Полный текст (2 212 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بَابُ قَتْلِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبْتَدِئُ بِهِ، إلَّا الْوَالِدَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ وَالِدَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ جَدُّهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ (٣٦ آ) أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ وَإِنْ بَعُدَ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ إذَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاك﴾ [لقمان: ١٥] الْآيَةَ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْبِدَايَةُ بِالْقَتْلِ. وَأَمَّا إذَا اضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبِدَايَةِ بِنَفْسِهِ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهَا وَدَفْعِ شَرِّ الْقَتْلِ عَنْهَا أَبْلَغَ جِهَاتِ الْإِحْسَانِ. ثُمَّ الْأَبُ كَانَ سَبَبًا لِإِيجَادِ الْوَلَدِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ سَبَبَ إعْدَامِهِ بِالْقَصْدِ إلَى قَتْلِهِ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَبُ هُوَ الْمُكْتَسِبُ لِذَلِكَ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَلْجَأَ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لِلْمُلْجِئِ. وَلِهَذَا لَا يُحْبَسُ الْأَبُ بِدَيْنِ الْوَلَدِ وَيُحْبَسُ بِنَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ نَفَقَتَهُ فَقَدْ قَصَدَ إتْلَافَهُ.
стр. 107
ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ بِمَا رُوِيَ:
١٠٢ - «أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ﵄ اسْتَأْذَنَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِ أَبَوَيْهِمَا فَنَهَاهُمَا عَنْ ذَلِكَ» . وَعَنْ عُمَيْرٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَقِيت أَبِي فِي الْعَدُوِّ، فَسَمِعْت مِنْهُ مَقَالَةً لَك سَيِّئَةً فَقَتَلْته فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْئًا إذَا قَتَلَهُ. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ. وَالسُّكُوتُ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ.
وَأَوَّلُ الْوُجُوهِ أَنْ لَا يَقْصِدَهُ بِالْقَتْلِ، وَلَا يُمَكِّنَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي الصَّفِّ، وَلَكِنَّهُ يُلْجِئُهُ إلَى مَوْضِعٍ وَيَسْتَمْسِكُ بِهِ حَتَّى يَجِيءَ غَيْرُهُ فَيَقْتُلَهُ. رُوِيَ فِي الْكِتَابِ حَدِيثًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ: فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا. فَأَمَّا إبَاحَةُ قَتْلِ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 108
[بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْقَتْلَى]
١٠٣ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمْ يَنْدُبُونَ قَتْلَاهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ. قَالَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَوَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَدَبْنَا حَمْزَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَيْتِ، حَتَّى سَمِعْنَا نَشِيجَهُ فِي الْبَيْتِ. فَأَرْسَلَ إلَيْنَا أَنْ قَدْ أَصَبْتُمْ، أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ» . وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ حَمْزَةَ كَانَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَئِذٍ، لَكِنَّهُ كَانَ غَرِيبًا بِالْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ.
وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي «أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ﵁ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ نِسَاءَ قَوْمِهِ، وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. فَجَاءَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى بَابِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْدُبُونَ حَمْزَةَ ﵁ فَاسْتَأْنَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبُكَائِهِمْ (٣٦ ب) حَتَّى نَامَ» .
стр. 109
وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ جَرَى الرَّسْمُ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ يَبْدَءُونَ بِالْبُكَاءِ لِحَمْزَةَ ﵁. وَالرِّجَالُ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَقُولُونَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ.
١٠٤ - ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ بِطَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: «فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ يَبْكِينَ. فَقَالَ: يَا وَيْحَهنَّ إنَّهُنَّ لَهَا هُنَا مُنْذُ الْيَوْمِ. فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ» .
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ: هَذِهِ رُخْصَةٌ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ انْتَسَخَتْ بِمَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ قَدْ انْتَسَخَ وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «النَّائِحَةُ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ مُسْتَمِعِيهَا عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَأَمَّا الْبُكَاءُ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتنَا عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، وَأَمَّا هَذِهِ رَحْمَةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الرُّحَمَاءِ. الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبُّ» . وَعَنْ عُمَرَ ﵁ «أَنَّهُ سَمِعَ امْرَأَةً وَهِيَ تَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهَا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْقَلْبَ حَزِينٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . وَلَكِنْ مَعَ هَذَا؛ الصَّبْرُ أَفْضَلُ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
стр. 110
[بَابُ حَمْلِ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ]
ِ ١٠٥ وَذَكَرَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِرَأْسِ يَنَاقَ الْبِطْرِيقِ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا. قَالَ فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسٍ وَالرُّومِ؟ لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ، إنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُمْ: لَقَدْ بَغَيْتُمْ. أَيْ تَجَاوَزْتُمْ الْحَدَّ. وَفِي رِوَايَةٍ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: لَا تَبْعَثُوا إلَيَّ بِرَأْسٍ، وَلَكِنْ يَكْفِينِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ.
فَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ حَمْلُ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ لِأَنَّهَا جِيفَةٌ. فَالسَّبِيلُ دَفْنُهَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلِأَنَّ إبَانَةَ الرَّأْسِ مُثْلَةٌ، «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .
وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.
وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا ﵏ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَوْ فَرَاغُ قَلْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ قُوَّادِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ عُظَمَاءِ الْمُبَارِزِينَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
стр. 111
أَلَا تَرَى «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ حَمَلَ رَأْسَ أَبِي جَهْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّك أَبِي جَهْلٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي. وَكَانَ شَرُّهُ (٣٧ آ) عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ» . وَمَا مَنَعَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
١٠٦ - وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ﵀ قَالَ: «لَمْ يُحْمَلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسٌ إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ» . وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَأَنْكَرَهُ. وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ الرُّءُوسُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵁. «وَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلَى سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَضَرَبْت عُنُقَهُ وَأَخَذْت بِرَأْسِهِ فَصَعِدْت إلَى جَبَلٍ فَاخْتَبَأْت فِيهِ. حَتَّى إذَا رَجَعَ الطَّلَبُ وُجِّهْت بِرَأْسِهِ حَتَّى جِئْت بِهِ النَّبِيَّ ﷺ » . «وَحِينَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ﵁ بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، جَاءَ بِرَأْسِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ» ، فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 112
[بَابُ السِّلَاحِ وَالْفُرُوسِيَّةِ]
١٩ - بَابُ السِّلَاحِ وَالْفُرُوسِيَّةِ «ذَكَرَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ﵁ قَالَ: ذُكِرَتْ الْقَوْسُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا سَبَقَهَا سِلَاحٌ قَطُّ إلَى خَيْرٍ» . يَعْنِي أَنَّهُ أَقْوَى آلَاتِ الْجِهَادِ.
