - وقال ابن معين: كان شعبة يُضَعِّف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم، ومجاهد، وكان يقول: لم يَسْمع أبو بِشر مِن حَبيب بن سالم. - والحاصل: ما قاله الحافظ ابن حجر: "ثِقَةٌ، مِنْ أَثْبَت النَّاس في سعيد بن جُبير، وضَعَّفه شُعْبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد". (٢) ٦) سَعيد بن جُبير: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٧) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانياً: - الوجه الثاني: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (مرفوعاً). أ تخريج الوجه الثاني: ولم أقف على أحدٍ رواه عن سعيد بن جُبَير بهذا الوجه إلا عطاء بن السَّائب، وقد اضطرب فيه: • فأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة - كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥٩٠٧/ ١) - وأحمد في "مسنده" (١٨٧٣)، قال: حدَّثنا محمَّد بن فُضَيْلٍ، حدَّثنا عَطَاءٌ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٣)، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ". - ومِن طريق أحمد أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" (٣٠١)، لكنَّه زاد يزيد بن أبي زياد بين محمد بن فُضَيل وعطاء. - والبلاذري في "أنساب الأشراف" (١١٢٣)، وأبو يعلى - كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥٩٠٧/ ٢)، ومِن طريقه الضياء في "المختارة" (٣٠٠) -، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠٩) - ومِن طريقه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٠) -، كلهم عن محمد بن فُضيل، به. وعند الطبري بلفظ: «كَأَنِّي مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ».

стр. 810

• بينما أخرجه أبو بكر بن مَرْدَويه - كما في "المختارة" للمقدسي (١٠/ ٢٨٦) - مِن طريق علي بن خَشْرَم عن محمد بن فُضَيل، لكن جعله عن عطاءٍ عن أبيه عن ابن عبَّاس، مثله. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد الإمام أحمد): ١) محمد بن فُضَيْل بن غَزْوان: "ثِقَةٌ". (١) ٢) عطاء بن السائب الثقفي الكوفي: "ثِقَةٌ، اختلط بآخرةٍ". (٢) ٣) سَعيد بن جُبير: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٤) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على سعيد بن جُبَيْر، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (موقوفاً). وقد رواه عن سَعيد بن جُبير بهذا الوجه جماعة مِن الثقات، وأخرجه البخاري في "صحيحه". الوجه الثاني: سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس (مرفوعاً). ولم أقف على أحدٍ رواه عن سَعيد بن جُبَيْر بهذا الوجه - على حد بحثي - إلا عطاء بن السائب، وقد اضطرب فيه؛ فرواه مَرَّة عن سعيد عن ابن عبَّاس مرفوعاً، ورواه أخرى عن أبيه عن ابن عبَّاس. وعطاء هذا قد اختلط بآخرة، ومحمد بن فُضَيل قد رَوَى عنه بعد الاختلاط كما نص على ذلك يَعْقُوب بن سُفيان الفسوي. وقال أبو حاتم: وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين فرفعها إلى الصحابة. وقال أحمد: كان يرفع عن سَعِيد بن جبير شيئاً لم يكن يرفعها. (٣) وعليه فالذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأقرب والأشبه للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية، والأحفظية. ٢) إخراج البخاري له في "صحيحه". ٣) أنَّ الوجه الأول قد رواه أبو بِشْر الواسطي، وهو مِن أثبت النَّاس في سعيد بن جُبير. ٤) الوجه الثاني انفرد به عطاء بن السائب، واضطرب فيه، ومحمد بن فُضَيل روى عنه بعد الاختلاط. ٥) ترجيح الأئمة للوجه الأول الموقوف: فقال ابن كثير: في إسناده - أي الوجه الثاني المرفوع - عَطَاء بن السائب (٤)، وفيه ضَعْفٌ، تَكَلَّمَ فيه غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئمَّة، وفي لَفْظِهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، وهو قوله: "بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي
следующие страницы →