Полный текст (2 212 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
عَلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ قَدْ لَزِمَهُمْ. فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهُمْ الْإِقْرَارُ بِالْإِسْلَامِ، فَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ.
١٩١١ - ثُمَّ كُلُّ مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ مِنْ الرِّجَالِ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ.
وَمَنْ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ.
لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْقَاءَ الْكَافِرِ بِمَنْفَعَةٍ تَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبِلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ الْجِزْيَةَ إلَّا الْإِسْلَامَ أَوْ الْقَتْلَ.
وَالثَّانِي حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَوْ ثَبَتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ وَلَاءٌ أَوْ رِقٌّ لَثَبَتَ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ إنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْفِدَاءُ» .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْفِدَاءِ قَدْ انْتَسَخَ، فَبَقِيَ الْقَتْلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
стр. 982
وَإِذَا وَقَعَ السَّبْيُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْرَجَ مَالًا كَانَ مَعَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَيَنْبَغِي لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ (ص ٣٤٤) أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا مَلَّكَهُ بِالْقِسْمَةِ رَقَبَةَ الْأَسِيرِ لَا مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْعَدْلُ إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا مَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُ.
١٩١٣ - فَإِنْ تَفَرَّقَ الْغَانِمُونَ وَذَلِكَ السَّبْيُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لِقِلَّتِهِ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إيصَالِهِ إلَى صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
هَكَذَا نُقِلَ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ: مَا أَرَى وَجْهًا أَحْسَنَ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ وَقَعَ الْأَسِيرُ فِي يَدِهِ.
فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلَّذِي قَسَمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَإِنَّمَا حَسِبَ أَنَّ الَّذِي قَسَمَ أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِنَصِيبِهِ مَعَ الْأَسِيرِ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ.
стр. 983
وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا قَدْ خَلَصَتْ لَهُ أَخْرَجَتْ حُلِيًّا كَانَ مَعَهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا أَدْرِي هَذَا وَأَتَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: اجْعَلْهُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَانْطَلَقَ آخَرُ يَغْتَسِلُ، فَأَمَرَّ الْمَاءُ التُّرَابَ عَنْ لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَتَى سَعْدًا فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهِ نَأْخُذُ.
فَإِنَّ الْمَالَ الَّذِي مَعَ الْأَسِيرِ كَانَ غَنِيمَةً، وَبَيْعُ الْأَمِيرِ إنَّمَا تَنَاوَلَ الرَّقَبَةَ دُونَ الْمَالِ، فَيَبْقَى الْمَالُ غَنِيمَةً.
١٩١٥ - وَمَنْ وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَنْزًا وَقَدْ دَخَلَ مَعَ الْجَيْشِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ غَنِيمَةً.
لِأَنَّهُ مَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
١٩١٦ - وَإِذَا وَقَعَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ السَّبْيِ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَقَالَتْ: أَنَا جَارِيَةٌ ذِمِّيَّةٌ سَبَانِي أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَنِي الْمُسْلِمُونَ. وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا.
لِأَنَّهَا صَارَتْ رَقِيقَةً حِينَ سُبِيَتْ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إسْقَاطِ الرِّقِّ عَنْهَا.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَهَا مَوْلَاهَا بِالْمِلْكِ وَيَبِيعَهَا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ عَلَى مَا قَالَتْ.
стр. 984
لِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ غَيْرَ ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ.
وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: لَا تَقَعْ عَلَيْهَا وَبِعْهَا. فَإِنَّمَا كَرِهَ مُوَاقَعَتَهَا عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ، لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا حَلَالًا لَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا، وَلَوْ رَآهَا حُرَّةً كَمَا زَعَمَتْ مَا أَمَرَ بِبَيْعِهَا.
١٩١٧ - وَإِذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ خَمَّسَهَا وَخَمَّسَ أَهْلَهَا وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهَا، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ بِخَيْبَرَ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ الْأَرَاضِي أَرْضَ عُشْرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الصَّدَقَةِ.
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَأَهْلَهَا يُؤَدُّونَ مِنْهَا الْخَرَاجَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِأَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضِ الشَّامِ. وَمَا خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُحْمَدُوا عَلَى خِلَافِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ. فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ.
يَعْنِي مَاتُوا فِي الطَّاعُونِ. وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذَا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.
١٩١٨ - وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
стр. 985
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُك يَذْكُرُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ سَأَلُوا أَنْ تَقْسِمَ بَيْنَهُمْ غَنَائِمَهُمْ. فَانْظُرْ مَا أَجْلَبَ النَّاسُ عَلَيْك مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَاقْسِمْهُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَاتْرُكْ الْأَرْضَ وَالْأَنْهَارَ لِعُمَّالِهَا.
وَبِهِ نَأْخُذُ. وَإِنَّمَا أُصِيبَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالظُّهُورِ.
وَقَدْ تَحَقَّقَ انْفِصَالُهُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَخُرُوجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَيَجِبُ قِسْمَةُ ذَلِكَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَرْضِ وَالْمَنِّ عَلَى أَهْلِهَا.
قَالَ: وَانْظُرْ أَنْ لَا تُوَلِّهَ وَالِدَةً عَنْ وَلَدِهَا.
أَيْ لَا تُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَوَالِدَتِهِ. وَبِنَحْوِ هَذَا جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (ص ٣٤٥) حِينَ «رَأَى جَارِيَةً وَالِهَةً فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: مَا حَالُهَا؟ فَقَالَ: بِيعَ وَلَدُهَا. قَالَ: لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا» .
قَالَ: وَلَا تَمَسَّ امْرَأَةً حَتَّى يَطِيبَ رَحِمُهَا.
أَيْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا. وَهُوَ نَظِيرُ مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: وَلَا الْحَبَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ.
قَالَ: وَلَا تَتَّخِذْ أَحَدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَاتِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ فِي دِينِهِمْ، وَلَا رِشْوَةَ فِي دِينِ اللَّهِ. وَبِهِ نَأْخُذُ.
стр. 986
فَإِنَّ الْوَالِيَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] .
ثُمَّ قَالَ: وَلَا عُشْرَ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى صَاحِبِ ذِمَّةٍ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا اسْتَأْذَنُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي أَرْضِنَا.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ، فَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَمَرَ عُمَّالَهُ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ. فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعُشْرُ الْكَامِلُ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ إذَا مَرُّوا بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ خَاصَّةً. فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ.
١٩١٩ - وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَيُّمَا مَدِينَةٍ فُتِحَتْ فَأَسْلَمَ أَهْلُهَا قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ فَهُمْ أَحْرَارٌ.
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ أَوْ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، أَوْ كَانَ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَدَعَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ. فَأَمَّا إذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْسِمَهُمْ وَأَرْضَهُمْ فَهُمْ عَبِيدٌ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا بَعْدَ تَمَامِ الْقَهْرِ، وَذَلِكَ يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ الْقَتْلِ وَلَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رِقَابِهِمْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 987
[بَابُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْفَيْءُ وَمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِالْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
- بَابُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْفَيْءُ وَمَا يَرْكَبُهُ الرَّجُلُ مِنْ الدَّوَابِّ وَمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِالْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْقِسْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ﵁: ١٩٢٠ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَبِيعَهَا، وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ نَفَذَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا. فَعِنْدَ الْحَاجَةِ تُقْسَمُ الثِّيَابُ وَالسِّلَاحُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ.
لِأَنَّ مَا يُشْبِهُ الْقِسْمَةَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهُوَ التَّنْفِيلُ، فَالْقِسْمَةُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ أَجْوَزُ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَقْسِمُ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْمَدَدِ، كَيْ لَا تَقِلَّ رَغْبَتُهُمْ فِي اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الَّذِينَ هُمْ مَعَهُمْ أَوْلَى ١٩٢١ - فَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْحَاجَةُ إلَى قِسْمَتِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يَتَأَكَّدُ الْحَقُّ فِيهِمْ أَيْضًا، حَتَّى حَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُمْ.
فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْسِمَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.
