← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، وَإِنْ كَانَ لَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يَصِيرُ مُتَقَوِّمًا. - وَعَلْفُ الدَّوَابِّ فِيمَا ذَكَرْنَا قِيَاسُ طَعَامِ بَنَى آدَمَ. لِأَنَّ حَاجَةَ الْغَازِي إلَى عَلْفِ دَابَّتِهِ أَصْلِيَّةٌ، بِمَنْزِلَةِ حَاجَتِهِ إلَى الطَّعَامِ. ٢٢٢٢ - وَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ جَازَ أَنْ يَعْلِفَ دَابَّتَهُ أَيْضًا. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّمْنَ لَمَّا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَقِّحَ دَابَّتَهُ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ لَهُ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِالْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ، وَهُوَ إدَامُ الطَّعَامِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّوَابِلِ فِي إصْلَاحِ الْمَرَقَةِ بِهِ، فَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْأَوَانِي وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وُقُوعُهَا، فَلَا يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ الِانْتِفَاعُ بِالْغَنِيمَةِ أَوْلَى. ٢٢٢٣ - ثُمَّ إذَا ذَهَبَتْ الضَّرُورَةُ يَرُدُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النُّقْصَانِ - بِخِلَافِ مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَيَضْمَنُ بِإِدْخَالِ النُّقْصَانِ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِهِ، أَمَّا الْغَنِيمَةُ [فَلَا] يَضْمَنُهَا بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّ فِي

стр. 1122

الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ يُؤَدِّبُهُ الْأَمِيرُ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُعَذِّرُهُ. وَالضَّرُورَةُ فِي الثِّيَابِ أَنْ يُصِيبَهُ الْبَرْدُ، حَتَّى يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الْأَوَانِي بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ رُكُوبُ الدَّابَّةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ «رُكُوبَ دَوَابِّ الْغَنِيمَةِ مِنْ الْغُلُولِ» ، فَإِنْ وَجَدَ حِمَارًا أَوْ فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ بِرْذَوْنًا، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى رُكُوبِهَا بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا، أَوْ كَانَ رَاجِلًا وَلَكِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ عَنَاءٌ شَدِيدٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا، وَإِنْ رَكِبَ شَيْئًا مِنْهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا عَلَفًا، أَوْ عَلَفَ الْغَنِيمَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ حَاجَةِ مَا هُوَ غَنِيمَةٌ، وَهَذِهِ الدَّالَّةُ فِي نَفْسِهَا غَنِيمَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا بِحَاجَةِ نَفْسِهِ. - وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ أَوْ عَلَفِ دَوَابِّهِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَيْضًا حَتَّى تَجِيءَ الضَّرُورَةُ. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغُلُولِ. - وَالضَّرُورَةُ فِي الرُّكُوبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْيَا وَهُوَ يَخَافُ الْعَدُوَّ إنْ لَمْ يَرْكَبْ، أَوْ لَا يَخَافُ الْعَدُوَّ وَلَكِنَّهُ قَدْ

стр. 1123

بَلَغَ مِنْهُ الْجُهْدُ، بِحَيْثُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَكُونُ قَدْ قَتَلَ فَرَسَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَاتِلَ رَاجِلًا، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْكَبَهُ، وَإِنْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّ الرُّكُوبَ مُبَاحٌ لَهُ شَرْعًا. ٢٢٢٦ - بِخِلَافِ مَا يَسْتَهْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ ذَلِكَ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّهُ آثِمٌ فِي الِاسْتِهْلَاكِ فَيُفْتَى بِأَدَاءِ الضَّمَانِ. ٢٢٢٧ - وَالِانْتِفَاعُ بِالْأَسْلِحَةِ بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِ الدَّابَّةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مَتَى كَانَ مُبَاحًا لَهُ شَرْعًا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، فَهُوَ غَيْرُ ضَامِنٍ لِمَا يُتْلِفُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَتَى كَانَ آثِمًا فِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ يُفْتَى بِالْغُرْمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَلْزَمُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَتَمَامُ التَّوْبَةِ بِرَدِّ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. ٢٢٢٨ - وَالْجَلَالُ لِلدَّوَابِّ بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ لِلنَّاسِ، وَاللُّجُمُ

стр. 1124

وَالسُّرُوجُ لِلدَّوَابِّ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ لِلرِّجَالِ فِي جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا. وَلَوْ وَجَدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أُشْنَانًا أَوْ صَابُونًا فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ غَسْلَ ثِيَابِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَبِاعْتِبَارِهِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ. ٢٢٢٩ - إلَّا أَنَّ الْأُشْنَانَ إنْ كَانَ نَابِتًا فِي مَوْضِعٍ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ أَخَذَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَهُ قِيمَةٌ فَبِأَخْذِهِ يَصِيرُ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَأْخُوذِ غَيْرِهِ، وَمَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ فِي بُيُوتِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُوقِدَ النَّارَ بِالْحَطَبِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلِمَاذَا لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي غَسْلِ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ، وَغَسْلِ الْيَدِ وَالثِّيَابِ بِالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ. قُلْنَا: لِأَنَّ فِي الْوُقُودِ مَعْنَى إصْلَاحِ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَبِاعْتِبَارِهِ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَصِيرُ مُسْتَثْنًى ٢٢٣٠ - وَلَوْ وَجَدَ مِجْمَرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَجَمَّرَ بِهِ.

стр. 1125

لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ كَالطِّيبِ. ٢٢٣١ - وَكَذَلِكَ لَا يُوقِدُ بِهِ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْوَقُودِ فِي النَّاسِ. ٢٢٣٢ - فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ خَشَبُهُمْ الَّذِي يُوقِدُونَ بِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوقِدُوا بِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَجَمَّرُ بِهِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. - وَلَوْ وَجَدُوا أَخْوِنَةً وَقِصَاعًا وَأَوْتَادًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا لِلْوَقُودِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَمْتِعَةِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَقُودِ عَادَةً. ٢٢٣٤ - فَأَمَّا الْخَشَبُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا لِلْوَقُودِ وَإِنْ كَانَ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ اتِّخَاذِ الْقِصَاعِ وَالْأَقْدَاحِ مِنْهُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَأَمَّا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، إذَا أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ قَبْلَ الصَّنْعَةِ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُبَاحًا لَهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّمٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَصَنْعَتُهُ لَا تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْضًا.

