← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ سَبْقِ يَدِهِ إنَّمَا صَارَ أَحَقَّ بِهِ لِحَاجَتِهِ. وَلَوْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ فَأَرَادَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ مَنْ اخْتَارَهُ كَحَاجَتِهِ - وَعِنْدَ قِيَامِ حَاجَتِهِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ حَاجَةِ مَنْ اخْتَارَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ فِي مُجَاوَرَةِ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ الْبَعْضِ، وَيَعُدُّ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ كَانَ يَسْبِقُ النَّاسَ إلَى الْمَنَازِلِ، فَيَجْعَلُ عَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَامَةً فَإِذَا جَاءَ أَصْحَابُهُ أَعْطَاهُمْ تِلْكَ الْمَنَازِلَ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا. وَلَوْ بَدَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَنَزَلَ فَأَرَادَ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَهُوَ عَنْهُ غَنِيٌّ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْهُ وَيُنْزِلَهُ مُحْتَاجًا آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّأْيَ كَانَ لَهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا يَدٌ أُخْرَى هِيَ مُحِقَّةٌ بِاعْتِبَارِ حَاجَةِ صَاحِبِهَا، فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا كُنْت أَخَذْته لِهَذَا الْآخَرِ بِأَمْرِهِ، لَا لِنَفْسِي اسْتَحْلَفَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، لِإِنْكَارِ خَصْمِهِ، وَبَعْدَ الْحَلِفِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ يَدَهُ فِيهِ كَانَتْ كَيَدِ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقِيَامُ حَاجَةِ الْآمِرِ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ يَدَهُ يَدٌ مُتَعَدِّيَةٌ أُمِرَ بِإِزَالَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ أَيْضًا فِيمَا يَفْضُلُ مِنْ حَاجَةِ الْآخِذِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، إذَا قَالَ أَخَذْته لِفُلَانٍ بِأَمْرِهِ. - وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَصَابَ أَحَدُهُمَا شَعِيرًا وَالْآخَرُ قَضْبًا فَتَبَادَلَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَاجٌ إلَى

стр. 1157

مَا اشْتَرَى، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا اشْتَرَى مِنْ صَاحِبِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ بَيْنَهُمَا. لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصِيبَ مِنْ الْعَلَفِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ إلَّا أَنَّ قِيَامَ حَاجَةِ صَاحِبِهِ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَيَسْتَرْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذِهِ الْمُبَايَعَةِ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، بِمَنْزِلَةِ الْأَضْيَافِ عَلَى الْمَائِدَةِ إذَا تَنَاوَلَ اثْنَانِ طَعَامًا بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَيْعًا، وَلَكِنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى مَا بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَبَعْدَ وُجُودِ التَّرَاضِي بِهَذَا السَّبَبِ يَتَنَاوَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِلْكِ الْمُضِيفِ بِاعْتِبَارِ الْإِبَاحَةِ مِنْهُ. ٢٢٩١ - وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَاجًا إلَى مَا أَعْطَى صَاحِبَهُ، وَصَاحِبُهُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ مَا صَنَعَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى يَدِهِ يَدٌ مُحِقَّةٌ فَإِنَّ صَاحِبَهُ أَخَذَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ فَقِيَامُ حَاجَتِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ. ٢٢٩٢ - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُحْتَاجًا إلَى مَا أَعْطَى، وَكَانَ الْمُشْتَرِي غَنِيًّا عَنْهُ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَعْطَى وَيَرُدَّ مَا أَخَذَ. لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ،

стр. 1158

إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا، وَهَا هُنَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ غُرُورًا مِنْهُ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَهَبَهُ لَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ غَنِيًّا عَنْهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِ. ٢٢٩٣ - وَإِنْ كَانَ حِينَ قَصَدَ الِاسْتِرْدَادَ مِنْ صَاحِبِهِ أَعْطَاهُ صَاحِبُهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى الدَّفْعِ إلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهُ بِنَفْسِهِ إلَى هَذَا الْمُحْتَاجِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَقِيَامُ حَاجَةِ مَنْ فِي يَدِهِ فِي مِثْلِ هَذَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ. ٢٢٩٤ - وَلَوْ تَبَايَعَا، وَهُمَا غَنِيَّانِ أَوْ مُحْتَاجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَنِيٌّ وَالْآخَرُ مُحْتَاجٌ، فَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى بَدَا لِأَحَدِهِمَا تَرْكُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ. لِأَنَّ هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ مَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا فَإِنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ مَحَلَّهَا فَكَانَ الْحَالُ بَعْدَهَا كَالْحَالِ قَبْلَهَا، مَا لَمْ يَتَقَابَضَا، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَبْتَنِي عَلَى الْيَدِ، وَبِمُجَرَّدِ الْمُبَايَعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَتَحَوَّلُ الْيَدُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ. ٢٢٩٥ - وَلَوْ أَقْرَضَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهُ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَنِيًّا عَنْ ذَلِكَ، أَوْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ شَيْءٌ.

стр. 1159

لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِقْرَاضُ كَانَ لِتَطِيبَ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِاعْتِبَارِهِ ضَمَانٌ إنْ اسْتَهْلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ بَعْدُ، فَالْمُقْرِضُ أَحَقُّ بِهِ إذَا أَرَادَ اسْتِرْدَادَهُ. لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِتَحْوِيلِ الْيَدِ إلَى صَاحِبِهِ، إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَجِبَ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إيجَابُ هَذَا الشَّرْطِ فَيَنْعَدِمُ رِضَاهُ وَيَصِيرُ هَذَا وَمَا لَوْ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ. ٢٢٩٦ - وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَالْمُعْطِي غَنِيًّا عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَغِنَى صَاحِبِهِ عَنْهُ فَإِذَا أَخَذَهُ بِرِضًى أَوْلَى. ٢٢٩٧ - وَإِنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ حِينَ أَقْرَضَهُ ثُمَّ احْتَاجَا إلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِهْلَاكِ فَالْمُعْطِي أَحَقُّ بِهِ. لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إذَا اُعْتُرِضَتْ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْأَخْذِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رِضَى الْمُعْطِي لَمْ يَتِمَّ بِهِ حِينَ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ الشَّرْطُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالِاسْتِرْدَادِ. ٢٢٩٨ - وَإِنْ احْتَاجَ الْآخِذُ أَوَّلًا ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ الْمُعْطِي، أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْآخِذِ.

стр. 1160

لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ حَاجَةِ الْآخِذِ قَدْ اتَّصَفَتْ يَدُهُ بِالْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُزِيلَهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ. - وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا حِنْطَةً مِنْ صَاحِبِهِ مِمَّا هُوَ غَنِيمَةٌ بِدَرَاهِمَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، فَدَفَعَ الدَّرَاهِمَ، وَقَبَضَ الْحِنْطَةَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ هُوَ إلَيْهَا مُحْتَاجًا. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهَا بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ يَدُهُ لِحَاجَتِهِ. فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ الْبَيْعِ؛ وَالْحِنْطَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ بَيْعًا حَقِيقَةً، فَإِنَّهُمَا فِي تَنَاوُلِ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ. ٢٣٠٠ - فَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْحِنْطَةَ وَيَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ إنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهَا، أَوْ كَانَ الْبَائِعُ مُحْتَاجًا إلَيْهَا وَالْمُشْتَرِي غَنِيًّا. فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ صَحِيحٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا. ٢٣٠١ - وَالْحِنْطَةُ سَالِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي. لِأَنَّ يَدَهُ فِيهَا اتَّصَفَتْ بِالْحَقِيَةِ لِحَاجَتِهِ، لَا لِتَسْلِيمِ الْبَائِعِ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ غَنِيًّا عَنْهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.