١٩٢٢ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ظَهْرٌ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْغَنَائِمَ نَظَرَ: فَإِنْ كَانَتْ فِي الْغَنَائِمِ دَوَابُّ فَلْيَحْمِلْ عَلَيْهَا الْغَنَائِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ مَعَ عَامَّةِ الْجَيْشِ فَضْلُ حُمُولَةٍ حَمَلَ الْغَنَائِمَ عَلَيْهَا.
стр. 988
لِأَنَّ الْغَنَائِمَ حَقُّهُمْ وَالدَّوَابَّ كَذَلِكَ لَهُمْ، فَفِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا مُرَاعَاةُ النَّظَرِ لَهُمْ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْخُمُسِ. فَإِنَّهُ تَبَعٌ لِحَقِّ الْغَانِمِينَ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِإِصَابَتِهِمْ. وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ كَثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ.
وَإِنْ كَانَتْ فَضْلُ الْحُمُولَةِ مَعَ خَوَاصَّ مِنْهُمْ فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِأَنْ تُحْمَلَ الْغَنَائِمُ عَلَيْهَا فُعِلَ، وَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُكْرِهْهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ الدَّوَابَّ لِلْخَاصِّ مِنْهُمْ، وَالْغَنِيمَةَ لِعَامَّتِهِمْ، فَاعْتِبَارُ جَانِبِ غَيْرِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ يَمْنَعُهُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى دَابَّتِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَيْسَ حَقُّ الْبَعْضِ تَبَعًا لِحَقِّ الْبَعْضِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ بَعْضَهُمْ عَلَى دَوَابِّ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ حَمْلِ الْغَنَائِمِ.
١٩٢٣ - ثُمَّ إذَا أَبَوْا فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْسِمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، حَتَّى يَتَوَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمْلَ نَصِيبِهِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يُمْكِنُهُ.
لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، إذْ لَوْ لَمْ يَقْسِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ احْتَاجَ إلَى تَرْكِهَا وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ عَنْهَا أَصْلًا.
١٩٢٤ - وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ تُجَّارٌ يَشْتَرُونَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُمْ.
لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ الْقِسْمَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (ص ٣٤٦) جَازَ الْبَيْعُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ تَصَرُّفٌ يَبْتَنِي عَلَى تَأَكُّدِ الْحَقِّ.
ثُمَّ بَعْدَ الْبَيْعِ يَقْسِمُ الثَّمَنَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَلَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.
стр. 989
لِأَنَّ بِنُفُوذِ الْبَيْعِ يَتَأَكَّدُ حَقُّ الْغَانِمِينَ وَتَنْقَطِعُ شَرِكَةُ الْمَدَدِ مَعَهُمْ فِي الثَّمَنِ، فَلَا مَعْنَى لِتَأَخُّرِ الْقِسْمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
١٩٢٥ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْحُمُولَةَ مِنْ أَصْحَابِهَا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَيَكُونُ الْأَجْرُ مِنْ الْغَنَائِمِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْخُمُسِ.
لِأَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةً لِلْغَانِمِينَ، فَهُوَ كَالِاسْتِئْجَارِ لِسَوْقِ الْغَنَمِ وَالرِّمَاكِ. وَحَقُّ أَصْحَابِ الْحُمُولَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ.
لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُمْ فِيهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ، وَشَرِكَةُ الْمِلْكِ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ، لَا شَرِكَةُ الْحَقِّ كَمَا فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إنْ رَضِيَ بِهِ أَصْحَابُ الْحُمُولَةِ أَوْ أَبَوْا إذَا كَانَ بِهِمْ غِنًى عَنْ تِلْكَ الْحُمُولَةِ.
لِأَنَّهُمْ بِهَذَا الْإِبَاءِ قَصَدُوا التَّعَنُّتَ. فَإِنَّ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةً لَهُمْ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةٍ لَا تَبْقَى لَهُمْ بِدُونِ هَذَا الِاسْتِئْجَارِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْغَانِمِينَ أَيْضًا. فَكَانُوا مُتَعَنِّتِينَ فِي الْإِبَاءِ، وَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى إبَاءِ الْمُتَعَنِّتِ. وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الِاسْتِئْجَارِ وَبَقَاءَ الْإِجَارَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ الْأَمِيرِ، فَمِنْ الْأَمِيرِ أَوْلَى.
وَبَيَانُهُ فِي اسْتِئْجَارِ السَّفِينَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، إذَا انْتَهَتْ الْمُدَّةُ أَوْ مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَالسَّفِينَةُ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ. وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُ الْأَوْعِيَةِ لِحَمْلِ الْمَائِعِ فِيهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً إذَا انْتَهَتْ الْمُدَّةُ وَهُمْ فِي الْمَفَازَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِحَمْلِ أَمْتِعَةٍ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَانْتَهَتْ الْمُدَّةُ وَهُمْ فِي الْمَفَازَةِ، أَوْ مَاتَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ، فَإِنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَيَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ
стр. 990
فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ، وَبِالْمُسَمَّى فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ. وَكَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ إذَا تَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى حَمْلِهَا.
١٩٢٦ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ إجْبَارٍ مِنْهُ لِأَصْحَابِ فَضْلِ الْحُمُولَةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَتَعَرَّضُ لِحُمُولَتِهِمْ.
لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ. وَقَالَ ﵇ «وَلَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .
١٩٢٧ - وَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ سَبْيًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمَشِّيَهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُجْبِرْ أَصْحَابَ الْحُمُولَةِ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ السَّبْيَ يَلْحَقُهُمْ تَعَبٌ فِي الْمَشْيِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ إجْبَارُ أَصْحَابِ الْحُمُولَةِ عَلَى مَا لَا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ.
١٩٢٨ - وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدٍ فَضْلُ حُمُولَةٍ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ مَا يَحْتَرِقُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَمَا لَا يَحْتَرِقُ كَالْحَدِيدِ يَدْفِنُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ السَّبْيِ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، وَمَا كَانَ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ خَلَّى سَبِيلَهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَضِيعُونَ فِيهِ. وَمَا كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ ذَبَحَهُ ذَبْحًا ثُمَّ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْرِقَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الرُّوحُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا» . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ:
стр. 991
أَحَدُهُمَا: قَطْعُ مَنْفَعَةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ ذَلِكَ أَصْلًا.
وَالْآخَرُ: إيصَالُ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا فَلْيَأْتِ بِهِمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا فَلْيَأْتِ بِالْآخَرِ. وَهَا هُنَا قَدْ عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْآخَرِ.
وَهُوَ قَطْعُ مَنْفَعَتِهِمْ عَنْهَا لِكَيْ لَا يَتَقَوَّوْا بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ.
وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا فِيهِ الْكَبْتَ وَالْغَيْظَ لِلْعَدُوِّ. وَفِي جَمِيعِ مَا قُلْنَا تَحْقِيقُ مَعْنَى الْغَيْظِ وَالْكَبْتِ لَهُمْ. ثُمَّ لَا يَكُونُ هُوَ مُتْلِفًا لِلصِّبْيَانِ وَلِلنِّسَاءِ بِتَرْكِهِمْ فِي مَضْيَعَةٍ، وَلَكِنْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا (ص ٣٤٧) مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ بِالنَّقْلِ إلَى الْعُمْرَانِ. وَتَرْكُ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إسَاءَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَرَّ بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ فِي مَفَازَةٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَقْلِهِ إلَى الْعُمْرَانِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا شَيْئًا مِنْ بَدَلِهِ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ بِمَا قَامَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَوَابِّهِمْ وَبِمَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ.
١٩٢٩ - وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ دَابَّةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَزَا عَلَيْهَا، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَعَهُ فِي الْعَسْكَرِ خَاصَمَهُ حَتَّى يَرُدَّهَا عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَظْلُومًا مِنْ جِهَتِهِ بِتَدْلِيسِ الْعَيْبِ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَرْكَبَهَا، وَلَكِنْ يَسُوقُهَا مَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَهَا فَيَرُدَّهَا.
لِأَنَّ الرُّكُوبَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَكُونُ رِضًى مِنْهُ بِهَا، فَلْيُتَحَرَّزْ مِنْ ذَلِكَ.
