← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَعْنَى التَّجَمُّلِ وَالتَّرَفُّهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَنْعَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ. ٣١٢٠ - وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ كُرَاعٌ أَوْ سِلَاحٌ وَرَقِيقٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا جَاءَ بِهِ؛ لِأَنَّا أَعْطَيْنَاهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا مَعَهُ، فَكَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ فَكَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ آلَةَ الْقِتَالِ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْمُقَاتِلِ. فَإِنْ بَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ رَقِيقًا مِثْلَ مَا كَانَ لَهُ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ لَهُ، أَوْ اشْتَرَى مِمَّا كَانَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. لِأَنَّهُ مَا اسْتَحَقَّ بِالْأَمَانِ إدْخَالَ هَذِهِ الْعَيْنِ مَعَ نَفْسِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ الْأَوَّلِ فَقَدْ سَقَطَ حِينَ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، بَيْعًا بِالدَّرَاهِمِ فَكَانَ هَذَا. ٣١٢١ - وَمَا لَوْ أَدْخَلَ الدَّرَاهِمَ دَارَنَا وَاشْتَرَى بِهَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ فِيهِ فَأَقَالَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ بِخِيَارِ اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ.

стр. 1507

لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ قَدْ تَمَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَصَارَ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِ، وَصَارَ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْحَرْبِيِّ فِي إعَادَتِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِمَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُسْلِمِ مِنْ الْأَصْلِ فَبَاعَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ. ٣١٢٢ - وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ يَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَقَضَ الْبَيْعَ بِحُكْمِ خِيَارِهِ فَلَهُ أَنْ يَعُودَ بِهِ إلَى دَارِهِ لِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ لِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَبْقَى بِاعْتِبَارِ حَقِّ الْإِعَادَةِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ ٣١٢٣ - وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا ثُمَّ نَقَضَ الْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ لِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. ٣١٢٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَيْعًا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ لَمْ يَتْرُكْ الْحَرْبِيَّ لِيَرْجِعَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ مَلَكَهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لَحِقَهُ فِي إعَادَتِهِ إلَى دَارِهِ. ٣١٢٥ - وَإِنْ كَانَ بَيْعًا لَا يَمْلِكُ بِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ بِالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِبَقَاءِ حَقِّهِ فِيهِ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ

стр. 1508

وَلَوْ اسْتَبْدَلَ الْحَرْبِيُّ بِسَيْفِهِ فَرَسًا فَإِنْ أَدْخَلَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ أَنَّهُ مَتَى اسْتَبْدَلَ بِسِلَاحِهِ سِلَاحًا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا حَصَّلَهُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ شَرًّا مِنْهُ. لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ بِعَقْدِ الْأَمَانِ حَقُّ الْإِعَادَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مَعَ نَفْسِهِ فِي دَارِهِمْ كَثِيرًا وَيَعِزُّ فِيهِمْ الْجِنْسُ الْآخَرُ وَلَا يُوجَدُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَ ذَلِكَ لَهُمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ. ٣١٢٦ - فَإِنْ كَانَ مَا اسْتَبْدَلَ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا أَدْخَلَهُ فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا أَدْخَلَهُ أَوْ شَرًّا مِمَّا أَدْخَلَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِهِ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا مِمَّا أَدْخَلَهُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْأَمَانِ إعَادَةَ هَذَا الْجِنْسِ مَعَ نَفْسِهِ إلَى دَارِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعَيْنُ إذَا كَانَ مُفِيدًا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْجِنْسُ وَفِيمَا يَتَبَقَّى مِنْ هَذَا الْجِنْسِ عَيْنُ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ مِثْلِهِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا إذَا كَانَ خَيْرًا مِنْهَا فَهُوَ يُرِيدُ بِهَذَا زِيَادَةَ الْإِضْرَارِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ حَقُّ الْمَنْعِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْأَصْلِ، فَثَبَتَ الْمَنْعُ فِي الْكُلِّ، بِمَنْزِلَةِ الْمَوْهُوبِ إذَا ازْدَادَ زِيَادَةً

стр. 1509

مُتَّصِلَةً فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي الْأَصْلِ كَمَا لَا يَرْجِعُ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِذَا صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِ. ٣١٢٧ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِهَا مِثْلَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فَلَهُ أَنْ يَعُودَ بِمَا رَجَعَ إلَيْهِ إلَى دَارِهِ. لِأَنَّهُ سِلَاحُهُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِالْإِقَالَةِ مِنْ مِلْكِهِ. ٣١٢٨ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِهِ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ شَرًّا مِنْهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى دَارِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ اسْتَبْدَلَ خَيْرًا مِنْهُ فَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ الشَّرْع كَأَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا السِّلَاحَ ابْتِدَاءً. وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ بِالتَّصَرُّفِ الْأَوَّلِ، وَصَارَ مَمْنُوعًا مِنْ إدْخَالِ مَا حَصَلَ لَهُ دَارَ الْحَرْبِ، فَلَا يَعُودُ حَقُّهُ بِالْإِقَالَةِ. ٣١٢٩ - وَإِنْ كَانَ مَا اسْتَبْدَلَ بِهِ شَرًّا مِنْهُ فَهَذِهِ الْإِقَالَةُ فِي حَقِّ الشَّرْعِ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ، وَقَدْ اسْتَبْدَلَ فِي هَذِهِ الْإِقَالَةِ بِسِلَاحِهِ الرَّدِيءِ سِلَاحًا جَيِّدًا، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَحُكْمُ الِاسْتِبْدَالِ بِالْكُرَاعِ مِثْلُ حُكْمِ الِاسْتِبْدَال بِالْأَسْلِحَةِ فِي مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالِاخْتِلَافِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فَأَمَّا إذَا

стр. 1510

اسْتَبْدَلَ بِحِمَارِهِ أَتَانًا أَوْ بِفَرَسِهِ الذَّكَرِ فَرَسًا أُنْثَى مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ مَا أَدْخَلَهُ فِي الْقِيمَةِ. لِأَنَّ فِي هَذَا مَنْفَعَةَ النَّسْلِ، وَلَيْسَ فِي الَّذِي أَعْطَاهُ مَنْفَعَةُ النَّسْلِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا الِاسْتِبْدَالِ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ فَمُنِعَ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ. ٣١٣٠ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِبَغْلِهِ الذَّكَرِ بَغْلَةً أُنْثَى مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُلَقَّحُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى النَّسْلِ أَصْلًا. ٣١٣١ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بماذيانه فَحْلًا مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِمَّا تُلَقَّحُ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيمَا أَعْطَى ٣١٣٢ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِفَرَسِهِ بِرْذَوْنًا أَوْ بِبِرْذَوْنِهِ فَرَسًا مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعَ مَنْفَعَةٍ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ الْبِرْذَوْنَ أَلْيَنُ عِطْفًا وَأَصْبَرُ عَلَى الْقِتَالِ، وَالْفَرَسُ أَقْوَى فِي حَالَةِ الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهَذَا الِاسْتِبْدَالِ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً لَهُمْ.

