Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
٣٢٩٠ - وَلَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفِ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا فَهُوَ لِلْآمِرِ.
لِأَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِالْإِشَارَةِ كَإِضَافَتِهِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِالْكِتَابَةِ بِأَنْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، وَإِضَافَتُهُ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ شِرَاؤُهُ لِلْآمِرِ وَأَدَّى الْقِيمَةَ - مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ مَعَ الْمُوَكِّلِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْحَبْسِ أَوْ بَعْدَ الْحَبْسِ، فَحَالُهُ كَحَالِ الْوَكِيلِ، بَلْ هُوَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ.
٣٢٩١ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ، وَاكْتَسَبَ عِنْدَهُمْ مَالًا ثُمَّ خَرَجَ بِمَالِهِ إلَى دَارِنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَمَا مَعَهُ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَالِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْتِقُ هَذَا الْعَبْدُ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، فَقَدْ كَانَ لَهُ حَقُّ إعَادَتِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ مَتَى وَجَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَارِجًا مِنْ مِلْكِ الْأَسِيرِ بِخِلَافِ عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا خَرَجَ إلَيْنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ مُسْلِمًا فَهُنَاكَ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِ الْحَرْبِيِّ، وَحَقُّهُ فِيهِ غَيْرُ مَرْعِيٍّ بَعْدَ مَا خَرَجَ إلَى دَارِنَا، وَهَا هُنَا فِيهِ حَقُّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، وَحَقُّهُ مَرْعِيٌّ، فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ وَلَكِنْ يَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِغَيْرِ
стр. 1577
شَيْءٍ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَأَمَّا مَالُهُ فَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ اكْتَسَبَهُ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنَّمَا اكْتَسَبَهُ عَلَى مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَمَالُ الْحَرْبِيِّ مَتَى وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا أَمَانَ لَهُ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ كَنَفْسِ الْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فَالْمَالُ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُخَمَّسُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي الْخَمْسِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَفْسِ الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَالْبَاقِي لِلْآخِذِ يَخْتَصُّ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، هَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْعَبْدُ لَهُ وَلَا خَمْسَ فِيهِ.
لِأَنَّهُ أَعَادَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَمَالُهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ فِي حَقِّ الْمَالِ هُوَ كَغَيْرِهِ فِي الْأَخْذِ.
٣٢٩٢ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ جَاءَ بِذَلِكَ الْمَالِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ يَتَّجِرُ بِهِ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِأَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ الْعَبْدُ.
٣٢٩٣ - وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَيَتَعَذَّرُ تَمْكِينُهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِيَسْتَدِيمَ الْحَرْبِيُّ مِلْكَهُ فِيهِ فَيَبِيعَهُ
стр. 1578
الْإِمَامُ وَيَقِفَ ثَمَنَهُ مَعَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ لِيَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ.
لِأَنَّهُ حُكْمُ الْأَمَانِ قَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْمَالِ لِلْحَرْبِيِّ.
٣٢٩٤ - فَإِنْ أَرَادَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ حِينَ بَاعَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي دَارِنَا، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ فِي أَخْذِهِ، فَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ، أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ.
٣٢٩٥ - فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُدَبَّرًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ، إنْ جَاءَ مُرَاغِمًا أَوْ بِأَمَانٍ، فَهُوَ وَمَالُهُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ كُلَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمَأْسُورِ مِنْهُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ بِإِحْرَازِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا اكْتَسَبَ الْمَالَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَالْكَسْبُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، فَلِهَذَا قُلْنَا: بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى مَوْلَاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
٣٢٩٦ - فَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَهَبُوهُ لَهُ فَلَا خُمْسَ فِيهِ.
لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.
٣٢٩٧ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ خُمِّسَ ذَلِكَ الْمَالُ.
لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.
стр. 1579
٣٢٩٨ - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْحُرِّ الْمَأْسُورِ إذَا خَرَجَ بِمَالٍ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرِ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْخُمْسِ لِلْأَسِيرِ وَهَا هُنَا لِمَوْلَاهُ.
لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ.
٣٢٩٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَمَةً مَأْسُورَةً وَلَدَتْ أَوْلَادًا مِنْ فُجُورٍ أَوْ زَوْجٍ حَرْبِيٍّ ثُمَّ خَرَجَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا مُرَاغِمَيْنِ لِمَوْلَاهُمْ الْحَرْبِيِّ، أَوْ خَرَجَتْ هِيَ مُرَاغِمَةً، وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا صَغِيرٌ، فَأَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَهِيَ فَيْءٌ وَأَوْلَادُهَا، فَإِنْ أَصَابَهَا مَوْلَاهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهَا وَأَخَذَ أَوْلَادَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِقِيمَتِهِمْ يَوْمَ وَقَعُوا فِي سَهْمِ الَّذِينَ صَارُوا لَهُ.
لِأَنَّ وَلَدَهَا جُزْءٌ مِنْهَا، وَالْحَقُّ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ فِيهَا يَثْبُتُ فِي أَوْلَادِهَا بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ، ثُمَّ قِيَامُ حَقِّهِ فِيهِمْ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاغَمَةِ، بِخِلَافِ الْكَسْبِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ مِنْ عَيْنِهَا، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ، بَلْ هُوَ مَالُ الْحَرْبِيِّ فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
٣٣٠٠ - وَلَوْ كَانَتْ هِيَ دَخَلَتْ وَأَوْلَادُهَا بِأَمَانٍ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا وَلَكِنْ يَبِيعُهُمْ الْإِمَامُ.
стр. 1580
لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهَا فَيَبِيعُهُمْ، وَيَقِفُ ثَمَنَهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ الْحَرْبِيُّ فَيَأْخُذَهَا بِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ.
٣٣٠١ - وَلَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ رُدُّوا جَمِيعًا عَلَيْهِ.
لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْأَسْرِ، وَأَوْلَادُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، لَا يَمْلِكُهُمْ الْحَرْبِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ فَلِهَذَا رُدُّوا عَلَى الْمَوْلَى، سَوَاءٌ خَرَجُوا مُرَاغِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُرَاغِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُسَدِّدُ.
стр. 1581
[بَابُ الْمُفَادَاةِ بِالْأُسَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ]
٣٣٠٢ - قَالَ: وَإِذَا رَغِبَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي مُفَادَاةِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بِالْمَالِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَادُوهُمْ بِالْأُسَرَاءِ، وَلَا بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ.
لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمْ فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ دُونَ مَنْفَعَتِهِمْ فِي رَدِّ الْمُقَاتِلَةِ أَوْ دَفْعِ آلَةِ الْقِتَالِ إلَيْهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حَمْلَ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ جَائِزٌ، وَحَمْلَ السَّبْيِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ حَرَامٌ.
٣٣٠٣ - وَإِنْ كَرِهُوا الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ وَرَغِبُوا فِيهِ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُفَادُوهُمْ بِالْأُسَرَاءِ.
لِأَنَّ حُكْمَ دَفْعِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ إلَيْهِمْ أَهْوَنُ مِنْ حُكْمِ رَدِّ الْمُقَاتِلَةِ عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ إذَا تَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ إتْلَافُ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عَلَيْهِمْ.
٣٣٠٤ - فَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْأُسَرَاءِ. وَلَوْ رَغِبُوا فِي الْمُفَادَاةِ بِمَالٍ عَظِيمٍ فِيهِ إجْحَافٌ
стр. 1582
بِالْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مُفَادَاتُهُمْ بِالْأُسَرَاءِ دُونَ الْمَالِ.