١٩٣٠ - إلَّا أَنْ يَرْكَبَهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ لِيَسُوقَهَا إلَى مَعْلَفِهَا، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا عَلَفَهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ رِضًى مِنْهُ بِالْعَيْبِ.
стр. 992
لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا إلَّا بِأَنْ يَسْقِيَهَا وَيَعْلِفَهَا، فَرُبَّمَا لَا تَنْقَادُ لَهُ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَرْكَبْهَا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلَ الرِّضَى مِنْهُ. وَأَمَّا الرُّكُوبُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ لِحَمْلِ أَمْتِعَتِهِ عَلَيْهَا فَدَلِيلُ الرِّضَا مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةَ رِضَاهُ بِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ.
١٩٣١ - وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَجِدْ دَابَّةً أُخْرَى أَوْ وَجَدَهَا.
لِأَنَّ الْعُذْرَ الَّذِي لَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْبَائِعِ، وَالرُّكُوبُ لِحَاجَتِهِ دَلِيلُ الرِّضَا، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالرِّضَا.
١٩٣٢ - فَإِنْ أَتَى الْإِمَامَ وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: ارْكَبْهَا فَرَكِبَهَا بِأَمْرِهِ، لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهَا أَيْضًا.
لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي الْتَمَسَ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ قَبْلَ أَمْرِهِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِهِ أَمْرَهُ بَعْدَ أَنْ يَرْكَبَهَا طَائِعًا.
١٩٣٣ - فَإِنْ أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ حِينَ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَقَصَهَا رُكُوبُهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَعَيَّبَتْ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَإِنْ لَمْ يُنْقِصْهَا رُكُوبُهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ.
لِأَنَّ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ يَنْعَدِمُ الْفِعْلُ مِنْ الْمُكْرَهِ، وَيَصِيرُ آلَةً لَهُ، إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِالْقَتْلِ. وَإِنْ كَانَ بِالْحَبْسِ وَالْقَيْدِ يَنْعَدِمُ بِهِ الرِّضَا. وَإِنَّمَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ رَدَّهَا بَعْدَ الرُّكُوبِ لِوُجُودِ دَلِيلِ الرِّضَا. فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ فِي الرُّكُوبِ مُكْرَهًا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا.
стр. 993
١٩٣٤ - وَإِنْ لَمْ يُكْرِهْهُ وَلَكِنْ قَالَ: ارْكَبْهَا وَأَنْتَ عَلَى رَدِّك لَهَا. فَرَكِبَهَا، لَزِمَتْهُ. وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْأَمِيرِ بَاطِلًا.
لِأَنَّهُ فَتْوَى بِخِلَافِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ مِنْ جِهَتِهِ.
لِأَنَّ الْقَضَاءَ مُسْتَدْعٍ مَقْضِيًّا لَهُ وَمَقْضِيًّا عَلَيْهِ.
١٩٣٥ - فَإِذَا رَفَعَهَا إلَى قَاضٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا بِالْعَيْبِ عَلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لَمَّا قَالَ لَهُ الْأَمِيرُ ذَلِكَ، ثُمَّ رُفِعَتْ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ خَطَأً فَإِنَّهُ يَمْضِي قَضَاءُ الْأَوَّلِ وَلَا يَرُدُّهُ.
لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ النُّصُوصِ الْمُوجِبَةِ لِطَاعَةِ الْأَمِيرِ تُخْرِجُ رُكُوبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رِضًا بِالْعَيْبِ.
١٩٣٦ - وَكَذَلِكَ التَّنْصِيصُ مِنْ الْأَمِيرِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتَ عَلَى رَدِّك. يُسْقِطُ اعْتِبَارَ دَلِيلِ الرِّضَا بِالْعَيْبِ مِنْهُ عِنْدَ الرُّكُوبِ.
لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّنْصِيصُ بِخِلَافِهِ.
١٩٣٧ - ثُمَّ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِوُجُودِ دَلِيلِ الرِّضَا مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ لِنُقْصَانٍ دَخَلَهَا، بِأَنْ كَانَ رَكِبَهَا مُكْرَهًا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لِأَنَّ دَلِيلَ الرِّضَا كَصَرِيحِهِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ صَرِيحًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ. فَكَذَلِكَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى مَا يَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا.
стр. 994
فَإِذَا انْعَدَمَ الرِّضَا بَقِيَ اعْتِبَارُ النُّقْصَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ حَصَلَ بِغَيْرِ صَنِيعِ أَحَدٍ، وَذَلِكَ يُمَكِّنُهُ مِنْ الرُّجُوعِ (ص ٣٤٨) بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ.
١٩٣٨ - وَإِذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ فَكَانَ فِيهَا مُصْحَفٌ لَا يُدْرَى أَنَّ الْمَكْتُوبَ فِيهِ تَوْرَاةٌ أَوْ إنْجِيلٌ أَوْ زَبُورٌ أَوْ كُفْرٌ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، مَخَافَةَ أَنْ يَضِلُّوا بِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُسَبِّبُ لِفِتْنَتِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَبِيعُ مِنْ مُسْلِمٍ.
لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَيْضًا فَيَضِلُّوا بِسَبَبِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَقْسِمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَضِلُّوا بِسَبَبِهِ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ ذَلِكَ أَيْضًا.
لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَفِي إحْرَاقِهِ بِالنَّارِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ مَا لَا يَخْفَى.
وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَصَاحِفِ الْمُخْتَلِفَةِ حِينَ أَرَادَ جَمْعَ النَّاسِ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ لَا يَكَادُ يَصِحُّ. فَاَلَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ تَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى تِلَاوَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ.
стр. 995
وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ لِوَرَقِهِ قِيمَةٌ مُحِيَ الْكِتَابُ وَجُعِلَ الْوَرِقُ فِي الْغَنِيمَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَرَقِهِ فَلْيَغْسِلْ وَرَقَهُ بِالْمَاءِ حَتَّى يَذْهَبَ الْكِتَابُ ثُمَّ يُحْرِقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَحَبَّ.
لِأَنَّهُ لَا كِتَابَ فِيهِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي إحْرَاقِهِ بَعْدَ غَسْلِهِ الْمَكْتُوبَ فِيهِ مَعْنَى الْغَيْظِ لَهُمْ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْفِنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ مَحْوِ الْكِتَابِ.
لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَطْلُبَهُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسْتَخْرِجُوهُ، وَيَأْخُذُوا بِمَا فِيهِ، فَيَزِيدُهُمْ ذَلِكَ ضَلَالًا إلَى ضَلَالِهِمْ.
وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَأْمَنُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْفِنَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا انْقَطَعَ أَوْرَاقُ الْمُصْحَفِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِدَفْنِهِ فِي مَكَان طَاهِرٍ. وَالْغَسْلُ بِالْمَاءِ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. وَإِنْ أَرَادَ شِرَاءَهُ رَجُلٌ ثِقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ.
لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ. وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ جَازَ بَيْعُهُ، إلَّا أَنَّ كَرَاهَةَ بَيْعِهِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ هَا هُنَا. فَهُوَ نَظِيرُ بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَّخِذُهُ خَمْرًا.
قَالَ مَشَايِخُنَا: وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا يَجِدُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ كُتُبِ الْبَاطِنَةِ وَأَهْل الْأَهْوَاء الْمُضِلَّةِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي يَدِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَيُفْتَتَنُوا بِهِ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ بِهِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
стр. 996
وَلَوْ وَجَدُوا فِي الْغَنَائِمِ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ تَمَاثِيلَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ فِيهَا التَّمَاثِيلُ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْسِرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَيَجْعَلَهُ تِبْرًا.
لِأَنَّهُ لَوْ قَسَمَهُ أَوْ بَاعَهُ كَذَلِكَ، رُبَّمَا يَبِيعُهُ مَنْ يَقَعُ فِي سَهْمِهِ مِنْ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يَزِيدُوا لَهُ فِي ثَمَنِهِ رَغْبَةً مِنْهُمْ فِي لِبَاسِهِ، أَوْ فِي أَنْ يَعْبُدُوهُ. فَلْيُتَحَرَّزْ عَنْ ذَلِكَ بِكَسْرِ الصَّلِيبِ وَالتَّمَاثِيلِ.
وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعَثَ بِهَا لِتُبَاعَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ. فَقَدْ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ، ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ. فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَلَا بَأْسَ بِقِسْمَتِهَا وَبَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تُكْسَرَ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُلْبَسُ، وَلَكِنَّهُ يُبْتَذَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَبَايَعُونَ بِدَرَاهِمِ الْأَعَاجِمِ فِيهَا التَّمَاثِيلُ بِالتِّيجَانِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ عَنْ الْمُعَامَلَةِ بِذَلِكَ. وَإِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا فِيمَا يُلْبَسُ أَوْ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ الصَّلِيبِ وَنَحْوِهَا.
١٩٤٠ - وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَحُكْمِ مَا لَوْ أَصَابُوا بَرَابِط وَغَيْرَهَا مِنْ الْمَعَازِفِ. فَهُنَاكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْسِرَهَا ثُمَّ يَبِيعَهَا أَوْ يَقْسِمَهَا حَطَبًا. قَالَ: إلَّا أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ أَنْ يَكْسِرَهَا مِمَّنْ هُوَ ثِقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَرْغَبُ فِيهَا لِلْحَطَبِ لَا لِلِاسْتِعْمَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحِلُّ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
لِأَنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ. فَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ شَرْعًا.
стр. 997
وَمَا وَجَدُوا فِي الْغَنَائِمِ مِنْ كَلْبِ صَيْدٍ أَوْ فَهْدٍ أَوْ بَازِي فَلَا بَأْسَ بِقِسْمَةِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ شَرْعًا. وَلِهَذَا جَوَّزَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ بَيْعَهُ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْبَيْتِ الْقَاصِي فِي الْكَلْبِ يَتَّخِذُونَهُ» .
يَعْنِي لِلْحَرَسِ. ثُمَّ شُبِّهَ الْكَلْبُ بِالْهِرَّةِ. وَبَيْعُ الْهِرَّةِ جَائِزٌ.
لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَالْكَلْبُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ مِثْلُهُ.
١٩٤٢ - وَمَنْ وَجَدَ مِنْ الْغُزَاةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهْدًا أَوْ بَازِيًا أَوْ صَقْرًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ هَذَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ بَعْدَ إخْرَاجِهِ، وَهُوَ لَمْ يَتَوَصَّلْ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَ ذَلِكَ فِيهِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ.
وَنَظِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا وَجَدَ كَنْزًا أَوْ مَعْدِنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ مَالًا.
стр. 998
١٩٤٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَخْرَجَ مِنْ الْبَحْرِ لُؤْلُؤًا أَوْ عَنْبَرًا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُ مَا تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
١٩٤٤ - وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَ سَمَكًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَنَاوَلَ السَّمَكَ وَيُطْعِمَ أَصْحَابَهُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي طَعَامِ الْغَنِيمَةِ.
١٩٤٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ اصْطَادَ بِكَلْبٍ أَوْ فَهْدٍ أَوْ بَازِيٍّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّ مَا يُصَادُ بِهِ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ.
إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَسَائِرِ الْأَطْعِمَةِ.
١٩٤٦ - وَأَهْلُ الشَّامِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَمْلُوكًا لِلْعَدُوِّ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا. فَيَقُولُونَ فِيمَا لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا: هُوَ سَالِمٌ لَهُ. لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵊: «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» .
وَلِأَنَّ الْغَنِيمَةَ اسْمٌ لِمَالٍ مُصَابٍ بِطَرِيقٍ فِيهِ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِعْزَازُ الدِّينِ، وَذَلِكَ فِيمَا يُتَمَلَّكُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ. أَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَالِ الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ تَافِهٌ بَيْنَ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً. وَبِهَذَا الْحَرْفِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِتَافِهٍ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يُوجَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِمَّا يَكُونُ تَافِهًا كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ لَا يَجِبُ فِيهِ الْخَمْسُ، وَمَا لَا يَكُونُ تَافِهًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ الْمَعَادِنِ يَجِبُ فِيهَا الْخَمْسُ. وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ عَلَى قَوْلِهِمْ بِخِلَافِ السَّمَكِ.
стр. 999
إلَّا أَنَّا نَقُولُ: مَا أُصِيبَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ. وَفِي هَذَا يَسْتَوِي مَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ وَمَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُمْ.
لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ مَوْضِعُ وِلَايَتِهِمْ، وَفِي إصَابَةِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِمْ مَعْنَى الْمُغَايَظَةِ لَهُمْ. فَإِذَا حَصَلَتْ تِلْكَ الْإِصَابَةُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْغُزَاةَ لَوْ اسْتَخْرَجُوا مِنْ بَعْضِ جِبَالِهِمْ الْيَاقُوتَ وَالزَّبَرْجَدَ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ غَنِيمَةً، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ لَوْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي جِبَالِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَمْسٌ، عَلَى مَا قَالَ ﵇: «لَيْسَ فِي الْحَجَرِ زَكَاةٌ» وَهَذَا كُلُّهُ حَجَرٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْأَحْجَارِ أَضْوَأُ مِنْ بَعْضِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَخْرُجُ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ لَا يَكُونُ قِيَاسَ مَا يُوجَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
١٩٤٧ - وَلَوْ أَرَادَ الْغَازِي أَنْ يَصْطَادَ بِكَلْبٍ أَوْ فَهْدٍ أَوْ بَازِي مِنْ الْغَنِيمَةِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ. لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَإِنْ أَرْسَلَهُ فَذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ. لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ بِالْإِرْسَالِ مُسْتَهْلَكٌ لَهُ، وَمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَضْمَنْ. وَلَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ.
فَهَذَا مِثْلُهُ.
стр. 1000
وَلَوْ وُجِدَ (ص ٣٥٠) فِي الْغَنَائِمِ فَرَسٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ كَانُوا إنَّمَا وَجَدُوا ذَلِكَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ بِحَيْثُ يَكُونُ أَغْلَبُ الرَّأْيِ فِيهِ أَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، فَالسَّبِيلُ فِيهِ التَّعْرِيفُ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَا يَكُونُ حَبِيسًا بِمَا عَلَيْهِ مِنْ السِّمَةِ.
لِأَنَّ السِّمَةَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ حَكِيمَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الْمِلْكَ وَلَا الْيَدَ. وَإِنْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ هُوَ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّا يَكُونُ غَالِبُ الرَّأْيِ فِيهِ أَنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ هَذَا غَنِيمَةٌ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ.
لِأَنَّ بِهَذِهِ السِّمَةِ لَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ فِي الْحُكْمِ. فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُونَ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَلْبَسُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا خَرَجَ بَعْضُهُمْ إلَى الْمُعَسْكَرِ عَيْنًا يَتَجَسَّسُ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرَسِ لَوْ كَانَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ يَبِيعُهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِهِ، بِاعْتِبَارِ هَذِهِ السِّمَةِ، فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّمَةَ لَا تَكُونُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ. وَلَكِنْ لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مِنْ الْخَيْلِ الْحُبْسِ، وَقَدْ حَضَرَ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرُدُّهُ إلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ، بِغَيْرِ شَيْءٍ.
стр. 1001
لِأَنَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ الْوَقْفَ: الْفَرَسُ الْحَبِيسُ، كَالْوَقْفِ فِي الْحُكْمِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يَتَمَلَّكُهُ الْمُشْرِكُونَ بِالْإِحْرَازِ وَلَا الْمُسْلِمُونَ بِالْأَخْذِ مِنْهُمْ، فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى الْقَيِّمِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، وَتَعْوِيضُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ قِيمَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَرَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ بَاعَهُ الْإِمَامُ. وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُدَبَّرِ يَأْسِرُهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَالْحُكْمُ فِي هَذَا كَالْحُكْمِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَاسِ الْمُسْلِمِينَ يُحْرِزُهَا الْمُشْرِكُونَ.
لِأَنَّ عِنْدَهُ هَذَا مَحَلٌّ لِلتَّمْلِيكِ بِالْإِرْثِ وَالْبَيْعِ، فَيَكُونُ مَحَلَّ التَّمْلِيكِ بِالِاغْتِنَامِ أَيْضًا.