стр. 1161

٢٣٠٢ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ اسْتَهْلَكَهَا فَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي سَالِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَإِنْ ذَهَبَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْبَائِعُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ، فَهِيَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ إلَّا أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي يَدِهِ. لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ لِنَفْسِهِ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمُلْتَقِطِ لِقَصْدِ التَّمَلُّكِ بِالْأَخْذِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ ذَلِكَ فِي الْإِمْسَاكِ، وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّصَدُّقِ بِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي اللُّقَطَةِ. ٢٣٠٣ - فَإِنْ رَفَعَ أَمْرَهَا إلَى صَاحِبِ الْمَغَانِمِ وَالْمَقَاسِمِ فَقَالَ: قَدْ أَجَزْت بَيْعَك فَهَاتِ الثَّمَنَ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى صَاحِبِ الْمَغَانِمِ. لِأَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَ اللُّقَطَةَ إلَى الْإِمَامِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَهَذَا مِثْلُهُ. ٢٣٠٤ - فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ بَعْدَ ذَلِكَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ الْبَيْعَ فَالدَّرَاهِمُ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجَازَةِ تَسْتَدْعِي بَقَاءَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَحَلِّ كَإِنْشَاءِ الْعَقْدِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ وَجَبَ رَدُّ دَرَاهِمِهِ عَلَيْهِ.

стр. 1162

٢٣٠٥ - فَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَهْلِكْهَا إلَّا بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَالدَّرَاهِمُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ إجَازَةَ صَاحِبِ الْمَغَانِمِ بَيْعَهُ كَإِنْشَاءِ الْعَقْدِ مِنْهُ، وَلَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ الطَّعَامَ مِنْ الْغَانِمِينَ بِدَرَاهِمَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَكَانَ الثَّمَنُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُسِيئًا فِيمَا صَنَعَ، فَهَذَا مِثْلُهُ. ٢٣٠٦ - فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي قَدْ كُنْت أَكَلْت الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فَرُدَّ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ إجَازَةِ الْبَيْعِ. لِأَنَّ مَا عُرِفَ قِيَامُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْهَلَاكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ حَادِثٌ، فَإِنَّمَا يُحَالُ بِحُدُوثِهِ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِنَادَهُ إلَى وَقْتٍ سَابِقٍ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ. - وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَصَابَ أَحَدُهُمَا حِنْطَةً وَالْآخَرُ ثَوْبًا فَأَرَادَ أَنْ يَتَبَايَعَا فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ. لِأَنَّ الَّذِي أَصَابَ الثَّوْبَ مَمْنُوعٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ أَيْضًا، بِخِلَافِ الطَّعَامِ.

стр. 1163

٢٣٠٨ - فَإِنْ فَعَلَا وَاسْتَهْلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إلَّا أَنَّ بَائِعَ الثَّوْبِ مُسِيءٌ فِي الْبَيْعِ. لِأَنَّ حَقَّ التَّصَرُّفِ فِي الْغَنِيمَةِ لِلْإِمَامِ فَهُوَ يَفْتَاتُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِهَذَا التَّصَرُّفِ، فَيَكُونُ مُسِيئًا فِيهِ. وَالْمُشْتَرِي لِلثَّوْبِ قَدْ اسْتَهْلَكَ ثَوْبًا مِنْ الْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ مُسِيئًا أَيْضًا. ٢٣٠٩ - وَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكَا ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّ مَا فِي يَدِهِ. لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُبَايَعَةِ كَانَ بَاطِلًا، فَمَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ حَقُّ الْغَانِمِينَ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ كَانَ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إنَّمَا يُخَالِفُ سَائِرَ الْأَمْوَالِ قَبْلَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِالْإِحْرَازِ، فَأَمَّا بَعْدَ التَّأَكُّدِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، يَجِبُ قِسْمَتُهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَلِهَذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِمَا اسْتَهْلَكَهُ. ٢٣١٠ - وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدُ، وَلَمْ يَسْتَهْلِكَا ذَلِكَ، فَعَلَى الَّذِي قَبَضَ الثَّوْبَ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا الَّذِي قَبَضَ الْحِنْطَةَ فَالْحُكْمُ فِي حَقَّةِ

стр. 1164

مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ اعْتِبَارِ حَاجَتِهِمَا، أَوْ غِنَاهُمَا، أَوْ حَاجَةِ الْآخِذِ دُونَ الْمُعْطِي، أَوْ الْمُعْطِي دُونَ الْآخِذِ، فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. ٢٣١١ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لِلْحِنْطَةِ قَدْ ذَهَبَ بِهَا، وَلَا يُوقَفُ عَلَى أَثَرِهِ، أَخَذَ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ الثَّوْبَ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ ابْتِدَاءً. وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ لِلثَّوْبِ هُوَ الَّذِي لَمْ يُوقَفْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَغَانِمِ لَا يَعْرِضُ لِمُشْتَرِي الْحِنْطَةَ بِشَيْءٍ، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَصَابَهَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِنْ كَانَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا أَخَذَهَا مِنْهُ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ فَجَعَلَهَا فِي الْغَنِيمَةِ. - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَتَعَلَّفَ لَهُ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلَى بَعْضِ الْمَطَامِيرِ، وَأَتَاهُ بِذَلِكَ الْعَلَفِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَلَّا أُعْطِيَك هَذَا، وَآخُذَهُ لِنَفْسِي، وَأَرُدُّ عَلَيْك الْأَجْرَ، وَأَبَى الْمُسْتَأْجِرُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ الْأَجِيرُ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ عَلَى الْإِجَارَةِ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ، إنْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَيْهِ، أَوْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ. لِأَنَّ يَدَ الْأَجِيرِ كَيَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ عَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى مَنَافِعِهِ، وَمَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ فِي شَيْءٍ.

стр. 1165

١٣١٣ - وَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ، وَالْمُسْتَأْجِرُ غَنِيًّا عَنْهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ كَانَ لِلْأَجِيرِ حَقُّ الْأَخْذِ مِنْهُ، لِحَاجَتِهِ، فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ مِنْهُ. وَلَكِنْ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ مِنْهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ حِينَ مَنَعَهُ مَا جَاءَ بِهِ. ٢٣١٤ - وَلَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْتَشَّ لَهُ حَشِيشًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ غَنِيًّا عَنْهُ، وَالْأَجِيرُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ احْتَشَّهُ لَهُ. لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْحَشِيشَ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ. ٢٣١٥ - وَلَوْ احْتَشَّهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَدَارُ الْحَرْبِ وَدَارُ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَكَذَلِكَ إذَا احْتَشَّهُ لَهُ لِغَيْرِهِ. لِأَنَّ يَدَ أَجِيرِهِ كَيَدِهِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، حَتَّى لَوْ بَقِيَ إلَى وَقْتِ الْقِسْمَةِ كَانَ مَقْسُومًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ. فَإِذَا كَانَ الْأَجِيرُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَالْمُسْتَأْجِرُ غَنِيًّا عَنْهُ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ.

