← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

٣١٩٦ - فَإِنْ أَخَذُوهَا مِنْهُ كُرْهًا وَفَادُوا بِهَا غَرِمَ الْإِمَامُ لَهُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا فِي الْمُدَبَّرَةِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا، حَتَّى أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ بِغَيْرِ رِضَا مَوْلَاهَا لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا فِي أُمِّ الْوَلَدِ فَهَذَا قَوْلُهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أُمُّ الْوَلَدِ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، فَلَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِيه قِيمَتَهَا عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا لَا عَنْ رَقَبَتِهَا، كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمَوْلَى بِأَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ بِقِيمَتِهَا وَلَكِنْ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّهَا لَوْ عَادَتْ إلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ، وَأَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ الْقِيمَةَ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهَا، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: لَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ كُرْهًا، وَلَوْ كَانَ مَا يُعْطِيه عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلهُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى، لِمَا يَرَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ. ٣١٩٧ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ قِنَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَوِّمَهَا قِيمَةَ عَدْلٍ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْقِيمَةَ وَيُفَادِي بِهِ الْمُسْلِمَ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِ الْمَوْلَى مِنْ الْمُفَادَاةِ بِهَا ضِرَارٌ عَظِيمٌ بِالْمُسْلِمِينَ.

стр. 1542

٣١٩٨ - وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ بَيْعِ الْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ عِنْدَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، فَلِأَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى الْمَدِينِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ مَالَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ يَرَى الْحَجْرَ فِيمَا يَعْظُمُ فِيهِ الضَّرَرُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا ثَبَتَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهَا ثُمَّ يُفَادِيَ بِهَا. ٣١٩٩ - فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَلَا سَبِيلَ لِمَوْلَاهَا عَلَيْهَا. لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ مَوْلَاهَا حِينَ بَاعَهَا الْإِمَامِ عَلَيْهِ وَنَفَذَ ذَلِكَ الْبَيْعُ فِيهَا. ٣٢٠٠ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُكَاتَبَةً لَمْ أُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَ بِهَا إلَّا بِرِضَاهَا وَرِضَى مَوْلَاهَا لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى قَائِمٌ فِي رَقَبَتِهَا، وَقَدْ صَارَتْ هِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَمَنَافِعِهَا بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا جَمِيعًا فِي الْمُفَادَاةِ بِهَا. ٣٢٠١ - وَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كُرْهًا فَفَادَى بِهَا فَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى عَلَى الْإِمَامِ. لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ يَدًا وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْيَدِ.

стр. 1543

٣٢٠٢ - ثُمَّ الْمَوْلَى مَا كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي كَسْبِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَبِهَذَا الْأَخْذِ مَا فَاتَ مِلْكُ الْمَوْلَى فِيهَا، فَمَتَى مَا أَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ مُكَاتِبَةً عَلَى حَالِهَا. - فَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَدَّتْ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَعَتَقَتْ أَوْ كَانَ، أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا، فَفِي الْمُفَادَاةِ بِهَا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا فَقَطْ. لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمَوْلَى فِيهَا مِلْكٌ وَهِيَ بِالْعِتْقِ قَدْ صَارَتْ حُرَّةً ذِمِّيَّةً، لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. ٣٢٠٤ - فَلَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهَا إلَّا بِرِضَاهَا، بِمَنْزِلَةِ حُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ حُرٍّ مِنْهُمْ إذَا طَلَبُوا مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءِ الذِّمِّيِّ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلِمَةُ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْمَمْلُوكِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَسِيرِ بِهِمْ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَطِبْ، وَطَابَتْ أَنْفُسُ مَوَالِيهِمْ أَوْ لَمْ تَطِبْ. لِأَنَّ خَوْفَ الْقَتْلِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ كَهُوَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِالْمُفَادَاةِ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ جِهَتِهِمْ. ٣٢٠٥ - فَإِنْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ مِنْهُمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَطَلَبُوا مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ، وَقَالَ إنْ دَفَعْتُمُونِي

стр. 1544

إلَيْهِمْ قَتَلُونِي، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنَّا فَيَكُونُ كَالذِّمِّيِّ إذَا كَرِهَ الْمُفَادَاةَ بِهِ، وَلِأَنَّا نَظْلِمُهُ فِي التَّعْرِيضِ بِقَتْلِهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ. ٣٢٠٦ - وَلَكِنَّا نَقُولُ لَهُ: الْحَقْ بِبِلَادِك أَوْ حَيْثُ شِئْت مِنْ الْأَرْضِ إنْ رَضِيَ الْمُشْرِكُونَ بِهَذَا مِنَّا. لِأَنَّ لِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْقَتْلَ عَلَى الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَطَالَ الْمُقَامَ فِي دَارِنَا يَقْدَمُ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ، فَعِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، أَوْ عِنْدَ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ إذَا رَضُوا بِهَا أَوْلَى أَنْ تَثْبُتَ لَهُ الْوِلَايَةُ. ٣٢٠٧ - وَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ادْفَعُوهُ إلَيْنَا، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ وَلَيْسَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. لِأَنَّهُ غَدْرٌ مِنَّا بِأَمَانِهِ وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالُوا: إنْ دُنِيتُمْ وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ وَلَكِنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ: اُخْرُجْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْت مِنْ أَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قَالُوا لَهُ اُخْرُجْ إلَى كَذَا مِنْ الْمُدَّةِ وَإِلَّا دَفَعْنَاك إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ.

стр. 1545

ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَدْفَعَهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ لَمْ يَنْبَغِ لَنَا أَنْ نَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ آمِنٌ فِينَا مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ. فَإِنْ قِيلَ: مُقَامُهُ فِينَا إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ دَلِيلُ الرِّضَاءِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَجْعَلَ ذَلِكَ كَصَرِيحِ الرِّضَاءِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْمُسْتَأْمَنِ إنْ خَرَجْت إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا جَعَلْتُك ذِمَّةً، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ ذِمِّيًّا لِوُجُودِ دَلَالَةِ الرِّضَاءِ مِنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ. قُلْنَا: هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهُ لِلْقَتْلِ بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرِّضَاءِ بِرَدِّهِ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا صَيْرُورَتُهُ ذِمِّيًّا فَهُوَ حُكْمٌ ثَبَتَ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَيَجُوزُ اعْتِمَادُ الدَّلِيلِ الْمُحْتَمَلِ فِي مِثْلِهِ. ٣٢٠٩ - وَإِنْ طَلَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مَلِكِهِمْ فِي بَعْضِ حُصُونِهِمْ، أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ ذِمَّةً لَنَا فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاكُمْ وَقَتَلْنَا أُسَرَاءَكُمْ فَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ. لِأَنَّ الذِّمَّةَ خَلْفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا. ٣٢١٠ - وَلَوْ رَغِبَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْكَكْ أَنَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ إذَا قِبَلَ عَقْدَ الذِّمَّةِ، قُلْنَا: يُقْبَلُ مِنْهُ،

стр. 1546

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَلَّا يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ يَجِبُ عَلَيْنَا نُصْرَتُهُ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدُوِّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ إذَا طَلَبَ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ. لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَى قَتْلِ أُسَرَائِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْقِتَالَ مَعَهُمْ لِخَوْفِ الْقَتْلِ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ لَا يَتْرُكُ الْإِجَابَةَ إلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ لِذَلِكَ. ٣٢١١ - فَإِنْ قَالُوا نَدْفَعُ إلَيْكُمْ أُسَرَاءَكُمْ عَلَى أَلَّا تَقْبَلُوا مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَكُمْ فَهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَلَّا يَقْبَلَهُ مِنْهُمْ. لِأَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِيَكُونُوا مُقَاتِلَةً يَذُبُّونَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. ٣٢١٢ - فَإِنْ أَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ فَخَلَّوْا سَبِيلَ الْأُسَرَاءِ، ثُمَّ لَمْ يَظْفَرْ الْمُشْرِكُونَ بِالْمَحْصُورِ فَسَأَلَ الْمَحْصُورُ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا أَجَبْنَاهُ إلَى ذَلِكَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي

стр. 1547

الْتِزَام الْأَحْكَامِ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ هَذَا مِنْكُمْ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدْتُمُونَا عَلَيْهِ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ. لِأَنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لِنُفُوسِهِمْ وَلَا لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَحْصُورَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُمْ فَلَا يَلْزَمُنَا الِامْتِنَاعُ عَنْ قَبُولِ الذِّمَّةِ مِنْهُ بِالشَّرْطِ. ٣٢١٣ - فَإِنْ قَالَ الْمَحْصُورُ: لَا أَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ، وَلَكِنْ أَمِّنُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إلَى بِلَادِكُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ بِهِ قَتَلْنَا أُسَرَاءَكُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَا سَأَلَ الْمَحْصُورُ مِنْ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ. لِأَنَّ الْإِمَامَ نُصِّبَ نَاظِرًا، وَعَقْدُ الْأَمَانِ فِي الْأَصْلِ مَشْرُوعٌ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلِلْإِمَامِ أَلَّا يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ. ٣٢١٤ - وَلَوْ قَالَ الْمَحْصُورُ: أُسْلِمُ وَأَنْزِلُ إلَيْكُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاكُمْ وَقَتَلْنَا أُسَرَاءَكُمْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ إجَابَةُ الْمَحْصُورِ إلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا طَلَبَ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا وَلَا قُوَّةَ بِنَا عَلَيْهِمْ فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا قَالُوا: لَا فَرْقَ فِي الْحَقِيقَةِ. لِأَنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا يَلْزَمُنَا الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ

стр. 1548

إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَالَ هَذَا الْمَحْصُورِ فِيهِمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حَالِ أَسِيرٍ مُسْلِمٍ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِيَامُ بِنُصْرَةِ الْأَسِيرِ وَالْقِتَالُ لِاسْتِنْقَاذِهِ إذَا كَانَ بِنَا قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ فَهَذَا مِثْلُهُ. إلَّا أَنَّ إسْلَامَهُ صَحِيحٌ بِنَفْسِهِ، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ لَا يَتِمُّ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَجِبُ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا مُحَمَّدٌ ﵀ يُشِيرُ إلَى الْفَرْقِ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُفَادَاةَ الْأُسَارَى بِالْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ أَوْ كَرِهُوا، وَالْمُفَادَاةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ يَجُوزُ إذَا رَضُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَجُوزُ تَرْكُ الْإِجَابَةِ إلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ وَالْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ. ٣٢١٦ - وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ الْمَأْسُورَةُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ تَجُوزُ مُفَادَاتُهَا بِالْمَالِ. لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى لَهَا نَسْلٌ، وَلَا يُخَافُ مِنْهَا قِتَالٌ، فَلَيْسَ فِي مُفَادَاتِهَا بِالْمَالِ مَعْنَى تَقْوِيَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الثَّانِي. ٣٢١٧ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَالِ جَوَّزَ مُحَمَّدٌ ﵀ مُفَادَاةَ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ. لِأَنَّ الْحَالَ حَالَةُ الضَّرُورَةِ.

стр. 1549

أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِأُسَرَائِهِمْ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْمَالِ، فَإِنَّ فِيهِ تَرْكُ الْقَتْلِ الْمُسْتَحَقِّ حَقًّا لِلَّهِ بِالْمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَمَنْ عَلَيْهِ الرَّجْمُ. وَلِأَنَّ فِي هَذَا إظْهَارُ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكَيْنِ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ طَمَعًا فِي الْمَالِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ. ٣٢١٨ - وَإِذَا أَسَرَ الْإِمَامُ نِسَاءً وَصِبْيَانًا فَأَدْخَلَهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ بِأَمَانٍ، فَقَالُوا: نَشْتَرِيَهُمْ مِنْكُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعُوا مِنْهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ لِلْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَالِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، ﵀ وَعَلَى مَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِحَالٍ. لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ السَّبْيِ بِالْمَالِ فَطَرِيقُ الْبَيْعِ فِيهِ وَطَرِيقُ الْمُفَادَاةِ سَوَاءٌ. ٣٢١٩ - فَإِنْ قَالُوا: نَشْتَرِيهِمْ وَنُعْتِقُهُمْ وَنَتْرُكُهُمْ فِي بِلَادِكُمْ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ إعَادَتِهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بِأَعْيَانِهِمْ إذَا كَثُرُوا أَوْ بِنَسْلِهِمْ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى. ٣٢٢٠ - وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ لِمَنْ وَقَعُوا فِي سَهْمِهِ أَنْ يُعْتِقَهُمْ

стр. 1550

فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ مِمَّنْ يُعْتِقُهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَلَوْ جَاءَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِأُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: نُفَادِيهِمْ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ الَّذِينَ طَلَبُوا بِحَضْرَةِ الْأَمِيرِ وَالْمُسْلِمِينَ فَأَعْطَوْهُمْ عَهْدًا إنْ دَفَعُوا إلَيْهِمْ بِهَؤُلَاءِ الْأُسَارَى لِيَبْعَثْنَ إلَيْهِمْ بِاَلَّذِينَ طَلَبُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاطْمَأَنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ وَدَفَعُوا الْأُسَارَى إلَيْهِمْ فَالْمُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفُوا بِمَا شَرَطُوا لَهُمْ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا ذَلِكَ، وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا الْوَفَاءَ بِالْمَشْرُوطِ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ هَذَا، فَرُبَّمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْهُ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَصَلَ، وَحَبْسُهُمْ أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّمَا شَرَطُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَا شَرَطُوا بِمُقَابِلَةِ تَرْكِ الظُّلْمِ، وَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ. ٣٢٢١ - وَلَكِنْ إذَا كَانَ فِي أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَبِيدٌ فَبَدَا لَهُمْ فِي الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَيْهِمْ بِقِيَمِ الْعَبِيدِ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْرِزِينَ مَالِكِينَ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ الشَّرْطِ أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ فِي أَمْلَاكِهِمْ الَّذِينَ يُسَلِّمُونَهُ إلَيْنَا، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُمْ عَلَيْهِمْ لِإِسْلَامِ الْعَبِيدِ، فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِمْ بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ بِالْأَسْرِ.

стр. 1551

٣٢٢٢ - ثُمَّ إنْ جَاءَ مَوْلَى الْعَبِيدِ وَأَرَادَ أَخْذَهُمْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَى كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ قِيمَتَهُمْ أُدِّيَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ اشْتَرَوْهُمْ بِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ. ٣٢٢٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا افْتَدَوْا عَبْدًا أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ، حِينَ اشْتَرَوْهُ وَقَبَضُوهُ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيمَتُهُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ. لِأَنَّ الْعَبْدَ حِينَ أَسْلَمَ فَقَدْ اسْتَحَقَّ إزَالَةَ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ عَنْهُ. ٣٢٢٤ - وَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ كَانَ زَوَالًا بِالْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا مُرَاغَمًا، إلَّا أَنَّ تَمَامَ ذَلِكَ بِالشِّرَاءِ، وَالْقَبْضِ جَمِيعًا. لِأَنَّ زَوَالَ يَدِ الْحَرْبِيِّ مَا يَكُونُ بِالتَّسْلِيمِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا بَيَّنَّا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فَبَاعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ حَرْبِيٍّ آخَرَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ مِنْ دَارِنَا؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى مَرْعِيٌّ، فَلِمُرَاعَاةِ حَقِّهِ لَا يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ، وَمِثْلُهُ لَا يُوجَدُ فِي الَّذِي أَسْلَمَ مِنْ عَبِيدِهِمْ. ٣٢٢٥ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَالْقَبْضَ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا لَلْمِلْكِ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ إلَيْنَا عَلَى سَبِيلِ الْمُرَاغَمَةِ.