لِأَنَّ هَذِهِ حَالَةُ الضَّرُورَةِ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ تَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأُسَرَاءِ مِنْهُمْ بِالْمَالِ عَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ، وَفِيهِ تَحْصِيلُ مَنْفَعَةِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَأَنْ يَجُوزَ مُفَادَاةُ الْأُسَرَاءِ بِالْأُسَرَاءِ لِإِبْقَاءِ الْمَالِ الَّذِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ فِي أَيْدِيهِمْ كَانَ أَوْلَى
٣٣٠٥ - وَلَوْ أَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ اسْتَأْمَنُوا إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْفِدَاءِ فَقَالُوا: آمِنُونَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا وَمَا جِئْنَا بِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ، فَفَعَلَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَتَّفِقْ الصُّلْحُ وَالْمُفَادَاةُ فَأَرَادُوا الرُّجُوعَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى دَارِهِمْ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَى الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ الْأَحْرَارُ وَالْحَرَائِرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهُمْ مَجَّانًا شَاءُوا أَوْ أَبَوْا.
لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ الْأَحْرَارِ.
٣٣٠٦ - وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالْأَسْرِ وَالْإِحْرَازِ فَأَمَّا مَنْ مَلَكُوهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ فَإِنَّا نَأْخُذُهُمْ مِنْهُمْ وَنُعْطِيهِمْ قِيمَتَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ، وَقَدْ أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَلِلْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ يُعْطَوْنَ قِيمَتَهُمْ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ، لِتَعَذُّرِ تَرْكِهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا بِالْمُسْلِمِينَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَسْتَخِفُّوا بِهِمْ.
стр. 1583
٣٣٠٧ - ثُمَّ إذَا أَخْرَجَهُمْ الْعَسْكَرُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ شَاءَ مَوَالِيهِمْ أَخَذُوهُمْ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ.
لِأَنَّ سَلَامَتَهُمْ لِلْجَيْشِ كَانَ بِمَا أَدَّوْا مِنْ الْقِيمَةِ.
٣٣٠٨ - بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذُوهُمْ قَهْرًا بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنَّ هُنَاكَ لِلْمَوَالِي حَقُّ الْأَخْذِ مَجَّانًا، قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَى دَارِنَا وَمَعَهُمْ الْعَبِيدُ فَأُجْبِرُوا عَلَى بَيْعِهِمْ فَبَاعُوهُمْ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوَالِي.
لِأَنَّ هُنَاكَ حَصَّلُوا فِي دَارِنَا وَلَيْسَ لِلْمَوَالِي حَقُّ الْأَخْذِ فِيهِمْ، فَبِالِانْتِقَالِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْأَخْذِ، وَهَا هُنَا مَا حَصَّلُوا فِي دَارِنَا إلَّا وَحَقُّ الْأَخْذِ لِلْمَوَالِي ثَابِتٌ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَاهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ سَوَاءٌ.
٣٣٠٩ - وَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْعَسْكَرِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ الْأُسَرَاءُ وَقَدْ كَانُوا خَبَّئُوهُمْ فِي مَوْضِعٍ إلَّا أَنَّهُمْ حَيْثُ لَا يَكُونُونَ مُمْتَنِعِينَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ وَيُعْطَوْنَ قِيمَتَهُمْ.
لِأَنَّهُمْ مَا لَمْ يَصِلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ فَهُمْ فِي أَمَانِنَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَخْذَ مِلْكِهِمْ مِنْهُمْ مَجَّانًا.
стр. 1584
٣٣١٠ - وَإِنْ كَانُوا خَبَّئُوهُمْ فِي مَأْمَنِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَبَعَثْنَا سَرِيَّةً فَأَصَابَتْهُمْ فَلَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ فِي طَلَبِ الْعَيْنِ وَلَا الْقِيمَةِ.
لِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ فَقَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ أَصَبْنَا مَا أَصَبْنَا مِنْ قَوْمٍ هُمْ حَرْبٌ لَنَا فَكَانَ هَذَا وَمَا قَبْلَ مَجِيئِهِمْ بِأَمَانٍ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.
