← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فِيمَا تَقَرَّرَ حَقُّهُمْ فِيهِ، وَهَا هُنَا اعْتَرَضَ حَقُّهُمْ عَلَى الْحَقِّ الثَّابِتِ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ رَأْيٍ رَآهُ الْإِمَامُ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ الرَّأْيُ مُقَيَّدٌ بِالنَّظَرِ، وَفِيمَا لَا نَظَرَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ يُعْتَبَرُ تَقَدُّمُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ هَذَا نَظِيرُ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِحَالٍ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ. ٣٠٢٧ - إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَهْدِمَ أَبْنِيَةَ الْكَنَائِسِ الْقَدِيمَةِ لَهُمْ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوهَا مَسَاكِنَ يَسْكُنُونَهَا. لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ، وَلَمَّا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَقَدْ أَظْهَرَ الْحُرْمَةَ وَالْعِصْمَةَ لِأَمْلَاكِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّخْرِيبِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِيهَا لِتَعَبُّدِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّرْكِ فِي مَوْضِعٍ ثَبَتَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِي إظْهَارِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهِ. ٣٠٢٨ - فَإِنْ عَطَّلَ الْمُسْلِمُونَ هَذَا الْمِصْرَ حَتَّى تَرَكُوا إقَامَةَ الْحُدُودِ وَالْجُمَعِ فِيهَا، فَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا مَا أَرَادُوا مِنْ الْكَنَائِسِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيهَا. لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَدْ ارْتَفَعَ.

стр. 1472

أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُمْنَعُونَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهَا الْإِمَامُ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، يُقِيمُ فِيهَا الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا تَرَكَ ذَلِكَ) . لِأَنَّ الْمَانِعَ صُورَةُ الْمُعَارَضَةِ. ٣٠٢٩ - قَالَ: وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً وَلَا بَيْتَ نَارٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ. لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُبْنَى عَلَى سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهَا، وَهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ اسْتِدَامَةِ السُّكْنَى فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، كَرَامَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ وِلَادَتِهِ وَمَنْشَئِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِقَوْلِهِ: «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» . وَقَالَ: «لَئِنْ بَقِيت لَأُخْرِجَنَّ بَنِي نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . ثُمَّ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إلَى الشَّامِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَكَذَلِكَ أَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ وَيَهُودَ وَادِي الْقُرَى وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَسْكُنُ أَرْضَ الْعَرَبِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، حَتَّى لَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ وَبَعْضُهُمْ بِالْعِرَاقِ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِدَامَةِ السُّكْنَى لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ تِلْكَ الْكَنَائِسِ وَإِظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِيهَا أَظْهَرُ. ٣٠٣٠ - وَإِذَا دَخَلَهَا مُشْرِكٌ تَاجِرًا عَلَى أَنْ يَتْجُرَ وَيَرْجِعَ

стр. 1473

إلَى بِلَادِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا. لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ كَحَالِهِمْ فِي الْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ، وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ، فَكَذَلِكَ حَالُهُمْ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ حَتَّى إذَا أَرَادَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَنْزِلَ أَرْضَ الْعَرَبِ، مِثْلَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالرَّبَذَةِ وَوَادِي الْقُرَى، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ مِنْ عُذَيْبٍ إلَى مَكَّةَ طُولًا وَمِنْ عَدَنَ أَبَيْنَ إلَى أَقْصَى حُجْرَ بِالْيَمَنِ بِمُهْرَةَ عَرْضًا. ٣٠٣١ - وَكُلُّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمَعُ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ أَنْ يُدْخِلَ فِيهَا خَمْرًا وَلَا خِنْزِيرًا ظَاهِرًا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَقَالَ: إنَّمَا مَرَرْت مُجْتَازًا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَلِّلَ الْخَمْرَ أَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لِي، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا دَيِّنًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى ذَلِكَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ. لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، خُصُوصًا فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ. ٣٠٣٢ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِتَنَاوُلِ ذَلِكَ أُهْرِيقَتْ خَمْرُهُ وَذُبِحَ خِنْزِيرُهُ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ.

стр. 1474

لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ كَانَ ارْتِكَابَ الْحَرَامِ، وَفِعْلُهُ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى قَصْدِ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ حَرَامٌ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَدِّبَهُ بِأَسْوَاطٍ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ فَعَلَ. لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْجِبَ التَّعْزِيرِ بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، وَهُوَ إظْهَارُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي مِصْرِ الْمُسْلِمِينَ. ٣٠٣٣ - وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْإِنَاءِ بِالْكَسْرِ وَالتَّمْزِيقِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدَهُ عَلَى مَالِكِهِ إذْ التَّعْزِيرُ بِإِيلَامٍ فِي الْبَدَنِ لَا بِإِفْسَادٍ فِي الْمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي بَابِ إحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ. ٣٠٣٤ - وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ إنْسَانٌ ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَهُ. لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ حَلَالٍ. ٣٠٣٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ رَأْيِ الْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِمَا صَنَعَ صَاحِبُهُ. فَحِينَئِذٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ، وَلَا عَلَى مَنْ أَمَرَهُ بِهِ.

стр. 1475

لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ حُكْمٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي إحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ، وَحُكْمُ الْإِمَامِ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ نَافِذٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: تَأْوِيلُ هَذَا فِي إنَاءٍ يُشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَجُوزُ إفْسَادُهُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَمَرَ بِكَسْرِ الدِّنَانِ وَشَقِّ الزِّقَاقِ» . وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ الْإِمَامُ وَغَيْرُ الْإِمَامِ فِي هَذَا سَوَاءً، كَمَا فِي إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الزَّجْرِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حُكْمًا نَافِذًا. ٣٠٣٦ - فَإِنْ أَخَذَ الزِّقَّ وَالدَّابَّةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الشَّرَابُ فَبَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ. لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ فِي هَذَا كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِي أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي بَيْعِ الْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ. ٣٠٣٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَدْخَلَهُ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُرَدُّ عَلَيْهِ مَتَاعُهُ وَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ إنْ عَادَ أَدَّبَهُ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْجَهْلُ فِي مِثْلِهِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ التَّأْدِيبِ. ٣٠٣٨ - فَإِنْ عَادَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ أَوْ كَانَ عَالِمًا فِي

стр. 1476

الِابْتِدَاءِ أَنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ لَمْ يَنْبَغِ لِلْإِمَامِ أَنْ يُرِيقَ خَمْرَهُ وَلَا يَذْبَحَ خِنْزِيرَهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّأْدِيبَ لَيْسَ بِإِتْلَافِ الْمَالِ وَلَكِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ. ٣٠٣٩ - وَإِنْ أَتْلَفَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ هَا هُنَا كَحَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَوَانِي، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِصَاحِبِهِ كَمَا بَيَّنَّا. ٣٠٤٠ - وَلَوْ مَرَّ ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ لَهُ فِي سَفِينَةِ فِي مِثْلِ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ فَمَرَّ بِهَا فِي وَسَطِ بَغْدَادَ أَوْ وَاسِطَ أَوْ الْمَدَائِنِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمَمَرِّ فِيهِ. يَعْنِي أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ - كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي وَسَطِ الدِّجْلَةِ. ٣٠٤١ - إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ أَنْ يُرَدَّ بِهَا إلَى شَيْءٍ مِنْ قُرَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ ظَاهِرًا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ،