стр. 1552

لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِمِلْكِ نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَالْمَمْلُوكُ إذْ مَلَكَ نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ عَتَقَ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ خُرُوجُهُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَمْ يُعْتَقْ، وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ وَيُدْفَعُ ثَمَنُهُ إلَى مَوْلَاهُ إذَا جَاءَ يَطْلُبُهُ. لِأَنَّ خُرُوجَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ الْمُرَاغَمَةِ، فَلَا يَتَمَلَّكُ بِهِ نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ. ٣٢٢٦ - فَإِنْ كَانَ الْأُسَرَاءُ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَارًا، فَأَبَى مَوَالِيهِمْ الَّذِينَ طَلَبُوهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُمْ، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُقَوِّمَهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ قِيمَتَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُجْبِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى تَخْلِيصِ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلِمَا فِي امْتِنَاعِهِمْ مِنْ الضَّرَرِ الْعَامِّ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْحَجَرِ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ فِي مِثْلِهِ. ٣٢٢٧ - فَإِنْ كَانُوا صَارُوا مُدَبَّرِينَ أَوْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ فَأَبَى مَوَالِيهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا، أَوْ كَانُوا. قَدْ أَسْلَمُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يُخْبِرُ أَهْلَ الْحَرْبِ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمْ الْأُسَرَاءُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِدَفْعِ أَصْحَابِكُمْ إلَيْكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ دَفَعْنَا إلَيْكُمْ قِيمَتَهُمْ. لِأَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ لَهُمْ إعْطَاءَ عَبِيدٍ فَأَمَّا مَا كَانُوا عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَعَذَّرَ إعْطَاؤُهُمْ فَيُعْطِيهِمْ قِيمَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ لِيَطْمَئِنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ

стр. 1553

فِي الْمُسْتَقْبِلِ، فَيَعْلَمُوا أَنَّا نَفِي بِالشَّرْطِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ إنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ رِضَائِهِمْ، فَلِهَذَا قَدَّمَ اسْتِرْضَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَضُوا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ. لِأَنَّهُ لَوْ بَعَثَ ذَلِكَ الْمَالَ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْضَوْا بِهِ كَانَ فِيهِ تَضْيِيعٌ لِذَلِكَ الْمَالِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ لَا يَحْصُلُ. ٣٢٢٨ - وَلَوْ كَانَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ قَهَرَ عِلْجًا فَأَخَذَهُ، فَقَالَ الْعِلْجُ صَالِحْنِي عَلَى أَنْ أُعْطِيَك مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَفْتَدِي بِهَا نَفْسِي، عَلَى أَنْ تُخَلِّي سَبِيلِي، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ دُونَ الْأَمِيرِ. لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ صَارَ أَسِيرًا وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي الْأُسَرَاءِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَفْتَاتَ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. ٣٢٢٩ - فَإِنْ فَعَلَ الْمُسْلِمُ ذَلِكَ بِهِ فَأَخْرَجَ لَهُ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ وَلَا يُخَلِّي سَبِيلَهُ. لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ صَارَتْ مَأْخُوذَةً بِأَخْذِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَادِيَ بَعْضَ الْغَنِيمَةِ بِالْبَعْضِ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَى الْأَمِيرِ. ٣٢٣٠ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّنَانِيرُ مَعَ الْعِلْجِ، وَلَكِنَّهُ انْتَهَى إلَى حِصْنٍ مُمْتَنِعٍ فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهِ مِائَةَ دِينَارٍ، بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرَاضِ

стр. 1554

أَوْ الْعَطِيَّةِ، فَالْأَفْضَلُ بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا الدَّنَانِيرَ عَلَى مَنْ أَعْطَاهَا إيَّاهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْعِلْجِ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ. لِأَنَّ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ مَا صَارَتْ مَأْخُوذَةً بِأَخْذِ الْعِلْجِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ، وَإِنَّمَا صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقِ الْأَمَانِ بِالصُّلْحِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ الْعِلْجِ فَيَفْتَاتَ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ. ٣٢٣١ - وَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ بِهَا جَمِيعًا شَرْعًا كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ الدَّنَانِيرِ وَالْمَجِيءُ بِالْعِلْجِ إلَى الْأَمِير، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُنَاكَ أَخَذَهُمَا جَمِيعًا بِالْقَهْرِ، فَيَتَمَكَّنُ شَرْعًا مِنْ الْمَجِيءِ بِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَ الدَّنَانِيرَ وَأَطْلَقَ الْعِلْجَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إلَى الْأَمِيرِ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ إلَيْهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَلَا يُعَاقِبَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَنْ جَهْلٍ مِنْهُ فَيَعْذِرُهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵌: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» ، وَيَأْخُذُ الدَّنَانِيرَ فَيَجْعَلُهَا فِي غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَيْهَا بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِسَبَبٍ كَانَ أَصْلُهُ قَهْرًا. ٣٢٣٢ - فَإِنْ ظَفِرَ عَسْكَرٌ آخَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ الْعِلْجِ، وَأَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَمَانٍ، وَقَالَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ لِأَنَّ صَاحِبَنَا كَانَ أَخَذَهُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.

стр. 1555

لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَأْخُوذِ لَا يَتَأَكَّدُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَالْإِحْرَازُ فِيهِ وُجِدَ مِنْ الْعَسْكَرِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. ٣٢٣٣ - وَإِنْ قَالَ الْعِلْجُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ الثَّانِي: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَكُمْ فُلَانًا قَدْ أَمَّنَنِي وَأَطْلَقَنِي، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَأْمَنَهُ، وَانْتَهَى مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمَانِ مِنْ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ أَوَّلًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمِيرَ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ فَادَاهُ أُسَرَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَأَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالٍ وَخَلَّى سَبِيلَهُ حَتَّى عَادَ إلَى مَأْمَنِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ فَيْئًا؟ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا صَالَحَهُ بِالْمُفَادَاةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ آمِنًا حَتَّى يَصِلَ إلَى مَأْمَنِهِ، لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ آمِنًا فِي بِلَادِهِ، فَمَا لَمْ يَصِلْ إلَى بِلَادِهِ فَهُوَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدَ مَا بَلَغَ مَأْمَنَهُ فَلَا أَمَانَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ فَأَخَذُوهُ، فَالْأَمِيرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الصُّلْحَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَمَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا وَرَدَّ الدَّنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ، الَّذِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ فَحَالُهُ فِي مَعْنَى حَالِهِ فِي وَقْتِ الصُّلْحِ، وَلَوْ عِلْمَ الْإِمَامُ بِحَالِهِ وَقْتَ الصُّلْحِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِيهِ، كَمَا بَيَّنَّا فَهَذَا مِثْلُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.