стр. 1126

٢٢٣٥ - وَإِنْ أَرَادَ الْأَمِيرُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِلِ فَيَجْعَلُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ عَمَلِهِ، بِأَنْ يُقَوَّمَ الْخَشَبُ مَعْمُولًا وَغَيْرَ مَعْمُولٍ، فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا أَعْطَاهُ فَضْلَ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ الْمَعْمُولُ لَا قِيمَةَ لَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ سَالِمٌ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ بِعَمَلِهِ صَارَ مَالًا مُتَقَوِّمًا فَيَكُونُ كَسْبًا لَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ كُوزًا مِنْ تُرَابِ غَيْرِهِ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَالطِّينُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْقُدُورُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبِ الَّذِي تُعْمَلُ مِنْهُ الْقِصَاعُ، عَلَى مَا بَيَّنَّا. - وَإِذَا ذَهَبَ قَوْمٌ فِي طَلَبِ الْغَنَائِمِ فَوَجَدُوا أَرْمَاكًا لِلْمُشْرِكِينَ وَأَمْتِعَةً وَطَعَامًا وَسَبْيًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الْأَرْمَاكِ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ الْعَسْكَرَ. لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْغَانِمِينَ، الْحِمْلَ وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْأَمْتِعَةِ فَكَذَلِكَ فِي الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَأْتُونَ بِالطَّعَامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْجَيْشُ كُلُّهُمْ. ٢٢٣٧ - وَإِنْ وَجَدُوا شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْعَلَفِ وَالطَّعَامِ، فَأَخَذُوهُ

стр. 1127

لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الْأَرْمَاكِ الَّتِي لِلْعَدُوِّ، وَلَا عَلَى حُمُرِهِمْ وَبِغَالِهِمْ، وَلَا عَلَى عِجْلِهِمْ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِمْ. ٢٢٣٨ - فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَدْخَلُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لِحَاجَتِهِمْ. وَلَوْ وَجَدُوا بَقَرًا وَثِيرَانًا وَإِبِلًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَا أَخَذُوا مِنْ الطَّعَامِ لِحَاجَةِ، أَنْفُسِهِمْ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ أَيْضًا. أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ لِلْأَكْلِ وَيَكُونَ أَخَصَّ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَا أَخَذُوا مِنْ الطَّعَامِ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. ٢٢٣٩ - فَإِنْ وَجَدُوا الطَّعَامَ الْيَسِيرَ عَلَى الْأَرْمَاكِ، وَذَلِكَ لَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ عَنْهَا وَيَحْمِلُوهَا عَلَى دَوَابِّهِمْ ثُمَّ يَسُوقُونَ الْأَرْمَاكَ عَرَبًا إلَى الْمُعَسْكَرِ. لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْحِمْلِ عَلَيْهَا كَإِنْشَائِهِ.

стр. 1128

٢٢٤٠ - وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ طَعَامٌ أَدْخَلُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَرَادُوا أَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَطْعِمَةً فَهِيَ مِنْ الْغَنِيمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَفْضُلُ مِنْهَا عَنْ حَاجَتِهِمْ فَلِسَائِرِ الْغَانِمِينَ أَخْذُهُ مِنْهُمْ، وَالْمَحْمُولُ مِلْكٌ خَاصٌّ لَهُمْ، لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِنْ وَجْهٍ فِيمَا لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ الَّذِي أَخَذُوهُ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّمَا يَحْمِلُ طَعَامَهُمْ وَمَتَاعَهُمْ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِهِمْ إيَّاهَا. ٢٢٤١ - وَإِنْ وَجَدُوا غَرَائِرَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فِيهَا الطَّعَامُ فَهَذَا وَالْأَرْمَاكُ الَّتِي يُوجَدُ عَلَيْهَا الطَّعَامُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ الْغَرَائِرَ ظُرُوفٌ فَهِيَ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَا مِنْ الطَّعَامِ كَالْأَرْمَاكِ، وَإِنْ وَجَدُوا الْأَرْمَاكَ فَأَرَادُوا ذَبْحَهَا وَأَكْلَهَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ) . وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَحْمُ الْخَيْلِ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، فَلَا يَكُونُ الْخَيْلُ مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا وَإِنْ كَانَ أَكْلُهُ مُبَاحًا لِمَالِكِهِ وَلَكِنْ مَا يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ لَا يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ، الَّذِي يُرَخَّصُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الِاخْتِصَاصِ بِهِ أَكْلًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدًّا لِذَلِكَ عُرْفًا. أَوْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ شَرْعًا،

стр. 1129

وَمَنْفَعَةُ الْأَكْلِ فِي الْأَنْعَامِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] . وَفِي الْخَيْلِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ غَالِبًا أَيْضًا، وَإِنَّمَا الْغَالِبُ عَلَيْهَا الرُّكُوبُ فَلِهَذَا يُكْرَهُ ذَبْحُهَا وَأَكْلُهَا فِي الْغَنَائِمِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ. - وَإِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ وَالنَّظَرِ مِنْهُ لَهُمْ بِأَنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَنْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَقْسِمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ ذَلِكَ نَافِذًا مِنْهُ، وَيَرْتَفِعُ بِهِ حُكْمُ إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ، فَكَذَلِكَ إذَا رَأَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ التَّنَاوُلِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إلَى ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ التَّنَاوُلِ أَصْلًا وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّنَاوُلِ إلَّا بِثَمَنٍ. لِأَنَّهُ يَقْصِدُ إلَى رُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَيُرِيدُ رَفْعَهَا بِرَأْيِهِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَنَعَهُمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ لِلْعَامَّةِ، أَوْ التَّطَرُّقِ فِي الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ. ٢٢٤٣ - فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ مِنْهُمْ الثَّمَنَ فَجَعَلَهُ فِي الْغَنِيمَةِ ثُمَّ رَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ فَإِنَّهُ يُمْضِي قَضَاءَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَضَاءَ مِثْلِهِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ. قَالَ:

стр. 1130

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَعْرِضَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ عَنْهُ أَغْنِيَاءَ. وَلَمْ يَتَبَيَّنْ هَذَا الْمُخَالِفُ مَنْ هُوَ، فَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ النُّكْتَةِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَكِنَّ عُلَمَاءَنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: بِثُبُوتِ الرُّخْصَةِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، فَعِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ هُوَ فِي مَنْعِهِمْ عَنْ الرُّخَصِ قَاصِدٌ إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، لَا إلَى تَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، كَانَ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا، فَأَمَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ فَهُوَ نَاظِرٌ لَهُمْ، وَلَهُ وِلَايَةُ النَّظَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سِوَى أَنَّ عِنْدَ الْمَنْعِ لَا يُسْرِفُونَ فِي التَّنَاوُلِ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُسْرِفُونَ فِي التَّنَاوُلِ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ لَكَانَ هَذَا كَافِيًا، فِي سَعَةِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ لَهُ فِي الْمَنْعِ. - وَمَا وَجَدُوا فِي مَنَازِلِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ طِينٍ قَدْ أَحْرَزُوهُ لِغَسْلِ الرَّأْسِ، أَوْ مِنْ الطِّينِ الَّذِي لِلدَّوَاءِ، فَلَيْسَ أَحَبَّ لَهُمْ أَنْ يَسْتَعْمِلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. لِأَنَّ بِالْإِحْرَازِ صَارَ ذَلِكَ مَمْلُوكًا لَهُمْ، وَمَا يُصَابُ مِنْ مِلْكِهِمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ يَكُونُ غَنِيمَةً، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ. ٢٢٤٥ - فَإِنْ وَجَدُوا طِينًا لَمْ يُحْرِزُوهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ. وَهَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَائِرِهِ سَوَاءٌ.