стр. 1477

وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي وَسَطِ دِجْلَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ الَّتِي فِيهَا مَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِي تَأْدِيبِهِ كَمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا الْمَمَرَّ بِذَلِكَ فِي طَرِيقِ الْأَمْصَارِ وَلَا مَمَرَّ لَهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ. ٣٠٤٢ - فَإِنْ كَانَ لَهُمْ طَرِيقٌ يَأْخُذُونَ فِيهِ غَيْرُ الْأَمْصَارِ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ الْآنَ إلَى ذَلِكَ. ٣٠٤٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَرِيقٌ سِوَى ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ أَمِينًا حَتَّى يُخْرِجَهُمْ مِنْ الْمِصْرِ، نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَنَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَخْلُوَ حَالُهُمْ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ مَعْنَى الذُّلِّ، أَوْ حَتَّى لَا يُدْخِلُوا ذَلِكَ. بَعْضَ مَسَاكِنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ بِشُرْبِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. ٣٠٤٤ - وَكُلُّ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَظْهَرُوا شَيْئًا مِنْ الْفِسْقِ مِمَّا لَمْ يُصَالَحُوا عَلَيْهِ، مِثْلَ الزِّنَا وَإِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ، فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

стр. 1478

لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدِيَانَةٍ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ فِسْقٌ فِي الدِّيَانَةِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْحُرْمَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا يَعْتَقِدُهُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ يُمْنَعُونَ مِنْ كُلِّهِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ فَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ. ٣٠٤٥ - وَالْأَصْلُ فِيهِ عَقْدُ الرِّبَا، فَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، كَتَبَ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ بِأَنْ تَدَعُوا الرِّبَا أَوْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ، وَكَانَ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ فِسْقٌ مِنْهُمْ فِي الدِّيَانَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ حُرْمَةُ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] . وَعَلَى هَذَا إظْهَارُ بَيْعِ الْمَزَامِيرِ وَالطُّبُولِ لِلَّهْوِ، وَإِظْهَارُ الْغِنَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ، وَمَنْ كَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا كَمَا يَضْمَنُهُ إذَا كَسَّرَهُ لِلْمُسْلِمِ. لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ فِي التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ عَلَيْهِ فِي دِينِهِمْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ خَاصَّةً، فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنْعِ مِنْ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ. ٣٠٤٦ - وَلَوْ طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الصُّلْحَ عَلَى شَرْطِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنْ اتَّخَذُوا مِصْرًا فِي أَرْضِهِمْ لَمْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ أَنْ يُحْدِثُوا

стр. 1479

فِيهِ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً، وَإِنْ يُظْهِرُوا فِيهِ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى إعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ، وَالْتِزَامِ مَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ. ٣٠٤٧ - فَإِنْ أَعْطَاهُمْ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا عَهْدًا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِهَذَا الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ» . وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا» ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] . فَصَارَ هَذَا أَصْلًا أَنَّ الصُّلْحَ مَتَى وَقَعَ عَلَى شُرُوطٍ مِنْهَا الْجَائِزُ الَّذِي يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمِنْهَا الْفَاسِدُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ: فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ إلَى الْجَائِزِ فَيُجِيزُهُ، وَإِلَى الْفَاسِدِ فَيُبْطِلُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَرَطُوا فِي الصُّلْحِ إظْهَارَ الزِّنَا وَاسْتِئْجَارَ الزَّوَانِي عَلَانِيَةً لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، بَلْ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الزِّنَا مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. ٣٠٤٨ - وَلَوْ أَنَّ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى أَرَاضِيِهِمْ أَحْدَثُوا

стр. 1480

كَنَائِسَ فِي قُرَاهُمْ وَأَمْصَارِهِمْ بَعْدَ مَا صَارُوا ذِمَّةً ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمْعُ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ أَحْدَثُوهُ وَمَا كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ إحْدَاثِهِ يَوْمَئِذٍ، فَكَانَ ذَلِكَ وَكَنَائِسُهُمْ الْقَدِيمَةُ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا سَوَاءً، فَيُتْرَكُ ذَلِكَ لَهُمْ. ٣٠٤٩ - وَيُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ بَعْدَ مَا صَارَ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِي هَذَا الْمِصْرِ وَلَا يَمْنَعُونَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَةِ الْقَدِيمَةِ. قُلْنَا: لِأَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا اسْتِدَامَةُ الْكَنِيسَةِ عَلَى مَا كَانَتْ فَلَيْسَ بِإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ، وَصَلَاتُهُمْ فِيهَا وَإِنْ كَانَ إنْشَاءُ التَّصَرُّفِ فَبِعَقْدِ الذِّمَّةِ قَدْ اسْتَحَقُّوا تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَكَأَنَّ صَلَاتَهُمْ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ شُرْبِهِمْ الْخَمْرَ وَأَكْلِهِمْ الْخَنَازِيرَ. ٣٠٥٠ - وَلَوْ أَنَّ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمَعُ فَمُنِعُوا مِنْ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ فِيهِ ثُمَّ تَحَوَّلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مِنْهُمْ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ

стр. 1481

فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَعُودُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِيهِ، فَإِنْ بَنَوْا فِيهَا الْكَنَائِسَ ثُمَّ بَدَا لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجَعُوا إلَى ذَلِكَ الْمِصْرِ لَمْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثُوا مِنْ الْكَنَائِسِ قَبْلَ عَوْدِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُمْ حِينَ بَنَوْا مَا كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا وَمَا بَنَوْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِصْرًا لَهُمْ سَوَاءً. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ أُخِذَ عَنْوَةً فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْكَنَائِسِ الْقَدِيمَةِ. ٣٠٥١ - فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ قَدِيمَةٌ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ مَنْعَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا فَقَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَالَحْنَا عَلَى بِلَادِنَا، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ أَخَذْنَا بِلَادَكُمْ عَنْوَةً ثُمَّ جُعِلْتُمْ ذِمَّةً، وَهُوَ أَمْرٌ قَدْ تَطَاوَلَ فَلَمْ يُدْرَ كَيْفَ كَانَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، هَلْ يَجِدُ فِيهِ أَثَرًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؟ وَيَسْأَلُ أَصْحَابَ الْأَخْبَارِ كَيْفَ كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْأَرْضِ؟ فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرًا عَمِلَ بِهِ. لِأَنَّ نَقْلَ الثِّقَاتِ الْأَخْبَارَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا. وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالشَّهَادَةِ الْقَاطِعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَمَا جَرَى الرَّسْمُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَيُكْتَفَى فِيهِ بِمَا يُوجَدُ مِنْ

стр. 1482

الْحُجَّةِ فِي أَيْدِي الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْوُسْعَ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُجَجِ، وَلِهَذَا يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ. وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ، لِلْعَمَلِ بِهِ فِي بَابِ الدَّيْنِ. ٣٠٥٢ - فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي يَدِ الْفُقَهَاءِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ الْآثَارُ فِيهِ مُخْتَلِفَةً، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُهَا أَرْضَ صُلْحٍ، وَيَجْعَلُ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ أَهْلِهَا. لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ، فَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ فِيهَا بِالْأَصْلِ، وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ بِالْمَنْعِ وَالْهَدْمِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِالْأَصْلِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، كَيْفَ وَقَدْ تَأَكَّدَ قَوْلُهُمْ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الصُّلْحِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْحَالِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الِاشْتِبَاهَ مَتَى تَمَكَّنَ فِيمَا مَضَى يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى تَحْكِيمِ الْحَالِ، كَمَا فِي جَرَيَانِ الْمَاءِ فِي اسْتِئْجَارِ الرَّحَى. تَوْضِيحُهُ: أَنَّا تَيَقَّنَّا بِثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِيهَا فِي الْأَصْلِ وَوَقَعَ الشَّكُّ وَالتَّعَارُضُ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. ٣٠٥٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ جَاءَ أَثَرُ أَنَّهُمْ أَهْلُ صُلْحٍ وَأَثَرُ أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُهُمْ أَيْضًا. لِتَعَارُضِ الْآثَارِ.