стр. 1511

وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِفَرَسِهِ الْأُنْثَى فَرَسًا أُنْثَى دُونَهَا فِي الْجَرْيِ وَلَكِنَّهَا أَثْبَتُ مِنْهَا وَأَرْجَى لِلنَّسْلِ مُنِعَ مِنْ أَنْ يُدْخِلَهَا دَارَهُمْ. لِأَنَّ فِيمَا أَخَذَ نَوْعُ مَنْفَعَةٍ لَيْسَتْ فِيمَا أَعْطَى، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْدَالِ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى بَيْعِ مَا أَخَذَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مِثْلُ مَا أَعْطَى فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ أَوْ دُونَهُ، فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي هَذَا الْبَابِ وَاجِبٌ، وَتَمَامُ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا قُلْنَا. ٣١٣٤ - فَأَمَّا فِي الرَّقِيقِ فَسَوَاءٌ اسْتَبْدَلَهُمْ بِجِنْسٍ آخَرَ، أَوْ بِجِنْسِ مَا هُوَ عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ مِثْلُ مَا عِنْدُهُ، أَوْ دُونَهُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الرَّقِيقِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، وَالْمُسْتَأْمَنُ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا عَلَى كُلِّ حَالٍّ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَكَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ بَنُو آدَمَ دُونَ الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِهَذَا بَيَّنَّا الْجَوَابَ هُنَاكَ عَلَى اعْتِبَارِ زِيَادَةِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْمَبِيعِ. ٣١٣٥ - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ مِنْ الرُّومِ دَخَلَا دَارَنَا بِأَمَانِ، وَمَعَ أَحَدِهِمَا رَقِيقٌ وَمَعَ الْآخَرِ سِلَاحٌ، فَتَبَادَلَا الرَّقِيقَ بِالسِّلَاحِ، أَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَتَاعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ بِدَرَاهِمَ لَمْ يُمْنَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ بِمَا حَصَّلَ لِنَفْسِهِ. لِأَنَّ الْمُشْتَرِي فِيمَا حَصَلَ لَهُ بِهَذَا التَّصَرُّفِ قَامَ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَقَدْ كَانَ الْبَائِعُ مُمَكَّنًا مِنْ إعَادَتِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا مِنْهُ.

стр. 1512

٣١٣٦ - وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَتَاعَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ لَمْ يَكُنْ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ شَرِيكَهُ فِيهِ مُسْلِمٌ وَلَا يُمْكِنُهُ إدْخَالُ حِصَّتِهِ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى يُدْخِلَ حِصَّةَ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ امْتَنَعَ إدْخَالُ حِصَّةِ الْمُسْلِمِ مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَمْتَنِعَ الْإِدْخَالُ فِي حِصَّةِ الْحَرْبِيِّ أَيْضًا، فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يُقَسَّمُ مِنْ سِهَامٍ أَوْ نُشَّابٍ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يُطَالِبَ شَرِيكَهُ بِالْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ يُدْخِل نَصِيبَهُ دَارَ الْحَرْبِ، إمَّا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا يَخُصُّ الْحَرْبِيَّ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ فَيَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ وَحْدَهُ أَوْ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، فَكَأَنَّ الْمُسْلِمَ سَلَّمَ لَهُ نِصْفَ مَا يَمْلِكُ بِمِثْلِهِ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ نَصِيبِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِبْدَالِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إدْخَالِ مَا صَارَ لَهُ دَارَ الْحَرْبِ. ٣١٣٧ - وَإِنْ لَمْ تَسْتَقِمْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا حَتَّى زَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَرَاهِمَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ هُوَ الَّذِي أَعْطَى الْحَرْبِيَّ دَرَاهِمَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ مَا صَارَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ يَصِيرُ بَائِعًا بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ شَرِيكِهِ بِالدَّرَاهِمِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إدْخَالِ مَا بَقِيَ فِي مِلْكِهِ دَارَ الْحَرْبِ.

стр. 1513

٣١٣٨ - وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ هُوَ الَّذِي أَعْطَى الدَّرَاهِمَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِيًا بَعْضَ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ؛ وَلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَعْطَى الدَّرَاهِمَ فَقَدْ أَخَذَ مِنْ السِّلَاحِ خَيْرًا مِمَّا كَانَ لَهُ فِي مِلْكِهِ بِالشِّرَاءِ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِبْدَالِهِ مَعَ الْمُسْلِمِ سِلَاحَهُ بِسِلَاحٍ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ أَخَذَ الدَّرَاهِمَ فَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا الِاسْتِبْدَالِ سِلَاحًا هُوَ شَرٌّ مِنْ سِلَاحِهِ، مَعَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ دَارِهِ. وَالْكُرَاعُ إذَا كَانَ مِمَّا يُقَسَّمُ بِمَنْزِلَةِ السِّهَامِ وَالنُّشَّابِ. لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا قِسْمَةُ الْجُزْءِ. ٣١٣٩ - وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ مَعَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ رَقِيقًا ثُمَّ اقْتَسَمَا فَلَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يُدْخِلَ مَا أَصَابَهُ دَارَ الْحَرْبِ هَا هُنَا فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى قَوْلِهِمَا وَإِنْ كَانَ يُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً فَقَبْلَ الْقِسْمَةِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذِمِّيًّا بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهِدِ فِي نِصْفِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إدْخَالِ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا دَارَ الْحَرْبِ. ٣١٤٠ - قَالَ: وَلَوْ أَنْ حَرْبِيًّا مِنْ الرُّومِ دَخَلَ إلَيْنَا بِكُرَاعٍ

стр. 1514

أَوْ سِلَاحٍ أَوْ رَقِيقٍ فَأَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ أَرْضَ التُّرْكِ أَوْ الدَّيْلَمِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِيَبِيعَهُ مِنْهُمْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ فِيمَا يُدْخِلُ دَارَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ يُرِيدُ إدْخَالَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَارَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَرْبِيُّ كَذَلِكَ. ٣١٤١ - وَهَذَا لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ اسْتَحَقَّ التَّمَكُّنَ مِنْ إعَادَةِ ذَلِكَ إلَى دَارِهِ إنْ شَاءَ، فَفِي هَذَا الْحُكْمِ الْوَاحِدِ هُوَ يُفَارِقُ الْمُسْلِمَ وَالْمُعَاهِدَ. فَأَمَّا فِي إدْخَالِ ذَلِكَ دَارًا أُخْرَى فَلَيْسَ مِمَّا اسْتَحَقَّهُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهِدِ. وَلِأَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ ذَلِكَ دَارًا أُخْرَى فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَ لَهُمْ بِذَلِكَ قُوَّةً عَلَى قِتَالِنَا، فَيُمْنَعُ مِنْهُ، وَيَنْعَدِمُ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا إذَا عَادَ بِهِ إلَى دَارِهِ. ٣١٤٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ إلَى دَارِ حَرْبِهِمْ مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُحَارَبِينَ وَإِنْ تَرَكُوا الْقِتَالَ بِسَبَبِ الْمُوَادَعَةِ إلَى مُدَّةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مُسْلِمٌ إدْخَالَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مُنِعَ. ٣١٤٣ - وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ أَرْضًا أَهْلُهَا ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 1515

لِأَنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا لَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَتَّجِرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ فِي أَيْ نَوَاحِيهَا شَاءَ. ٣١٤٤ - وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِينَا مِنْ الرُّومِ وَالْآخَرُ مِنْ التَّرْكِ، وَمَعَ أَحَدِهِمَا رَقِيقٌ وَمَعَ الْآخَرِ كُرَاعٌ أَوْ سِلَاحٌ، فَتَبَادَلَا أَوْ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَتَاعَ صَاحِبِهِ بِدَرَاهِمَ لَمْ يُتْرَكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِيَخْرُجَ بِمَا اشْتَرَى إلَى دَارِهِ. لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ قَامَ مَقَامَ بَائِعِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مَمْنُوعٌ مِنْ إدْخَالِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الَّتِي مِنْهَا الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذَا التَّصَرُّفِ أَنْ يُقَوِّيَ أَهْلَ دَارِهِ عَلَيْنَا بِمَا يُدْخِلُهُ فِيهِمْ مِنْ سِلَاحٍ هُوَ خِلَافُ جِنْسِ مَا خَرَجَ بِهِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُبَادَلَتُهُ مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنِ غَيْرَ أَهْلِ دَارِهِ. ٣١٤٥ - وَإِنْ كَانَا تَبَادَلَا كُرَاعًا بِكُرَاعٍ مِنْ صَنْعَةِ مِثْلِهِ أَوْ سِلَاحًا بِسِلَاحٍ مِنْ صَنْعَةِ مِثْلِهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنْ يُدْخِلَ مَا أَخَذَ دَارِهِ. لِأَنَّ هَذِهِ الْمُبَادَلَةَ لَوْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إدْخَالِ مَا حُصِّلَ لَهُ دَارِهِ.

стр. 1516

فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ مُسْتَأْمَنٍ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرَ فَلِلَّذِي أَخَذَ أَخَسَّهُمَا أَنْ يَدْخُلَ بِاَلَّذِي أَخَذَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَيْسَ لِلَّذِي أَخَذَ أَفْضَلَهُمَا ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْعَيْبِ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَادَلَا رَقِيقًا بِرَقِيقٍ وَهُمَا سَوَاءٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا تُجْعَلُ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُبَادَلَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُعَاهِدِ. لِأَنَّ هُنَاكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهَدِ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَمَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَهَا هُنَا مَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ أَحَدِهِمَا إلَى مِلْكِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَقُلْنَا: عِنْدَ تَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ لَا يُمْنَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ مَا صَارَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرَ لَمْ يُمْنَعْ الَّذِي أَخَذَ أَخَسَّهُمَا مِنْ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى دَارِهِ، وَمُنِعَ الَّذِي أَخَذَ أَفْضَلَهُمَا مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ فِيمَا صَارَ لَهُ. ٣١٤٧ - وَلَوْ كَانَا تَبَادَلَا عَبْدًا بِأَمَةٍ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُدْخِلَ مَا أَخَذَ دَارِهِ.

стр. 1517

لِأَنَّ اخْتِلَافَ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فِي بَنِي آدَمَ اخْتِلَافُ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى شَخْصًا عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَلِأَنَّ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا نَوْعُ مَنْفَعَةٍ غَيْرُ مَنْفَعَةِ صَاحِبِهِ، فَالْجَارِيَةُ تُطْلَبُ لِلنَّسْلِ وَالْغُلَامُ يُطْلَبُ لِلْقِتَالِ، فَلِهَذَا مُنِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ مَا حَصَلَ لَهُ بِهَذَا التَّصَرُّفِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1518

[بَابٌ فِدَاءِ الْأَسْرَى] ١٥٦ - بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ ٣١٤٨ - قَالَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَادِيَ أَسُرَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ تَخْلِيصَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَاجِبٌ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِطَرِيقِ الْمُفَادَاةِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْبَرُ مِنْ تَرْكِ الْقَتْلِ لِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ، وَالْمَنْفَعَةُ فِي تَخْلِيصِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَظْهَرُ، وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ فَادَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ» وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَتِهِ بِحَالِ. تَوْضِيحِهِ: أَنَّ الْأُسَرَاءَ صَارُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِينَا، فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا،

стр. 1519

فَتَكُونُ الْمُفَادَاةُ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُفَادَاةِ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذِهِ الْمُفَادَاةِ أَكْثَرُ مِنْ الْخَوْفِ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَجْلِهِ لَا يَجُوزُ تَرْكُ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يَجُوزُ إعَادَتُهُمْ لِيَصِيرُوا حَرْبًا لَنَا. أَلَا تَرَى: أَنَّهُ يُفْرَضُ الْجِهَادُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيُتَوَصَّلُوا بِهِ إلَى قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْخَوْفِ عَلَى نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنْ أَسْلَمَ الْأُسَرَاءُ قَبْلَ أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهُمْ لِلْفِتْنَةِ بِطَرِيقِ الْمُفَادَاةِ. ٣١٤٩ - وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إذَا سُبُوا وَكَانَ مَعَهُمْ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِلْأَبَوَيْنِ فَلَا يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ وَإِنْ حَصَلُوا فِي دَارِنَا ٣١٥٠ - فَأَمَّا إذَا سُبِيَ الصَّبِيُّ وَحْدَهُ وَأُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ صَارَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلدَّارِ. ٣١٥١ - وَكَذَلِكَ إنْ قُسِّمَتْ الْغَنِيمَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَوَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ أَوْ بِيعَتْ الْغَنَائِمُ فَقَدْ صَارَ الصَّبِيُّ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِمَنْ تَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِيهِ بِالْقِسْمَةِ أَوْ الشِّرَاءِ فِي دَارِ

стр. 1520

الْحَرْبِ حَتَّى إذَا مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَالِغًا تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ صَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا قَدْ اسْتَقَرَّ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ حِينَ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ، وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جَوَّزْنَا الْمُفَادَاةَ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ مَوْجُودٌ بَعْدَهُمَا، وَهُوَ وُجُوبُ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ يَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ فِيهِمْ، وَذَلِكَ عَلَامَةُ النُّقْصَانِ لَا الزِّيَادَةِ. أَلَا تَرَى: أَنَّ مُفَادَاةَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَالِ جَائِزٌ، فَتُعَيَّنُ صِفَةُ الْمَالِيَّةِ فِي هَؤُلَاءِ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ، وَلَا يَمْتَنِعُ جَوَازُ الْمُفَادَاةِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ افْتَدَى يَوْمَ الْمُرَيْسِيعِ سَبْيَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بَعْدَ مَا جَرَتْ فِيهِمْ السُّهْمَانُ، فَأَمَّا مُفَادَاةُ الْأُسَرَاءِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا، رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . ٣١٥٢ - وَفِي الْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ تَرْكُ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ لِلطَّمَعِ فِي عَرَضِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ

стр. 1521

أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] الْآيَةَ. نَزَلَتْ الْآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَغِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حِينَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَتَأَسَّفُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ أُسِرَ فِي عَهْدِهِ أَسِيرٌ مِنْ الرُّومِ فَطَلَبُوا الْمُفَادَاةَ بِهِ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ، فَلَقَتْلُ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أُحِبُّ إلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَفَادَوْا بِهِ وَإِنْ أُعْطِيتُمْ بِهِ مُدَّيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَلِأَنَّا أُمِرْنَا بِالْجِهَادِ لِإِعْزَازِ الدِّينِ، وَفِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ إظْهَارٌ مِنَّا لِلْمُشْرِكَيْنِ أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ. فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ ذَلِكَ قَدْ انْتَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] تَفْسِيرُهَا لَوْلَا أَنِّي كُنْت أَحْلَلْت لَكُمْ الْغَنَائِمَ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] . وَلَئِنْ كَانَ الْمُرَادُ تَجْوِيزُ الْمُفَادَاةِ