فِيهِ حَثٌّ لِلْغُزَاةِ عَلَى تَعَلُّمِ الرَّمْيِ. وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ مِنْهَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] : أَلَا أَنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ قَالَهَا ثَلَاثًا» . وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ: صَانِعُهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ بِهِ، وَمُنْبِلُهُ، وَالرَّامِي بِهِ» .
وَقَالَ: «كُلُّ لَهْوِ ابْنِ آدَمَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلَاثَةً: تَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ عَنْ قَوْسِهِ» . «وَمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَحَدٍ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إلَّا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» .
١٠٨ - وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ أَنْ وَفِّرُوا الْأَظَافِيرَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهَا سِلَاحٌ. وَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ
стр. 113
لِلْمُجَاهِدِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ قَصُّ الْأَظَافِيرِ مِنْ الْفِطْرَةِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ السِّلَاحُ مِنْ يَدِهِ وَقَرُبَ الْعَدُوُّ مِنْهُ رُبَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ بِأَظَافِيرِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ قَصِّ الشَّوَارِبِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ. ثُمَّ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُوَفِّرَ شَارِبَهُ لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ فَيَحْصُلَ بِهِ الْإِرْهَابُ.
١٠٩ - وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ، وَالْفُرُوسِيَّةَ، وَمُرُوهُمْ بِالِاحْتِفَاءِ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِهِ «عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ، وَالْمَرْأَةَ الْغَزْلَ» . وَقَالَ «ارْكَبُوا. وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا» .
وَالْحَاصِلُ أَنْ مَا يُعِينُهُ عَلَى الْجِهَادِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى تَعَلُّمِهِ، وَإِلَى أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ.
- وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ ﵃ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: أَفْطِرُوا فَإِنَّهُ يَوْمُ قِتَالٍ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً (٣٧ ب) بِالْقِتَالِ. وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْغَازِي إذَا كَانَ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يُفْطِرَ. فَإِنَّ الصَّوْمَ رُبَّمَا يُضْعِفُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْقِتَالِ. وَالْخَلَلُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ. وَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. وَلِهَذَا كَانَ الْفِطْرُ
стр. 114
أَفْضَلَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إذَا كَانَ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ. فَلَأَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ لِلْمُسَافِرِ الْمُقَاتِلِ كَانَ أَوْلَى.
- وَعَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ - يَعْنِي يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَرَأَيْت بِلَالًا ﵁ أَدْخَلَ وُضُوءَهُ إلَيْهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ يُهَرِيقهُ. فَرَأَيْت النَّاسَ يَبْتَدِرُونَهُ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ فَتَمَسَّحَ بِهِ» . وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِذَلِكَ، وَلَا يُتَبَرَّكُ بِمَا هُوَ نَجِسٌ فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَذِرُ وَيَقُولُ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَنْ لَوْ بَلَغَهُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: ثُمَّ «رَأَيْت بِلَالًا ﵁ أَخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُتَشَمِّرًا. فَصَلَّى إلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ. وَرَأَيْت النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ» . وَالْعَنَزَةُ: شِبْهُ الْحَرْبَةِ كَانَتْ تُحْمَلُ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَسْفَارِهِ لِتُرْكَزَ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا صَلَّى.
стр. 115
وَمِنْهُ عَادَةُ الْأُمَرَاءِ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ أَمَامَهُمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ، وَأَنَّ الْمُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ السُّتْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ إذَا كَانَتْ السُّتْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ خَاصَّةً فَذَلِكَ يَكْفِي. وَلَا تُشْتَرَطُ السُّتْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَوْمِ، [لِأَنَّ الْإِمَامَ] بِمَنْزِلَةِ السُّتْرَةِ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي. وَأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الْمُرُورِ وَرَاءَ السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ السُّتْرَةِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ مَنْ يَكُونُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ فَلَا يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْمُرُورِ وَرَاءَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ طَوِيلًا غَلِيظًا. فَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طُولُهُ ذِرَاعًا وَغِلْظَتُهُ بِقَدْرِ الْإِصْبَعِ، لِمَا قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُجْزِئُ مِنْ السُّتْرَةِ السَّهْمُ» . وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.
