Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
لِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَسْلَمَ بِالْمَنِّ وَبَيْنَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْقِسْمَةِ، فَيَتَوَقَّفَ تَصَرُّفُهُ لِتَوَقُّفِ مِلْكِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي كَسْبِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَوْلَى جَعَلَهُ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ وَأَطْلَقَ عَنْهُ الْحَجْرَ فِي التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ، وَهَا هُنَا الْحَجْرُ بِسَبَبِ الْقَهْرِ ثَابِتٌ فِي كَسْبِهِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ فَلِهَذَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ فِي كَسْبِهِ، فَإِنْ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً نَفَذَ تَصَرُّفُهُ.
٢١٣٢ - فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ أَدَّى إلَيْهِ الْكِتَابَةَ ثُمَّ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَإِنْ كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ فِي يَدِ الْمَوْلَى لَمْ يَسْتَهْلِكْهَا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضِهِ كَانَ مَوْقُوفًا وَقَدْ نَفَذَ ذَلِكَ بِالْمَنِّ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ الْمَقْبُوضُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَنِّ، فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ.
٢١٣٣ - وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَ الْمَقْبُوضَ لَمْ يُعْتَقْ الْمُكَاتَبُ إلَّا بِأَدَاءِ الْمَالِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إنَّمَا نَفَذَتْ بَعْدَ الْمَنِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، بَعْدَ نُفُوذِ الْعَقْدِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَإِنَّ حُكْمَ التَّوَقُّفِ لَا يَبْقَى فِي الْمَقْبُوضِ بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ لَا إلَى بَدَلٍ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْقَابِضِ، سَوَاءٌ قَسَمَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً.
стр. 1087
٢١٣٤ - وَإِنْ كَانَ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ.
لِأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ أَوْ دُونَهُ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَجِهَةُ الْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ الْمُكَاتَبِ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ لَهُ بِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ فِيمَا فِي يَدِهِ، فَكَذَلِكَ مِنْ الْأَسِيرِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ.
٢١٣٥ - وَلَوْ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى دَارَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَقْسِمْهُمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ ذِمَّةً حَتَّى مَاتَ بَعْضُهُمْ، وَتَرَكَ وَرَثَةً مِنْ أَهْلِ دَارِهِ وَوَرَثَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، فَمِيرَاثُ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ خَاصَّةً.
؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّارَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بِتَبَايُنِ الْمَنَعَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَبْقَى إلَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، أَوْ يَقْسِمَهُمْ.
٢١٣٦ - وَإِنَّمَا حَالُهُمْ فِي هَذَا الْوَجْهِ كَحَالِ الْمُكَاتَبِينَ، هُمْ إخْوَةٌ وَمُكَاتَبَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَلِبَعْضِهِمْ ابْنٌ مُكَاتَبَتُهُ عَلَى حِدَةٍ، فَمَاتَ الْأَبُ عَنْ مَالٍ ثُمَّ أَدَّى ابْنُهُ فَعَتَقَ ثُمَّ أُدِّيَتْ مُكَاتَبَةُ الْمَيِّتِ، فَإِنَّ إخْوَتَهُ يَرِثُونَهُ دُونَ ابْنِهِ.
لِأَنَّ الِابْنَ كَانَ مُكَاتَبًا عَلَى حِدَةٍ، فَلَا تَسْتَنِدُ حُرِّيَّتُهُ إلَى مَا اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ حُرِّيَّةُ أَبِيهِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
стр. 1088
٢١٣٧ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ صَيَّرَهُمْ ذِمَّةً قَبْلَ مَوْتِ الرَّجُلِ تَوَارَثُوا جَمِيعًا.
لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
٢١٣٨ - وَإِنْ صَيَّرَ مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ ذِمَّةً، ثُمَّ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى ثُمَّ صَيَّرَهُمْ ذِمَّةً بَعْدَ ذَلِكَ، وَرِثَ الْمَيِّتُ جَمِيعَ وَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارَيْنِ.
أَمَّا مَنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَلِأَنَّهُمْ صَارُوا أَحْرَارًا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَرِثُونَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1089
[بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ]
١١٧ - بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ ٢١٣٩ - وَإِذَا بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى حِصْنٍ، وَسَرِيَّةٍ أُخْرَى إلَى حِصْنٍ آخَرَ، فَدَخَلَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى وَظَفِرُوا بِأَهْلِ حِصْنِهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ مَرَّتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى وَظَفِرُوا بِأَهْلِ حِصْنِهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْتَقِ السَّرِيَّتَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى خَرَجَتَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَجَمِيعُ مَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى يَشْتَرِكُ فِيهِ السَّرِيَّتَانِ، وَمَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ الْتَقَتْ بِالسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لَهُمْ، ثُمَّ لَا تَبْطُلُ تِلْكَ الشَّرِكَةُ بِإِمْعَانِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخُرُوجُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى قَبْلَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُمْ الَّذِينَ تَفَرَّدُوا فِيهَا بِالْإِصَابَةِ وَالْإِحْرَازِ، وَمَا لَقِيَهُمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بَعْدَ هَذِهِ الْإِصَابَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا.
٢١٤٠ - وَلَوْ كَانُوا الْتَقَوْا جَمِيعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.
стр. 1090
لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ فِي حَقِّ كُلِّ غَنِيمَةٍ.
٢١٤١ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ لَمْ يَبْعَثْهَا الْإِمَامُ تُقَاتِلُ الرُّومَ، وَلَكِنَّهُ بَعَثَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَدُوًّا غَيْرَ الرُّومِ وَطَرِيقُهُمْ فِي أَرْضِ الرُّومِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُشْرِكْ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِيمَا أَصَابُوا هَا هُنَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَوِي إنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْتَقُوا.
لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ هَا هُنَا مَا قَصَدُوا قِتَالَ الرُّومِ، فَلَا يَكُونُونَ فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ لِقِتَالِ الرُّومِ، بَلْ كُلُّ سَرِيَّةٍ فِي حَقِّ مَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَلَا يُشْرِكْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمُصَابِ، وَإِنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَصْدُ كُلِّ سَرِيَّةٍ قِتَالُ أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي تُقَاتِلُهَا السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، فَكَانَ بَعْضُهُمْ مَدَدًا لِبَعْضٍ إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ إذَا قَهَرَ بَعْضُهُمْ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ الْقَهْرِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ مِنْهُمْ، وَأَهْلُ الدَّارَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ لَا يَصْبِرُ بَعْضُهُمْ مَقْهُورَيْنِ بِقَهْرِ الْبَعْضِ، وَرُبَّمَا يَزْدَادُونَ قُوَّةً بِذَلِكَ.
