← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

١٨٩ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لِتَتَّفِقَ كَلِمَتُهُمْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ إنْ اُبْتُلُوا بِذَلِكَ. ١٩٠ - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجُوا مُتَفَرِّقِينَ قَبْلَ نَهْيِ الْإِمَامِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا ثُمَّ يُقَاتِلُوا حَتَّى يَلْتَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْجَيْشِ إلَى ذَلِكَ مَاسَةٌ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لَهُمْ. فَإِنَّمَا يَتِمُّ النَّظَرُ مِنْهُ إذَا بَعَثَ لِذَلِكَ قَوْمًا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا: «هَلْ أَمَّرْتُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ: أَلَا قَدْ رَشَدْتُمَا» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسَافِرِينَ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَمَا ظَنَّكَ فِي الْمُحَارَبِينَ؟ . ١٩١ - وَبَعْدَ مَا نَهَى الْوَالِي النَّاسَ عَنْ الْخُرُوجِ إذَا أَصَابَهُمْ ضَرُورَةٌ مِنْ الْعَلَفِ، وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ عَلَى ظُهُورِهِمْ وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَشْتَرُونَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا فِي طَلَبِ الْعَلَفِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى عَنْ مُوجَبِ الْأَمْرِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]

стр. 177

١٩٢ - وَإِنْ قَالَ الْوَالِي: لَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ إلَى الْعَلَفِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُرَاعُوا شَرْطَهُ، فَيَخْرُجُوا تَحْتَ لِوَائِهِ فَإِذَا أَتَوْا الْقُرَى فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا فِيهَا لِطَلَبِ الْعَلَفِ عَلَى وَجْهٍ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ، فَإِذَا أَتَاهُمْ الْعَدُوُّ فَلْيَنْضَمُّوا إلَى صَاحِبِ اللِّوَاءِ حَتَّى يُقَاتِلُوا تَحْتَ لِوَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ اللِّوَاءِ بِحَضْرَتِهِمْ فَلْيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّزُوا عَنْ إلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ بِأَقْصَى مَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . ١٩٣ - وَلَا يَنْبَغِي بَعْدَ مَا خَرَجُوا أَنْ يُفَارِقُوا صَاحِبَ اللِّوَاءِ، إلَّا حَيْثُ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُغِيثَهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يَخْرُجُوا إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ " لَيْسَ الْخُرُوجُ فَقَطْ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ: كُونُوا تَحْتَ لِوَائِهِ إلَى أَنْ تَرْجِعُوا. وَمَنْ يُرَاعِ أَمْرَهُ فِي شَيْءٍ يُرَاعِ صِفَةَ أَمْرِهِ. ١٩٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مُنَادِي الْأَمِيرِ: مَنْ أَرَادَ الْعَلَفَ فَلْيَخْرُجْ تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ نَهْيٌ وَلَا أَمْرٌ غَيْرُ هَذَا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ. وَقَدْ (٥٠ ب) بَيَّنَّا أَنَّهُ بَنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَظَاهِرُ

стр. 178

الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَلَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَقْصُودَ الَّذِي يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ الْغُزَاةَ فِي الْعَامِ الْغَالِبِ لَا يَقِفُونَ عَلَى حَقَائِقِ الْعُلُومِ وَأَنَّ أَمِيرَهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ إنَّمَا يَقْصِدُ نَهْيَ النَّاسِ عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَجَعَلَ النَّهْيَ الْمَعْلُومَ بِدَلَالَةِ كَلَامِهِ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَتَمَامُ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأُصُولِ. - قَالَ: وَلَا أُحِبُّ إذَا انْتَهَوْا إلَى الْقُرَى أَنْ يَدْخُلَ الْقَرْيَةَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، لَعَلَّ فِيهَا قَوْمًا مُخْتَفِينَ فَيَقْتُلُونَهُ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ عَدَدٌ الْقَرْيَةَ مُتَأَهِّبِينَ لِلْقِتَالِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَحَدٌ أَعْلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] . ١٩٦ - وَإِنْ نَهَى الْأَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْطَعُوا الشَّجَرَ أَوْ يَهْدِمُوا الْأَبْنِيَةَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا النَّهْيِ احْتِمَالَ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْمَنْعُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ. وَلَوْ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِتَالِ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْصُوهُ مَا لَمْ يَأْتِ ضَرُورَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ، فَكَذَلِكَ إذَا نَهَاهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ.

стр. 179

- وَلَوْ عَقَدَ الْأَمِيرُ لِوَاءَ الرَّجُلِ وَقَالَ: لَا يَخْرُجَنَّ مَعَهُ إلَّا ثَلَاثُ مِائَةٍ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَلَا يَخْرُجُ إلَّا الْعَدَدُ الَّذِي قَالَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُقَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، فَيَكُونُ هَذَا تَصْرِيحًا بِالنَّهْيِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَنْ الْعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى. ١٩٨ - وَلَوْ صَرَّحَ لَهُمْ بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ عِصْيَانُهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا:. ١٩٩ - فَإِنْ خَرَجُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يُحْرَمُوا الْغَنِيمَةَ مَعَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَسَاءُوا، لِأَنَّهُمْ مُجَاهِدُونَ قَاصِدُونَ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ الدِّينِ. فَمُخَالَفَتُهُمْ أَمْرَ الْأَمِيرِ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ مُخَالِفَتِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَهَذَا لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا غُزَاةً، كَيْفَ وَهَذَا النَّهْيُ بِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَا نَهَاهُمْ عَنْ الْخُرُوجِ لِعَيْنِ الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ أَوْ الِاغْتِنَامِ، وَلَكِنْ لِلْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ. ٢٠٠ - فَإِنْ كَانَ قَدْ نَفَلَهُمْ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسِ فَخَرَجُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثُ مِائَةٍ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ قَوْمًا مُسَمِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ مَيَّزَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ، فَأَعْطَى أُولَئِكَ مِنْهَا نَفْلَهُمْ. هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ غَلَطٌ. وَلَكِنَّ الصَّوَابَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهُ يَعْزِلُ الْخُمْسَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، ثُمَّ يُعْطِيهِمْ مِنْ رُبْعِ

стр. 180

مَا بَقِيَ نَفْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا شَرَطَ لَهُمْ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسِ. وَمُرَادُهُ مِمَّا يُصِيبُونَ، وَمُصَابُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ. ٢٠١ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: يُقَسَّمُ مَا جَاءُوا بِهِ (٥١ آ) بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى مَا أَصَابَ الثَّلَاثُ مِائَةٍ فَيُخْرِجُ الْخُمْسَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْطِيهِمْ نَفْلَهُمْ مِمَّا بَقِيَ. وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ فَارِسًا وَبَعْضُهُمْ رَاجِلًا. وَهَا هُنَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا كَانُوا فُرْسَانًا كُلُّهُمْ أَوْ رَجَّالَةً كُلُّهُمْ، فَلِهَذَا مَيَّزَ لَهُمْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ؛ لِيُعْطِيَ مِنْهَا نَفْلَهُمْ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُرْفَعُ الْخُمْسُ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ فَيُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ نَفْلَهُمْ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَرَّرَ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَجَابَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِجَوَابٍ آخَرَ، فَنَذْكُرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا هُوَ صَوَابٌ مِنْ الْجَوَابِ وَمَا هُوَ غَلَطٌ إذَا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلَى الرُّبْعِ الْبَاقِي فَعَزَلَ خَمْسُهُ ثُمَّ جَمَعَ مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مَعَ غَنَائِمِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ يُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَذْكُرُ:

