Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
[بَابُ أَثْمَانِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يُبَرِّئُ الْإِمَامُ مِنْهَا أَهْلَهَا]
١٩٧٥ - قَالَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِيهَا.
لِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَصِيبِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ لَثَبَتَ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ، فَالْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ. وَكَذَلِكَ بِالْبَيْعِ قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، فَتَعَذَّرَ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ فِي الْمَبِيعِ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الثَّمَنِ أَيْضًا، سَوَاءٌ قَبَضَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَقْبِضْ.
لِأَنَّ وُجُوبَ الثَّمَنِ لِلْغَانِمِينَ بِالْبَيْعِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِيمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُمْ بِالْعَقْدِ.
وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي تَقَابُلَ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمِلْكِ، وَكَمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ يَثْبُتُ لِلْغَانِمِينَ فِي الثَّمَنِ. فَكَانَ ذَلِكَ أَقْوَى فِي قَطْعِ الشَّرِكَةِ مِنْ تَأَكُّدِ حَقِّهِمْ بِالْإِحْرَازِ. وَلِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْهُمْ فِي الْبَيْعِ، فَكَأَنَّهُمْ بَاعُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَنُفُوذُ الْبَيْعِ مِنْ جِهَتِهِمْ آيَةُ تَأَكُّدِ حَقِّهِمْ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ، وَبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ.
١٩٧٦ - فَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ لَمْ يَنْقُدُوا الثَّمَنَ وَقَبَضُوا مَا اشْتَرَوْا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، وَقَدْ عَلِمَ الْأَمِيرُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ (ص ٣٥٦)
стр. 1017
بِهِمْ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ اشْتَرَى مِنَّا شَيْئًا فَلْيَطْرَحْهُ. وَتَجَمَّعُوا حَتَّى تَبْلُغُوا مَأْمَنَكُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ طَالَبَهُمْ الْأَمِيرُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ مَا خَرَجُوا، فَقَالُوا: قَدْ طَرَحْنَا مَا اشْتَرَيْنَا بِأَمْرِك، فَلَا ثَمَنَ لَك عَلَيْنَا. أَوْ قَالُوا: اضْمَنْ لَنَا قِيمَتَهُ. فَإِنْ كَانُوا طَرَحُوا ذَلِكَ طَائِعِينَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَى الْأَمِيرِ، وَعَلَيْهِمْ مَا الْتَزَمُوا مِنْ الثَّمَنِ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ وَالْتَحَقَ بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ، فَهُمْ قَوْمٌ أَتْلَفُوا مِلْكَهُمْ طَوْعًا. وَالْأَمِيرُ أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمَشُورَةٍ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ غُرْمًا لَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ الثَّمَنُ الَّذِي تَقَرَّرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ.
١٩٧٧ - وَإِنْ كَانَ أَكْرَهَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِوَعِيدٍ مُتْلِفٍ نَظَرَ الْخَلِيفَةُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُمْ لَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا طَرَحُوا.
لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِالنَّظَرِ لَهُمْ، وَقَدْ فَعَلَ. وَلِأَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ عَلَى مَا يَحِقُّ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ شَرْعًا، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِأَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا أَمَرَهُمْ إلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُكْرَهُ بِحَقٍّ يَكُونُ مُحْسِنًا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
١٩٧٨ - وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُمْ ضَمِنَ لَهُمْ قِيمَةَ مَا طَرَحُوا.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِيمَا أَكْرَهَهُمْ عَلَيْهِ مُخَالِفًا لِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُمْ وَطَرَحَهُ، فَيَضْمَنُ لَهُمْ قِيمَتَهُ.
стр. 1018
وَالثَّمَنُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُشْتَرِينَ فِي الْوَجْهَيْنِ.
لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ، وَإِتْلَافُ الْبَيْعِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الثَّمَنِ وَانْتِهَاءِ الْعَقْدِ لَا يُسْقِطُ الثَّمَنَ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ.
١٩٧٩ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: لِيَطْرَحْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا اشْتَرَى مِنِّي وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الثَّمَنِ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ إنْ طَرَحَهُ فَقَدْ أَبْرَأْته مِنْ الثَّمَنِ، فَطَرَحُوا طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ، فَالثَّمَنُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ الْأَمِيرِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ فِيمَا بَاعَهُ لِلْغَانِمِينَ. أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَوْ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَلْتَزِمُ الْعُهْدَةَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ مِنْهُ، فَيَكُونُ كَالرَّسُولِ فِي الْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ مِنْ الثَّمَنِ.
١٩٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ فَاحْتَاجُوا إلَى أَنْ يُخَفِّفُوهَا فَأَمَرَهُمْ بِالطَّرْحِ فِي الْمَاءِ، فَهُوَ كَالْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
١٩٨١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَائِعُ الْأَطْعِمَةِ فِي السَّفِينَةِ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَادَاهُمْ: مَنْ طَرَحَ شَيْئًا مِمَّا اشْتَرَاهُ مِنِّي فِي الْمَاءِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ اطْرَحُوا عَلَى أَنَّكُمْ بُرَآءُ مِنْ الثَّمَنِ، فَهَذَا بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِمْ الثَّمَنُ لَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الثَّمَنُ هُنَا.
لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لِلْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ. وَلَكِنْ نَقُولُ: إنَّهُ عَلَّقَ الْإِبْرَاءَ بِالشَّرْطِ، وَالْإِبْرَاءُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَالْعَقْدِ.
стр. 1019
١٩٨٢ - وَلَوْ قَالَ لَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ: اطْرَحُوهُ عَلَى أَنَّ عَلَيَّ ثَمَنَهُ، أَوْ قِيمَتِهِ لَكُمْ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ ذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ صَارَ فِي مِلْكِهِمْ وَضَمَانِهِمْ، فَمَنْ يُنَادِيهِمْ بِالطَّرْحِ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُشِيرًا عَلَيْهِمْ بِمَا يَفْعَلُونَهُ فِي مِلْكِهِمْ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ سَبَبًا فِي الضَّمَانِ عَلَيْهِ، إذَا فَعَلَ الْمَرْءُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ فَيَبْقَى الْإِبْرَاءُ أَوْ الْعَقْدُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَّضِحُ الْكَلَامُ فِي بَيْعِ الْأَمِيرِ الْغَنِيمَةَ.
١٩٨٣ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ أَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا قَدْ أَقَلْنَا الْمُشْتَرِينَ الْعَقْدَ فِيمَا اشْتَرَوْا مِنَّا فَمَنْ كَانَ اشْتَرَى شَيْئًا فَلْيَطْرَحْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ أَقَالَهُمْ الْبَيْعَ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ، كَأَصْلِ الْبَيْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَصِحُّ مِنْهُمَا الْإِقَالَةُ فِيمَا بَاعَهُ لِلْيَتِيمِ كَمَا يَصِحُّ أَصْلُ الْبَيْعِ، وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِقَالَةِ لَا يَبْقَى الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ الْبَيْعُ عَادَ كَمَا كَانَ غَنِيمَةً، وَقَدْ طَرَحُوهُ بِأَمْرِ الْأَمِيرِ، فَكَأَنَّهُ طَرَحَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: قَدْ أَقَلْتُك الْبَيْعَ، فَاقْطَعْهُ لِي قَمِيصًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى طَعَامًا فَقَالَ: قَدْ أَقَلْتُك الْبَيْعَ فِيهِ فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِقَالَةَ تَكُونُ صَحِيحَةً، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِ الْعَقْدِ.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الطَّعَامَ بِكَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَاقْطَعْهُ لِي قَمِيصًا، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْآمِرِ الثَّمَنُ، فَكَذَلِكَ الْإِقَالَةُ.
стр. 1020
أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ وَجَدُوا عَيْبًا بِالْمَبِيعِ فَقَبِلَ الْأَمِيرُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فِيهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِقَالَةُ مِنْهُ مَعَهُمْ فِي حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الثَّمَنِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِلْأَمِيرِ كَمَا فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ، وَكَمَا فِي مَالِ الْخَرَاجِ إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ ثِيَابًا أَوْ بَاعَهَا، ثُمَّ رَأَى أَنْ يُقِيلَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فِيهَا صَحَّتْ الْإِقَالَةُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
١٩٨٤ - وَإِنْ لَمْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ حِينَ سَمِعُوا النِّدَاءَ حَتَّى إذَا سَارُوا مَنْقَلَةً أَوْ مِنْقَلَتَيْنِ عَمِلُوا عَمَلًا آخَرَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قَطْعِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ طَرَحُوا ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ الثَّمَنُ.
لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِ الْبَيْعِ، وَكَمَا أَنَّ إيجَابَ الْبَيْعِ يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبُولِ فَكَذَلِكَ إيجَابُ الْإِقَالَةِ، وَقَبُولُ الْإِقَالَةِ مِنْهُمْ هَا هُنَا يَكُونُ بِالطَّرْحِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِقَالَةُ وَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمْ.
١٩٨٥ - وَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرُونَ أَنَّهُمْ طَرَحُوا كَمَا سَمِعُوا وَلَا يَعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا مَا يُسْقِطُ الثَّمَنَ عَنْهُمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَوْا قَبُولَ الْإِقَالَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ.
١٩٨٦ - وَلَوْ كَانَ أَمَرَ الْمُنَادِينَ حَتَّى قَالَ: مَنْ طَرَحَ مِنْكُمْ الْمَتَاعَ الَّذِي اشْتَرَى مِنَى فَقَدْ أَقَلْته الْبَيْعَ فِيهِ. فَهَذَا فِي الْقِيَاسِ لَا يَصِحُّ.
стр. 1021
لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْإِقَالَةِ بِالشَّرْطِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ صَحِيحٌ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْقِيقُ الْإِقَالَةِ وَالْحَثُّ لَهُمْ عَلَى الطَّرْحِ.
١٩٨٧ - وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَقَلْتُكُمْ عَلَى أَنْ تَطْرَحُوا، أَوْ اطْرَحُوا عَلَى الْإِقَالَةِ مِنْكُمْ لِي، وَكَذَا غَيْرُ الْأَمِيرِ مَنْ بَاعَ مَتَاعَهُ فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الْأَمِيرِ.
وَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ. وَالِاسْتِحْسَانُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ إذَا قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا ثَمَنَ الثَّوْبِ فَقَدْ بِعْته مِنْك، فَأَدَّى الثَّمَنَ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا اسْتِحْسَانًا، فَكَذَلِكَ الْإِقَالَةُ.
١٩٨٨ - وَلَوْ كَانَ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ الْمُنَادِي بَعْضُ النَّاسِ، ثُمَّ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ فَهَذَا وَمَا لَوْ سَمِعُوا جَمِيعًا مِنْ الْمُنَادِي سَوَاءٌ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ أَذِنَ بِتَبْلِيغِ كَلَامِهِ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْ دَلَالَةً لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ، كَمَا أَنَّهُ أَذِنَ لِلْمُنَادِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ تَاجِرًا بَاعَ مَتَاعَهُ فِي السَّفِينَةِ، فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ فِي إيجَابِ الْإِقَالَةِ بَعْضُ الْمُشْتَرِينَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ سَمِعَ فَطَرَحَ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، لِأَنَّ الْمُبَلِّغَ لَمْ يُرْسِلْهُ الْبَائِعُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّبْلِيغِ صَرِيحًا وَدَلَالَةً، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَصْلًا فَأَمَّا الْأَمِيرُ فَإِنَّهُ أَذِنَ فِي التَّبْلِيغِ دَلَالَةً لِأَنَّ مَبْنَى كَلَامِ الْأَمِيرِ فِيمَا يُخَاطِبُ بِهِ رَعِيَّتَهُ عَلَى الِانْتِشَارِ وَالِاسْتِفَاضَةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ التَّاجِرِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ الْإِقَالَةُ تُعْتَبَرُ بِالْعَقْدِ.
وَلَوْ قَالَ التَّاجِرُ: قَدْ بِعْت عَبْدِي هَذَا مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا. فَبَلَّغَهُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ ذَلِكَ الْكَلَامَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا إلَيْهِ، فَقَبِلَ، لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: فَأَبْلِغْهُ يَا فُلَانُ. فَذَهَبَ فَأَبْلَغَهُ كَانَ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا إذَا قَبِلَهُ.
стр. 1022
وَكَذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ رَجُلٌ آخَرُ فَأَبْلَغَهُ، لِأَنَّهُ حِينَ قَالَ: فَأَبْلِغْهُ يَا فُلَانُ فَقَدْ أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الرِّضَا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِ، فَكُلُّ مَنْ بَلَّغَهُ فَقَبِلَ الْبَيْعَ، كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِقَالَةِ. وَبِهِ يَتَّضِحُ فَصْلُ الْأَمِيرِ حِينَ أَمَرَ الْمُنَادِيَ بِهِ. لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِالْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ لِلْمُنَادِي، فَتَبْلِيغُهُ وَتَبْلِيغُ غَيْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
١٩٨٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ بِنَفْسِهِ: قَدْ أَقَلْتُكُمْ الْبَيْعَ، فَاطْرَحُوا مَا اشْتَرَيْتُمْ مِنِّي وَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُ نَصٌّ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، فَعِبَارَةُ كُلِّ مُبَلِّغٍ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ عِبَارَتِهِ.
١٩٩٠ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَبْرَأُ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ، كَمَا فِي حَقِّ الْبَائِعِ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: هُمْ بُرَآءُ مِنْ الثَّمَنِ إذَا طَرَحُوا حِينَ بَلَّغَهُمْ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَبْنَى كَلَامِ الْأَمِيرِ عَلَى الِانْتِشَارِ وَالظُّهُورِ عَادَةٌ، وَالْعَادَةُ تُعْتَبَرُ فِي تَقْيِيدِ مُطْلَقِ الْكَلَامِ. فَكَانَ هَذَا وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: فَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ سَوَاءً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1023
[بَابُ قِسْمَةِ الْخُمُسِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ]
١١١ - بَابُ قِسْمَةِ الْخُمُسِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ١٩٩١ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَزَلَ الْخُمُسَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَى أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى أَتَاهُمْ جَيْشٌ آخَرُ مَدَدٌ أَقَلَّهُمْ الشَّرِكَةَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمِيرَ لَا يُقَاسِمُ نَفْسَهُ، وَأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ بِهَذَا الْعَزْلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سُرِقَ الْمَعْزُولُ لِلْخُمْسِ كَانَ الْبَاقِي مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَأَرْبَابِ الْخُمُسِ أَخْمَاسًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سُرِقَ الْبَعْضُ قَبْلَ الْعَزْلِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ قِسْمَةً فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَدَدَ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ، وَكَانُوا شُرَكَاءَ الْجَيْشِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.
١٩٩٢ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ أَعْطَى الْخُمُسَ الْمَسَاكِينَ، وَلَمْ يَقْسِمْ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ الْجُنْدِ حَتَّى لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ، فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ مَعَ الْجَيْشِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ هَا هُنَا.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ بِتَسْلِيمِ الْخَمْسِ إلَى أَرْبَابِ الْخُمُسِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْغَانِمِينَ رُجُوعٌ عَلَى أَرْبَابِ الْخُمُسِ بِشَيْءٍ.
стр. 1024
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: شَرِكَةُ الْمَدَدِ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ الْخُمُسِ، وَلَمْ تُوجَدْ الْقِسْمَةُ فِيمَا هُوَ مَحَلُّ حَقِّهِمْ فَكَيْفَ تَنْقَطِعُ شَرِكَتُهُمْ بِقِسْمَةٍ وَقَعَتْ لَا فِي مَحَلِّ حَقِّهِمْ؟ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَمِنْ ضَرُورَةِ تَقَرُّرِ الْقِسْمَةِ فِي الْمَصْرُوفِ إلَى أَرْبَابِ الْخُمُسِ ثُبُوتُ حُكْمِ الْقِسْمَةِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَدَدَ لَوْ اسْتَحَقُّوا الشَّرِكَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ وَإِذَا صَارَ نَصِيبُهُمْ كَالْغَنِيمَةِ ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ إيجَابِ الْخَمْسِ فِيهَا، إذْ الْخُمُسُ يَجِبُ فِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ هَا هُنَا، ثُمَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ (ص ٣٥٩) هَا هُنَا أَنْ تُجْعَلَ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْخَمْسِ فِيمَا يُجْعَلُ لِلْمَدَدِ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ.
١٩٩٣ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ نَفَلَ سَرِيَّةً بَعْضَ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ مَعَ السَّرِيَّةِ فِي النَّفْلِ، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا، لَا يَكُونُ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ إذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ مَا صَرَفَ الْخَمْسَ إلَى أَرْبَابِهَا.
١٩٩٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ أَهْلِهَا وَلَمْ يَقْسِمْ الْخُمُسَ حَتَّى لَحِقَ الْمَدَدُ، أَوْ كَانَ أَخَذَ بَعْضُ الْقَوْمِ سِهَامَهُمْ وَبَقِيَ الْخُمُسُ وَسِهَامُ بَعْضِهِمْ، فَلَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ لِثُبُوتِ حُكْمِ الْقِسْمَةِ بِمَا صَنَعَهُ الْأَمِيرُ.
стр. 1025
١٩٩٥ - وَلَوْ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ عَجَّلَ لِرَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ نَصِيبَهُمَا مِنْ الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ جَيْشٌ آخَرُ شَرَكُوهُمْ فِي الْمُصَابِ.