стр. 1166

٢٣١٦ - ثُمَّ فِي الطَّعَامِ إنْ سَلَّمَهُ الْأَجِيرُ إلَى الْمُسْتَأْجَرِينَ حِينَ جَاءَ بِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَغِنَى الْمُسْتَأْجَرِ عَنْهُ فَلَهُ ذَلِكَ. وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَشِيشِ. ٢٣١٧ - وَإِذَا أَخَذَهُ هَا هُنَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ. لِأَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ، ثُمَّ الْأَخْذُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَقٍّ لَا يَكُونُ فَوْقَ الْأَخْذِ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ فِي الْأَجْرِ، فَهَذَا أَوْلَى. ٢٣١٨ - وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِيَأْتِيَهُ بِالْعَلَفِ مِنْ بَعْضِ الْمَطَامِيرِ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مَطْمُورَةً بِعَيْنِهَا، فَأَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الْأَجْرِ. لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ فَاسِدًا لِجَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ذَهَابُهُ وَمَجِيئُهُ، وَالْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ، بَعْدَ إيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَرَجَعَ إلَيْهِ. لِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَ الْعَمَلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الذَّهَابُ وَالطَّلَبُ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ إذَا مَنَعَهُ مَا جَاءَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ بِالْمَنْعِ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْعَامِلِ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى إنَّ هُنَاكَ لَوْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ أَيْضًا.

стр. 1167

لِأَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لَهُ فِي الذَّهَابِ، وَهُوَ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ فِي الرُّجُوعِ، حِينَ لَمْ يَأْتِ بِالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَعَرَفْت أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ، بَلْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا إنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَا جَاءَ بِهِ فَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَلَهُ الْأَجْرُ فِي الذَّهَابِ مِنْ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَمِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1168

[بَابُ هَدِيَّةِ أَهْلِ الْحَرْبِ] ٢٣١٩ - وَإِذَا بَعَثَ مَلِكُ الْعَدُوِّ إلَى أَمِيرِ الْجُنْدِ بِهَدِيَّةٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَهَا وَيَصِيرَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ يَقْبَلُ هَدِيَّةَ الْمُشْرِكِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ أَهْدَى إلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْرَ عَجْوَةٍ، وَاسْتَهْدَاهُ أَدْمًا. ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي طَلَبِ الْعِوَضِ أَبَى قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّا لَا نَقْبَلُ زَبَدَ الْمُشْرِكِينَ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْأَمِيرِ رَأْيًا فِي قَبُولِ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ فِي الْقَبُولِ مَعْنَى التَّأْلِيفِ، وَفِي الرَّدِّ إظْهَارَ مَعْنَى الْغِلْظَةِ وَالْعَدَاوَةِ. ٢٣٢٠ - وَإِذَا طَمِعَ فِي إسْلَامِهِمْ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُؤَلِّفَهُمْ فَيَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ، وَيُهْدِيَ إلَيْهِمْ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» . وَإِذَا لَمْ يَطْمَعْ فِي إسْلَامِهِمْ فَلَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَعْنَى الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ الْهَدِيَّةِ، فَإِنْ قَبِلَهَا كَانَ ذَلِكَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ مَا أَهْدَى إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، بَلْ لِمَنَعَتِهِ، وَمَنَعَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْمُصَابِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1169

٢٣٢١ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْ الْهَدِيَّةِ، فَإِنَّ قُوَّتَهُ وَمَنَعَتَهُ لَمْ تَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَلِهَذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لَهُ خَاصَّةً. ثُمَّ الَّذِي حَمَلَ الْمُشْرِكَ عَلَى الْإِهْدَاءِ إلَيْهِ خَوْفُهُ مِنْهُ، وَطَلَبُ الرِّفْقِ بِهِ وَبِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ بِعَسْكَرِهِ، فَكَانَتْ الْهَدِيَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ إلَى قَائِدٍ مِنْ قُوَّادِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَهُ عُدَّةٌ وَمَنَعَةٌ. لِأَنَّ الرَّهْبَةَ مِنْهُ وَالرَّغْبَةَ فِي التَّأَلُّفِ مَعَهُ بِالْهَدِيَّةِ لِيَرْفُقَ بِهِ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ إنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِ، وَذَلِكَ بِمَنْ تَحْتَ رَايَتِهِ، وَبِجَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. ٢٣٢٢ - وَإِنْ كَانَ أَهْدَى إلَى بَعْضِ الْمُبَارِزِينَ، أَوْ إلَى رَجُلٍ مِنْ عَرْضِ الْعَسْكَرِ، فَذَلِكَ لَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ إلَى مِثْلِهِ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ مِنْهُ، أَوْ طَلَبِ الرِّفْقِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَذَلِكَ الْخَوْفُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، لَا لِغَيْرِهِ، إذْ لَا مَنَعَةَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُ خَاصَّةً. ٢٣٢٣ - وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ أَهْدَى إلَى مُفْتٍ أَوْ وَاعِظٍ شَيْئًا، فَإِنَّ ذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ خَاصَّةً.

стр. 1170

لِأَنَّ الَّذِي حَمَلَ الْمُهْدِي إلَى الْإِهْدَاءِ إلَيْهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ مَعْنًى فِيهِ خَاصَّةً، بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ إلَى الْحُكَّامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ رِشْوَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَى الَّذِي حَمَلَ الْمُهْدِي عَلَى التَّقَرُّبِ إلَيْهِ وِلَايَتُهُ الثَّابِتَةُ، بِتَقْلِيدِ الْإِمَامِ إيَّاهُ، وَالْإِمَامُ فِي ذَلِكَ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. ٢٣٢٤ - وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵊: «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» يَعْنِي إذَا حَبَسُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغُلُولِ مِنْهُمْ، وَالْغُلُولُ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَغْنَمِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَتَخْصِيصُ الْأَمِيرِ بِذَلِكَ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ لَا يَكُونُ غُلُولًا، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بَعَثَ عَامِلًا فَجَاءَ بِمَالٍ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فِي خُطْبَتِهِ: فَهَلَّا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى يُهْدَى إلَيْهِ» . وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا، وَأَنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَعْمَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَجَاءَ بِمَالٍ فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّ كِتَابِهِ، سَرَقْت مَالَ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: لَسْت بِعَدُوِّ اللَّهِ وَلَا كِتَابِهِ، وَلَمْ أَسْرِقْ مَالَ اللَّهِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَيْلِي تَنَاتَجَتْ وَسِهَامِي اجْتَمَعَتْ فَلَمْ يَلْتَفِتْ عُمَرُ ﵁ إلَى قَوْلِهِ، وَأَخَذَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَامِلًا

стр. 1171

إلَى كُورَةٍ فَأُهْدِيَ إلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ الْخَلِيفَةُ أَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ طَوْعًا، أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ لِعَمَلِهِ الَّذِي قُلِّدَهُ، وَقَدْ كَانَ هُوَ نَائِبًا فِي ذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ الْهَدَايَا حَقُّ الْمُسْلِمِينَ، تُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ. ٢٣٢٥ - فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَهْدَوْا إلَيْهِ مُكْرَهِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ فَيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ عَزَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلُهُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ أَمَرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ اُسْتُخْلِفَ بِرَدِّ الْأَمْوَالِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْمَرْوَانِيَّةِ كَانُوا أَخَذُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِكْرَاهِ. - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ مَلِكَ الْعَدُوِّ أَهْدَى إلَى مَلِكِ الثَّغْرِ، أَوْ إلَى قَائِدٍ مِنْ قُوَّادُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرْزَأَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْخَلِيفَةَ يَأْخُذُهَا مِنْهُ فَيَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ إلَى شُجَاعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ.؛ لِأَنَّ طَلَبَهُمْ الرِّفْقَ مِنْ مَلِكِ الثَّغْرِ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ الْمُبَارِزِ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ. - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ أَهْدَى إلَى مَلِكِ الْعَدُوِّ فَعَوَّضَهُ مَلِكُ الْعَدُوِّ نُظِرَ فِي هَدِيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُ هَدِيَّةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ، أَوْ فِيهِ زِيَادَةٌ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ.

стр. 1172

لِأَنَّ الْجَالِبَ لِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ مَا قَدَّمَ مِنْ الْإِهْدَاءِ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ. ٢٣٢٨ - وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ مِقْدَارُ قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ، وَالْفَضْلُ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْقَائِدِ الَّذِي مِمَّنْ يَخَافُ وَيُرْجَى مِنْهُ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي أَهْدَى إلَيْهِمْ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّ امْرَأَتَهُ أَهْدَتْ إلَى امْرَأَةِ مَلِكِ الرُّومِ هَدِيَّةً مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَأَهْدَتْ إلَيْهَا امْرَأَةُ الْمَلِكِ هَدَايَا، فَأَعْطَاهَا عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ هَدِيَّتِهَا، وَأَخَذَ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁ قُلْ لِصَاحِبَتِك فَلْتُهْدِ إلَيْهَا حَتَّى تَنْظُرَ أَتُهْدِي إلَيْهَا مِثْلَ هَذَا أَمْ لَا؟ - وَإِنْ أَهْدَى مُبَارِزٌ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ قَائِدٌ أَوْ مَلِكٍ فَأَهْدَى إلَيْهِ أَضْعَافَ ذَلِكَ فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَكُنْ بِاعْتِبَارِ تَعَزُّزٍ لَهُ بِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ مَالًا بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُ. - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا فَبَاعَهُمْ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مَتَاعًا. فَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ فَالثَّمَنُ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ.

стр. 1173

٢٣٣١ - وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ قِيمَةِ مِلْكِهِ، وَالْبَاقِي يَكُونُ فَيْئًا لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا بَذَلُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، أَوْ لِطَلَبِ الرِّفْقِ، حَتَّى لَا يَقْطَعَ أَشْجَارَهُمْ وَلَا يُخَرِّبَ بُنْيَانَهُمْ، أَوْ يَنْصَرِفَ عَنْهُمْ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ، فَلِهَذَا كَانَ الْفَضْلُ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الظَّاهِرُ، الَّذِي يُسْبَقُ إلَيْهِ وَهُمْ كُلُّ أَحَدٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. ٢٣٣٢ - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ رَجُلًا مِنْ عَرَضِ الْعَسْكَرِ فَالثَّمَنُ سَالِمٌ لَهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. لِأَنَّهُمْ مَا أَعْطَوْهُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَزْبَنَهُمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَخَذَ الْمَالَ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ أَعْطَوْهُ بَدَلًا عَنْ مِلْكِهِ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُ. - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ، وَالسَّبْيُ سَوَاءٌ دَخَلُوا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ.

стр. 1174

لِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِذَلِكَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ اكْتِسَابُ سَبَبِ تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي سَائِرِ الْأَمْتِعَةِ. ٢٣٣٤ - ثُمَّ هَذَا الْحُكْمُ إذَا لَمْ يُحَاصِرُوا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَأَمَّا إذَا حَاصَرُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا وَلَا شَيْئًا يُقَوِّيهِمْ عَلَى الْمُقَامِ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَاصَرُوهُمْ لِيَنْفُذَ طَعَامُهُمْ وَشَرَابُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ وَيَخْرُجُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ اكْتِسَابُ سَبَبِ تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى الْمُقَامِ فِي حِصْنِهِمْ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي دَارِهِمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ اكْتِسَابِ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُقَامِ، لَا بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا أَهْلُ الْحِصْنِ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبِيعَهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. ٢٣٣٥ - وَمَنْ فَعَلَهُ فَعَلِمَ بِهِ الْإِمَامُ أَدَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ لِارْتِكَابِهِ مَا لَا يَحِلُّ، وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ بَعَثَ رَسُولًا إلَى مَلِكِهِمْ فِي حَاجَةٍ فَأَجَازَهُ الْمَلِكُ بِجَائِزَةٍ، وَأَخْرَجَهَا الرَّسُولُ إلَى الْعَسْكَرِ، أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّ هَذِهِ الْجَائِزَةَ لِلرَّسُولِ مَا كَانَتْ لِرَغْبَةٍ أَوْ لِرَهْبَةٍ، بَلْ لِلْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمُرُوَّةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ يُجِيزُ الْوُفُودَ وَالرُّسُلَ الَّذِينَ يَأْتُونَهُ، وَأَوْصَى أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَهُ، وَلَا يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مِنْهُ لِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ.

стр. 1175

٢٣٣٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّسُولُ أَهْدَى إلَى مَلِكِهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَعَوَّضَهُ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ أَوْ بَاعَهُمْ مَتَاعَهُ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ سَالِمٌ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَعَامَلَهُمْ، فَأَخَذَ مَالًا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ. - وَلَوْ أَنَّ مَلِكَ الْعَدُوِّ أَهْدَى إلَى أَمِيرِ الْعَسْكَرِ فَأَرَادَ أَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْغَنِيمَةِ حَقُّ الْغَانِمِينَ حَتَّى لَا يَمْلِكَ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَكَيْفَ يَمْلِكُ أَنْ يَخُصَّ مَلِكَ الْعَدُوِّ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٢٣٣٨ - مَا أُهْدِيَ إلَيْهِ يَصِيرُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطَى عِوَضَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ مَا أُهْدِيَ إلَيْهِ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ؟ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَانِمِينَ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْبَلَ وَيُعَوِّضَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَرَأَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَوَّضُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْهَدِيَّةِ، بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ. لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عِوَضٌ يُجْعَلُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِهْدَاءِ

стр. 1176

إلَيْهِمْ ابْتِدَاءً مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِوَضَ مَقْصُودٌ مِنْ الْهَدِيَّةِ فَيَكُونُ كَالْمَشْرُوطِ. ٢٣٣٩ - وَلَا بَأْسَ لَهُ أَنْ يُعَامِلَهُمْ فِي مَتَاعِ الْغَنِيمَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَبْنٌ فَاحِشٌ فِي جَانِبِ الْمُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ حُكْمُ التَّعْوِيضِ مِنْ هَدِيَّتِهِمْ.