стр. 116
[بَابُ الْحَرْبِ كَيْفَ يُعَبَّأُ لَهُ]
ُ وَفِي نُسْخَةٍ: كَيْفَ تَغْشَاهُ ١١٢ ذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ﵀ قَالَ: «لَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ عَمَدَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ إلَى أَصْحَابِهِ فَعَبَّأَهُمْ فِي وَادِي حُنَيْنٍ - وَهُوَ وَادٍ حَدُورٌ ذُو شِعَابٍ وَمَضَايِقَ. وَفَرَّقَ النَّاسَ فِيهِ، وَأَوْعَزَ إلَى النَّاسِ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَى مُحَمَّدٍ (٣٨ آ) وَأَصْحَابِهِ حَمْلَةً وَاحِدَةً - أَيْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ إِلْيَهِمْ فِيهِ - وَمَالِكٌ هَذَا كَانَ صَاحِبَ الْجَيْشِ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَكَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَصْحِبُوا أَهَالِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِيُقَاتِلُوا عَنْهُمْ إنْ لَمْ يُقَاتِلُوا عَنْ دِينِهِمْ فَخَطَّأَهُ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ فِي هَذَا الرَّأْيِ. وَقَالَ لَهُ: رَاعِي الضَّأْنِ مَالَهُ وَلِلْحَرْبِ؟ وَهَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ هَذَا الَّذِي تَسُوقُونَهُ كُلُّهُ غَنَائِمُ
стр. 117
مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. قِيلَ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أَنْ تَحْمِلُوا الظَّعْنَ إلَى عَلْيَاءِ بِلَادِكُمْ. وَأَنْ يَلْقَى الرِّجَالُ بِالسُّيُوفِ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ عَدُوَّهُمْ. فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أُغَيِّرُ مَا صَنَعْت. فَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. اجْعَلْ النَّاسَ فَرِيقَيْنِ: يَمْنَةً وَيَسْرَةً، لِيَكْمُنُوا فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْمَضَايِقِ، حَتَّى إذَا دَخَلَهَا الْعَدُوُّ خَرَجُوا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمَلَةً وَاحِدَةً. فَقَالَ: أَمَّا هَذِهِ فَنَعَمْ. وَفَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ. وَعَبَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ فَصَفَّهُمْ صُفُوفًا فِي السَّحَرِ، وَوَضَعَ الْأَوْلَوِيَّةَ فِي أَهْلِهَا. الْحَدِيثِ إلَى أَنْ قَالَ: فَانْحَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادِي حُنَيْنٍ انْحِدَارًا، وَهُوَ وَادٍ حَدُورٌ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ دُلْدُلَ، وَاسْتَقْبَلَ الصُّفُوفَ فَطَافَ عَلَيْهِمْ يَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَيُبَشِّرُهُمْ بِالْفَتْحِ إنْ صَدَقُوا وَصَبَرُوا» . وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ. وَبِاللَّيْلِ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَدُوِّ. قَالَ: «فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ يَنْحَدِرُونَ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ إذْ حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ الشِّعَابِ وَالْمَضَايِقِ. فَانْكَشَفَتْ أَوَّلُ الْخُيُولِ
стр. 118
خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً - يَعْنِي انْهَزَمَتْ رَاجِعَةً - ثُمَّ تَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَتَبِعَهُمْ النَّاسُ مُدْبِرِينَ فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» .
وَفِي الْمَغَازِي أَنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَادَى: أَلَا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَلْيَرْجِعْ كُلُّ ذِي دِينٍ دِينَهُ. فَلِهَذَا انْهَزَمُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] وَأَمْعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الِانْهِزَامِ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَّةَ. وَسَمِعَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَاحِدًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْهُ. وَكَانَ صَفْوَانُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا فَقَالَ: بِفِيك الْأَثْلَبِ. لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازِنَ إذَا كُنْت مَرْبُوبًا. قَالَ: «فَاقْتَحَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دَابَّتِهِ حَتَّى رَأَى الْمُسْلِمِينَ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فَثَبَتَ قَائِمًا، وَجَرَّدَ سَيْفَهُ وَطَرَحَ غِمْدَهُ. فَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ وَهُوَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ اللَّهَ اللَّهَ الْكَرَّةُ عَلَى نَبِيِّكُمْ» . وَذَكَرَ فِي الْمَغَازِي «أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا عَمُّهُ الْعَبَّاسُ ﵁ عَلَى يَمِينِهِ، وَسُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵄ (٣٨ ب) عَلَى يَسَارِهِ. وَمَا كَانَ كَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، لِكَثْرَةِ مَا كَانَ آذَاهُ بِهِجَائِهِ. فَحِينَ رَأَى ذَلِكَ الْجِدَّ مِنْهُ كَلَّمَهُ وَعَانَقَهُ. وَبَلَّغَ اللَّهُ صَوْتَ رَسُولِهِ إلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَبَّرُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَحَمَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يَطْعَنُوا بِرُمْحٍ أَوْ يَضْرِبُوا بِسَيْفٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٢٦] » . الْآيَةَ.
стр. 119
[بَابٌ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ]
٢١ - بَابٌ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ذَكَرَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ ذِي حَدَّانِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْحَرْبُ خُدْعَةٌ أَوْ خَدْعَةٌ» بِالنَّصْبِ. وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يُخَادِعَ قِرْنَهُ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ.
وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالظَّاهِرِ فَقَالُوا: يُرَخَّصُ فِي الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَفِي الْقِتَالِ، وَفِي إرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ» . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْكَذِبَ الْمَحْضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمَعَارِيضِ، إذْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَذِبِ الْمَحْضِ.
стр. 120
وَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي " الْكِتَابِ ": وَهُوَ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ يُبَارِزُهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ. وَلَكِنَّهُ يُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُهُ لَهُ. كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ ﵁ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ بَارَزَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْت لِي أَنْ لَا تَسْتَعِينَ عَلَيَّ بِغَيْرِك؟ فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَعَوْتهمْ؟ . فَالْتَفَتَ كَالْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ، فَضَرَبَ عَلَى سَاقَيْهِ ضَرْبَةً قَطَعَ رِجْلَيْهِ.
وَكَانَ مِنْ الْخُدْعَةِ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ قَوْلًا لِيَرَى مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ فِيهِ ظَفَرًا أَوْ أَنَّ فِيهِ أَمْرًا يُقَوِّي أَصْحَابَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ ظَاهِرًا. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ فِي حُرُوبِهِ كَانَ يَنْظُرُ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت. يُرِي مَنْ حَضَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهُ بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ، وَأَمَرَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعَجَائِزُ. فَلَمَّا سَمِعَتْ الْعَجُوزُ ذَلِكَ جَعَلَتْ تَبْكِي، حَتَّى بَيَّنَ لَهَا صِفَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَ يَدْخُلُونَهَا» .