стр. 1131

- وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا وَجَدُوا مِنْ دَمِ الْأَخَوَيْنِ وَالْحَرْمَلُ، بِخِلَافِ الْوَقُودِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ أَحْرَزُوهُ فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ. وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ لَهُمْ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ وَلَكِنْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوُقُودَ يَتَحَقَّقُ فِيمَا هُوَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ. - فَإِنْ وَجَدُوا أَوْتَادًا أَوْ عَمُودًا لِفُسْطَاطٍ، قَدْ جَعَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، فَهَذَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَكَذَلِكَ مَا وَجَدُوا مِنْ خَشَبٍ أَحْرَزَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ لِغَيْرِ الْوُقُودِ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَوْتَادًا أَوْ قِصَاعًا، لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ ثَابِتٌ فِي أَصْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الصَّنْعَةِ، حَتَّى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَتِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَعَلَى قِيمَتِهِ مَعْمُولًا، فَيُعْطِيَهُ حِصَّةَ عَمَلِهِ، وَيَجْعَلَ الْبَاقِيَ فِي الْغَنِيمَةِ، أَوْ يُعْطِيَهُ حِصَّةَ قِيمَةِ عَمَلِهِ، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ. ٢٢٤٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الصَّانِعُ هُوَ الَّذِي أَخَذَ الْخَشَبَ مِنْ شَجَرِهِمْ، وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ

стр. 1132

فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِذَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا سَبَقَ. لِأَنَّ الْأَصْلَ غَنِيمَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَكِنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إنَّمَا صَارَ غَنِيمَةً بِأَخْذِهِ، وَهُوَ مَا قَصَدَ بِأَخْذِهِ سِوَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَجُعِلَ انْتِفَاعُهُ بِهِ مُقَدَّمًا بِاعْتِبَارِ قَصْدِهِ، وَهُنَاكَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ غَنِيمَةً بِاعْتِبَارِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، بَعْدَ إحْرَازِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ إذَا فَصَلُوا مِنْ الدَّرْبِ أَنْ يَرُدُّوا الْأَوْتَادَ فِي الْغَنِيمَةِ. - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْهُنُوا سُرُوجَهُمْ وَجُلُودَهُمْ الَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَيْهَا بِالزَّيْتِ وَالشَّحْمِ الَّذِي يُصِيبُونَهُ، فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا مَا حَمَلُوا مِنْ ذَلِكَ مَعَهُمْ لِلتِّجَارَةِ لَا لِلْقِتَالِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَدْهُنُوا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْقِيَاسُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، لِأَنَّ مَا أَصَابُوهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، لَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٢٢٥٠ - لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا ذَلِكَ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْقِتَالِ، فَكَذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَدْهُنُوا بِهِ مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْقِتَالِ بِادِّهَانٍ فَأَمَّا [دِهَانُ] مَا حَمَلُوهُ لِلتِّجَارَةِ مَعَهُمْ لَيْسَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى الْقِتَالِ.

стр. 1133

فَهُوَ نَظِيرُ التُّجَّارِ فِي الْعَسْكَرِ لَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. - وَلَوْ أَوْدَعَ الْأَمِيرُ شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا. لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَاسْتِهْلَاكُهُ قَبْلَ الْإِيدَاعِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ إذْ الْإِيدَاعُ لَيْسَ مِنْ الْإِحْرَازِ فِي شَيْءٍ. - وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّبَهُ؛ لِأَنَّهُ خَانَ فِيمَا ائْتَمَنَهُ. ٢٢٥٢ - وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ الْإِيدَاعِ أَدَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَعْدَهُ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ فَحِينَئِذٍ لَا يُؤَدِّبُهُ فِيهِ، إذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَانِمِينَ، كَمَا لَوْ أَكَلَهُ قَبْلَ الْإِيدَاعِ، وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: إنْ اسْتَهْلَكْته فَأَنْتَ ضَامِنٌ لَهُ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلًا. لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاطُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَمِينِ، وَاشْتِرَاطُ الضَّمَانِ قَبْلَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ. ٢٢٥٣ - وَإِنْ قَالَ حِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِ: هُوَ عَلَيْك بِقِيمَتِهِ، أَوْ هُوَ عَلَيْك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَرَضِيَ بِهِ الْقَابِضُ فَهَذَا بَيْعٌ. لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ، أَوْ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَالْبَيْعُ فَاسِدًا كَانَ

стр. 1134

أَوْ صَحِيحًا بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ مِنْ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ إمَّا بِنَصِيبِهِ أَوْ عِنْدَ الْقَبْضِ كَمَا يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ. - وَلَوْ نَقَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ لِسَرِيَّةٍ بَعَثَهَا الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَنْهُ، أَهْلُ الْعَسْكَرِ وَأَهْلُ السَّرِيَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي حُكْمِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُنْفَلِ بِمَنْزِلَةِ سِهَامِ الْغَانِمِينَ، وَفِي السِّهَامِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ ثَابِتٌ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ، فَكَذَلِكَ النَّفَلُ. - وَلَوْ نَفَلَ لِلسَّرِيَّةِ جَمِيعَ مَا أَصَابَتْ فَلَا بَأْسَ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْهَا، لِقِيَامِ شَرِكَتِهِمْ فِيهَا بِسِهَامِهِمْ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. لِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهِ فَحَالُهُمْ فِيمَا جَاءَ بِهِ أَهْلُ السَّرِيَّةِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ كَحَالِ التُّجَّارِ فِي الْغَنِيمَةِ. - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لِلسَّرِيَّةِ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ طَعَامٍ قَدْ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ إلَّا بِالثَّمَنِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ صَاحِبُهُ.