стр. 1556

[بَابُ فِدَاءِ الْأُسَرَاءِ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْمَمْلُوكِينَ بِالْمَالِ] ٣٢٣٤ - وَإِذَا أُسِرَ الْحُرُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فِيهِمْ: افْتَدِنِي مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ اشْتَرِنِي مِنْهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِ الْآمِرِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَمْلِكُ بِالْأَسْرِ وَلَا بِالشِّرَاءِ، وَالْمَالُ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ الْمَأْمُورُ دَيْنٌ لَهُ عَلَى الْآمِرِ، لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بِمَا أَدَّى مِنْ الْمَالِ حُكْمًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ رَجُلًا أَنْ يُصَالِحَ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ عَلَى مَالٍ وَيُعْطِيهِ. ٣٢٣٥ - يُوَضِّحُهُ: أَنَّ أَمْرَهُ بِأَدَاءِ الْفِدَاءِ مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّصَدُّقِ بِهِ عَلَى الْأَسِيرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْإِقْرَاضِ لِلْأَسِيرِ، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ أَدْنَى الْأَمْرَيْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيُجْعَلُ ذَلِكَ اسْتِقْرَاضًا مِنْ الْأَسِيرِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَدَّى فِي فِدَائِهِ إلَى مِقْدَارِ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ.

стр. 1557

٣٢٣٦ - فَإِنْ كَانَ فِدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَسِيرِ بِقَدْرِ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ، وَقِيلَ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَدَّى قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ. لِأَنَّهُ يُرَاعِي مُطْلَقَ الْأَمْرِ فِي الْوَكَالَاتِ. ٣٢٣٧ - وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَوْكِيلٍ بِالْمُبَادَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَمِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ، وَإِنْ كَانَ فَهُوَ تَوْكِيلٌ بِالشِّرَاءِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ فِي التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَا يُخَالِفُهُمَا أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَنْفِيذٌ بِالشِّرَاءِ بِالْقِيمَةِ وَقِيمَةُ الْحُرِّ قَدْرُ دِيَتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مُطْلَقَ الْأَمْرِ أَنْ يُلْزِمَهُ بِالْفِدَاءِ مِقْدَارَ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا فَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ هُوَ فِي الزِّيَادَةِ كَالْمُتَبَرِّعِ بِالْفِدَاءِ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ هُوَ فِي هَذَا الْعَقْدِ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا فَدَاهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِهِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا خَالَفَ وَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ. قُلْنَا: هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ لَوْ كَانَ هَذَا الْعَقْدُ مُعَاوَضَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُبَادَلَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ الْآمِرُ مُسْتَقْرِضًا مِنْ الْمَأْمُورِ مِقْدَارَ دِيَتِهِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ وَآمِرًا لَهُ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ فِي فِدَائِهِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ يَكُونُ مُقْرِضًا إيَّاهُ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَقْرَضَهُ دُونَ مَا تَبَرَّعَ بِهِ.

стр. 1558

٣٢٣٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ قَالَ لَهُ: افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْمَأْمُورُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى زَادَ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ خَاصَّةً. لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاضِ، وَذَلِكَ فِي الْأَلْفِ خَاصَّةً وَهَذَا بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَمَلِّكِ، ثُمَّ الْمُمَلَّكُ مِنْ الْآمِرِ يَرْجِعُ بِمَا يَمْلِكُ بِهِ، وَعِنْدَ الْخِلَافِ لَا يَتَحَقَّقُ التَّمْلِيكُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ. ٣٢٣٩ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ قَالَ لِلْمَأْمُورِ: افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِمَا رَأَيْت أَوْ بِمَا شِئْت أَوْ أَمْرُك جَائِزٌ فِيمَا تَفْتَدِينِي بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا فَدَاهُ بِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْمِيمِ فِي التَّفْوِيضِ، فَكَانَ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ فِي جَمِيعِ مَا فَدَاهُ بِهِ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ. ٣٢٤٠ - فَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مُكَاتَبًا فَيَأْمُرُ الْمَأْمُورَ بِأَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ فَيَأْخُذُ بِهِ الْمُكَاتَبَ فِي الْحَالِ. لِأَنَّ فِي فِدَائِهِ بِالْمَالِ إحْيَاءً لَهُ حُكْمًا. ٣٢٤١ - وَلَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمَالَ فِي مِثْلِهِ فِي الْحَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا صَالَحَ عَنْ قِصَاصٍ عَلَيْهِ عَلَى مَالٍ، أَوْ أَمَرَ

стр. 1559

غَيْرَهُ بِهِ، كَانَ مَأْخُوذًا بِهِ فِي الْحَالِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَاجَتِهِ وَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ كَالْحُرِّ كَمَا فِي نَفَقَتِهِ. ٣٢٤٢ - فَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ أَدَاءِ الْفِدَاءِ فَرُدَّ فِي الرِّقِّ بِيعَ فِي ذَلِكَ الْفِدَاءُ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ، فَيُبَاعُ فِيهِ بَعْدَ الْعَجْزِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى عَنْهُ الدَّيْنَ بَعْدَ الْعَجْزِ. ٣٢٤٣ - وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِمَنْزِلَةِ الدِّيَةِ فِي فَصْلِ الْحُرِّ. لِأَنَّ بَدَلَ نَفْسِهِ قِيمَتُهُ، يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ. إلَّا أَنَّ فَرْقَ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّ مِقْدَارَ الدِّيَةِ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، فَإِنْ فَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِالزِّيَادَةِ هَا هُنَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ. ٣٢٤٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَالَ: افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَفَدَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُكَاتَبِ إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ. لِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ مَالًا مُسَمًّى، فَإِنَّمَا يَكُونُ هُوَ مُقْرِضًا فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ

стр. 1560

فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَاعْتِبَارُ الْقِيمَةِ عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِمِقْدَارِ مَا اسْتَقْرَضَ مِنْهُ، فَأَمَّا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالْقِيمَةِ. ٣٢٤٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ذَلِكَ كُلُّهُ لَازِمٌ لِلْمَكَاتِبِ فِي مُكَاتَبَتِهِ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ بِمِقْدَارِ قِيمَتِهِ فَقَطْ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُطَالِبُهُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مَعْرُوفٍ أَنَّ الْمُكَاتَبَ وَالْمَأْذُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ، عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى لَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمْرِ بِالْمُفَادَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ، فَيَرْجِعُ الْمَأْمُورُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى. لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَقْرِضًا مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمهمَا اللَّه تَعَالَى هُوَ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْمُحَابَاةِ الْفَاحِشَةِ، كَمَا لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ، فَيَكُونُ أَمْرُهُ فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهِ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا فِي حَالَةِ الرِّقِّ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ أَوْ الْكَفَالَةِ مِنْهُ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يُؤْخَذُ بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ حَتَّى يُعْتَقَ فَهَا هُنَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ قِيمَتِهِ حَتَّى يُعْتَقَ أَيْضًا. وَلَوْ

стр. 1561

كَانَ إنَّمَا فَدَى الْحُرَّ أَوْ الْمُكَاتَبَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ فَلَا يَرْجِعُ الْفَادِي عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ. لِأَنَّهُمَا لَمْ يُمْلَكَا بِالْأَسْرِ وَالْفَادِي مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ. ٣٢٤٦ - وَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ مَأْذُونٍ أَوْ مَحْجُورٍ فَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ بِمَالٍ فَفَدَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى مَوْلَاهُ. لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ لَا يُمْلَكَانِ بِالْأَسْرِ. ٣٢٤٧ - ثُمَّ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ مِنْ الْفِدَاءِ حَتَّى يُعْتَقَا أَمَّا إذَا كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا فَغَيْرُ مُشْكِلٍ. لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِأَمْرِهِمَا فِي حَقِّ مَوْلَاهُمَا. ٣٢٤٨ - وَإِنْ كَانَا مَأْذُونًا لَهُمَا فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ ذَلِكَ الْإِذْنِ بِالْخُرُوجِ مِنْ يَدِ مَوْلَاهُ إلَى يَدٍ أُخْرَى قَاهِرَةٍ كَمَا يَبْطُلُ بِالْإِبَاقِ. لِأَنَّ فِدَاءَ النَّفْسِ بِالْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ، وَالْمَأْذُونُ فِي ذَلِكَ وَالْمَحْجُورُ سَوَاءٌ لَا يُؤْخَذُ بِبَدَلِ الصُّلْحِ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ، فَكَذَلِكَ الْفِدَاءُ فَإِذَا أُعْتِقَ يَرْجِعُ الْفَادِي عَلَيْهِمَا بِمَا فَدَاهُمَا بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِدَاهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِمَا بِقَدْرِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِالْفَضْلِ. لِأَنَّ اعْتِبَارَ أَمْرِهِمَا فِي حَقِّهِمَا كَاعْتِبَارِ أَمْرِ الْمُكَاتَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَقَدَّرُ بِالْقِيمَةِ وَهَذَا مِثْلُهُ.