стр. 1483

وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ شُهُودٌ، عَلَى شَهَادَةِ شُهُودٍ، أَنَّهُمْ صَالَحُوا وَشَهِدَ شُهُودٌ عَلَى أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً فَإِنَّهُ يَعْمَل بِشَهَادَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي. لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فَيُرَجَّحُ بِالْإِثْبَاتِ، وَاَلَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّهُمْ صَالَحُوا يَبْقَوْنَ عَلَى مَا كَانَ وَلَا يُثْبِتُونَ شَيْئًا حَادِثًا، وَالْفَرِيقُ الثَّانِي يُثْبِتُونَ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْأَثَرُ فَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ قَاطِعَةٍ، وَالْعَمَلُ بِهَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَفِي الْإِبْقَاءِ وَالْإِحْدَاثِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلِتَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ يُصَارُ إلَى التَّمَسُّكِ بِالْأَصْلِ. وَأَشَارَ إلَى مَعْنًى آخَرَ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: ٣٠٥٥ - لَمَّا جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ هُمْ الْمُسْلِمُونَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ مَعَ ذِي الْيَدِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ بَيِّنَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ تَقْرِيرِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَنَفْيِ سَبَبِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ بِمَنْزِلَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ إذَا ثَبَتَ حُرِّيَّتُهُ بِالْبَيِّنَةِ فِي مُعَارَضَةِ بَيِّنَةِ مُدَّعِي الرِّقِّ عَلَيْهِ. قُلْنَا: هَذَا مَعْنًى لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ هَا هُنَا، فَاَلَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً إذَا مَنَّ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ كَانُوا أَحْرَارَ الْأَصْلِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَرِقَابِهِمْ، فَبَيْنَ الْكُلِّ اتِّفَاقٌ عَلَى أَنَّهُمْ

стр. 1484

أَحْرَارٌ لَمْ يُمْلَكُوا قَطُّ، وَإِنَّمَا الدَّعْوَى فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْكَنَائِسِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَى بَيْنَ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ فِي مِلْكِ مَا فِي يَدِهِ. ٣٠٥٦ - وَلَوْ جَاءَ أَثَرُ أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً وَجَاءَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَةِ أَنَّهُمْ صُولِحُوا كَانَتْ الشَّهَادَةُ أَحَقَّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا. لِأَنَّهَا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فَلَا يُقَابِلُهَا رِوَايَةُ الْأَثَرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي مَوْضِعِ الْمُنَازَعَةِ وَالْخُصُومَةِ. ٣٠٥٧ - وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٣٠٥٨ - وَلَوْ جَاءَ أَثَرُ أَنَّهُمْ صَالَحُوا - وَجَاءَتْ الشَّهَادَةُ أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالشَّهَادَةِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ. لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَيْهِمْ الْآنَ بِاسْتِحْقَاقِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1485

[بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِالْعَدُوِّ وَمَا لَا يَحِلُّ] ٣٠٥٩ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَحْرِيقِ حُصُونِهِمْ وَتَغْرِيقِهَا مَا دَامُوا مُمْتَنِعِينَ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُسَرَاءَ أَوْ مُسْتَأْمَنِينَ أَوْ لَمْ يَكُونُوا، وَالْأَوْلَى لَهُمْ إذَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الظَّفَرِ بِهِمْ بِوَجْهٍ آخَرَ أَلَّا يُقْدِمُوا عَلَى التَّغْرِيقِ وَالتَّحْرِيقِ. لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافَ مَنْ فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانُوا وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا، فَفِي ذَلِكَ إتْلَافُ أَطْفَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَذَلِكَ حَرَامٌ شَرْعًا، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ فِيهِ أَلَا يَكُونَ لَهُمْ طَرِيقٌ آخَرُ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الظَّفَرِ بِهِمْ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، أَوْ يَلْحَقُهُمْ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ حَرَجٌ عَظِيمٌ وَمَئُونَةٌ شَدِيدَةٌ، فَحِينَئِذٍ لِدَفْعِ هَذِهِ الْمَئُونَةِ يُبَاحُ لَهُمْ التَّحْرِيقُ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ أَلَّا يَلْزَمَهُمْ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ قَتْلِ مَحْظُورٍ وَهَذَا قِتَالٌ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً. ٣٠٦٠ - وَالسَّفِينَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْحِصْنِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْهُمْ وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا بِفِعْلِهِمْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمُقَاتِلِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.

стр. 1486

لِأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى التَّحَرُّزِ عَنْ إصَابَةِ الْأَطْفَالِ فِعْلًا كَانَ عَلَيْهِمْ التَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَقَدَرُوا عَلَى التَّحَرُّزِ قَصْدًا كَانَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وَقَدْ بَيَّنَّا مَا سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفِعْلِ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ صِفَةُ الْخَطَأِ. ٣٠٦١ - فَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّامِي وَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ بِالرَّمْيَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ الْوَلِيُّ: أَقَصَدْته بَعْدَ مَا عَلِمْت أَنَّهُ مُكْرَهٌ مِنْ جِهَتِهِمْ فِي الْوُقُوفِ فِي الصَّفِّ، وَقَالَ الرَّامِي: إنَّمَا تَعَمَّدْت الْمُشْرِكِينَ بِالرَّمْيِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّامِي مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ الرَّمْيَ إلَى صَفِّ الْمُشْرِكِينَ مُبَاحٌ لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ الضَّمَانَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ الْأَصْلِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهِ. ٣٠٦٢ - ثُمَّ الْوَلِيُّ يَدَّعِي عَلَى الرَّامِي سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ تَعَمُّدُهُ إيَّاهُ بِالرَّمْيِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ. وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلرَّامِي، وَالْمُسْلِمُ لَا يَتَعَمَّدُ الرَّمْيَ إلَى الْمُسْلِمِ. ٣٠٦٣ - وَمُطْلَقُ فِعْل الْمُسْلِمِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَحِلُّ شَرْعًا. لِأَنَّ دِينَهُ وَعَقْلَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَمْنَعُهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، فَلِهَذَا جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَ الرَّامِي فِي ذَلِكَ.