стр. 181

أَنَّهُ لَا يُخَمِّسُ هَذَا الرُّبْعَ، فَكَأَنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمِائَةَ الْعُصَاةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْن الْإِمَامِ، فَلَا يُخَمِّسُ مَا أَصَابُوا، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا لَا يُخَمَّسُ مُصَابُ الْمُتَلَصِّصِينَ إذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بِالِانْضِمَامِ إلَى الثَّلَاثِ مِائَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُخَمِّسَ مَا أَصَابُوا. ٢٠٢ - وَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثُ مِائَةٍ لَيْسُوا قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا الْخُمْسَ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى رُبْعِ مَا بَقِيَ فَيُقَسِّمُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ بِالسَّوِيَّةِ نَفْلًا لَهُمْ. لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّنْفِيلِ يَثْبُتُ لِثَلَاثِ مِائَةٍ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. فَلَا بُدَّ مِنْ قِسْمَةِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لِاسْتِوَائِهِمْ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْخُمْسَ مِنْ الرُّبْعِ الْبَاقِي وَيَجْمَعُ مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ فَيُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْعَسْكَرِ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. ٢٠٣ - فَإِنْ كَانَتْ الْمِائَةُ الْعُصَاةُ بِأَعْيَانِهِمْ فَرَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَحْرِمَهُمْ سَهْمَهُمْ مِمَّا أَصَابُوا، فَقَسَّمَ مَا بَقِيَ بَيْنَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ وَحَرَمَ الْعُصَاةَ، ثُمَّ وَلِيَ آخَرُ يَرَى مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ جَوْرًا أَمْضَى صَنِيعَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْضَى بِاجْتِهَادِهِ فِعْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَإِنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يُحْرَمُ الْعُصَاةُ حَظَّهُمْ مِمَّا أَصَابُوا لِيَكُونَ زَجْرًا وَفِطَامًا لَهُمْ عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ، وَرَدُّوا ذَلِكَ إلَى حِرْمَانِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ. وَبَيَانُ هَذَا يَأْتِي فِي بَابِ إحْرَاقِ

стр. 182

رَحْلِ الْغَالِّ. وَقَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ يَكُونُ نَافِذًا لَا يُرَدُّ، فَلِهَذَا قَالَ: لَا يَرُدُّ الثَّانِي مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ. - قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِهَادِ وَلَهُ أَبٌ أَوْ أُمٌّ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ بِرَّهُمَا وَاجِبٌ، وَالتَّحَرُّزَ عَنْ عُقُوقِهِمَا فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. قَالَ ﷺ : «لِيَعْمَلْ الْبَارُّ مَا شَاءَ فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلْيَعْمَلْ الْعَاقُّ مَا شَاءَ فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ» (٥١ ب) . وَقَالَ ﵇: «مَنْ أَصْبَحَ وَوَالِدَاهُ رَاضِيَانِ عَنْهُ فَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إلَى الْجَنَّةِ» ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُدَّ هَذَا الْبَابَ بِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يَنْتَفِعُ بِخُرُوجِهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ لَا يَنْتَفِعُ. ٢٠٥ - وَذُكِرَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ قَالَ: أَلَك أُمٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: الْزَمْ أُمَّكَ فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِ أُمِّكَ» . وَتَفْرِيعُ الْمَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي بَابٍ بَعْدَ هَذَا، فَيُؤَخَّرُ بَعْضُ الْكَلَامِ فِيهِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. ٢٠٦ - وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْت جَابِرًا أَيُقَاتِلُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ؟ قَالَ: لَا

стр. 183

وَبِهِ نَأْخُذُ. لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَوِّتَهَا عَلَيْهِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ. وَمَالِيَّتَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهَا لِلتَّلَفِ بِالْقِتَالِ؛ إلَّا أَنْ يَجِيءَ حَالَ ضَرُورَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ، بِأَنْ وَقَعَ النَّفِيرُ عَامًّا، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ لُزُومِ الطَّاعَةِ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوْلَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَمْنَعَهُ، بَلْ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ دَفْعُ شَرِّ الْمُشْرِكِينَ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مِلْكِهِ. فَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُطِيعَهُ إنْ نَهَاهُ عَنْ الْخُرُوجِ. وَكَذَلِكَ هَذَا الْجَوَابُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ إذَا نَهَاهُ وَالِدَاهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 184

[بَابُ قِتَالِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَشُهُودِهِنَّ الْحَرْبَ] ٢٠٧ - قَالَ: لَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُقَاتِلَ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «هَاهْ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» . وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي قِتَالِهَا كَشْفُ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَفْرَحُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: احْتَاجُوا إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالنِّسَاءِ عَلَى قِتَالِنَا، فَلْيُتَحَرَّزْ عَنْ هَذَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ مُبَاشَرَةُ الْقِتَالِ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ دَفْعَ فِتْنَةِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقِصَّةِ حُنَيْنٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا. وَفِي أَوَاخِرِ تِلْكَ الْقِصَّةِ: «قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ تُقَاتِلُ شَادَّةً عَلَى بَطْنِهَا بِثَوْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْك وَخَذَلُوك،

стр. 185

فَلَا تَعْفُ عَنْهُمْ إنْ أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ ﷺ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ، فَأَعَادَتْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ» . وَفِي الْمَغَازِي أَنَّهَا «قَالَتْ: أَلَا نُقَاتِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٥٢ آ) هَؤُلَاءِ الْفَرَّارِينَ فَنَقْتُلُهُمْ كَمَا قَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ ﷺ : عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ» . وَأَيَّةُ حَاجَةٍ إلَى قِتَالِ النِّسَاءِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَاجَةِ حِين فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسْلَمُوهُ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَمْنَعْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ أَذِنَ لِلنِّسَاءِ فِي الْقِتَالِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ. ٢٠٨ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْضُرَ مِنْهُنَّ الْحَرْبَ الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ فَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَسْقِي الْمَاءَ، وَتَطْبُخُ لِلْغُزَاةِ إذَا احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: كَانَتْ نِسَاءُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنِسَاءُ أَصْحَابِهِ مُشَمِّرَاتٍ، يَحْمِلْنَ الْمَاءَ لِلْمُجَاهِدِينَ يَرْتَجِزْنَ، وَهُوَ يُقَاتِلُ الرُّومَ، وَالْمُرَادُ الْعَجَائِزُ، فَالشَّوَابُّ يُمْنَعْنَ عَنْ الْخُرُوجِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَالْحَاجَةِ تَرْتَفِعُ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ. ٢٠٩ - وَذُكِرَ عَنْ «أُمِّ مُطَاعٍ، وَكَانَتْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مَعَ

стр. 186

النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: رَأَيْت أَسْلَمَ، حَيْثُ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ شِدَّةِ الْحَالِ فَنَدَبَهُمْ إلَى الْجِهَادِ فَنَهَضُوا. وَلَقَدْ رَأَيْت أَسْلَمَ أَوَّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ فَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَهُوَ حِصْنُ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ بِالنَّطَاةِ» . فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهَا كَانَتْ خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ لِإِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 187

[بَابُ الْجِهَادِ مَا يَسَعُ مِنْهُ وَمَا لَا يَسَعُ] ٣٦ - بَابُ الْجِهَادِ مَا يَسَعُ مِنْهُ وَمَا لَا يَسَعُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهِمْ. فَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: الْقِتَالُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ بِفَرْضٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبِدَايَةُ مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قِتَالُهُمْ دَفْعًا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] . وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتَلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .

стр. 188

وَالْحَاصِلُ أَنْ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ وَبِالْقِتَالِ نَزَلَ مُرَتَّبًا. فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورًا فِي الِابْتِدَاءِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] . ثُمَّ أَمَرَ بِالْمُجَادَلَةِ بِالْأَحْسَنِ كَمَا قَالَ: ﴿اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وَقَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] ثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ إنْ كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْهُمْ بِمَا تَلَا مِنْ آيَاتٍ. ثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ بِشَرْطِ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٥٢ ب) ثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] . فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا. وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي اللُّزُومَ، إلَّا أَنَّ فَرِيضَةَ الْقِتَالِ لِمَقْصُودِ إعْزَازِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، بِمَنْزِلَةِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ. إذْ لَوْ اُفْتُرِضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِعَيْنِهِ،

стр. 189

وَهَذَا فَرْضٌ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ، لَمْ يَتَفَرَّغْ أَحَدٌ لِشُغْلٍ آخَرَ مِنْ كَسْبٍ أَوْ تَعَلُّمٍ. وَبِدُونِ سَائِرِ الْأَشْغَالِ لَا يَتِمُّ أَمْرُ الْجِهَادِ أَيْضًا، فَلِهَذَا كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ. ٢١١ - حَتَّى لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ اشْتَرَكُوا فِي الْمَأْثَمِ. وَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِذَلِكَ نَائِبٌ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ. فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَطِّلَ الثُّغُورَ، وَلَا يَدَعَ الدُّعَاءَ إلَى الدِّينِ وَحَثَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْجِهَادِ. وَإِذَا نَدَبَ النَّاسَ إلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْصُوهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْخُرُوجِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَعَ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ إعْطَاءِ جِزْيَةٍ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ. ٢١٢ - وَإِنْ كَانُوا قَوْمًا لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ. وَأَمَّا الْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَدْعُوهُمْ إلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ إذَا أَجَابُوا إلَى إحْدَاهُمَا، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْهُمَا فَحِينَئِذٍ يُقَاتَلُونَ.

стр. 190

وَفِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَرَبِيُّ وَغَيْرُ الْعَرَبِيِّ سَوَاءٌ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي هَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ بُعِثَ دَاعِيًا إلَى مَا بَيَّنَّا، وَأُمِرَ بِالْقِتَالِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَنْ أَبَى. - قَالَ: وَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: وَادِعُونَا عَلَى أَنْ لَا نُقَاتِلَكُمْ وَلَا تُقَاتِلُونَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . وَلِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ، فَإِنَّمَا طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى أَنْ تُتْرَكَ فَرِيضَةٌ، وَلَا يَجُوزُ إجَابَتُهُمْ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، كَمَا لَوْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى أَنْ لَا يُصَلُّوا وَلَا يَصُومُوا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ لَا يَقْوَى عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُوَادِعَهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ ثُمَّ يَنْبِذُ إلَيْهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] . وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْجِهَادِ فِي حِفْظِ الْمُسْلِمِينَ قُوَّةُ أَنْفُسِهِمْ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا عَاجِزِينَ (٥٣ آ) عَنْ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْفَظُوا

стр. 191

قُوَّةَ أَنْفُسِهِمْ بِالْمُوَادَعَةِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لَهُمْ قُوَّةُ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إنْظَارِ الْمُعْسِرِ إلَى الْمَيْسَرَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . ٢١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: وَادِعُونَا عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَالًا مَعْلُومًا عَلَى أَنْ تُجْرُوا عَلَيْنَا أَحْكَامَكُمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي الْمُوَادَعَةُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِنَا، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي الْقِتَالُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَالرِّضَا مِنْهُمْ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَقْهُورِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُحَارَبَةِ أَصْلًا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيمَا طَلَبُوا، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ أُجِيبُوا إلَى ذَلِكَ رُبَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ طَمَعًا فِي أَمْوَالِهِمْ، بَلْ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ أَوْ يُظْهِرُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. ٢١٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ الْمُوَادَعَةُ مَعَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، فَلَأَنْ يَجُوزَ بِمَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى. وَهَذَا الْمَالُ لَا يُؤْخَذُ عِوَضًا عَنْ تَرْكِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ لِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ لَنَا. فَبِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْإِبَاحَةِ يُؤْخَذُ هَذَا الْمَالُ مِنْهُمْ. - قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْجِهَادِ وَلَهُ أَبَوَانِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُمَا

стр. 192

لِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَتَرْكَ مَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ وَالْمَشَقَّةَ بِهِمَا فَرْضٌ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَالْجِهَادُ فَرْضُ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يَقَعْ النَّفِيرُ عَامًّا. فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَقْوَى. وَفِي خُرُوجِهِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ بِهِمَا، فَإِنَّ الْمُجَاهِدَ عَلَى خَطَرٍ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الرُّجُوعِ. ٢١٧ - فَإِنْ أَذِنَّا لَهُ فَلْيَخْرُجْ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْآخَرُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَبَيَا جَمِيعًا. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي جِئْت أُجَاهِدُ مَعَك، وَتَرَكْت وَالِدَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» . وَأَفْضَلُ الْجِهَادِ مَا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ لِكَرَاهَةِ الْوَالِدَيْنِ لِخُرُوجِهِ «وَلَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ، وَالْوَالِدَانِ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يَأْذَنَا لَهُ إذَا كَانَ يَدْخُلُهُمَا مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، لِأَنَّهُمَا يَحْمِلَانِهِ عَلَى مَا هُوَ الْأَقْوَى فِي حَقِّهِ وَهُوَ بِرُّهُمَا. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَسَعُهُ ذَلِكَ لَكَانَا يَأْثَمَانِ فِي مَنْعِهِ، وَلَوْ كَانَا يَأْثَمَانِ فِي مَنْعِهِ لَكَانَ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ الْخُرُوجِ حَتَّى يَبْطُلَ عَنْهُمَا الْإِثْمُ

стр. 193

٢١٨ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَالْآخَرُ حَيٌّ. لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْبِرِّ فِي حَقِّ الْحَيِّ مِنْهُمَا كَامِلٌ. ٢١٩ - وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا كَافِرٌ (٥٣ ب) وَالْآخَرُ مُسْلِمٌ فَكَرِهَا خُرُوجَهُ لِلْجِهَادِ، أَوْ كَرِهَهُ الْكَافِرُ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَخَافَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَشَقَّةِ الَّتِي تُلْحِقُهُ بِخُرُوجِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ، وَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ الْمُشْرِكَانِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] . ٢٢٠ - وَإِنْ كَانَا إنَّمَا يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ دِينِهِ، لَا شَفَقَةَ عَلَيْهِ فَلْيَخْرُجْ وَلَا يُطِعْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ خُرُوجُهُ بِسَبَبٍ دَعَاهُ الشِّرْكُ إلَى ذَلِكَ لَا الْوِلَادُ (؟) ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَاعَةٌ فِي دَاعِيَةِ الشِّرْكِ. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَالرَّأْيِ، لِأَنَّ فِيمَا لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ يُبْنَى الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى أَكْثَرِ الرَّأْيِ. وَهَذَا إذَا كَانَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ، فَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ

стр. 194

لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا مُحْتَاجًا إلَى خِدْمَتِهِ فَخِدْمَتُهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا. وَلَيْسَ مِنْ الصَّوَابِ أَنْ يَتْرُكَ فَرْضًا عَيْنًا لِيَتَوَصَّلَ إلَى مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَلِأَنَّ مَا يَفُوتُهُ مِنْ تَضْيِيعِ وَالِدِهِ لَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُهُ. وَهُوَ يَتَمَكَّنُ أَنْ يَتَدَارَكَ الْجِهَادَ فِي وَقْتٍ آخَرَ. - قَالَ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْأَبَوَانِ وَلَهُ جَدَّانِ وَجَدَّتَانِ فَكَرِهُوا خُرُوجَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ قِيَامِ الْوَالِدَيْنِ، الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ كَالْأَجَانِبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حُكْمِ الْحَضَانَةِ وَالْوِلَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ هُمْ كَالْأَجَانِبِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْخُرُوجِ لَا أَمْرَ لَهُمْ مَا دَامَ الْوَالِدَانِ حَيَّيْنِ. ٢٢٢ - فَإِنْ مَاتَ الْأَبَوَانِ فَأَذِنَ لَهُ الْجَدُّ الَّذِي مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَالْجَدَّةُ الَّتِي مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْآخَرَانِ - يَعْنِي أَبَا الْأُمِّ وَأُمَّ الْأَبِ - فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ أَبَا الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ قَائِمٌ مَقَامَهُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لَهُ، وَأُمُّ الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ بِمَنْزِلَتِهَا، بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حَقِّ الْحَضَانَةِ لَهَا، وَالْآخَرَانِ مَعَهُمَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَجَانِبِ. ٢٢٣ - وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْآخَرَانِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ هَذَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ.

стр. 195

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَلَا جَدَّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، فَاسْتَأْذَنَ الْآخَرَيْنِ فَلَمْ يَأْذَنَا لَهُ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَحَدُهُمَا، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ لِأُمِّ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ أُمِّ الْأُمِّ. وَهِيَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَالْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ كَالْأَبِ فِي الْوِلَايَةِ فَقَدْ جُعِلَ كَالْأَبِ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ، وَفِي مَنْعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ لَهُ وَحُرْمَةِ وَضْعِ الزَّكَاةِ فِيهِ. فَإِذَا لَمْ يَبْقَ جَدٌّ أَقْرَبَ مِنْهُ كَانَ هُوَ قَائِمًا مَقَامَ الْأَبِ فِي مَنْعِهِ مِنْ الْخُرُوجِ أَيْضًا. ٢٢٥ - وَإِنْ كَانَ لَهُ أُمُّ وَأَبُو أَبٍ فَأَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَسَعَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَأْذَنَا لَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَكَأَنَّ هَذَا وَمَنْ كَانَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حَيَّيْنِ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ. ٢٢٦ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ وَكَانَتْ لَهُ (٥٤ آ) جَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَجَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، فَحَقُّ الْإِذْنِ لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ خَاصَّةً، أَلَا تَرَى أَنَّهَا فِي الْحَضَانَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، وَالْجَدَّةُ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهَا الْوِلَايَةُ كَمَا تَثْبُتُ لِلْجَدِّ. ٢٢٧ - وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً فَحَقُّ الْإِذْنِ إلَيْهَا وَلَيْسَ إلَى الْجَدَّاتِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ حَقِّ الْحَضَانَةِ، وَكَذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ لَيْسَ لِأَجْدَادِ إذْنٌ فِي هَذَا الْبَابِ

стр. 196

٢٢٨ - وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَأُمُّ أَبٍ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَأْذَنَا لَهُ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاهَا أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّهَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ لَهَا؟ وَأَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّ لَهُ مُخَالِفًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ هُوَ. فَكَأَنَّ هَذَا الْمُخَالِفَ يَقُولُ: أُمُّ الْأَبِ تُدْلِي بِالْأَبِ. وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرُ إذْنُ الْجَدِّ الَّذِي يُدْلِي بِالْأَبِ مَعَ الْأَبِ لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ أُمِّ الْأَبِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَهَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أُمٌّ، وَأُمُّ أَبٍ، فَأَذِنَتْ لَهُ الْأُمُّ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَوْ كَانَ أُمَّ الْأَبِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْإِدْلَاءِ كَالْأَبِ أَوْ كَالْجَدِّ أَبِي الْأَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا. - قَالَ: وَكُلُّ سَفَرٍ أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ غَيْرَ الْجِهَادِ لِتِجَارَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ، وَهُوَ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذِهِ الْأَسْفَارِ السَّلَامَةُ، وَلَا يَلْحَقُهُمَا فِي خُرُوجِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَإِنَّ الْحُزْنَ بِحُكْمِ الْغَيْبَةِ يَنْدَفِعُ بِالطَّمَعِ فِي الرُّجُوعِ ظَاهِرًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا عَلَيْهِ مِنْهُ، نَحْوُ رُكُوبِ الْبَحْرِ، فَحِينَئِذٍ حُكْمُ هَذَا وَحُكْمُ الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ خَطَرَ الْهَلَاكَ فِيهِ أَظْهَرُ.

стр. 197

٢٣٠ - وَالسَّفَرُ عَلَى قَصْدِ التَّعَلُّمِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَالْأَمْنُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَصَدَهُ ظَاهِرًا لَا يَكُونُ دُونَ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ، بَلْ هَذَا فَوْقَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] . فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ وَإِنْ كَرِهَ الْوَالِدَانِ، إذَا كَانَ لَا يَخَافُ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمَا. ٢٣١ - قَالَ: وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي التِّجَارَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِالْأَمَانِ فَكَرِهَا ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا قَوْمًا يَفُونَ بِالْعَهْدِ مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ السَّلَامَةُ، فَصَارَ هَذَا وَالْخُرُوجُ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً. ٢٣٢ - وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي تِجَارَةٍ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مَعَ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ عَسْكَرًا عَظِيمًا كَالصَّائِفَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ وَإِنْ كَرِهَا خُرُوجَهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ السَّلَامَةُ، فَإِنَّهُ لَا يُعَرِّضُ نَفْسَهُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ وَالْعَسْكَرُ الْعَظِيمُ يَقْوَوْنَ عَلَى دَفْعِ شَرِّ الْعَدُوِّ عَنْهُ وَعَنْ أَنْفُسِهِمْ