стр. 1522

فَقَدْ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِنُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لِأَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَتْ، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِنْ الْمُفَادَاةِ يَوْمِ بَدْرٍ فِي النُّفُوسِ بِالنُّفُوسِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَعْرَجُ «أَنْ سَعْدَ بْنَ النُّعْمَانِ خَرَجَ مُعْتَمِرًا مِنْ الْبَقِيعِ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ؛ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَهُوَ لَا يَخْشَى الَّذِي كَانَ، فَحَبَسَهُ أَبُو سُفْيَانَ بِمَكَّةَ وَقَالَ: لَا أُرْسِلُهُ حَتَّى يُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﵌ ابْنِي عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَمَشَى الْخَزْرَجُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَأَرْسَلَهُ فَفَدَوْا بِهِ سَعْدَ بْنَ النُّعْمَانِ» وَكَذَلِكَ فَدَى الْأُسَارَى يَوْمَئِذٍ بِالْمَالِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الْفِدَاءَ يَوْمَئِذٍ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ إلَى ثَلَاثَةِ آلَافٌ إلَى أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ عَلَى قَوْمٍ لَا مَالَ لَهُمْ مَنَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، «لَمَّا قَدِمَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهَا؛ بَعَثَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، بِفِدَاءِ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ، فَكَانَ فِيمَا بَعَثَتْ بِهِ قِلَادَةٌ كَانَتْ خَدِيجَةُ ﵂ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى زَوْجِهَا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ -

стр. 1523

الْقِلَادَةَ عَرَفَهَا وَرَقَّ لَهَا ثُمَّ قَالَ: إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا إلَيْهَا مَتَاعَهَا فَعَلْتُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ» . ٣١٥٣ - وَصَحَّ أَنْ الْعَبَّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَدَى نَفْسَهُ يَوْمَئِذٍ بِمَالٍ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] الْآيَةُ وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ ﵀ إلَى تَأْوِيلٍ آخَرَ فَقَالَ: قَدْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مُحْتَاجِينَ إلَى الْمَالِ حَاجَةً عَظِيمَةً، لِأَجْلِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَيْضًا مَا يُرْوَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَمَّا سَبَى الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعَثَ بِنِصْفِ السَّبْيِ مَعَ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ إلَى نَجْدٍ، فَبَاعَهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالسِّلَاحِ وَالْحَيَوَانِ، وَبِالنِّصْفِ الْبَاقِي مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ إلَى الشَّامِ لِيَشْتَرِيَ بِهِمْ السِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ» ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِمْ كَانَتْ إلَى السِّلَاحِ يَوْمَئِذٍ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا بِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ لَا يَجُوزُ الْيَوْمَ بِحَالٍ، وَإِنَّ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمُهُ قَدْ انْتَسَخَ، وَذَكَرَ تَأْوِيلَ الْمُفَادَاةِ فِي سَبْيِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَقَالَ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ﵌ ظَهْرَ عَلَى دَارِهِمْ فَافْتَدَى بِهِمْ لِئَلَّا يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الرِّقُّ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵌ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ

стр. 1524

بَعْدَ مَا اُفْتُدِيَتْ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ أَسْلَمُوا: وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ عِنْدَنَا مُفَادَاةُ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ لِيُرَدُّوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَيَكُونُوا عَوْنًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٣١٥٤ - وَذُكِرَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: لَيْسَ يُفْدَى الْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَمْلُوكًا لِمَوْلَاهُ وَقَدْ صَارَ بِالْإِحْرَازِ مِلْكًا لَهُمْ، فَإِنَّمَا مَوْلَاهُ هُوَ الَّذِي يَفْدِيهِ بِمَالِهِ لِيُعِيدَهُ إلَى مِلْكِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَوْلَاهُ مَالٌ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ لَا سَبِيلَ لِمَوْلَاهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ عَبِيدِ بَيْتِ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يُعْطِيَ مَوْلَاهُ ذَلِكَ الْفِدَاءَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ مِنْهُمْ وَأَخْرَجَهُ، فَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِيُفْدَى مِنْهُ، وَإِنَّمَا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّمَا يُفْدَى أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ طَلَبُوا فِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ أَنْ نُعْطِيَهُمْ بَعْضَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ أَسَرْنَاهُمْ خَاصَّةً دُونَ مَنْ أَسَرْنَاهُمْ مَعَهُمْ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدَيْهِ. لِأَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ بِحَقِّ وَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي وَجَبَ تَخْلِيصُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّبِيِّ، فَلِهَذَا جَوَّزْنَا الْمُفَادَاةَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

стр. 1525

٣١٥٥ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَوَازِنَ فَنَفَّلَنِي جَارِيَةً فَلَمَّا قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ: هَبْهَا لِي، فَوَهَبْتهَا لَهُ، فَفَادَى بِهَا أُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ» ، وَالْمِلْكُ فِي النَّفْلِ قَدْ تَعَيَّنَ لِلْمُنْفَلِ لَهُ، ثُمَّ جَوَّزَ الْمُفَادَاةَ بِهِ. قَالَ: وَإِذَا جَاءَ رَسُولُ مَلِكِهِمْ يَطْلُبُ الْمُفَادَاةَ بِالْأُسَارَى، وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ جَعَلُوا الْأُسَارَى فِي مَكَان حَصِينٍ وَأَخَذُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَهْدًا بِأَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى مَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ الْأَسَارَى حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْ أَمْرِ الْفِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُتَّفَقْ رَجَعُوا بِمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفُوا لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُفَادُوهُمْ كَمَا شَرَطُوا لَهُمْ مَالًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُتَّفَقْ بَيْنَهُمْ التَّرَاضِي عَلَى الْمُفَادَاةِ وَأَرَادُوا الِانْصِرَافَ بِأُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا الْأُسَرَاءَ إلَى بِلَادِهِمْ، لِأَنَّ حَبْسَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمٌ مِنْهُمْ، وَلَا يَحِلُّ إعْطَاءُ الْعَهْدِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ، فَيَحِقُّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَنَزْعُ الْأُسَرَاءِ مِنْ أَيْدِيهمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ سِوَى ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ -

стр. 1526

قَدْ شَرَطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا» وَوَفَّى بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ رَدَّ أَبَا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ عَلَى مَنْ جَاءَ فِي طَلَبِهِ حَتَّى فَعَلَ مَا فَعَلَ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذَا حُكْمٌ قَدْ انْتَسَخَ بِالْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ. وَكَانَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ يَوْمَئِذٍ خَاصَّةً، وَقَدْ عَلِمَ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، فَقَالَ: «لَا يَسْأَلُونَنِي الْيَوْمَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إيَّاهُ» ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مُسْلِمًا أَوْ أَنْ نَتْرُكَ أَخْذَ الْمُسْلِمِ مِنْ أَيْدِيهِمْ إذَا قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ بِحَالِ، فَإِنْ أَرَادُوا أَخْذَهُمْ فَعَرَضَ لَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ، فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ لِيُقَاتِلُوهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ، دُونَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَسْتَنْقِذُوهُمْ. وَإِنْ كَانُوا شَرَطُوا عَلَيْنَا أَنْ نَأْتِيَهُمْ بِعِدَّةٍ مِنْ الْعُلُوجِ قَدْ سَمَّوْهُمْ فَلَمْ نَأْتِهِمْ بِهِمْ أَوْ أَتَيْنَاهُمْ ثُمَّ كَانَ تَرْكُ الْمُفَادَاةِ مِنْ قِبَلِنَا أَوْ قِبَلِهِمْ فَالْجَوَابُ سَوَاءٌ، أَلَّا يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ فِي سَعَةِ مِنْ تَرْكِ قِتَالِهِمْ. لِأَنَّ عَلَيْهِمْ حِفْظُ قُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ الْعُلُوَّ وَالْغَلَبَةَ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْهُ.