стр. 1487

إلَّا أَنَّهُ يَحْلِفُهُ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ أَلْزَمَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ اسْتَحْلَفَ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ. ٣٠٦٥ - فَإِذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ الْمَرْأَةَ مَعَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَمْلِهَا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمَا. لِأَنَّ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَان حَرَامٌ بِالنَّصِّ. ٣٠٦٦ - وَلَكِنْ يَتْرُكُونَهُمَا فِي مَضْيَعَةٍ. لِأَنَّ فِي تَرْكِهِمَا فِي مَضْيَعَةٍ امْتِنَاعٌ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا بِالنَّقْلِ إلَى مَوْضِعِ الْأَمْنِ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إسَاءَةً. ٣٠٦٧ - وَإِذَا كَانَ مَعَهُمَا أَبُ الصَّبِيِّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ. لِأَنَّهُ أَسِيرٌ مُبَاحُ الدَّمِ. ٣٠٦٨ - وَلَوْ اُمْتُنِعَ قَتْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَيَاعِهِمَا لَامْتُنِعَ قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ أَصْلًا. لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْحَرْبِ إلَّا وَفِيهِ تَوَهُّمُ ضَيَاعِ عِيَالِهِ. ٣٠٦٩ - فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى أَنْ يَحْمِلُوا الْمَرْأَةَ دُونَ الصَّبِيِّ وَعَلِمُوا أَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ إذَا فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ أَكْبَرَ ظَنِّهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.

стр. 1488

لِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُمَا كَانَ فِيهِ ضَيَاعُ الصَّبِيِّ أَيْضًا. وَلِأَنَّ تَضْيِيعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ تَضْيِيعِهِمَا، وَلِأَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الْمَرْأَةَ دُونَ الصَّبِيِّ يَقْصِدُونَ مَنْفَعَةَ أَنْفُسِهِمْ فِي اسْتِرْقَاقِهَا، وَذَلِكَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ. ٣٠٧٠ - وَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا بِسَبَبِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَلَّا يَرْمُوا بِالصَّبِيِّ عَنْ خُيُولِهِمْ رَمْيًا، وَلَكِنْ يَضَعُونَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَضْعًا. لِأَنَّهُمْ إذَا رَمَوْا بِهِ كَانَ هَالِكًا بِفِعْلِهِمْ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ مِنْهُمْ لَهُ، وَإِذَا وَضَعُوهُ لَمْ يَكُونُوا قَاتِلِينَ لَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ لَقِيطًا فَرَفَعَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَوْ رَمَى فَتَلِفَ كَانَ ضَامِنًا بَدَلَ نَفْسِهِ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَضْعِ وَالتَّرْكِ فِي مَوْضِعٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُهْلَكُ فِيهِ. ٣٠٧١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِ الصَّبِيِّ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِ أُمِّهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوهُ وَيَتْرُكُوهَا، إذَا كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي إخْرَاجِهِ صَحِيحًا، بِأَنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى غِذَاءٍ يُغَذُّونَهُ بِهِ إذَا فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ، فَإِنْ كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ يَتَيَقَّنُونَ بِأَنَّهُ يَمُوتُ فِي أَيْدِيهِمْ إذَا حَمَلُوهُ دُونَ أُمِّهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكُوهُ مَعَ أُمِّهِ. لِأَنَّ هَذَا تَفْرِيقٌ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَلِأَنَّهُمْ إذَا تَرَكُوهُ مَعَ أُمِّهِ لَا يَكُونُ هَلَاكُ

стр. 1489

الْوَلَدِ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِمْ تَسْبِيبًا وَلَا مُبَاشَرَةً وَإِذَا حَمَلُوهُ دُونَ أُمِّهِ كَانَ هَلَاكُ الْوَلَدِ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِمْ تَسْبِيبًا مِنْ حَيْثُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَتَغَذَّى بِهِ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ. ٣٠٧٢ - وَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا شَاءُوا فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلُوا مَا يَكُونُ مَنْفَعَتُهُمْ فِيهِ أَكْثَرَ. لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ يُبَاحُ أَصْلُ الْحَمْلِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَبِزِيَادَةِ الْمَعْنَى فِي الْمَنْفَعَةِ يَقَعُ التَّرْجِيحُ أَيْضًا. ٣٠٧٣ - وَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ وَاحِدَةً فَإِنْ لَمْ يَطْمَعُوا فِي أَنْ يَعِيشَ الصَّبِيُّ إذَا فُصِلَ مِنْ أُمِّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلُوا الْأُمَّ دُونَ الصَّبِيِّ. لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي حَمْلِ الصَّبِيِّ الْآنَ. ٣٠٧٤ - وَإِنْ كَانُوا طَمِعُوا أَنْ يَعِيشَ الصَّبِيُّ مَعَهُمْ بِمَا يُغَذُّونَهُ بِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الصَّبِيُّ وَيَتْرُكُوا الْأُمَّ. لِأَنَّ خَوْفَ الضَّيَاعِ وَالْعَجْزِ عَنْ الْإِحْسَانِ لِنَفْسِهِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ أَظْهَرُ. وَلِأَنَّ الْأُمَّ كَافِرَةٌ مُخَاطَبَةٌ، فَالِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهَا عِنْدَ إصْرَارِهَا عَلَى الْكُفْرِ يَكُونُ أَوْلَى مِنْ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الرَّضِيعِ.

стр. 1490

٣٠٧٥ - وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى حَمْلِهِمَا فَلَسْت أُحِبُّ لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا وَاحِدًا مِنْهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ إيصَالِ الْمَنْفَعَةِ إلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا. وَقَالَ ﵌: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَلِأَنَّهُمْ نَقَلُوهُمَا إلَى هَذَا الْمَكَانِ وَفِي تَرْكِ أَحَدِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ تَضْيِيعٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ حَمْلِهِمَا. ٣٠٧٦ - وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ وَجَدُوهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوا أَحَدَهُمَا أَيُّهُمَا شَاءُوا. لِأَنَّهُمْ مَا نَقَلُوهُمَا إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى حَمْلِهِمَا، فَيَكُونُ لَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكُوا أَحَدَهُمَا وَيَأْخُذُوا الْآخَرَ، لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ بِحَقٍّ. ٣٠٧٧ - وَهَذَا إذَا طَمِعُوا أَنْ يَعِيشَ الصَّبِيُّ فِي أَيْدِيهِمْ بِمَا يُغَذُّونَهُ بِهِ إذَا أَخَذُوهُ، فَإِذَا لَمْ يَطْمَعُوا فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوهُمَا إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُوهُمَا. لِأَنَّ فِي أَخْذِ الصَّبِيِّ وَحْدَهُ تَفْرِيقٌ غَيْرُ مُفِيدٍ. ٣٠٧٨ - وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَحَدِهِمَا فَلْيَأْخُذُوا الْأُمَّ. لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ.