стр. 121
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُقَيِّدَ كَلَامَهُ بِلَعَلَّ وَعَسَى، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (٣٩ ا) يَخْرُجُ الْكَلَامُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً عَلَى مَا قَالَ: «بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ» .
وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَذْكُورٌ فِي الْمَغَازِي نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ] . «فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ غَدَرَتْ وَبَايَعَتْ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُمْ بِهَذَا. فَرَجَعَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ أَمَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِهَذَا. فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْته يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبَ» .
وَتَمَامُ هَذِهِ الْقِصَّةِ ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: «أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى أَنْ جَاءَ الْأَحْزَابُ وَمَعَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ رَأْسُ بَنِي النَّضِيرِ. فَمَا زَالَ بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى نَقَضُوا الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَايَعُوا أَبَا سُفْيَانَ. عَلَى أَنْ يُغِيرُوهُمْ عَلَى الْمَدِينَةِ وَالْأَحْزَابُ يُقَاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ. فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَجَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ الْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ كَانَ مُشْرِكًا يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا مِنْ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَتَّى نُحِيطَ بِالْأَحْزَابِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ
стр. 122
يُؤْثَرُ عَنْك شَيْءٌ مِنْ أَجْلِ صَنِيعِهِمْ. فَقَالَ ﷺ : الْحَرْبُ خُدْعَةٌ يَا عُمَرُ» . فَكَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ سَبَبَ تَفَرُّقِهِمْ وَتَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ وَانْهِزَامِهِمْ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: «أَنَّهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ قَالُوا لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: لَا نَأْمَنُ أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ وَتَذْهَبَ الْأَحْزَابُ وَنَبْقَى مَعَ مُحَمَّدٍ فَيُحَاصِرَنَا وَيُخْرِجَنَا مِنْ دِيَارِنَا كَمَا فَعَلَ بِك وَبِأَصْحَابِك. فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: أَنَا أَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا سَبْعِينَ مِنْ أَبْنَاءِ كُبَرَائِهِمْ إلَيْكُمْ لِيَكُونُوا رَهْنًا فِي حِصْنِكُمْ. وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَهُمْ حِينَ جَرَتْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ، فَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالُوا: هُوَ الرَّأْيُ. ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى. فَقَالَ ﷺ : فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ. فَجَاءَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَسُولَ بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْأَلُهُ الرَّهْنَ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ عَلِمْت أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إنِّي سَمِعْته الْآنَ يَقُولُ كَذَا. وَهَذَا مُوَاطَأَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، لِيَأْخُذُوا سَبْعِينَ مِنْكُمْ فَيَدْفَعُوهُمْ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُمْ. وَقَدْ ضَمِنَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إصْلَاحَ جَنَاحِهِمْ، يَعْنِي رَدَّ بَنِي النَّضِيرِ إلَى دَارِهِمْ. فَقَالُوا: هُوَ كَمَا قُلْت وَاَلْلَاتِ وَالْعُزَّى. وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَبَعَثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ اُخْرُجُوا عَلَى تِلْكَ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي بَيْنَنَا فَقَدْ طَالَ الْأَمْرُ. فَقَالُوا: غَدًا يَوْمُ السَّبْتِ، وَنَحْنُ لَا نَكْسِرُ السَّبْتَ. وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَخْرُجُ حَتَّى تُعْطُونَا الرَّهْنَ (٣٩ ب) . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ نُعَيْمٌ. وَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَانْهَزَمُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ﵀: فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
стр. 123
[بَابُ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ]
ِ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا أُحِبُّ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِهِ قُوَّةٌ أَنْ يَفِرَّ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] . وَفِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ، أَيْ سَرِيَّةٍ، لِلْقِتَالِ بِالْكَرَّةِ عَلَى الْعَدُوِّ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ.
أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ: أَيْ يَنْحَازُ فَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ. يُقَالُ: تَحَوَّزَ وَتَحَيَّزَ إلَى فُلَانٍ: أَيْ انْضَمَّ إلَيْهِ. وَالْفِئَةُ: الْقُوَّةُ وَالْجَمَاعَةُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ. فَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ خَاصَّةً، إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إلَيْهَا غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مَعَهُمْ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ هَذَا الْحُكْمُ.
وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا قَالَ ﷺ : «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ» وَذَكَرَ فِي الْجُمْلَةِ الْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ. وَقَالَ:
стр. 124
«إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكَ بِاَللَّهِ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّيَ يَوْمَ الْقِتَالِ، وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ» .
ثُمَّ إنْ كَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ نِصْفِ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ الْفِرَارُ مِنْهُمْ. وَكَانَ الْحُكْمُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مِثْلَ عُشْرِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وَمَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ غَالِبٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفِرَّ. ثُمَّ خَفَّفَ الْأَمْرَ فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] . وَهَذَا إذَا كَانَ بِهِمْ قُوَّةُ الْقِتَالِ بِأَنْ كَانَتْ مَعَهُمْ الْأَسْلِحَةُ. فَأَمَّا مَنْ لَا سِلَاحَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ مِمَّنْ مَعَهُ السِّلَاحُ. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ مِمَّنْ يَرْمِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةُ الرَّمْيِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ، وَمِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرْمَى فِيهِ بِالْمَنْجَنِيقِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمُقَامِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ وَعَلَى هَذَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنْ الثَّلَاثَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ الْعَدُوِّ وَإِنْ كَثُرُوا، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا عَنْ قِلَّةٍ» وَمَنْ كَانَ غَالِبًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفِرَّ.
