← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً يَنْدَرِئُ بِهَا الْقَتْلُ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْجُعْلِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ فَيَتِمُّ إسْلَامُهُ بِلَا شُبْهَةٍ، فَإِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ. - وَذَكَرَ عَنْ غَالِبِ بْنِ خَطَّافٍ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بِبَابِ الْحَسَنِ فَأَتَانَا شَيْخٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَقَعَدَ، ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَوْمٍ إلَّا فَضَلَهُمْ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَإِنْ رَدُّوا» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالسَّلَامِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ ثَوَابَ الْمُبْتَدِئِ بِهِ أَكْثَرُ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يُبْتَنَى عَلَى السَّلَامِ، وَالْبَادِئُ بِالسَّلَامِ هُوَ الْمُسَبِّبُ لِلْجَوَابِ، وَهُوَ الْبَادِئُ بِالْإِحْسَانِ، وَالرَّادُّ يُجَازَى إحْسَانُهُ بِالْإِحْسَانِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي «عَنْ جَدِّي أَنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا. فَبَعَثَنِي أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُخْبِرَهُ بِذَلِكَ وَأَسْأَلَ لَهُ الْعِرَافَةَ. فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: إنَّ أَبِي يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ. فَقَالَ: عَلَيْهِ وَعَلَيْك» . فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَّغَ غَيْرَهُ سَلَامًا مِنْ غَائِبٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ ﵉، لِأَنَّ الْغَائِبَ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِالسَّلَامِ وَالرَّسُولَ بِالْإِيصَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَازِيَهُمَا

стр. 142

قَالَ: فَقُلْت: وَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَقَدْ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، أَفَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَاهُمْ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ، فَإِنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ فَذَلِكَ وَإِلَّا بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي شَرَطَهُ لَهُمْ صِلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَأَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ مَا لَمْ يُعَوَّضْ مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُرَغِّبَ غَيْرَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. أَلَا تَرَى أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ لِلتَّأْلِيفِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا وَعَدُوا أَنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا ارْتَدُّوا بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا عَلَى شَرْطِ الْجُعْلِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ» أَيْ لِلْقِتَالِ. «قَالَ: وَأَمَرَنِي أَنْ أَسْأَلَك لَهُ الْعِرَافَةَ. قَالَ: إنْ شَاءَ، وَلَكِنَّ الْعَرْفَاءَ فِي النَّارِ» (٤٣ ب) ، أَيْ لَا أَمْنَعُهُ مَا سَأَلَ، وَلَكِنْ أَخْبِرْهُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُ فِيمَا سَأَلَ. وَالْعِرَافَةُ: هِيَ الرِّئَاسَةُ، وَالْعَرِيفُ: هُوَ الْوَازِعُ. قَالَ ﷺ : «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَازِعٍ، وَالْوَازِعُ فِي النَّارِ» يَعْنِي أَنَّهُ يَظْلِمُهُمْ وَيَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ إذَا تَرَأَّسَ غَالِبًا، وَمَأْوَى الظَّالِمِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ النَّارُ. فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ. - قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رَجُلٌ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا مَالًا عَلَى قَتْلِ حَرْبِيٍّ

стр. 143

فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأُحِبُّ لِلَّذِي أَعْطَاهُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْحَرْبِيِّ جِهَادٌ، فَمَنْ يُبَاشِرُهُ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ أَوْ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي إعْزَازِ الدِّينِ أَوْ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَفْعِ فِتْنَةِ الْمُحَارِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى الَّذِي وَعَدَ لَهُ الْمَالَ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، وَلَكِنْ إنْ وَفَى بِمَا وَعَدَ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، فَهُوَ أَفْضَلُ. وَإِنْ أَبِي لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. - ثُمَّ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَاسِينَ بْنِ وَهْبٍ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ: أَلَا تَرَى إلَى مَا هَمَّ بِهِ ابْنُ عَمِّك مِنْ قَتْلِي؟ فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ وَجَعَلَ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: جَعَلَ لَهُ خَمْسَةَ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ. وَهَذَا الْمَقْتُولُ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ مَا أَعْطَاهُ كَانَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا مَحَالَةَ.

стр. 144

- قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ لَهُ، لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْقَاتِلُ مِنْ وَجْهٍ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِمَا وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 145

[بَابُ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَذَبَائِحِهِمْ وَطَعَامِهِمْ] ١٤٤ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْكَلَ وَيُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ لِتُغْسَلْ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا. لِأَنَّ الْأَوَانِيَ لَا يَلْحَقُهَا نَجَاسَةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُهَا النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَذَلِكَ يَزُولُ بِالْغَسْلِ، فَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوَانِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُنْعِمُونَ غَسْلَ الْأَوَانِي. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعِيدَ الْغَسْلَ، وَلَا يُؤْتَمَنُ الْمُشْرِكُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَخَذَ بِالظَّاهِرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَوَانِي الطَّهَارَةُ. وَلَكِنَّ الْغَسْلَ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا نَأْتِي أَرْضَ الْمُشْرِكِينَ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا» وَبَاقِي الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ. وَسُئِلَ الْحَسَنُ ﵀ عَنْ آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَصِحَافِهِمْ وَبُرَمِهِمْ هَلْ يُطْبَخُ فِيهَا وَيُؤْتَدَمُ فِيهَا؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: انْقِهَا غَسْلًا ثُمَّ اُطْبُخْ فِيهَا وَائْتَدِمْ. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ﵀ أَنَّ (٤٤ آ) أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَظْهَرُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَيَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ وَيَشْرَبُونَ.

стр. 146

وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّهُ أُتِيَ بِبَاطِيَةٍ قَدْ شُرِبَ فِيهَا خَمْرٌ، فَأَمَرَ بِهَا فَغُسِلَتْ، ثُمَّ شَرِبَ فِيهَا، فَهَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا. - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ مِنْ الذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ كُلِّهِ إلَّا الذَّبِيحَةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» . وَهَذَا لِأَنَّ الْمَجُوسَ يَدَّعُونَ إلَهَيْنِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ تَسْمِيَةُ اللَّهِ عَلَى الْخُلُوصِ، وَهُوَ شَرْطُ حِلُّ الذَّبِيحَةِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُظْهِرُونَ التَّوْحِيدَ وَإِنْ كَانُوا يُضْمِرُونَ فِي ذَلِكَ شِرْكًا. . ١٤٦ - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ إلَّا الذَّبِيحَةَ. وَعَنْ سُوَيْد غُلَامِ سَلْمَانَ قَالَ: أَتَيْت سَلْمَانَ ﵁ يَوْمَ هَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ بِسَلَّةٍ وُجِدَ فِيهَا خُبْزٌ وَجُبْنٌ وَسِكِّينٌ. فَجَعَلَ يَطْرَحُ