٣٣١١ - وَإِذَا خَرَجَتْ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَخَذَهُمْ الْمَوَالِي قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا. وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ ثُمَّ أَصَابَهُمْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خَبَّئُوهُمْ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِالْقُرْبِ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ مَنَعَةٌ فَعَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِالصُّلْحِ، وَيُعْطِيَهُمْ الْمَالَ، وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ فَقَدْ انْتَقَضَ الصُّلْحُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ تَنَاوَلَ مَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَالُهُمْ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَسْكَرِ كَحَالِهِمْ إذَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَحَالُهُمْ إذَا كَانُوا فِي مَنَعَتِهِمْ كَحَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا، فَإِذَا حَصَلَ مَقْصُودُ الْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ الْمُبَاحِ قُلْنَا: لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ
стр. 1585
الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا سَلَّمُوا لَنَا بِحُكْمِ الصُّلْحِ شَيْئًا، وَلَكِنْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَيُنْتَقَضُ الصُّلْحُ.
٣٣١٢ - وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الَّذِينَ أَخَذُوهُمْ فِي غَيْرِ مَنَعَةِ كَانُوا مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ جَاءُوا لِلْمُفَادَاةِ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا وَقَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ: نَحْنُ جِئْنَا بِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَمْرًا خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَيَدَّعُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ.
٣٣١٣ - فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَالِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ الْأُسَرَاءِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.
لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ.
٣٣١٤ - وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ وَلَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْأُسَرَاءِ: كُنَّا مَعَهُمْ، وَهُمْ جَاءُوا بِنَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْفِدَاءِ.
لِأَنَّ الَّذِينَ أَقَرُّوا مِنْ الْأُسَرَاءِ يَلْتَزِمُونَ بِإِقْرَارِهِمْ الْأَمِيرَ وَالْمُسْلِمِينَ تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَيْهِمْ، وَإِقْرَارُ الْمَرْءِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ.
٣٣١٥ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ إقْرَارُ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ جَائِزٌ عَلَى نَفْسِهِ
стр. 1586
وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَيَدْفَعُ لَهُمْ حِصَّةَ الْمُقِرِّينَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مِنْ الْمَالِ اعْتِبَارًا لِإِقْرَارِ بَعْضِهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ جَمِيعًا بِذَلِكَ.
وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ، فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ الْأَسْرِ سَوَاءٌ جَاءُوا مَعَهُمْ أَوْ جَاءُوا دُونَهُمْ، ثُمَّ هُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْإِقْرَارُ بِالْيَدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالرِّقِّ، ثُمَّ إقْرَارُ مَجْهُولِ الْحَالِ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ، فَكَذَلِكَ إقْرَارُ مَجْهُولِ الْحَالِ فِي حَقِّ الْيَدِ بِالْيَدِ عَلَى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ صَحِيحًا.
٣٣١٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ صِغَارٌ يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَإِنَّ إقْرَارَ هَؤُلَاءِ بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ يَصِحُّ، فَكَذَلِكَ بِالْيَدِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ أَبَوَاهُ.
لِأَنَّهُ فِي يَدِ أَبَوَيْهِ إذَا كَانَا مَعَهُ، وَلَا قَوْلَ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْيَدِ عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُسْتَأْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
٣٣١٧ - وَإِنْ أَقَرَّ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ هُمْ جَاءُوا بِهِمْ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ الرِّجَالِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِيئُوا بِهِمْ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِهِمْ جَمِيعًا قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَالشَّهَادَةُ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِهَا.
لِأَنَّهَا حُجَّةٌ حُكْمِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَحُجَّةُ الْإِقْرَارِ لَا تَعْدُو الْمُقِرَّ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالشَّهَادَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُقِرِّينَ، وَإِذَا قَضَى بِذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْمُقِرُّ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ حُكْمًا، وَبَعْدَ مَا صَارَ مُكَذَّبًا لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ وُجُوبِ تَسْلِيمِ فِدَائِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
стр. 1587
وَلَوْ جَاءَ بِهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سِوَى الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى الْفِدَاءِ فَلَمَّا أَصَابَهُمْ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا: قَدْ كُنَّا مَعَ أَصْحَابِ الْفِدَاءِ، وَهُمْ حَلَّفُونَا لِحِفْظِهِمْ لَمْ يَصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَمْرًا خِلَافَ مَا يَشْهَدُ بِهِ الظَّاهِرُ، يُرِيدُونَ أَنْ يُلْزِمُوا الْمُسْلِمِينَ تَسْلِيمَ الْفِدَاءِ إلَيْهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابُوا مِنْهُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ.