١٩٩٦ - وَلَوْ عَجَّلَ ذَلِكَ لِأُنَاسٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُشْرِكْهُمْ الْمَدَدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدٌ.
أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ نَوْعُ قِسْمَةٍ، وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ، إذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي نَصِيبِ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ، وَيُعَوَّضُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَحَقَّ نَصِيبَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَلِمَا فَصَلَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي بَعْضِ الْقِسْمَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَكَذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْقِسْمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ لِنَفَرٍ يَسِيرٍ نَصِيبَهُمْ أَوْ لِجَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَا يَجْعَلُ تَعْجِيلَهُ لِلْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى قِسْمَةً، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْغَنِيمَةِ شَرِكَةٌ عَامَّةٌ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا صَنَعَهُ مَعَ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ إذَا صَنَعَ ذَلِكَ فِي حَقِّ جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْهُمْ، لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْعُمُومِ فِيمَا صَنَعَهُ.
أَرَأَيْت لَوْ أَعْطَى نَصِيبَ الْفُرْسَانِ وَبَقِيَتْ الرَّجَّالَةُ، أَوْ أَعْطَى نَصِيبَ أَكْثَرِ الْجُنْدِ وَبَقِيَ فِي يَدِهِ نَصِيبُ مِائَةِ رَجُلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَكَانَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ إذَا لَحِقُوا بَعْدَ ذَلِكَ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ.
١٩٩٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمَدَدَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَى الْجَيْشِ حَتَّى قَسَمَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَلَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ إذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ عِنْدَ اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَلَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ حِينَ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدَدِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبِرَ
стр. 1026
حَالَ لُحُوقِهِمْ بِهِمْ لَا حَالَ دُخُولِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ، وَعِنْدَ اللُّحُوقِ بِهِمْ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ الشَّرِكَةَ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِي مِلْكِ الْغَانِمِينَ، وَقَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ بِالْقِسْمَةِ هَا هُنَا قَبْلَ أَنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ.
- وَلَوْ كَانُوا نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حَتَّى يَكُونُوا عَوْنًا لَهُمْ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِيهَا.
لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ فِي الْغَنِيمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَيْشَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِمْ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا خَالَطُوهُمْ وَبَيْنَ مَا إذَا نَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ.
١٩٩٩ - فَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْطِ الْعَسْكَرَ الثَّانِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعَ الْعَسْكَرُ الثَّانِي الْأَمْرَ إلَى الْخَلِيفَةِ فَإِنَّهُ يُمْضِي مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ.
لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ مَعَ الْجَيْشِ إذَا لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَمِيرُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَصْنَعُ مِنْ الْقِسْمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدِ نَافِذٌ إذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ، فَكَذَلِكَ مَا صَنَعَهُ الْأَمِيرُ هَا هُنَا.
٢٠٠٠ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ بَاعَ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَشَرَطَ الْمُشْتَرُونَ الْخِيَارَ لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا فَرَدُّوا بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ (ص ٣٦٠) أَوْ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، أَوْ رَدُّوا ذَلِكَ بِعَيْبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهَا قَدْ نَفَذَ وَلَزِمَ مِنْ الْأَمِيرِ.
стр. 1027
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِينَ مَعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَمَعَ خِيَارِ الشَّرْطِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: الْمُشْتَرُونَ إنْ لَمْ يَمْلِكُوا فَقَدْ صَارُوا أَحَقَّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِحُكْمِ الشِّرَاءِ فَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً وَالْتَحَقْت بِسَائِرِ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَكُونُ لِلْمَدَدِ فِيهَا شَرِكَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ لَحِقُوا بِهِمْ، وَالْمُشْتَرُونَ عَلَى خِيَارِهِمْ لَمْ يَنْقُضُوا الْبَيْعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الثَّمَنِ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ؟ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الْمَبِيعِ إذَا نُقِضَ الْبَيْعُ وَصَارَ عَوْدُهُ إلَى يَدِ الْإِمَامِ، يُنْقَضُ الْبَيْعُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، بِمَنْزِلَةِ الْعَوْدِ بِالْإِقَالَةِ إذَا الْتَمَسَ ذَلِكَ الْمُشْتَرُونَ مِنْهُ.
٢٠٠١ - وَلَوْ قَسَمَ الْأَمِيرُ الْخُمُسَ وَأَعْطَى لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَبِيعَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ وَيَقْسِمَ ثَمَنَهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ بَيْنَ الْغُزَاةِ وَأَرْبَابِ الْخُمُسِ فَالْمِلْكُ لَمْ يَثْبُتْ لِلْغُزَاةِ فِي نَصِيبِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ بَاعُوا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمْ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِي الْبَيْعِ وَقِسْمَةِ الثَّمَنِ بَاقِيَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ بَاعَ الْخُمُسَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مِنْهُ؟ فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ.
٢٠٠٢ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ فِي الْبَيْعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ بَعْدَ نَقْضِ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ، فَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِي الْمَبِيعِ إنْ اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ فِي الثَّمَنِ، وَفِي الثَّمَنِ إنْ تَمَّ الْبَيْعُ.
стр. 1028
لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مَعَ خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ، فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْعِ ابْتِدَاءً عَنْ إسْقَاطِ الْخِيَارِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، فَيَكُونُ هُوَ كَالْبَائِعِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَا لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ.
٢٠٠٣ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ عَزَلَ الْخُمُسَ وَأَعْطَاهُ الْمَسَاكِينَ وَلَمْ يَقْسِمْ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ حَتَّى أَعْتَقَ رَجُلٌ جَارِيَةً مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُ.
لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ لِلْغَانِمِينَ، وَبِدُونِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَاءُ وَالْإِعْتَاقُ. وَبِأَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ إذَا لَحِقُوا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ، كَمَا يُعَدُّ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْعِتْقُ وَالِاسْتِيلَادُ.
٢٠٠٤ - وَإِنْ كَانَ لَوْ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ، وَلِهَذَا وَجَبَ الْعُقْرُ عَلَى الْوَطْءِ هَا هُنَا.
لِأَنَّ بِمَا صَنَعَ الْإِمَامُ صَارَتْ هَذِهِ كَالْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ فِي تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهَا، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْوَاطِئِ لِلشُّبْهَةِ، فَيَجِبُ الْعُقْرُ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ مَعَ وَلَدِهَا فِي الْغَنِيمَةِ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ.
وَلِأَنَّ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ، وَالِاسْتِيلَادُ وَالْإِعْتَاقُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّفْلِ لَا يَكُونُ صَحِيحًا.
стр. 1029
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدَدِ مِنْهُمْ شَرِكَةٌ فَكَذَلِكَ هَذَا.
٢٠٠٥ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ وَأَهْلِ الرَّايَاتِ، ثُمَّ أَعْتَقَ بَعْضَهُمْ عَبْدًا، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عِتْقَهُ يَنْفُذُ هَا هُنَا اسْتِحْسَانًا، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ يُعْتِقُهُ بَعْضُهُمْ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ مَاتَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ بَعْدَ مَا أَعْطَى الْأَمِيرُ الْخُمُسَ لِلْمَسَاكِينِ فَإِنَّ نَصِيبَهُ يَصِيرُ مِيرَاثًا.
لِأَنَّ نُفُوذَ (ص ٣٦١) الْقِسْمَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ أَوْ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ وَالْإِرْثُ يَجْرِي فِي الْحَقِّ الْمُتَأَكِّدِ كَمَا يَجْرِي فِي الْمِلْكِ.
٢٠٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْرَزُوهَا بِالدَّارِ، ثُمَّ ظَهَرَ جَيْشٌ آخَرُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ وَجَدَهَا الْجَيْشُ الْأَوَّلُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْجَيْشَ الثَّانِيَ مَلَكُوهَا بِالْقِسْمَةِ، وَالْجَيْشَ الْأَوَّلَ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهَا، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْأَخْذِ مَجَّانًا وَلَا بِالْقِيمَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُهُمْ شَيْئًا. فَأَمَّا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَالْجَيْشُ الثَّانِي لَا يَمْلِكُونَهَا، وَإِنْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ، وَقَدْ كَانَ حَقُّ الْأَوَّلِينَ مُتَأَكِّدًا فِيهَا فَيُتَرَجَّحُونَ بِالسَّبَقِ.
стр. 1030
٢٠٠٧ - وَإِنْ كَانَ حُضُورُ الْجَيْشِ الْأَوَّلِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْأَمِيرِ الْخُمُسَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ فَهُمْ أَحَقُّ بِالْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.
لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لِلْجَيْشِ الثَّانِي بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ. وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَى مَا أَخَذَهُ الْمَسَاكِينُ.
لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لَهُمْ.
٢٠٠٨ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ الْجُنْدِ الثَّانِي وَبَقِيَ الْخُمُسُ فَالْجَيْشُ الْأَوَّلُ يَأْخُذُونَ الْخُمُسَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَى الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.
لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْجُنْدِ الثَّانِي.
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ بَاعَ الْغَنَائِمَ كُلَّهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ حَضَرَ الْجَيْشُ الْأَوَّلُ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا.
لِأَنَّهَا بِالْبَيْعِ صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِينَ، فَنَفَذَ فِيهَا عِتْقُهُمْ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِينَ وِلَايَةُ إبْطَالِ الْمِلْكِ الْمُتَعَيِّنِ لِمَكَانِ مِلْكِ حَقٍّ كَانَ لَهُمْ فِيهَا وَلَمْ يَصِرْ مِلْكًا بَعْدُ.
٢٠٠٩ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ خَمَّسَهَا وَقَسَمَهَا بَيْنَ أَهْلِ الرَّايَاتِ وَبَيْنَ الْأَشْخَاصِ مِنْ الْجُنْدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا وَأَحْرَزُوهَا، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ جَيْشٌ آخَرَ فَأَخْرَجُوهَا، وَحَضَرَ أَصْحَابُهَا
стр. 1031
الْأَوَّلُونَ، فَإِنْ حَضَرُوا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ حَضَرُوا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءُوا.
لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَبَتَ لَهُمْ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ أَوْ بَيْنَ أَهْلِ الرَّايَاتِ، حَتَّى كَانَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُمْ فِيهَا وَالِاسْتِيلَاءُ الْوَارِدُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيلَاءِ الْوَارِدِ عَلَى سَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1032
[بَابُ الْعَيْبُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ قَبْلَهَا]
١١٢ - بَابُ الْعَيْبُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ قَبْلَهَا ٢٠١٠ - وَإِذَا عَزَلَ الْأَمِيرُ الْخُمُسَ عَلَى حِدَةٍ وَالْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَدَلَ فِي الْقِسْمَةِ، ثُمَّ وَجَدَ بِبَعْضِ الرَّقِيقِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ عَيْبًا قَبْلَ دَفْعِ نَصِيبِ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا يَسِيرًا أَمْضَى الْقِسْمَةَ عَلَى حَالِهَا.
لِأَنَّ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَالْعَيْبُ الْيَسِيرُ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوَسُّعِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، كَمَا فِي الصَّدَاقِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ هَذَا الْعَيْبُ بَعْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَهُ قَبْلَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ. قُلْنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِأَجْلِهِ إتْمَامُ الْقِسْمَةِ.
٢٠١١ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا فَاحِشًا وَجَدَهُ بِبَعْضِهِمْ، أَوْ عُيُوبًا كَثِيرَةً غَيْرَ فَاحِشَةٍ وَجَدَهَا بِجَمَاعَةِ الرَّقِيقِ، بِحَيْثُ إذَا جُمِعَتْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى هَذَا النُّقْصَانِ فَيَجْمَعُهُ ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِسْمِ الْآخَرِ حَتَّى تَحْصُلَ الْمُعَادَلَةُ.
لِأَنَّ الْعَيْبَ الْفَاحِشَ مُعْتَبَرٌ لِمَا فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الْفَائِدَةِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوَسُّعِ (ص ٣٦٢) ، وَفِيمَا بُنِيَ عَلَى الضِّيقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى نَقْضِ مَا بَاشَرَهُ مِنْ عَمَلِ الْقِسْمَةِ. وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْمُعَادَلَةُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالزِّيَادَةِ
стр. 1033
مِنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُضَ مَا صَنَعَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقِسْمَةُ لَا تَقَعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِالِاسْتِئْنَافِ عَلَى وَجْهٍ يَعْتَدِلُ فِيهِ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
قُلْنَا: مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْعَزْلِ هُوَ مِنْ عَمَلِ الْقِسْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ، فَبِظُهُورِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَامَ بَعْضَ الْعَمَلِ دُونَ الْبَعْضِ، فَإِنَّمَا يَشْتَغِلُ بِمُبَاشَرَةِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ لَا بِنَقْضِ مَا قَدْ أَتَى بِهِ.
١٠١٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الرَّقِيقِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ لِلْخُمُسِ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا صَنَعَ مِنْ الْقِسْمَةِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ مِقْدَارَ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ هَذَا الَّذِي وَجَدَهُ حُرًّا.
لِأَنَّ الْمُعَادَلَةَ بِذَلِكَ تَحْصُلُ.
وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ. فَإِنَّ خُمُسَ هَذَا الَّذِي وَجَدَهُ حُرًّا مِنْ نَصِيبِ أَرْبَابِ الْخُمُسِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ مِنْ نَصِيبِ الْغَانِمِينَ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، إذْ الْقِسْمَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ. فَأَمَّا إذَا أَخَذَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ قِيمَتِهِ مِمَّا بَقِيَ وَجَعَلَهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ يَزْدَادُ نَصِيبُهُمْ، لَا أَنْ يَحْصُلَ بِهِ الْمُعَادَلَةُ.
وَلَكِنَّا نَقُولُ: هُوَ حِينَ جَعَلَ هَذَا فِي حِصَّةِ أَرْبَابِ الْخُمُسِ فَقَدْ جَعَلَ خُمُسَهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ، بِاعْتِبَارِ أَصْلِ حَقِّهِمْ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ عِوَضًا عَمَّا سَلَّمَهُ لِلْغَانِمِينَ مِنْ نَصِيبِ أَرْبَابِ الْخُمُسِ فِيمَا دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمُعَوَّضِ بِالْعِوَضِ.
٢٠١٣ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَجَدَ هَذَا بَعْدَ إتْمَامِ الْقِسْمَةِ بِتَسْلِيمِ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ إلَى الْغَانِمِينَ وَقِسْمَتِهِ بَيْنَهُمْ، أَوْ وَجَدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَسَمَ الْخُمُسَ
стр. 1034
بَيْنَ أَهْلِهِ دُونَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُعَادَلَةُ عِنْدَ الْكَثْرَةِ، وَعِنْدَ الْقِلَّةِ يَصِيرُ إلَى التَّعْوِيضِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ إنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْغَانِمِينَ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْخُمُسِ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ فِيمَا صَارَ لِلْغَانِمِينَ. ثُمَّ إنْ شَاءَ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِسْكِينًا آخَرَ.
لِأَنَّ بِظُهُورِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ دَفْعُهُ فِيمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَيَبْقَى رَأْيُهُ فِي اخْتِيَارِ الْمَصْرِفِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ فِي الرُّجُوعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ، فَالرَّأْيُ إلَيْهِ فِي أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى ذَلِكَ الْمِسْكِينِ أَوْ غَيْرِهِ. وَمَا بَعْدَ هَذَا إلَى آخَرِ الْبَابِ مُعَادٌ كُلُّهُ.
стр. 1035
[بَابُ مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ لِلْغَنَائِمِ وَمَا لَا يَجُوزُ]
١١٣ - بَابُ مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ
وَمَا لَا يَجُوزُ وَمَا يَكُونُ قَبْضًا فِي الْبَيْعِ وَمَا لَا يَكُونُ ٢٠١٤ - وَإِذَا بَاعَ الْمُوَلَّى لِلْقِسْمَةِ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا، فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ.
لِأَنَّ فِعْلَ الْمُوَلَّى كَفِعْلِ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ، وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ حَقُّ الْغَانِمِينَ، وَنُفُوذُ الْبَيْعِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمْ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى النَّظَرِ. فَأَمَّا بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى النَّظَرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ عَادَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكَانِ بَيْعَ مَالِ (ص ٣٦٣) الصَّغِيرِ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَلَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَنْ بَاشَرَ الْبَيْعَ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ وَلَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ فِي نَصِيبِهِ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ بَيْعُهُ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قُلْنَا: لَا مِلْكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ فِي شَيْءٍ إذَا لَمْ يُوَلِّهِ الْإِمَامُ ذَلِكَ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَنْفِيذَ بَيْعِهِ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّظَرِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ الْفَاحِشَةَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَهُوَ لَوْ وَهَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ هِبَتُهُ فِي الْكُلِّ.
стр. 1036
فَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁. فَإِنَّهُ حِينَ افْتَتَحَ الْعِرَاقَ بَاعَ مِنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ طَسْتًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَهَا الْمِسْوَرُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: لَا تَتَّهِمْنِي، وَرَدَّ الطَّسْتَ. فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ فَيَرَى أَنِّي قَدْ حَابَيْتُك؛ فَرَدَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ رَعِيَّتِي. تَخَافُنِي فِي آفَاقِ الْأَرْضِ. وَمَا زَادَنِي عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ هَذَا الْبَيْعُ. جَائِزًا لَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِرَدِّ الطَّسْتِ عَلَيْهِ.