٢١٤٢ - فَإِذَا بُعِثَتْ السَّرِيَّتَانِ لِقِتَالِ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ يُمْكِنُ جَعْلُ إحْدَاهُمَا مَدَدًا لِلْأُخْرَى، بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَهْرُ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا بُعِثَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لِقِتَالِ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى، فَإِذَا الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ
стр. 1091
الْحَرْبِ بِغَنَائِمَ فَلَقَوْا جُنْدًا مِنْ الرُّومِ فَقَاتَلُوهُمْ عَنْ غَنَائِمِهِمْ، فَهَزَمُوا أَهْلَ الرُّومِ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ خَرَجُوا اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ مُحْرَزًا بِقِتَالِهِمْ، وَنُصْرَتِهِمْ جَمِيعًا وَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ التُّجَّارِ إذَا لَحِقُوا بِالْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَاتَلُوا مَعَهُمْ دَفْعًا عَنْ الْغَنَائِمِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى شَرِكَةٌ مَعَ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ، فِيمَا أَصَابُوا مِنْ غَيْرِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْ الدَّارِ الَّتِي أَصَابُوا فِيهَا، قَبْلَ أَنْ تَلْحَقَ بِهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى، فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ الْتَحَقَ الْمَدَدُ بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُمْ الْعَدُوَّ دَفْعًا عَنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ حَقَّهُمْ لَا يَتَأَكَّدُ فِي الْمُصَابِ بِالْإِخْرَاجِ إلَى تِلْكَ الدَّارِ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ حَقُّهُمْ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ اخْتِلَافِ الدَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ الْكُلُّ فِي حُكْمِ مَكَان وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَتَأَكَّدُ إذَا تَمَّ السَّبَبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَصِيرُوا قَاهِرِينَ يَدًا وَدَارًا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْصُلُ، وَإِنْ أَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى، مَا لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ بَعَثَ جُنْدًا إلَى عَدُوٍّ خَلْفَ الرُّومِ ثُمَّ عَمِيَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُمْ فَبَعَثَ جُنْدًا آخَرَ فِي طَلَبِهِمْ لِنُصْرَتِهِمْ، فَوَجَدُوهُمْ فِي أَرْضِ الرُّومِ، وَمَعَهُمْ الْغَنَائِمُ قَدْ جَاءُوا بِهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي بُعِثُوا إلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا، لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ
стр. 1092
وَلَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً إلَى أَرْضِ الرُّومِ، فَأَصَابُوا فِيهَا غَنَائِمَ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً أُخْرَى إلَى عَدُوٍّ خَلْفَ الرُّومِ، فَلَقُوا السَّرِيَّةَ الْأُولَى، وَحَضَرَ الشِّتَاءُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الذَّهَابِ، وَكَتَبَ إلَيْهِمْ الْإِمَامُ يَأْمُرُهُمْ بِالرَّجْعَةِ مَعَ أَصْحَابِهِمْ، وَبِنُصْرَتِهِمْ، فَخَرَجُوا جَمِيعًا بِغَنَائِمِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، فَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ مَا دَخَلُوا لِنُصْرَتِهِمْ، فَكَانُوا كَالتُّجَّارِ فِي حَقِّهِمْ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا فَحِينَئِذٍ يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ.
٢١٤٤ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ مَبْعُوثَةً إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الرُّومِ أَيْضًا.
لِأَنَّ هُنَاكَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ إنَّمَا بُعِثَتْ لِقِتَالِ الرُّومِ، فَكَانَتْ [كُلُّ] وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لِلْأُخْرَى، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِمَكَانِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا.
٢١٤٥ - فَإِذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِيمَا أَصَابُوا.
٢١٤٦ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَخَلَّفُوا مَعَهَا أُنَاسًا، وَمَضَوْا أَيَّامًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَدَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذَتْ الْغَنَائِمَ الَّتِي خَلَّفُوا، وَخَرَجُوا بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ
стр. 1093
أَقْبَلَ الَّذِينَ أَتَوْا بِالْغَنَائِمِ الْأُخْرَى حَتَّى خَرَجُوا بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْغَنِيمَةَ الْأُولَى تَشْتَرِكُ فِيهَا السَّرِيَّتَانِ جَمِيعًا.
لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى أَصَابُوهَا وَالثَّانِيَةَ أَحْرَزُوهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
٢١٤٧ - فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ الْأُخْرَى فَهِيَ لِلَّذِينَ مَضَوْا خَاصَّةً، لَا شَرِكَةَ فِيهَا لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَا لِأَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ كَانُوا تَخَلَّفُوا مَعَ الْغَنَائِمِ الْأُولَى.
لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ أَصَابُوهَا وَأَحْرَزُوهَا بِالدَّارِ، لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ.
٢١٤٨ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَسْلَمَ رَجُلٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَتَلَ قَوْمًا مِنْهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَالْتَحَقَ بِالسَّرِيَّةِ، ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا، فَلِلسَّرِيَّةِ شَرِكَةٌ مَعَ الرَّجُلِ فِيمَا أَصَابَ.
؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَتِهِمْ، وَشَارَكُوهُ فِي إحْرَازِ ذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
٢١٤٩ - وَلَا شَرِكَةَ لِلرَّجُلِ مَعَ السَّرِيَّةِ فِيمَا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِهِمْ عَلَى قَصْدِ النَّجَاةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ حَالُهُ كَحَالِ التَّاجِرِ يَلْتَحِقُ بِالسَّرِيَّةِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ.
٢١٥٠ - وَإِنْ لَقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا الْتَحَقَ بِهِمْ الرَّجُلُ اشْتَرَكُوا فِي الْمُصَابِ كُلِّهِ.
لِأَنَّ الرَّجُلَ قَاتَلَ عَنْ غَنَائِمِهِمْ فَيُشْرِكُهُمْ فِيهَا كَالتَّاجِرِ.
стр. 1094
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي الْتَحَقَ بِهِمْ أَسِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أُسِرَ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ.
لِأَنَّ كَحَالِ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا قَصَدَ النَّجَاةَ بِالِالْتِحَاقِ بِهِمْ.
٢١٥٢ - وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مِنْ هَذِهِ السَّرِيَّةِ وَالْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، ثُمَّ اعْتَرَضَ لَهُ عَارِضٌ غَيْرُ قَادِحٍ فِي ذَلِكَ السَّبَبِ، فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
٢١٥٣ - فَإِنْ لَمْ يَلْتَحِقْ هَذَا الْأَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ مَعَ الْأَسِيرِ فِيمَا أَصَابَ.
لِأَنَّهُمْ مَا شَارَكُوهُ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.
٢١٥٤ - وَلَا شَرِكَةَ لَهُ مَعَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا بَعْدَ مَا أُسِرَ هُوَ.
؛ لِأَنَّهُ مَا شَارَكَهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.
٢١٥٥ - وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيمَا كَانُوا أَصَابُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ.
لِأَنَّهُ شَارَكَهُمْ فِي الْإِصَابَةِ فَثَبَتَ حَقُّهُ فِيهَا.
٢١٥٦ - ثُمَّ بِالْأَسْرِ لَا يَبْطُلُ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ.
стр. 1095
وَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِ السَّرِيَّةِ الَّتِي امْتَنَعَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ.
٢١٥٧ - وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً حَاصَرُوا أَهْلَ حِصْنٍ لَهُمْ كَنَائِسُ خَارِجَةٌ مِنْ حِصْنِهِمْ فَأَرَادُوا هَدْمَهَا فَقَالُوا نَفْدِيهَا مِنْكُمْ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَأَخَذُوهَا وَمَضَوْا فِي أَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَرَادُوا هَدْمَ الْكَنَائِسِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخَرِّبُوهَا، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مَا جَرَى بَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى.