стр. 147

لِأَصْحَابِهِ مِنْ الْخُبْزِ وَيَقْطَعُ لَهُمْ مِنْ الْجُبْنِ فَيَأْكُلُونَ، وَهُمْ مَجُوسٌ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِطَعَامِهِمْ مَا خَلَا الذَّبِيحَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْغَانِمِينَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. . ١٤٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَوَارِيزِ الْمَجُوسِ وَكَوَامِخِهِمْ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الذَّبِيحَةِ، وَهُمْ فِي إصْلَاحِ الْأَطْعِمَةِ فِيمَا سِوَى الذَّبِيحَةِ كَالْمُسْلِمِينَ. . ١٤٨ - وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ الْأَكْلِ مَعَ مَجُوسِيٍّ وَهُوَ يُزَمْزِمُ فَقَالَ: كُلْ مِنْ طَعَامِ الْمَجُوسِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سَأَلَهُ السَّائِلُ. وَهَذَا لِلْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْمَجُوسَ مِنْ الزَّمْزَمَةِ إذَا أَكَلُوا. وَلَكِنَّهُ أَثَرٌ شَاذٌّ. وَلِأَجْلِ عَقْدَ الذِّمَّةِ نَتْرُكُهُمْ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شُرْبِ الْخُمُورِ وَتَنَاوُلِ الْخَنَازِيرِ. فَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّعْبِيُّ لِهَذَا الْجَانِبِ، وَأَفْتَى لَهُ بِتَنَاوُلِ طَعَامِ الْمَجُوسِ، يَعْنِي مَا خَلَا الذَّبِيحَةَ.

стр. 148

١٤٩ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ أَصْحَابُنَا السَّوَادَ أَكَلُوا مِنْ خُبْزِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ ظَفِرُوا بِمَطْبَخِ كِسْرَى، وَقَدْ أَدْرَكَتْ الْقُدُورُ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ صِبْغٌ، فَجَعَلُوا يُلَطِّخُونَ لِحْيَتِهِمْ بِذَلِكَ. فَقِيلَ: إنَّهُ مَأْكُولٌ. فَأَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أُتْخِمُوا. وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قُدُورَهُ كَانَتْ لَا تَخْلُو عَنْ اللَّحْمِ، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِالْأَحْكَامِ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِ أَمْثَالِهِمْ عَلَى الْجَوَازِ. . ١٥٠ - ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا وَكَرِهَ تَزْوِيجَ نِسَائِهِمْ وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَبْقَى لَهُ نَسْلٌ (٤٤ ب) فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا عِنْدَهُ فَلَا. ١٥١ - وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ. فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ لَا يُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ وَلَا يُنْكَحَ لَهُمْ امْرَأَةٌ» .

стр. 149

فَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِتَخْصِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَجُوسَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِنِكَاحِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَإِنَّهُ بَنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ. وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. . ١٥٢ - ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْمَجُوسِيَّةَ بِالنِّكَاحِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ. لِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءَ يُبْتَنَى عَلَى مِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمَجُوسِيَّةِ بِسَبَبِ مِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ. فَأَمَّا الصَّابِئُونَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فَيَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَةِ نِسَائِهِمْ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي أَنْ الصَّابِئِينَ مِنْهُمْ. فَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُظْهِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَعْتَقِدُونَ فِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ آلِهَةٌ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَجِيزُونَ إظْهَارَ مَا يَعْتَقِدُونَ قَطُّ، بِمَنْزِلَةِ الْبَاطِنِيَّةِ. فَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ، وَهُمَا بَنَيَا عَلَى مَا يُضْمِرُونَ. وَعَلَى ذَلِكَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ أَوْ شَرٌّ مِنْهُمْ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 150

[بَابُ الْإِسْلَامِ] - ذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنَى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» . قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَاتِلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ قَوْمٌ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ. فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى إسْلَامِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا أَقَرَّ بِخِلَافِ مَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ اعْتِقَادِهِ، لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الِاعْتِقَادِ لَنَا، فَنَسْتَدِلُّ بِمَا نَسْمَعُ مِنْ إقْرَارِهِ عَلَى اعْتِقَادِهِ. فَإِذَا أَقَرَّ بِخِلَافِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ اعْتِقَادِهِ اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ بَدَّلَ اعْتِقَادَهُ. وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ، وَلَكِنْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿َإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] . وَقَالَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] .

стр. 151

فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَدْ أَقَرَّ بِمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِاعْتِقَادِهِ (٤٥ آ) فَلِهَذَا جُعِلَ ذَلِكَ دَلِيلَ إيمَانِهِ فَقَالَ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . . ١٥٤ - وَعَلَى هَذَا الْمَانَوِيَّةُ وَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي إلَهَيْنِ، إذَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَذَلِكَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ. فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى هُمْ يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ دَلِيلَ إسْلَامِهِمْ. وَهُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِرِسَالَتِهِ. فَكَانَ دَلِيلُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. عَلَى مَا رُوِيَ [عَنْهُ] «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى جَارِهِ الْيَهُودِيِّ يَعُودُهُ فَقَالَ: اشْهَدْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَنَظَرَ الرَّجُلُ إلَى أَبِيهِ فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَشَهِدَ بِذَلِكَ وَمَاتَ، فَقَالَ ﷺ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْتَقَ بِي نَسَمَةً مِنْ النَّارِ: ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لُوا أَخَاكُمْ» . ١٥٥ - قَالَ: فَأَمَّا الْيَوْمَ بِبِلَادِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَسُولٌ إلَى الْعَرَبِ، لَا إلَى بَنِي إسْرَائِيل. وَيَتَمَسَّكُونَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي

стр. 152

بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] . فَمَنْ يُقِرُّ مِنْهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ مَعَ ذَلِكَ، أَوْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ. حَتَّى إذَا قَالَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ: أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ أَسْلَمْت لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ. لِأَنَّهُمْ لَا يَدَّعُونَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْمُسْلِمَ هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ لِلْحَقِّ الْمُنْقَادُ لَهُ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَقَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُونُ مُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظِ فِي حَقِّهِمْ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ مَعَ ذَلِكَ. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بَرِئْت مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مَعَ ذَلِكَ: دَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَبْرَأَ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَدَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ. فَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: وَدَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إذَا قَالَ: دَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولٍ حَادِثٍ مِنْهُ فِي السَّلَامِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَتَضَمُّنُ هَذَا اللَّفْظُ التَّبَرِّي مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ الْمَجُوسِيُّ: أَسْلَمْت، أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ. لِأَنَّهُمْ لَا يَدَّعُونَ هَذَا الْوَصْفَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَعُدُّونَهُ شَتِيمَةً بَيْنَهُمْ يَشْتُمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِهِ وَلَدُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ. . ١٥٦ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدِمَتْ سَفِينَةٌ مِنْ الْهِنْدِ فَاشْتَرَيْت مِنْهَا عِلْجَةً مَسْبِيَّةً فَجِئْت بِهَا إلَى