стр. 1491

وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهَا وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ. لِأَنَّهُمْ بِأَخْذِ الْأُمِّ يَقْصِدُونَ تَحْصِيلَ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ، وَأَخْذُهَا لَيْسَ بِقَتْلٍ مِنْهُمْ لِلصَّبِيِّ بِعَيْنِهِ. ٣٠٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدُوا مَعَ الصَّبِيِّ أَبَاهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يَأْسِرُوهُ، وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ بَعْدَهُ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَعَرُّضٍ مِنْهُمْ لِلصَّبِيِّ بِشَيْءٍ. ٣٠٨١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الصَّبِيِّ وَالِدَاهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوضَعَ الصَّبِيُّ نَاحِيَةً وَيُؤْخَذُ أَبَوَاهُ فَيُؤْسَرَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَحْرِيقِ حُصُونِهِمْ وَتَغْرِيقِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الْأَطْفَالِ فَلَأَنْ يَجُوزَ قَتْلُ الْمُشْرِكِ وَأَسْرُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الصَّغِيرِ كَانَ أَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَلَا يَرْمُوا بِالصَّبِيِّ وَلَكِنَّهُمْ يَضَعُونَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا بِأَنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي أَثَرِهِمْ فَخَافُوا أَنْ يَنْزِلُوا، فَيَضَعُوهُ عَلَى الْأَرْضِ، أَنْ يَلْحَقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْمُوا بِهِ عَنْ خُيُولِهِمْ وَلَا يَتَعَمَّدُوا قَتْلَهُ. لِأَنَّ أَمْرَ أَنْفُسِهِمْ أَهَمُّ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ وُقُوعِهِمْ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَكَانَ حَالُهُمْ الْآنَ فِيمَا اُبْتُلُوا بِهِ، كَحَالِ تَتَرُّسِ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَطْفَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا بَأْسَ بِالرَّمْيِ إلَيْهِمْ

стр. 1492

بِشَرْطِ أَلَا يَتَعَمَّدُوا قَتْلَ الصَّبِيَّانِ، فَهَا هُنَا أَيْضًا لَا بَأْسَ بِرَمْيِ الصَّبِيَّانِ عَنْ دَوَابِّهِمْ إذَا عَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِمْ وَعَنْ وَضْعِهِمْ عَلَى الْأَرْضِ. ٣٠٨٢ - فَإِنْ قَتَلَهُمْ رَمْيُهُمْ لَهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَلَا إثْمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ وَلَكِنَّهُ قُيِّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ هَا هُنَا وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى التَّتَرُّسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُنَاكَ لَمْ يَتَّصِلْ مِنْهُمْ فِعْلٌ بِالْأَطْفَالِ قَبْلَ أَنْ تَتَرَّسَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ اتَّصَلَ مِنْهُمْ فِعْلٌ بِالْأَطْفَالِ قَبْلَ أَنْ يُبْتَلَوْا بِرَمْيِهِمْ، وَهُوَ حَمْلُهُمْ وَنَقْلُهُمْ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَلِهَذَا قُيِّدَ الْجَوَابُ بِالِاسْتِثْنَاءِ. ٣٠٨٣ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ وَمَعَهُمْ فِيهَا أَطْفَالٌ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَانْتَهَوْا إلَى مَكَان مِنْ الْبَحْرِ أَكْبَرُ الظَّنِّ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَطْرَحُوهُمْ فِي الْمَاءِ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ وَمَنْ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطْرَحُوهُمْ وَلَا يَتَعَمَّدُوا بِذَلِكَ قَتْلَهُمْ. لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْوَجْهُ لِنَجَاتِهِمْ مِمَّا اُبْتُلُوا بِهِ، فَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ. ٣٠٨٤ - وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوهُمْ وَلَا أَنْ يَرْمُوا بِهِمْ. لِأَنَّ حُرْمَةَ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ كَحُرْمَةِ الْكِبَارِ مِنْهُمْ.

стр. 1493

وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقِيَ رُوحَهُ بِرُوحِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ بِوَعِيدِ الْقَتْلِ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا. وَلِأَنَّهُمْ يَتَعَجَّلُونَ فِي هَذَا قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ يَخَافُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اُبْتُلِيَ بِمَخْمَصَةٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ أَحَدًا مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ. ٣٠٨٥ - وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ فِي سَفِينَةٍ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَطْرَحُوهُمْ فِي الْمَاءِ وَإِنْ خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ. لِأَنَّهُمْ آمِنُونَ فِيهِمْ بِسَبَبِ الذِّمَّةِ أَوْ الْأَمَانِ، فَكَانُوا كَالْآمِنِينَ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ. ٣٠٨٦ - وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ أَطْفَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ لِوُجُودِ عَاصِمٍ مِنْهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَرِقُّونَهُمْ كَمَا لَا يَقْتُلُونَهُمْ، وَفِي حَقِّ الْأَطْفَالِ الْمَنْعُ مِنْ الْقَتْلِ لَيْسَ بِعَاصِمٍ فِيهِ بَلْ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ وَهِيَ الْمُحَارَبَةُ، وَلِهَذَا جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ، مَعَ أَنَّ فِي الِاسْتِرْقَاقِ إتْلَافًا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَلِضَعْفِ حَالِهِمْ قُلْنَا. عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُمْ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ.

стр. 1494

وَعَلَى هَذَا لَوْ هَدَّدَ مَلِكُهُمْ أَسِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا مِنْهُمْ أَوْ امْرَأَةً وَقَالَ: إنْ لَمْ تَقْتُلْهُ قَتَلْنَاك كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَقْتُلَهُ. وَفِي سَعَةِ مِنْ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ حَتَّى يَقْتُلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ التَّرَخُّصِ لَهُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. ٣٠٨٧ - وَلَوْ أَنَّ جَرِيدَةَ خَيْلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَطْفَالًا مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلُوهُمْ عَلَى خُيُولِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْعَدُوُّ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِالْأَطْفَالِ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَمُوتُوا عَنْ آخِرِهِمْ أَوْ يَنْقَلِبُوا هُمْ وَالْأَطْفَالُ لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي الْحُرْمَةِ وَالْعِصْمَةِ وَهَذِهِ الْمُسَاوَاةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بَعْدَ مَا أَخَذُوهُمْ وَالْتَزَمُوا حَمْلَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَأْخُذُوهُمْ بَعْدُ وَخَافُوا أَنْ يَأْخُذُوهُمْ أَنْ يَعْجَزُوا عَنْ حَمْلِهِمْ وَأَنْ يُدْرِكَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتْرُكُوهُمْ. لِأَنَّ فِي هَذَا مِنْهُمْ تَرْكَ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَطْفَالِ لَا الْإِسَاءَةِ إلَيْهِمْ. وَلِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الْتِزَامِ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ إذَا الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ قَاتَلُوا عَنْهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا أَوْ يَظْفَرُوا بِالْعَدُوِّ فَيُخْرِجُوهُمْ فَذَلِكَ أَفْضَلُ.