стр. 1177

[بَابُ مَا يَكُونُ إحْرَازًا مِنْ أَهْل الْحَرْبِ وَمَا لَا يَكُونُ] - بَابُ مَا يَكُونُ إحْرَازًا مِنْهُمْ وَمَا لَا يَكُونُ ٢٣٤٠ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ دَخَلُوا دَارَنَا لِلْإِغَارَةِ فَأَخَذُوا أَمْوَالًا وَسَبَايَا ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا بِذَلِكَ دَارَهُمْ، فَالْإِمَامُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ جَمِيعَ مَا أَخَذُوا فَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا مَا أَخَذُوا حِينَ لَمْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَسْتَدْعِي تَمَامَ الْقَهْرِ، وَذَلِكَ لَا يَسْبِقُ الْإِحْرَازَ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِينَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَيُؤْمَرُونَ بِالرَّدِّ. ٢٣٤١ - سَوَاءٌ أَسْلَمُوا هَا هُنَا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً. لِأَنَّ هَذَا السَّبَبَ إنَّمَا يُقَرِّرُ مِلْكَهُمْ فِيمَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ، وَلَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا قَبْلَهُ. ٢٣٤٢ - وَيَسْتَوِي إذَا كَانُوا قَسَمُوا ذَلِكَ فِي دَارِنَا بَيْنَهُمْ أَوْ لَمْ يَقْسِمُوا. لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ بِالْقِسْمَةِ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَسَمُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ فِي تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِهِ، فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُ قِسْمَتُهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ مِنْهُمْ. قُلْنَا: لِأَنَّ إقَامَةَ

стр. 1178

الْقِسْمَةِ مَقَامَ الْإِحْرَازِ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، لِوُجُودِ أَمِيرٍ هُوَ نَافِذُ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ تَمَامُ السَّبَبِ حِسًّا وَبِقِسْمَتِهِمْ لَا يَزْدَادُ السَّبَبُ قُوَّةً وَحِسًّا. ٢٣٤٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ عَسْكَرَهُمْ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى بَعْضَ تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَلَا يَمْلِكُهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ أَيْضًا، وَكَانَ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا فَدَى بِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. ٢٣٤٤ - فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ قَدْ دَخَلُوا دَارَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا صَارَ ذَلِكَ لَهُمْ. لِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ قَدْ مَلَكُوا لِتَمَامِ السَّبَبِ وَهُوَ الْقَهْرُ، ثُمَّ يَتَقَرَّرُ مِلْكُهُمْ بِالْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» وَكَذَلِكَ إنْ جَاءُوا ذِمَّةً. لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِي تَقَرُّرِ الْمِلْكِ بِهِ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ. ٢٣٤٥ - وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْمَنُوا إلَيْنَا، وَمَعَهُمْ ذَلِكَ الْمَالُ. لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. ٢٣٤٦ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فَإِنَّ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ. لِأَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ قَدْ انْقَطَعَ بِالْمِلْكِ الَّذِي حَدَثَ لَهُمْ، فَلَا يَعُودُ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ، مَا لَمْ يَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِهِمْ، وَبِالشِّرَاءِ يَتَحَوَّلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُسْلِمِ،

стр. 1179

فَيَظْهَرُ حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إلَى إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ فِي الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ، فَأَمَّا إذَا أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، أَوْ خَرَجُوا بِأَمَانٍ، فَالْمِلْكُ لَمْ يَتَحَوَّلْ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، فَلِهَذَا لَا يَظْهَرُ حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي الْأَخْذِ. ٢٣٤٧ - فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَخَلُوا دَارَهُمْ مُغِيرِينَ، وَأَصَابُوا سَبَايَا مِنْ أَحْرَارِهِمْ فَلَمْ يُخْرِجُوهُمْ حَتَّى أَسْلَمُوا فَقَدْ أَمِنُوا مِنْ الْقَتْلِ بِالْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُمْ أَرِقَّاءُ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ لَمَّا صَارُوا مَقْهُورِينَ، وَالْإِسْلَامُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الِاسْتِرْقَاقِ، وَلَا يَمْنَعُ - الرِّقَّ الثَّابِتَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَهَرُوهُمْ فَقَدْ صَارُوا مَقْهُورِينَ حِسًّا وَحُكْمًا ثُمَّ بِإِسْلَامِهِمْ لَا يَرْتَفِعُ الْقَهْرُ حُكْمًا، فَنَفْيُ الرِّقِّ وَالْقَهْرِ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ حُكْمًا وَإِنَّمَا يَكُونُ حِسًّا، وَالْقَهْرُ الْحِسِّيُّ لَا يَتِمُّ قَبْلَ الْإِحْرَازِ. وَبَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْقَاهِرَ إذَا كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ مُحْرِزٌ بِإِسْلَامِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إخْرَاجُ مَأْسُورِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَإِنَّمَا يَكُونُ قَهْرُهُمْ بِالْيَدِ لَا بِالدَّيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ؟ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا كَانُوا قَاهِرِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي حُصُولِ الْإِحْرَازِ بِهَا فِي حَقِّ الشَّرْعِ، حَتَّى لَا يَحِلَّ لِأَحَدٍ التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِيمَا أَخَذُوا، وَأَنَّهُ يُخَمَّسُ مَا سَبَى أَهْلُ الذِّمَّةِ كَمَا يُخَمَّسُ مَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ.

стр. 1180

- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ مَنَعَةٍ مِنْ التُّرْكِ دَخَلُوا الرُّومَ فَسَبَوْا مِنْ أَحْرَارِهِمْ، فَلَمْ يُدْخِلُوهُمْ دَارَهُمْ حَتَّى أَسْلَمَ السَّبْيُ فَهُمْ أَحْرَارٌ. لِأَنَّهُمْ مَا صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُمْ بِالدَّيْنِ، إذْ لَا دَيْنَ لَهُمْ، وَبِالْيَدِ لَا يَتِمُّ الْقَهْرُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ. ٢٣٤٩ - فَإِذَا أَسْلَمُوا تَقَرَّرَتْ حُرِّيَّتُهُمْ، حَتَّى لَوْ أَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، كَانُوا أَحْرَارًا، أَوْ لَوْ كَانُوا إنَّمَا أَسْلَمُوا بَعْدَ مَا دَخَلُوا دَارَهُمْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، وَإِنْ خَرَجُوا إلَيْنَا مُرَاغِمِينَ فَهُمْ أَحْرَارٌ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ. لِأَنَّهُمْ حِينَ أَحْرَزُوهُمْ بِدَارِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ فَقَدْ تَمَّ قَهْرُهُمْ، وَيَثْبُتُ الرِّقُّ وَالْمِلْكُ ثُمَّ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِ الْمَمْلُوكِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكُ الثَّابِتُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ ثَابِتًا لِكَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ. ٢٣٥٠ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ التُّرْكُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلُوا الْأُسَرَاءَ دَارَهُمْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْأُسَرَاءُ بَعْدَهُمْ فَهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عِنْدَ الْأَخْذِ سَوَاءٌ، ثُمَّ إذَا أَخْرَجُوهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ الْخُمُسُ مِنْهُمْ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، دَخَلُوا مُغِيرِينَ دَارَ الْحَرْبِ، بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ

стр. 1181

وَأَصَابُوا سَبَايَا، فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُمْ، فَهَا هُنَا كَذَلِكَ. ٢٣٥١ - وَإِنْ كَانَ إسْلَامُ الْفَرِيقَيْنِ بَعْدَ مَا أَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِنَا، فَهُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِينَ أَسَرُوهُمْ، وَلَا خُمُسَ فِيهِمْ. لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ، قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيهِمْ، فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِسْلَامِهِمْ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. ٢٣٥٢ - وَإِنْ ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِمْ وَلَكِنْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيمَا إذَا أَحْرَزُوا، وَإِذَا أَسْلَمَ الْأُسَرَاءُ قَبْلَ التُّرْكِ فِي أَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ أَسْلَمَ التُّرْكُ بَعْدَهُمْ فَالْأُسَرَاءُ أَحْرَارٌ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَتْ بِالْإِسْلَامِ، قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الرِّقُّ فِيهِمْ بِالْإِحْرَازِ. ٢٣٥٣ - وَلَوْ أَسْلَمَ الْفَرِيقَانِ مَعًا، أَوْ لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْآخَرِ فَهُمْ أَحْرَارٌ. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ مَعْلُومَةٌ، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِرِقِّهِمْ وَتَقَدُّمُ إسْلَامِ التُّرْكِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالرِّقُّ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ. فَإِنْ قِيلَ: قَهْرُ التُّرْكِ إيَّاهُمْ مَعْلُومٌ أَيْضًا،

стр. 1182

وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِحُرِّيَّتِهِمْ. قُلْنَا: قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا، فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَبِبَعْضِ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ. - وَإِنْ أَسَرَ التُّرْكُ امْرَأَةً مِنْ الرُّومِ، فَأَسْلَمَتْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَزَوْجُهَا فِي مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الرُّومِ، لَمْ تَبِنْ مِنْ زَوْجِهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا التُّرْكُ إلَى دَارِهِمْ. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا تَأَكَّدَتْ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا تَصِيرُ هِيَ مِنْ أَهْلِ مَنَعَةِ التُّرْكِ، وَلَكِنَّهَا حَرْبِيَّةٌ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا، حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، أَوْ تَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَحِينَئِذٍ تَبِينُ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا. ٢٣٥٥ - وَإِنْ أَسْلَمَ التُّرْكُ قَبْلَ إسْلَامِهَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا حِينَ أَسْلَمَتْ بَعْدَ إسْلَامِ التُّرْكِ، أَوْ قَبْلَ إسْلَامِ التُّرْكِ، إذَا أَسْلَمَ التُّرْكُ؛ لِأَنَّ التُّرْكَ الْآنَ بِمَنْزِلَةِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ، وَهُنَاكَ لَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ ثُمَّ الْتَحَقَتْ بِالْعَسْكَرِ كَانَتْ حُرَّةً، وَتَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا لِإِحْرَازِهَا نَفْسَهَا بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ سَبَوْا امْرَأَةً، فَأَسْلَمَتْ، بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً لَهُمْ بِالسَّبْيِ يَقْسِمُونَهَا، وَيَتَحَقَّقُ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إذَا أَسْلَمَتْ حُكْمًا، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ التُّرْكُ، وَلَوْ لَمْ يُسْلِمُوا وَلَمْ تُسْلِمْ هِيَ، حَتَّى أَحْرَزُوهَا، بِدَارِهِمْ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا.

стр. 1183

لِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً لَهُمْ، فَتَكُونُ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَاتِ أَهْلُ دُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِذَا تَحَقَّقَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا بَانَتْ مِنْهُ. وَلِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالسَّبْيِ حِينَ أَحْرَزُوهَا فِي دَارِهِمْ. ٢٣٥٦ - فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ بِالسَّبْيِ بِدُونِ زَوْجِهَا سَوَاءٌ، وَهُنَاكَ تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا، فَهَا هُنَا كَذَلِكَ، حَتَّى إذَا أَسْلَمُوا، وَقَدْ أَصَابَتْ الْجَارِيَةُ أَحَدَهُمْ بِالْقِسْمَةِ، فَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ، حَلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا. لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا زَوْجَ لَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1184

[بَابُ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْخَشَبِ وَمَا يُصَابُ مِنْ الْمِلْحِ وَغَيْرِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ] - بَابُ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْخَشَبِ، وَمَا يُصَابُ مِنْ الْمِلْحِ وَغَيْرِهِ ٢٣٥٧ - وَإِذَا خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِقَطْعِ الشَّجَرِ فَوَصَلُوا إلَى مَكَان يَخَافُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ قَطَعُوا الْخَشَبَ وَجَاءُوا بِهِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ يُخَمَّسُ. لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَ يَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَأْمَنَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. فَإِنْ قِيلَ: كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْمَنُونَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَأْمَنُونَ فِيهِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْبِقَاعَ كَانَتْ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَا تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ إلَّا بِانْقِطَاعِ يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّهُ يَبْقَى بِبَقَاءِ بَعْضِ آثَارِهِ، وَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِاعْتِرَاضِ مَعْنًى هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْخَشَبِ يَكُونُ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَهَذَا مَالٌ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَهُوَ الْغَنِيمَةُ بِعَيْنِهِ. ٢٣٥٨ - فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ إذَا بَعَثَهُمْ لِيَقْطَعُوا الْخَشَبَ حَتَّى يَجْعَلَ ذَلِكَ سُفُنًا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ مَجَانِيقَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مَا جَاءُوا بِهِ فَيُجْعَلُ فِي تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي أَرْسَلَهُمْ لَهَا.

стр. 1185

لِأَنَّهُمْ امْتَثَلُوا أَمْرَ الْأَمِيرِ فِيمَا أَخَذُوا، وَلَا يَتَحَقَّقُ الِامْتِثَالُ مَعَ الْقَصْدِ إلَى الِاغْتِنَامِ، وَإِذَا لَمْ يَقْصِدُوا الِاغْتِنَامَ بِمَا أَخَذُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَنِيمَةً. وَهَذَا؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ رَأْيًا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ، فَكَذَلِكَ يَصِحُّ مِنْهُ جَعْلُ الْمُصَابِ لِمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُغْنِيهِ وَبَقِيَ فَضْلٌ فَالْبَاقِي يَكُونُ غَنِيمَةً. لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلِاغْتِنَامِ قَدْ وُجِدَ فِي الْكُلِّ، وَلَكِنْ فِي الْقَدْرِ الْمَشْغُولِ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ يُجْعَلُ ذَلِكَ مُتَقَدِّمًا لِقَصْدِ الْإِمَامِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَفْضُلُ مِنْ التَّرِكَةِ عَنْ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ. ٢٣٥٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَعَثَهُمْ مِنْ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِيَأْتُوا بِالْخَشَبِ، أَوْ بِالطَّعَامِ أَوْ بِالْعَلَفِ، لِمَنْفَعَةٍ عَيَّنَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَا جَاءُوا بِهِ يَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ، وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا تَحْصِيلَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، لَا الِاغْتِنَامَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، حِينَ خَرَجُوا مُطِيعِينَ لِلْأَمِيرِ. ٢٣٦٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَعَثَهُمْ مِنْ بَعْضِ مَدَائِنِ أَهْلِ الثُّغُورِ، وَقَدْ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ، لِيَأْتُوا بِالطَّعَامِ، وَالْعَلَفِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، بِغَيْرِ خُمْسٍ،