стр. 153

مَنْزِلِي فَمَاتَتْ، أَفَأَنْبِذُهَا أَمْ أَغْسِلُهَا وَأُصَلِّي عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لَا بَلْ اغْسِلْهَا ثُمَّ كَفِّنْهَا، ثُمَّ صَلِّ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ. وَتَأْوِيلُهُ فِي الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهَا إذَا سُبِيَتْ وَلَيْسَ مَعَهَا وَاحِدٌ مِنْ أَبَوَيْهَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهَا تَبَعًا لِدَارِ الْإِسْلَامِ إذَا دَخَلَتْ فِيهَا. فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي قَدْ عَقَلَتْ الْكُفْرَ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهَا، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا إذَا مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصِفَ الْإِسْلَامَ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ (٤٥ ب) مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِأَجْلِ إيمَانِهِ. وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهَا مَا سِوَى الصَّلَاةِ مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الْمَوْتَى مِنْ بَنِي آدَمَ. أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: إنَّ عَمَّك الضَّالَّ قَدْ تُوُفِّيَ. فَقَالَ: اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ وَكَفِّنْهُ وَوَارِهِ» . . ١٥٧ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: مَاتَتْ أُمِّي وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، أَأَتْبَعُ جِنَازَتَهَا؟ قَالَ: اتْبَعْ جِنَازَتَهَا وَادْفِنْهَا وَلَا تُصَلِّ عَلَيْهَا. وَبِهِ نَقُولُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ كَافِرٌ يَقُومُ بِدَفْنِهَا. فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ وَلَا يَتْرُكُهَا جَزْرًا لِلسِّبَاعِ. فَقَدْ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إلَى وَالِدَيْهِ، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكِينَ، وَبِالْمُصَاحَبَةِ مَعَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 154

﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ وَالْمَعْرُوفِ أَنْ يَتْرُكَهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ جَزْرًا لِلسِّبَاعِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ مِنْ أَقَارِبِهِمَا الْمُشْرِكِينَ فَالْأَوْلَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ لَهُمْ. وَلَكِنْ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ إنْ شَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ مَاتَتْ أُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً، فَتَبِعَ جِنَازَتَهَا فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمْشِيَ نَاحِيَةً مِنْهُمْ، وَلَا يُخَالِطُهُمْ فَيَكُونُ مُكَثِّرًا سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ يَمْشِيَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ لِيَكُونَ مُعْتَزِلًا عَنْهُمْ. ١٥٨ - وَذَكَرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵀ فِي الصَّبِيِّ إذَا أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ. قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَبِهِ نَقُولُ، فَإِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ تَمَّ إسْلَامُهُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ لَا مِنْ نَفْسِ الْإِسْلَامِ. وَعَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْت الشَّعْبِيَّ عَنْ الصَّبِيِّ مَتَى يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ قَالَ: إذَا صَلَّى فَصَلُّوا عَلَيْهِ. وَتَأْوِيلُ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَنَا، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ

стр. 155

لَا يُصَلُّونَ بِالْجَمَاعَةِ عَلَى هَيْئَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِظْهَارِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِعْلًا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ إظْهَارِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ قَوْلًا، فَيَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا، حَتَّى إذَا رَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ إنْ كَانَ رَجُلًا. وَأَمَّا إذَا صَلَّى وَحْدَهُ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ رَوَاهَا دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا صَلَّى إلَى قِبْلَةِ الْمُسْلِمِينَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا» . فَأَمَّا إذَا صَامَ أَوْ أَدَّى الزَّكَاةَ أَوْ حَجَّ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ رَشِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: إذَا حَجَّ الْبَيْتَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ فِعْلٌ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إسْلَامِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 156

[بَابُ الْجِهَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ] ٣٢ - بَابُ الْجِهَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ (٤٦ آ) : حَدِيثٌ كُنْت أَكْتُمْكُمُوهُ، لَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ، أَيْ لَوْلَا مَا أَخَافُ مِنْ وَعِيدِ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، عَلَى مَا قَالَ ﷺ : «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عِنْدَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُكَفِّرُوا أَهْلَ مِلَّتِكُمْ وَإِنْ عَمِلُوا الْكَبَائِرَ، الصَّلَاةَ مَعَ كُلِّ إمَامٍ، الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ، الْجِهَادَ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ» . وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفَّرُ بِارْتِكَابِهِ الْكَبَائِرَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] . وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبَائِرَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ دَعَاهُمْ اللَّهُ إلَى التَّوْبَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى مَالِكٍ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالْفَاسِقِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " مَعَ كُلِّ إمَامٍ "، أَيْ فَاسِقًا كَانَ أَوْ عَدْلًا. كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» .

стр. 157

وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ، أَيْ فَاسِقًا كَانَ أَوْ عَدْلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا غَيْرَ بَاغٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " الْجِهَادَ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ "، أَيْ عَادِلًا كَانَ أَوْ جَائِرًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْجِهَادِ مَعَهُ، وَبِجَوْرِ الْأَمِيرِ لَا يَنْقَطِعُ طَمَعُ الْغُزَاةِ فِي النُّصْرَةِ. جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» . قَالَ مَكْحُولٌ: وَخَصْلَتَانِ مِنْ رَأْيِي لَمْ أَسْمَعْ فِيهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لَا تَذْكُرُوهُمَا إلَّا بِخَيْرٍ. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] . وَالْحَدِيثُ فِي الْكَفِّ عَنْ الصَّحَابَةِ إلَّا بِخَيْرٍ، مَشْهُورٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ ﷺ : «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي» . وَخَصَّ مَكْحُولٌ الْخَتَنَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهِمَا مَا يَكْرَهُهُ، فَلِهَذَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ فِي وَصِيَّتِهِ. ثُمَّ سَمَّى عَلِيًّا أَوَّلًا، وَهَكَذَا فِيمَا رَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: سَأَلْته عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالَ: أَنْ تُفَضِّلَ