١١٥ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ وَأَنَا فِيهِمْ. فَحَاصَ الْمُسْلِمُونَ حَيْصَةً. يَعْنِي انْهَزَمُوا مِنْ الْعَدُوِّ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. فَقَالَ
стр. 125
- ﷺ : بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَنَا لَكُمْ فِئَةٌ لِتَرْجِعُوا إلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَالْمُرَادُ بِالْعَكَّارِ الرَّاجِعُ إلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَعْنِي: كَانَ هَذَا مِنْكُمْ تَحَيُّزًا إلَيَّ. أَنَا لَكُمْ (٤٠ آ) فِئَةٌ لِتَرْجِعُوا مَعِي إلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
- قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: قُتِلَ أَبُو عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ وَهُوَ أَبُو الْمُخْتَارِ، يَوْمَ قَسّ النَّاطِف - اسْمُ مَوْضِعٍ - وَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى قُتِلَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ لَوْ انْحَازَ إلَيَّ كُنْت لَهُ فِئَةً. فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالِانْهِزَامِ إذَا أَتَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدُوِّ مَا لَا يُطِيقُهُمْ. وَلَا بَأْسَ بِالصَّبْرِ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ إنَّهُ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ، بَلْ فِي هَذَا تَحْقِيقُ بَذْلِ النَّفْسِ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ حَمِيُّ الدَّبْرِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 126
[بَابُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا]
٢٣ - بَابُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا قَالَ: وَإِذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ خَطَأً فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ.
١١٨ - وَفِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا، لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِاعْتِبَارِ تَقَوُّمِ الدَّمِ لَا بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ الْقَتْلِ فَقَطْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِقَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَتَقَوُّمُ الدَّمِ يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ الرَّجُلُ يُسْلِمُ فَيُقْتَلُ خَطَأً قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ نُزُولُ الْآيَةِ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مِرْدَاسٌ كَانَ أَسْلَمَ فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهِ. فَأَوْجَبَ اللَّهُ الْكَفَّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ. ثُمَّ الدِّيَةُ تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْإِحْرَازُ بِالدِّينِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الضَّمَانِ لِحَقِّ الْعِبَادِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي " السِّيَرِ الصَّغِيرِ " وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَبِهِ الْعَوْنُ.
стр. 127
[بَابُ دَوَاءُ الْجِرَاحَةِ]
- بَابُ دَوَاءُ الْجِرَاحَةِ ١١٩ - رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَاوَى وَجْهَهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِعَظْمٍ بَالٍ»
١٢٠ - وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ ﷺ شُجَّ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى خَدِّهِ وَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِدَمِهِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ؟ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . ثُمَّ دَاوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجْهَهُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ أَحْرَقَ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَدَاوَى بِهِ وَجْهَهُ» .
وَرُوِيَ «أَنَّهُ دَاوَاهُ بِعَظْمٍ بَالٍ وَعَصَبَ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ أَيَّامًا» . وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الِاشْتِغَالِ بِالْمُدَاوَاةِ لِلْجِرَاحَاتِ.
١٢١ - وَقَدْ كَرِهَهُ بَعْضُ النَّاسِ لِآثَارٍ جَاءَتْ فِي النَّهْيِ. مِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي
стр. 128
سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠ ب) قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
١٢٢ - وَاعْتِمَادُنَا فِي جَوَازِ الْمُدَاوَاةِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إلَّا وَخَلَقَ لَهُ دَوَاءً. إلَّا السَّامَ وَالْهَرَمَ» .
وَمَا رَوَوْا قَدْ اُنْتُسِخَ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ﵁ بِمِشْقَصٍ حِينَ رُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقُطِعَ أَكْحَلُهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ ﵁» .
ثُمَّ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ: أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الدَّوَاءَ هُوَ الَّذِي يَشْفِيهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّدَاوِي. وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الْمُدَوَّاةِ بِعَظْمٍ بَالٍ. وَهَذَا لِأَنَّ الْعَظْمَ لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ عَلَى أَصْلِنَا، لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَظْمَ الْإِنْسَانِ أَوْ عَظْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ التَّدَاوِي بِهِ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ نَجِسُ الْعَيْنِ فَعَظْمُهُ نَجِسٌ كَلَحْمِهِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِحَالٍ مَا. وَالْآدَمِيُّ مُحْتَرَمٌ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ. فَكَمَا يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ إكْرَامًا لَهُ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِعَظْمِ الْمَيِّتِ. قَالَ ﷺ : «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» .
стр. 129
- وَذَكَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «قَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَسْتَرِقَّ كَافِرٌ مُسْلِمًا» . قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْكَافِرِ لَمْ يُتْرَكْ يَسْتَرِقُّهُ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ.
حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ وَالِاسْتِخْدَامِ قَهْرًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ مُسْتَدَامٌ، وَالِاسْتِدَامَةُ فِيمَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ ابْتِدَاءُ الِاسْتِرْقَاقِ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِلْكَافِرِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ وَاسْتَعْبَدَهُ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» . وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ دُونَ الْإِخْبَارِ عَنْ الْحُسْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ. وَلَا يَجُوزُ الْخَلْفُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ الْمُسْلِمُ مَصُونٌ عَنْ إذْلَالِ الْكَافِرِ إيَّاهُ شَرْعًا، وَفِي تَبْدِيلِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ إذْلَالٌ، وَفِي الِاسْتِخْدَامِ قَهْرٌ، وَاسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِيهِ إذْلَالٌ أَيْضًا، فَيُصَانُ الْمُسْلِمُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُجْبَرَ الْكَافِرُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ فِيهِ مَصُونَةٌ عَنْ الْإِتْلَافِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ. وَالسَّبَبُ الَّذِي اعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي إيجَابِ الصِّلَةِ لَهُ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ، بِخِلَافِ الْقَرِيبِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى قَرِيبِهِ إذَا مَلَكَهُ. لِأَنَّ لِلْقَرَابَةِ تَأْثِيرًا فِي اسْتِحْقَاقِ الصِّلَةِ.
- قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إذَا أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنْ الْجَنَابَةِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَغْتَسِلُونَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَا يَدْرُونَ كَيْفَ الْغُسْلُ فِي ذَلِكَ.