стр. 198

٢٣٣ - وَإِنْ كَانَتْ سُرِّيَّةً أَوْ نَحْوَهَا لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا؛ لِأَنَّ خَطَرَ الْهَلَاكِ أَظْهَرُ فِي خُرُوجِهِ مَعَ قَوْمٍ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ لِلْجِهَادِ مَعَ هَؤُلَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِخَطَرِ الْهَلَاكِ فَكَذَلِكَ (٥٤ ب) لَا يَخْرُجُ لِلتِّجَارَةِ. - وَإِنْ كَرِهَ خُرُوجَهُ لِلْجِهَادِ أَوْلَادُهُ أَوْ إخْوَانُهُ أَوْ أَعْمَامُهُ أَوْ عَمَّاتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ الضَّيْعَةَ، وَإِنَّمَا يَخَافُ مِنْهُمْ الْجَزَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْلَادِ وَالْقَرَابَاتِ لَا يُسَاوِيهِمَا فِي ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ، إلَّا أَنْ يَخَافَ الضَّيْعَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَحِينَئِذٍ لَا يَسَعَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيَدَعَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لِأَنَّ الْقِيَامَ بِتَعَاهُدِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. قَالَ ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُهُ» . وَهَذَا الْحُكْمُ فِي الذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، وَالْإِنَاثِ صِغَارًا كُنَّ أَوْ كِبَارًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، وَالزَّمِنِيُّ مِنْ الْكِبَارِ الَّذِينَ لَا حِرْفَةَ لَهُمْ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، فَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ. ٢٣٥ - وَأَمَّا بَنُوهُ الْكِبَارُ الْأَصِحَّاءُ وَإِخْوَانُهُ الَّذِينَ لَا زَمَانَةَ بِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ وَيَدَعَهُمْ وَإِنْ خَافَ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى نَفَقَتِهِمْ وَإِنْ ضَاعُوا، فَلَا يَمْتَنِعُ خُرُوجَهُ بِسَبَبِ خَوْفِ الضَّيْعَةِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا

стр. 199

٢٣٦ - فَأَمَّا إذَا جَاءَ النَّفِيرُ عَامًّا فَقِيلَ لِأَهْلِ مَدِينَةٍ: قَدْ جَاءَ الْعَدُوُّ يُرِيدُونَ أَنْفُسَكُمْ أَوْ ذَرَارِيَّكُمْ أَوْ أَمْوَالَكُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] . وَمَا يَفُوتُهُ بِتَرْكِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَمَا يَفُوتُهُ بِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِدَيْنِ يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ بَعْدَ هَذَا؛ فَيَشْتَغِلُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي تَرْكِهِ الْخُرُوجَ أَعَمُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَعَدَّى إلَيْهِ وَإِلَى وَالِدَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَنْهَيَاهُ عَنْ هَذَا الْخُرُوجِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيُسْقِطَ بِهِ الْإِثْمَ عَنْهُمَا، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ فِيمَا كَانَا عَاصِيَيْنِ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى رَجُلٍ لِيَأْخُذَ مَالَهُ أَوْ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ أَرَادَ امْرَأَةً لِيَفْجُرَ بِهَا. وَهُنَاكَ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَالِدَاهُ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَسَعْهُمَا أَنْ يَمْنَعَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا يَكُونُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْإِتْيَانِ وَالتَّرْكِ. فَأَمَّا مَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَمْنَعَاهُ مِنْ ذَلِكَ. أَرَأَيْت لَوْ أَرَادَ أَحَدُ وَالِدَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَنَهَاهُ الْوَالِدُ الْآخَرُ أَنْ يُعِينَهُ شَفَقَةً عَلَيْهِ أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ وَيَدَعَ وَالِدَهُ يَنْتَهِكُ حُرْمَتَهُ؟ ذُكِرَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْبَاحِ لِمُرَاعَاةِ إذْنِ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. - قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إذْن مَوْلَاهُ مَا لَمْ

стр. 200

يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ (٥٥ آ) الْخُرُوجِ عِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ كَفَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مُسْتَثْنًى لِلْعَبْدِ مِمَّا مَلَكَهُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فِي الْعَبْدِ، وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ مِلْكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، تَبَيَّنَ فِي حَقِّ الْوَلَدِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ بِطَرِيقٍ الْأَوْلَى. ٢٣٨ - وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ إذَا كَانَتْ بِهِنَّ قُوَّةُ الْقِتَالِ فَلْيَخْرُجْنَ إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا. وَقَدْ بَيَّنَّا مَا صَنَعَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: «لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَسَمَّى جَمَاعَةً مِنْ الَّذِينَ فَرُّوا» . وَكَانَ النَّفِيرُ عَامًّا، فَاسْتَحْسَنَ قِتَالَ النِّسَاءِ وَمَدَحَ مِنْ لَمْ يَهْرُبْ مِنْهُنَّ بِمَا قَالَ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ النِّسَاءُ بِالْقِتَالِ. ٢٣٩ - وَلَا يَنْبَغِي لِلشَّوَابِّ أَنْ يَخْرُجْنَ أَيْضًا فِي الصَّوَائِفِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ مَقَامَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَقْرَبُ إلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ.

стр. 201

فَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجْنَ مَعَ الصَّوَائِفِ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى. جَاءَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَبْعِ غَزَوَاتٍ، فَكُنْت أَطْبُخُ لَهُمْ وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَسْقِيهِمْ الْمَاءَ. ٢٤٠ - وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُبَاشِرْنَ الْقِتَالَ، لِأَنَّ بِالرِّجَالِ غُنْيَةً عَنْ قِتَالِ النِّسَاءِ، فَلَا يَشْتَغِلْنَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِوُقُوعِ النَّفِيرِ عَامًّا لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُقَاتِلَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَزَوْجِهَا. بَلَغَنَا «أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَتَلَتْ يَهُودِيًّا تَسَوَّرَ عَلَيْهِمْ حِصْنًا كَانُوا فِيهِ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَمَعَ النِّسَاءَ فِي أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَهُنَّ فَجَاءَ يَهُودِيٌّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَسَوَّرَ الْحَائِطَ. فَأَمَرَتْ صَفِيَّةُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِأَنْ يَقُومَ إلَيْهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ فَيَقْتُلَهُ، فَقَالَ حَسَّانُ: أَنَا مِنْ أَرْبَابِ اللِّسَانِ لَسْت مِنْ أَرْبَابِ الضَّرْبِ وَالطِّعَانِ فِي شَيْءٍ، فَقَامَتْ بِنَفْسِهَا فَقَتَلَتْهُ. وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ اسْتَحْسَنَهُ مِنْهَا» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ٢٤١ - وَكَذَلِكَ الْغِلْمَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا إذَا أَطَاقُوا الْقِتَالَ فَلَا بَأْسَ

стр. 202

بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيُقَاتِلُوا فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ. وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، إلَّا أَنْ تَطِيبَ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ. - قَالَ: بَلَغْنَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ، فَلَوْ حَضَرَ قِتَالًا لَقَاتَلَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. وَالرِّوَايَاتُ اخْتَلَفَتْ فِي سِنِّ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ أَسْلَمَ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ التِّسْعَ وَالْعَشْرَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ. وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَبْتَنِي عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي سِنِّهِ حِينَ قُتِلَ، فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقَالَ (٥٥ ب) الْجَاحِظُ: قَتَلَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ، وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَا بُعِثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَالْخِلَافَةُ بَعْدَهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً انْتَهَى ذَلِكَ بِقَتْلِ عَلِيٍّ ﵁ فَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ، فَإِنْ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَ قُتِلَ مَا قَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ظَهَرَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ

стр. 203

خَمْسِ سِنِينَ. وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ الْجَاحِظُ فَقَدْ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُتْبِيُّ فَقَدْ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا حِينَ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ دَلَّ قَوْلُهُ: سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِ وَإِنَّمَا حَقَقْنَا هَذَا لِاعْتِمَادِ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِ الصَّبِيِّ. - قَالَ: وَإِذَا خَرَجَ الْقَوْمُ إلَى الصَّوَائِفِ فَأَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوا مَعَهُمْ النِّسَاءَ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ إلَّا الْمُبَاضَعَةَ وَالْخِدْمَةَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَخَافَةً عَلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍّ إلَّا مَا ذُبَّ عَنْهُنَّ. وَمَنْ خَرَجَ لِلْقِتَالِ رُبَّمَا يُبْتَلَى بِعَارِضٍ يَشْغَلُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الذَّبِّ عَنْ حَرَمِهِ. وَاقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْمُبَاضَعَةِ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّضَ حَرَمَهُ لِلضَّيَاعِ لِأَجَلِهِ، وَلَوْ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ الْخُرُوجُ بِهِنَّ إلَّا لِمَخَافَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِنَّ عَنْ الْقِتَالِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا.

стр. 204

فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِنَّ فَالْإِمَاءُ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الِاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ أَخَفُّ. أَلَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ لَهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْأَمَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَيْسَ لِلْحُرَّةِ ذَلِكَ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهُ مِنْ الْمُبَاضَعَةِ وَالْخِدْمَةِ يَتِمُّ بِالْإِمَاءِ. ٢٤٤ - وَلَكِنْ مَعَ هَذَا رُخِّصَ فِي إخْرَاجِ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ لِمَنْ يَقْوَى عَلَى حِفْظِهِنَّ إنْ اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهَزِيمَةٍ، حَتَّى يَخْرُجَهُنَّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إمَّا بِقُوَّةِ نَفْسِهِ أَوْ بِمَا مَعَهُ مِنْ الظُّهُورِ وَالْخَدَمِ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ قَرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ وَأَخْرَجَ مِنْهُنَّ مَعَهُ الَّتِي تُقْرَعُ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَأَصَابَتْنِي الْقُرْعَةُ فِي السَّفَرِ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي حِينَ تَكَلَّمَ أَهْلُ الْإِفْكِ بِمَا تَكَلَّمُوا» . وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعُ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ يَأْمَنُ عَلَيْهِنَّ مِنْ الضَّيَاعِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ يَكُون بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا بَأْسَ لَهُ بِأَنْ يُخْرِجُهُنَّ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِمَنْ إذَا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهَزِيمَةٍ لَمْ يَقْوَ عَلَى إخْرَاجِهِنَّ وَاشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ مُضَيِّعًا لَهُنَّ. وَالتَّعَرُّضُ لِمِثْلِ هَذَا التَّضْيِيعِ حَرَامٌ شَرْعًا. ٢٤٥ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا سُرِّيَّةً يَدْخُلُونَ أَرْضَ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْعَجَائِزِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى؛ لِأَنَّهُمْ جَرِيدَةُ خَيْلٍ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ اشْتَغَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الدَّفْعِ عَنْهَا، وَهِيَ عَاجِزَةٌ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ

стр. 205

فِي الصَّوَائِفِ الَّتِي أَكْبَرُ الرَّأْيِ فِيهَا أَنَّهُمْ قَاهِرُونَ لَا يَنْهَزِمُونَ مِنْ الْعَدُوِّ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنْ الدَّفْعِ عَنْهَا وَعَنْ أَنْفُسِهِمْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُكْمَ يُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ (٥٦ آ) فِيمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهِ. - وَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الْمَصَاحِفِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَخْرُجُ فِي سَرِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْغَازِيَ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ الْمُصْحَفِ إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، أَوْ يَتَبَرَّكُ بِحَمْلِ الْمُصْحَفِ، أَوْ يَسْتَنْصِرُ بِهِ، فَالْقُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ مَنْ اعْتَصَمَ بِهِ نَجَا، إلَّا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ تَعْرِيضِ الْمُصْحَفِ لِاسْتِخْفَافِ الْعَدُوِّ بِهِ. وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ ذِمِّيٌّ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ يَأْمَنُ هَذَا لِقُوَّتِهِمْ، وَفِي السَّرِيَّةِ رُبَّمَا يُبْتَلَى بِهِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَقَعُ الْفَرْقُ، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُسَافِرَ بِالْقُرْآنِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ» . تَأْوِيلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ مَعَ جَرِيدَةِ خَيْلٍ لَا شَوْكَةَ لَهُمْ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّ الْمَصَاحِفَ لَمْ تَكْثُرْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لَا يُؤْمَنُ إذَا وَقَعَتْ الْمَصَاحِفُ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ أَنْ يَفُوتَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤْمَنُ مِنْ مِثْلِهِ فِي زَمَانِنَا لِكَثْرَةِ الْمَصَاحِفِ وَكَثْرَةِ الْقُرَّاءِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَوْ وَقَعَ مُصْحَفٌ فِي يَدِهِمْ لَمْ يَسْتَخِفُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ فَهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ أَفْصَحُ الْكَلَامِ بِأَوْجَزِ الْعِبَارَاتِ وَأَبْلَغِ الْمَعَانِي فَلَا يَسْتَخِفُّونَ بِهِ، كَمَا لَا يَسْتَخِفُّونَ بِسَائِرِ الْكُتُبِ.

стр. 206

لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَصَحُّ، فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مُغَايَظَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَامِطَةِ حِينَ ظَهَرُوا عَلَى مَكَّةَ، جَعَلُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَصَاحِفِ إلَى أَنْ قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ. وَلِهَذَا مُنِعَ الذِّمِّيُّ مِنْ شِرَى الْمُصْحَفِ، وَأُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ كَمَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ. وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْفِقْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُصْحَفِ فِي هَذَا الْحُكْمِ. فَأَمَّا كُتُبُ الشَّعْرِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهُ الْكَافِرُ لَا يُجْبِرُ عَلَى بَيْعِهِ. ٢٤٧ - وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ الْمُصْحَفُ إذَا كَانُوا قَوْمًا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْأَمْنُ مِنْ تَعَرُّضِ الْعَدُوِّ لِمَا فِي يَدِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانُوا رُبَّمَا لَا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُصْحَفَ مَعَ نَفْسِهِ إذَا دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ. ٢٤٨ - وَإِذَا قَالَ الْحَرْبِيُّ أَوْ الذِّمِّيُّ لِلْمُسْلِمِ: عَلِّمْنِي الْقُرْآنَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَلِّبُ قَلْبَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَبِهِ أُمِرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] . وَقَالَ اللَّهُ