стр. 158

أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتُحِبَّ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ، وَتَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَا تُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَلَا تَنْطِقَ فِي اللَّهِ بِشَيْءٍ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: قَبْلَ الْخِلَافَةِ كَانَ عَلِيٌّ مُقَدَّمًا عَلَى عُثْمَانَ، وَبَعْدَ الْخِلَافَةِ عُثْمَانُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ، فَأَمَّا الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا -، قَبْلَ الْخِلَافَةِ وَبَعْدَهَا. كَمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتِي بَعْدِي فِي أُمَّتِي، وَعُمَرُ حَبِيبِي، وَعُثْمَانُ مِنِّي، وَعَلِيٌّ أَخِي وَصَاحِبُ لِوَائِي» . فَنُفَضِّلُهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَلَمْ يُرِدْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ (٤٦ ب) بِمَا ذَكَرَ تَقْدِيمَ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ مَحَبَّتَهُمَا مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَالْوَاوُ عِنْدَهُ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَكْحُولٌ عَلِيًّا ﵁ أَوَّلًا لِأَنَّهُ كَانَ إمَامَ أَهْلِ الشَّامِ. وَأَهْلُ الشَّامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي عَلِيٍّ ﵁ فَلِهَذَا قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ حَتَّى يَزْجُرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ. ١٦٠ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ ﵄: مَا تَقُولُ فِي الْغَزْوِ، فَقَدْ صَنَعَ الْأُمَرَاءُ مَا قَدْ رَأَيْت. قَالَ: أَرَى أَنْ تَغْزُوَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك مِمَّا أَحْدَثُوا شَيْءٌ. يَعْنِي مَا أَحْدَثُوا مِمَّا تَكْرَهُهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وُلِّيَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ يَكُنْ خَيْرًا شَكَرْنَا، وَإِنْ يَكُنْ بَلَاءً صَبَرْنَا، ثُمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] . الْآيَةَ.

стр. 159

وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَالُوا: إذَا عَدَلَ السُّلْطَانُ فَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ، وَلِلسُّلْطَانِ الْأَجْرُ. وَإِذَا جَارَ فَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ، وَعَلَى السُّلْطَانِ الْوِزْرُ. فَهَذَا كُلُّهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الْجِهَادَ بِمَا يَصْنَعُهُ الْأُمَرَاءُ مِنْ الْجَوْرِ وَالْغُلُولِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَدْت ذَلِكَ فَاجْعَلْ طَرِيقَك عَلَيَّ. فَمَرَرْت بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَك فِي وَجْهِك هَذَا بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي. قُلْت: إذًا لَا أَقْبَلُ. إنِّي رَجُلٌ قَدْ وَسَّعَ اللَّه عَلَيَّ. قَالَ: إنَّ غِنَاك لَك. إنِّي أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الْوَجْهِ. فَانْطَلَقَ يَلْتَمِسُ الْقَرْضَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُقْرِضُهُ، فَقَالَ: أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْضِيَكُمْ؟ ثُمَّ كَتَبَ إلَى قَيِّمٍ لَهُ بِالشَّامِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ دَنَانِيرَ قَدْ سَمَّاهَا أَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى وَجْهِي. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْغَازِي، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الْمَالِ إذَا عَلِمَ أَنْ الْمُعْطِيَ يُعْطِيَهُ مِنْ حَلَالٍ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ فِي الْجِهَادِ بِالْمَالِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْمَنْعِ مِمَّا هُوَ طَاعَةٌ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ. قَالَ: فَانْطَلَقْت فَلَمْ أَزَلْ مُرَابِطًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ الْبَحْرِ سِنِينَ، ثُمَّ بَدَا لِبَعْضِ أُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُخَرِّبُ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ وَيُخْرِجُ أَهْلَهَا مِنْهَا. فَوَاَللَّهِ لِكَأَنَّمَا جِيءَ بِي سَبْيًا حَيْثُ رَجَعْت إلَى أَهْلِي.

стр. 160

وَإِنَّمَا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ ثَوَابِ الْمُرَابِطِينَ حِينَ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَأَسُّفُ الْمُؤْمِنِ عَلَى مَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ مِنْ الثَّوَابِ. . ١٦١ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْجِهَادُ بِجَوْرِ الْأُمَرَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ (٤٧ آ) إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ عِصَابَةٍ مِنْ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يَصُدُّهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ» . وَلِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَيْسٍ حَيْثُ قَالَ: قُلْت لِجَابِرٍ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ عَلَيَّ إمَامٌ جَائِرٌ أَأُقَاتِلُ مَعَهُ أَهْلَ الضَّلَالَةِ وَالشِّرْكِ؟ قَالَ: نَعَمْ ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] . وَلِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَصْلُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ أَنْ تُكَفِّرُوهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجُوهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ؛ وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُ عِصَابَةٍ مِنْ أُمَّتِي الدَّجَّالَ؛ وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا» . يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ حِين سَأَلَهُ جِبْرِيلُ ﵇: مَا الْإِيمَانُ؟ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ: وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄.

стр. 161

وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ ﵉. ثُمَّ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُمَا تَكَلَّمَا فِي الْقَدَرِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: الْحَسَنَاتُ مِنْ اللَّهِ وَالسَّيِّئَاتُ مِنَّا. وَقَالَ عُمَرُ: الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ كُلُّهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. فَاتَّبَعَ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ أَبَا بَكْرٍ وَطَائِفَةٌ عُمَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَأَقْضِي بَيْنَكُمَا بِمَا قَضَى بِهِ إسْرَافِيلُ بَيْنَ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ. فَإِنَّ جَبْرَائِيلَ قَالَ مِثْلَ مَا قُلْت يَا عُمَرُ، وَمِيكَائِيلُ قَالَ مِثْلَ مَا قُلْت يَا أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَا: إنَّا إذَا اخْتَلَفْنَا اخْتَلَفَ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ السَّمَاءِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأَرْضِ فَلْنَتَحَاكَمْ إلَى إسْرَافِيلَ. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقَدَرَ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا قَضَائِي بَيْنَكُمَا. يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى مَا خَلَقَ إبْلِيسَ» . فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ. وَلَا يَظُنُّ بِمِيكَائِيلَ وَأَبِي بَكْرٍ، بِمَا نَفَيَا تَقْدِيرَ الشَّرِّ مِنْ اللَّهِ، إلَّا خَيْرًا، لِأَنَّ طَالِبَ الصَّوَابِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ رَأْيُهُ جَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.