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا بَذَلُوا الدَّنَانِيرَ لِيَدْفَعُوا أَهْلَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى عَمَّا قَصَدُوا مِنْ الْهَدْمِ، وَلِيَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ، فَكَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فِي سَعَةٍ مِنْ هَدْمِهَا.
٢١٥٨ - إلَّا أَنْ يُصَالِحُوهُمْ أَيْضًا، فَإِنْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ أُخْرَى وَأَخَذُوهَا ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، اشْتَرَكُوا فِي الْفِدَاءَيْنِ مَعَ الْغَنَائِمِ كُلِّهَا.
لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى سَبِيلِ الْفِدَاءِ فَيْءٌ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِصْنِ مَا دَفَعُوا ذَلِكَ إلَّا لِيُزِيلُوا قَهْرَهُمْ عَنْهُمْ، وَالْمَأْخُوذُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَكُونُ غَنِيمَةً.
٢١٥٩ - فَإِنْ مَرَّتْ السَّرِيَّتَانِ بِذَلِكَ الْحِصْنِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْرِبُوا شَيْئًا مِنْهُ مَا لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا
стр. 1096
فِيمَا سَبَقَ أَنَّ صُلْحَ كُلِّ سَرِيَّةٍ مُطْلَقًا يَتَقَيَّدُ بِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ إنَّمَا كَانَ بِذَلِكَ السَّبَبِ.
فَإِنْ خَرَجُوا ثُمَّ رَجَعُوا غُزَاةً فَلَا بَأْسَ بِتَخْرِيبِهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الصُّلْحِ قَدْ انْتَهَى بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، إذْ حَالُهُمْ فِي الرَّجْعَةِ كَحَالِ جَيْشٍ آخَرَ، فَلَا بَأْسَ بِهَدْمِ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ.
٢١٦٠ - إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْعَدُوُّ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنْ كَانُوا حِينَ انْصَرَفُوا عَنْهَا دَاخِلِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ صَارَ الْعَدُوُّ دُونَهَا، وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَمَنَعُوهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى أَجْلَوْهُمْ عَنْهَا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخَرِّبُوهَا؛ أَهْلُ السَّرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ حِينَ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ دَفْعًا عَنْهَا فَقَدْ أَحْرَزُوهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتَبَذَ مَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ أَمَانٍ بِهَذَا الْإِحْرَازِ.
٢١٦١ - وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ صَالَحُوهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ مَجَانِيقَهُمْ، وَيَنْصَرِفُوا عَنْ حِصْنِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِمْ، فَوَجَدُوهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ الْحِصْنِ وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى انْهَزَمُوا وَدَخَلُوا الْحِصْنَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ وَهَدْمُ حِصْنِهِمْ.
وَلَوْ أَنَّهُمْ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحِصْنِ لَمْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ
стр. 1097
حَتَّى مَرُّوا بِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا مِنْهُمْ الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ وَعَنْ حِصْنِهِمْ مَا دَامُوا فِي حِصْنِهِمْ حَلَّ قِتَالُهُمْ أَيْضًا، لِانْتِهَاءِ الصُّلْحِ بِخُرُوجِهِمْ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ الْفِدَاءُ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ وَعَنْ حِصْنِهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُمْ مَا لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَلِكُهُمْ بَعَثَ قَوْمًا فَأَنْزَلَهُمْ الْحِصْنَ فَقَاتَلَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ بُعِثُوا وَسِعَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ وَتَخْرِيبُ الْحِصْنِ وَالْكَنَائِسِ.
؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا نَزَلُوا حِصْنَهُمْ لِيَنْصُرُوهُمْ، وَلِيَزْدَادُوا قُوَّةً بِهِمْ، فَكَانَ قِتَالُهُمْ كَقِتَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ.
٢١٦٢ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةً مِنْ الْجُنْدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَخَذُوا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ الْفِدَاءَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ، ثُمَّ مَضَتْ وَجَاءَ الْعَسْكَرُ فَأَرَادُوا هَدْمَ الْكَنَائِسِ، وَعَلِمُوا مَا صَنَعَتْ السَّرِيَّةُ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عِنْدَ الصُّلْحِ بِالْقُرْبِ مِنْ الْحِصْنِ، عَلَى وَجْهٍ لَوْ اسْتَعَانَتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ قَدَرُوا عَلَى أَنْ يُعِينُوهُمْ، فَلَيْسَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يُخَرِّبُوا كَنَائِسَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدْءًا لِلسَّرِيَّةِ، وَالرِّدْءُ فِي الْحُكْمِ كَالْمُبَاشِرِ، فِيمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ
стр. 1098
٢١٦٣ - وَلَوْ كَانُوا مَعَ السَّرِيَّةِ حِينَ وَقَعَ الصُّلْحُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَهْدِمُوا الْكَنَائِسَ بِدُونِ رَدِّ الْمَالِ، كَمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ حَالَهُمْ الْآنَ كَحَالِ جَيْشٍ آخَرَ جَاءَ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّةَ لَوْ خَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الِالْتِحَاقِ بِالْجَيْشِ كَانَ لِلْجَيْشِ مَعَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الدَّنَانِيرِ الْمَقْبُوضَةِ، فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَبِهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ.
٢١٦٤ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَصَابَتْ غَنَائِمَ وَخَلَّفُوهَا مَعَ أُجَرَائِهِمْ، وَخَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَلَقَوْا الْأُجَرَاءَ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَخَرَجُوا مَعَ الْأُجَرَاءِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَغَنِيمَةُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى تَشْتَرِك فِيهَا السَّرِيَّتَانِ، لِوُجُودِ الْإِصَابَةِ مِنْ إحْدَاهُمَا، وَالْإِحْرَازِ مِنْ الْأُخْرَى، وَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِيمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.
٢١٦٥ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بَعَثُوا الْغَنَائِمَ مَعَ الْأُجَرَاءِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَصَابَتْ غَنَائِمَ،
стр. 1099
ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجُوا فَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِي غَنَائِمِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى.
لِأَنَّهُمْ مَا شَارَكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.
٢١٦٦ - وَلِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى الشَّرِكَةُ فِي غَنَائِمِ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى.
لِأَنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي إحْرَازِهَا بِالدَّارِ حِينَ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجُوا مَعَهُمْ.
٢١٦٧ - فَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْأَخِيرَةَ تَفَرَّدَتْ بِالْإِصَابَةِ وَالْإِحْرَازِ، فَإِنَّ أَهْلَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مَا كَانُوا مَعَهُمْ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَلَا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ.
٢١٦٨ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى خَلَّفُوا غَنَائِمَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَضَوْا حَتَّى الْتَقَوْا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ خَرَجُوا، قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الَّذِينَ خَلَّفُوهُمْ مَعَ غَنَائِمِهِمْ، الْأُولَى لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى خَاصَّةً.
لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ مَا شَارَكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ، وَلَا فِي الْإِحْرَازِ، وَالْغَنِيمَةُ الثَّانِيَةُ بَيْنَ الَّذِينَ أَحْرَزُوهَا مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّتَيْنِ.