١٩٤٩ - وَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَزَلَ الْخُمُسَ ثُمَّ أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى مَا عَزَلَهُ لِلْخَمْسِ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رَدَّ فِي الْخُمُسِ كَمَا كَانَ.
لِأَنَّ حَقَّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ تَأَكَّدَ فِي الْخُمُسِ، كَمَا أَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ حَتَّى قَسَمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَهُوَ سَالِمٌ لَهُمْ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَخَذَهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
١٩٥٠ - وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بِقِسْمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُوَ سَالِمٌ لِلْمُشْتَرِي.
стр. 1002
لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَا فَائِدَةَ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ.
وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ.
لِأَنَّ الْأَخْذَ هَا هُنَا مُفِيدٌ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ، فَإِنَّهُ يُعْطِي الثَّمَنَ مِنْ الْخُمُسِ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ.
١٩٥١ - وَمَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَتَاعٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ أَوْ وَجَدُوا سَفِينَةً قَدْ ضَرَبَتْهَا الرِّيحُ فَرَمَتْ بِهَا عَلَى السَّاحِلِ، وَفِيهَا أَمْتِعَةٌ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَيْءٌ يُخَمَّسُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَتَاعُ مِمَّا يَتَّخِذُهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ.
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَوَصَّلُوا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَيَكُونُ الْمُصَابُ غَنِيمَةً، وَبِأَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَنِيمَةً. كَمَا لَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونُوا اشْتَرَوْا ذَلِكَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَهْرًا، أَوْ أَحْرَزُوهُ.
١٩٥٢ - وَإِنْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ السَّاحِلِ هُوَ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ. وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعٍ يَتَّخِذُهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ (ص ٣٥١) أَكْثَرُ الرَّأْيِ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لِلْعَدُوِّ، فَحِينَئِذٍ يُخَمَّسُ، وَمَا بَقِيَ يَكُونُ لِلْغَانِمِينَ لِأَنَّ مَا يُوجَدُ عَلَى ظَاهِرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ مَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِهِ.
стр. 1003
وَلَوْ اسْتَخْرَجُوا كَنْزًا مِنْ مَوْضِعٍ هُوَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.
١٩٥٤ - وَإِنْ اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، يَجِبُ الْخَمْسُ فِيهِ، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ لِمَنْ أَصَابَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْجُودُ مِنْ دَارِهِمْ الْأَعَاجِمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَضْعِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَغَالِبِ الرَّأْيِ، بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا لَا يُمْكِنَ إثْبَاتَهُ بِحُجَّةٍ أُخْرَى.
١٩٥٥ - فَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ فَدُلُّوا عَلَى قُبُورِ الْكُفَّارِ، فِيهَا الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ قَدْ دُفِنَتْ مَعَهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْفِرُوا تِلْكَ الْقُبُورَ وَيَسْتَخْرِجُوا مَا فِيهَا. وَهَذِهِ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ يَدْفِنُونَ الْأَبْطَالَ مِنْهُمْ بِأَسْلِحَتِهِمْ وَأَعْيَانِ أَمْوَالِهِمْ. ثُمَّ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِتِلْكَ الْأَسْلِحَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ.
وَحُرْمَةُ قُبُورِهِمْ لَا تَكُونُ فَوْقَ حُرْمَةِ بُيُوتِهِمْ. فَإِذَا جَازَ الْهُجُومُ عَلَيْهِمْ فِي بُيُوتِهِمْ لِأَخْذِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَمْوَالِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ حَفْرُ قُبُورِهِمْ.
وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ ضَائِعَةٌ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي تُدْفَنُ فِيهِ الْأَمْوَالُ يَكُونُ كَنْزًا لَا قَبْرًا، وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ أَرَادُوا حَفْرَ الْقُبُورِ لِنَبْشِ أَكْفَانِ الْمَوْتَى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ ضَائِعٍ، بَلْ هُوَ مَصْرُوفٌ إلَى حَاجَةِ الْمَيِّتِ.
стр. 1004
ثُمَّ مَنْ اسْتَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ يُخَمَّسُ.
لِأَنَّهُ مَا تَوَصَّلَ إلَيْهَا إلَّا بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ.
١٩٥٦ - وَمَا وَجَدُوا مِنْ مَتَاعِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا قَدْ سَقَطَ مِنْهُمْ، مِثْلُ السَّوْطِ وَالْحِذَاءِ وَالْحَبْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ غَنِيًّا أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقْطَةِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ انْتَفَعَ بِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَهُ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَجَدَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِي السَّوْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَعْبَدٍ الضَّبِّيِّ عَلَى مَا رَوَاهُ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ.
قُلْنَا: تَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي السَّوْطِ الْمُنْكَسِرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلَا يَطْلُبُهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ مَا سَقَطَ مِنْهُ، وَرُبَّمَا أَلْقَاهُ وَاسْتَبْدَلَ بِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ وَيَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ مَا أَلْقَاهُ بَلْ سَقَطَ عَنْهُ. وَهُوَ فِي طَلَبِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ.
اعْتِبَارُ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فُلَانًا أَخَذَ قِبَالَيْنِ مِنْ شَعْرٍ. فَقَالَ: قِبَالَيْنِ مِنْ نَارٍ» . وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْغَنِيمَةِ فَمَا ظَنُّك فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَقَدْ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّ لَهُ مُخَالِفًا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ. فَإِنَّهُمْ يُرَخِّصُونَ فِي السَّوْطِ وَنَحْوِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ فَسَادَ مَذْهَبِهِمْ فَقَالَ:
стр. 1005
أَرَأَيْت لَوْ كَانَ سَوْطًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَكَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، وَهُوَ بِحَيْثُ لَوْ سَرَقَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قُطِعَتْ يَدُهُ فِيهِ.
أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عِشْرُونَ سَوْطًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّ الَّذِي لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ هُوَ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ، وَلَا يَطْلُبُهُ صَاحِبُهُ، مِثْلُ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَبَعْرِ الْإِبِلِ وَجِلْدِ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَطْلُبُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ.
١٩٥٧ - وَالدَّابَّةُ الْعَجْفَاءُ الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا تَرَكَهَا إذَا أَخَذَهَا إنْسَانٌ فَأَخْرَجَهَا فَعَلَيْهِ رَدُّهَا، وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ السَّوْطِ يُلْقِيهِ صَاحِبُهُ.
وَالْقِيَاسُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي السَّوْطِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَلْقَاهُ رَغْبَةً عَنْهُ. فَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى حَمْلِهِ، وَمَا تَرَكَ الدَّابَّةَ رَغْبَةً عَنْهَا وَإِنَّمَا تَرَكَهَا لِعَجْزِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا بِذَلِكَ.
أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً مَرِيضَةً تَرَكَهَا لِعَجْزِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا فَأَخَذَهَا إنْسَانٌ وَأَحْسَنَ إلَيْهَا حَتَّى بَرَأَتْ مِنْ مَرَضِهَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ لَهُ فِيهَا؟ فَلِهَذَا وَشَبَهِهِ أَخَذْنَا فِي الْحَيَوَانِ بِالْقِيَاسِ.
١٩٥٨ - وَلَوْ ادَّعَى الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّابَّةُ عَلَى صَاحِبِهَا: إنَّك قُلْت حِينَ خَلَّيْت سَبِيلَهَا: مَنْ أَخَذَهَا فَهِيَ لَهُ. وَجَحَدَ ذَلِكَ صَاحِبُهَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ دَعْوَاهُ هَذَا السَّبَبَ عَلَيْهِ كَدَعْوَاهُ مِنْهُ.
стр. 1006
فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْ نَكَلَ صَاحِبُهَا عَنْ الْيَمِينِ سُلِّمَتْ الدَّابَّةُ لِلَّذِي أَخَذَهَا. سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا حِينَ قَالَ صَاحِبُهَا هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
لِلْحَدِيثِ الَّذِي رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ فِي الْهَدَايَا: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ.» وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ. وَبَعْدَ صِحَّةِ الْهِبَةِ لَمَّا صَلُحَتْ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَسَمِنَتْ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ.