стр. 130
وَفِي هَذَا بَيَانٌ (٤١ آ) أَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ تَتَحَقَّقُ فِي الْكَافِرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَدَثِ إذَا وُجِدَ سَبَبُهُ، وَلَكِنْ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي أَنَّ الْغُسْلَ مَتَى يَلْزَمُهُ. فَمَنْ يَقُولُ: يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، يَقُولُ: الْغُسْلُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَى بِهِ صَحَّ. وَمَنْ يَقُولُ: لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، فَيَقُولُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الِاغْتِسَالُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ مُسْتَدَامَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَإِنْشَائِهِ. وَصِحَّةُ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ. وَلِهَذَا لَوْ انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا اسْتِدَامَةَ لِلِانْقِطَاعِ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ كَيْفَ الْغُسْلُ، إنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ. وَهُمَا فَرْضَانِ، فَلِهَذَا يُؤْمَرُ إذَا أَسْلَمَ بِالِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ.
١٢٥ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ لَمَّا أَسْلَمَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: زَعَمُوا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ ﷺ : قَدْ حَسُنَ إسْلَامُ صَاحِبِكُمْ. وَعَنْ كُلَيْبٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعَهُ فَقَالَ: احْلِقْ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ. فَحَلَقَ رَأْسَهُ» .
١٢٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَلَا نَرَى هَذَا مِنْ الْوَاجِبِ عَلَى النَّاسِ
стр. 131
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ؟ وَلَعَلَّهُ رَأَى كُلَيْبًا مُعْجَبًا بِشَعْرِهِ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لِدَفْعِ الْإِعْجَابِ عَنْهُ، أَوْ اسْتَحَبَّ لَهُ زِيَادَةَ التَّطْهِيرِ بِأَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ مَا كَانَ نَابِتًا مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاغْتِسَالِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِهِ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ لِتَقَرُّرِ سَبَبِهِ.
стр. 132
[بَابُ اتِّخَاذِ الْأَنْفِ مِنْ الذَّهَبِ]
وَذَكَرَ «عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أَنَّهُ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» .
وَبِهَذَا يَأْخُذُ مُحَمَّدٌ ﵀ فَيَقُولُ: - لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ سِنُّهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَّخِذَ سِنًّا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ يُضَبِّبَ أَسْنَانَهُ مِنْ ذَهَبٍ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ إبْرَاهِيمَ.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَلَا يَرَى بَأْسًا بِأَنْ يَتَّخِذَهُ مِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْفِضَّةِ لِلِانْتِفَاعِ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ دُونَ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ، بِدَلِيلِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ.
وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ عَرْفَجَةَ بِهَذِهِ الرُّخْصَةِ. ثُمَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْخَاصِّ. فَرَجَّحَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الذَّهَبَ بِيَمِينِهِ وَالْحَرِيرَ بِشِمَالِهِ وَقَالَ: «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» (٤١ ب) ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 133
[بَابُ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ]
٢٦ - بَابُ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ [قَالَ] : وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْلِمُونَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا بِطِيبٍ أَنْفُسِهِمْ، لِلْعَهْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَهْدَ فِي حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لِلْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ. فَكَمَا لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ.
وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ مَعْنَى الْغَدْرِ وَتَرْكَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي الْعُهُودِ وَفَاءٌ لَا غَدْرَ فِيهِ» .
١٣٠ - ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ «أَنَّ نَاسًا مِنْ الْيَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ تَمَامِ الْعُهُودِ فَقَالُوا: إنَّ حَظَائِرَ لَنَا وَقَعَ فِيهَا أَصْحَابُك فَأَخَذُوا مِنْهَا بَقْلًا أَوْ ثُومًا. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ فَنَادَى فِي النَّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ إلَّا بِحَقٍّ» .
стр. 134
[بَابُ دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ الْمَسْجِدَ]
٢٧ -[بَابُ دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ الْمَسْجِدَ] ١٣١ - وَذَكَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فِي الْهُدْنَةِ وَهُوَ كَافِرٌ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] الْآيَةَ.
وَالْمُرَادُ بِالْهُدْنَةِ الصُّلْحُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَدْ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إلَى الْمَدِينَةِ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ بَعْدَ مَا نَقَضُوا هُمْ الْعُهُودَ وَخَشَوْا أَنْ يَغْزُوهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ. فَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا عَلَى مَالِكٍ ﵁ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُمَكَّنُ الْمُشْرِكُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ شَيْئًا فِي الْمَسَاجِدِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ «أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِأَنْ يُضْرَبَ لَهُمْ قُبَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ. فَقِيلَ: هُمْ أَنْجَاسٌ. فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَجَاسَتِهِمْ شَيْءٌ» . ثُمَّ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً لِلْآيَةِ.
стр. 135
فَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا يُمْنَعُونَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ.
وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: الدُّخُولُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانُوا اعْتَادُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. وَالْمُرَادُ الْقُرْبُ مِنْ حَيْثُ التَّدْبِيرُ وَالْقِيَامُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَبِهِ نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ بِحَالٍ.
стр. 136
[بَابُ دُخُولِ النِّسَاءِ الْحَمَّامَ وَرُكُوبِهِنَّ السُّرُوجَ]
َ] ١٣٢ وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ أَنَّهُ كَتَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَمَّامَ إلَّا امْرَأَةٌ نُفَسَاءُ أَوْ مَرِيضَةٌ.
وَبِهَذَا يَأْخُذُ مَنْ يَكْرَهُ لِلنِّسَاءِ دُخُولَ (٤٢ آ) الْحَمَّامَاتِ. وَيَسْتَدِلُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ جِلْبَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . وَلَمَّا دَخَلَتْ نِسَاءُ حِمْصَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنْتُنَّ مِنْ اللَّاتِي تَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ. فَأَمَرَتْ بِإِخْرَاجِهِنَّ وَغَسْلِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِنَّ.