стр. 207

تَعَالَى ﴿اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَمَامَ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ الْحِكْمَةُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] . وَفَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِالْفِقْهِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ دُعَاؤُهُ (٥٦ ب) بِهَذَا الطَّرِيقِ إذَا عَلَّمَهُ ذَلِكَ وَفَهَّمَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] يَعْنِي يَسْمَعَ فَيَفْهَمَ فَرُبَّمَا يَرْغَبُ فِي الْإِيمَانِ لِمَا يَقِفُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَعَلَّ اللَّهَ يُقَلِّبُ قَلْبَهُ. وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ تَعْلِيمِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعْلِيمِ الْكُفَّارِ. وَإِذَا كَانَ يُنْدَبُ إلَى تَعْلِيمِ غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ إذَا خُوطِبُوا، فَلَأَنْ يُنْدَبَ إلَى تَعْلِيمِ الْمُخَاطَبِينَ رَجَاءَ أَنْ يَهْتَدُوا بِهِ وَيَعْلَمُوا كَانَ أَوْلَى. - وَإِذَا دَخَلَ الْمُشْرِكُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَالذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَا يَسَعُهُمْ إلَّا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِالتَّنَاصُرِ، وَفِي تَرْكِ التَّنَاصُرِ ظُهُورُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ. وَفِعْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّذِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ صَارُوا مَظْلُومِينَ، وَيُفْتَرَضُ عَلَى

стр. 208

الْمُسْلِمِينَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْ الْمَظْلُومِ وَالْأَخْذُ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، قَالَ ﵇: «وَلَا، حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ فَتَأْطُرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» . ٢٥٠ - فَإِنْ دَخَلُوا بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ إذَا كَانَ غَالِبُ رَأْيِهِمْ أَنَّهُمْ يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْقَاذِ الذَّرَارِيِّ مِنْ أَيْدِيهِمْ إذَا أَدْرَكُوهُمْ، مَا لَمْ يَدْخُلُوا حُصُونَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوا الذَّرَارِيَّ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَكَوْنُهَا فِي أَيْدِيهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ. وَالْمُعْتَبَرُ تَمَكُّنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الِانْتِصَافِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ قَائِمٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا حُصُونَهُمْ. ٢٥١ - فَأَمَّا إذَا دَخَلُوا حُصُونَهُمْ فَإِنْ أَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يُقَاتِلُوهُمْ لِاسْتِنْقَاذِ الذَّرَارِيِّ فَذَلِكَ فَضْلٌ أَخَذُوا بِهِ، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ رَجَوْت أَنْ يَكُونُوا فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا وَصَلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ وَدَخَلُوا حُصُونَهُمْ يَعْجِزُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ اسْتِنْقَاذِ الذَّرَارِيِّ مِنْ أَيْدِيهِمْ، إلَّا بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْجَهْدِ وَبَذْلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلُوهُ فَهُوَ الْعَزِيمَةُ، وَإِنْ تَرَكُوهُ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ. أَلَا تَرَى أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ فِي يَدِ الْكُفَّارِ بِالرُّومِ

стр. 209

وَالْهِنْدِ بَعْضَ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا الْخُرُوجُ لِقِتَالِهِمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْأُسَارَى مِنْ أَيْدِيهِمْ. ٢٥٢ - فَأَمَّا إذَا كَانَ مَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ الْمَالَ دُونَ الذَّرَارِيِّ فَإِذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَسِعَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَتْبَعُوهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا تَبِعُوهُمْ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْأَمْوَالَ بِالْإِحْرَازِ، وَانْتَهَتْ الْعِصْمَةُ الثَّابِتَةُ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَالْتُحِقَتْ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ. وَالْمُسْلِمُونَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَتْرُكُوا أَتْبَاعَهُمْ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ كَانَ أَفْضَلَ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ. ٢٥٣ - وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى ذَرَارِيِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَعْطَوْهُمْ الذِّمَّةَ فَقَدْ الْتَزَمُوا دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِحْرَازَ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لِلْمَالِ وَالنَّفْسِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، وَالْعُقُوبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ الَّذِي لِلْمُسْلِمِ. فَيَسْتَوِي الْحُكْمُ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّرَارِيِّ بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا سُلِّمَتْ لَهُمْ الْأَمْوَالُ، وَأُمِرُوا بِرَدِّ الذَّرَارِيِّ، وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ أَسْلَمُوا أُمِرُوا بِرَدِّ الْأَمْوَالِ وَالذَّرَارِيِّ. وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ. ٢٥٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ بَلَغَهُمْ هَذَا النَّفِيرُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ خَرَجُوا فِي إثْرِهِمْ لَمْ يُدْرِكُوهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا حُصُونَهُمْ فِي

стр. 210

الذَّرَارِيِّ، أَوْ حَتَّى يَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ فِي الْأَمْوَالِ، رَجَوْت أَنْ يَكُونُوا فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِ الِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ جَائِزٌ فِي مِثْلِ هَذَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فِي الْخُرُوجِ يُتْعِبُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. وَإِنَّمَا الَّذِي يُفْتَرَضُ فِيهِ الْخُرُوجُ بِعَيْنِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَبْلُغُهُ إذَا كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ أَدْرَكَهُمْ، وَقَوِيَ عَلَى الِاسْتِنْقَاذِ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِمَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا بَيَّنَّا. - قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلَّذِينَ يَسْكُنُونَ الثُّغُورَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الثُّغُورِ وَبَيْنَ أَرْضِ الْعَدُوِّ أَرْضٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ يُنْدَبُونَ إلَى الْمُقَامِ فِي الثُّغُورِ. وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْمُقَامِ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، فَالنِّسَاءُ سَكَنٌ لِلرِّجَالِ. وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَقَامُوا فِي (٥٧ آ) ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ كَثُرُوا بِمُرُورِ الزَّمَانِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَّخِذُ الْمُسْلِمُونَ وَرَاءَ ذَلِكَ ثَغْرًا بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَدُوِّ. وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَوْ نَزَلَتْ بِهِمْ جَلَبَةُ الْعَدُوِّ قَدَرُوا عَلَى دَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَعَنْ ذَرَارِيِّهِمْ. وَتَمَكَّنُوا مِنْ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ.

стр. 211

فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. أَيْ كَانُوا عَدَدًا قَلِيلًا لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ دَفْعِ جَلَبَةِ الْعَدُوِّ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِ الذَّرَارِيِّ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ. فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا النِّسَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يُضَيِّعُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ، وَيَأْمَنُونَ الضَّيَاعَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الصَّائِفَةِ وَالسَّرِيَّةِ. إلَّا أَنَّ هُنَاكَ كُرِهَ إخْرَاجُ النِّسَاءِ مَعَ الْجَيْشِ الْعَظِيمِ لِلْمُبَاضَعَةِ، وَلَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الثَّغْرِ إذَا كَثُرَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ لَا يَطُولُ مُقَامُهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى النِّسَاءِ مُدَّةَ مُقَامِهِمْ فِي الظَّاهِرِ. فَأَمَّا أَهْلُ الثُّغُورِ يَطُولُ مُقَامَهُمْ فِي الثَّغْرِ، بَلْ يُؤْمَرُونَ بِأَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْهَا. وَإِذَا كَانُوا عُزَّابًا ضَجِرُوا بِالْمُقَامِ فِيهَا، فَلِهَذَا لَمْ يَرَ بَأْسًا بِأَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيِّ. ٢٥٧ - فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الثَّغْرِ: لَا نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَدُوِّ بِأَنْفُسِنَا إنْ أَتَانَا وَلَكِنْ نَسْتَغِيثُ بِالْمُسْلِمِينَ فَيَأْتِينَا الْغِيَاثُ مِنْهُمْ فَنَدْفَعُ بِهِمْ الْعَدُوَّ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ لَا يَقْوَوْنَ عَلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلُحُوقُ الْغَوْثُ بِهِمْ لِلدَّفْعِ مَوْهُومٌ. وَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الْمَوْهُومِ خُصُوصًا فِيمَا يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهِ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ أَوْ عَصَبِيَّةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَشْتَغِلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا عَلَى إغَاثَةِ تِلْكَ الثُّغُورِ، فَيَضِيعُ مَنْ