стр. 1007
[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ]
١٠٩ - بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ ١٩٥٩ - وَإِذَا رَأَى صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ أَنْ يَقْسِمَ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جِنْسًا بِنَصِيبِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، بَعْدَ أَنْ يَعْتَبِرَ الْمُعَادَلَةَ فِي الْمَالِيَّةِ.
لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْكُلَّ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ، وَفِي الْقِسْمَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْمُعَادَلَةِ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ.
١٩٦٠ - وَهَذَا بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ الْمَوْرُوثِ وَالْمُشْتَرَى، فَإِنَّ هُنَاكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا يُجِيزُ الْقَاضِي الشُّرَكَاءَ عَلَى الْقِسْمَةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
لِأَنَّ الشَّرِكَةَ هُنَاكَ ثَابِتَةٌ فِي الْعَيْنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْعَيْنَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ دُونَ رِضَاهُمْ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْكَ هُنَاكَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ جِنْسٍ، وَلِهَذَا لَوْ عَتَقَ بَعْضُهُمْ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي نَصِيبِهِ، فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي قِسْمَةِ الْأَجْنَاسِ جُمْلَةً وَاحِدَةً
стр. 1008
١٩٦١ - وَهَا هُنَا لَا مِلْكَ لِلْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ الرَّقِيقِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، وَلَكِنْ سَقَطَ الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ هَا هُنَا تَمْلِيكًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُعْطِيهِ بِحَقِّهِ ابْتِدَاءً، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ وَالْأَجْنَاسُ الْمُخْتَلِفَةُ.
فَإِنْ وَقَعَتْ جَارِيَةٌ مِنْهَا فِي سَهْمِ رَجُلٍ، فَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا حُرَّةٌ ذِمِّيَّةٌ قَدْ سَبَاهَا الْمُشْرِكُونَ، فَإِنْ كَانَ شُهُودُهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ.
لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ. وَإِنْ كَانَ شُهُودُهَا مُسْلِمِينَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَقُضِيَ بِأَنَّهَا حُرَّةٌ.
ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ يَرْجِعُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ عَلَى الْجُنْدِ فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِمَّا أَخَذُوا، كَمَا فِي قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ إذَا اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: الْإِمَامُ يُعَوِّضُ الَّذِي وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُنْتَقَضُ بِتِلْكَ الْقِسْمَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا مُدَبَّرَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ رُجُوعُهُ عَلَيْهِمْ بِحِصَّتِهِ لِكَثْرَتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ، وَالْمُتَعَذِّرُ كَالْمُمْتَنِعِ. ثُمَّ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ فِي أَنْ يُعَوِّضَ لَهُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ. وَلِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ
стр. 1009
شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ (ص ٣٥٣) فَإِنَّهُ يُوضَعُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ إذَا لَحِقَهُ غُرْمٌ يُجْعَلُ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ.
وَلِأَنَّ هَذَا خَطَأٌ مِنْ الْإِمَامِ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
١٩٦٢ - وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّتْ جَارِيَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَغْفَلَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، فَهَذَا وَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُمْ سَوَاءٌ
فَأَمَّا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَلْفِ رَأْسٍ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَقُضِيَ بِحُرِّيَّتِهِمْ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُعَوِّضُ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَكِنْ يَقُولُ لَهُمْ: ائْتُونِي بِمَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْجُنْدِ حَتَّى أَرُدَّكُمْ عَلَيْهِمْ بِحِصَصِكُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّهُ كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِمْ يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْتِزَامِ التَّعْوِيضِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْتَحَقِّ، إضْرَارٌ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ. وَرُبَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. فَلِهَذَا أَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ إذَا قَلَّ الْمُسْتَحَقُّ، وَعَادَ إلَى الْقِيَاسِ إذَا كَثُرَ الْمُسْتَحَقُّ.
١٩٦٣ - وَأَيُّ رَجُلٍ جَاءُوا بِهِ قَدْ أَخَذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا أَعْطَاهُمْ بِحِصَّتِهِمْ مِمَّا فِي يَدِهِ، وَأَعْطَى أَيْضًا نَصِيبَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ إنْ لَمْ يَقْسِمْ
стр. 1010
ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كَانَ قَسَمَ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا فِيمَا يَأْتِيهِ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ ثَابِتًا فِيمَا دَفَعَهُ لِلْخُمُسِ وَفِيمَا دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِمْ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِسَلَامَةِ نَصِيبِهِمْ لَهُمْ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ.
١٩٦٤ - فَإِنْ جَاءُوا بِقَوْمٍ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَخَذُوا الْغَنَائِمَ وَقَالُوا لِلْأَمِيرِ: اجْمَعْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ فَاقْسِمْهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لِأَنَّا وَإِيَّاهُمْ شَرْعًا سَوَاءٌ، لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى حِصَّتِهِمْ مِمَّا فِي أَيْدِي الَّذِينَ أَحْضَرُوهُمْ فَيُعْطِيهِمْ ذَلِكَ الْقَدْرَ.
لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ الْإِمَامِ بِالْقِسْمَةِ قَدْ صَحَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ إلَّا فِي قَدْرِ مَا يُتَيَقَّنُ بِالسَّبَبِ الْمُبْطِلِ فِيهِ، وَذَلِكَ مِقْدَارُ حِصَّتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِمْ فِي يَدِ سَائِرِ الْغَانِمِينَ، فَمَا لَمْ يُحْضِرُوهُمْ لَا يَقْضِي لَهُمْ بِهِ.
١٩٦٥ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَقْسُومُ بَيْنَهُمْ جِنْسًا وَاحِدًا مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَقْسِمُ مَا فِي يَدِ الَّذِينَ أَحْضَرُوهُمْ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ، كَأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمْ تَكُنْ إلَّا ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمْ الْغَانِمُونَ خَاصَّةً.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ تَمْيِيزٌ مَحْضٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْمُشْتَرِينَ
стр. 1011
لَا تَمْنَعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مُرَابَحَةً، فَاَلَّذِينَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ قَدْ أَخَذُوا مِقْدَارَ حَقِّهِمْ وَزِيَادَةً، فَتُجْعَلُ الزِّيَادَةُ كَالتَّسَاوِي. فَأَمَّا فِي الْعُرُوضِ وَالْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَيَتَمَكَّنُ مَعْنَى الْمُعَارِضَةِ فِي الْقِسْمَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِينَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً عَلَى قَدْرِ مَا غَرِمَ فِيهِ مِنْ الثَّمَنِ؟ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ مِقْدَارُ نَصِيبِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِمْ فِيمَا فِي يَدِ الَّذِينَ أَحْضَرُوهُمْ فِي الْأَصْلِ، فَيَرُدُّهُمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْقَدْرِ.
١٩٦٦ - قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ مَاتَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَعْبُدَ وَثَلَاثِ بَنِينَ، فَقَسَمَ الْقَاضِي الْعَبِيدَ بَيْنَهُمْ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَبْدًا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ، أَوْ ظَهَرَتْ حُرِّيَّتُهُ، فَوَجَدَ (ص ٣٥٤) أَحَدُ صَاحِبَيْهِ لَمْ يَأْخُذْ مِمَّا فِي يَدِهِ إلَّا قَدْرَ نَصِيبِهِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الثُّلُثُ مِنْ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَوْزُونُ بَيْنَهُمْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَا. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقِسْمَةِ الَّتِي تَبْتَنِي عَلَى الْمِلْكِ وَهِيَ لَا تَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ ابْتِدَاءً فَفِي، الْقِسْمَةِ الَّتِي تَبْتَنِي عَلَى الْحَقِّ وَفِيهَا تَمْلِيكُ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً أَوْلَى.
١٩٦٧ - وَلَوْ سَمِعَ بِهَذَا الِاسْتِحْقَاقِ بَقِيَّةُ الْجُنْدِ الَّذِينَ أَخَذُوا الرَّقِيقَ فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ بَيْعِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَجِمَاعِ الْأَمَةِ الَّتِي أَصَابَتْ
стр. 1012
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مَا لَمْ يَقْضِ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لِمَنْ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ بِحِصَّتِهِ مِمَّا فِي يَدِهِ.
لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهَا بِالْقِسْمَةِ بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ ابْتِدَاءً مِنْهُ، فَلَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِإِبْطَالِ ذَلِكَ التَّمْلِيكِ عَلَيْهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يَحِلُّ لِمَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَلَا يَبِيعَهَا بَعْدَ مَا اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ، لِأَنَّ هُنَاكَ الْقِسْمَةُ كَانَتْ تَمْيِيزًا لِلْمِلْكِ لَا تَمْلِيكًا ابْتِدَاءً، وَيُمْكِن فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، بِحَيْثُ إنَّ مَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخَذَ بَعْضَهُ بِنَصِيبِهِ فِيهَا وَبَعْضَهُ عِوَضًا عَنْ نَصِيبِهِ فِيمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ.
١٩٦٨ - فَإِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، فَقَدْ بَطَلَتْ تِلْكَ الْقِسْمَةُ وَعَادَ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا بَيْعُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْهَا.
وَحَقِيقَةُ هَذَا الْفَرْقِ تَتَبَيَّنُ بِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَهُمْ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ لَمْ يَصِحَّ اسْتِيلَادُهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ ابْتِدَاءً، وَفِي الْمَوْرُوثِ الْمِلْكُ ثَابِتٌ لِلشُّرَكَاءِ حَتَّى يَنْفُذَ الْعِتْقُ وَالِاسْتِيلَادُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
فَإِذَا بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ بِالِاسْتِحْقَاقِ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مَالِكًا لِنَصِيبِهِ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَفِي الْغَنِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ بَعْدَ بُطْلَانِ الْقِسْمَةِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
стр. 1013
يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ لَا تَبْطُلَ الْقِسْمَةُ وَأَنْ يُعَوَّضَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
وَفِي الْمِيرَاثِ لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ، وَكَانَ لِلْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ بِنَصِيبِهِ فِيمَا أَخَذَهُ شَرِيكُهُ، شَاءَ الْحَاكِمُ أَوْ أَبَى.
وَبِهِ اتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ.
١٩٦٩ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى لِقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ عَزَلَ الْخُمُسَ وَالْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا حَتَّى سُرِقَ الْخُمُسُ أَوْ هَلَكَ، أَوْ سُرِقَتْ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِسْمَةَ فِيمَا بَقِيَ وَيَجْعَلُ مَا هَلَكَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَتِمُّ بِتَمْيِيزِهِ الْبَعْضَ مِنْ الْبَعْضِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَالْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مُقَاسِمًا مَعَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الْقِسْمَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ. فَلِهَذَا كَانَ هَلَاكُ مَا هَلَكَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ.
١٩٧٠ - وَلَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ الْخُمُسَ ثُمَّ سُرِقَتْ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فَقَدْ سَلَّمَ لِلْمَسَاكِينِ مَا أَخَذُوا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَانِمِينَ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَدَأَ بِالْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْجُنْدِ ثُمَّ سَرَقَ الْخُمُسَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَمَّتْ هُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْخُمُسِ بِدَفْعِ نَصِيبِهِمْ إلَيْهِمْ، عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَةِ الْغُزَاةِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَانِمِينَ، إذَا سَلَّمَ نَصِيبَهُمْ إلَيْهِمْ، عَلَى اعْتِبَارِ (ص ٣٥٥) أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ لِلْمَسَاكِينِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ
стр. 1014
لِلنِّيَابَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَوْصَى الرَّجُلُ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ فَقَسَمَ الْقَاضِي وَأَعْطَى الثُّلُثَيْنِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ ضَاعَ الثُّلُثُ فِي يَدِهِ، أَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ الثُّلُثَ ثُمَّ ضَاعَ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ فِي يَدِهِ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ مَاضِيَةً، وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَاضِيَ كَالنَّائِبِ عَنْ الَّذِينَ بَقِيَ نَصِيبُهُمْ فِي يَدِهِ، فَوُصُولُ نَصِيبِهِمْ إلَى نَائِبِهِمْ بِمَنْزِلَةِ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ هَلَاكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
١٩٧١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ وَجَزَّأَهَا عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ وَلَكِنْ لَمْ يُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا حَتَّى ضَاعَ بَعْضُ مَا عَزَلَ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ وَيَقْسِمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ قِسْمَةً مُسْتَقْبَلَةً.
فَالْقِسْمَةُ لَا تَتِمُّ.
لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقَاسِمًا بِنَفْسِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ مَا هَلَكَ يَهْلَكُ مِنْ نَصِيبِ جَمَاعَتِهِمْ وَمَا بَقِيَ يَبْقَى لِجَمَاعَتِهِمْ.
١٩٧٢ - وَلَوْ كَانَ أَعْطَى الرَّجَّالَةَ سِهَامَهُمْ، وَبَقِيَتْ سِهَامُ الْخَيْلِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ الْخَمْسَ أَيْضًا، ثُمَّ ضَاعَتْ سِهَامُ الْخَيْلِ جَازَ لِلرَّجَّالَةِ مَا أَخَذُوا.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي حَقِّهِمْ تَمَّتْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْ أَصْحَابِ الْخَيْلِ.
١٩٧٣ - ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْخُمُسِ عَلَى حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ وَعَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تَتِمَّ فِيمَا بَيْنَ أَرْبَابِ الْخُمُسِ وَأَصْحَابِ الْخَيْلِ حِينَ لَمْ يُعْطِ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ نَصِيبَهُ، فَمَا يُتْوَى يُتْوَى عَلَيْهِمْ، وَمَا يَبْقَى يَبْقَى لَهُمْ.
стр. 1015
١٩٧٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِي ضَاعَ مَا عَزَلَهُ لِلْخُمُسِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ مَا عَزَلَهُ لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْخُمُسِ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِمْ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّجَّالَةِ بِشَيْءٍ.
لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَمَّتْ فِي حَقِّهِمْ حِينَ قَبَضُوا نَصِيبَهُمْ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَبَيْنَ مَا إذَا اسْتَحَقَّ نَصِيبَ الْبَعْضِ لِحُرِّيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْقَاسِمَ أَخْطَأَ، وَأَنَّ الْقِسْمَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً. وَأَمَّا هَا هُنَا فَبِهَلَاكِ الْبَعْضِ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَأُ الْقَاسِمِ، فَلِهَذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بَاقِيَةً فِي نَصِيبِ مَنْ تَمَّتْ الْقِسْمَةُ فِي حَقِّهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1016
[بَابُ أَثْمَانِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يُبَرِّئُ الْإِمَامُ مِنْهَا أَهْلَهَا]
١٩٧٥ - قَالَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِيهَا.
لِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَصِيبِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ لَثَبَتَ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ، فَالْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ. وَكَذَلِكَ بِالْبَيْعِ قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، فَتَعَذَّرَ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ فِي الْمَبِيعِ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الثَّمَنِ أَيْضًا، سَوَاءٌ قَبَضَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَقْبِضْ.
لِأَنَّ وُجُوبَ الثَّمَنِ لِلْغَانِمِينَ بِالْبَيْعِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِيمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُمْ بِالْعَقْدِ.
وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي تَقَابُلَ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمِلْكِ، وَكَمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ يَثْبُتُ لِلْغَانِمِينَ فِي الثَّمَنِ. فَكَانَ ذَلِكَ أَقْوَى فِي قَطْعِ الشَّرِكَةِ مِنْ تَأَكُّدِ حَقِّهِمْ بِالْإِحْرَازِ. وَلِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْهُمْ فِي الْبَيْعِ، فَكَأَنَّهُمْ بَاعُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَنُفُوذُ الْبَيْعِ مِنْ جِهَتِهِمْ آيَةُ تَأَكُّدِ حَقِّهِمْ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ، وَبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ.