٢٠١٥ - فَإِنْ اشْتَرَى الْمُوَلَّى شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ لِنَفْسِهِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا بَائِعًا مِنْهَا. فَإِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَادِّ الْأَحْكَامِ.
مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ هَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀. فَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْغَانِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ يَشْتَرِي مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّ بَيْعَهُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ هَذَا قَضَاءً مِنْهُ لِنَفْسِهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ قَاضِيًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا. وَلَوْلَا هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ
стр. 1037
جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الْوَصِيَّ إنَّمَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ تَلْحَقُهُ فَيُؤَدِّي إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
٢٠١٦ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَارِيَةً وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِنَفْسِهِ بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ فَحَبِلَتْ مِنْهُ وَوَلَدَتْ رُدَّتْ فِي الْغَنِيمَةِ مَعَ عُقْرِهَا لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ بَاطِلًا وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ
٢٠١٧ - وَفِي الْقِيَاسِ الْوَلَدُ مَرْدُودٌ فِي الْغَنِيمَةِ أَيْضًا، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ.
كَمَا لَوْ كَانَ فَعَلَ هَذَا قَبْلَ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ.
٢٠١٨ - وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَجَعَلَ الْوَلَدَ حُرًّا بِالْقِيمَةِ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ.
لِأَجْلِ الْغُرُورِ الثَّابِتِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، أَوْ لِقِيَاسِ الشَّبَهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُجْعَلُ هُوَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيمَا يَشْتَرِي مِنْ مَالِ وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّ وِلَايَةَ الْبَيْعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ. وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْغُرُورِ، فَلِهَذَا كَانَ ابْنُهُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ.
٢٠١٩ - فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ إنْ لَمْ يَقْسِمْهَا، وَإِنْ كَانَ قَسَمَهَا وَقَسَمَ الثَّمَنَ الَّذِي غَرِمَ مَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُعْطِيهِ الثَّمَنَ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ الَّذِي غَرِمَ، وَمِنْ الْعُقْرِ.
стр. 1038
لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ لِلْغَانِمِينَ وَالثَّمَنُ الَّذِي فِي الْغَنِيمَةِ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، فَيُجْعَلُ أَحَدُهُمَا قِصَاصًا بِالْآخَرِ.
٢٠٢٠ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ وَفَاءٌ بِالثَّمَنِ بَاعَ الْجَارِيَةَ فَأَوْفَاهُ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ، ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ قِسْمَتُهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ لِتَفَرُّقِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ الْحِيلَةَ لِلْمُوَلَّى (ص ٣٦٤) إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ.
٢٠٢١ - فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ بِأَقْصَى ثَمَنِهِ وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ مَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ مِنْهُ كُلَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَبْضِ الثَّمَنِ.
لِأَنَّ فِي هَذَا كَحَالِ الْقَاضِي فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁. فَإِنَّ إبِلًا مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ أَتَى بِهَا عُثْمَانُ فَأَعْجَبَتْهُ، فَأَقَامَهَا فِي السُّوقِ حَتَّى بَلَغَتْ أَقْصَى ثَمَنِهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا بِذَلِكَ. فَأَتَى النَّاسُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ وَأَخْبَرُوهُ بِمَا صَنَعَ. فَأَتَاهُ وَقَالَ لَهُ: هَلْ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ وَأَمَرَهُ بِرَدِّ ذَلِكَ. وَكَانَ هَذَا أَوَّلُ مَا عِيبَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁. فَإِذَا كَانَ هَذَا يُرَدُّ عَلَى مِثْلِ عُثْمَانَ فَعَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَلِي الْمَقَاسِمَ أَوْلَى.
стр. 1039
وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى لِلْقِسْمَةِ جَزَّأَهَا وَبَيَّنَ نَصِيبَ كُلِّ رَجُلٍ، وَأَقْرَعَ عَلَيْهَا فَخَرَجَ نَصِيبُهُ فِيمَا خَرَجَ جَازَ قَبْضُ الْمُوَلَّى لِنَصِيبِ نَفْسِهِ، وَإِنْ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْقِسْمَةَ، كَمَا يَجُوزُ الْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ. لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي تَمْيِيزِ نَصِيبِ نَفْسِهِ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِيمَا يَخُصُّ بِهِ نَفْسَهُ، لَا فِيمَا تَسْتَوِي نَفْسُهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي التَّنْفِيلِ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، بَلْ بِهِ وَبِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَقْبِضُونَ أَنْصِبَاءَهُمْ كَمَا يَقْبِضُ هُوَ نَصِيبَهُ، وَلَا تَتِمُّ الْقِسْمَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ. فَإِذَا كَانَ تَمَامُ الْقِسْمَةِ بِهِمْ جَمِيعًا كَانَ مُسْتَقِيمًا. فَأَمَّا الْبَيْعُ لَوْ صَحَّ كَانَ تَمَامُهُ بِهِ وَحْدَهُ، وَالْبَيْعُ لَا يَتِمُّ بِالْوَاحِدِ مُبَاشَرَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ لَوْ قَسَمَ التَّرِكَةَ بِرِضَاءِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَقَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ بَعْدَ الْإِقْرَاعِ جَازَ؟ وَبِمِثْلِهِ لَوْ اشْتَرَى أَحَدُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِنْ التَّرِكَةِ مِنْ نَفْسِهِ بِرِضَاهُمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ حَالُ الْمُوَلَّى لِلْقِسْمَةِ فِي الْغَنِيمَةِ.
٢٠٢٣ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى لِبَيْعِ الْغَنَائِمِ جَعَلَ رَمَكًا فِي حَظِيرَةٍ ثُمَّ بَاعَ رَمَكَةً بِعَيْنِهَا وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: اُدْخُلْ الْحَظِيرَةَ فَاقْبِضْهَا، فَقَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا. فَدَخَلَ الرَّجُلُ وَعَالَجَهَا، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ. وَخَرَجَتْ مِنْ بَابِ الْحَظِيرَةِ. فَيُطَالِبُهُ الْمُشْتَرِي بِرَدِّ الثَّمَنِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا. فَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ قَبْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي، تَارَةً بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ بَعْدَ تَخْلِيَةِ الْبَائِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَتَارَةً يَكُونُ بِمُبَاشَرَةِ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ. فَفِي التَّخْلِيَةِ يُعْتَبَرُ التَّمَكُّنُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ لِيَصِيرَ
стр. 1040
قَابِضًا، وَفِي مُبَاشَرَةِ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ التَّمَكُّنُ مِنْ تَقْرِيرِ الْيَدِ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا تَسْلِيمٌ حَقِيقَةً، وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ تَثْبُتُ بِوُجُودِهِ. وَالْأَوَّلُ تَسْلِيمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَيَسْتَدْعِي التَّمَكُّنَ مِنْ قَبْضِهِ.
٢٠٢٤ - إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي الْحَظِيرَةِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَوْهِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ وَكَانَتْ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْحَظِيرَةِ قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ فَهَذَا قَبْضٌ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِتَمَامِ التَّسْلِيمِ مِنْ الْبَائِعِ بِالتَّخْلِيَةِ. فَإِنَّهُ صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهَا
٢٠٢٥ - وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا، أَوْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ تَقْدِرُ أَنْ تَنْفَلِتَ مِنْهُ وَلَا يَضْبِطَهَا فَلَيْسَ هَذَا بِقَبْضٍ (ص ٣٦٥) مِنْ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ لَمْ تُوجَدْ حُكْمًا فَإِنَّهَا تَمْكِينٌ مِنْ الْقَبْضِ، وَالتَّمْكِينُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّمَكُّنِ.
٢٠٢٦ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا وَحْدَهُ وَيَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ أَعْوَانٌ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.
لِأَنَّهُ مَا صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهَا. فَإِنْ تَمَكَّنَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ عِنْدَ وُجُودِ أَعْوَانٍ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِنَفْسِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْلِ الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَةِ بِأَعْوَانٍ يُعِينُونَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِنَفْسِهِ؟ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا وَحْدَهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ حَبْلٌ وَإِنَّمَا انْفَلَتَتْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حَبْلٌ فَهَذَا لَا يَكُونُ قَبْضًا
стр. 1041
لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الشَّيْءِ بِوُجُودِ آلَتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ مَعَ انْعِدَامِ تِلْكَ الْآلَةِ.
٢٠٢٧ - فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا بِغَيْرِ حَبْلٍ وَلَا عَوْنٍ. أَوْ بِحَبْلٍ وَمَعَهُ حَبْلٌ، أَوْ بِعَوْنٍ وَمَعَهُ عَوْنٌ، وَقَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهَا، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى انْفَلَتَتْ كَانَ مُضَيِّعًا لَهَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَتَهْلَكُ مِنْ مَالِهِ.