стр. 1186

وَلَا يَقْسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِ السَّرِيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا بَيَّنَ لَهُمْ عِنْدَ الْخُرُوجِ أَنَّهُ لِمَاذَا يُوَجِّهُهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَدِمُ الْقَصْدُ مِنْهُمْ إلَى الِاغْتِنَامِ إذَا عَلِمُوا مُرَادَ الْأَمِيرِ فِيمَا أَرْسَلَهُمْ لِأَجْلِهِ، وَخَرَجُوا مُطِيعِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا إنَّمَا جَاءُوا بِالطَّعَامِ بَعْدَ مَا اسْتَغْنَى الْمُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ الْآنَ. لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِتَقْدِيمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهِ حَاجَتُهُمْ وَقَدْ انْعَدَمَ، فَكَانَ هَذَا وَمَا يَفْضُلُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْإِمَامُ سَوَاءٌ. ٢٣٦١ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ نَفَّلَهُمْ بَعْضَ مَا جَاءُوا بِهِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ مَا يَأْتُونَ بِهِ مَصْرُوفًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْضَهُ مَصْرُوفًا إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَظَرٌ مِنْ الْإِمَامِ. لِأَنَّهُمْ قَلَّمَا يَرْغَبُونَ فِي الْخُرُوجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الْمُصَابِ، وَالتَّنْفِيلُ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْخُرُوجِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ النَّفَلُ لِجَمَاعَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ غَنِيمَةٌ، يُفَضَّلُ فِيهَا الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَا يَأْتُونَ بِهِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِمَنْ أَصَابَهَا، بَلْ يَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ جَازَ التَّنْفِيلُ فِيهِ لَهُمْ.

стр. 1187

٢٣٦٢ - وَلَوْ جَاءُوا بِذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ بَطَلَ النَّفَلُ. لِأَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ قَدْ صَارَ غَنِيمَةً، وَالنَّفَلُ الْعَامُّ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَصِحُّ. ٢٣٦٣ - وَإِنْ كَانَ قَالَ مَنْ أَخَذَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلَهُ نِصْفُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالنَّفَلُ جَائِزٌ لِأَهْلِهَا عَلَى مَا نَفَلُوا. لِأَنَّ هَذَا نَفْلٌ خَاصٌّ لِمَنْ يَأْخُذُ دُونَ غَيْرِهِ، فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى الطَّلَبِ وَالْأَخْذِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ فِي الْغَنَائِمِ. ٢٣٦٤ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ حِينَ خَرَجَتْ لِقَطْعِ الْخَشَبِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ دُونَ مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ أَرْسَلَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ عَيَّنَهَا كَانَ مَا جَاءُوا بِهِ مَصْرُوفًا إلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَانَ نَفَّلَ لَهُمْ بَعْضَ ذَلِكَ أَعْطَاهُمْ النَّفَلَ، وَصَرَفَ مَا بَقِيَ إلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ جَاءُوا بِذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَغْنَى الْأَمِيرُ عَمَّا بَعَثَهُمْ لِأَجْلِهِ فَكُلُّ مَنْ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ هَا هُنَا، فَأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُبَاحُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كُلُّ مَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ. ٢٣٦٥ - فَإِنْ جَاءُوا بِهِ جَمِيعًا فَهُوَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.

стр. 1188

لِأَنَّ تَفْضِيلَ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا يَصِحُّ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ فِيهِ؟ قُلْنَا: لَا عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّحْضِيضِ، لِلْأَخْذِ بِبَعْضِ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُبَاحِ، وَصَرْفُ مَا بَقِيَ إلَى الْمَنْفَعَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا. - وَلَوْ خَرَجَتْ السَّرِيَّةُ لِقَطْعِ الْخَشَبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَوْ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ، فَمَا جَاءُوا بِهِ يَكُونُ غَنِيمَةً. لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ، جَاءُوا بِمَالٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَفِي مُصَابِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ يَسْتَوِي الْحَالُ بَيْنَ مَا بَعْدَ إذْنِ الْإِمَامِ وَمَا قَبْلَهُ. ٢٣٦٧ - وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا ذَلِكَ، فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا أَخَذَ. لِأَنَّ هَذَا مُبَاحٌ مُلِكَ بِالْأَخْذِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ. ٢٣٦٨ - فَإِنْ كَانُوا لَقُوا الْعَدُوَّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَقَاتَلُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى أَجْلَوْهُمْ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّ مَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَبِمُجَرَّدِ دُخُولِ أَهْلِ الْحَرْبِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ دَارِ الْحَرْبِ، فَحِينَ أَجْلَوْا عَنْهُ الْعَدُوَّ بِالْقِتَالِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَ، فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ.

стр. 1189

٢٣٦٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدُوا الْعَدُوَّ قَدْ قَطَعُوهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهُ فِي دَارِهِمْ. لِأَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا يَمْلِكُونَ مَا يُصِيبُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ إصَابَتِهِمْ. ٢٣٧٠ - وَإِنْ كَانُوا أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُ مِنْهُمْ، فَهَذَا غَنِيمَةٌ. لِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ قَدْ مَلَكُوهُ، فَأَهْلُ السَّرِيَّةِ إنَّمَا أَحْرَزُوا مِلْكَهُمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، فَكَانَ غَنِيمَةً. ٢٣٧١ - وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْمَلَّاحَةِ. وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمِلْحُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْخَشَبِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ كَالْخَشَبِ. ٢٣٧٢ - وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ مِنْ جَوْهَرٍ، خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ فِي طَلَبِهِ فَإِنَّ مَا وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً. إلَّا أَنَّ هَذَا يُخَمَّسُ لِقَوْلِهِ ﵇: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» .

стр. 1190

٢٣٧٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَخْرَجَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهُ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا يَمْلِكُونَهُ، فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ قَبْلَ أَخْذِهِمْ، وَبَعْدَ أَخْذِهِمْ سَوَاءٌ. ٢٣٧٤ - وَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ إنَّمَا أَصَابَتْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، فَقَدْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. ٢٣٧٥ - وَإِنْ [لَمْ] يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالْمَأْخُوذُ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ. لِأَنَّهُمْ أَصَابُوا ذَلِكَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، لَا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ. ٢٣٧٦ - إلَّا أَنْ يَكُونُوا خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِمَا أَصَابُوا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْإِمَامَ الْآنَ كَالْمَدَدِ لَهُمْ، عَلَيْهِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ. ٢٣٧٧ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقُوَّةَ مِنْهُمْ، فَمَا جَاءُوا بِهِ يَكُونُ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، وَالْخُمُسُ يَجِبُ فِي مِثْلِهِ.