стр. 162

[بَابُ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْخُمُسُ وَالصَّدَقَةُ] ٣٣ - بَابُ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْخُمُسُ وَالصَّدَقَةُ وَذَكَرَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ الْعَامِلِ عَلَيْهَا، أَوْ الْغَارِمِ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ تَصَدَّقَ عَلَى هَذَا الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى إلَى الْغَنِيِّ» . وَأَخَذَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالُوا: تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلْغَازِي وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَلِلْغَارِمِ إذَا كَانَ غُرْمُهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا. وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا: إذَا كَانَ الْغَازِي غَنِيًّا فِي أَهْلِهِ وَلَيْسَ بِيَدِهِ مَالٌ حَيْثُ هُوَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّدَقَةِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ. وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ إذَا كَانَ مَالَهُ غَائِبًا عَنْهُ أَوْ دَيْنًا عَلَى ظُهُورِ الرِّجَالِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ، فَهُمَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ. فَأَمَّا مَنْ يَكُونُ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ وَذَلِكَ فَوْقَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ نِصَابٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» . وَأَمَّا الْعَامِلُ فَمَا يَأْخُذُهُ عِمَالَةً وَلَيْسَ بِصَدَقَةٍ فِي حَقِّهِ، فَغِنَاهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْفَقِيرِ إنَّمَا يَأْخُذُهُ مَبِيعًا عِوَضًا عَنْ مَالِهِ.

стр. 163

وَاَلَّذِي أَهْدَى إلَيْهِ الْمِسْكِينُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ هَدِيَّةً لَا صَدَقَةً، عَلَى مَا قَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ ﵂: «هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» . ١٦٣ - وَذَكَرَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ التَّهْلُكَةِ أَهُوَ الرَّجُلُ إذَا (٤٧ ب) مَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يُذْنِبُ ثُمَّ لَا يَتُوبُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . فَوَقَعَ عِنْدَ السَّائِلِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَعْدَاءِ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ. فَبَيَّنَ لَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ الْمُلْقِي نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ مَنْ يُذْنِبُ ثُمَّ لَا يَتُوبُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَهِنًا بِصَنِيعِهِ. فَأَمَّا مَنْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَهُوَ يَسْعَى فِي إعْزَازِ الدِّينِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي يَسْتَفِيدُ بِهَا الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ، كَيْفُ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ؟ . ١٦٤ - ثُمَّ بَيَّنَ الْمَذْهَبَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُحْمَلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَصْنَعُ شَيْئًا يَقْتُلُ أَوْ يَجْرَحُ أَوْ يَهْزِمُ. فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَدَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ لَمَّا الْتَقَى الصَّفَّانِ حَمَلَ فَقَاتَلَ

стр. 164

حَتَّى قُتِلَ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ؟ فَقَالَ: كَلًّا، وَلَكِنَّهُ تَأَوَّلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَمْلَتِهِ شَيْءٌ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى إعْزَازِ الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ فَقَطْ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَى قَوْمًا مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُنْكَرٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ بِنَهْيِهِ، وَأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لَهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ. وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ يَعْتَقِدُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُؤْثَرًا فِي بَاطِنِهِمْ. فَأَمَّا الْكُفَّارُ غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ لِمَا يَدْعُوهُمْ إلَيْهِ، فَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ حَمْلَتُهُ بِحَيْثُ تَنْكِي فِيهِمْ ظَاهِرًا فَإِذَا كَانَ لَا يَنْكِي لَا يَكُونُ مُفِيدًا فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 165

[بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ طَاعَةِ الْوَالِي وَمَا لَا يَجِبُ] ٣٤ - بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ طَاعَةِ الْوَالِي وَمَا لَا يَجِبُ ١٦٥ -[قَالَ:] وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ فَأَمَرَهُمْ أَمِيرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . وَالْمُرَادُ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَالْعُلَمَاءُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَإِنَّمَا تَجِبُ طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ لِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ. وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرُوهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَدْرُونَ أَيَنْتَفِعُونَ بِهِ أَمْ لَا، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الطَّاعَةِ ثَابِتَةٌ بِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ. وَمَا تَرَدَّدَ لَهُمْ مِنْ الرَّأْيِ فِي أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ مُنْتَفَعٌ أَوْ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ الْمَقْطُوعِ. . ١٦٦ - وَقَدْ تَكُونُ طَاعَةُ الْأَمِيرِ فِي الْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ خَيْرًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقِتَالِ. وَقَدْ يَكُونُ الظَّاهِرُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ (٤٨ آ) الْجُنْدُ يَدُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَمِيرِ، وَلَا يَرَى الصَّوَابَ فِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقِيقَةُ عَامَّةُ الْجُنْدِ. فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِمْ

стр. 166

الطَّاعَةُ مَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِأَمْرٍ يَخَافُونَ فِيهِ الْهَلَكَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ رَأْيِ جَمَاعَتِهِمْ، لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا طَاعَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا. فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُهُمْ فَأَجَّجَ نَارًا وَقَالَ: قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِي فَاقْتَحِمُوهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: نَدْخُلُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَدْخُلُهَا، فَإِنَّا أَسْلَمْنَا فِرَارًا مِنْ النَّارِ. فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، فَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ لَا فِي الْمُنْكَرِ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " مَا خَرَجُوا مِنْهَا "، أَيْ يُنْقَلُونَ مِنْهَا إلَى نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أَكْبَرُ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ. ١٦٧ - فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ لَوْ أَطَاعُوهُ هَلَكُوا، كَانَ أَمْرُهُ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ قَصْدًا مِنْهُ إهْلَاكَهُمْ وَاسْتِخْفَافًا بِهِمْ. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعَةَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] ١٦٨ - وَإِنْ كَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ مُخْتَلِفِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ الْهَلَكَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ النَّجَاةُ، فَلْيُطِيعُوا الْأَمِيرَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ، وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الطَّاعَةِ فَتْحُ لِسَانِ اللَّائِمَةِ عَلَيْهِمْ، وَفِي إظْهَارِ الطَّاعَةِ قَطْعُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ

стр. 167

١٦٩ - إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ هَلَكَةٌ، أَوْ أَمَرَهُمْ بِمَعْصِيَةٍ، فَحِينَئِذٍ لَا طَاعَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرُوا وَلَا يَخْرُجُوا عَلَى أَمِيرِهِمْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ قِيدَ شِبْرٍ ثُمَّ مَاتَ مَاتَ مِيتَةَ الْجَاهِلِيَّةِ» . . ١٧٠ - وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدًا إلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَقَاتَلَهُمْ بَعْدَ مَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْهُمْ، وَبَعْدَ مَا وَضَعُوا السِّلَاحَ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُسِرُوا، ثُمَّ قَالَ: لِيَقْتُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَسِيرَهُ، فَأَمَّا بَنُو سُلَيْمٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَخَلُّوا أَسْرَاهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا ﵁ فَوَدَى لَهُمْ مَا أَصَابَهُ خَالِدٌ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ. وَقَدْ مَدَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَةِ سَبِيلِ الْأَسْرَى» .