стр. 1527

٣١٥٦ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ بِأَنْ لَمْ يُعَايِنْهُمْ وَلَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، إلَّا أَنَّا نَظُنُّ بِذَلِكَ ظَنًّا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْتَقَضَ الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَّ ذَلِكَ لِاسْتِرْدَادِ الْأُسَرَاءِ مِنْهُمْ. ٣١٥٧ - وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا فَبِنَقْضِ الْعَهْدِ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ وَإِنْ اسْتَأْمَنَ إلَيْنَا مَمَالِيكُهُمْ، وَنَحْنُ فِي الْمُفَادَاةِ. لَمْ يُنْقَضْ الْعَهْدُ أَيْضًا وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَمَالِيكُهُمْ. لِأَنَّا آمَنَّاهُمْ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَرَّضَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. ٣١٥٨ - فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَمَالِيكُ لَمْ نَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّا نَبِيعُهُمْ وَنُعْطِيهِمْ أَثْمَانَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُسَلِّمُ عَبْدَهُ، وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَ الْمَمَالِيكُ بِهِ مِنْ أَسْلِحَتِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، فَإِنْ قَالَ الْمَمَالِيكُ نَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ وَنَرُدُّهُمْ عَلَيْهِمْ مَعَ دَوَابِّهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُ مَنْ لَهُمْ أَمَانٌ مِنَّا، وَهُمْ تَبَعٌ لِلْمَالِكِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ الذِّمَّةِ وَلَا يَصِيرُ بِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا

стр. 1528

وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ أَتَوْنَا بَعْضَ أَحْرَارِهِمْ) أَخَذُوا مِنْهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالْمَالَ ثُمَّ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءُوا بِهِ. لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَمَانٌ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَمَا أَخَذُوا بِهِ مِنْ الْمَالِ قَدْ صَارَ مِلْكًا لَهُمْ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً أَوْ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ. ٣١٦٠ - وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُوَادَعَةٌ، فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ ثُمَّ جَاءَ بِهِ إلَى دَارِنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُمْ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ. ٣١٦١ - وَلَوْ أَنَّ أُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ لِلْمُفَادَاةِ هَرَبُوا إلَيْنَا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْفِدَاءُ فَقَالُوا: رُدُّوهُمْ إلَيْنَا لِلْعَهْدِ لَمْ نَرُدَّهُمْ. لِأَنَّا مَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى حَبْسِ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمَا كَانُوا يَمْلِكُونَ الْأُسَرَاءَ. ٣١٦٢ - ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِالْفِدَاءِ.

стр. 1529

لِأَنَّا إنَّمَا شَرَطْنَا لَهُمْ رَدَّ أُسَرَائِهِمْ بِالْمُفَادَاةِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ تَمَّ التَّرَاضِي عَلَى الْمُفَادَاةِ بِعُلُوجٍ بِأَعْيَانِهِمْ ثُمَّ هَرَبَ أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ بِمَا صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ لِيَطْمَئِنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ وَلَا يَنْسُبُوهُمْ لِلْغَدْرِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ تَمَامَ الْمُفَادَاةِ بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فَإِذَا وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُفَادَاةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْنَا رَدُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ تِلْكَ الْمُرَاوَضَةِ مِنْ عُلُوجِ الْمُشْرِكِينَ وَالْأَمْوَالِ. ٣١٦٣ - وَلَوْ أَنَّ الْأُسَرَاءَ هَرَبُوا مِنْهُمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَأْتُونَا بَعْدَ مَا وَقَعَ الصُّلْحُ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا هَرَبُوا إلَيْنَا فَالْأَفْضَلُ هُنَاكَ أَنْ نُعْطِيَهُمْ مَا شَرَطْنَاهُمْ لِأَنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَيْنَا فَنَحْنُ مَنَعْنَاهُمْ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُشْبِهُ هَذَا مَا لَوْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ أَعْطَوْهُمْ إلَيْنَا، فَأَمَّا إذَا خَرَجُوا إلَيْنَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُمْ لَيْسُوا فِي أَيْدِينَا فَلَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِالْفِدَاءِ الَّذِي شَرَطْنَا إذَا كَانُوا لَا يَرَوْنَ عَلَيْنَا بِهِ شَيْئًا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ الْأُسَرَاءُ فِي أَيْدِيهمْ فَكَذَلِكَ إنْ هَرَبَ الْأُسَرَاءُ أَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَامْتَنَعُوا بِأَنْفُسِهِمْ. لِأَنَّا لَا نَمْنَعُهُمْ الْآنَ مِنْهُمْ لِنَفِيَ لَهُمْ بِمَا شَرَطْنَا. ٣١٦٤ - وَإِذَا هَرَبُوا إلَيْنَا وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَنَحْنُ الْمَانِعُونَ لِلْأُسَرَاءِ مِنْهُمْ.

стр. 1530

أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْلَا مَكَانُنَا أُخِذُوا، فَلِهَذَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفِيَ بِمَا شَرَطْنَا لَهُمْ ٣١٦٥ - وَإِنْ أَرَادُوا رَدَّ الْأُسَرَاءَ فَقَاتَلَهُمْ الْأُسَرَاءُ وَاسْتَغَاثُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْذُلُوهُمْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنْ حَبْسَهُمْ لِلْأُسَرَاءِ ظُلْمٌ وَمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى الظُّلْمِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذَرُوا الْمُشْرِكِينَ يَقْتُلُونَ إخْوَانَهُمْ، وَلَا يَمْنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، إذَا كَانُوا يُقِرُّونَ عَلَى الْمَنْعِ. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ لِلْأُسَرَاءِ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْقَلِبُوا مِنْهُمْ، إنْ آمَنُوهُمْ أَوْ لَمْ يُؤْمِنُوهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِهِمْ. ٣١٦٦ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ عَبِيدًا وَإِمَاءً مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا أَحْرَزُوهُمْ فِي دَارِهِمْ فَإِنَّا نَفِي بِالْمُفَادَاةِ الَّتِي شَرَطْنَا فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ نَأْخُذُهُمْ مِنْهُمْ بِالْقَهْرِ. لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُمْ فِي دَارِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّا نَبِيعُهُمْ وَنُعْطِيهِمْ أَثْمَانَهُمْ. لِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا كَأَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ. ٣١٦٧ - فَإِنْ قَاتَلَهُمْ الْعَبِيدُ فَأَرَادَ الْمُشْرِكُونَ قَتْلَهُمْ قَاتَلْنَاهُمْ مَعَ الْعَبِيدِ حَتَّى نَسْتَنْقِذَهُمْ.