стр. 1135

لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ، فَكُلُّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا بَعْدَ هَذَا فَقَدْ اخْتَصَّ بِمِلْكِهِ، وَلَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ تَنَاوَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بِغَيْرِ رِضَاءِ مَنْ أَصَابَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْغَنَائِمِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ أَصَابَ جَارِيَةً فَاشْتَرَاهَا بِحِصَّتِهِ فَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ. - وَلَوْ لَمْ يَنْفُلْ الْأَمِيرُ لِلسَّرِيَّةِ شَيْئًا فَاسْتَأْجَرَ أَمِيرَهُمْ قَوْمًا يَسُوقُونَ الْغَنَائِمَ إلَى الْعَسْكَرِ جَازَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَصَابُوا. لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا أَرْسَلَهُ لِلْقِتَالِ وَإِحْرَازِ الْغَنَائِمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ [إذْنًا لَهُ] فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ وَهُوَ السَّوْقُ دَلَالَةً، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ. ٢٢٥٨ - ثُمَّ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَبِيعَ مِمَّا جَاءُوا بِهِ مِنْ الطَّعَامِ مَا يُؤَدِّي أَجْرَ الْأُجَرَاءِ وَيُخَلِّي مَا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا يَبْقَى حَتَّى يَأْكُلُوا، وَهَذَا إذَا لَمْ يُصِبْ أَهْلُ الْعَسْكَرِ غَنِيمَةً أُخْرَى، فَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا أَعْطَى [أَجْرَ] الْأُجَرَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ أَهْلُ السَّرِيَّةِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِيَأْكُلُوا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ. فَإِنْ أَكَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ فَلِلْأُجَرَاءِ مِقْدَارُ أَجْرِهِمْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ فِيمَا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَلَكِنْ إنْ

стр. 1136

غَنِمُوا أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَعْطَى مِنْ ذَلِكَ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ وَإِلَّا أَعْطَاهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْضِيهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ

стр. 1137

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ] ٢٢٥٩ - وَإِذَا وُجِدَ الْغُلُولُ فِي رَحْلِ رَجُلٍ أُوجِعَ ضَرْبًا، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا. لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهَا، وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ شَيْئًا مِنْ الْحَدِّ لِقَوْلِهِ ﵌: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» . ٢٢٦٠ - وَلَا يُحْرَقُ رَحْلُهُ بِمَا صَنَعَ. لِأَنَّهُ خَائِنٌ، وَالْخِيَانَةُ لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ إحْرَاقَ رَحْلِهِ. - وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَيْضًا. لِأَنَّ لَهُ فِيهَا نَصِيبًا، وَمَنْ سَرَقَ مَالًا لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعٌ لِلشُّبْهَةِ. ٢٢٦١ - وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ كَانُوا يَقُولُونَ يُحْرَقُ رَحْلُ الْغَالِّ، وَيَرْوُونَ فِيهِ حَدِيثًا عَنْ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «يُؤْخَذُ الْغُلُولُ مِنْ رَحْلِهِ ثُمَّ يُحْرَقُ رَحْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُصْحَفٌ» ، وَأَصْحَابُ الْحَسَنِ

стр. 1138

يَرْوُونَ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الْحَسَنِ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُصَحِّحُوا هَذَا الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ شَاذٌّ يَرْوِيهِ مَجْهُولٌ، لَا يُعْرَفُ، فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَسَنِ، ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ بَعْضَهَا. ٢٢٦٢ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِكُلِّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ غُلُولٌ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِإِحْرَاقِ رَحْلِ أَحَدٍ. فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مِدْعَمٍ عَبْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَدْ وَهَبَهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَبَيْنَا هُوَ بِحِذَاءِ رَحْلِ النَّبِيِّ ﵊ إذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَقَتَلَهُ، أَيْ لَا يَدْرِي مَنْ رَمَى بِهِ؛ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ. فَقَالَ ﵌: «كَلًّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْغَنَائِمِ، لَمْ تُصِبْهَا الْقِسْمَةُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ ﵌: شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ» . «وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌: اُسْتُشْهِدَ فُلَانٌ فَقَالَ: كَلًّا إنِّي

стр. 1139

رَأَيْته يُجَرُّ إلَى النَّارِ بِعَبَاءَةٍ غَلَّهَا» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبُ وَلَا فَشَا الرِّبَا فِي قَوْمٍ إلَّا كَثُرَ فِيهِمْ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا قُطِعَ عَنْهُمْ الرِّزْقُ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا فَشَا فِيهِمْ الدَّمُ، وَلَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ. وَلَمَّا قَالَ رَجُلٌ لِسَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنِّي أَخَذْت خَيْطًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فَخِطْت بِهِ ثَوْبِي قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ وَقَدْرُهُ. فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ الْوِزْرِ فِي الْغُلُولِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إحْرَاقُ الرَّحْلِ. لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ جَابِرٌ ﵁: لَيْسَ فِي الْغُلُولِ قَطْعٌ وَلَا نَكَالٌ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ إحْرَاقِ الرَّحْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ النَّكَالِ. ٢٢٦٣ - وَكَمَا لَا يُحْرَقُ رَحْلُ الْغَالِّ لَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا مِنْ الْعَطَاءِ. لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مَالًا، لَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، لَا يُحَرَّمُ سَهْمُهُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ أَوْلَى. وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِحْرَاقِ رَحْلِهِ يَقُولُونَ لَا يُحْرَقُ الْمُصْحَفُ وَلَا الْحَيَوَانُ وَلَا السِّلَاحُ، فَبِهِ يُقَاسُ سَائِرُ الْأَمْتِعَةِ.

стр. 1140

فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا لَا يُحْرَقُ الْحَيَوَانُ لِمَعْنَى الْمُثْلَةِ. فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ ثُمَّ يَحْرُقُوهُ. وَإِنْ قَالُوا: لَا يُحْرَقُ السِّلَاحُ؛ لِأَنَّهُ يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْقِتَالِ. فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْتِعَةِ) . لِأَنَّ الْغَازِيَ لَا يَسْتَصْحِبُ فِي الْعَادَةِ إلَّا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْقِتَالِ. ٢٢٦٤ - وَالدَّلِيلُ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ أَنَّ الْغُلُولَ فِيمَا نَرَى مَا كَانَ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ، ﵌، لِكَثْرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَالْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَغْزُونَ مَعَهُ، وَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غُلُولٍ وَكَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، بِمَا يَفْعَلُونَ وَمَا يَعْتَقِدُونَ. وَأَهْلُ الْمَغَازِي لَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِمَّا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فِي مَغَازِيهِ إلَّا رَوَوْهُ، فَلَوْ كَانَ أَحْرَقَ رَحْلَ أَحَدٍ لَنَقَلُوا ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا، وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ عَرَفْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ فِيهِ إثْبَاتُ حَدٍّ بِحَدِيثٍ شَاذٍّ وَإِثْبَاتُ مَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ، مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّاذِّ لَا يَجُوزُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ؟ أَرَأَيْتُمْ - ثِيَابَهُ الَّتِي عَلَيْهِ؟ أَتُحْرَقُ وَيُتْرَكُ عُرْيَانًا فَلَعَلَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ مِنْ الْبَرْدِ.

