← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ ذَلِكَ الْمَتَاعُ مِنْهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ أَمَانَهُ، وَهُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَأَمَانِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ إنَّمَا أَخَذَ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِالْقَهْرِ وَلَا يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِ بِالْقَهْرِ، فَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى رَدِّهِ وَفِي الْأَوَّلِ هُوَ مَا أَخَذَ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِينَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ بِأَمَانٍ، وَمَا كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ مِنْهُ إلَّا أَنَّ غَدْرَ ذَلِكَ الْأَمَانِ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ شَرْعًا، وَتَمَكَّنَ الْخُبْثُ بِهَذَا السَّبَبِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْمَالِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ فِي الْحُكْمِ، وَلِأَنَّهُ غَدْرٌ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لَا يَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ لِلْغَادِرِ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي دَخَلَ إلَيْهِمْ فَإِنَّمَا غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ خَاصَّةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ حَقُّ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَلِهَذَا يُفْتِيهِ بِالرَّدِّ وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ. ٢٠٥٢ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ إلَيْهِمْ مَتَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَحْرَزُوهُ بِدَرَاهِمَ فَأَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَقْضِ لَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ.

стр. 1052

لِأَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِهِ تَقْرِيرَ مِلْكِهِ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ لَا تُسَلَّمُ لَهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ قِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ، وَمِلْكُهُ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ شَرْعًا مَا دَامَ هُوَ مَأْمُورًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَرِّرَهُ بِقَضَائِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، (كَانَ سَالِمًا لَهُمْ) وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبُوهُ لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ هُنَاكَ مِلْكٌ مُتَقَرِّرٌ شَرْعًا، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَمَا يُعْطِي مِنْ الْقِيمَةِ هُوَ فِدَاءٌ يَفْدِي بِهِ مِلْكَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي يَفْدِيهِ مَوْلَاهُ بِالدِّيَةِ، وَفِي إعَادَتِهِ إلَى مِلْكِهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ، وَفِيهِ تَقْرِيرُ مَا كَانَ مِنْهُ غَدْرٌ مِنْ الْأَمَانِ. ٢٠٣٥ - وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَإِذَا خُوصِمَ فِيهِ إلَى الْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُنَفِّذُ ذَلِكَ الْبَيْعَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ، فَإِنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَتَمَلَّكُهُ مِلْكًا جَدِيدًا وَيُؤْمَرُ مَنْ فِي مِلْكِهِ بِالرَّدِّ، كَمَا كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ الْبَائِعُ، وَأَمَّا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ إنَّمَا يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِيهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ، ثُمَّ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لَمْ يَقْضِ لَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَضَاءِ إعَادَتَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ كَمَا بَيَّنَّا. ٢٠٥٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ.

стр. 1053

لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، وَمَا لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّهُمْ عَنْ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ حَقُّ الْأَخْذِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِإِسْلَامِهِ، وَلَا يَكُونُ لِمَوْلَاهُ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ. ٢٠٥٥ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ أَحْرَزَ هَذَا الْمَتَاعَ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا سَبِيلَ لِمَالِكِهِ الْقَدِيمِ عَلَى أَخْذِهِ بِثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ. لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّقِيقَ وَيَقِفُ الثَّمَنَ مَعَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ حَتَّى يَأْتُوهُ فَيَأْخُذُوهُ. لِأَنَّ بَقَاءَ حَقِّهِمْ هَا هُنَا أَبْيَنُ مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هَا هُنَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُفْتَى بِذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ هُنَاكَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ حَقُّ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ وَلَا بِالثَّمَنِ فَهَا هُنَا أَوْلَى. ٢٠٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْخَارِجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَسِيرًا فِيهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَجَمِيعُ مَا أُخْرِجَ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ بَلْ كَانَ مَقْهُورًا وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ لَوْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَمَا أَحْرَزَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ.

стр. 1054

وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا أَحْرَزُوهُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ. لِأَنَّ حَقَّهُمْ انْقَطَعَ بِإِحْرَازِهِ عَلَيْهِمْ وَاخْتَصَّ هُوَ بِمِلْكِهِ فَيَكُونُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصَابَ بِسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَيَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ. ٢٠٥٨ - وَإِنْ كَانَ جَاءَ بِهِ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ: وَهَبَهُ لِي أَهْلُ الْحَرْبِ، أَوْ اشْتَرَيْته مِنْهُمْ لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ فَيْئًا لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَقْهُورًا فِيهِمْ، وَهُمْ لَا يُعَامِلُونَ الْأُسَرَاءَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ عَادَةً، فَلِهَذَا لَا يُصَدَّقُ. ٢٠٥٩ - وَيُجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ غَصْبًا فَيَكُونُ فَيْئًا. لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ يُشَارِكُونَهُ فِي الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَمَامُ الْقَهْرِ بِهِ يَكُونُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَادِلَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. ٢٠٦٢ - وَلَوْ عَايَنَاهُمْ وَهَبُوا لَهُ شَيْئًا وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ بِطَرِيقِ الْمُرَاضَاةِ، وَالشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ،؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ يَتِمُّ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَأَمَّا تَمَامُ الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ.

стр. 1055

وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ إلَى الْعَسْكَرِ أَسِيرًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَفِيمَا فِي يَدِ الْمُسْتَأْمَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ إذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيمَا فِي يَدِ الْأَسِيرِ لَا يُصَدَّقُ هُوَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اعْتِبَارًا لِحَالِ اجْتِمَاعِهِمَا بِحَالِ انْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ قَالَا دَخَلْنَا بِهَا مَعَنَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْتَأْمَنُ يُصَدَّقُ فِيمَا فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْأَسِيرُ لَا يُصَدَّقُ سَوَاءٌ، أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ. لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، وَأَحْرَزُوا مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ أَيْضًا، فَيَمْلِكُونَ بِهَذَا الْإِحْرَازِ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ، وَيَلْتَحِقُ هَذَا الْمَالُ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي الْأَصْلِ. ٢٠٦٢ - فَإِذَا أَحْرَزَهُ الْأَسِيرُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ كَانَ فَيْئًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَيْئًا يَخْفَى عَلَيْهِمْ نَحْوَ دُرَّةٍ قَالَ الْأَسِيرُ: كَانَتْ فِي فَمِي أَوْ كُنْت ابْتَلَعْتهَا فَكَانَتْ فِي بَطْنِي، فَإِنَّهُ فِي الْقِيَاسِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. لِأَنَّهُ مَالٌ مُحْتَمَلٌ لِلتَّمْلِيكِ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ حِينَ صَارَ مَقْهُورًا، وَحِينَ تَمَّ إحْرَازُهُمْ فِيهِ، فَلَا يَبْقَى مَمْلُوكًا لَهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يُسَلَّمُ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ إذَا أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. ؛ لِأَنَّ إحْرَازَهُمْ يَكُونُ بِالْقَهْرِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ حِسًّا لَا حُكْمًا، فَإِنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِدَارِ حُكْمٍ وَمِنْ حَيْثُ الْحِسُّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ قَهْرُهُمْ فِيمَا يَعْلَمُونَ بِهِ دُونَ