فَأَمَّا عِنْدَنَا لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَدْخُلَ الْحَمَّامَ إذَا خَرَجَتْ مُتَعَفِّفَةً وَاِتَّزَرَتْ حِينَ دَخَلَتْ الْحَمَّامَ. لِأَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِمَعْنَى الزِّينَةِ، وَهِيَ لِلنِّسَاءِ أَلْيَقُ مِنْهَا بِالرِّجَالِ. أَوْ لِلْحَاجَةِ إلَى الِاغْتِسَالِ، وَأَسْبَابُ وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَكْثَرُ، وَالرَّجُلُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاغْتِسَالِ بِالْحِيَاضِ وَالْأَنْهَارِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ.
وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا. وَقَدْ أُمِرْنَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الْآيَةَ. قَالَ: وَلَا تَرْكَبُ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلَى سَرْجٍ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» .
стр. 137
ثُمَّ الْمُرَادُ إذَا رَكِبَتْ مُتَلَهِّيَةً، أَوْ رَكِبَتْ مُتَزَيِّنَةً لِتَعْرِضَ نَفْسَهَا عَلَى الرِّجَالِ.
فَأَمَّا إذَا رَكِبَتْ لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُجَاهِدُ أَوْ يَخْرُجُ لِلْحَجِّ مَعَ زَوْجِهَا فَرَكِبَتْ مُتَسَتِّرَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ: وَلَا يُتْرَكُ أَهْلُ الْكِتَابِ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ وَلَكِنْ عَلَى الْأَكُفِّ، وَيُؤْمَرُونَ بِأَنْ يَتَنَطَّقُوا حَتَّى يُعْرَفُوا. أَيْ يَتَّخِذُوا الزَّنَانِيرَ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ، وَيَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ الَّتِي عَلَى هَيْئَةِ الْأَكُفِّ. وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي قَرَبُوسِهِ شِبْهُ الرُّمَّانَةِ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْعِزِّ. قَالَ ﷺ : «أَذِلُّوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ» . وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَشُدُّوا عَلَى أَوْسَاطِهِمْ الزَّنَانِيرَ. وَكَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ: مُرُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِأَنْ يَخْتِمُوا رِقَابَهُمْ بِالرَّصَاصِ، وَأَنْ يَتَنَطَّقُوا وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ. وَتَمَامُ بَيَانِ هَذَا الْفَصْلِ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 138
[بَابٌ مِنْ الْجَعَائِلِ]
٢٩ - بَابٌ مِنْ الْجَعَائِلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁: تُكْرَهُ الْجَعَائِلُ مَا دَامَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَوِّيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] وَحَقُّ الْجِهَادِ أَنْ يُجَاهَدَ بِالْمَالِ أَوْ النَّفْسِ. فَإِذَا كَانَ الَّذِي يَخْرُجُ صَاحِبَ مَالٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهِ جُعْلًا فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ. لِيَكُونَ هُوَ مُجَاهِدًا بِنَفْسِهِ وَصَاحِبُ الْمَالِ مُجَاهِدًا بِمَالِهِ.
١٣٤ - كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُغْزِي الْعَزَبَ عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ، وَكَانَ يُعْطِي (٤٢ ب) لِلْغَازِي فَرَسَ الْقَاعِدِ.
١٣٥ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجَعَائِلِ فَقَالَ: مَنْ جَعَلَهُ فِي كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
стр. 139
وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ إنَّمَا أُعْطِيَ الْمَالَ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ مُجَاهِدًا بِمَالِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَيَتَفَضَّلُ لِنَفْسِهِ.
- كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ عَنْ الرَّجُلِ يَجْعَلُ الْجُعَلَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُجْعَلُ أَقَلَّ مِمَّا اجْتَعَلَ. قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ أَرَادَ الْفَضْلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ أَنْ يَحْبِسَ الْفَصْلَ لِيَصْرِفَهُ عَلَى حَوَائِجِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَيَرُدُّ مَا فَضَلَ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إذَا رَجَعَ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ إذَا رَجَعَ بِفَضْلِ نَفَقَتِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّهُ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ الْفَضْلَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْجِهَادِ بَاطِلٌ.
- وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَهِّزَهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَكَّمَ عَلَى النَّاسِ بِمَا يَتَقَوَّى بِهِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لَهُمْ، وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ ضَرَبَ بَعْثًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَرَفَعَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ وَلَدِهِ فَقَالَا: لَا نَقْبَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَجْعَلُ مِنْ أَمْوَالِنَا لِلْغَازِي.
стр. 140
- وَذَكَرَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ مَثَلَ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعَلَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا» . يَعْنِي أَنَّ الْغُزَاةَ يَعْمَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْجُعَلَ مِنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَذَلِكَ لَهُمْ حَلَالٌ. كَمَا أَنَّ أُمَّ مُوسَى كَانَتْ تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فِي إرْضَاعِ وَلَدِهَا وَتَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِنْ فِرْعَوْنَ تَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْإِرْضَاعِ، وَكَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَهَا.
- قَالَ: وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ رَجُلًا جُعْلًا عَلَى أَنْ يُسْلِمَ فَأَسْلَمَ فَهُوَ مُسْلِمٌ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ.
وَبِاشْتِرَاطِ الْجُعَلِ لَا يَتَمَكَّنُ خَلَلٌ فِي ذَلِكَ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، سَلَّمَ لَهُ الْجُعَلَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ رِضَاهُ بِدُونِ سَلَامَةِ الْجُعَلِ لَهُ: وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ، كَمَنْ أَسْلَمَ مُكْرَهًا. وَلِلَّذِي شَرَطَ الْجُعَلَ أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ لَهُ ذَلِكَ. وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ وَخُلْفُ الْوَعْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ إلَّا أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يُسْتَوْجَبُ الْجُعَلُ بِهِ عَلَى (٤٣ آ) غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُوْجِبَ الْجُعَلُ عَلَيْهِ عِوَضَ عَمَلِهِ لَهُ، وَالْمَالُ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَيْسَ بِعَامِلٍ لَهُ لِيَسْتَوْجِبَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ. فَمَا وَعَدَ لَهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رِشْوَةً أَوْ صِلَةً لِتَزْدَادَ بِهِ رَغْبَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. فَإِذَا أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْجُعَلَ فَرَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ
стр. 141
اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً يَنْدَرِئُ بِهَا الْقَتْلُ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْجُعْلِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ فَيَتِمُّ إسْلَامُهُ بِلَا شُبْهَةٍ، فَإِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ.