стр. 1100
٢١٦٩ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ مَضَوْا لَقَوْا السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الَّذِينَ خَلَّفُوا عَلَى الْغَنَائِمِ اشْتَرَكَ الْكُلُّ فِي جَمْعِ مَا أَصَابُوا.
لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُغِيثَ الْبَعْضَ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ جَيْشٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُمْ رِدْءٌ لِلْبَعْضِ وَإِنْ كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ عَسْكَرَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ دَخَلُوا أَرْضَ الرُّومِ مِنْ جَانِبَيْنِ.
٢١٧٠ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الَّتِي حَاصَرَتْ حِصْنًا أَصَابُوا غَنَائِمَ فِيهِمْ سَبَايَا، ثُمَّ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ، فَسَأَلَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا انْتِسَاخُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ.
٢١٧١ - فَإِنْ فَعَلُوا جَازَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ فِعْلَهُمْ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ ظَاهِرٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.
٢١٧٢ - فَإِنْ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَالْتَقَوْا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي فِدَاءِ أُولَئِكَ السَّبْيِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِدَاءِ الْكَنَائِسِ.
стр. 1101
لِأَنَّ مَا أَخَذُوهُ عِوَضًا عَنْ السَّبْيِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ، فَقَدْ كَانُوا أَثْبَتُوا الْيَدَ عَلَى السَّبْيِ، ثُمَّ سَلَّمُوهُمْ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بِمَا أَخَذُوا مِنْهُمْ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجَيْشِ أَصَابُوا غَنَائِمَ وَبَاعُوهَا أَوْ قَسَمُوهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ.
وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فَلَمْ تَصِرْ مُحْرَزَةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ فِيهَا، فَكَانَ مَا أَخَذُوا مِنْ الْفِدَاءِ فِي حُكْمِ مَالِ غَنِيمَةٍ ابْتِدَاءً، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ بَاعَ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ بَيْعُهُ، وَلَوْ بَاعَ كَنَائِسَهُمْ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ الْأَرْضُ دَارَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ.
٢١٧٣ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةً مِنْ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْعَسْكَرُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ حِينَ أَخَذَتْ السَّرِيَّةُ السَّبْيَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ شَرَكُوهُمْ فِي فِدَاءِ السَّبْيِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا حَضَرُوا مَعَهُمْ.
وَإِنْ كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ قَدْ نَهَى أَمِيرَ السَّرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ السَّبْيِ، أَوْ يُفَادِيَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِدَاءُ السَّبْيِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ، فَفِعْلُهُ لَا يَكُونُ بَيْعًا لَكِنَّهُ يَكُونُ رَدًّا لِلسَّبْيِ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّ رَدَّهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ.
فَلَوْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْمَالِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ السَّرِيَّةِ مُطْلَقًا فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ، وَيَكُونُ
стр. 1102
الْفِدَاءُ مِنْهُمْ مَأْخُوذًا بِطَرِيقِ الثَّمَنِ، فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِمَنْ يَلْحَقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ شَرِكَتُهُ ثَابِتَةً فِي السَّبْيِ قَبْلَ الْبَيْعِ، بِأَنْ كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ.
٢١٧٤ - وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ لِلسَّرِيَّةِ نَهَبُ لَكُمْ أَلْفَ دِينَارٍ نَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْكُمْ، عَلَى أَنْ تَنْصَرِفُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ الْعَسْكَرُ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمَالِ.
لِأَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ حِينَ شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ بَعْدَ مَا قَبَضُوا الْمَالَ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُمْ إلَّا أَنْ يَرُدُّوا الْمَالَ عَلَيْهِمْ.
٢١٧٥ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبُوا لَهُمْ الْمَالَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ.
لِأَنَّ الْمَالَ هُنَاكَ مَأْخُوذٌ بِجِهَةِ التَّبَرُّعِ الْمَحْضِ أَوْ بِسَبَبِ تَعَمُّدِ الْمُرَاضَاةِ بِأَنْ كَانُوا اشْتَرَوْا مِنْ السَّرِيَّةِ شَيْئًا بِهَا فَلَا يَأْخُذُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.
٢١٧٦ - وَلَوْ بَاعَتْ السَّرِيَّةُ مِنْهُمْ شَيْئًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْحِصْنِ فِي الشِّرَاءِ الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لِلسَّرِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ قِيمَةِ مَا بَاعُوا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْمُعَسْكَرِ.
لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا الزِّيَادَةَ بِإِزَاءِ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ مِنْ الِانْصِرَافِ فَكَانَ ذَلِكَ
стр. 1103
غَنِيمَةً، وَأَمَّا مِقْدَارُ الْقِيمَةِ فَإِنَّمَا أَعْطَوْهُ عِوَضًا عَمَّا أَخَذُوا مِنْ تِلْكَ السَّرِيَّةِ فَيَخْتَصُّونَ بِهِ.
٢١٧٧ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَصَابَتْ سَبْيًا وَغَنَائِمَ فَجَعَلُوهَا فِي الْكَنِيسَةِ، وَقَيَّدُوا السَّبْيَ فِيهَا، وَأَغْلَقُوا الْبَابَ عَلَيْهِمْ، وَدَفَنُوا الْأَمْوَالَ، ثُمَّ مَضَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَفَتَحُوا بَابَ الْكَنِيسَةِ، وَأَخَذُوا الْأُسَارَى، وَاسْتَخْرَجُوا الْأَمْوَالَ، وَخَرَجُوا بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى، فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ يَشْتَرِك فِيهَا أَهْلُ السَّرِيَّتَيْنِ.
لِأَنَّ إحْدَاهُمَا أَصَابَتْ وَالْأُخْرَى أَحْرَزَتْهَا بِالدَّارِ.
٢١٧٨ - فَإِنْ لَمْ تَنْتَهِ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ إلَى تِلْكَ الْكَنِيسَةِ حَتَّى خَرَجَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَتِلْكَ الْأَمْوَالُ كُلُّهَا لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ خَاصَّةً.
لِأَنَّ أَهْلَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى حِينَ تَرَكُوهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجُوا فَقَدْ سَقَطَتْ يَدُهُمْ عَنْهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْتَحَقَتْ بِسَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِمَّا هُوَ ضَائِعٌ لَيْسَ فِي يَدِ إحْدَاهُمَا، فَإِنَّمَا أَصَابَهَا السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ الَّذِينَ أَحْرَزُوهَا.
стр. 1104
٢١٧٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِحَالِ تِلْكَ الْكَنِيسَةِ فَجَاءُوا، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَاسْتَنْقَذُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ خَاصَّةً.
لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ بِالْأَخْذِ صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهَا، فَتَلْحَقُ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، الَّتِي لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى الْآنَ وَقَدْ تَفَرَّدَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ خَاصَّةً بِالْأَخْذِ وَالْإِحْرَازِ مِنْهَا.
٢١٨٠ - وَلَوْ كَانَ بَعْضُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى تَرَكَ فِي تِلْكَ الْكَنِيسَةِ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ أَيْضًا، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ أَهْلُ الْحَرْبِ حَتَّى أَخَذَتْهُ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالٍ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَا أَحْرَزُوهُ وَلَا عَلِمُوا بِهِ، حَتَّى يَزُولَ مِلْكُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ قَدْ أَخَذُوهُ ثُمَّ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ.
لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، لِكَوْنِهِ فِي دَارِهِمْ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1105
[بَابُ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِيهِ شُرَكَاءَ]
- بَابُ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِيهِ شُرَكَاءَ وَمَا لَا يَكُونُ
٢١٨١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ صَارَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ عَسَلًا، أَوْ لُؤْلُؤًا أَوْ جَوْهَرًا، أَوْ مَعْدِنَ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُ مَالٌ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، وَالْجَيْشُ حِينَ دَخَلُوا فَقَدْ كَانَ قَصْدُهُمْ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ الدَّيْنِ، فَكُلُّ مَالٍ يَصِلُ إلَى يَدِ بَعْضِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِمْ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.
وَتَحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَا كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى هَذَا الْمَالِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا الْمَكَانِ، وَمَا وَصَلَ إلَى هَذَا الْمَكَانِ إلَّا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَكَانُوا رِدْءًا لَهُ فِي السَّبَبِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ.
- وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْأَمِيرُ بِهِ مِنْ تَاجِرٍ، وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُجِيزَ بَيْعَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الثَّمَنَ فَيَجْعَلُهُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ كَانُوا شُرَكَاءَهُ فِيمَا بَاعَ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الثَّمَنِ أَيْضًا.
стр. 1106
- وَلَوْ كَانَ احْتَشَّ حَشِيشًا وَبَاعَهُ جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ الثَّمَنُ طَيِّبًا لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ يَسْتَقِي الْمَاءَ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ دَابَّتِهِ فَيَبِيعُهُ. لِأَنَّ الْحَشِيشَ وَالْمَاءَ مُبَاحٌ لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَثْبَتَ فِيهِمَا شَرِكَةً عَامَّةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» .
فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ بِأَخْذِهِ كَانَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِإِحْرَازِهِ، فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِذَا بَاعَهُ طَابَ ثَمَنُهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
- وَلَوْ كَانَ قَطَعَ خَشَبًا أَوْ حَطَبًا وَبَاعَهُ مِنْ تَاجِرٍ فِي الْعَسْكَرِ أَخَذَ الْأَمِيرُ الثَّمَنَ مِنْهُ فَجَعَلَهُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْحَطَبَ وَالْخَشَبَ مَالٌ مَمْلُوكٌ فَيَكُونُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ مِنْ أَرْضِ رَجُلٍ كَلَأً أَوْ مِنْ بِئْرِهِ مَاءً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ بَاعَهُ كَانَ الثَّمَنُ طَيِّبًا لَهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ.
وَلَوْ أَخَذَ خَشَبًا أَوْ حَطَبًا مِنْ شَجَرٍ نَابِتَةٍ فِي أَرْضٍ، لَمْ يُنْبِتْهُ أَحَدٌ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَحَقَّ بِهِ حَتَّى لَوْ بَاعَهُ الْآخِذُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَطَبَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْإِحْرَازُ بِالْمَكَانِ، وَأَنَّ الْكَلَأَ وَالْمَاءَ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِحْرَازُ فِيهِمَا بِالْيَدِ خَاصَّةً.
- وَلَوْ كَانَ بَاعَ الْحَطَبَ مِنْ جُنْدِيٍّ لِلْوَقُودِ أُمِرَ بِرَدِّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
стр. 1107
لِأَنَّ مَا بَاعَ كَانَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَالْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْ تَاجِرٍ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالْعَسَلِ، أَوْ عَلَفَ الدَّوَابِّ، مِنْ الشَّعِيرِ، وَالْقَتِّ، وَالتِّبْنِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ حَقُّ الِانْتِفَاعِ بِهِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَتَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْجَارِ لَا مِنْ الْحَشِيشِ، حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ.
قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ يُفْتِي بِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ، فَإِنَّهُ تَافِهٌ لَا قِيمَةَ لَهُ قَبْلَ الْأَخْذِ، فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ أَصَحُّ، فَإِنَّ الْحَشِيشَ مَا يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ، وَالشَّجَرَ مَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ وَالْقَتَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ.
- وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] النَّجْمُ مَا يَنْتَشِرُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالشَّجَرُ مَا يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ، وَالْقَتُّ مِنْ جِنْسِ مَا يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرِ.
- وَلَوْ ظَفِرَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بِحَشِيشٍ لِلْمُشْرِكَيْنِ، قَدْ احْتَشَوْهُ وَأَحْرَزُوهُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ رَجُلٌ وَبَاعَهُ، وَاسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي تَاجِرًا كَانَ الثَّمَنُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ كَانَ الثَّمَنُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ.
стр. 1108
لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَحْرَزُوا هَذَا وَمَلَكُوهُ، فَإِذَا ظَفِرَ بِهِ الْعَسْكَرُ فَأَخَذُوهُ كَانَ فِي حُكْمِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِمَّا لَمْ يُحْرِزْهُ أَحَدٌ حَتَّى أَخَذَهُ هَذَا الْبَائِعُ وَأَحْرَزَهُ.
- وَلَوْ كَانَ فِي الْجُنْدِ تَاجِرٌ وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ هَذَا الْخَشَبِ الخلنج فَعَمِلَ مِنْهُ قِصَاعًا وَأَخْوِنَةً ثُمَّ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ ذَلِكَ وَيَبِيعُهُ وَيَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْخَشَبِ، غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَإِلَى قِيمَتِهِ مَعْمُولًا، فَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعْطِيهِ حِصَّةَ عَمَلِهِ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِي فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْخَشَبَ الَّذِي أَخَذَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ كَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ ثُمَّ هَذِهِ الصَّنْعَةُ فِيهَا مِنْهُ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ كَانَ مُتَمَلِّكًا لَهُ بِالضَّمَانِ، إلَّا أَنَّ هَا هُنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْغَاصِبُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لَا يَمْلِكُ أَصْلَ الْخَشَبِ، ثُمَّ الصَّنْعَةُ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِهِ حَقُّهُ لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ، وَأَصْلُ الْخَشَبِ غَنِيمَةٌ وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بِالْقِسْمَةِ، فَيُصَارُ فِيهِ إلَى الْبَيْعِ، وَقِسْمَةُ الثَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي صِبْغِ غَيْرِهِ فَانْصَبَغَ، ثُمَّ أَبَى صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِ الصِّبْغِ قِيمَةَ صِبْغِهِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَذَ جُلُودَ الْغَنَمِ الَّتِي كَانَتْ تُذْبَحُ
стр. 1109
فَجَعَلَهَا فَرْوًا، أَوْ اصْطَادَ سَمَكًا وَمَلَّحَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا يَجْمَعُ الْفُصُولَ كُلَّهَا.
- وَلَوْ كَانَ الَّذِي عَمِلَ ذَلِكَ عَمَلًا بَعْدَ إخْرَاجِ الْغَنَائِمِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَةَ الْخَشَبِ، وَكَانَ الْمَعْمُولُ لَهُ. لِأَنَّ بَعْدَ الْإِحْرَازِ هُوَ ضَامِنٌ لِمَا يُسْتَهْلَكُ مِنْ الْمَالِ، فَيَتَمَلَّكُ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِالضَّمَانِ، قَبْلَ الْعَمَلِ، ثُمَّ إنَّمَا اتَّخَذَ الْمَعْمُولَ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَ الْخَشَبَ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ وَعَمِلَ ذَلِكَ مِنْهُ. لِأَنَّهُ صَارَ [غَاصِبًا] ضَامِنًا، وَبِالْعَمَلِ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ، فَيُقَرَّرُ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ لِصَاحِبِهِ.
وَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ بِمَا لَوْ أَخَذَ جُلُودًا ذَكِيَّةً لِرَجُلٍ فَدَبَغَهَا وَجَعَلَهَا فَرْوًا كَانَ الْفَرْوُ لَهُ، وَغَرِمَ قِيمَةَ الْجُلُودِ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مَالٌ مَضْمُونٌ قَبْلَ الْعَمَلِ.
- وَلَوْ أَخَذَ جُلُودًا مَيِّتَةً فَدَبَغَهَا وَجَعَلَهَا فَرْوًا قُوِّمَ الْفَرْوُ جِلْدًا غَيْرَ مَعْمُولٍ وَقُوِّمَ مَعْمُولًا، فَإِنْ شَاءَ الْعَامِلُ أَعْطَاهُ قِيمَةَ
стр. 1110
جِلْدِهِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَإِنْ شَاءَ بِيعَ الْفَرْوُ وَقُسِّمَ ثَمَنُهُ عَلَى قِيمَةِ الْجِلْدِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَعَلَى قِيمَتِهِ (فَرْوًا) مَعْمُولًا.
لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِلْجِلْدِ هَا هُنَا وَإِنَّهُ مَا كَانَ مُتَقَوِّمًا قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَوْ كَانَ دَبَغَ [الْجِلْدَ] دِبَاغًا لَا يَزِيدُ فِيهِ شَيْئًا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ، فَلِصَاحِبِ الْجِلْدِ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيُعْطِيَهُ مَا زَادَ الدَّبْغُ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ جِلْدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ الدَّبْغِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا.
٢٢٩٣ - فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْأَحْرَازِ إذَا صَنَعَ مِنْهَا شَيْئًا أَلَا تَرَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْعَسْكَرِ فِي أَرْضِ التُّرْكِ لَوْ أَصَابَ دَوَابَّ مِنْ هَذِهِ السُّمُورِ مَوْتَى فَسَلَخَهَا ثُمَّ دَبَغَهَا وَجَعَلَ مِنْهَا فَرْوًا يُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَا تَمَكَّنَ مِنْهُ إلَّا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَلَا يَسْلَمُ لَهُ وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
٢١٩٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ مَعْدِنَ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ فَجَعَلَ مِنْهُ أَبَارِيقَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَاِتَّخَذَ مِمَّا اسْتَخْرَجَ مِنْهُ الْأَبَارِيقَ.
стр. 1111
فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَأَمَّا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيُرَدُّ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ بِسَبَبِ صَنْعَتِهِ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ الصَّنْعَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَصِيرُ الْعَيْنُ بِهَا فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ، كَمَا قَالَ فِيمَنْ غَصَبَ نُقْرَةً وَاتَّخَذَ مِنْهَا قَلْبًا وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
стр. 1112
[بَابُ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَة]
٢١٩٥ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ بِسَهْمٍ أَوْ رَضْخٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْغُزَاةِ، وَحِلُّ ذَلِكَ لِلْغُزَاةِ كَانَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِهَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِدُونَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ شِرَاءً؛ لِأَنَّهُمْ مُقَاتِلُونَ لِلْعَدُوِّ، لَا مُعَامِلُونَ مَعَهُمْ.
٢١٩٦ - فَأَمَّا التُّجَّارُ لَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فِي حَقِّهِمْ. لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ.
٢١٩٧ - ثُمَّ الْغُزَاةُ يَتَقَوَّوْنَ بِمَا يَأْكُلُونَ وَيَعْلِفُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَى نُصْرَةِ الدِّينِ وَتَحْصِيلِ الْغَنَائِمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِ التُّجَّارِ.
وَمَعَ هَذَا لَا ضَمَانَ عَلَى التُّجَّارِ فِيمَا أَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَهْلَكُوا ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ لَمْ يَضْمَنُوا فَعَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ أَوْلَى.
стр. 1113
٢١٩٨ - وَكَمَا أَنَّ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ ذَلِكَ فَلَهُمْ أَنْ يُطْعِمُوا مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ، إذَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ حَاجَةَ هَؤُلَاءِ إلَى النَّفَقَةِ كَحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يُطْعِمُوهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ احْتَاجُوا إلَى أَنْ يَكْتَسِبُوا لِإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ.
٢١٩٩ - وَمَا كَانَ مِنْ أَجِيرٍ لَا يُقَاتِلُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْزَأَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَوْجِبٍ نَفَقَتَهُ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ الْأَجْرُ فَقَطْ.
٢٢٠٠ - وَالْمَدَدُ إذَا لَحِقَ الْجَيْشَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فَلَهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ مَا لَحِقُوا بِهِمْ.
٢٢٠١ - فَإِنْ قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ أَوْ بِيعَتْ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا (بِدُونِ إذْنِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْلَاكِهِ.
وَلَوْ أَخَذَ جُنْدِيٌّ شَيْئًا) مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ فَأَهْدَاهُ إلَى تَاجِرٍ فِي الْعَسْكَرِ، لَا يُرِيدُ الْقِتَالَ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ.
стр. 1114
لِأَنَّ التَّنَاوُلَ مِنْهُ مُبَاحٌ لِلْجُنْدِيِّ وَذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْإِهْدَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبَاحَ لَهُ الطَّعَامُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَى غَيْرِهِ؟
وَلِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لِلْجُنْدِيِّ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْإِهْدَاءِ إلَى الْغَيْرِ، وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ إهْدَائِهِ كَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أَخَذَهُ التَّاجِرُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ، وَيَسْتَوِي أَنْ لَوْ كَانَ الْجُنْدِيُّ الْمُهْدِي هُوَ الَّذِي أَتَى بِذَلِكَ الطَّعَامِ مِنْ بَعْضِ الْمَطَامِيرِ أَوْ غَيْرُهُ أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ.
٢٢٠٢ - بِخِلَافِ مَا لَوْ احْتَشَّ الْجُنْدِيُّ أَوْ اسْتَقَى مَاءً ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إلَى تَاجِرٍ فَلَا بَأْسَ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَقَدْ صَارَ مِلْكًا خَالِصًا لِمَنْ أَحْرَزَهُ، فَلَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَى مَنْ أَحَبَّ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ؟ بِخِلَافِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْغُزَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ؟
٢٢٠٣ - وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ رِضَاهُ.
стр. 1115
لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ لِحَاجَتِهِ، وَقَدْ تَعَيَّنَ لِحَاجَةِ صَاحِبِهِ، وَبَعْدَ مَا اسْتَوَيَا فِي الْمَعْنَى، التَّرْجِيحُ يَقَعُ بِالسَّبْقِ، وَقَدْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ فَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» .
وَاسْتِدْلَالًا بِمَنْ حَضَرَ الْجَامِعَ، وَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُزْعِجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَجْلِسَ فِيهِ بِنَفْسِهِ.