стр. 168

فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِلْأَمِيرِ عَلَى جُنْدِهِ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ، وَلَا فِيمَا كَانَ وَجْهُ الْخَطَأِ فِيهِ بَيِّنًا. فَأَمَّا فِيمَا سِوَى (٤٨ ب) ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ لِئَلَّا يَفْشَلُوا وَلَا يَتَنَازَعُوا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] . - قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَى الْجُنْدِ الْعَاقِلَ الْفَاضِلَ، الْعَالِمَ بِالْحَرْبِ، الرَّفِيقَ. قَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ. نَقُولُ: مَنْ يَكُونُ هَكَذَا فَهُوَ مَوْضِعٌ لِلْإِمَارَةِ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ مَوْلًى أَوْ غَيْرَهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ » . وَفِيهِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِكُلِّ مَنْ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ مَا لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِالْمُنْكَرِ، فَفِي الْمُنْكَرِ لَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» . - قَالَ: وَإِذَا نَادَى الْأَمِيرُ أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي الْمَيْمَنَةِ، وَفُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَفُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَفُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي السَّاقَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَمَرَهُ بِالْكَوْنِ فِيهِ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ التَّدْبِيرِ الْحَسَنِ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ بِالطَّاعَةِ. ١٧٣ - فَإِنْ عَصَاهُ عَاصٍ فَلْيَتَقَدَّمْ إلَيْهِ الْأَمِيرُ

стр. 169

يَعْنِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ عَثْرَةٌ مِنْهُ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» ، وَلَكِنْ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ وَإِلَى الْجُنْدِ جَمِيعًا أَنَّهُ يُؤَدِّبُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إنْذَارًا مِنْهُ. قَالَ ﷺ : «قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ» . وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] ، فَإِنْ عَصَاهُ عَاصٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَمَا أَحْسَنَ أَدَبَهُ فِي ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ فِطَامًا لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ عَنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ لِمُخَالِفَةِ أَمْرِهِ، فَإِنَّ امْتِنَاعَ النَّاسِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِمَخَافَةِ الْعُقُوبَةِ أَكْثَرُ مِنْ امْتِنَاعِهِمْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَبِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ، «إنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ فَوْقَ مَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ» . . ١٧٤ - وَإِنْ ادَّعَى عُذْرًا يُعْتَذَرُ بِهِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمِلٍ لِلصِّدْقِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ إذْ لَيْسَ هَا هُنَا خَصْمٌ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ. وَإِنَّمَا لَا يُجْعَلُ الْيَمِينُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي فِي الْخُصُومَاتِ، لِأَنَّ الْخَصْمَ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ. وَالشَّرْعُ جَعَلَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ دُونَ الْمُدَّعِي. - وَإِذَا نَادَى مُنَادٍ الْأَمِيرِ أَنَّ السَّاقَةَ غَدًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَلَا يَتَخَلَّفَن رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَلَا مِنْ الْمُطَوَّعَةِ. لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا رَعِيَّتُهُ حِينَ خَرَجُوا لِلْجِهَادِ تَحْتَ رَايَتِهِ، فَعَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا نَادَى بِهَذَا يُرِيدُ بِهِ أَهْلَ الدِّيوَانِ خَاصَّةً، فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ.

стр. 170

وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ دِيوَانُهُ مَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَهُوَ مَعَ أَهْلِ دِيوَانِهِ وَلَيْسَ مَعَ أَهْلِ بَلَدِهِ. لِأَنَّ أَمْرَهُ رَاجِعٌ إلَى الْجِهَادِ، وَفِي الْجِهَادِ إنَّمَا يَجْمَعُهُمْ الدِّيوَانُ لَا الْبَلْدَةُ وَلِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَنْضَمَّ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فِي التَّنَاصُرِ، وَتَنَاصَرُ أَهْلُ الدِّيوَانِ بِالدِّيوَانِ (٤٩ آ) وَلِهَذَا يَتَعَاقَلُونَ بِهِ. ١٧٦ - وَلَوْ نَادَى الْمُنَادِي: السَّاقَةُ غَدًا عَلَى أَصْحَابِ الْخَيْلِ، فَهُوَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا. وَيَنْبَغِي لِأَصْحَابِ الْبَرَاذِينِ أَنْ يَكُونُوا مَعَ أَصْحَابِ الْعِرَابِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّهَا مِنْ الْخَيْلِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وَلَمَّا سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ قَالَ: أَوَ فِي الْخَيْلِ صَدَقَةٌ؟ فَأَصْحَابُ الْبَرَاذِينِ فِي ذَلِكَ مَعَ أَصْحَابِ الْعِرَابِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا نَادَوْا بِذَلِكَ يُرِيدُونَ أَصْحَابَ الْعِرَابِ خَاصَّةً، لِأَنَّهَا أَسْرَعُ فِي الطَّلَبِ وَالْحَرْبِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَرَادَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ. ١٧٧ - وَإِنْ قَالَ: الْمَيْمَنَةُ غَدًا عَلَى أَهْلِ الْمِصِّيصَةِ، فَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلُ الْكُوفَةِ سَكَنَ الْمِصِّيصَةَ فَإِنْ كَانَ اتَّخَذَهَا مَنْزِلًا، فَهُوَ مِنْ الْمِصِّيصَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا» .

стр. 171

وَلِأَنَّ مَنْ يَكُونُ سَاكِنًا فِي بِلِدَةٍ مُقِيمًا بِهَا يُعَدُّ فِي النَّاسِ مِنْ أَهْلِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا عَدَدْنَا فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ ذَكَرْنَا فِي جُمْلَتِهِمْ النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبَا حَنِيفَةَ ﵃، وَهُمْ مَا كَانُوا مِنْ الْكُوفَةِ فِي الْأَصْلِ وَلَكِنَّهُمْ سَكَنُوهَا. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَّخِذْ الْمِصِّيصَةَ مَسْكَنًا فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا النِّدَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ دِيوَانُهُ مَعَ أَهْلِ الْمِصِّيصَةِ فَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُهُ النِّدَاءُ بِاعْتِبَارِ انْضِمَامِهِ إلَى أَهْلِ الْمِصِّيصَةِ فِي الدِّيوَان. - فَإِنْ كَانَ شَدَّ الْعَدُوُّ إلَى السَّاقَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِينَهُمْ أَهْلُ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ إذَا خَافُوا عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُمْ تَوَاعَدُوا النُّصْرَةَ حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ لَا يُعِينُ غَيْرَهُ لَا يُعِينُهُ غَيْرُهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ. وَفِي تَرْكِ التَّعَاوُنِ ظُهُورُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ. فَإِذَا ظَهَرَ الْعَدُوِّ عَلَى السَّاقَةِ يَقْصِدُونَ أَهْلَ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالدَّفْعِ عَنْ إخْوَانِهِمْ ١٧٩ - قَالَ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُخِلُّ بِمَرَاكِزِهِمْ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا. لِأَنَّ الْإِمَامَ فَوَّضَ إلَيْهِمْ حِفْظَ ذَلِكَ عَيْنًا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَضْيِيعُ ذَلِكَ وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ مَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى غَيْرِهِمْ.