стр. 1056

مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا كَانَ فِي فَمِهِ أَوْ بَطْنِهِ فَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ فِيهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ فِي الْأَصْلِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ الْمِلْكِ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْجَيْشِ مَعَهُ فِيمَا كَانَ فِي الْأَصْلِ مَمْلُوكًا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إذَا ثَبَتَ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَطْنِهِ أَوْ فِي فَمِهِ. قُلْنَا: هُوَ أَمِينٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِمَّا يَكُونُ مُحْتَمَلًا وَلَا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ فِيهِ. ٢٠٦٣ - وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ إلَى الْعَسْكَرِ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَقُولُ إنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ وَهَبُوهُ لِي، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِي فِي الْأَصْلِ. لِأَنَّهُ أَمِينٌ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ فِيمَا فِي يَدِهِ فَيَكُونُ الثَّابِتُ بِخَبَرِهِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَوْ عَايَنَا ذَلِكَ كَانَ الْمَالُ سَالِمًا لَهُ وَلَا شَرِكَةَ لِلْجَيْشِ مَعَهُ فِيهِ. ٢٠٦٤ - وَإِنْ قَالَ: قَدْ اغْتَصَبْته مِنْهُمْ، فَالْمَالُ فَيْءٌ، لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، لَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ. ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْ الْغَدْرِ بِهِمْ، وَأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ بِغَيْرِ طِيبَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَهُوَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِيهِمْ عَلَى مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ، وَقَبْلَ الْإِسْلَامِ مَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ. وَلَكِنْ كَانَ لَا يَتَعَرَّضُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لِأَجْلِ الْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ، فَيَكُونُ هُوَ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ غَصْبًا بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يُصَدَّقَ فِي قَوْلِهِ: وَهَبُوهُ لِي، كَمَا لَا يُصَدَّقُ الْأَسِيرُ فِي ذَلِكَ. قُلْنَا: إنَّمَا لَا يُصَدَّقُ الْأَسِيرُ

стр. 1057

لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَقْهُورًا فِيهِمْ، فَأَمَّا الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ فَالظَّاهِرُ غَيْرُ مُكَذِّبٌ لَهُ فِيمَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا كَانُوا يَعْلَمُونَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ مَا كَانُوا قَاصِدِينَ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ وَلِمَالِهِ، بَلْ كَانُوا يُعَامِلُونَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُعَامِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلِهَذَا صَدَّقْنَاهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ. ٢٠٦٥ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَجَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ سَالِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ بِإِحْرَازِهِ بِالدَّارِ. ٢٠٦٦ - وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ كَانُوا أَحْرَزُوهُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ. لِأَنَّ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِمْ بِالْقَهْرِ كَتَمَلُّكِ مُسْلِمٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى ذَلِكَ الْمَتَاعِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ سَالِمًا لَهُ لِقَوْلِهِ ﵌: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» . وَلِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى الْقَدِيمَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا انْقَطَعَ حَقُّ الْمُسْتَوْلَى. (يُوَضِّحُهُ) : الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَسِيرِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ ظَهَرُوا عَلَى الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَسِيرُ وَهَذَا الَّذِي أَسْلَمَ، فَإِنَّ مَا كَانَ مِنْ مَالِ الَّذِي أَسْلَمَ فِي يَدِهِ يَكُونُ سَالِمًا لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ مَالِ الْأَسِيرِ يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ قَدْ تَمَلَّكُوا ذَلِكَ بِالْإِحْرَازِ، فَيَكُونُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ قَهَرُوا هَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِمْ وَاسْتَعْبَدُوهُ فَحَالُهُ كَحَالِ الْأَسِيرِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.

стр. 1058

وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ خَرَجُوا فِي الْعَلَّافَةِ وَجَاءُوا بِمَتَاعٍ فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ وَهَبُوهُ لَنَا، لَمْ يَصَدَّقُوا، وَكَانَ ذَلِكَ فَيْئًا. لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُمْ، فَإِنَّهُمْ مُحَارِبُونَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، قَصَدُوهُمْ لِلْغَارَةِ عَلَيْهِمْ، لَا لِلْمُعَامَلَةِ مَعَهُمْ، فَإِذَا أَقَامُوا بَيِّنَةً عَادِلَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالُوا فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ، وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْهُمْ، فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْحُجَّةِ أَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِسَبَبٍ تَمَّ بِالْمُرَاضَاةِ. ٢٠٦٨ - فَإِنْ قَالُوا: فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ غَيْرُ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ فَيْئًا. ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ فَقَدْ تَثْبُتُ الْيَدُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَتَثْبُتُ الشَّرِكَةُ فِيهِ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالْهِبَةِ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. ٢٠٦٩ - فَإِنْ قَالُوا: قَدْ كُنَّا آمَنَّاهُمْ، وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ، ثُمَّ فَعَلُوا ذَلِكَ بِنَا لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُمْ الْأَمَانَ حِينَ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ كَدَعْوَاهُمْ الْهِبَةَ حِينَ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا ٢٠٧٠ - فَإِنْ شَهِدَ لَهُمْ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَرُدَّتْ شَهَادَاتُهُمْ لِفِسْقِهِمْ كَانَ ذَلِكَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ مَا قَامَتْ لَهُمْ فِيمَا ادَّعَوْا.

стр. 1059

٢٠٧١ - فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي سِهَامِ الَّذِينَ شَهِدُوا أَخَذَهُ مِنْهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُمْ. لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا مَا أَقَرُّوا بِمِلْكِهِ لِغَيْرِهِمْ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِآخَرَ فِي عَيْنٍ ثُمَّ مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. ٢٠٧٢ - وَلَوْ قَالُوا: هَذَا الْمَتَاعُ مِمَّا كَانَ مَعَنَا أَدْخَلْنَاهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ حِينَ دَخَلْنَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْكُلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُدْرَى لَعَلَّهُمْ صَادِقُونَ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُكَذِّبٍ لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَإِنَّ الْغَازِيَ - يَسْتَصْحِبُ طَائِفَةً مِنْ مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ. ٢٠٧٣ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْكُلُ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ. ٢٠٧٤ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا فِي الْعِلَافَةِ لَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، وَمَنْ أَخْبَرَ بِمَا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُصَدَّقًا. فَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءُوا بِهِ رَقِيقٌ، وَهُمْ مُشْكِلُونَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الرَّقِيقِ، فَإِنْ صَدَّقُوهُمْ بِمَا قَالُوا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. لِأَنَّهُمْ فِي أَيْدِي أَنْفُسِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِهِمْ إذَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ مِلْكُهُمْ أَدْخَلُوهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.

стр. 1060

أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ ادَّعَوْا ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ يَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ الرَّقِيقِ. ٢٠٧٥ - وَإِنْ قَالَ الرَّقِيقُ: نَحْنُ قَوْمٌ أَحْرَارٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ أَسَرْنَا هَؤُلَاءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَهُمْ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. ؛ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوهُمْ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ عَلَيْهِمْ. ٢٠٧٦ - وَلَوْ كَانُوا ادَّعَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَّبُوهُمْ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِذَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُمْ أَحْرَارٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانُوا فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِينَا بِغَيْرِ أَمَانٍ. ٢٠٧٧ - وَإِنْ قَالُوا كُنَّا عَبِيدًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَأَخَذْنَا هَؤُلَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ. لِأَنَّهُمْ قَدْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ أَرِقَّاءُ وَأَنَّهُمْ لَا يَدَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَلَا قَوْلَ، فَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى أَنْ يَصْرِفُوا مِلْكَهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ، أَنَّهُ مِلْكُهُ، فَقَالَ مَجْهُولُ الْحَالِ: أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ

стр. 1061

وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ الْفَرْقَ أَنَّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا فِي الْوَجْهَيْنِ فَوَقَعَ لِلْإِمَامِ فِيهِمْ رَأْيُ الْمَنِّ كَانُوا أَحْرَارًا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَكَانُوا عَبِيدًا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي يُرَدُّونَ عَلَى مَوَالِيهِمْ، فِيهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ. ٢٠٧٨ - وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَالْبَالِغِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ بِمَنْزِلَةِ مَتَاعٍ آخَرَ: وَإِنْ كَانَ مَعَ الصَّبِيِّ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَالِدِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ وَالِدِهِ، وَهُوَ تَابِعٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا سُبِيَ مَعَ وَالِدِهِ. ٢٠٧٩ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ قَوْلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إلَى قَوْلٍ آخَرَ، فَالْأَمْرُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي مُنَاقِضٌ. وَلِأَنَّهُ إنْ قَالَ أَوَّلًا: أَنَا حُرٌّ، فَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْعَسْكَرِ، فَلَا يُصَدَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ حَقٍّ لَهُمْ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا عَبْدٌ، فَقَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ مِلْكُ ذِي الْيَدِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ. ٢٠٨٠ - وَلَوْ قَالَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْمَتَاعِ: قَدْ اشْتَرَيْنَا فِي دَارِ

стр. 1062

الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ، كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ أَوْ أَسِيرًا، أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ. لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا خِلَافَ مَا يَشْهَدُ بِهِ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا لِلْإِغَارَةِ لَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَامَلُوهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. فَلَا يُصَدَّقُونَ إلَّا بِحُجَّةٍ. ٢٠٨١ - فَإِذَا أَقَامُوا بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ الْمَتَاعُ لَهُمْ إنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ اشْتَرَوْا ذَلِكَ الْمَتَاعَ مِنْ مُسْتَأْمَنٍ أَوْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثُّبُوتِ بِالْمُعَايَنَةِ. ٢٠٨٢ - وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ اشْتَرَوْا ذَلِكَ مِنْ أَسِيرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ الْمُشْتَرِينَ فِي إخْرَاجِ هَذَا الْمَتَاعِ قَامُوا مَقَامَ الْبَائِعِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا. ٢٠٨٣ - وَلَوْ كَانُوا قَالُوا لَقِينَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مُسْتَأْمَنِينَ أَوْ أُسَرَاءَ، أَوْ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَأَوْدَعُونَا هَذَا، وَأَمَرُونَا أَنْ نُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَصَدَّقَهُمْ الرَّقِيقُ فِي ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقُوا. لِأَنَّ الرَّقِيقَ قَدْ أَقَرُّوا بِرِقِّهِمْ، فَلَا قَوْلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاَلَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ أَخْبَرُوا بِمَا لَا ظَاهِرَ يُصَدِّقُهُمْ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ. ٢٠٨٤ - فَإِنْ أَقَامُوا بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ

стр. 1063

عَارِيَّةٍ، لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَكَذَلِكَ فِي مِلْكِ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ يَدَ مُودِعِهِ كَيَدِهِ، فَيَكُونُ إحْرَازُهُ فِي هَذَا الْمَالِ أَسْبَقَ مِنْ إحْرَازِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا كَانَ أَوْدَعَهُمْ الْأَسِيرُ أَوْ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ مُرْتَدُّونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ فَيْءٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمُودِعِ وَهُوَ بِنَفْسِهِ لَوْ أَحْرَزَ ذَلِكَ بِمَنْعِهِ الْجَيْشَ كَانَ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ بِهِ مُودِعُهُ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ آمَنُوهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ أَوْدَعَهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ مَالُ مُسْتَأْمَنٍ، وَهُوَ لَوْ جَاءَ بِنَفْسِهِ مُسْتَأْمَنًا إلَيْنَا لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَعْرِضَ لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ بِهِ مُودِعُهُ. ٢٠٨٥ - وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ آمَنَهُ حِينَ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ أَمَانَ الْأَسِيرِ إيَّاهُ، وَهُوَ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ، بَاطِلٌ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، أَوْ يُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْأَسِيرَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِنَفْسِهِ فَأَوْدَعَهُمْ هَذَا الْمَالَ حَتَّى رَجَعَ. ٢٠٨٦ - وَلَوْ زَعَمَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْمَالِ أَنَّهُمْ غَصَبُوهُ مِنْ مُسْتَأْمَنٍ

стр. 1064

مُسْلِمٍ أَوْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ أَوْ مِنْ حَرْبِيٍّ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ بِغَرَضِ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمَغْصُوبُ مِنْ الْحَرْبِيِّ فَيْءٌ، وَالْمَغْصُوبُ مِنْ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ إسْلَامَهُ يُوجِبُ الْعِصْمَةَ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي الْآثَامِ دُونَ الْأَحْكَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ إذَا كَانَ خَطَأً، وَلَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ إنْسَانٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَةِ بِالرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ يَتَبَيَّنُ هَذَا الْحُكْمُ. وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَإِنَّ عَقَارَهُ يَكُونُ فَيْئًا، وَمَا لَيْسَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَنْقُولِ وَلَا فِي يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ قَائِمَةٍ مَقَامَ يَدِهِ فَهُوَ فَيْءٌ أَيْضًا فِي الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ فَيْئًا مَا يَكُونُ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَنْقُولِ، أَوْ فِي يَدِ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ قَدْ أَوْدَعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ إحْرَازُهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْيَدِ، فَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي يَدِ غَاصِبٍ غَصَبَهُ مِنْهُ فَهُوَ فَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا، أَوْ مُعَاهَدًا؛ لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ لَا تَكُونُ كَيَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي حُكْمِ الْإِحْرَازِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِيمَا غَصَبَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ فَكَذَلِكَ فِيمَا غَصَبَهُ مِنْهُ الَّذِينَ لَقُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَصَبُوا ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ مَا صَارَ فِي مَنَعَتِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا لِذَلِكَ الْمَالِ بِمَنَعَتِهِمْ، فَكَانَتْ يَدُهُ إلَيْهِ

стр. 1065

أَسْبَقَ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ حِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَفِقْهُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُقَوَّمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ بِالْيَدِ لَا بِالدَّيْنِ وَتَمَامُ الْإِحْرَازِ بِالْيَدِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِدَارِهِمْ، وَبِدُونِ هَذِهِ الْعِصْمَةِ لَا يَخْرُجُ الْمَالُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلِاغْتِنَامِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَحَالُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحَالِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ فِي ظُهُورِ حُكْمِ الْعِصْمَةِ فِي مَالِهِ، وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ مُعَامَلَةُ مَنْ عَامَلَ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الرِّبَا، وَفِيمَا يَغْصِبُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي الْعِلَافَةِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَثْبُتُ حَقُّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، بَلْ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا يَغْصِبُونَهُ مِنْ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَنْقُولِ، أَوْ مَا غَصَبَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ، فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، إلَّا مَا غَصَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ فَيْئًا. لِأَنَّهُمْ قَدْ تَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِيلَاءِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُمْ، فَأَمَّا مَا أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَلَّكْ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ كَانَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَ أَمْوَالَهُ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَلِلْمُسْلِمِ جَمِيعُ مَالِهِ، فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَالِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا.