٢٢٠٤ - وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَشِيشِ وَالطَّعَامِ أَنَّ الْحَشِيشَ لَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ مِنْ الْمُحْرِزِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَاسْتَهْلَكَهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَالطَّعَامُ لَوْ أَخَذَهُ جُنْدِيٌّ أَوْ تَاجِرٌ مِمَّنْ جَاءَ بِهِ فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ لَهُ.
لِأَنَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَالْغَنِيمَةُ لَا تُضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
- وَلَوْ أَنَّ جُنْدِيًّا ذَبَحَ شَاةً مِنْ الْغَنِيمَةِ فَسَلَخَهَا وَطَبَخَ لَحْمَهَا، أَوْ أَخَذَ حِنْطَةً مِنْ الْغَنِيمَةِ [فَطَحَنَهَا وَخَبَزَهَا] ثُمَّ دَعَا تَاجِرًا إلَى طَعَامِهِ حَتَّى أَكَلَهُ مَعَهُ، أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ لَمْ أَرَ بَأْسًا بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَهْلَكَ طَعَامَ الْغَنِيمَةِ بِمَا صَنَعَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ كَانَ مُتَمَكِّنًا ضَامِنًا
стр. 1116
لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِالْغَنِيمَةِ أَوْلَى أَنْ يَصِيرَ مُتَمَلِّكَهُ.
ثُمَّ الْمِلْكُ يُطْلِقُ لَهُ الْإِبَاحَةَ وَالْإِهْدَاءَ إلَى الْغَيْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الطَّعَامُ عَنْ حَالِهِ، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، أَنَّ بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَوْ جَاءَهُ إنْسَانٌ فَأَتْلَفَهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، ثُمَّ مَبْنَى الطَّعَامِ الْمُهَيَّأِ لِلْأَكْلِ عَلَى التَّوَسُّعِ فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ إذَا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا إلَيْهِ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ بِأَكْلِ ذَلِكَ بَأْسٌ وَكَسْبُهُ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ، فَهَذَا الَّذِي لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ يَكُونُ أَيْسَرَ مِنْهُ لَا مَحَالَةَ.
- وَلَوْ أَنَّ تَاجِرًا ذَهَبَ مَعَ الْجُنْدِ إلَى بَعْضِ الْمَطَامِيرِ وَهِيَ نَائِيَةٌ عَنْ الْعَسْكَرِ فَجَاءَ مِنْهَا بِطَعَامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ وَيَعْلِفَ دَابَّتَهُ. لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ سَائِرِ الْغَانِمِينَ فِيهِ بِإِصَابَتِهِ، فَلَا يَكُونُ حَقُّهُمْ فِي ذَلِكَ مَانِعًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ مَالًا آخَرَ كَانَ هُوَ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُمْ فِيمَا أَحْرَزُوهُ دُونَهُ وَكَذَلِكَ فِي الطَّعَامِ، وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ.
لِأَنَّ مَا كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَسْكَرِ فَقَدْ صَارَ مَأْخُوذًا بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ قَبْلَ إصَابَتِهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْمُحْرَزِ بِأَخْذِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ دُونَهُ.
- وَالْغَنَمُ وَالْبَقَرُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَطْعِمَةِ، لَا بَأْسَ لِكُلِّ
стр. 1117
وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ أَنْ يَذْبَحَهُ وَيَتَنَاوَلَ مِنْهُ لِحَاجَتِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ فَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ. لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَأَكَّدُ فِي الْغَنِيمَةِ بِالْإِحْرَازِ، فَحُكْمُ الشَّرِكَةِ يَتَقَرَّرُ فِي الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ بِتَأَكُّدِ الْحَقِّ، كَمَا يَتَقَرَّرُ الْمِلْكُ بِالْقِسْمَةِ وَالْحَقُّ بِالْبَيْعِ.
٢٢٠٨ - وَإِنْ كَانُوا فُصِلُوا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الدَّرْبِ بَعْدُ، فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ إلَّا بِالْجُنْدِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَقْدِرُ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ أَيْضًا، فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ، فِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ. لِأَنَّ هَذِهِ الْبِقَاعَ كَانَتْ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ.
وَلِأَنَّ إبَاحَةَ التَّنَاوُلِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِعَوَزِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِيهِ بِالشِّرَاءِ.
٢٢٠٩ - فَإِذَا أُخْرِجُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْحَاجَةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ.
٢٢١٠ - قَالَ: (ثُمَّ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا فَرْقَ فِي إبَاحَةِ
стр. 1118
التَّنَاوُلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُتَنَاوَلِ طَعَامٌ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَبَيْنَ أَلَّا يَكُونَ. لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ صَارَ الطَّعَامُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَبِاعْتِبَارِ بَقَائِهِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ يَسْتَوِي فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ وَالْمُحْتَاجُ إلَيْهِ.
- قَالَ: وَإِذَا ذَبَحُوا غَنَمًا أَوْ بَقَرًا لِلْأَكْلِ فَلْيَرُدُّوا، جُلُودَهَا فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَصْلَحَةِ الْأَكْلِ، خُصُوصًا بَعْدَ مَا جَفَّ، وَيَسْتَوِي فِي إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ مَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ الْغِذَاءِ عَادَةً، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ مِمَّا يُنْقَلُ إلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيهِ بِخِلَافِ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ فِي هَذَا.
- وَمَا يَكُونُ مِنْ التَّوَابِلِ لِلْقُدُورِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَتَغَدَّى بِهِ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فِي النَّاسِ عَادَةً.
٢٢١٣ - وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي الْوُقُودِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الطَّعَامِ. لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا، وَإِصْلَاحُ الطَّعَامِ لِلْأَكْلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ.
- وَكُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُوقِدُوا بِهِ لِطَبْخِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَطَبِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِبَرْدٍ أَصَابَهُمْ.
стр. 1119
لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَوْقَدُوا لِلطَّبْخِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ الِاصْطِلَاءِ بِهَا؟
٢٢١٥ - فَكَذَلِكَ إذَا أَوْقَدُوا لِلِاصْطِلَاءِ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ،
وَكُلُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَدْهَانِ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا كَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ وَلَهُمْ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِهِ.
لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْعَيْنِ عَلَى وَجْهٍ يَصِيرُ مُسْتَهْلِكًا فِيهِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَأَمَّا الْبِزْرُ لِلسِّرَاجِ فَهُوَ كَالْحَطَبِ لِلْوَقُودِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْلَمُ وُقُوعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ.
٢٢١٦ - فَأَمَّا الْبَنَفْسَجُ وَالْخَيْرِيُّ وَالزَّنْبَقُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُؤْكَلُ عَادَةً.
لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ الِادِّهَانُ بِهِ، إذْ الِادِّهَانُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَهُوَ كَالْغَالِيَةِ وَالطِّيبِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَتَطَيَّبُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَحِلَّ الِادِّهَانُ بِهِ فَالِاسْتِصْبَاحُ بِهِ أَوْلَى.