стр. 1562

وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي أَمَرَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنَ أَنْ يَفْدِيَهُمَا أَوْ يَشْتَرِيَهُمَا فَقَالَ: اشْتَرِهِمَا أَوْ افْتَدِهِمَا وَلَمْ يَقُلْ: لِي، فَإِنْ افْتَدَاهُمَا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى بِجَمِيعِ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى، وَأَمَرَ الْمَوْلَى إيَّاهُ بِأَنْ يَفْدِيَ مِلْكَهُ يَكُونُ اسْتِقْرَاضًا مِنْهُ لِلْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ أَمْرِ الْحُرِّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، هَذَا لِأَنَّ الْفِدَاءَ بَعْدَ الْأَسْرِ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَأَمْرُ الْمَوْلَى بِذَلِكَ مُعْتَبَرٌ فِي حَيَاةِ مُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ، سَوَاءٌ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يُضِفْ. ٣٢٥٠ - فَإِنْ اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَا فَقَالَ الْآمِرُ: أَمَرْتُك أَنْ تَفْدِيَنِي بِكَذَا، وَقَالَ الْمَأْمُورُ بَلْ أَمَرَتْنِي بِكَذَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ الْآمِرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَوْ أَنْكَرَهُ أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ فِي مِقْدَارٍ دُونَ مِقْدَارٍ. ٣٢٥١ - وَلَوْ قَالَ الْآمِرُ قَدْ أَمَرْتُك أَنْ تَفْدِيَنِي بِمَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّك إنَّمَا فَدَيْتنِي بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ أَيْضًا. لِأَنَّهُ مُسْتَقْرِضٌ لِلْمَالِ مِنْ الْمَأْمُورِ، فَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا أَقْرَضَهُ إيَّاهُ، فَالْمُقْرِضُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْمُسْتَقْرِضُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. ٣٢٥٢ - وَلَوْ أَنَّ مَوْلَى الْمُكَاتَبِ الْمَأْسُورِ قَالَ لِرَجُلٍ: اشْتَرِهِ لِي

стр. 1563

أَوْ افْتَدِهِ لِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَ: افْتَدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي فَفَعَلَ ذَلِكَ يَرْجِعُ بِالْفِدَاءِ عَلَى الْآمِرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُكَاتَبُ بِشَيْءٍ، وَالْآمِرُ حِينَ أَضَافَ الْعَقْدَ أَوْ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ ضَامِنًا لِذَلِكَ الْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ الْفُضُولِيِّ فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ، يُجْعَلُ ضَامِنًا لِلْمَالِ فَهَذَا مِثْلُهُ. ٣٢٥٣ - وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي وَلَكِنْ قَالَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ خَلِيطًا لِلْآمِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَكَذَا الْآمِرُ. لِأَنَّ الْخُلْطَةَ الْقَائِمَةَ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ فِي حُصُولِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَاضِ بِهِ. ٣٢٥٤ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ. لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِأَنْ يَكْتَسِبَ سَبَبَ اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا وَلَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. ٣٢٥٥ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَأْسُورُ حُرًّا أَوْ حُرَّةً وَالْآمِرُ زَوْجُهَا أَوْ بَعْضُ قَرَابَتِهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَعِنْدَ إضَافَةِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَالِ إلَى نَفْسِهِ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْمَالِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ إنْ كَانَ الْمَأْسُورُ

стр. 1564

خَلِيطًا لَهُ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا لَهُ فَهُوَ مُشِيرٌ عَلَيْهِ بِمَشُورَةٍ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. ٣٢٥٦ - وَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ صَغِيرًا فَقَالَ أَبُوهُ لِرَجُلٍ: افْتَدِهِ لِي أَوْ مِنْ مَالِي رَجَعَ الْمَأْمُورُ بِالْفِدَاءِ عَلَى هَذَا الْوَالِدِ. لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ. ٣٢٥٧ - ثُمَّ لَا يَرْجِعُ بِهِ الْوَالِدُ فِي مَالِ الْوَلَدِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يَرْجِعُ لِقِيَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا نَظِيرُ الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانُ فِيمَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ امْرَأَةً وَضَمِنَ الصَّدَاقَ وَأَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ عَلَى وَلَدِهِ فِي الْقِيَاسِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَرْجِعُ. لِأَنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ أَنَّ الْآبَاءَ بِمِثْلِ هَذَا يَتَبَرَّعُونَ، وَفِي الرُّجُوعِ لَا يَطْمَعُونَ، فَكَذَلِكَ فِي الْفِدَاءِ. ٣٢٥٨ - فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ الْوَالِدُ حَتَّى يَمُوتَ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ بِاعْتِبَارِ ضَمَانِهِ لِذَلِكَ. وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِهِ الْوَرَثَةُ فِي مَالِ الْوَلَدِ عَلَى قِيَاسِ الصَّدَاقِ، إذَا ضَمِنَهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ فَأَخَذَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا أَنَّ هَذَا الضَّمَانَ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ مِنْهُ لِوَلَدِهِ، وَتَمَامُ الصِّلَةِ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَوْ نَفَيْنَا مَعْنَى الصِّلَةِ كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً، وَلَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ.

стр. 1565

٣٢٥٩ - وَإِنْ كَانَ الْوَالِدُ حِينَ أَدَّاهُ فِي حَيَاتِهِ أَشْهَدَ أَنَّهُ يُؤَدِّيهِ لِيَرْجِعَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ فَكَذَلِكَ لَهُ فِي الصَّدَاقِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ. ٣٢٦٠ - وَإِنْ كَانَ قَالَ لِلْمَأْمُورِ: افْتَدِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: لِي، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ خَلِيطًا لَهُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ الْخُلْطَةَ الْقَائِمَةَ بَيْنَهُمَا دَلِيلُ الِاسْتِقْرَاضِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ. ٣٢٦١ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا لَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلَّذِي فَدَى عَلَى الْغُلَامِ بِبَيْعِهِ بِهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْأَبِ. لِأَنَّ أَمْرَ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ فَكَذَلِكَ مُبَاشَرَةُ أَمْرِ الْمَأْسُورِ بِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ بَالِغًا وَلَا رُجُوعَ عَلَى الْوَالِدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُعَبِّرًا عَنْ الْوَلَدِ لَا ضَامِنًا شَيْئًا حِينَ أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِالْفِدَاءِ، وَهُوَ نَظِيرُ النِّكَاحِ إذَا قَبِلَ الْأَبُ الْعَقْدَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ دُونَ الْأَبِ فَهَذَا قِيَاسُهُ. ٣٢٦٢ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُسْتَأْمَنَ حَتَّى يَفْدِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْمُسْتَأْمَنِ: افْتَدِهِ لِي مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ قَالَ: مِنْ مَالِي فَفَعَلَ ذَلِكَ، كَانَ الْفِدَاءُ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْوَكِيلِ خَاصَّةً. لِأَنَّهُ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَالِ إلَى نَفْسِهِ صَارَ مُلْتَزِمًا الْمَالَ لِلْمَأْسُورِ بِمَنْزِلَةِ