стр. 1141

أَرَأَيْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْلٌ؟ أَيُحْرَقُ مَتَاعُهُ الَّذِي فِي بَيْتِهِ بِالثَّغْرِ أَوْ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ لِإِنْسَانٍ فِي رَحْلِهِ؟ أَرَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ أَعَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مَتَاعًا، ثُمَّ غَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَيُحْرَقُ مَا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ؟ أَرَأَيْتُمْ قَوْمًا مُجْتَمَعِينَ فِي رَجُلٍ غَلَّ بَعْضَهُمْ، وَعَلِمَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُخْبِرُوا بِمَا صَنَعَ أَيُحْرَقُ مَتَاعُهُ خَاصَّةً أَوْ مَتَاعُهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ عَلَيْهِ؟ وَاسْتَكْثَرَ مِنْ الشَّوَاهِدِ فِي تَبْعِيدِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِحَرْقِ رَحْلِ الْغَالِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَصْلَ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ. - إنَّ الْكِبَارَ مِنْ الصَّحَابَةِ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، كَانُوا لَا يَعْمَلُونَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ غَيْرُهُ مَعَهُ أَوْ حَتَّى يَحْلِفَ كَمَا هُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِذَا كَانَ هَذَا مَذْهَبُهُمْ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، كَالْمِيرَاثِ، وَفِي الِاسْتِئْذَانِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مُلْزِمٌ، فَكَيْفَ يُعْتَمَدُ عَلَى حَدِيثٍ شَاذٍّ فِي إقَامَةِ حَدٍّ عَظِيمٍ، وَهُوَ إحْرَاقُ رَحْلِ الْغَالِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ مَعَ الشُّبْهَةِ.

стр. 1142

أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، اتَّفَقُوا عَلَى حَدِّ الْخَمْرِ، ثُمَّ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَقُولُ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى رَجُلٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَيَكُونُ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، وَأَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَسُنَّاهُ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِإِحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ

стр. 1143

[بَابُ الشِّرَاءِ فِيمَنْ يَزِيدُ وَبَيْعِ السِّهَامِ مِنْ الغنمة] ١٢١ - بَابُ الشِّرَاءِ فِيمَنْ يَزِيدُ وَبَيْعِ السِّهَامِ ٢٢٦٦ - وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْغَنَائِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵌، بَاعَ قَعْبًا وَطَسْتًا - بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ. وَإِنَّمَا أَوْرَدْت هَذَا لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ وَقَالَ: إنَّهُ اسْتِيَامٌ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ، وَقَالَ ﵌: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» . وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا فَالِاسْتِيَامُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ أَنْ يَرْكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ. وَالْمُزَايَدَةُ تَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ صَاحِبَ الْمَتَاعِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُنَادِي عَلَى سِلْعَتِهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ إنْسَانٌ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ فَلَمْ يَسْكُتْ عَنْ النِّدَاءِ فَلَا بَأْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَزِيدَ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ النِّدَاءِ وَرَكَنَ إلَى ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ. لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِيَامًا عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ. ٢٢٦٧ - وَإِنْ كَانَ الْمُنَادِي هُوَ الدَّلَّالُ فَمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ صَاحِبَ الْمَتَاعِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَزِيدَ، وَإِذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَرَكَنَ إلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ

стр. 1144

لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّهَامِ حَتَّى تُقْسَمَ» ، وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ بَيْعَ الْغَازِي سَهْمَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَاطِلٌ. لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا؟ فَالْبَيْعُ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ نَصِيبَهُ أَيْنَ يَقَعُ؟ وَمَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى حَيًّا حَتَّى يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ أَوْ يَمُوتُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ؟ ٢٢٦٨ - وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقْسَمَ» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بَيْعَ الْإِمَامِ الْغَنَائِمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ جَائِزٌ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ بَيْعَ الرَّجُلِ سَهْمَهُ. ٢٢٦٩ - وَذَكَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ مِنْ الْمَغْنَمِ، ثُمَّ يَجِدُ بِهَا دَاءً، قَالَ: يَرُدُّهَا؛ وَبِهِ نَأْخُذُ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِي يَسْتَحِقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ سَلَامَةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ الْمَالِكِ، فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ذَلِكَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ لَمْ تُقْسَمْ رَدَّ عَلَيْهِ ثَمَنَهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قُسِمَتْ بِيعَتْ الْجَارِيَةُ مَعَ بَيَانِ عَيْبِهَا، وَيُعْطَى الْأَوَّلُ ثَمَنُهَا مِنْ

стр. 1145

الثَّمَنِ الثَّانِي، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْهُ جُعِلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ نَقَصَ الثَّمَنُ الثَّانِي عَنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا. ثُمَّ ذَكَرَ بَابًا فِي كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1146

[بَابٌ مِنْ السَّبَايَا وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَالْعُهْدَةِ فِي بَيْعِهِمْ] ٢٢٧٠ - وَإِذَا سُبِيَ أَهْلُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَوَلَدُهُ فَوَقَعُوا فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَجَاءَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ فَقَالَ: آتِيك بِثَمَنِهِمْ حَتَّى أَشْتَرِيَهُمْ وَأُودِعَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَوَقَعَ لَهُ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَكُونَ ذِمِّيًّا. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُ: نَعَمْ فَالرَّقِيقُ عَلَى حَالِهِمْ رَقِيقٌ لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرْبِيِّ عَقْدٌ، وَإِنَّمَا جَرَى بَيْنَهُمَا الْمِيعَادُ أَوْ الِاسْتِيَامُ، وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْحَرْبِيِّ فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ الِامْتِنَاعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفِيَ بِعِدَّتِهِ. لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخُلْفَ الْوَعْدِ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ. ٢٢٧١ - فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى يُخْلِفَ الْحَرْبِيُّ الْمَوْعِدَ إلَّا الْعِتْقَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْتِقَهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ الْحَرْبِيِّ. لِأَنَّ فِي هَذَا تَحْصِيلَ مَقْصُودِ الْحَرْبِيِّ.