стр. 1531

لِأَنَّهُمْ إخْوَانُنَا فِي الدِّينِ فَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُهُمْ مِنْ قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ. ٣١٦٨ - إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إنْ كَانُوا فِي مَأْمَنِهِمْ فَقَدْ تَمَّ نَبْذُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْعَبِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا نُعْطِيهِمْ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِ مَأْمَنِهِمْ بِعْنَاهُمْ وَأَعْطَيْنَاهُمْ أَثْمَانَهُمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بَاقٍ مَا لَمْ يَصِلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَمِنْ لَا يَمْلِكُ أَهْلَ الْحَرْبِ مِنْ مُدَبَّرٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرُنَا مِنْ الْفُصُول. وَلَوْ كَانَ أَسِيرًا فِي بَعْضِ حُصُونِهِمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشُدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ فَيَقْتُلُهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي قَتْلِهِ أَوْ فِي نِكَايَةٍ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. لِأَنَّهُ يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ بَعْدَ هَذَا وَيُمَثِّلُونَ بِهِ. ٣١٦٩ - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي الصَّيْفِ يُقَاتِلُ، وَأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُمْ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَمِنْهُمْ حَمِيُّ الدَّبْرِ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ

стр. 1532

يَوْمَ الرَّجِيعِ، يَوْمَ بَنِي لِحْيَانَ، فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ هَذَا لِلْمُقَاتِلِ إذَا كَانَ يُنْكِرُ فِعْلَهُ فِيهِمْ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْأَسِيرِ كَانَ أَوْلَى وَلَوْ خَلَّوْا سَبِيلَ الْأَسِيرِ وَأَعْطَوْهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي بِلَادِهِمْ فَلَا بَأْسَ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَغْتَالَهُمْ وَيَقْتُلَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ سِرًّا أَوْ يَأْخُذَ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَا أَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ وَإِنَّمَا هُمْ أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ، فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لَنَا أَلَّا نَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ، وَالْغَدْرُ حَرَامٌ. ٣١٧٠ - وَلَكِنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ سِرًّا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ، وَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَبْسَهُمْ إيَّاهُ فِي دَارِهِمْ ظُلْمٌ مِنْهُمْ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الظُّلْمِ. ٣١٧١ - فَإِنْ مَنَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلَهُ وَيَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ ظَالِمٌ لَهُ فِي هَذَا الْمَنْعِ.

стр. 1533

وَإِنْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَشَدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ لِيَقْتُلَهُ، فَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ يَنْكِي فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْكَأُ فِيهِمْ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَفْعَلَهُ. إلَّا أَنْ يَكُونُوا كَلَّفُوهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ فَظَنَّ أَنَّ لَهُ فِيمَا يَصْنَعُ نَجَاةٌ أَوْ تَرَفُّهًا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِطَلَبِ النَّجَاةِ. ٣١٧٣ - وَكَذَلِكَ إنْ شَدَّ عَلَى السَّجَّانِ لِيَقْتُلَهُ، فَهُوَ عَلَى التَّقْسِيمِ الَّذِي قُلْنَا وَإِنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَرَبَهُ الَّذِي يُمْسِكُهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الْعِلْجَ وَيَأْبَى السُّجُودَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ. لِأَنَّ ضَرْبَ الْعِلْجِ وَقَتْلَهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ يَكُونُ نِكَايَةً فِيهِمْ لَا مَحَالَةَ، وَفِي إبَائِهِ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إعْزَازُ الدَّيْنِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ، وَلَا يَكُونُ بِهِ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ. ٣١٧٤ - وَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ لَهُمْ: أَنَا أَعْلَمُ الطِّبَّ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَسْقِيَهُمْ الدَّوَاءَ فَسَقَاهُمْ السُّمَّ فَقَتَلَهُمْ فَإِنْ سَقَى الرِّجَالَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ نِكَايَةٌ فِيهِمْ، وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ، كَمَا أَكْرَهُ لَهُ قَتْلَهُمْ.

стр. 1534

إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مِنْهُمْ قَدْ أَضَرَّتْ بِهِ. وَقَصَدَتْ قَتْلَهُ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْقِيَهَا كَمَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهَا إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ أَنَّ أَسِيرًا فِيهِمْ دَلَّى نَفْسَهُ مِنْ حِصْنٍ أَوْ سُورِ مَدِينَةٍ لِيَهْرَبَ فَسَقَطَ فَمَاتَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ أَنْ يَنْجُوَ حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِمَا صَنَعَ. لِأَنَّ قَصْدَهُ السَّعْيُ فِي نَجَاتِهِ وَالْفِرَارُ بِدِينِهِ كَيْ لَا يُفْتَتَنَ وَالْمُجَاهِدُ فِي كُلِّ مَا يَصْنَعُ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الظَّفَرِ وَخَوْفٍ مِنْ الْهَلَاكِ. ٣١٧٦ - فَإِنْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ أَوْ كَانَ أَكْبَرَ الرَّأْيِ أَنَّهُ لَا يَنْجُو فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ. لِأَنَّهُ يَقْتُلُ بِهِ نَفْسَهُ. ٣١٧٧ - وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ إذَا دَلَّى نَفْسَهُ فِي قِدْرٍ مِنْ بَعْضِ الْمَطَامِيرِ لِيُقَاتِلَ الْعَدُوَّ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَنْكَأَ فِعْلُهُ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ بِمَا صَنَعَ بِهِ بَأْسٌ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يَنْكَأُ فِعْلُهُ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ٣١٧٨ - وَإِذَا أُسِرَ الْعِلْجُ أَوْ امْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يُفَادِيَهُمْ بِالْمَالِ لِمَا قُلْنَا.

стр. 1535

٣١٧٩ - وَكَذَلِكَ لَا يَبِيعُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَبْلَ إخْرَاجِهِمْ إلَى دَارِنَا وَلَا بَعْدَهُ. لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْمُفَادَاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ يُفَادُونَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُمْ بِمَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ. ٣١٨٠ - وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعُوا فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَلَيْسَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَدَّ الْإِمَامُ بَيْعَهُ، وَأَدَّبَهُ عَلَى مَا صَنَعَ، إنْ عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ. لِأَنَّهُ قَصَدَ تَقْوِيَةَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٣١٨١ - وَلَوْ جَاءَ مُشْرِكٌ مُسْتَأْمَنًا، وَلَهُ عَبِيدٌ مُسْلِمُونَ قَدْ أَسَرَهُمْ، وَأَحْرَزَهُمْ وَطَلَبَ أَنْ يَبِيعَ بِهَؤُلَاءِ الْحَرْبِيِّينَ فَلَا بَأْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ بِأُولَئِكَ الْحَرْبِيِّينَ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ لَمْ يَقْسِمْهُمْ، فَإِنْ كَانَ قَسَمَهُمْ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ وَقَعُوا فِي سَهْمِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِمْ الْعَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، إذْ الْمَقْصُودُ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذُلِّ الْكُفَّارِ. ٣١٨٢ - وَيَسْتَوِي فِي هَذَا عَبِيدُ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَارُهُمْ. لِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الدِّينِ.