стр. 1495

لِأَنَّ الدَّفْعَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ عَزِيمَةٌ، وَتَرْكُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رُخْصَةٌ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْعَزِيمَةِ خَيْرٌ مِنْ التَّرَخُّصِ بِالرُّخْصَةِ. ٣٠٨٨ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُقَوَّوْنَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَأْخُذُوا مِنْهُمْ الْأَطْفَالَ لَمْ يَسَعْهُمْ تَرْكُهُمْ. لِأَنَّ الدَّفْعَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَعِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ يُفْرَضُ الْخُرُوجَ لِلْقِتَالِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَيْنًا لِلدَّفْعِ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي أَنْ يَنْجُوا مَعَ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَاتَلُوا لَمْ يَسَعْهُمْ إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَطْمَعُونَ فِي ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُرَخَّصُ لَهُمْ فِي الْبِدَايَةِ بِأَنْفُسِهِمْ فِي اكْتِسَابِ سَبَبِ النَّجَاةِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵌: «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» . وَعَلَى هَذَا لَوْ اُبْتُلُوا بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ فِي أَطْفَالٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَمَلُوهُمْ بِدُونِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَام ثُمَّ أَدْرَكَهُمْ الْمُشْرِكُونَ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالَ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ دَارِ الْإِسْلَامِ، حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. ٣٠٨٩ - وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ إنْ رَمَوْا بِهِمْ لَمْ يَهْلَكُوا، وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَأْخُذُونَهُمْ فَيَرُدُّونَهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ،

стр. 1496

فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطْرَحُوهُمْ، إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا هَلَاكٌ وَلَا قَتْلٌ لِلْأَطْفَالِ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ وِقَايَةً لِرُوحِهِ. ٣٠٩٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ فَخَافُوا إنْ لَمْ يَطْرَحُوهُمْ أَنْ يَلْحَقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَيَقْتُلُوهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطْرَحُوهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَأْخُذُونَهُمْ وَلَا يَقْتُلُونَهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا قَتْلٌ وَلَا هَلَاكٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يُخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحِصْنِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي فِعْلِهِمْ إتْلَافُ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ٣٠٩١ - وَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى قِتَالِهِمْ، أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عَلَى أَنَّهُمْ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَ يَسَعُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ. لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَالْيَقِينِ، وَالدَّفْعُ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ.

стр. 1497

٣٠٩٢ - وَلَوْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ فَخَافُوا إنْ لَمْ يَرْمُوا بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْمَاءِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْرِكُونَ مَنْ فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِهِمْ فِي الْمَاءِ. لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِي الْمَاءِ أَنَّهُ مُهْلِكٌ، فَكَانَ فِي هَذَا إتْلَافُ الذَّرَارِيِّ، وَلَا رُخْصَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ النَّجَاةِ لِأَنْفُسِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَالرَّمْيُ بِهِمْ عَنْ الْخُيُولِ هُنَاكَ غَيْرُ مُتْلِفٍ لَهُمْ غَالِبًا، حَتَّى أَنَّ فِي السَّفِينَةِ إذَا كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ عِنْدَ الرَّمْيِ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَنَّهُمْ لَا يَهْلَكُونَ وَلَكِنْ يَأْخُذُهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، إذَا كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنْ يَهْلَكُوا جَمِيعًا إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ ٣٠٩٣ - وَلَوْ أَخَذَتْ السَّرِيَّةُ أَطْفَالًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَعَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِمْ وَمَرُّوا بِحِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يَدْفَعُوهُمْ إلَيْهِمْ حَتَّى يَقُومُوا بِتَرْبِيَتِهِمْ فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَضَعُونَهُمْ وَضْعًا، فَإِنْ شَاءَ أُولَئِكَ نَزَلُوا فَأَخَذُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُمْ. لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِمْ لِلتَّرْبِيَةِ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، إنَّمَا عَلَيْهِمْ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِسَاءَةِ، وَوَضْعُهُمْ إيَّاهُمْ عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَ مِنْ الْإِسَاءَةِ فِي شَيْءٍ، فَلِهَذَا كَانَ الرَّأْيُ إلَيْهِمْ إنْ شَاءُوا وَضَعُوهُمْ عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ شَاءُوا أَسْلَمُوهُمْ إلَيْهِمْ. وَمَا بَعْدَ هَذَا إلَى آخِرِ الْبَابِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ شَرْحِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1498

[بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدْخِلُوهُ دَارَ الْحَرْبِ مِنْ التِّجَارَاتِ] ٣٠٩٤ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدَخِّلُوا دَارَ الْحَرْبِ شَيْئًا مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَوِّيهِمْ عَلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. ٣٠٩٥ - فَإِنْ أَدْخَلُوا ذَلِكَ دَارَهُمْ لَمْ يُمْنَعُوا مَا خَلَا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ، وَنَعْنِي بِالْكُرَاعِ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَالْإِبِلَ وَالدَّوَابَّ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْمَتَاعُ، وَنَعْنِي بِالسِّلَاحِ مَا يَكُونُ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ بِهِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْحَدِيدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَوِّيهِمْ عَلَى قِتَالِهِمْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِدَفْعِ قِتَالِهِمْ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَرَاهَةُ الِاشْتِغَالِ بِمَا يُقَوِّيهِمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَمَا سَمَّيْنَا مِنْ الدَّوَابِّ يَحْمِلُ مَتَاعَهُمْ وَيُقَوِّيهِمْ عَلَى الْحَرْبِ، وَالْفِيلَةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا يُقَاتَلُ بِهَا وَيُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَتَحْمِلُ أَثْقَالَهُمْ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ.

стр. 1499

لِأَنَّ الصَّغِيرَ يَكْبُرُ فَيَحْمِلُ وَيُقَاتَلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَلَا يُلَقَّحُ أَيْضًا وَإِنَّمَا يَشْتَرُونَهُ لِلْأَكْلِ خَاصَّةً فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهِ بِلَادَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ ٣٠٩٦ - وَالسَّبْيُ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إنْ كَانَ صَغِيرًا طِفْلًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مَنَعَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ لِيُبَاعُوا مِنْهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. ٣٠٩٧ - وَأَجْنَاسُ السِّلَاحِ مَا صَغُرَ مِنْهُ وَمَا كَبُرَ حَتَّى الْإِبْرَةَ، وَالْمِسَلَّةَ فِي كَرَاهَةِ الْحَمْلِ إلَيْهِمْ سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّقَوِّيَ بِهِمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ يَحْصُلُ وَالْحَدِيدُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْأَسْلِحَةُ. ٣٠٩٨ - وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُصْنَعُ مِنْهُ الرَّايَاتُ. ٣٠٩٩ - وَالسِّلَاحُ وَالْقَزُّ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهُ الخفتانات.

стр. 1500

٣١٠٠ - فَإِنْ كَانَ خَزًّا مِنْ إبْرَيْسَمٍ أَوْ ثِيَابًا رِقَاقًا مِنْ الْقَزِّ فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهَا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي اللُّبْسِ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلْأَكْلِ. ٣١٠١ - وَالْجِعَابُ وَجُفُونُ السُّيُوفِ وَغُلُفُهَا يُكْرَهُ حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْقِتَالِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَادَ لِغَيْرِ السِّلَاحِ، وَقَدْ يُرَادُ لِلسِّلَاحِ، فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهِ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَالنَّادِرُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ. ٣١٠٢ - فَإِنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَعُلِمَ بِهِ أُدِّبَ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ. لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا هُوَ حَرَامٌ وَقُصِدَ بِهِ الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا فَيُعْذَرُ لِجَهْلِهِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَفِيٌّ يَشْتَبِهُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، فَالسَّبِيلُ فِيهِ الْإِنْذَارُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْت إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]