стр. 212

فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ. فَلِهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ الْبِنَاءُ عَلَى الْغَوْثِ. وَإِنَّمَا يَبْنُونَ ذَلِكَ عَلَى شَوْكَةِ أَنْفُسِهِمْ. - وَذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا» . وَبِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: إذَا تَرَكَ الْغَازِي دَابَّتَهُ فِي هَزِيمَةِ فَأَخَذَهَا مُسْلِمٌ آخَرُ وَأَخْرَجَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَهَا مُعْرِضًا عَنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَالِكًا لَهَا لِكَوْنِهِ مُحْرِزًا لَهَا بِيَدِهِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الْتَحَقَتْ بِالصَّيُودِ، فَهِيَ لِمَنْ أَخَذَهَا وَأَحْيَاهَا. وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا تَسْيِيبُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نَفَاهُ الشَّرْعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ.﴾ [المائدة: ١٠٣] الْآيَةَ) . وَلَيْسَ التَّسْيِيبُ فِي الدَّوَابِّ نَظِيرَ الْإِعْتَاقِ فِي الْعَبِيدِ. فَبِالْإِعْتَاقِ تَحْدُثُ فِيهِ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ فَتَنْتَفِي الْمَمْلُوكِيَّةُ. وَبِالتَّسْيِيبِ لَا تُحْذَفُ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الدَّوَابِّ. وَإِذَا بَقِيَتْ مَمْلُوكَةً كَانَتْ لِصَاحِبِهَا. وَحُرْمَةُ الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ الْمَالِكِ (٥٧ ب) فَلَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ بِالْأَخْذِ. ٢٥٩ - وَذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَأْخُذُهَا صَاحِبُهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى الَّذِي أَحْيَاهَا إنْ كَانَ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَهَمٌّ. فَالشَّعْبِيُّ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ، وَمَا كَانَ يُفْتِي بِخِلَافِ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 213

ثُمَّ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّاذِّ لَا يَكُونُ مَعْمُولًا بِهِ. إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ فَكَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْمُقَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ» أَوْلَى. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ يَقُولُ: يَأْخُذُهَا صَاحِبُهَا وَيَرُدُّ عَلَى الْمُنْفِقِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ إنْ كَانَ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَبِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ نَأْخُذُ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ هَذِهِ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ. فَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: دَلَالَةُ الْإِذْنِ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ صَاحِبِهَا مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ. لِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ رَاضِيًا بِأَنْ يَنْفُقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ. وَدَلَالَةُ الْإِذْنِ كَصَرِيحِ الْإِذْنِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الِاسْتِعَانَةُ وَالرِّضَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِمَا يُنْفِقُ. وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِيجَابِ الدَّيْنِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُودِعِ يُنْفِقُ عَلَى الْوَدِيعَةِ فِي حَالِ غَيْبَةِ صَاحِبهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهَا بِمَا أَنْفَقَ لِهَذَا الْمَعْنَى، كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 214

[بَابٌ صَاحِبُ السَّاقَةِ إذَا وَجَدَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ رَجُلًا مَعَ دَابَّتِهِ] ٢٦٠ - وَإِذَا جَعَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ عَلَى السَّاقَةِ رَجُلًا يَلْحَقُ مَنْ تَخَلَّفَ بِالْمُعَسْكَرِ فَهُوَ حَسَنٌ فِي دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ وَالِانْصِرَافِ مِنْهَا. لِأَنَّ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَاَلَّذِي يَغْلِبُهُ النَّوْمُ أَوْ يَعِي رُبَّمَا يَجْلِسُ أَوْ يَنَامُ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ لَا يَلْتَحِقُ بِالْجَيْشِ فَيَضِيعُ. - وَإِذَا كَانَ عَلَى السَّاقَةِ مَنْ يُكَلِّفُهُ اللُّحُوقَ بِالْعَسْكَرِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ. وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ. - فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبُ السَّاقَةِ رَجُلًا قَامَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتْرُكَ الدَّابَّةَ وَيَلْتَحِقَ بِالْعَسْكَرِ كَيْ لَا يَهْلِكَ، فَأَخَذَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ دَابَّتَهُ فَهَلَكَتْ، لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا. لِأَنَّهُ مَا تَعَرَّضَ لِلدَّابَّةِ بِشَيْءٍ، إنَّمَا أَحْسَنَ إلَى صَاحِبِهَا حِينَ أَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ

стр. 215

وَلَوْ أَسَاءَ إلَى صَاحِبِهَا بِأَنْ حَبَسَ صَاحِبَ الْمَوَاشِي حَتَّى ضَاعَتْ مَوَاشِيه لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. فَإِذَا أَحْسَنَ إلَيْهِ كَانَ أَوْلَى. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ: إمَّا يُضَيِّعُ دَابَّتَهُ أَوْ يُضَيِّعُ نَفْسَهُ (٥٨ آ) إنْ وَقَفَ مَعَهَا. وَمَنْ دُفِعَ إلَى شَرَّيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا. وَذَلِكَ تَرْكُ الدَّابَّةِ. فَصَاحِبُ السَّاقَةِ أَمْرٌ يَحِقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ شَرْعًا فَيَكُونُ مُحْسِنًا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. - وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الدَّابَّةَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا فَنَحَّاهَا عَنْهُ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ أَخْذِهَا، فَهَلَكَتْ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ قِيمَتَهَا. لِأَنَّهُ فَوَّتَ لَهُ يَدَهُ بِصُنْعٍ أَحْدَثَهُ فِي الدَّابَّةِ، وَذَلِكَ غَصْبٌ مِنْهُ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِزَالَةِ يَدِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ عَنْ الدَّابَّةِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْحَاقِهِ بِالْعَسْكَرِ. وَهُوَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى التَّعَرُّضِ لِدَابَّتِهِ، فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ قِيمَتَهَا إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ كَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُ السَّاقَةِ أَوْ ضَرَبَهَا فَقَتَلَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ. وَهَذَا أَظْهَرُ. - فَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَفَكَّ صَاحِبُ السَّاقَةِ يَدَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ الدَّابَّةَ فِي مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. لِأَنَّ صُنْعَهُ حَلَّ بِيَدِ صَاحِبِهَا لَا بِالدَّابَّةِ. وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ لَا يَجِبُ إلَّا بِاعْتِبَارِ صُنْعٍ فِي الْمَغْصُوبِ يُفَوِّتُ يَدَ الْمَالِكِ بِتَحْوِيلِهِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَدُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ ثَابِتًا فِيهِ. فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ لِجَامَ الدَّابَّةِ وَنَحَّاهَا كَانَ ضَامِنًا، وَإِذَا فَكَّ يَدَ صَاحِبِهَا عَنْ اللِّجَامِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، وَتَلَفُ الدَّابَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ
следующие страницы →