стр. 1066

لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِزْ مَالَهُ بِإِسْلَامِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِحْرَازُ بِدُونِ الْوِلَايَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْمَالِ، وَفِي الْأَوَّلِ صَارَ مُحْرِزَ الْمَالِ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ حِينَ أَسْلَمَ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ حِينَ أَسْلَمَ فِي دَارِنَا فَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لَهُ، حَتَّى إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كَانُوا فَيْئًا، وَلَكِنْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ بَعْدَمَا حَصَلُوا فِي دَارِنَا لَزِمَهُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلْأَبِ. ٢٠٨٧ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ كَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. وَبِأَنْ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مَا لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ بِإِسْلَامِهِ كَرَقَبَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ مُحْرِزًا رَقَبَتَهُ بِإِسْلَامِهِ. حَتَّى لَا يَمْلِكَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ أَمْوَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَرِقَابُهُمْ لَا يَمْلِكُهَا أَهْلُ الْعَدْلِ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَضْمَنُونَ أَوْ أَتْلَفُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَاَلَّذِي مَكَثَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَا يَكُونُ أَعْظَمَ جُرْمًا مِنْ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ. وَأَيَّدَ جَمِيعَ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اتَّبَعَهُ مَالُهُ فَهُوَ لَهُ» وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ هَا هُنَا عَبْدُهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِزًا لَهُ بِإِسْلَامِهِ لَكَانَ عَبْدُهُ حُرًّا إذَا خَرَجَ بَعْدَهُ، كَمَا يَكُونُ حُرًّا

стр. 1067

إذَا خَرَجَ قَبْلَ إسْلَامِهِ مُسْلِمًا مُرَاغَمًا لَهُ. وَالْحَرْفُ الَّذِي ذَكَرْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يُجِيبُ عَنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّ دَفْعَ التَّمَلُّكِ فِي الْأَمْوَالِ يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ الْمُقَوِّمِ لِلْمَالِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالدَّارِ لَا بِالدَّيْنِ، بِخِلَافِ النُّفُوسِ، فَإِنَّهَا فِي الْأَصْلِ لَيْسَتْ بِعُرْضَةِ التَّمَلُّكِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ جَزَاءً عَلَى الْجَرِيمَةِ، وَبِالْإِسْلَامِ تَنْعَدِمُ تِلْكَ الْجَرِيمَةُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مُحْرِزًا لِمَالِهِ بِإِسْلَامِهِ لَكَانَ الْمُتْلِفُ لَهُ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا اسْتَهْلَكَ إنْسَانٌ مَالَهُ. وَمُحَمَّدٌ ﵀ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ وَبَيْنَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْمَالِ، كَمَا فَرَّقَ الْكُلُّ بَيْنَهُمَا فِي قَتْلِ النَّفْسِ، فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُوجِبُ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ مَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْقَوَدُ لَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَ الدَّمِ وَالْمَالِ يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فَإِنَّ الدَّيْنَ دَافِعٌ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ لَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ، وَمَنَعَةُ الدَّارِ دَافِعَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ وَمَنْ لَا يَعْتَقِدُ. وَبِدُخُولِ الْمُسْلِمِ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ لَا يَسْقُطُ سَبَبُ إحْرَازِهِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِالدَّارِ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إحْرَازُ النَّفْسِ وَالْمَالِ بِالدَّارِ، فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الضَّمَانِ عِنْدَ الِاسْتِهْلَاكِ وَعَلَى هَذَا قَالَ: ٢٠٨٨ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَغَارَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمَ الْمَأْخُوذَ

стр. 1068

مَالُهُ لَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْلِكُونَ مَالَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِهْلَاكِ ذَلِكَ الْمَالِ أَشَدَّ الْمَنْعِ، إلَى أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ. ٢٠٨٩ - وَلَوْ جَاءَ صَاحِبُهُ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اسْتَهْلَكَ إنْسَانٌ ذَلِكَ الْمَالَ كَانَ ضَامِنًا لَهُ. لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمَّا صَارَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ تَقَوَّمَتْ نَفْسُهُ، حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَغْرَمُ لَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَكَذَلِكَ يَغْرَمُ مَالَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ لُحُوقِ الْمُسْلِمِ بِالْعَسْكَرِ فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَهْلَكَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: الْمَالُ صَارَ مُحْرَزًا بِمَنْعِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْإِحْرَازُ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مُتْلِفُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَهُوَ إحْرَازٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فَيْئًا لَهُمْ، وَالْقِيَاسُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَحْسَنَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ أَبَدًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ فَقَالَ: ٢٠٩٠ - قَدْ كَانَ هُوَ مَأْمُورًا بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ عَنْ مَالِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ، إذَا اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَهُ، وَيَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ حُكْمُ الزَّكَاةِ وَالتَّوْرِيثِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَحُكْمُ الِاغْتِنَامِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ.

стр. 1069

وَلَوْ أَنَّ رَسُولًا لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ إلَيْهِمْ فَأَخَذَ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِهِمْ غَصْبًا، أَوْ رَقِيقًا وَأَخْرَجَهُ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَخَذَهُ الْأَمِيرُ وَرَدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ. لِأَنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْمُسْتَأْمَنِ إذَا أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ. ٢٠٩٢ - فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَمِيرُ بِذَلِكَ حَتَّى قَسَّمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ مَعَ الْغَنَائِمِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ وَيَرُدُّهُ. لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ الرَّدُّ مُسْتَحَقًّا فِيهِ وَهُوَ غَدْرُ الْأَمَانِ لَا يَنْعَدِمُ بِقِسْمَتِهِ. ٢٠٩٣ - فَإِنْ كَانَ أَعْتَقَهُ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ حُرًّا مِنْ أَحْرَارِهِمْ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ، وَيُقَالُ لِلْمُعْتَقِ: الْحَقُّ حَيْثُ شِئْت. لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ غَدْرِ الْأَمَانِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ يُمْنَعُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِحَالِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ حُرًّا آمِنًا يُخَلَّى سَبِيلُهُ حَتَّى يَعُودَ إلَى بِلَادِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا عُلِمَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، كَانَ بَاطِلًا فِيمَا لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا.

стр. 1070

٢٠٩٤ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ فَالْعِتْقُ نَافِذٌ مِنْ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ. لِأَنَّ الْإِمَامَ مَلَكَهُ بِالْقِسْمَةِ، وَلَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِحَالِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ غَيْرَهُ بِالْبَيْعِ، وَيَبْعَثَ ثَمَنَهُ إلَى مَوْلَاهُ، فَكَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِحَالِهِ إذْ مَلَكُهُ بِالْبَيْعِ أَوْ بِالْقِسْمَةِ غَيْرُهُ يَكُونُ ذَلِكَ تَمْلِيكًا صَحِيحًا وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ مِنْ الْمِلْكِ فِيهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِقِيمَتِهِ إلَى مَوْلَاهُ لِمُرَاعَاةِ أَمَانِهِ. ٢٠٩٥ - فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَبَضَ مَوْلَاهُ الْقِيمَةَ لَمْ يُتْرَكْ الْمُعْتَقُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسَلِّمِ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ حِينَ انْتَهَى بِالْعِتْقِ، وَقَدْ وَصَلَ عِوَضُهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَارْتَفَعَ بِهِ حُكْمُ غَدْرِ الْأَمَانِ حَسْبَمَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. ٢٠٩٦ - فَإِنْ أَبَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ قِيلَ لِلْمُعْتَقِ إنْ شِئْت فَأَقِمْ وَإِنْ شِئْت فَالْحَقْ بِأَرْضِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ رَدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُسْتَحَقًّا لِأَجْلِ ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ بِعِوَضٍ قَائِمٍ مَقَامَهُ، إلَّا أَنَّهُ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقِ الْمُسَلِّمِ إيَّاهُ كَمَا بَيَّنَّا، فَيَكُونُ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.