стр. 1501

٣١٠٣ - فَإِنْ عَادَ فَحِينَئِذٍ يُؤَدَّبُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الْقُطْنِ وَالثِّيَابِ إلَيْهِمْ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ لِلُّبْسِ لَا لِلْقِتَالِ. ٣١٠٤ - فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ بالخفتانات الْمَحْشُوَّةِ بِالْقُطْنِ لَمْ يَحِلَّ إدْخَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الصُّفْرِ وَالشَّبَهِ وَالرَّصَاصِ إلَيْهِمْ لِأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ لِلسِّلَاحِ فِي الْغَالِبِ. ٣١٠٥ - فَإِنْ كَانُوا يَجْعَلُونَ عَظْمَ سِلَاحِهِمْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ إدْخَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَادَةً كُلُّ قَوْمٍ فِيمَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ مِمَّا يُكْرَهُ أَوْ لَا يُكْرَهُ. ٣١٠٦ - وَالْقَنَا وَالنُّشَّابِ مِنْ الْقَصَبِ الْغَيْرِ الْمَعْمُولِ لَا يَحِلُّ إدْخَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهُ السِّلَاحُ. ٣١٠٧ - وَلَا يَحِلُّ إدْخَالُ النُّسُورِ، الْحَيِّ وَالْمَذْبُوحِ مِنْهَا وَأَجْنِحَتِهَا إلَيْهِمْ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ الرِّيشَ النُّشَّابُ وَالنَّبْلُ.

стр. 1502

وَكَذَلِكَ الْعِقْبَانُ إذَا كَانَ يُجْعَلُ مِنْ رِيشِهَا ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا يَدْخُلُ لِلصَّيْدِ فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهَا، بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ الَّتِي يُحْمَلُ إلَيْهِمْ لِلْأَكْلِ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصْطَادُ بِهَا مَا يُؤْكَلُ. ٣١٠٩ - وَالْحُكْمُ فِي الْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ كَذَلِكَ. ٣١١٠ - وَالتَّاجِرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ عَلَى فَرَسٍ، وَمَعَهُ سِلَاحٌ وَهُوَ لَا يُرِيدُ بَيْعَهُ مِنْهُمْ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَصْحِبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَا يَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. ٣١١١ - وَلَكِنْ هَذَا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنْ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا الْبَزَّ وَغَيْرَهُ مِمَّا يُرِيدُ التِّجَارَةَ فِيهِ وَلَكِنْ إنْ اُتُّهِمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا يُدْخِلُهُ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَبِيعُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى يُخْرِجَهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ انْتَفَتْ هَذِهِ التُّهْمَةُ بِيَمِينِهِ فَتُرِكَ لِيُدْخِلَهُ دَارَ الْحَرْبِ

стр. 1503

وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يُتْرَكْ لِيُدْخِلَ دَارَ الْحَرْبِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ حَمْلَ الْأَمْتِعَةِ إلَيْهِمْ فِي الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ لِأَنَّ السَّفِينَةَ مَرْكَبٌ يَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى حَمْلِ الْأَثْقَالِ، وَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهَا لِلْقِتَالِ، فَيُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا يُرِيدُ بَيْعَهَا وَلَا يَبِيعُهَا حَتَّى يُخْرِجُهَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ٣١١٢ - وَإِنْ أَدْخَلَ مَعَهُ غُلَامًا أَوْ غُلَامَيْنِ لِخِدْمَتِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرِيدُ التِّجَارَةَ فِيهِ، فَإِنْ اُتُّهِمَ اُسْتُحْلِفَ، فَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ فَرَسًا مَعَهُ أَوْ بِرْذَوْنًا أَوْ سِلَاحًا. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِلْبَيْعِ فِيهِمْ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّ دِينَهُ هُنَاكَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَا هُنَا دِينُهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِعَدَاوَتِهِمْ مَأْمُونًا عَلَى ذَلِكَ، فَحَالُهُ حِينَئِذٍ كَحَالِ الْمُسْلِمِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ بِتِجَارَتِهِ عَلَى الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْعَجَلَةِ وَالسُّفُنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا لَا يَحْمِلُهُ إلَيْهِمْ لِتَقْوِيَتِهِمْ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِحَاجَتِهِ، وَكَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِدْخَالِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِخْرَاجِ لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ السِّلَعِ. ٣١١٣ - بِخِلَافِ السِّلَاحِ وَالْفَرَسِ فَالظَّاهِرُ هُنَاكَ أَنَّهُ يُدْخِلُهُ لِلتِّجَارَةِ لَا لِلْحَاجَةِ. لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي فِي تَحْصِيلِ حَاجَتِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَيُسْتَحْلَفُ أَيْضًا عَلَى مَا يُدْخِلُهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْبِغَالِ وَالسُّفُنِ وَالرَّقِيقِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِمْ الْبَيْعَ، وَلَا يَبِيعُهُمْ حَتَّى يُخْرِجُهُمْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ

стр. 1504

لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَقْصَى الْوُجُوهِ الَّذِي يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. ٣١١٤ - وَالْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا إذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ وَإِنَّمَا يَأْتِيهِمْ لِيُقِيمَ فِيهِمْ فَيَكُونُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ كَغَيْرِهِ، فَهُوَ يَتَقَوَّى بِمَا يُدْخِلُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا مُنِعَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ. ٣١١٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ مُكَارِيًا سُفُنًا أَوْ دَوَابَّ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَحِينَئِذٍ حَالُّ الْمُكَارِي فِي إدْخَالِ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ لِمَنْفَعَةِ الْحَرْبِيِّ كَحَالِهِ فِي إدْخَالِ ذَلِكَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ قَصَدَ تَحْصِيلَ الْكِرَاءِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا يَدْخُلُ بِهِ فَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ. وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ التَّاجِرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَدَعُوهُ يَخْرُجُ بِهِ وَلَكِنَّهُمْ يُعْطُونَهُ ثَمَنَهُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ إدْخَالِ الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالرَّقِيقِ إلَيْهِمْ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالثَّوْرِ وَالْبَعِيرِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَقَدْ لَا يَتَقَوَّى عَلَى الْمَشْيِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَمْتِعَةَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَحَالُ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْحَظْرِ وَلَا تَتَحَقَّقُ مِثْلُ هَذِهِ الضَّرُورَةِ فِي الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ

стр. 1505

لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِدُونِهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي بِهِ مَعْنَى التَّجَمُّلِ وَالتَّرَفُّهِ أَوْ زِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ. ٣١١٦ - ثُمَّ يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ دَوَابَّ يَحْمِلُ عَلَيْهَا أَمْتِعَةَ التِّجَارَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الضَّرُورَةُ أَيْضًا، إنَّمَا تَتَحَقَّق الضَّرُورَةُ فِي دَابَّتِهِ الَّتِي يَرْكَبُهَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يَضِيعُ إنْ لَمْ يَرْكَبْ، فَأَمَّا أَمْتِعَةُ التِّجَارَةِ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَحْمِلَ مِنْهَا عَلَى دَابَّتِهِ مَعَ نَفْسِهِ مَا لَا حَمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِذْنِ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِمْ مَا يُخْرِجُهُ لِيَنْتَفِعَ الْمُسْلِمُونَ لَا مَا يُدْخِلُهُ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ. ٣١١٧ - وَكَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ يَرْكَبُهَا يَكُونُ فِيهَا مَتَاعُهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ. ٣١١٨ - فَإِنْ أَرَادَ إدْخَالَ أُخْرَى مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فِيهَا، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ يُمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ قُوَّةِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ. ٣١١٩ - وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ شَرْعًا، وَلَا يُمْكِنُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ إلَيْهِمْ خَادِمًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا

стр. 1506

لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَعْنَى التَّجَمُّلِ وَالتَّرَفُّهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَنْعَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ. ٣١٢٠ - وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ كُرَاعٌ أَوْ سِلَاحٌ وَرَقِيقٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا جَاءَ بِهِ؛ لِأَنَّا أَعْطَيْنَاهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا مَعَهُ، فَكَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ فَكَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ آلَةَ الْقِتَالِ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْمُقَاتِلِ. فَإِنْ بَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ رَقِيقًا مِثْلَ مَا كَانَ لَهُ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ لَهُ، أَوْ اشْتَرَى مِمَّا كَانَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. لِأَنَّهُ مَا اسْتَحَقَّ بِالْأَمَانِ إدْخَالَ هَذِهِ الْعَيْنِ مَعَ نَفْسِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ الْأَوَّلِ فَقَدْ سَقَطَ حِينَ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، بَيْعًا بِالدَّرَاهِمِ فَكَانَ هَذَا. ٣١٢١ - وَمَا لَوْ أَدْخَلَ الدَّرَاهِمَ دَارَنَا وَاشْتَرَى بِهَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ فِيهِ فَأَقَالَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ بِخِيَارِ اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ.

стр. 1507

لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ قَدْ تَمَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَصَارَ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِ، وَصَارَ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْحَرْبِيِّ فِي إعَادَتِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِمَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُسْلِمِ مِنْ الْأَصْلِ فَبَاعَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ. ٣١٢٢ - وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ يَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَقَضَ الْبَيْعَ بِحُكْمِ خِيَارِهِ فَلَهُ أَنْ يَعُودَ بِهِ إلَى دَارِهِ لِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ لِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَبْقَى بِاعْتِبَارِ حَقِّ الْإِعَادَةِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ ٣١٢٣ - وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا ثُمَّ نَقَضَ الْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ لِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. ٣١٢٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَيْعًا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ لَمْ يَتْرُكْ الْحَرْبِيَّ لِيَرْجِعَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ مَلَكَهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لَحِقَهُ فِي إعَادَتِهِ إلَى دَارِهِ. ٣١٢٥ - وَإِنْ كَانَ بَيْعًا لَا يَمْلِكُ بِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ بِالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِبَقَاءِ حَقِّهِ فِيهِ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ

стр. 1508

وَلَوْ اسْتَبْدَلَ الْحَرْبِيُّ بِسَيْفِهِ فَرَسًا فَإِنْ أَدْخَلَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ أَنَّهُ مَتَى اسْتَبْدَلَ بِسِلَاحِهِ سِلَاحًا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا حَصَّلَهُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ شَرًّا مِنْهُ. لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ بِعَقْدِ الْأَمَانِ حَقُّ الْإِعَادَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مَعَ نَفْسِهِ فِي دَارِهِمْ كَثِيرًا وَيَعِزُّ فِيهِمْ الْجِنْسُ الْآخَرُ وَلَا يُوجَدُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَ ذَلِكَ لَهُمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ. ٣١٢٦ - فَإِنْ كَانَ مَا اسْتَبْدَلَ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا أَدْخَلَهُ فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا أَدْخَلَهُ أَوْ شَرًّا مِمَّا أَدْخَلَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِهِ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا مِمَّا أَدْخَلَهُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْأَمَانِ إعَادَةَ هَذَا الْجِنْسِ مَعَ نَفْسِهِ إلَى دَارِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعَيْنُ إذَا كَانَ مُفِيدًا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْجِنْسُ وَفِيمَا يَتَبَقَّى مِنْ هَذَا الْجِنْسِ عَيْنُ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ مِثْلِهِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا إذَا كَانَ خَيْرًا مِنْهَا فَهُوَ يُرِيدُ بِهَذَا زِيَادَةَ الْإِضْرَارِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ حَقُّ الْمَنْعِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْأَصْلِ، فَثَبَتَ الْمَنْعُ فِي الْكُلِّ، بِمَنْزِلَةِ الْمَوْهُوبِ إذَا ازْدَادَ زِيَادَةً

стр. 1509

مُتَّصِلَةً فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي الْأَصْلِ كَمَا لَا يَرْجِعُ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِذَا صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِ. ٣١٢٧ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِهَا مِثْلَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فَلَهُ أَنْ يَعُودَ بِمَا رَجَعَ إلَيْهِ إلَى دَارِهِ. لِأَنَّهُ سِلَاحُهُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِالْإِقَالَةِ مِنْ مِلْكِهِ. ٣١٢٨ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِهِ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ شَرًّا مِنْهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى دَارِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ اسْتَبْدَلَ خَيْرًا مِنْهُ فَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ الشَّرْع كَأَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا السِّلَاحَ ابْتِدَاءً. وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ بِالتَّصَرُّفِ الْأَوَّلِ، وَصَارَ مَمْنُوعًا مِنْ إدْخَالِ مَا حَصَلَ لَهُ دَارَ الْحَرْبِ، فَلَا يَعُودُ حَقُّهُ بِالْإِقَالَةِ. ٣١٢٩ - وَإِنْ كَانَ مَا اسْتَبْدَلَ بِهِ شَرًّا مِنْهُ فَهَذِهِ الْإِقَالَةُ فِي حَقِّ الشَّرْعِ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ، وَقَدْ اسْتَبْدَلَ فِي هَذِهِ الْإِقَالَةِ بِسِلَاحِهِ الرَّدِيءِ سِلَاحًا جَيِّدًا، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَحُكْمُ الِاسْتِبْدَالِ بِالْكُرَاعِ مِثْلُ حُكْمِ الِاسْتِبْدَال بِالْأَسْلِحَةِ فِي مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالِاخْتِلَافِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فَأَمَّا إذَا

стр. 1510

اسْتَبْدَلَ بِحِمَارِهِ أَتَانًا أَوْ بِفَرَسِهِ الذَّكَرِ فَرَسًا أُنْثَى مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ مَا أَدْخَلَهُ فِي الْقِيمَةِ. لِأَنَّ فِي هَذَا مَنْفَعَةَ النَّسْلِ، وَلَيْسَ فِي الَّذِي أَعْطَاهُ مَنْفَعَةُ النَّسْلِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا الِاسْتِبْدَالِ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ فَمُنِعَ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ. ٣١٣٠ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِبَغْلِهِ الذَّكَرِ بَغْلَةً أُنْثَى مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُلَقَّحُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى النَّسْلِ أَصْلًا. ٣١٣١ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بماذيانه فَحْلًا مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِمَّا تُلَقَّحُ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيمَا أَعْطَى ٣١٣٢ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِفَرَسِهِ بِرْذَوْنًا أَوْ بِبِرْذَوْنِهِ فَرَسًا مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعَ مَنْفَعَةٍ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ الْبِرْذَوْنَ أَلْيَنُ عِطْفًا وَأَصْبَرُ عَلَى الْقِتَالِ، وَالْفَرَسُ أَقْوَى فِي حَالَةِ الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهَذَا الِاسْتِبْدَالِ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً لَهُمْ.
следующие страницы →