стр. 1191

لِأَنَّ وُجُوبَ الْخُمُسِ فِي الْغَنِيمَةِ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ كَسْبٌ حَصَلَ بِأَشْرَفِ الْجِهَاتِ. - وَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الثَّغْرِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ السَّرِيَّةَ لِقَطْعِ الْخَشَبِ، وَأَخَذَ الْمِلْحِ، وَنَفَّلَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ تَنْفِيلِهِ مَا يَصِحُّ مِنْ الْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ. لِأَنَّهُ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الثَّغْرِ فَقَدْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَيَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنْ الْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ، مَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْ التَّنْفِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَا إذَا خَصَّ الْإِمَامُ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِالتَّنْفِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ ذَلِكَ فَقَالَ: ٢٣٧٩ - فِي الْجُمْلَةِ لَوْ خَصَّ وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ بِالتَّنْفِيلِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ، كَمَا لَوْ خَصَّ أَجْنَبِيًّا آخَرَ، وَهَذَا لِتَبَايُنِ الْمِلْكِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ، فَإِذَا كَانَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، إذَا عَمَّ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهَا هُنَا أَوْلَى. لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِيمَا يَحْصُلُ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ دُونَ مَنْفَعَتِهِ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ. ٢٣٨٠ - «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَشْجَعَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﵌، فَشَكَا إلَيْهِ الْحَاجَةَ فَقَالَ: اصْبِرْ، ثُمَّ ذَهَبَ فَأَصَابَ مِنْ الْعَدُوِّ غَنِيمَةً، وَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ﵌،

стр. 1192

فَطَيَّبَهَا لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] » الْآيَةُ. فَهَذَا أَصْلُ عُلَمَائِنَا فِيمَا يُصِيبُهُ الْوَاحِدُ وَالْمَثْنَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَاحِدُ بَعَثَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ لِلْمُصَابِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، فَالْآخِذُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ لِلْمُصَابِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ الْآخِذَ يَخْتَصُّ بِهِ. وَإِنْ أَخَذُوا جَمِيعًا فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ. لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالْغَنِيمَةِ، كَالْخُمُسِ، وَهَذَا لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ، بَلْ هُوَ إحْرَازُ الْمُبَاحِ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، لَا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ. ٢٣٨١ - وَلَوْ أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ يَحْفَظُهُ لَهُ، فَأَمْسَكَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ، فَهُوَ لِلْآخِذِ. لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ حِينَ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ حَفِظَ صَاحِبُهُ لَهُ بِأَمْرِهِ كَحِفْظِهِ لَهُ بِنَفْسِهِ، إلَى أَنْ أَخْرَجَهُ. ٢٣٨٢ - وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَلَبَهُ فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَخْرَجَهُ.

стр. 1193

لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَصِيرَ بِالْأَخْذِ مُحْرِزًا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ إحْرَازُهُ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَذَلِكَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي انْتَزَعَهُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقْهَرَ عَلَيْهِ صَاحِبَهُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ، وَلِيَدِ الْمُسْلِمِ حُرْمَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَهُ بِالدِّينِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْرَازَ بِالدِّينِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْآثِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ وَالتَّقَوُّمِ. ٢٣٨٣ - فَإِنْ جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَغَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى دَفَعُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ لِلَّذِينَ أَخَذُوهُ أَيْضًا. لِأَنَّ الْآخِذَ قَدْ صَارَ أَحَقَّ بِهِ، بِذَلِكَ الْأَخْذِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْقِتَالِ الَّذِي اُبْتُلُوا بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: حِينَ قَاتَلُوا عَنْهُ فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُونَ فِي حُكْمِ أَهْلِ مَنَعَةٍ، حَتَّى يَكُونَ لِمُصَابِهِمْ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ. قُلْنَا: لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ وَقَعَ اتِّفَاقًا، لَا قَصْدًا، فَلَا يَصِيرُونَ بِهِ قَاهِرِينَ حُكْمًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَتَوْا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ نِيَامًا فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَخَذَ، وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابُوا بِالْقِتَالِ، دَفْعًا عَنْهُ، إذَا اُبْتُلُوا بِهِ وَعَدَمُ الْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَحِقَهُمْ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ الْمَالَ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَيُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ

стр. 1194

أَهْلِ الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالْمَدَدِ لَهُمْ، حِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ، فَيُشَارِكُونَ فِيمَا أَصَابُوا، إذْ الْجُنْدُ قَدْ دَخَلُوا غُزَاةً، فَأَمَّا مَا أَصَابَ أَهْلُ الْجُنْدِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِمْ اللُّصُوصُ فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ مَعَهُمْ لِلُّصُوصِ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا غُزَاةً حِينَ دَخَلُوا فَلَا يَصِيرُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْجَيْشِ، بَلْ حَالُهُمْ فِيمَا أَصَابَ الْجَيْشُ كَحَالِ مَنْ كَانَ تَاجِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ أَسِيرًا أَوْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِهَؤُلَاءِ فِي الْمُصَابِ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا. وَأَمَّا وُجُوبُ الْخُمُسِ فِي الْكُلِّ فَلِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ. ٢٣٨٤ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا دَخَلُوا أَوَّلًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَقَدْ نَهَى الْإِمَامُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَحِقَا بِهِمْ قَبْلَ الْإِصَابَةِ تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُصَابِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ. لِأَنَّهُمْ مُتَلَصِّصُونَ، حِينَ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَا يَصِيرُونَ مَدَدًا لِلْجَيْشِ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَدَدَ الْجَيْشِ غُزَاةٌ، وَهُمْ لَيْسُوا بِغُزَاةٍ حُكْمًا، حِين دَخَلُوا مُتَلَصِّصِينَ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِمْ أَنْ يَصِيرُوا غُزَاةً حَقِيقَةً وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ. ٢٣٨٥ - وَإِنْ كَانُوا لَحِقُوهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ شَارَكُوهُمْ فِيمَا أَصَابُوا.

стр. 1195

لِأَنَّهُمْ بِنَفْسِ الدُّخُولِ صَارُوا غُزَاةً الْآنَ، فَكَانُوا مَدَدًا لِلْجَيْشِ يُشَارِكُونَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ. - وَلَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ الْتَحَقُوا بِالْعَسْكَرِ، فَحَالُهُمْ وَحَالُ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُمْ حِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مُرْتَدِّينَ، فَقَدْ صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ، فَبَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَسْلَمُوا وَالْتَحَقُوا بِالْجَيْشِ، لَا يَكُونُونَ غُزَاةً، بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْجَيْشِ، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ دَفْعًا عَمَّا أَصَابُوا. - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَأَصَابُوا شَيْئًا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَالْتَقَوْا بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، فَمَا أَصَابَ الْمُتَلَصِّصُونَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا، أَوْ بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، يَكُونُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَلَا خُمُسَ فِيهِ. لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ مَا أَصَابَهُمْ بِالِالْتِقَاءِ، فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَصِيرُوا بِهِمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابُوا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الَّذِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَقَدْ تَغَيَّرَ صِفَةُ إصَابَتِهِمْ وَإِحْرَازِهِمْ بِالِالْتِحَاقِ بِهِمْ. - وَمَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، قَبْلَ الِالْتِقَاءِ
следующие страницы →