٢٠٢٨ - وَإِنْ كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ هُوَ مُمْسِكٌ لَهَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هَاكَ الرَّمَكَةُ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِهِ فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهَا حَقِيقَةً حِينَ وَضَعَهَا فِي يَدِهِ، وَتَقَرَّرَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْقَبْضِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَقْدِ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُشْتَرِي لِإِبْقَاءِ يَدِهِ فِيهَا.
٢٠٢٩ - فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ عَلَى حَالِهَا وَيَدِ الْمُشْتَرِي جَمِيعًا وَالْبَائِعُ يَقُولُ: قَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا، وَلَسْتُ أُمْسِكُهَا مَنْعًا مِنِّي لَهَا، إنَّمَا أُمْسِكُهَا حَتَّى تَضْبِطَهَا، فَانْفَلَتَتْ فَهَذَا أَيْضًا قَبْضٌ مِنْ الْمُشْتَرِي.
لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ فِي اسْتِدَامَةِ يَدِ نَفْسِهِ مُعِينٌ لِلْمُشْتَرِي عَلَى تَقْرِيرِ يَدِهِ عَلَيْهَا، لَا مَانِعَ لَهَا مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَبَقَاءُ يَدِهِ فِيهَا تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْيَدِ لِلْغَيْرِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ يَدُ الْمَالِكِ عَلَيْهَا لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ. قُلْنَا: بَقَاءُ يَدِهِ عَلَيْهَا يَمْنَعُ يَدَ الْغَيْرِ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، فَأَمَّا
стр. 1042
عَلَى طَرِيقِ التَّمْكِينِ إيَّاهُ فَلَا، ثُمَّ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي الْغَصْبِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَفْوِيتِ يَدِ الْمَالِكِ لَا بِمُجَرَّدِ إثْبَاتِ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، وَهَاهُنَا دُخُولُ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ قَبْلَ النَّقْلِ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ وَلَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي حُكْمِ الْغَصْبِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ النَّقْلِ ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِيَ شَيْئًا
٢٠٣٠ - وَإِنْ كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى يَدِ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ: قَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا فَاقْبِضْهَا فَإِنِّي أُمْسِكُهَا لَك فَانْفَلَتَتْ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَبْضًا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا وَضَبْطِهَا. لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فِيهَا يَدًا حَقِيقَةً، وَلَا يَنْسَخُ حُكْمَ تِلْكَ الْيَدِ إلَّا مَا هُوَ مِثْلُهَا، وَتَمَكُّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهَا بِالتَّخْلِيَةِ لَا يَكُونُ مِثْلَ حَقِيقَةِ يَدِ الْبَائِعِ فِيهَا.
٢٠٣١ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَضَعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُشْتَرِي بِأَنْ كَانَ نَائِيًا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا. ثُمَّ هَلَكَتْ. لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَبْقَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهَا يَدٌ حَقِيقَةً، وَقَدْ صَارَ الْمُشْتَرِي مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهَا، حَتَّى إذَا كَانَ الْبَائِعُ يُمْسِكُهَا بِيَدِهِ وَقَالَ (ص ٣٦٦) لِلْمُشْتَرِي: خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا فَاقْبِضْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا، إلَّا أَنْ تَصِلَ إلَى يَدِ الْمُشْتَرِي، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ يَدُهُ فِيهَا حَقِيقَةً مُعَارِضَةً لِيَدِ الْبَائِعِ، فَيُجْعَلُ قَابِضًا لِذَلِكَ.
٢٠٣٢ - وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَضَعَ الثَّوْبَ بِالْبُعْدِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَنَادَاهُ أَنْ قَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهُ فَاقْبِضْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا حَتَّى يَقْرُبَ مِنْهُ فَيَصِيرَ بِحَيْثُ تَصِلُ يَدُهُ إلَيْهِ.
стр. 1043
لِأَنَّ هَذَا تَسْلِيمٌ بِطَرِيقِ التَّمْكِينِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّمَكُّنِ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ الْقَبْضِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْرُبَ مِنْهُ، فَقَبْلَ ذَلِكَ وُجُودُ التَّخْلِيَةِ كَعَدَمِهَا
٢٠٣٣ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى بَاعَ جَمِيعَ الرَّمَكِ الَّتِي فِي الْحَظِيرَةِ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَّا بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ فَفَتَحَ الْبَابَ لِيَأْخُذَ بَعْضَهَا، فَغَلَبَتْهُ وَخَرَجَتْ مِنْ الْحَظِيرَةِ، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إذَا دَخَلَ الْحَظِيرَةَ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْرَزَةً بِالْبَابِ الْمَسْدُودِ، وَقَدْ تَنَاوَلَ الْبَيْعُ كُلَّهَا، ثُمَّ صَارَ الْمُشْتَرِي بِفَتْحِ الْبَابِ مُسْتَهْلِكًا لَهَا، وَاسْتِهْلَاكُ الْمُشْتَرِي لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ مِنْهُ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀. فَإِنَّ فَتْحَ الْبَابِ عِنْدَهُ اسْتِهْلَاكٌ بِطَرِيقِ الْمُتَسَبِّبِ، حَتَّى قَالَ: إذَا فَتَحَ بَابَ الْإِصْطَبْلِ فَنَدَّتْ الدَّابَّةُ مِنْ سَاعَتِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ مِنْ قِيمَتِهَا لِمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ فَتْحَ الْبَابِ اسْتِهْلَاكًا، وَإِنَّمَا يُحِيلُ بِهَلَاكِ الدَّابَّةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ مِنْهَا. وَلِهَذَا لَا يُضْمَنُ بِهِ مِلْكُ الْغَيْرِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَجْعَلُ فِعْلَهُ تَسَبُّبًا، وَلَكِنْ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ يَقُولُ: قَدْ طَرَأَ عَلَى ذَلِكَ التَّسَبُّبِ فِعْلٌ مُعْتَبَرٌ. لِأَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ يُعْتَبَرُ فِي إزَالَةِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَبَرُ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَاقَ دَابَّةً فِي الطَّرِيقِ فَجَالَتْ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، وَالسَّائِقُ لَيْسَ مَعَهَا. فَأَصَابَتْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ السَّائِقُ ضَامِنًا لَهَا؟ بِاعْتِبَارِ مَا أَحْدَثَتْ الدَّابَّةُ مِنْ السَّيْرِ بِاخْتِيَارِهَا، لَا عَلَى نَهْجِ سَوْقِ السَّائِقِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فَتْحَ الْبَابِ كَانَ تَسَبُّبًا مِنْهُ لِإِتْلَافِ الدَّابَّةِ فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، ثُمَّ فِعْلُ الدَّابَّةِ لَا يَصْلُحُ مُزِيلًا لِذَلِكَ فَيَبْقَى ضَامِنًا لِلثَّمَنِ
стр. 1044
٢٠٣٤ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ رَجُلًا آخَرَ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ صَارَ بِحَالٍ لَوْ دَخَلَ الْحَظِيرَةَ وَاجْتَهَدَ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهَا فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ فَتَحَ الْبَابَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الثَّمَنُ. لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِتْلَافُ تَسَبُّبًا وَلَا مُبَاشَرَةً، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ لِتَقَرُّرِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ قَبْضِهَا بِتَخْلِيَةِ الْبَائِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ؟ فَكَذَلِكَ إذَا فَتَحَ الْبَابَ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ بَاعَ طَيْرًا فِي بَيْتٍ عَظِيمٍ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ فَطَارَ، كَانَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَإِنْ فَتَحَ غَيْرُهُ الْبَابَ أَوْ فَتَحَتْ الرِّيحُ الْبَابَ فَخَرَجَ الطَّيْرُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهَا. فَكَذَلِكَ الرَّمَكُ. وَبَعْضُ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالِاسْتِحْسَانِ فِي كُلِّ فَصْلٍ.
٢٠٣٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى بَاعَ الْغَنَائِمَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ، فَسَأَلَهُ الْإِمَامُ أَنْ (ص ٣٦٧) يَضْمَنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهُوَ جَائِزٌ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا ضَمِنَ الثَّمَنَ لِلْمُوَكِّلِ عَنْ الْمُشْتَرِي.
لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَوْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ أَوْ الْعَيْبُ كَانَتْ الْخُصُومَةُ مَعَهُ. فَإِذَا ضَمِنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي فَهُوَ إنَّمَا يَضْمَنُ لِنَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
٢٠٣٦ - فَأَمَّا الْمُوَلَّى فَهُوَ نَائِبٌ مَحْضٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ شَيْءٌ، بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي ضَمَانِ الثَّمَنِ عَنْ
стр. 1045
الْمُشْتَرِي كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ إنْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ إذَا أَدَّى وَإِنْ ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذَا أَدَّى. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْمُوَلَّى لَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ هَاهُنَا لَمْ يَصِحَّ إبْرَاؤُهُ، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى الثَّمَنِ صَحَّ إبْرَاؤُهُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَ يَصِيرُ ضَامِنًا مِثْلَهُ لِلْمُوَكِّلِ.
ثُمَّ الْمُوَلَّى فِي هَذَا الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِي بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ. وَالْوَكِيلُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ ثُمَّ عُزِلَ وَاسْتُقْضِيَ آخَرُ فَضَمِنَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ لِلْقَاضِي الثَّانِي الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ كَبِرَ الْيَتِيمُ فَضَمِنَ لَهُ الْقَاضِي الْأَوَّلُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَاضٍ عَلَى حَالِهِ، كَانَ ضَمَانُهُ جَائِزًا.
وَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ هُوَ الَّذِي بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ، ثُمَّ ضَمِنَ الثَّمَنَ لِلْقَاضِي عَنْ الْمُشْتَرِي أَوْ لِلْيَتِيمِ بَعْدَ مَا كَبِرَ، فَإِنَّ ضَمَانَهُ يَكُونُ بَاطِلًا. وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ إنْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَاعَ ثُمَّ ضَمِنَ الثَّمَنَ.
وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ، وَيَكُونُ خُصُومَةُ الْمُشْتَرِي فِي الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمَا، وَالْقَاضِي لَا يَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَعَهُ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمِينُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِي أَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ عَنْ الْمُشْتَرِي. فَكَذَلِكَ الْمُوَلَّى يَبِيعُ الَّذِي وَقَعَ الْحَقُّ لَهُ، لِيَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ. وَفِي الْعَيْبِ الْإِمَامُ يُنَصِّبُ لِلْمُشْتَرِي خَصْمًا إنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُوَلَّى، وَإِنْ شَاءَ غَيَّرَهُ، حَتَّى إذَا ثَبَتَ حَقُّ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِالثَّمَنِ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ كَانَتْ لَمْ تُقْسَمْ، وَإِنْ قُسِمَتْ غَرِمَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي بَاشَرَ الْبَيْعَ عُهْدَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَلِهَذَا صَحَّ ضَمَانُهُ لِلثَّمَنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1046
[بَابُ الْمُسْلِمِ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ مَالٌ فِيمَا يُصَدَّقُ فِيهِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ]
١١٤ - بَابُ الْمُسْلِمِ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ مَالٌ فِيمَا يُصَدَّقُ فِيهِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ ٢٠٣٧ - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ الْتَحَقَ بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَهُ مَالٌ، فَزَعَمَ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَلَّكُوهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ، أَوْ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ:
لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَالِ، وَهِيَ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ، فَإِنَّهُ دَخَلَ إلَيْهِمْ تَاجِرًا لِيُعَامِلَهُمْ، وَالتَّاجِرُ لَا يَدْخُلُ إلَيْهِمْ إلَّا مَعَ مَالٍ فِي الْعَادَةِ.
٢٠٣٨ - وَمَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِمْ فَإِنَّمَا يَكُونُ وُصُولُهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُبْتَنَى عَلَى الْمُرَاضَاةِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ.
٢٠٣٩ - وَإِنْ قَالَ غَصَبْته مِنْهُمْ فَهُوَ فَيْءٌ، وَيَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَيَرُدَّهُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَإِنَّمَا تَمَّ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ حِينَ الْتَحَقَ بِهِمْ، وَشَارَكُوهُ فِي الْإِحْرَازِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ غَنِيمَةً بَيْنَهُمْ، وَبِثُبُوتِ حَقِّ الْجَيْشِ فِيهِ تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لِلْأَمِيرِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَقَدْ حَصَّلَهُ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا، وَهُوَ غَدْرُ الْأَمَانِ.
стр. 1047
لِأَنَّهُ حِينَ اسْتَأْمَنَ إلَيْهِمْ فَقَدْ لَزِمَهُ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَأَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، بِغَيْرِ طِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ.
٢٠٤٠ - وَمَا حَصَلَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ فَالسَّبِيلُ رَدُّهُ، فَلِهَذَا كَانَ عَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا، فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُ الرَّقِيقِ بَاعَهُ الْأَمِيرُ، وَبَعَثَ بِالثَّمَنِ إلَيْهِمْ، أَوْ كَتَبَ إلَيْهِمْ حَتَّى يَأْتُوهُ فَيَأْخُذُوهُ.
لِأَنَّ بِالْإِسْلَامِ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ عَلَيْهِمْ، فَيَجِبُ بَيْعُهُ وَرَدُّ ثَمَنِهِ عَلَيْهِمْ، كَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا أَسْلَمَ عَبْدَهُ فِي دَارِنَا وَهُوَ هَا هُنَا، أَوْ قَدْ رَجَعَ إلَى دَارِهِ.
٢٠٤١ - وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا، وَقَدْ أَخَذَهُمْ قَهْرًا فَأَخْرَجَهُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّهُ مَا تَمَّ قَهْرُهُ حِينَ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ أَخْذِهِمْ شَرْعًا بِسَبَبِ الْأَمَانِ فَيَكُونُ حُكْمُهُمْ فِي حَقِّهِ كَحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا لَا يَمْلِكُونَ بِالْقَهْرِ، فَإِذَا أَسْلَمُوا فَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُمْ بِالْإِسْلَامِ.
٢٠٤٢ - وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا أَوْ قَالُوا نَصِيرُ ذِمَّةً فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَلَهُمْ ذَلِكَ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ لَهُمْ بَعْدَ مَا حَصَّلُوا فِي دَارِنَا، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ.
لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِمْ لِمَوَالِيهِمْ، وَوُجُوبُ الرَّدِّ لَحِقَ الْمَوْلَى فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ الْعَيْنُ.
стр. 1048
فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أَوْ خِيفَ الضَّيْعَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِثَمَنِهِ أَوْ يُوقَفُ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ. وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ أَخَذَ شَيْئًا مِمَّا كَانُوا أَحْرَزُوهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ قَدْ مَلَكُوهُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَ لَهُمْ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنَّ الرَّقِيقَ يُبَاعُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ أَعْيَانُهُمْ وَإِنَّمَا يَمْلِكُونَ بِالْقَهْرِ، وَلَكِنْ يُبَاعُ وَيُبْعَثُ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ.
٢٠٤٤ - وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا لَا يُمْلَكُ بِالْقَهْرِ مِنْ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ.
لِأَنَّهُمْ بِالْقَهْرِ مَا تَمَلَّكُوهُ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَصْرُ الْيَدِ عَنْهُ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مُحْسِنٌ فِيمَا صَنَعَ، حَيْثُ قَصَرَ عَنْهُمْ يَدَ الظُّلْمِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ غَدْرِ الْأَمَانِ فِي شَيْءٍ.
٢٠٤٥ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ أَحْرَزَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ غَصْبًا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَلَّكُ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْرَازِ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ، وَمَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ.
стр. 1049
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُمْ وَكَانَ بِحَيْثُ يُسَلَّمُ لَهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يُفْتِيهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ.
لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِتْمَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِ هَا هُنَا وَهُوَ الْإِحْرَازُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ، وَوِلَايَةُ الْإِمَامِ فِيهِ تُبْتَنَى عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الرَّدِّ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
٢٠٤٧ - إلَّا أَنَّهُ حَصَّلَ هَذَا الْمَالَ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا، فَيُفْتِيهِ بِالرَّدِّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ أَخْفَرَ ذِمَّةَ نَفْسِهِ لَا ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُ خَاصَّةً.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ يُبَاحُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ هَذَا الْمَالِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا أَخْفَرَ أَمَانَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَثْبُتَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ فِي الرَّدِّ، لِمُرَاعَاةِ ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَلَكِنَّهُ أَخْفَرَ أَمَانَ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَالطَّرِيقُ فِي مِثْلِهِ الْفَتْوَى دُونَ الْإِجْبَارِ، فَإِنَّ الْإِجْبَارَ يُبْتَنَى عَلَى الْخُصُومَةِ، وَلَا خُصُومَةَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِي ذَلِكَ
٢٠٤٨ - وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ خَبِيثٌ، وَفِي شِرَائِهِ مِنْهُ تَقْرِيرٌ لِمَعْنَى الْخُبْثِ فِيهِ.
وَلِأَنَّهُمْ إذَا امْتَنَعُوا مِنْ الشِّرَاءِ كَانَ فِيهِ زَجْرٌ [لَهُ] عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِ هَذَا الصُّنْعِ، وَحَثٌّ لَهُ عَلَى الرَّدِّ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ.