- وَذَكَرَ عَنْ غَالِبِ بْنِ خَطَّافٍ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بِبَابِ الْحَسَنِ فَأَتَانَا شَيْخٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَقَعَدَ، ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَوْمٍ إلَّا فَضَلَهُمْ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَإِنْ رَدُّوا» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالسَّلَامِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ ثَوَابَ الْمُبْتَدِئِ بِهِ أَكْثَرُ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يُبْتَنَى عَلَى السَّلَامِ، وَالْبَادِئُ بِالسَّلَامِ هُوَ الْمُسَبِّبُ لِلْجَوَابِ، وَهُوَ الْبَادِئُ بِالْإِحْسَانِ، وَالرَّادُّ يُجَازَى إحْسَانُهُ بِالْإِحْسَانِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي «عَنْ جَدِّي أَنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا. فَبَعَثَنِي أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُخْبِرَهُ بِذَلِكَ وَأَسْأَلَ لَهُ الْعِرَافَةَ. فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: إنَّ أَبِي يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ. فَقَالَ: عَلَيْهِ وَعَلَيْك» . فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَّغَ غَيْرَهُ سَلَامًا مِنْ غَائِبٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ ﵉، لِأَنَّ الْغَائِبَ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِالسَّلَامِ وَالرَّسُولَ بِالْإِيصَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَازِيَهُمَا
стр. 142
قَالَ: فَقُلْت: وَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَقَدْ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، أَفَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَاهُمْ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ، فَإِنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ فَذَلِكَ وَإِلَّا بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي شَرَطَهُ لَهُمْ صِلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَأَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ مَا لَمْ يُعَوَّضْ مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُرَغِّبَ غَيْرَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. أَلَا تَرَى أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ لِلتَّأْلِيفِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا وَعَدُوا أَنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا ارْتَدُّوا بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا عَلَى شَرْطِ الْجُعْلِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ» أَيْ لِلْقِتَالِ. «قَالَ: وَأَمَرَنِي أَنْ أَسْأَلَك لَهُ الْعِرَافَةَ. قَالَ: إنْ شَاءَ، وَلَكِنَّ الْعَرْفَاءَ فِي النَّارِ» (٤٣ ب) ، أَيْ لَا أَمْنَعُهُ مَا سَأَلَ، وَلَكِنْ أَخْبِرْهُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُ فِيمَا سَأَلَ. وَالْعِرَافَةُ: هِيَ الرِّئَاسَةُ، وَالْعَرِيفُ: هُوَ الْوَازِعُ. قَالَ ﷺ : «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَازِعٍ، وَالْوَازِعُ فِي النَّارِ» يَعْنِي أَنَّهُ يَظْلِمُهُمْ وَيَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ إذَا تَرَأَّسَ غَالِبًا، وَمَأْوَى الظَّالِمِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ النَّارُ. فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ.
- قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رَجُلٌ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا مَالًا عَلَى قَتْلِ حَرْبِيٍّ
стр. 143
فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأُحِبُّ لِلَّذِي أَعْطَاهُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْحَرْبِيِّ جِهَادٌ، فَمَنْ يُبَاشِرُهُ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ أَوْ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي إعْزَازِ الدِّينِ أَوْ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَفْعِ فِتْنَةِ الْمُحَارِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى الَّذِي وَعَدَ لَهُ الْمَالَ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، وَلَكِنْ إنْ وَفَى بِمَا وَعَدَ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، فَهُوَ أَفْضَلُ. وَإِنْ أَبِي لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.
- ثُمَّ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَاسِينَ بْنِ وَهْبٍ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ: أَلَا تَرَى إلَى مَا هَمَّ بِهِ ابْنُ عَمِّك مِنْ قَتْلِي؟ فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ وَجَعَلَ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: جَعَلَ لَهُ خَمْسَةَ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ. وَهَذَا الْمَقْتُولُ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ مَا أَعْطَاهُ كَانَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا مَحَالَةَ.
стр. 144
- قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ لَهُ، لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْقَاتِلُ مِنْ وَجْهٍ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِمَا وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 145
[بَابُ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَذَبَائِحِهِمْ وَطَعَامِهِمْ]
١٤٤ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْكَلَ وَيُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ لِتُغْسَلْ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا. لِأَنَّ الْأَوَانِيَ لَا يَلْحَقُهَا نَجَاسَةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُهَا النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَذَلِكَ يَزُولُ بِالْغَسْلِ، فَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوَانِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُنْعِمُونَ غَسْلَ الْأَوَانِي. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعِيدَ الْغَسْلَ، وَلَا يُؤْتَمَنُ الْمُشْرِكُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَخَذَ بِالظَّاهِرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَوَانِي الطَّهَارَةُ.
وَلَكِنَّ الْغَسْلَ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا نَأْتِي أَرْضَ الْمُشْرِكِينَ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا» وَبَاقِي الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ ﵀ عَنْ آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَصِحَافِهِمْ وَبُرَمِهِمْ هَلْ يُطْبَخُ فِيهَا وَيُؤْتَدَمُ فِيهَا؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: انْقِهَا غَسْلًا ثُمَّ اُطْبُخْ فِيهَا وَائْتَدِمْ.
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ﵀ أَنَّ (٤٤ آ) أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَظْهَرُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَيَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ وَيَشْرَبُونَ.
следующие страницы →