стр. 172

- وَإِنْ أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ مَرَاكِزِهِمْ وَنَهَى عَنْ أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ، وَإِنْ أَمِنُوا مِنْ نَاحِيَتِهِمْ وَخَافُوا عَلَى غَيْرِهِمْ. لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَمَا يَخَافُونَهُ مَوْهُومٌ، عَلَى مَا قِيلَ: أَكْثَرُ مَا يُخَافُ لَا يَكُونُ. ١٨١ - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يَقُومُوا بِمَوْضِعٍ وَلَا يَبْرَحُوا مِنْ مَرَاكِزِهِمْ، فَلَمَّا نَظَّرُوا إلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ انْهَزَمُوا، ذَهَبُوا يَطْلُبُونَ الْغَنِيمَةَ. فَكَانَتْ هَزِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي نَاحِيَتِهِمْ» . كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ، وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] . - قَالَ وَإِنْ خَرَجَ عِلْجٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو إلَى الْبِرَازِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ مِنْ الْإِمَامِ (٤٩ ب) فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ فِي الْمُبَارِزَةِ كَصَرِيحِ الْإِذْنِ، وَتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ كَانَ لِلْقِتَالِ فَذَلِكَ دَلَالَةُ الْإِذْنِ فِي الْمُبَارِزَةِ مَا لَمْ يَنْهَهُمْ، فَإِنْ نَهَاهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا.

стр. 173

لِأَنَّ الدَّلَالَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا، كَمُقَدِّمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْغَيْرِ إذَا نَهَاهُ عَنْ الْأَكْلِ. وَقَدْ رَوَيْنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْقِتَالِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ خَيْبَرَ فَقَاتَلَ رَجُلٌ فَقُتِلَ، فَقَالَ ﷺ : لَا تَحِلُّ الْجَنَّةُ لِعَاصٍ» . ١٨٣ - وَكَذَلِكَ إنْ نَهَى إنْسَانًا بِعَيْنِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِاحْتِمَالِ النَّظَرِ فِي نَهْيِ الْإِمَامِ لَهُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ غَيْرُهُ لِبَقَاءِ دَلِيلِ الْإِذْنِ فِي حَقِّهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ يَدْعُونَ إلَى الْبِرَازِ. فَخَرَجَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ فَتَيَانِ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْتَسَبُوا، فَقَالُوا: أَنْتُمْ أَبْنَاءُ قَوْمٍ كِرَامٍ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَرْجِعُوا إلَى مُحَمَّدٍ وَقُولُوا لَهُ: أَخْرِجْ إلَيْنَا أَكْفَاءَنَا» . هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ قَبْلَ نَهْيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ ﵀ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: ١٨٤ - فَقَالَ: «فَرَدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجُوا

стр. 174

وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْقِتَالِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَمَرَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ» . وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] . ١٨٥ - فَإِذَا تَبَارَزَ الْمُسْلِمُ وَالْمُشْرِكُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِينَ الْمُسْلِمُونَ صَاحِبَهُمْ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ قَاصِدٌ إلَى قَتْلِهِمْ كَمَا هُوَ قَاصِدٌ إلَى قَتْلِ صَاحِبِهِمْ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ. فَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا شَرَّهُ، لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا إلَيْهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ لِكَوْنِهِ مُشْرِكًا مُحَارِبًا. وَفِي قِصَّةِ الْمُبَارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ذُكِرَ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَتَلَ الْوَلِيدَ، وَحَمْزَةَ قَتَلَ عُتْبَةَ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ ضَرْبَتَيْنِ، فَأَعَانَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ ﵄ عُبَيْدَةَ عَلَى شَيْبَةَ حَتَّى قَتَلَاهُ» فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ الْجَمَاعَةُ الْمُمْتَنِعَةُ إلَى الْعَلَّافَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي فَيَتَعَلَّفُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهِ.

стр. 175

لِوُجُودِ دَلَالَةِ الْإِذْنِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ جَرَّهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْعَلَفِ، وَأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ اسْتِصْحَابُ الْعَلَفِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِدُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَشْتَرُونَهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِيمَا فِيهِ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْعَدُوِّ. وَفِي أَخْذِ الْعُلُوفَةِ مِنْهُمْ تَحْقِيقُ هَذَا الْمَعْنَى، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَنَعَةٍ. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إلَّا بِحَيْثُ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. لِأَنَّهُمْ إذَا تَفَرَّقُوا وَبَعُدَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ (٥٠ آ) كَانَ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَقْتُلُوهُ. ١٨٧ - كَمَا لَا يَحِلُّ لِلْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى أَنْ يَخْرُجَ ابْتِدَاءً خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَسْكَرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ. فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا إلَّا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. ١٨٨ - وَإِنْ نَادَى مُنَادِي الْأَمِيرِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْعَلَّافَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ مَنَعَةٍ وَلَا لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ تَنْعَدِمُ بِصَرِيحِ النَّهْيِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ النَّظَرُ فِي هَذَا النَّهْيِ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ لِذَلِكَ قَوْمًا.