стр. 1120
وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَاوَلُوا شَيْئًا مِنْ الزَّنْجَبِيلِ الْمُرَبَّى وَالْإِهْلِيلِجِ الْمُرَبَّى وَكَذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ، وَقَدْ صَنَعَهَا الْعَدُوُّ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِأَطْعِمَةِ النَّاسِ. يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَقَاءُ النَّفْسِ، فَلَا تَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَوْجِبُ عَلَى زَوْجِهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ النَّفَقَةَ، وَلَا تَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ الدَّوَاءَ.
٢٢١٨ - إلَّا أَنْ يَبِيعَ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ. لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمِلْكِهِ حِينَ بَاشَرَ سَبَبَهُ.
٢٢١٩ - فَإِنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ نَابِتًا فِي أَرْضِهِمْ فَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَأْخُوذِ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. لِأَنَّ مَأْخُوذَهُ وَمَأْخُوذَ غَيْرِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ.
- وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَا قِيمَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَدَاوَى بِهِ.
стр. 1121
لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، وَإِنْ كَانَ لَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يَصِيرُ مُتَقَوِّمًا.
- وَعَلْفُ الدَّوَابِّ فِيمَا ذَكَرْنَا قِيَاسُ طَعَامِ بَنَى آدَمَ. لِأَنَّ حَاجَةَ الْغَازِي إلَى عَلْفِ دَابَّتِهِ أَصْلِيَّةٌ، بِمَنْزِلَةِ حَاجَتِهِ إلَى الطَّعَامِ.
٢٢٢٢ - وَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ جَازَ أَنْ يَعْلِفَ دَابَّتَهُ أَيْضًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ السَّمْنَ لَمَّا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَقِّحَ دَابَّتَهُ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ لَهُ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِالْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ، وَهُوَ إدَامُ الطَّعَامِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّوَابِلِ فِي إصْلَاحِ الْمَرَقَةِ بِهِ، فَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْأَوَانِي وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وُقُوعُهَا، فَلَا يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ الِانْتِفَاعُ بِالْغَنِيمَةِ أَوْلَى.
٢٢٢٣ - ثُمَّ إذَا ذَهَبَتْ الضَّرُورَةُ يَرُدُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النُّقْصَانِ - بِخِلَافِ مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَيَضْمَنُ بِإِدْخَالِ النُّقْصَانِ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِهِ، أَمَّا الْغَنِيمَةُ [فَلَا] يَضْمَنُهَا بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّ فِي
стр. 1122
الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ يُؤَدِّبُهُ الْأَمِيرُ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُعَذِّرُهُ.
وَالضَّرُورَةُ فِي الثِّيَابِ أَنْ يُصِيبَهُ الْبَرْدُ، حَتَّى يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الْأَوَانِي بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ رُكُوبُ الدَّابَّةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ «رُكُوبَ دَوَابِّ الْغَنِيمَةِ مِنْ الْغُلُولِ» ، فَإِنْ وَجَدَ حِمَارًا أَوْ فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ بِرْذَوْنًا، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى رُكُوبِهَا بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا، أَوْ كَانَ رَاجِلًا وَلَكِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ عَنَاءٌ شَدِيدٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا، وَإِنْ رَكِبَ شَيْئًا مِنْهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا عَلَفًا، أَوْ عَلَفَ الْغَنِيمَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ حَاجَةِ مَا هُوَ غَنِيمَةٌ، وَهَذِهِ الدَّالَّةُ فِي نَفْسِهَا غَنِيمَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا بِحَاجَةِ نَفْسِهِ.
- وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ أَوْ عَلَفِ دَوَابِّهِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَيْضًا حَتَّى تَجِيءَ الضَّرُورَةُ. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغُلُولِ.
- وَالضَّرُورَةُ فِي الرُّكُوبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْيَا وَهُوَ يَخَافُ الْعَدُوَّ إنْ لَمْ يَرْكَبْ، أَوْ لَا يَخَافُ الْعَدُوَّ وَلَكِنَّهُ قَدْ
стр. 1123
بَلَغَ مِنْهُ الْجُهْدُ، بِحَيْثُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَكُونُ قَدْ قَتَلَ فَرَسَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَاتِلَ رَاجِلًا، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْكَبَهُ، وَإِنْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّ الرُّكُوبَ مُبَاحٌ لَهُ شَرْعًا.
٢٢٢٦ - بِخِلَافِ مَا يَسْتَهْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ ذَلِكَ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّهُ آثِمٌ فِي الِاسْتِهْلَاكِ فَيُفْتَى بِأَدَاءِ الضَّمَانِ.
٢٢٢٧ - وَالِانْتِفَاعُ بِالْأَسْلِحَةِ بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِ الدَّابَّةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مَتَى كَانَ مُبَاحًا لَهُ شَرْعًا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، فَهُوَ غَيْرُ ضَامِنٍ لِمَا يُتْلِفُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَتَى كَانَ آثِمًا فِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ يُفْتَى بِالْغُرْمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَلْزَمُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَتَمَامُ التَّوْبَةِ بِرَدِّ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
٢٢٢٨ - وَالْجَلَالُ لِلدَّوَابِّ بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ لِلنَّاسِ، وَاللُّجُمُ
стр. 1124
وَالسُّرُوجُ لِلدَّوَابِّ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ لِلرِّجَالِ فِي جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا.
وَلَوْ وَجَدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أُشْنَانًا أَوْ صَابُونًا فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ غَسْلَ ثِيَابِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَبِاعْتِبَارِهِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ.
٢٢٢٩ - إلَّا أَنَّ الْأُشْنَانَ إنْ كَانَ نَابِتًا فِي مَوْضِعٍ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ أَخَذَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَهُ قِيمَةٌ فَبِأَخْذِهِ يَصِيرُ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَأْخُوذِ غَيْرِهِ، وَمَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ فِي بُيُوتِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُوقِدَ النَّارَ بِالْحَطَبِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلِمَاذَا لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي غَسْلِ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ، وَغَسْلِ الْيَدِ وَالثِّيَابِ بِالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ.
قُلْنَا: لِأَنَّ فِي الْوُقُودِ مَعْنَى إصْلَاحِ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَبِاعْتِبَارِهِ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَصِيرُ مُسْتَثْنًى
٢٢٣٠ - وَلَوْ وَجَدَ مِجْمَرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَجَمَّرَ بِهِ.
стр. 1125
لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ كَالطِّيبِ.
٢٢٣١ - وَكَذَلِكَ لَا يُوقِدُ بِهِ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْوَقُودِ فِي النَّاسِ.
٢٢٣٢ - فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ خَشَبُهُمْ الَّذِي يُوقِدُونَ بِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوقِدُوا بِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَجَمَّرُ بِهِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
- وَلَوْ وَجَدُوا أَخْوِنَةً وَقِصَاعًا وَأَوْتَادًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا لِلْوَقُودِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَمْتِعَةِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَقُودِ عَادَةً.
٢٢٣٤ - فَأَمَّا الْخَشَبُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا لِلْوَقُودِ وَإِنْ كَانَ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ اتِّخَاذِ الْقِصَاعِ وَالْأَقْدَاحِ مِنْهُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَأَمَّا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، إذَا أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ قَبْلَ الصَّنْعَةِ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُبَاحًا لَهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّمٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَصَنْعَتُهُ لَا تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْضًا.
следующие страницы →