стр. 1566

الْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ، فَيَكُونُ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمَأْسُورِ؛ لِأَنَّهُ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ عَلَى الْمَأْسُورِ. ٣٢٦٣ - وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُلْ لِي، وَلَكِنَّ الْمَأْمُورَ كَانَ خَلِيطًا لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْخُلْطَةِ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَالِ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فَلَا شَيْءَ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ مُعَبِّرٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: افْتَدِهِ فُلَانًا. ٣٢٦٤ - وَالْمُعَبِّرُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ وَلَكِنَّ الْمَالَ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْمَأْسُورِ. لِأَنَّ عِبَارَةَ وَكِيلِهِ قَائِمَةٌ مَقَامَ عِبَارَتِهِ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَتَى كَانَ عَاقِدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ الْمَأْسُورُ عَاقِدًا مَعَ الْمَأْمُورِ، مَتَى كَانَ الْوَكِيلُ مُعَبِّرًا كَانَ الْمَأْسُورُ هُوَ الْعَاقِدُ. ٣٢٦٥ - وَإِنَّمَا نَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالْخُلْعِ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ إذَا ضَمِنَ الْمَالَ، فَإِنَّ رُجُوعَ الزَّوْجِ يَكُونُ عَلَى الْوَكِيلِ خَاصَّةً دُونَ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ الْمَالَ كَانَ رُجُوعُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ دُونَ الْوَكِيلِ، لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا، فَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَأَمَرَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ أَنْ يَشْتَرِيَهُ أَوْ يَفْتَدِيَهُ مِنْهُمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ عَبْدٌ لِهَذَا الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالْأَحْرَازِ.

стр. 1567

٣٢٦٦ - وَلَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ هَذَا الرَّجُلُ بِدُونِ مَشُورَةِ الْمَمْلُوكِ، وَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ مَشُورَةِ الْمَمْلُوكِ. لِأَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرِ لِي يُعَدُّ مَشُورَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَاشْتَرَاهُ مِنْ مَوْلَاهُ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَشُورَةِ وَبَعْدَهَا. ٣٢٦٧ - فَإِذَا أَخْرَجَهُ يُخَيَّرُ مَوْلَاهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي لِنَفْسِي مِنْهُمْ أَوْ افْتَدِنِي لِنَفْسِي، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ فَالْعَبْدُ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الْمَأْمُورَ نَائِبًا لِنَفْسِهِ. ٣٢٦٨ - وَلَوْ جَعَلَهُ إنْسَانٌ آخَرُ نَائِبًا لِنَفْسِهِ فِي الشِّرَاءِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِلْمَنُوبِ عَنْهُ وَجَعَلَ الْمَنُوبَ عَنْهُ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ كَأَنَّهُ بَاشَرَ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ، فَهَا هُنَا يُجْعَلُ الْعَبْدُ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ كَأَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ فَيُعْتَقُ ثُمَّ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْفِدَاءِ عَلَى الْعَبْدِ. لِأَنَّ شِرَاءَهُ الْعَبْدَ كَشِرَائِهِ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ بِأَمْرِهِ، وَهُنَاكَ إذَا أَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ فَهَا هُنَا أَيْضًا يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَحِيحٌ، وَصَارَ هُوَ كَالْمُسْتَقْرِضِ لِذَلِكَ الْمَالِ مِنْهُ.

стр. 1568

٣٢٦٩ - فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُعْتَقْ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالْإِحْرَازِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ. أَلَا تَرَى: أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَوْلَاهُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَسَوَاءٌ قَالَ: اشْتَرِنِي، أَوْ قَالَ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي إذَا أَخْرَجَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى مَوْلَاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُتَبَرِّعٌ فِي فِدَاءِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ. ٣٢٧٠ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ قَالَ لِلْمَأْمُورِ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي فَاشْتَرَاهُ وَلَمْ يُخْبِرْ أَهْلَ الْحَرْبِ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلَّذِي اشْتَرَاهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ مُشْتَرِيًا لِلْعَبْدِ حِينَ لَمْ يُخْبِرْ مَالِكَهُ بِهِ فَإِنَّ بِشِرَائِهِ لِلْعَبْدِ يَكُونُ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ لِلْمَوْلَى يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالنَّسَبِ، وَشِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ يَكُونُ تَمَلُّكًا فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ مَالِكَهُ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَالِكِ الرِّضَاءُ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ، وَلُزُومُ الْوَلَاءِ إيَّاهُ، وَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ الْوَلَاءِ أَحَدًا بِغَيْرِ رِضَاهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْبَرَ مَوْلَاهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ. ٣٢٧١ - وَلَوْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لَهُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي. لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الشِّرَاءِ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ،

стр. 1569

كَمَا لَوْ كَانَ الْآمِرُ غَيْرَهُ، فَإِذَا اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَارَ مُخَالِفًا لَهُ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ. ٣٢٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ قَالَ لَهُ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَ: بِيعُونِيهِ لِنَفْسِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَفَعَلُوا عَتَقَ الْعَبْدُ. لِأَنَّ هَذَا إعْتَاقٌ يُجْعَلُ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الَّذِي يُخَاطِبُهُمْ بِهِ، فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى قَبُولِهِ ثَانِيًا، وَلَكِنَّهُ يُعْتَقُ وَوَلَاؤُهُ لِبَائِعِهِ. ٣٢٧٣ - وَلَوْ قَالَ: بِعْنِيهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَقُلْ لِنَفْسِهِ، كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي يَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَمْ يَلْتَزِمْ وَلَاءَهُ حِينَ لَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لَهُ. ٣٢٧٤ - وَلَوْ قَالَ: بِعْنِيهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِنَفْسِهِ، فَبَاعَهُ الْحَرْبِيُّ مِنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ، وَبَعْدَ الْقَبُولِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ. لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ نَصًّا فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ. ٣٢٧٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي بِمَا شِئْت فَاشْتَرَاهُ وَبَيَّنَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ عَتَقَ الْعَبْدُ بِأَيِّ ثَمَنٍ اشْتَرَاهُ. لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى الْوَكِيلِ أَمْرًا عَامًّا فَيَكُونُ هُوَ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ، فَيَرْجِعُ بِمَا أَدَّى عَلَيْهِ مِنْ الْفِدَاءِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.

стр. 1570

فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا فَدَاهُ بِهِ فَقَالَ الْعَبْدُ: فَدَانِي بِخَمْسِمِائَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَقَالَ الْمَأْمُورُ: فَدَيْته بِأَلْفَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ. لِأَنَّ الْمَأْمُورَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ زِيَادَةَ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ. ٣٢٧٧ - وَعَلَى الْمُدَّعِي لِلزِّيَادَةِ الْبَيِّنَةُ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا يُصَارُ إلَى التَّحَالُفِ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ فِي الثَّمَنِ؟ قُلْنَا: أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ عَتَقَ، وَمَنْ أَصْلُهُ أَنَّهُ لَا يُصَارُ إلَى التَّحَالُفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ السِّلْعَةِ وَلَكِنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى التَّحَالُفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ السِّلْعَةِ فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُ فِيهِ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الْقِيمَةِ، وَهَا هُنَا لَا وَجْهَ لِذَلِكَ، لِأَنَّ بِالْعِتْقِ لَا يُسَلَّمُ لِلْعَبْدِ مَالٌ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُورِ حَتَّى يُقَالَ: تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْآجِرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ يَخْتَلِفَانِ فِي مِقْدَارِ الْأَجْرِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُنَاكَ لَا يُصَارُ إلَى التَّحَالُفِ، وَلَكِنْ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ لِلزِّيَادَةِ مَعَ يَمِينِهِ. ٣٢٧٨ - وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الْمَأْمُورُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ: إنِّي اشْتَرَيْته لِنَفْسِهِ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ إذَا اشْتَرَاهُ. لِأَنَّ بَائِعَهُ مَا رَضِيَ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ وَثُبُوتُ وِلَايَتِهِ لَهُ. ٣٢٧٩ - فَإِذَا أَخْرَجَهُ كَانَ لِلْمَأْمُورِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ إنْ شَاءَ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ

стр. 1571

يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْعَقْدِ، بِأَنْ قَالَ مَوْلَاهُ: وَهَبَهُ لَك أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَنَا آخُذُهُ بِقِيمَتِهِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته مِنْهُمْ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَفِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشُّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ. ٣٢٨٠ - وَلَوْ كَانَ مَوْلَى الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ قَالَ لِلْمُسْتَأْمَنِ: اشْتَرِهِ لِي مِنْهُمْ أَوْ اشْتَرِهِ مِنْ مَالِي فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ فَالْعَبْدُ لِلْآمِرِ. لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالْإِحْرَازِ فَكَانَ أَمْرُ الْمُوَلَّى الْقَدِيمِ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ لَهُ وَأَمْرُ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ فِي أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ سَوَاءً. ٣٢٨١ - وَإِذَا اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ كَانَ مُخَالِفًا مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ الْقَدِيمِ الْخِيَارُ. إنْ شَاءَ أَخَذَهُ مِنْهُ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ. ٣٢٨٢ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِهِ وَلَمْ يَقُلْ: لِي وَلَا مِنْ مَالِي، فَهَذِهِ مَشُورَةٌ أَشَارَ بِهَا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْمُخَاطَبُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، يَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفَاتُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ قَبْلَ هَذِهِ الْمَشُورَةِ،

стр. 1572

وَهُوَ نَظِيرُ رَجُلٍ قَالَ لِغَيْرِهِ: اشْتَرِ عَبْدَ فُلَانٍ وَلَمْ يَقُلْ: لِي، وَلَا مِنْ مَالِي، فَإِنَّ ذَلِكَ مَشُورَةٌ لَا تَوْكِيلٌ. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: اشْتَرِهِ لِي بِمَا شِئْت فَقَدْ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِ عَامًّا فَيَكُونُ مُشْتَرِيًا لَهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ. ٣٢٨٣ - فَإِنْ اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِهِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَعَ الْمُوَكِّلِ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي حُكْمِ التَّحَالُفِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ الْآمِرُ عَلَى الْعِلْمِ. لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ. وَيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي، وَالْبِدَايَةُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. ٣٢٨٤ - فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ. فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَأْمُورِ. لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الزِّيَادُ بِبَيِّنَةٍ. ٣٢٨٥ - وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ اخْتِلَافِهِمَا فَهُوَ حُرٌّ. لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مِلْكَهُ ثُمَّ إذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ يَتَحَالَفَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، يَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ تُغَيِّرْ السِّلْعَةِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْعَقْدُ الْفَسْخَ فِيهِ.

стр. 1573

وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ حُرًّا أَوْ مُكَاتَبًا فَأَمَرَ رَجُلًا يَشْتَرِيهِمَا فَاشْتَرَاهُمَا مَعًا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، يُقْسَمُ عَلَى الدِّيَةِ وَعَلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ. لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَابِ الْحُرِّ فِي الْفِدَاءِ دِيَتُهُ، وَفِي الْمُكَاتَبِ قِيمَتُهُ بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا اُشْتُرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ الْقَدْرِ أَوْ أَقَلَّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَإِذَا أَضَافَ الْفِدَاءَ إلَيْهِمَا مُطْلَقًا يَتَوَزَّعُ عَلَيْهِمَا، بِاعْتِبَارِ بَدَلِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ افْتَدَاهُمَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَدْ فَدَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ بَدَلِ نَفْسِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَهُوَ لَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِقَدْرِ بَدَلِ نَفْسِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْحُرِّ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ بِقِيمَتِهِ، وَزِيَادَةٍ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ طَرِيقَ الْقِيمَةِ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ يَكُونُ عَفْوًا، وَإِنْ كَانَا قَالَا لَهُ: افْتَدِنَا بِمَا شِئْت فَفَدَاهُمَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا قَسَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا بِاعْتِبَارِ مِقْدَارِ الدِّيَةِ، وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ إنْ كَانَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَتْ أَلْفَيْنِ، قَسَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَسْدَاسًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ أَلْفَيْنِ بَيْنَهُمَا، فَمَا أَصَابَ الْحُرَّ رَجَعَ الْمَأْمُورُ بِهِ عَلَيْهِ، وَمَا أَصَابَ الْمُكَاتَبَ وَهُوَ السُّدُسُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الْكِتَابَةِ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي مُكَاتَبَتِهِ بِمِقْدَارِ قِيمَتِهِ وَزِيَادَةِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ. لِأَنَّهُ فِي الْتِزَامِ الزِّيَادَةِ مُتَبَرِّعٌ، بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِهِ بِالْكَفَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.

стр. 1574

٣٢٨٧ - فَإِنْ قَالَا جَمِيعًا لِلَّذِي فَدَاهُمَا حِينَ أَخْرَجَهُمَا مَا فَدَيْتنَا بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُمْ وَهَبُونَا أَوْ أُخْرِجْنَا بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ يَمِينِهِمَا عَلَى عِلْمِهِمَا. لِأَنَّ الْمَأْمُورَ يَدَّعِي عَلَيْهِمَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمَا لِنَفْسِهِ، بِسَبَبٍ هُمَا يُنْكِرَانِ ذَلِكَ السَّبَبَ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَحْلَفَانِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ فَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَإِقْرَارِهِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْحُرُّ وَنَكَلَ الْمُكَاتَبُ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ فَدَاهُ فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ حِصَّتُهُ مِنْ الْفِدَاءِ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارَ قِيمَتِهِ يُؤْخَذُ بِهِ فِي مُكَاتَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْفَضْلِ بَعْدَ الْعِتْقِ. وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، فَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ إنْ صَدَّقَهُ مَوْلَاهُ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى صَدَّقَ الْفَادِيَ بِيعَ لَهُ الْمُكَاتَبُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ مَوْلَاهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ، وَإِنْ كَانَ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ بَطَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَجْزِ إنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَدَّى بَعْضَهُ جَازَ مَا أَدَّى وَبَطَلَ مَا بَقِيَ حَتَّى لَا يَأْخُذَ دَيْنًا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِسَبَبٍ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ فِي شَيْءٍ فَلَا يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ مَا لَمْ يُعْتَقْ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ الْمُكَاتَبُ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ عَلَى نَفْسِهِ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، ثُمَّ عَجَزَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فَصَالَحَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ عَجَزَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَتَّى يَعْتِقُ فِي قَوْلِهِ.