стр. 1071

أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ الْعِتْقِ إذَا أَبَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ فَإِنَّ الْأَمِيرَ يَنْقُضُ فِيهِ الْقِسْمَةَ وَالْبَيْعَ وَيَرُدُّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ يَكُونُ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ. ٢٠٩٧ - وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ لَمْ يُحْرِزْهُ بِمَنْعِهِ الْجَيْشَ وَلَكِنَّهُ أَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ، وَيُفْتَى بِرَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا أَخْفَرَ بِذِمَّتِهِ خَاصَّةً. ٢٠٩٨ - فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَلَكِنْ بَاعَهُ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا مَكْرُوهًا سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ حُرًّا مِنْهُمْ أَوْ مَمْلُوكًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. لِأَنَّهُ تَمَّ إحْرَازُهُ لَهُ، وَهُوَ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ، فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ وِلَايَةُ الْأَمِيرِ فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثَابِتَةٌ، فَكَذَلِكَ يُمْنَعُ تَمَامُ الْإِحْرَازِ فِيهِ. ٢٠٩٩ - فَإِنْ أَعْتَقَهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَوْ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ نَفَذَ عِتْقُهُ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ شَاءَ. لِأَنَّ رَدَّهُ كَانَ مُسْتَحَقًّا شَرْعًا، وَلِهَذَا كَانَ هُوَ مَأْمُورًا بِرَدِّهِ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَإِذَا صَارَ الْمُعْتَقُ مَالِكًا أَمَرَ نَفْسَهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.

стр. 1072

٢١٠٠ - وَلَوْ كَانَ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَمْنَعْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ مَنَعَهَا مَوْلَاهَا لَمْ يَحِلَّ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ. لِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ بَعْدَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، فَهُنَاكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ، فَيَكُونُ هُوَ ظَالِمًا فِي مَنْعِهَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الظُّلْمِ. ٢١٠١ - وَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَذْهَبَ بِوَلَدِهَا لَمْ تُتْرَكْ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا مُسْلِمٌ عَلَى دِينِ أَبِيهِ. ٢١٠٢ - وَصَارَ حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَصَلَ الْعِوَضُ إلَى الْمَوْلَى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى لِلْمُعَوَّضِ حَقُّ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِحَالٍ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَصِلْ عِوَضُهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنَّ مَالِكَهُ إذَا مَنَعَهُ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى رَدِّهِ فِي الْحُكْمِ لَا يَلْتَفِتُ إلَى مَنْعِهِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنْعِ إبْقَاءٌ لِمِلْكِهِ، فَأَمَّا بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَنْعِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 1073

[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ] ١١٥ - بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ ٢١٠٣ - وَإِذَا قَسَّمَ الْأَمِيرُ غَنِيمَةً فَبَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَسَّمَ لِكَثْرَةِ الْجُنْدِ وَقِلَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَشَارَ قَبْلَ هَذَا فِي تَعْلِيلِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، فَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَصْلًا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا تَحْتَ الْقِسْمَةِ. وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هَهُنَا فِيمَا إذَا أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِمَّا هُوَ نَصِيبُ الْجُنْدِ، وَهَذَا قَدْ دَخَلَ تَحْتَ الْقِسْمَةِ وَصَارَ حَقًّا لِلْجُنْدِ خَاصَّةً، فَإِذَا تَعَذَّرَ إيصَالُهُ إلَيْهِمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِ الْإِمَامِ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ إلَّا أَنَّ فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً؛ لِأَنَّهُ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهَا فَيَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجُو مِثْلَ ذَلِكَ هَا هُنَا، فَلَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِ التَّصَدُّقِ بِهِ أَوْ الِاشْتِغَالِ بِتَعْرِيفِهِ، فَلِهَذَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فِي الْحَالِ. ٢١٠٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا صَاحِبَ الْمَقَاسِمِ وَقَالُوا: إنَّ مَنَازِلَنَا بَعِيدَةٌ، وَلَسْنَا نَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ إلَى أَنْ تَقْسِمَ فَأَعْطِنَا حِصَصَنَا مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْحَزْرِ وَالظَّنِّ، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ، فَأَعْطَاهُمْ وَذَهَبُوا،

стр. 1074

ثُمَّ تَبَيَّنَ بِالْقِسْمَةِ أَنَّ حِصَّةَ الْقَوْمِ كَانَتْ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَخَذُوا، فَإِنَّ مَا تَبَقَّى مِنْ فَضْلِ نَصِيبِهِمْ فِي يَدِ صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا الْإِمَامُ فِي يَدِهِ أَوْ يَأْخُذَهَا فَيُعَرِّفَهَا حَوْلًا، وَيُخْبِرَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، لَعَلَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي إلَى أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْفَضْلَ مَعْلُومٌ أَنَّهُ حَقُّ الَّذِينَ غَابُوا وَيُرْجَى حُضُورُهُمْ إذَا انْتَهَى الْخَبَرُ إلَيْهِمْ. ٢١٠٥ - فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ اللُّقَطَةِ فِي التَّعْرِيفِ ثُمَّ التَّصَدُّقُ بِهِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، وَالرَّأْيُ فِي ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ، لَا إلَى صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا وَلَّاهُ الْقِسْمَةَ فَقَطْ، وَقَدْ انْتَهَتْ وِلَايَتُهُ بِإِتْمَامِ الْقِسْمَةِ فَيَكُونُ هُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِيمَا يَجْعَلُهُ الْأَمِيرُ فِي يَدِهِ مِنْ نَصِيبِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ، لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ. ٢١٠٦ - إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْأَمِيرُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ كَانَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُضَمِّنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى يَدِهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا بَاشَرَ فِيهِ فِعْلًا سِوَى مَا أَمَرَهُ بِهِ كَانَ خَائِنًا ضَامِنًا فِي حَقِّ مَنْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ إذَا أَتْلَفَ الْمَالَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُودِعِ أَنْ يُضَمِّنَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُهُ، وَإِنْ أَخَذَ الْأَمِيرُ مِنْهُ ذَلِكَ وَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ جَائِزًا.

стр. 1075

٢١٠٧ - فَإِذَا حَضَرَ أَصْحَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْأَمِيرَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ الْأَمِيرُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُلْتَقِطِ إذَا تَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالضَّمَانِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ الْأَمِيرُ بِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ تَصَدُّقَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ تَصَدُّقِ الْمُلْتَقِطِ بِاللُّقَطَةِ. ٢١٠٨ - وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ يَعْزِلُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ أَوْ يَبْقَى فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ التَّصَدُّقِ بِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ، وَفِيمَا يَفْعَلُهُ يَرْجِعُ لَا عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ عَامِلًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَحِقَهُ فِيهِ ضَمَانٌ لَا الْأَمِيرُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ. ٢١٠٩ - فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَقْرِضَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ جَائِزٌ مِنْهُ. لِأَنَّهُ فِي هَذَا الِاسْتِقْرَاضِ نَاظِرٌ لِأَصْحَابِ هَذَا الْمَالِ وَلِلْمَسَاكِينِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ لِلنَّظَرِ.

стр. 1076

فَإِنْ جَاءَ لَهُ طَالِبٌ بَعْدَ هَذَا رَجَعَ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ، حَتَّى يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَى طَالِبِهِ. لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ نَفَذَ عَنْ وِلَايَةٍ، وَالْأَمِيرُ فِي هَذَا كَالْقَاضِي، إذَا وَصَلَتْ اللُّقَطَةُ إلَى يَدِهِ فَكَمَا أَنَّ تَصَدُّقَهُ هُنَاكَ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ حَتَّى إذَا صَاحَبَهُ ضَمِنَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِمَّا يَضْمَنُ عَلَى أَحَدٍ فَكَذَلِكَ حَالُ الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ هُوَ الَّذِي وَلَّاهُ فَهُوَ فِيمَا وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ كَالْقَاضِي، بِخِلَافِ صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ فَإِنَّ مَا فَعَلَ لَيْسَ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَا وَلَّاهُ لِأَخْذِ ذَلِكَ. ٢١١١ - وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا عَظِيمًا أَصَابُوا غَنَائِمَ يَسِيرَةً فَأَخْرَجُوهَا ثُمَّ تَفَرَّقُوا لِقِلَّةِ غَنَائِمِهِمْ وَبَقِيَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ الْأَمِيرَ يُعْطِي مَنْ بَقِيَ حِصَّتَهُ وَيَقِفُ حِصَّةَ الْبَاقِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ مِثْلُ مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ. ٢١١٢ - وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُمْضِيَ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ حَقِيقَةً، فَلْيَضَعْهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَوْقُوفًا وَيَكْتُبْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلِمَنْ هُوَ، وَمَا قَضِيَّتُهُ، فَيَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَبَدًا إلَى أَنْ يَحْضُرَ طَالِبُهُ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ بِاللُّقَطَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِيهِ حَقِيقَةً.