стр. 1147

٢٢٧٢ - فَلَا يَكُونُ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ فِي شَيْءٍ إلَّا الزَّوْجَةُ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْتِقَهَا حَتَّى يُخْلِفَ الْحَرْبِيُّ الْمَوْعِدَ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا اشْتَرَاهَا لَمْ تُعْتَقْ، وَكَانَتْ أَمَةً لَهُ، بِخِلَافِ الْأَوْلَادِ فَفِي إعْتَاقِهِ إيَّاهَا قَبْلَ مَجِيئِهِ خُلْفُ الْوَعْدِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قُلْنَا فِي الْمُكَاتَبِ يَشْتَرِي زَوْجَتَهُ مَعَ أَوْلَادٍ لَهُ مِنْهَا، فَأَعْتَقَ الْمَوْلَى بَعْضَ أَوْلَادِهِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ زَوْجَتَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِي إعْتَاقِهِ الْوَلَدَ يَحْصُلُ لِلْمُكَاتَبِ مَقْصُودُهُ وَلَيْسَ فِي إعْتَاقِ الزَّوْجَةِ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ فَإِنَّهَا بَعْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ تَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ يَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ. ٢٢٧٣ - فَإِنْ أَخْلَفَ الْحَرْبِيُّ الْوَعْدَ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِمْ بِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ بِإِخْلَافِ الْحَرْبِيِّ يَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ الْوَعْدِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَجِيءَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُوَقِّتْ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا فَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَمِقْدَارُ أَيَّامٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَحْتَبِسُ لِجَمْعِ الْمَالِ. لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ. ٢٢٧٤ - فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ حِينَ ذَهَبَ لِيَأْتِيَ بِالثَّمَنِ دَفَعَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إلَى الْمَوْلَى وَقَالَ: أَنْفِقْ هَذَا عَلَيْهِمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ،

стр. 1148

ثُمَّ جَاءَ الْحَرْبِيُّ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَقَالَ: دَفَعْته إلَيْك قَرْضًا وَقَالَ الْمَوْلَى: دَفَعْته إلَيَّ صِلَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَرْبِيِّ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ هُوَ الدَّافِعُ لِلْمَالِ، فَالْقَوْلُ فِي الْمَدْفُوعِ قَوْلُ الدَّافِعِ، وَلِأَنَّ بِمُطْلَقِ الدَّفْعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا الْأَقَلُّ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ، وَذَلِكَ الْقَرْضُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَرْبِيِّ فِي ذَلِكَ. ٢٢٧٥ - سَوَاءٌ قَالَ: قَدْ ذَكَرْت لَك أَنَّهُ قَرْضٌ، أَوْ قَالَ: نَوَيْت ذَلِكَ فِي نَفْسِي. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ، مِمَّا يَتَأَتَّى فِيهِ الِادِّخَارُ، لِيُنْفِقَهُ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالثَّرِيدِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ أَيْضًا قَوْلُ الْحَرْبِيِّ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِلْكُهُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فِي هَذَا فَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَلَا شَيْءَ لِلْحَرْبِيِّ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الدَّفْعَ فِي مِثْلِهِ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ دُونَ الْقَرْضِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ. وَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ نَظِيرُ مَا قَالُوا فِي الزَّوْجِ إذَا بَعَثَ إلَى زَوْجَتِهِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ بَعَثَ ذَلِكَ إلَيْهَا بِجِهَةِ الصَّدَاقِ، وَقَالَتْ

стр. 1149

الْمَرْأَةُ: بَلْ هِيَ هَدِيَّةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا فِي الطَّعَامِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهَا اسْتِحْسَانًا. ٢٢٧٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ أَعْطَاهُ ثِيَابًا لِيَكْسُوهُمْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مَمَالِيكُ الْمُسْلِمِ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِنَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِهِ إلَيْهِ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ جِهَةُ الصِّلَةِ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ شَرْحِهَا فِي الزِّيَادَاتِ.

стр. 1150

[بَابٌ مِنْ الشَّهَادَاتِ فِي الْغَنَائِمِ وَالْفَيْءِ] ٢٢٧٧ - وَلَوْ صَالَحُوا أَهْلَ الْحِصْنِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوا أَحْرَارَهُمْ، وَيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ رَقِيقُهُمْ فَفَتَحُوا الْحِصْنَ، ثُمَّ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِنَاسٍ مِنْهُمْ: هَؤُلَاءِ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ، وَقَالَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ: نَحْنُ مِنْ أَحْرَارِهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِ نَفْسِهِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْحُرِّيَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتْ رِقُّهُ بِالْحُجَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا نَوْعٌ ظَاهِرٌ يُدْفَعُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْقَاقُهُمْ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ مَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ. قُلْنَا: هُمْ بِهَذَا الظَّاهِرِ يَدْفَعُونَ ظُهُورَ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ الظُّهُورَ عَلَيْهِمْ إنَّمَا يُوجِبُ الِاسْتِحْقَاقَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الصُّلْحُ وَالْأَمَانُ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الصُّلْحُ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِمْ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الِاسْتِحْقَاقَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. ٢٢٧٨ - فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ شُهُودٌ عُدُولٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَنَّهُمْ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ.

стр. 1151

٢٢٧٩ - وَلَا يُمْتَنَعُ قَبُولُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ مَا لِلشُّهُودِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ مِنْ النَّصِيبِ بِالسَّهْمِ أَوْ الرَّضْخِ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرِكَةِ مِلْكٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولُ الشَّهَادَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِهِ قَوْمٌ مِمَّنْ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ جُمْلَةِ الْغَانِمِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وِلَايَةَ الشَّهَادَةِ دُونَ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ النَّصِيبُ لِلْقَاضِي بِهَذَا الطَّرِيقِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ قَضَائِهِ فِيهِ، فَالنَّصِيبُ لِلشَّاهِدِ أَوْلَى أَلَّا يَمْنَعَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ فِيهِ. ثُمَّ اسْتَكْثَرَ مِنْ الشَّوَاهِدِ لِذَلِكَ حَتَّى قَالَ: - لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْغُزَاةِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْغُلُولِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، مَعَ وُجُودِ النَّصِيبِ لَهُمْ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ نَصِيبِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ أَيْضًا شَهَادَةُ آبَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ؛ لِأَنَّ شَرِكَةَ الْمِلْكِ كَمَا تَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ الشَّرِيكِ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ تَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ لِهَذَا بَطَلَتْ فِيهِ شَهَادَةُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ الْقِتَالَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ نَصِيبًا بِاعْتِبَارِ الْخُمُسِ. وَبَطَلَتْ أَيْضًا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا لِثُبُوتِ الْحَقِّ لِلشَّاهِدِ فِي ذَلِكَ، وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ

стр. 1152

بِهَذَا. فَعَرَفْنَا أَنَّ الشَّرِكَةَ الْعَامَّةَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَإِنَّهُ إنَّمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِاعْتِبَارِ شَرِكَةِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ، فَأَمَّا مَنْ يُثْبِتُ حَقًّا عَامًّا لَا مِلْكًا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مُسْلِمَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَنَى دَارِهِ هَذِهِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِهَدْمِهَا، حَتَّى يُعِيدَهَا طَرِيقًا كَمَا كَانَتْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي الطَّرِيقِ حَقًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَكَانَ الشَّاهِدُ مُنْتَفِعًا بِشَهَادَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ لَمَّا انْعَدَمَ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَالْيَدِ، كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةً: فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1153

[بَابُ مَا يَتَبَايَعُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمْ مِمَّا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْغَنِيمَة] - بَابُ مَا يَتَبَايَعُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمْ مِمَّا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَعْلَافِ ٢٢٨١ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ حَقَّ التَّنَاوُلِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِالدَّارِ، فَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ وَلْيَقْسِمْ سَائِرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ سَبْقِ يَدِهِ إلَيْهِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، فَعَلَيْهِ فِيمَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ. ٢٢٨٢ - فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ الْفَضْلَ إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ لَهُ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ حَاجَتِهِ وَتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ إلَى الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ مَعْلُومٌ، وَمَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ فَهُوَ كَالْمَوْجُودِ حَقِيقَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَمَا يُتْرَكُ لِلْعِيَالِ، فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ. بِاعْتِبَارِ حَقِّ يَدِهِ صَارَ هُوَ أَحَقَّ بِمَا كَانَ مَشْغُولًا بِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَهُ أَلَّا يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ.

стр. 1154

٢٢٨٣ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصِيبُ فِي الْمَنْزِلِ الْآخَرِ مِثْلَ هَذَا وَلَكِنَّهُ يَكْرَهُ الطَّلَبَ فِي الْمَنْزِلِ الْآخَرِ، فَلَعَلَّهُ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الْفَضْلَ إلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ. لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ بِتَمَكُّنِهِ مِنْ إصَابَةِ مِقْدَارِ حَاجَتِهِ فِي الْمَنْزِلِ الْآخَرِ، وَحَاجَةُ أَصْحَابِهِ إلَى مَا فِي يَدِهِ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْحَالِ. ٢٢٨٤ - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ حَقَّهُمْ لِتَحْصِيلِ الرَّاحَةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِطُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ فَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي. وَمَكْرُوهٌ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ شَرْعًا فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ الْأَخْذِ، بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ. وَإِذَا كَانَ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ شَرْعًا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُبْطِلُوا عَلَيْهِ هَذَا الْحَقَّ بِالْأَخْذِ مِنْهُ لِحُرْمَةِ يَدِهِ هَا هُنَا. ٢٢٨٥ - وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّزَةٍ بِالدَّارِ فَلَا يَضْمَنُ مُسْتَهْلِكُهَا شَيْئًا. ٢٢٨٦ - وَإِنْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَخَاصَمَهُمْ إلَى الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلُوا فَإِنْ كَانَ هُوَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ رَدَّهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُ مَعَ قِيَامِ حَاجَتِهِ تَعَدٍّ وَعَلَى الْإِمَامِ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُتَعَدِّيَةِ.

стр. 1155

٢٢٨٧ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا جَمِيعًا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ. لِأَنَّ يَدَهُ إلَى ذَلِكَ كَانَتْ أَسْبَقَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ لِلْمُحْتَاجِ. ٢٢٨٨ - فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْآخِذُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي إزَالَةِ يَدِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مُحْتَاجًا إلَيْهِ دُونَ الْأَوَّلِ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ الْإِمَامُ. لِأَنَّهُ يَحِقُّ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَعَلَى الْإِمَامِ تَقْرِيرُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ. ٢٢٨٩ - فَأَمَّا إذَا كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمَا فَيَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِمَا. وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الِاسْتِرْدَادِ مِنْ الثَّانِي ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ عَلَى الْأَوَّلِ، لِمُرَاعَاةِ قَلْبِهِ، كَمَا لَوْ تَخَاصَمَا عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي كُلِّ مَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ، كَالنُّزُولِ فِي الرِّبَاطَاتِ وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَوَاتِ، وَالنُّزُولِ بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ لِلْحَجِّ، حَتَّى إذَا ضَرَبَ رَجُلٌ فُسْطَاطًا فِي مَكَان وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يَنْزِلُ فِيهِ غَيْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعْرُوفٌ بِذَلِكَ، فَاَلَّذِي بَدَرَ إلَى ذَلِكَ الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ، وَالْإِحْرَازُ فِي الْمُبَاحِ يَحْصُلُ بِسَبْقِ الْيَدِ، كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ. فَإِنْ كَانَ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَوْضِعًا وَاسِعًا فَوْقَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نَاحِيَةً لَا يَحْتَاجُ هُوَ إلَيْهَا فَيَنْزِلُهَا مَعَهُ،

стр. 1156

لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ سَبْقِ يَدِهِ إنَّمَا صَارَ أَحَقَّ بِهِ لِحَاجَتِهِ. وَلَوْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ فَأَرَادَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ مَنْ اخْتَارَهُ كَحَاجَتِهِ - وَعِنْدَ قِيَامِ حَاجَتِهِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ حَاجَةِ مَنْ اخْتَارَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ فِي مُجَاوَرَةِ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ الْبَعْضِ، وَيَعُدُّ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ كَانَ يَسْبِقُ النَّاسَ إلَى الْمَنَازِلِ، فَيَجْعَلُ عَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَامَةً فَإِذَا جَاءَ أَصْحَابُهُ أَعْطَاهُمْ تِلْكَ الْمَنَازِلَ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا. وَلَوْ بَدَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَنَزَلَ فَأَرَادَ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَهُوَ عَنْهُ غَنِيٌّ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْهُ وَيُنْزِلَهُ مُحْتَاجًا آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّأْيَ كَانَ لَهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا يَدٌ أُخْرَى هِيَ مُحِقَّةٌ بِاعْتِبَارِ حَاجَةِ صَاحِبِهَا، فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا كُنْت أَخَذْته لِهَذَا الْآخَرِ بِأَمْرِهِ، لَا لِنَفْسِي اسْتَحْلَفَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، لِإِنْكَارِ خَصْمِهِ، وَبَعْدَ الْحَلِفِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ يَدَهُ فِيهِ كَانَتْ كَيَدِ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقِيَامُ حَاجَةِ الْآمِرِ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ يَدَهُ يَدٌ مُتَعَدِّيَةٌ أُمِرَ بِإِزَالَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ أَيْضًا فِيمَا يَفْضُلُ مِنْ حَاجَةِ الْآخِذِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، إذَا قَالَ أَخَذْته لِفُلَانٍ بِأَمْرِهِ. - وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَصَابَ أَحَدُهُمَا شَعِيرًا وَالْآخَرُ قَضْبًا فَتَبَادَلَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَاجٌ إلَى