стр. 1575

٣٢٨٨ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ هُنَاكَ يُبَاعُ فِيمَا تَوَجَّهَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ بَعْدَ الْعَجْزِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا يُبَاعُ فِي الْفِدَاءِ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ، وَلَوْ كَانَ مَوْلَى الْمُدَبَّرِ وَأُمُّ الْوَلَدِ أَمَرَ الْمُسْتَأْمَنَ بِفِدَائِهِمَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِيمَا فَدَاهُمَا بِهِ أَوْ فِي أَصْلِ الْفِدَاءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ الْبَيِّنَةُ. لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَا مَلَكُوهُمَا بِالْإِحْرَازِ، فَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ فِي الدَّيْنِ الْوَاجِبِ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْآمِرِ إمَّا فِي أَصْلِ سَبَبِهِ أَوْ فِي مِقْدَارِهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَهُنَالِكَ قَدْ أَحْرَزَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، ثُمَّ عَادَ إلَى مِلْكِ الْمَوْلَى بِالْعَقْدِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي بَاشَرَهَا الْمَأْمُورُ، فَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْعَقْدِ، أَوْ فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى التَّحَالُفِ. ٣٢٨٩ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا فَقَالَ أَجْنَبِيٌّ لِلْمُسْتَأْمَنِ: اشْتَرِهِ لِي مِنْهُمْ أَوْ اشْتَرِهِ لِي مِنْ مَالِي فَالْعَبْدُ لِلْآمِرِ. لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَلَكُوهُ فَهَذَا رَجُلٌ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا مِنْ مَوْلَاهُ، وَقَدْ اشْتَرَاهُ لَهُ، فَكَانَ مُطَالَبًا بِالثَّمَنِ مِنْ جِهَتِهِ، وَيُجْعَلُ هُوَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فِي يَدِ الْمَأْمُورِ كَانَ هُوَ خَصْمًا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الْآمِرُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ بِعَقْدِ الْمَأْمُورِ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ حُضُورِ الْآمِرِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ فَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ قَالَ لِلْمُسْتَأْمَنِ: اشْتَرِهِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ مَشُورَةٌ وَأَنَّ الْمُخَاطَبَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، فَلِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِهِ بِالثَّمَنِ.

стр. 1576

٣٢٩٠ - وَلَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفِ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا فَهُوَ لِلْآمِرِ. لِأَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِالْإِشَارَةِ كَإِضَافَتِهِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِالْكِتَابَةِ بِأَنْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، وَإِضَافَتُهُ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ شِرَاؤُهُ لِلْآمِرِ وَأَدَّى الْقِيمَةَ - مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ مَعَ الْمُوَكِّلِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْحَبْسِ أَوْ بَعْدَ الْحَبْسِ، فَحَالُهُ كَحَالِ الْوَكِيلِ، بَلْ هُوَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ. ٣٢٩١ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ، وَاكْتَسَبَ عِنْدَهُمْ مَالًا ثُمَّ خَرَجَ بِمَالِهِ إلَى دَارِنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَمَا مَعَهُ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَالِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْتِقُ هَذَا الْعَبْدُ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، فَقَدْ كَانَ لَهُ حَقُّ إعَادَتِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ مَتَى وَجَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَارِجًا مِنْ مِلْكِ الْأَسِيرِ بِخِلَافِ عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا خَرَجَ إلَيْنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ مُسْلِمًا فَهُنَاكَ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِ الْحَرْبِيِّ، وَحَقُّهُ فِيهِ غَيْرُ مَرْعِيٍّ بَعْدَ مَا خَرَجَ إلَى دَارِنَا، وَهَا هُنَا فِيهِ حَقُّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، وَحَقُّهُ مَرْعِيٌّ، فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ وَلَكِنْ يَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِغَيْرِ

стр. 1577

شَيْءٍ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَأَمَّا مَالُهُ فَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ اكْتَسَبَهُ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنَّمَا اكْتَسَبَهُ عَلَى مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَمَالُ الْحَرْبِيِّ مَتَى وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا أَمَانَ لَهُ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ كَنَفْسِ الْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَالْمَالُ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُخَمَّسُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي الْخَمْسِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَفْسِ الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَالْبَاقِي لِلْآخِذِ يَخْتَصُّ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، هَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْعَبْدُ لَهُ وَلَا خَمْسَ فِيهِ. لِأَنَّهُ أَعَادَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَمَالُهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ فِي حَقِّ الْمَالِ هُوَ كَغَيْرِهِ فِي الْأَخْذِ. ٣٢٩٢ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ جَاءَ بِذَلِكَ الْمَالِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ يَتَّجِرُ بِهِ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ. لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِأَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ الْعَبْدُ. ٣٢٩٣ - وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَيَتَعَذَّرُ تَمْكِينُهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِيَسْتَدِيمَ الْحَرْبِيُّ مِلْكَهُ فِيهِ فَيَبِيعَهُ

стр. 1578

الْإِمَامُ وَيَقِفَ ثَمَنَهُ مَعَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ لِيَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ. لِأَنَّهُ حُكْمُ الْأَمَانِ قَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْمَالِ لِلْحَرْبِيِّ. ٣٢٩٤ - فَإِنْ أَرَادَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ حِينَ بَاعَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي دَارِنَا، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ فِي أَخْذِهِ، فَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ، أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ. ٣٢٩٥ - فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُدَبَّرًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ، إنْ جَاءَ مُرَاغِمًا أَوْ بِأَمَانٍ، فَهُوَ وَمَالُهُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ كُلَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمَأْسُورِ مِنْهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ بِإِحْرَازِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا اكْتَسَبَ الْمَالَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَالْكَسْبُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، فَلِهَذَا قُلْنَا: بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى مَوْلَاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. ٣٢٩٦ - فَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَهَبُوهُ لَهُ فَلَا خُمْسَ فِيهِ. لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ. ٣٢٩٧ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ خُمِّسَ ذَلِكَ الْمَالُ. لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.

стр. 1579

٣٢٩٨ - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْحُرِّ الْمَأْسُورِ إذَا خَرَجَ بِمَالٍ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرِ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْخُمْسِ لِلْأَسِيرِ وَهَا هُنَا لِمَوْلَاهُ. لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ. ٣٢٩٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَمَةً مَأْسُورَةً وَلَدَتْ أَوْلَادًا مِنْ فُجُورٍ أَوْ زَوْجٍ حَرْبِيٍّ ثُمَّ خَرَجَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا مُرَاغِمَيْنِ لِمَوْلَاهُمْ الْحَرْبِيِّ، أَوْ خَرَجَتْ هِيَ مُرَاغِمَةً، وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا صَغِيرٌ، فَأَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَهِيَ فَيْءٌ وَأَوْلَادُهَا، فَإِنْ أَصَابَهَا مَوْلَاهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهَا وَأَخَذَ أَوْلَادَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِقِيمَتِهِمْ يَوْمَ وَقَعُوا فِي سَهْمِ الَّذِينَ صَارُوا لَهُ. لِأَنَّ وَلَدَهَا جُزْءٌ مِنْهَا، وَالْحَقُّ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ فِيهَا يَثْبُتُ فِي أَوْلَادِهَا بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ، ثُمَّ قِيَامُ حَقِّهِ فِيهِمْ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاغَمَةِ، بِخِلَافِ الْكَسْبِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ مِنْ عَيْنِهَا، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ، بَلْ هُوَ مَالُ الْحَرْبِيِّ فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. ٣٣٠٠ - وَلَوْ كَانَتْ هِيَ دَخَلَتْ وَأَوْلَادُهَا بِأَمَانٍ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا وَلَكِنْ يَبِيعُهُمْ الْإِمَامُ.

стр. 1580

لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهَا فَيَبِيعُهُمْ، وَيَقِفُ ثَمَنَهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ الْحَرْبِيُّ فَيَأْخُذَهَا بِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ. ٣٣٠١ - وَلَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ رُدُّوا جَمِيعًا عَلَيْهِ. لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْأَسْرِ، وَأَوْلَادُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، لَا يَمْلِكُهُمْ الْحَرْبِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ فَلِهَذَا رُدُّوا عَلَى الْمَوْلَى، سَوَاءٌ خَرَجُوا مُرَاغِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُرَاغِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُسَدِّدُ.
следующие страницы →