стр. 1077

لِأَنَّ جَوَازَ التَّصَدُّقِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِاللُّقَطَةِ رُخْصَةٌ فَأَمَّا الْعَزِيمَةُ فَهُوَ الْكَفُّ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ وَحِفْظُهُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ فَيَأْخُذَهُ. ٢١١٣ - وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ بَاعَهُ، وَوَقَفَ ثَمَنَهُ. لِأَنَّ حِفْظَهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، ثُمَّ هَذَا الْبَيْعُ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ، حَتَّى إذَا حَضَرَ صَاحِبُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ بِخِلَافِ التَّصَدُّقِ بِهِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ تَقْرِيرٌ لِمَا هُوَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَهُوَ حِفْظُ الْمَالِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهِ، بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ التَّصَدُّقَ بِهِ لَا يَكُونُ تَقْرِيرًا لِحِفْظِ الْمَالِيَّةِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ إيصَالٌ لِثَوَابِهِ إلَيْهِ إنْ رَضِيَ بِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاقِعًا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ. ٢١١٤ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا غَلَّ شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ ثُمَّ نَدِمَ، فَأَتَى بِهِ الْإِمَامُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ، فَلِلْإِمَامِ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ إنْ شَاءَ كَذَّبَهُ فِيمَا قَالَ، وَقَالَ: أَنَا لَا أَعْرِفُ صِدْقَك، وَقَدْ الْتَزَمْت وَبَالًا بِزَعْمِك، وَأَنْتَ أَبْصَرُ فِيمَا الْتَزَمْته، حَتَّى تُوَصِّلَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَعَلَ خُمُسَهُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى. لِأَنَّهُ وَجَدَ الْمَالَ فِي يَدِهِ، وَصَاحِبُ الْمَالِ مُصَدَّقٌ شَرْعًا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ حَالِ مَنْ فِي يَدِهِ، وَبِاعْتِبَارِ صِدْقِهِ خُمُسُهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ فَيَصْرِفُ إلَيْهِمْ وَالْبَاقِي

стр. 1078

يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ، إنْ طَمِعَ فِي أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَهْلِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي ذَلِكَ قَسَمَهُ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ إنْ أَحَبَّ، وَإِلَّا جَعَلَهُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَشَأْنَهُ. ٢١١٥ - وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْغُلُولِ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْإِمَامُ، وَلَكِنَّهُ تَابَ مِنْ الْغُلُولِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَهْلِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ طَمِعَ فِي ذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَدَفْعُهُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ أَحَبُّ إلَيَّ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ أَيْضًا، وَبَعْدَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ فِي تَصْدِيقِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَلَّا يَدَعَ الْخُمُسَ فِي يَدِهِ. لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّ خُمُسَ مَا فِي يَدِهِ لِمَنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَإِقْرَارُهُ فِيمَا فِي يَدِهِ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُمُسَ مِنْهُ، وَيَصْرِفَهُ إلَى الْمَصَارِفِ، حَتَّى لَا يَكُونَ مُضَيِّعًا حَقَّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1079

[بَابُ الْحُكْمِ فِي الْأُسَارَى عَبِيدِهِمْ وَأَحْرَارِهِمْ فِي أُمُورِهِمْ] ١١٦ - بَابُ الْحُكْمِ فِي الْأُسَارَى عَبِيدِهِمْ وَأَحْرَارِهِمْ فِي أُمُورِهِمْ ٢١١٦ - حُكْمُ الْأُسَارَى بَعْدَ الْأَخْذِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حُكْمُ الْعَبِيدِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَبَعْدَ الْإِحْرَازِ. لِأَنَّ الرِّقَّ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ بِالْقَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْمِلْكُ، فَإِنَّ الرِّقَّ عِبَارَةٌ عَنْ الضَّعْفِ، وَقَدْ كَانَ الضَّعْفُ مَوْجُودًا فِيهِمْ قَبْلَ الْأَخْذِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ عُرْضَةٌ لِلتَّمَلُّكِ لَكِنَّهُ كَانَ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ الْمَوْجُودَةِ مِنْ طَرِيقِ الْحِسِّ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْأَسْرِ، فَثَبَتَ الرِّقُّ فِيهِمْ. ٢١١٧ - وَإِنْ تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ عَلَى الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ حَتَّى وُجِدَ قَتِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَشَهِدَ مِنْهُمْ نَفَرٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ لَمْ تُقْبَلْ. لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا نَوْعُ وِلَايَةٍ وَالرِّقُّ يَعْدَمُ الْوِلَايَةَ. ٢١١٨ - وَلَكِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ أَسِيرٌ لَا أَمَانَ لَهُ، حَتَّى إذَا قَسَمَهُ أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِشَيْءٍ.

стр. 1080

٢١١٩ - وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهَا الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ حَالُهَا بَعْدَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ كَحَالِهَا قَبْلَهَا وَوَاضِحٌ هَذَا بِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْجُنْدِ لَوْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفُذُ مِنْهُ فِي الْقِيَاسِ، وَلَا يَنْفُذُ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ الرِّقُّ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ لَهُمْ مَعْنًى. ٢١٢٠ - وَلَوْ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى دَارِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَصَيَّرَهَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُخَمِّسَهَا وَيَقْسِمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَبَيْنَ أَنْ يَمُنَّ عَلَى أَهْلِهَا، فَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ. وَالْخَرَاجَ عَنْ أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -[بِالسَّوَادِ فَإِنْ لَمْ يَفْرُقْ لَهُ فِيهِمْ رَأْيٌ حَتَّى شَهِدَ بَعْضُهُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ امْرَأَةً مِنْهُمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، ثُمَّ فَرَقَ لَهُ فِيهِمْ أَحَدُ الرَّأْيَيْنِ فَشَهَادَتُهُمْ الْأُولَى بَاطِلَةٌ. لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ لِكَوْنِهِمْ مَقْهُورِينَ. ٢١٢١ - وَإِنْ أَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ قَسَمَهُمْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ أَيْضًا. ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِمْ بِالْقِسْمَةِ.