стр. 1536

٣١٨٣ - وَإِنْ جَاءَ بِالْعَبِيدِ مَعَهُ فَإِنَّ الْأَمِيرَ لَا يَدْعُهُ يَرْجِعُ بِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ عَبِيدِ الْكُفَّارِ أَدْخَلَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ فَأَسْلَمُوا أَوْ اشْتَرَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَبِيدًا مُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ مَمَالِيكُهُ، ثُمَّ يُجْبِرُهُ الْإِمَامُ عَلَى بَيْعِهِمْ، كَمَا يُجْبِرُ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَوْ كَانَ دَخَلَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ الْعَبِيدُ ثُمَّ طَلَبَ أَنْ يَبِيعَهُمْ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ الْأَمِيرَ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ صَارَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِمْ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، لِمَا صَارَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا، وَالْعَبِيدُ مَعَهُ فَتَمْكِينُهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُمْ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذَا يَكُونُ فِي مَعْنَى مُفَادَةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ قَدْ جَاءَ مُسْتَأْمَنًا، وَلَيْسَ الْعَبِيدُ مَعَهُ فَلَمْ يَصِرْ هُوَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِمْ بِالدَّرَاهِمِ فِي الْحُكْمِ. ٣١٨٥ - تَوْضِيحُهُ أَنْ جَوَازَ الْمُفَادَاةِ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَا ضَرُورَةَ هَا هُنَا لِإِمْكَانِ التَّخْلِيصِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ الْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ بِالدَّرَاهِمِ. وَتَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ حِينَ لَمْ يَأْتِ بِالْعَبِيدِ مَعَهُ. ٣١٨٦ - وَلَوْ كَانَ جَاءَ لِيَدْخُلَ بِأَمَانٍ فَسَأَلَهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْ يَبِيعُوهُ أُسَرَاءَ سَمَّاهُمْ بِعَبِيدٍ فِي يَدِهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ

стр. 1537

سَمَّاهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجِيبَ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَائِمَةٌ، مَا لَمْ تَصِلْ يَدُنَا إلَى عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْدَ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمْ وَجَبَ أَنْ يَفُوا لَهُ بِذَلِكَ. لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا صَحَّ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ شَرْعًا. ٣١٨٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ أَرَادَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ وَعِنْدَهُ أَنَّ فِعْلَهُ يَنْكَأُ فِيهِمْ وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ فِي أَيْدِيهِمْ فَالْأَفْضَلُ أَلَّا يَفْعَلَ، خُصُوصًا إذَا كَانَ نِكَايَتُهُ فِيهِمْ لَا تَبْلُغُ بَعْضَ مَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَدَفْعِ شَرِّ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُجَاهِدَ لِهَذَا يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ هَذَا يَصِيرُ سَبَبَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يُقْتَلُوا أَوْ يُعَذَّبُوا فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَلَّا يَفْعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. لِأَنَّ مُرَاعَاةَ جَانِبِ غَيْرِهِ لَا تَكُونُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ نَفْسِهِ. ٣١٨٨ - وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ

стр. 1538

إذَا كَانَ فِعْلُهُ يَنْكَأُ فِيهِمْ فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ بِسَبَبِهِ الْإِضْرَارَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ، كَانَ أَوْلَى، وَلَوْ أَنْ سَرِيَّةً دَخَلَتْ أَرْضَ الْعَدُوِّ، فَكَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ عَسْكَرٍ عَظِيمٍ مِنْ الْعَدُوِّ لَا يَعْلَمُونَ بِهِمْ، فَأَرَادَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْهُمْ. بِعِلْمِهِمْ وَلَا رُخْصَةَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيُقْتَلُوا أَوْ يُؤْسَرُوا. ٣١٨٩ - وَلَوْ كَانَ عَلِمُوا مَكَانَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَعْرِضُوا لَهُمْ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، إذَا كَانَ فِعْلُهُ يَنْكَأُ فِيهِمْ، إلَّا أَنَّهُ إذَا خَافَ أَنْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُوهُمْ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنْ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ حَاصَرَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَدَعَوْهُمْ إلَى الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ كَانَ أَفْضَلُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ وَيَقْبَلُوا أَمَانَهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا إلَّا قِتَالَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ كَمَا فَعَلَهُ حَمِيُّ الدَّبْرِ حِينَ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْأَمَانَ فَقَالَ: إنِّي عَاهَدْت اللَّهَ قَبْلَ هَذَا أَلَّا أَقْبَلَ أَمَانًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَمَا زَالَ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى قُتِلَ.

стр. 1539

فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ٣١٩٠ - وَإِذَا أُسِرَتْ كِتَابِيَّةٌ فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَدَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا، وَهِيَ عَلَى دِينِهَا بَعْدُ، ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَسَرُوا مِنَّا رَجُلًا فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا مِنَّا الْفِدَاءَ إلَّا أَنْ نَفْدِيَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَإِنْ رَضِيَ مَوْلَاهَا بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالْمُفَادَاةِ بِهَا، كَرِهَتْ هِيَ ذَلِكَ أَوْ رَضِيَتْ بِهِ. لِأَنَّهَا بِهَذِهِ الْمُفَادَاةِ لَا تَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ مَوْلَاهَا، فَقَدْ صَارَتْ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ لِمَا ثَبَتَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ. ٣١٩١ - وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ عَنْ مَوْلَاهَا بِهَذِهِ الْمُفَادَاةِ خِدْمَتُهَا، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ خِدْمَتَهَا فِدَاءَ مُسْلِمٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ، فَلَا يَكُونُ حُرْمَتُهَا فَوْقَ حُرْمَةِ الْمَالِ. ٣١٩٢ - ثُمَّ يَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَسِيرِ لِلْمُسْلِمِ بِالْمَالِ فَبِالْخِدْمَةِ أَوْلَى وَأَجْوَزُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ، فَإِنَّهَا عَلَى دِينِهِمْ وَإِنَّمَا يَرْغَبُونَ فِي الْفِدَاءِ بِهَا لِإِكْرَامِهَا بِسَبَبِ ثَبَاتِهَا عَلَى اعْتِقَادِهَا بَيْنَنَا، وَلَا مُعْتَبَرَ لِكَرَاهَتِهَا وَرِضَائِهَا. لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَيْسَ لَهَا مِنْ أَمْرِ نَفْسِهَا شَيْءٌ. ٣١٩٣ - فَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ مَوْلَاهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْدِيَ الْأَسِيرَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ الْقَتْلَ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا

стр. 1540

صَارَتْ بِحَيْثُ لَا تَحْتَمِلُ الْإِخْرَاجَ مِنْ مِلْكِ مَوْلَاهَا بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَمَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الْمَوْلَى فِيهَا لَا تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهَا بِغَيْرِ رِضَاءِ الْمَوْلَى، فَإِنْ طَلَبَ الْمَوْلَى أَنْ يُعَوَّضَ قِيمَتَهَا عَلَى غَيْرِ بَيْعٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ الْمَالَ إلَيْهِمْ لِيَتَخَلَّصَ الْأَسِيرُ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ إلَى مَوْلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَرْضَى بِأَنْ يُفَادَى الْأَسِيرُ بِهَا. ٣١٩٤ - ثُمَّ هَذَا الْمَالُ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَلَكِنَّهُ عِوَضٌ عَنْ خِدْمَتِهَا، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَعْتَاضَ عَنْ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ أَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ ذَلِكَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَانَ قَائِمًا فِيهَا وَيَسْلَمُ لَهُ الْعِوَضُ الَّذِي كَانَ أَخَذَ. لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الْعِوَضَ عَنْ خِدْمَتِهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ ذَلِكَ. ٣١٩٥ - وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهَا الْمُسْلِمُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ شِرَاءً كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَيْثُ لَا تَحْتَمِلُ الْمَبِيعَ، لِمَا ثَبَتَ فِيهَا مِنْ حَقِّ الْعِتْقِ.