١٩٧٦ - فَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ لَمْ يَنْقُدُوا الثَّمَنَ وَقَبَضُوا مَا اشْتَرَوْا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، وَقَدْ عَلِمَ الْأَمِيرُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ (ص ٣٥٦)
стр. 1017
بِهِمْ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ اشْتَرَى مِنَّا شَيْئًا فَلْيَطْرَحْهُ. وَتَجَمَّعُوا حَتَّى تَبْلُغُوا مَأْمَنَكُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ طَالَبَهُمْ الْأَمِيرُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ مَا خَرَجُوا، فَقَالُوا: قَدْ طَرَحْنَا مَا اشْتَرَيْنَا بِأَمْرِك، فَلَا ثَمَنَ لَك عَلَيْنَا. أَوْ قَالُوا: اضْمَنْ لَنَا قِيمَتَهُ. فَإِنْ كَانُوا طَرَحُوا ذَلِكَ طَائِعِينَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَى الْأَمِيرِ، وَعَلَيْهِمْ مَا الْتَزَمُوا مِنْ الثَّمَنِ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ وَالْتَحَقَ بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ، فَهُمْ قَوْمٌ أَتْلَفُوا مِلْكَهُمْ طَوْعًا. وَالْأَمِيرُ أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمَشُورَةٍ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ غُرْمًا لَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ الثَّمَنُ الَّذِي تَقَرَّرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ.
١٩٧٧ - وَإِنْ كَانَ أَكْرَهَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِوَعِيدٍ مُتْلِفٍ نَظَرَ الْخَلِيفَةُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُمْ لَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا طَرَحُوا.
لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِالنَّظَرِ لَهُمْ، وَقَدْ فَعَلَ. وَلِأَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ عَلَى مَا يَحِقُّ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ شَرْعًا، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِأَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا أَمَرَهُمْ إلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُكْرَهُ بِحَقٍّ يَكُونُ مُحْسِنًا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
١٩٧٨ - وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُمْ ضَمِنَ لَهُمْ قِيمَةَ مَا طَرَحُوا.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِيمَا أَكْرَهَهُمْ عَلَيْهِ مُخَالِفًا لِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُمْ وَطَرَحَهُ، فَيَضْمَنُ لَهُمْ قِيمَتَهُ.
стр. 1018
وَالثَّمَنُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُشْتَرِينَ فِي الْوَجْهَيْنِ.
لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ، وَإِتْلَافُ الْبَيْعِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الثَّمَنِ وَانْتِهَاءِ الْعَقْدِ لَا يُسْقِطُ الثَّمَنَ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ.
١٩٧٩ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: لِيَطْرَحْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا اشْتَرَى مِنِّي وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الثَّمَنِ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ إنْ طَرَحَهُ فَقَدْ أَبْرَأْته مِنْ الثَّمَنِ، فَطَرَحُوا طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ، فَالثَّمَنُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ الْأَمِيرِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ فِيمَا بَاعَهُ لِلْغَانِمِينَ. أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَوْ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَلْتَزِمُ الْعُهْدَةَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ مِنْهُ، فَيَكُونُ كَالرَّسُولِ فِي الْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ مِنْ الثَّمَنِ.
١٩٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ فَاحْتَاجُوا إلَى أَنْ يُخَفِّفُوهَا فَأَمَرَهُمْ بِالطَّرْحِ فِي الْمَاءِ، فَهُوَ كَالْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
١٩٨١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَائِعُ الْأَطْعِمَةِ فِي السَّفِينَةِ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَادَاهُمْ: مَنْ طَرَحَ شَيْئًا مِمَّا اشْتَرَاهُ مِنِّي فِي الْمَاءِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ اطْرَحُوا عَلَى أَنَّكُمْ بُرَآءُ مِنْ الثَّمَنِ، فَهَذَا بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِمْ الثَّمَنُ لَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الثَّمَنُ هُنَا.
لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لِلْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ. وَلَكِنْ نَقُولُ: إنَّهُ عَلَّقَ الْإِبْرَاءَ بِالشَّرْطِ، وَالْإِبْرَاءُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَالْعَقْدِ.
стр. 1019
١٩٨٢ - وَلَوْ قَالَ لَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ: اطْرَحُوهُ عَلَى أَنَّ عَلَيَّ ثَمَنَهُ، أَوْ قِيمَتِهِ لَكُمْ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ ذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ صَارَ فِي مِلْكِهِمْ وَضَمَانِهِمْ، فَمَنْ يُنَادِيهِمْ بِالطَّرْحِ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُشِيرًا عَلَيْهِمْ بِمَا يَفْعَلُونَهُ فِي مِلْكِهِمْ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ سَبَبًا فِي الضَّمَانِ عَلَيْهِ، إذَا فَعَلَ الْمَرْءُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ فَيَبْقَى الْإِبْرَاءُ أَوْ الْعَقْدُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَّضِحُ الْكَلَامُ فِي بَيْعِ الْأَمِيرِ الْغَنِيمَةَ.
١٩٨٣ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ أَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا قَدْ أَقَلْنَا الْمُشْتَرِينَ الْعَقْدَ فِيمَا اشْتَرَوْا مِنَّا فَمَنْ كَانَ اشْتَرَى شَيْئًا فَلْيَطْرَحْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ.
لِأَنَّهُ أَقَالَهُمْ الْبَيْعَ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ، كَأَصْلِ الْبَيْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَصِحُّ مِنْهُمَا الْإِقَالَةُ فِيمَا بَاعَهُ لِلْيَتِيمِ كَمَا يَصِحُّ أَصْلُ الْبَيْعِ، وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِقَالَةِ لَا يَبْقَى الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ الْبَيْعُ عَادَ كَمَا كَانَ غَنِيمَةً، وَقَدْ طَرَحُوهُ بِأَمْرِ الْأَمِيرِ، فَكَأَنَّهُ طَرَحَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: قَدْ أَقَلْتُك الْبَيْعَ، فَاقْطَعْهُ لِي قَمِيصًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى طَعَامًا فَقَالَ: قَدْ أَقَلْتُك الْبَيْعَ فِيهِ فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِقَالَةَ تَكُونُ صَحِيحَةً، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِ الْعَقْدِ.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الطَّعَامَ بِكَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَاقْطَعْهُ لِي قَمِيصًا، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْآمِرِ الثَّمَنُ، فَكَذَلِكَ الْإِقَالَةُ.
стр. 1020
أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ وَجَدُوا عَيْبًا بِالْمَبِيعِ فَقَبِلَ الْأَمِيرُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فِيهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِقَالَةُ مِنْهُ مَعَهُمْ فِي حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الثَّمَنِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِلْأَمِيرِ كَمَا فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ، وَكَمَا فِي مَالِ الْخَرَاجِ إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ ثِيَابًا أَوْ بَاعَهَا، ثُمَّ رَأَى أَنْ يُقِيلَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فِيهَا صَحَّتْ الْإِقَالَةُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
١٩٨٤ - وَإِنْ لَمْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ حِينَ سَمِعُوا النِّدَاءَ حَتَّى إذَا سَارُوا مَنْقَلَةً أَوْ مِنْقَلَتَيْنِ عَمِلُوا عَمَلًا آخَرَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قَطْعِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ طَرَحُوا ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ الثَّمَنُ.
لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِ الْبَيْعِ، وَكَمَا أَنَّ إيجَابَ الْبَيْعِ يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبُولِ فَكَذَلِكَ إيجَابُ الْإِقَالَةِ، وَقَبُولُ الْإِقَالَةِ مِنْهُمْ هَا هُنَا يَكُونُ بِالطَّرْحِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِقَالَةُ وَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمْ.
١٩٨٥ - وَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرُونَ أَنَّهُمْ طَرَحُوا كَمَا سَمِعُوا وَلَا يَعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا مَا يُسْقِطُ الثَّمَنَ عَنْهُمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَوْا قَبُولَ الْإِقَالَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ.
١٩٨٦ - وَلَوْ كَانَ أَمَرَ الْمُنَادِينَ حَتَّى قَالَ: مَنْ طَرَحَ مِنْكُمْ الْمَتَاعَ الَّذِي اشْتَرَى مِنَى فَقَدْ أَقَلْته الْبَيْعَ فِيهِ. فَهَذَا فِي الْقِيَاسِ لَا يَصِحُّ.
следующие страницы →