стр. 1081

٢١٢٢ - وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِمْ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ بِالْمَنِّ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ جَعَلَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ، وَالْعَبْدُ إذَا شَهِدَ فِي حَالِ رِقِّهِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَجَبَ قَبُولُهَا، ثُمَّ يَغْرَمُ الْقَاتِلُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولَةِ فِي مَالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِأَوْلِيَائِهَا عَلَى الْقَاتِلِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً، وَلَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ لِبَقَاءِ شُبْهَةِ الْهَدْرِ فِي دَمِهَا حِينَ قَتَلَهَا، وَلِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقَوَدِ حِينَ قَتَلَهَا لِتَرَدُّدِ حَالِهَا. ثُمَّ حَالُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ عِنْدَ الْقَتْلِ كَحَالِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَقِيقٌ مُتَرَدِّدُ الْحَالِ. بَيْنَ أَنْ يَتَقَرَّرَ الْمِلْكُ فِيهِ بِالْقِسْمَةِ أَوْ الْحُرِّيَّةِ بِالْمَنِّ فَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتِبُ إذَا قَتَلَ مُكَاتَبًا عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَوَدُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ وَمِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي كَسْبِ الْقَاتِلِ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ إذَا حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ قَتَلَ حُرًّا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَطَأً فَإِنْ قَسَمَهُمْ الْإِمَامُ دَفَعَ بِهِ وَإِنْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً غَرِمَ الْقَاتِلُ قِيمَتَهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُكَاتَبِ يَقْتُلُ حُرًّا خَطَأً. ٢١٢٣ - وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ. ؛ لِأَنَّ دَمَهُ حَلَالٌ وَمَنْ أَرَاقَ دَمًا حَلَالًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ

стр. 1082

وَلَوْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ قَبْلَ أَنْ يَفْرُقَ لَهُ فِيهِمْ رَأْيٌ فَشَهِدُوا شَهَادَةً لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ. لِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِمْ بِالْقَهْرِ لَا يَزُولُ بِالْإِسْلَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَهُمْ، فَحَالُهُمْ كَحَالِ مُكَاتَبٍ مُسْلِمٍ، شَهِدَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِذَا رَدَّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِي أَرَاضِيِهِمْ، يُؤَدُّونَ عَنْهَا الْخَرَاجَ فَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهِمْ هَذَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَبَعْدَ الْإِسْلَامِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَضَعُ الْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَالْمُسْلِمُ لَا يُبْتَدَأُ بِالْخَرَاجِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ فِي الْأَرَاضِي، وَلَكِنْ يَجْعَلُهَا أَرْضَ عُشْرٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا مُسْلِمُونَ. قُلْنَا: لِأَنَّهُ إذَا قَسَمَهَا فَقَدْ مَلَّكَهَا الْغَانِمِينَ ابْتِدَاءً، فَكَانَ هَذَا تَوْظِيفًا عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً فِي أَرْضِهِ فَأَمَّا إذَا مَنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا فَقَدْ قَرَّرَ مِلْكَهُمْ فِيهَا عَلَى مَا كَانَ، وَقَدْ كَانَ ثَبَتَ بِهِ حَقُّ تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَى هَذِهِ الْأَرَاضِي فِي مِلْكِ أَهْلِهَا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَيَكُونَ هَذَا إبْقَاءً لِمَا ثَبَتَ مِنْ الْحَقِّ، وَإِبْقَاءُ الْخَرَاجِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِ مُسْتَقِيمٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَظَّفَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ خَرَاجُ الرُّءُوسِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ خَرَاجُ الْأَرَاضِي، فَكَذَلِكَ هَذَا. ٢١٢٥ - فَإِنْ أَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ قَبِلَهَا الْإِمَامُ. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ قَدْ تَقَرَّرَتْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَسَمَهُمْ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ الْمَوَالِي فَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ.

стр. 1083

فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُقَ لَهُ فِيهِمْ الرَّأْيُ وَفِيمَنْ أَسْلَمَ رَجُلٌ لَهُ أَبٌ مُسْلِمٌ، مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ غَيْرَ الْأَسِيرِ مِنْهُمَا لَمْ يَرِثْهُ الْأَسِيرُ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْأَسِيرُ مِنْهُمَا وَرِثَهُ الْمُسْلِمُ الْآخَرُ. لِأَنَّ الْأَسِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِتَرَدُّدِ حَالِهِ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ [وَالْمُكَاتَبُ] لَا يَرِثُ أَحَدًا وَيَرِثُهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ إذَا حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبٍ يَمُوتُ عَنْ وَفَاءٍ فَيُؤَدِّي كِتَابَتَهُ وَيَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ. ٢١٢٧ - وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَاتَ، وَوَارِثُهُ أَسِيرٌ فِي الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ مَالَ الْمَيِّتِ مِيرَاثًا لِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ. لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْوَارِثِ وَالْمَوْرُوثِ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبٍ يَمُوتُ، وَلَهُ وَلَدٌ مَوْلُودٌ فِي كِتَابَتِهِ، ثُمَّ يُؤَدِّي كِتَابَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَهُنَاكَ حِينَ مَاتَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَحُرِّيَّتُهُ حِينَ مَاتَ مُتَقَرِّرَةٌ، وَالْأَسِيرُ مُتَرَدِّدٌ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْكِنُ تَوْرِيثُهُ عَنْهُ، وَإِنْ ظَهَرَتْ حُرِّيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

стр. 1084

لِأَنَّ حُكْمَ التَّوْرِيثِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ يَتَقَرَّرُ بِنَفْسِ الْمَوْتِ، وَهَا هُنَا الْمَيِّتُ كَانَ مُتَرَدِّدَ الْحَالِ عِنْدَ الْمَوْتِ كَالْوَارِثِ، فَإِنَّمَا يَتَقَرَّرُ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا وَحُكْمُ الْإِرْثِ فِي الْمَالِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ قِيلَ: فِي الْمُكَاتَبِ الْحُرِّيَّةُ تَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الْحَيَاةِ، أَوْ يُجْعَلُ هُوَ كَالْحَيِّ حُكْمًا، إلَى وَقْتِ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى هَا هُنَا، فَكَيْفَ يَجْرِي الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْنَا: ذَلِكَ الْمَعْنَى هَا هُنَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَا هُنَا إذَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَقَدْ قَرَّرَ فِيهِمْ حُرِّيَّةً كَانَتْ، وَهُنَاكَ عِنْدَ الْأَدَاءِ ثَبَتَتْ حُرِّيَّةٌ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَطُّ فِي الْمُكَاتَبِ، فَإِذَا صَحَّ أَنْ يُجْعَلَ حَيًّا حُكْمًا لِإِثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ ابْتِدَاءً لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، فَلَأَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ هَا هُنَا لِتَقْرِيرِ حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ كَانَ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَعَ هَذَا الْأَسِيرِ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ، وَلَهُ وَلَدٌ حُرٌّ وَوَلَدٌ مَوْلُودٌ فِي الْكِتَابَةِ. ٢١٢٨ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ، إنْ كَانَ عَمْدًا، فَفِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ. ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْحِلِّ فِي دَمِهِ قَدْ زَالَتْ بِإِسْلَامِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الْقَاتِلِ لِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ فَإِنَّ الْإِمَامَ إنْ يَجْعَلُهُمْ ذِمَّةً كَانَ الْمُسْتَحِقُّ وَرَثَتَهُ، وَإِنْ بَدَا لَهُ الْقِسْمَةُ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ فِي اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ فَلِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ وَلَكِنْ تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ خَطَأً. وَيَكُونُ ذَلِكَ مِيرَاثًا لِجَمِيعِ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْلَاكِهِ فِي التَّوْرِيثِ.

стр. 1085

فَإِنْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَهُ وَمَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ بَعْدَهُ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً فَإِنَّ مَا تَرَكَهُ الْأَسِيرُ الْأَوَّلُ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَمِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. لِأَنَّهُ كَانَ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَبَعْدَ مَا حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ يَسْتَنِدُ الْإِرْثُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ. ٢١٣٠ - وَلَا يَرِثُ الْأَسِيرَ الَّذِي مَاتَ آخَرُ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَا يَرِثُهُ أَيْضًا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. لِأَنَّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ، فَكَيْفَ يَرِثُهُ؟ وَالْأَسِيرُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتَرَدِّدَ الْحَالِ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَلَا يَرِثُ شَيْئًا مِمَّنْ هُوَ مُتَيَقَّنُ الْحُرِّيَّةِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مُكَاتَبٍ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَتَرَكَ ابْنًا حُرًّا وَابْنًا مَوْلُودًا فِي الْكِتَابَةِ، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ الْحُرُّ عَنْ مَالٍ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ عَنْ مَالٍ، ثُمَّ أُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ كَسْبِ الْأَبِ يَرِثُهُ الِابْنَانِ جَمِيعًا، وَلَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْ الِابْنَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ لِمَا بَيَّنَّا. ٢١٣١ - وَلَوْ أَنَّ بَعْضَ الْأُسَرَاءِ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ أَوْ بَاعَهُ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ مَوْقُوفٌ.