стр. 176

١٨٩ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لِتَتَّفِقَ كَلِمَتُهُمْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ إنْ اُبْتُلُوا بِذَلِكَ. ١٩٠ - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجُوا مُتَفَرِّقِينَ قَبْلَ نَهْيِ الْإِمَامِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا ثُمَّ يُقَاتِلُوا حَتَّى يَلْتَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْجَيْشِ إلَى ذَلِكَ مَاسَةٌ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لَهُمْ. فَإِنَّمَا يَتِمُّ النَّظَرُ مِنْهُ إذَا بَعَثَ لِذَلِكَ قَوْمًا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا: «هَلْ أَمَّرْتُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ: أَلَا قَدْ رَشَدْتُمَا» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسَافِرِينَ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَمَا ظَنَّكَ فِي الْمُحَارَبِينَ؟ . ١٩١ - وَبَعْدَ مَا نَهَى الْوَالِي النَّاسَ عَنْ الْخُرُوجِ إذَا أَصَابَهُمْ ضَرُورَةٌ مِنْ الْعَلَفِ، وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ عَلَى ظُهُورِهِمْ وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَشْتَرُونَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا فِي طَلَبِ الْعَلَفِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى عَنْ مُوجَبِ الْأَمْرِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]

стр. 177

١٩٢ - وَإِنْ قَالَ الْوَالِي: لَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ إلَى الْعَلَفِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُرَاعُوا شَرْطَهُ، فَيَخْرُجُوا تَحْتَ لِوَائِهِ فَإِذَا أَتَوْا الْقُرَى فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا فِيهَا لِطَلَبِ الْعَلَفِ عَلَى وَجْهٍ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ، فَإِذَا أَتَاهُمْ الْعَدُوُّ فَلْيَنْضَمُّوا إلَى صَاحِبِ اللِّوَاءِ حَتَّى يُقَاتِلُوا تَحْتَ لِوَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ اللِّوَاءِ بِحَضْرَتِهِمْ فَلْيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّزُوا عَنْ إلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ بِأَقْصَى مَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . ١٩٣ - وَلَا يَنْبَغِي بَعْدَ مَا خَرَجُوا أَنْ يُفَارِقُوا صَاحِبَ اللِّوَاءِ، إلَّا حَيْثُ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُغِيثَهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يَخْرُجُوا إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ " لَيْسَ الْخُرُوجُ فَقَطْ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ: كُونُوا تَحْتَ لِوَائِهِ إلَى أَنْ تَرْجِعُوا. وَمَنْ يُرَاعِ أَمْرَهُ فِي شَيْءٍ يُرَاعِ صِفَةَ أَمْرِهِ. ١٩٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مُنَادِي الْأَمِيرِ: مَنْ أَرَادَ الْعَلَفَ فَلْيَخْرُجْ تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ نَهْيٌ وَلَا أَمْرٌ غَيْرُ هَذَا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ. وَقَدْ (٥٠ ب) بَيَّنَّا أَنَّهُ بَنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَظَاهِرُ

стр. 178

الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَلَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَقْصُودَ الَّذِي يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ الْغُزَاةَ فِي الْعَامِ الْغَالِبِ لَا يَقِفُونَ عَلَى حَقَائِقِ الْعُلُومِ وَأَنَّ أَمِيرَهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ إنَّمَا يَقْصِدُ نَهْيَ النَّاسِ عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَجَعَلَ النَّهْيَ الْمَعْلُومَ بِدَلَالَةِ كَلَامِهِ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَتَمَامُ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأُصُولِ. - قَالَ: وَلَا أُحِبُّ إذَا انْتَهَوْا إلَى الْقُرَى أَنْ يَدْخُلَ الْقَرْيَةَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، لَعَلَّ فِيهَا قَوْمًا مُخْتَفِينَ فَيَقْتُلُونَهُ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ عَدَدٌ الْقَرْيَةَ مُتَأَهِّبِينَ لِلْقِتَالِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَحَدٌ أَعْلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] . ١٩٦ - وَإِنْ نَهَى الْأَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْطَعُوا الشَّجَرَ أَوْ يَهْدِمُوا الْأَبْنِيَةَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا النَّهْيِ احْتِمَالَ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْمَنْعُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ. وَلَوْ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِتَالِ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْصُوهُ مَا لَمْ يَأْتِ ضَرُورَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ، فَكَذَلِكَ إذَا نَهَاهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ.

стр. 179

- وَلَوْ عَقَدَ الْأَمِيرُ لِوَاءَ الرَّجُلِ وَقَالَ: لَا يَخْرُجَنَّ مَعَهُ إلَّا ثَلَاثُ مِائَةٍ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَلَا يَخْرُجُ إلَّا الْعَدَدُ الَّذِي قَالَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُقَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، فَيَكُونُ هَذَا تَصْرِيحًا بِالنَّهْيِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَنْ الْعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى. ١٩٨ - وَلَوْ صَرَّحَ لَهُمْ بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ عِصْيَانُهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا:. ١٩٩ - فَإِنْ خَرَجُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يُحْرَمُوا الْغَنِيمَةَ مَعَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَسَاءُوا، لِأَنَّهُمْ مُجَاهِدُونَ قَاصِدُونَ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ الدِّينِ. فَمُخَالَفَتُهُمْ أَمْرَ الْأَمِيرِ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ مُخَالِفَتِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَهَذَا لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا غُزَاةً، كَيْفَ وَهَذَا النَّهْيُ بِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَا نَهَاهُمْ عَنْ الْخُرُوجِ لِعَيْنِ الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ أَوْ الِاغْتِنَامِ، وَلَكِنْ لِلْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ. ٢٠٠ - فَإِنْ كَانَ قَدْ نَفَلَهُمْ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسِ فَخَرَجُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثُ مِائَةٍ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ قَوْمًا مُسَمِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ مَيَّزَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ، فَأَعْطَى أُولَئِكَ مِنْهَا نَفْلَهُمْ. هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ غَلَطٌ. وَلَكِنَّ الصَّوَابَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهُ يَعْزِلُ الْخُمْسَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، ثُمَّ يُعْطِيهِمْ مِنْ رُبْعِ

стр. 180

مَا بَقِيَ نَفْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا شَرَطَ لَهُمْ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسِ. وَمُرَادُهُ مِمَّا يُصِيبُونَ، وَمُصَابُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ. ٢٠١ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: يُقَسَّمُ مَا جَاءُوا بِهِ (٥١ آ) بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى مَا أَصَابَ الثَّلَاثُ مِائَةٍ فَيُخْرِجُ الْخُمْسَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْطِيهِمْ نَفْلَهُمْ مِمَّا بَقِيَ. وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ فَارِسًا وَبَعْضُهُمْ رَاجِلًا. وَهَا هُنَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا كَانُوا فُرْسَانًا كُلُّهُمْ أَوْ رَجَّالَةً كُلُّهُمْ، فَلِهَذَا مَيَّزَ لَهُمْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ؛ لِيُعْطِيَ مِنْهَا نَفْلَهُمْ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُرْفَعُ الْخُمْسُ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ فَيُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ نَفْلَهُمْ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَرَّرَ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَجَابَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِجَوَابٍ آخَرَ، فَنَذْكُرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا هُوَ صَوَابٌ مِنْ الْجَوَابِ وَمَا هُوَ غَلَطٌ إذَا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلَى الرُّبْعِ الْبَاقِي فَعَزَلَ خَمْسُهُ ثُمَّ جَمَعَ مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مَعَ غَنَائِمِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ يُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَذْكُرُ:
следующие страницы →