стр. 1541

٣١٩٦ - فَإِنْ أَخَذُوهَا مِنْهُ كُرْهًا وَفَادُوا بِهَا غَرِمَ الْإِمَامُ لَهُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا فِي الْمُدَبَّرَةِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا، حَتَّى أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ بِغَيْرِ رِضَا مَوْلَاهَا لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا فِي أُمِّ الْوَلَدِ فَهَذَا قَوْلُهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أُمُّ الْوَلَدِ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، فَلَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِيه قِيمَتَهَا عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا لَا عَنْ رَقَبَتِهَا، كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمَوْلَى بِأَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ بِقِيمَتِهَا وَلَكِنْ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّهَا لَوْ عَادَتْ إلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ، وَأَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ الْقِيمَةَ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهَا، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: لَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ كُرْهًا، وَلَوْ كَانَ مَا يُعْطِيه عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلهُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى، لِمَا يَرَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ. ٣١٩٧ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ قِنَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَوِّمَهَا قِيمَةَ عَدْلٍ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْقِيمَةَ وَيُفَادِي بِهِ الْمُسْلِمَ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِ الْمَوْلَى مِنْ الْمُفَادَاةِ بِهَا ضِرَارٌ عَظِيمٌ بِالْمُسْلِمِينَ.

стр. 1542

٣١٩٨ - وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ بَيْعِ الْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ عِنْدَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، فَلِأَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى الْمَدِينِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ مَالَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ يَرَى الْحَجْرَ فِيمَا يَعْظُمُ فِيهِ الضَّرَرُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا ثَبَتَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهَا ثُمَّ يُفَادِيَ بِهَا. ٣١٩٩ - فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَلَا سَبِيلَ لِمَوْلَاهَا عَلَيْهَا. لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ مَوْلَاهَا حِينَ بَاعَهَا الْإِمَامِ عَلَيْهِ وَنَفَذَ ذَلِكَ الْبَيْعُ فِيهَا. ٣٢٠٠ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُكَاتَبَةً لَمْ أُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَ بِهَا إلَّا بِرِضَاهَا وَرِضَى مَوْلَاهَا لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى قَائِمٌ فِي رَقَبَتِهَا، وَقَدْ صَارَتْ هِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَمَنَافِعِهَا بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا جَمِيعًا فِي الْمُفَادَاةِ بِهَا. ٣٢٠١ - وَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كُرْهًا فَفَادَى بِهَا فَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى عَلَى الْإِمَامِ. لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ يَدًا وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْيَدِ.

стр. 1543

٣٢٠٢ - ثُمَّ الْمَوْلَى مَا كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي كَسْبِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَبِهَذَا الْأَخْذِ مَا فَاتَ مِلْكُ الْمَوْلَى فِيهَا، فَمَتَى مَا أَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ مُكَاتِبَةً عَلَى حَالِهَا. - فَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَدَّتْ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَعَتَقَتْ أَوْ كَانَ، أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا، فَفِي الْمُفَادَاةِ بِهَا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا فَقَطْ. لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمَوْلَى فِيهَا مِلْكٌ وَهِيَ بِالْعِتْقِ قَدْ صَارَتْ حُرَّةً ذِمِّيَّةً، لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. ٣٢٠٤ - فَلَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهَا إلَّا بِرِضَاهَا، بِمَنْزِلَةِ حُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ حُرٍّ مِنْهُمْ إذَا طَلَبُوا مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءِ الذِّمِّيِّ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلِمَةُ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْمَمْلُوكِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَسِيرِ بِهِمْ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَطِبْ، وَطَابَتْ أَنْفُسُ مَوَالِيهِمْ أَوْ لَمْ تَطِبْ. لِأَنَّ خَوْفَ الْقَتْلِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ كَهُوَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِالْمُفَادَاةِ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ جِهَتِهِمْ. ٣٢٠٥ - فَإِنْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ مِنْهُمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَطَلَبُوا مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ، وَقَالَ إنْ دَفَعْتُمُونِي

стр. 1544

إلَيْهِمْ قَتَلُونِي، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنَّا فَيَكُونُ كَالذِّمِّيِّ إذَا كَرِهَ الْمُفَادَاةَ بِهِ، وَلِأَنَّا نَظْلِمُهُ فِي التَّعْرِيضِ بِقَتْلِهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ. ٣٢٠٦ - وَلَكِنَّا نَقُولُ لَهُ: الْحَقْ بِبِلَادِك أَوْ حَيْثُ شِئْت مِنْ الْأَرْضِ إنْ رَضِيَ الْمُشْرِكُونَ بِهَذَا مِنَّا. لِأَنَّ لِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْقَتْلَ عَلَى الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَطَالَ الْمُقَامَ فِي دَارِنَا يَقْدَمُ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ، فَعِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، أَوْ عِنْدَ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ إذَا رَضُوا بِهَا أَوْلَى أَنْ تَثْبُتَ لَهُ الْوِلَايَةُ. ٣٢٠٧ - وَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ادْفَعُوهُ إلَيْنَا، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ وَلَيْسَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. لِأَنَّهُ غَدْرٌ مِنَّا بِأَمَانِهِ وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالُوا: إنْ دُنِيتُمْ وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ وَلَكِنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ: اُخْرُجْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْت مِنْ أَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قَالُوا لَهُ اُخْرُجْ إلَى كَذَا مِنْ الْمُدَّةِ وَإِلَّا دَفَعْنَاك إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ.

стр. 1545

ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَدْفَعَهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ لَمْ يَنْبَغِ لَنَا أَنْ نَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ آمِنٌ فِينَا مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ. فَإِنْ قِيلَ: مُقَامُهُ فِينَا إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ دَلِيلُ الرِّضَاءِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَجْعَلَ ذَلِكَ كَصَرِيحِ الرِّضَاءِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْمُسْتَأْمَنِ إنْ خَرَجْت إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا جَعَلْتُك ذِمَّةً، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ ذِمِّيًّا لِوُجُودِ دَلَالَةِ الرِّضَاءِ مِنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ. قُلْنَا: هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهُ لِلْقَتْلِ بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرِّضَاءِ بِرَدِّهِ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا صَيْرُورَتُهُ ذِمِّيًّا فَهُوَ حُكْمٌ ثَبَتَ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَيَجُوزُ اعْتِمَادُ الدَّلِيلِ الْمُحْتَمَلِ فِي مِثْلِهِ. ٣٢٠٩ - وَإِنْ طَلَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مَلِكِهِمْ فِي بَعْضِ حُصُونِهِمْ، أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ ذِمَّةً لَنَا فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاكُمْ وَقَتَلْنَا أُسَرَاءَكُمْ فَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ. لِأَنَّ الذِّمَّةَ خَلْفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا. ٣٢١٠ - وَلَوْ رَغِبَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْكَكْ أَنَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ إذَا قِبَلَ عَقْدَ الذِّمَّةِ، قُلْنَا: يُقْبَلُ مِنْهُ،
следующие страницы →