стр. 1086

لِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَسْلَمَ بِالْمَنِّ وَبَيْنَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْقِسْمَةِ، فَيَتَوَقَّفَ تَصَرُّفُهُ لِتَوَقُّفِ مِلْكِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي كَسْبِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَوْلَى جَعَلَهُ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ وَأَطْلَقَ عَنْهُ الْحَجْرَ فِي التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ، وَهَا هُنَا الْحَجْرُ بِسَبَبِ الْقَهْرِ ثَابِتٌ فِي كَسْبِهِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ فَلِهَذَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ فِي كَسْبِهِ، فَإِنْ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً نَفَذَ تَصَرُّفُهُ. ٢١٣٢ - فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ أَدَّى إلَيْهِ الْكِتَابَةَ ثُمَّ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَإِنْ كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ فِي يَدِ الْمَوْلَى لَمْ يَسْتَهْلِكْهَا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضِهِ كَانَ مَوْقُوفًا وَقَدْ نَفَذَ ذَلِكَ بِالْمَنِّ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ الْمَقْبُوضُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَنِّ، فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ. ٢١٣٣ - وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَ الْمَقْبُوضَ لَمْ يُعْتَقْ الْمُكَاتَبُ إلَّا بِأَدَاءِ الْمَالِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إنَّمَا نَفَذَتْ بَعْدَ الْمَنِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، بَعْدَ نُفُوذِ الْعَقْدِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَإِنَّ حُكْمَ التَّوَقُّفِ لَا يَبْقَى فِي الْمَقْبُوضِ بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ لَا إلَى بَدَلٍ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْقَابِضِ، سَوَاءٌ قَسَمَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً.

стр. 1087

٢١٣٤ - وَإِنْ كَانَ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ. لِأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ أَوْ دُونَهُ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَجِهَةُ الْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ الْمُكَاتَبِ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ لَهُ بِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ فِيمَا فِي يَدِهِ، فَكَذَلِكَ مِنْ الْأَسِيرِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ. ٢١٣٥ - وَلَوْ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى دَارَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَقْسِمْهُمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ ذِمَّةً حَتَّى مَاتَ بَعْضُهُمْ، وَتَرَكَ وَرَثَةً مِنْ أَهْلِ دَارِهِ وَوَرَثَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، فَمِيرَاثُ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ خَاصَّةً. ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّارَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بِتَبَايُنِ الْمَنَعَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَبْقَى إلَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، أَوْ يَقْسِمَهُمْ. ٢١٣٦ - وَإِنَّمَا حَالُهُمْ فِي هَذَا الْوَجْهِ كَحَالِ الْمُكَاتَبِينَ، هُمْ إخْوَةٌ وَمُكَاتَبَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَلِبَعْضِهِمْ ابْنٌ مُكَاتَبَتُهُ عَلَى حِدَةٍ، فَمَاتَ الْأَبُ عَنْ مَالٍ ثُمَّ أَدَّى ابْنُهُ فَعَتَقَ ثُمَّ أُدِّيَتْ مُكَاتَبَةُ الْمَيِّتِ، فَإِنَّ إخْوَتَهُ يَرِثُونَهُ دُونَ ابْنِهِ. لِأَنَّ الِابْنَ كَانَ مُكَاتَبًا عَلَى حِدَةٍ، فَلَا تَسْتَنِدُ حُرِّيَّتُهُ إلَى مَا اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ حُرِّيَّةُ أَبِيهِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

стр. 1088

٢١٣٧ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ صَيَّرَهُمْ ذِمَّةً قَبْلَ مَوْتِ الرَّجُلِ تَوَارَثُوا جَمِيعًا. لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. ٢١٣٨ - وَإِنْ صَيَّرَ مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ ذِمَّةً، ثُمَّ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى ثُمَّ صَيَّرَهُمْ ذِمَّةً بَعْدَ ذَلِكَ، وَرِثَ الْمَيِّتُ جَمِيعَ وَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارَيْنِ. أَمَّا مَنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَلِأَنَّهُمْ صَارُوا أَحْرَارًا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَرِثُونَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1089

[بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ] ١١٧ - بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ ٢١٣٩ - وَإِذَا بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى حِصْنٍ، وَسَرِيَّةٍ أُخْرَى إلَى حِصْنٍ آخَرَ، فَدَخَلَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى وَظَفِرُوا بِأَهْلِ حِصْنِهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ مَرَّتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى وَظَفِرُوا بِأَهْلِ حِصْنِهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْتَقِ السَّرِيَّتَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى خَرَجَتَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَجَمِيعُ مَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى يَشْتَرِكُ فِيهِ السَّرِيَّتَانِ، وَمَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ الْتَقَتْ بِالسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لَهُمْ، ثُمَّ لَا تَبْطُلُ تِلْكَ الشَّرِكَةُ بِإِمْعَانِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخُرُوجُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى قَبْلَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُمْ الَّذِينَ تَفَرَّدُوا فِيهَا بِالْإِصَابَةِ وَالْإِحْرَازِ، وَمَا لَقِيَهُمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بَعْدَ هَذِهِ الْإِصَابَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا. ٢١٤٠ - وَلَوْ كَانُوا الْتَقَوْا جَمِيعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.

стр. 1090

لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ فِي حَقِّ كُلِّ غَنِيمَةٍ. ٢١٤١ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ لَمْ يَبْعَثْهَا الْإِمَامُ تُقَاتِلُ الرُّومَ، وَلَكِنَّهُ بَعَثَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَدُوًّا غَيْرَ الرُّومِ وَطَرِيقُهُمْ فِي أَرْضِ الرُّومِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُشْرِكْ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِيمَا أَصَابُوا هَا هُنَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَوِي إنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْتَقُوا. لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ هَا هُنَا مَا قَصَدُوا قِتَالَ الرُّومِ، فَلَا يَكُونُونَ فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ لِقِتَالِ الرُّومِ، بَلْ كُلُّ سَرِيَّةٍ فِي حَقِّ مَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَلَا يُشْرِكْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمُصَابِ، وَإِنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَصْدُ كُلِّ سَرِيَّةٍ قِتَالُ أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي تُقَاتِلُهَا السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، فَكَانَ بَعْضُهُمْ مَدَدًا لِبَعْضٍ إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ إذَا قَهَرَ بَعْضُهُمْ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ الْقَهْرِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ مِنْهُمْ، وَأَهْلُ الدَّارَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ لَا يَصْبِرُ بَعْضُهُمْ مَقْهُورَيْنِ بِقَهْرِ الْبَعْضِ، وَرُبَّمَا يَزْدَادُونَ قُوَّةً بِذَلِكَ. ٢١٤٢ - فَإِذَا بُعِثَتْ السَّرِيَّتَانِ لِقِتَالِ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ يُمْكِنُ جَعْلُ إحْدَاهُمَا مَدَدًا لِلْأُخْرَى، بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَهْرُ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا بُعِثَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لِقِتَالِ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى، فَإِذَا الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ
следующие страницы →