стр. 1157

مَا اشْتَرَى، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا اشْتَرَى مِنْ صَاحِبِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ بَيْنَهُمَا. لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصِيبَ مِنْ الْعَلَفِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ إلَّا أَنَّ قِيَامَ حَاجَةِ صَاحِبِهِ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَيَسْتَرْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذِهِ الْمُبَايَعَةِ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، بِمَنْزِلَةِ الْأَضْيَافِ عَلَى الْمَائِدَةِ إذَا تَنَاوَلَ اثْنَانِ طَعَامًا بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَيْعًا، وَلَكِنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى مَا بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَبَعْدَ وُجُودِ التَّرَاضِي بِهَذَا السَّبَبِ يَتَنَاوَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِلْكِ الْمُضِيفِ بِاعْتِبَارِ الْإِبَاحَةِ مِنْهُ. ٢٢٩١ - وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَاجًا إلَى مَا أَعْطَى صَاحِبَهُ، وَصَاحِبُهُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ مَا صَنَعَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى يَدِهِ يَدٌ مُحِقَّةٌ فَإِنَّ صَاحِبَهُ أَخَذَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ فَقِيَامُ حَاجَتِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ. ٢٢٩٢ - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُحْتَاجًا إلَى مَا أَعْطَى، وَكَانَ الْمُشْتَرِي غَنِيًّا عَنْهُ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَعْطَى وَيَرُدَّ مَا أَخَذَ. لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ،

стр. 1158

إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا، وَهَا هُنَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ غُرُورًا مِنْهُ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَهَبَهُ لَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ غَنِيًّا عَنْهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِ. ٢٢٩٣ - وَإِنْ كَانَ حِينَ قَصَدَ الِاسْتِرْدَادَ مِنْ صَاحِبِهِ أَعْطَاهُ صَاحِبُهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى الدَّفْعِ إلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهُ بِنَفْسِهِ إلَى هَذَا الْمُحْتَاجِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَقِيَامُ حَاجَةِ مَنْ فِي يَدِهِ فِي مِثْلِ هَذَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ. ٢٢٩٤ - وَلَوْ تَبَايَعَا، وَهُمَا غَنِيَّانِ أَوْ مُحْتَاجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَنِيٌّ وَالْآخَرُ مُحْتَاجٌ، فَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى بَدَا لِأَحَدِهِمَا تَرْكُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ. لِأَنَّ هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ مَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا فَإِنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ مَحَلَّهَا فَكَانَ الْحَالُ بَعْدَهَا كَالْحَالِ قَبْلَهَا، مَا لَمْ يَتَقَابَضَا، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَبْتَنِي عَلَى الْيَدِ، وَبِمُجَرَّدِ الْمُبَايَعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَتَحَوَّلُ الْيَدُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ. ٢٢٩٥ - وَلَوْ أَقْرَضَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهُ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَنِيًّا عَنْ ذَلِكَ، أَوْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ شَيْءٌ.

стр. 1159

لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِقْرَاضُ كَانَ لِتَطِيبَ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِاعْتِبَارِهِ ضَمَانٌ إنْ اسْتَهْلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ بَعْدُ، فَالْمُقْرِضُ أَحَقُّ بِهِ إذَا أَرَادَ اسْتِرْدَادَهُ. لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِتَحْوِيلِ الْيَدِ إلَى صَاحِبِهِ، إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَجِبَ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إيجَابُ هَذَا الشَّرْطِ فَيَنْعَدِمُ رِضَاهُ وَيَصِيرُ هَذَا وَمَا لَوْ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ. ٢٢٩٦ - وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَالْمُعْطِي غَنِيًّا عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَغِنَى صَاحِبِهِ عَنْهُ فَإِذَا أَخَذَهُ بِرِضًى أَوْلَى. ٢٢٩٧ - وَإِنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ حِينَ أَقْرَضَهُ ثُمَّ احْتَاجَا إلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِهْلَاكِ فَالْمُعْطِي أَحَقُّ بِهِ. لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إذَا اُعْتُرِضَتْ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْأَخْذِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رِضَى الْمُعْطِي لَمْ يَتِمَّ بِهِ حِينَ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ الشَّرْطُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالِاسْتِرْدَادِ. ٢٢٩٨ - وَإِنْ احْتَاجَ الْآخِذُ أَوَّلًا ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ الْمُعْطِي، أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْآخِذِ.

стр. 1160

لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ حَاجَةِ الْآخِذِ قَدْ اتَّصَفَتْ يَدُهُ بِالْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُزِيلَهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ. - وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا حِنْطَةً مِنْ صَاحِبِهِ مِمَّا هُوَ غَنِيمَةٌ بِدَرَاهِمَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، فَدَفَعَ الدَّرَاهِمَ، وَقَبَضَ الْحِنْطَةَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ هُوَ إلَيْهَا مُحْتَاجًا. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهَا بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ يَدُهُ لِحَاجَتِهِ. فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ الْبَيْعِ؛ وَالْحِنْطَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ بَيْعًا حَقِيقَةً، فَإِنَّهُمَا فِي تَنَاوُلِ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ. ٢٣٠٠ - فَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْحِنْطَةَ وَيَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ إنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهَا، أَوْ كَانَ الْبَائِعُ مُحْتَاجًا إلَيْهَا وَالْمُشْتَرِي غَنِيًّا. فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ صَحِيحٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا. ٢٣٠١ - وَالْحِنْطَةُ سَالِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي. لِأَنَّ يَدَهُ فِيهَا اتَّصَفَتْ بِالْحَقِيَةِ لِحَاجَتِهِ، لَا لِتَسْلِيمِ الْبَائِعِ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ غَنِيًّا عَنْهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
следующие страницы →