стр. 1050
وَإِنْ اشْتَرَى إنْسَانٌ مِنْهُ ذَلِكَ جَازَ الشِّرَاءُ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا.
لِأَنَّهُ مَلَّكَ نَفْسَهُ فَإِنَّ فَسَادَ السَّبَبِ شَرْعًا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ هَذَا الشِّرَاءِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ.
٢٠٥٠ - وَبَعْدَ مَا جَازَ الشِّرَاءُ يُؤْمَرُ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ مَا كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ الْبَائِعُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلرَّدِّ لَا يَزُولُ بِهَذَا الشِّرَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ بَيْعًا صَحِيحًا، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ لَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ.
لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلرَّدِّ قَدْ زَالَ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
لِأَنَّ وُجُوبَ الرَّدِّ لِفَسَادِ الْبَيْعِ حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ انْقَطَعَ مِلْكُهُ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ أَمَّا هُنَا فَوُجُوبُ الرَّدِّ إنَّمَا كَانَ لِمُرَاعَاةِ مِلْكِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَلِأَجْلِ غَدْرِ الْأَمَانِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَائِمٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ الَّذِي أَخْرَجَهُ، فَلِهَذَا يُفْتِي بِالرَّدِّ كَمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ الْبَائِعُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ إذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ لِلْمُكْرَهِ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ مِنْ الثَّانِي كَمَا هُوَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ شِرَائِهِ، لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِبَيْعِ الْمُشْتَرِي، وَثُبُوتُ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ كَانَ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِهِ.
٢٠٥١ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ آمَنَهُمْ وَهُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ
стр. 1051
فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ ذَلِكَ الْمَتَاعُ مِنْهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ أَمَانَهُ، وَهُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَأَمَانِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ إنَّمَا أَخَذَ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِالْقَهْرِ وَلَا يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِ بِالْقَهْرِ، فَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى رَدِّهِ وَفِي الْأَوَّلِ هُوَ مَا أَخَذَ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِينَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ بِأَمَانٍ، وَمَا كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ مِنْهُ إلَّا أَنَّ غَدْرَ ذَلِكَ الْأَمَانِ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ شَرْعًا، وَتَمَكَّنَ الْخُبْثُ بِهَذَا السَّبَبِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْمَالِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ فِي الْحُكْمِ، وَلِأَنَّهُ غَدْرٌ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لَا يَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ لِلْغَادِرِ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي دَخَلَ إلَيْهِمْ فَإِنَّمَا غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ خَاصَّةً.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ حَقُّ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَلِهَذَا يُفْتِيهِ بِالرَّدِّ وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ.
٢٠٥٢ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ إلَيْهِمْ مَتَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَحْرَزُوهُ بِدَرَاهِمَ فَأَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَقْضِ لَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ.
стр. 1052
لِأَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِهِ تَقْرِيرَ مِلْكِهِ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ لَا تُسَلَّمُ لَهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ قِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ، وَمِلْكُهُ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ شَرْعًا مَا دَامَ هُوَ مَأْمُورًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَرِّرَهُ بِقَضَائِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، (كَانَ سَالِمًا لَهُمْ) وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبُوهُ لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ هُنَاكَ مِلْكٌ مُتَقَرِّرٌ شَرْعًا، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَمَا يُعْطِي مِنْ الْقِيمَةِ هُوَ فِدَاءٌ يَفْدِي بِهِ مِلْكَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي يَفْدِيهِ مَوْلَاهُ بِالدِّيَةِ، وَفِي إعَادَتِهِ إلَى مِلْكِهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ، وَفِيهِ تَقْرِيرُ مَا كَانَ مِنْهُ غَدْرٌ مِنْ الْأَمَانِ.
٢٠٣٥ - وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَإِذَا خُوصِمَ فِيهِ إلَى الْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُنَفِّذُ ذَلِكَ الْبَيْعَ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ، فَإِنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَتَمَلَّكُهُ مِلْكًا جَدِيدًا وَيُؤْمَرُ مَنْ فِي مِلْكِهِ بِالرَّدِّ، كَمَا كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ الْبَائِعُ، وَأَمَّا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ إنَّمَا يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِيهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ، ثُمَّ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لَمْ يَقْضِ لَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَضَاءِ إعَادَتَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ كَمَا بَيَّنَّا.
٢٠٥٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ.
стр. 1053
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، وَمَا لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّهُمْ عَنْ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ حَقُّ الْأَخْذِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِإِسْلَامِهِ، وَلَا يَكُونُ لِمَوْلَاهُ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ.
٢٠٥٥ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ أَحْرَزَ هَذَا الْمَتَاعَ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا سَبِيلَ لِمَالِكِهِ الْقَدِيمِ عَلَى أَخْذِهِ بِثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّقِيقَ وَيَقِفُ الثَّمَنَ مَعَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ حَتَّى يَأْتُوهُ فَيَأْخُذُوهُ.
لِأَنَّ بَقَاءَ حَقِّهِمْ هَا هُنَا أَبْيَنُ مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هَا هُنَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُفْتَى بِذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ هُنَاكَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ حَقُّ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ وَلَا بِالثَّمَنِ فَهَا هُنَا أَوْلَى.
٢٠٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْخَارِجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَسِيرًا فِيهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَجَمِيعُ مَا أُخْرِجَ سَالِمٌ لَهُ.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ بَلْ كَانَ مَقْهُورًا وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ لَوْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَمَا أَحْرَزَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ.
стр. 1054
وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا أَحْرَزُوهُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ انْقَطَعَ بِإِحْرَازِهِ عَلَيْهِمْ وَاخْتَصَّ هُوَ بِمِلْكِهِ فَيَكُونُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصَابَ بِسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَيَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.
٢٠٥٨ - وَإِنْ كَانَ جَاءَ بِهِ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ: وَهَبَهُ لِي أَهْلُ الْحَرْبِ، أَوْ اشْتَرَيْته مِنْهُمْ لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ فَيْئًا لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَقْهُورًا فِيهِمْ، وَهُمْ لَا يُعَامِلُونَ الْأُسَرَاءَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ عَادَةً، فَلِهَذَا لَا يُصَدَّقُ.
٢٠٥٩ - وَيُجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ غَصْبًا فَيَكُونُ فَيْئًا.
لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ يُشَارِكُونَهُ فِي الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَمَامُ الْقَهْرِ بِهِ يَكُونُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَادِلَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.
٢٠٦٢ - وَلَوْ عَايَنَاهُمْ وَهَبُوا لَهُ شَيْئًا وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ بِطَرِيقِ الْمُرَاضَاةِ، وَالشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ،؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ يَتِمُّ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَأَمَّا تَمَامُ الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ.
стр. 1055
وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ إلَى الْعَسْكَرِ أَسِيرًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَفِيمَا فِي يَدِ الْمُسْتَأْمَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ إذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيمَا فِي يَدِ الْأَسِيرِ لَا يُصَدَّقُ هُوَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اعْتِبَارًا لِحَالِ اجْتِمَاعِهِمَا بِحَالِ انْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ قَالَا دَخَلْنَا بِهَا مَعَنَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْتَأْمَنُ يُصَدَّقُ فِيمَا فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْأَسِيرُ لَا يُصَدَّقُ سَوَاءٌ، أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ.
لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، وَأَحْرَزُوا مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ أَيْضًا، فَيَمْلِكُونَ بِهَذَا الْإِحْرَازِ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ، وَيَلْتَحِقُ هَذَا الْمَالُ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي الْأَصْلِ.
٢٠٦٢ - فَإِذَا أَحْرَزَهُ الْأَسِيرُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ كَانَ فَيْئًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَيْئًا يَخْفَى عَلَيْهِمْ نَحْوَ دُرَّةٍ قَالَ الْأَسِيرُ: كَانَتْ فِي فَمِي أَوْ كُنْت ابْتَلَعْتهَا فَكَانَتْ فِي بَطْنِي، فَإِنَّهُ فِي الْقِيَاسِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا.
لِأَنَّهُ مَالٌ مُحْتَمَلٌ لِلتَّمْلِيكِ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ حِينَ صَارَ مَقْهُورًا، وَحِينَ تَمَّ إحْرَازُهُمْ فِيهِ، فَلَا يَبْقَى مَمْلُوكًا لَهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يُسَلَّمُ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ إذَا أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
؛ لِأَنَّ إحْرَازَهُمْ يَكُونُ بِالْقَهْرِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ حِسًّا لَا حُكْمًا، فَإِنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِدَارِ حُكْمٍ وَمِنْ حَيْثُ الْحِسُّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ قَهْرُهُمْ فِيمَا يَعْلَمُونَ بِهِ دُونَ
следующие страницы →