٣٣١٨ - وَلَوْ بَعَثَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى الْمُسْلِمِينَ إنَّا نُرِيدُ أَنْ نُفَادِيَكُمْ بِنَاسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانُ بِالصِّبْيَانِ، فَرَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَاءُوا بِالْأُسَرَاءِ مِمَّنْ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ فَأَرَادَ الْأَمِيرُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَلَا يُعْطِيهِمْ فِدَاءَهُمْ فَهَذَا وَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ، وَهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ لَا يَجُوزُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً أَخَذُوا مِنْهُمْ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْمَنُوا عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَمَانِ لَا تَكُونُ أَوْجَبَ مِنْ مُرَاعَاةِ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَقْدِ الذِّمَّةِ.
٣٣١٩ - وَإِنْ كَانُوا فَادُوهُمْ بِمَالٍ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْوَفَاءُ بِمَا عَامَلُوهُمْ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُنْسَبُوا إلَى الْغَدْرِ وَلِيَطْمَئِنُّوا إلَيْهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِخِلَافِ الْأُسَارَى أَوْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ إذَا وَقَعَتْ الْمُفَادَاةُ بِهَا.
стр. 1588
لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ رَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَاجِبٌ شَرْعًا وَلِلِاسْتِحْبَابِ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ، فَأَمَّا الِامْتِنَاعُ مِنْ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ شَرْعًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ هَذَا الْمَالِ إلَيْهِمْ فَلِاسْتِحْبَابِ الْوَفَاءِ بِمَا وَقَعَ الصُّلْحُ بِهِ عَلَيْهِ قُلْنَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ الْمَالُ إلَيْهِمْ.
٣٣٢٠ - غَيْرَ أَنَّ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالرُّءُوسِ إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ فِيهِ مَا شَرَطَهُ لَهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَرَاهَةَ أَنْ يُنْسَبُوا إلَى الْغَدْرِ أَوْ يَحْذَرُوا الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِثْلِهِ عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ الْإِمَامُ لَهُمْ بِمَا صَالَحَهُمْ مِنْ السِّلَاحِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قُلْنَا: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ فَذَلِكَ لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا.
لِأَنَّ أَشَدَّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ أَلَّا يَأْتُوا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ هَذَا حَتَّى يَأْخُذُوا فِدَاءَهُمْ، وَبِهَذَا الْمَوْهُومِ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ الْمُقَاتِلَةِ أَوْ آلَةِ الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
٣٣٢١ - وَلَوْ كَانُوا جَاءُوا بِعَبِيدٍ وَإِمَاءٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ مِنْهُمْ إذَا ظَفِرَ بِهِمْ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُعْطِيهِمْ الْفِدَاءَ مِنْ الْأُسَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ مَا كَانَ شَرَطَهُ لَهُمْ فَيُعْطِيهِمْ ذَلِكَ، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَاجِبٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
стр. 1589
لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ قَدْ مَلَكُوهُمْ حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَ سَالِمًا لَهُمْ، فَلَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُمْ مِنْهُمْ مَجَّانًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
٣٣٢٢ - فَإِنْ كَانُوا فَادُوهُمْ بِالْمَالِ سُلِّمَ الْمَالُ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لِلْمَوَالِي عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ.
لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوَالِي فِي أَخْذِهِمْ، فَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
٣٣٢٣ - وَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ الْمُسْلِمُونَ بِأُسَرَائِهِمْ مِنْ الْأَحْرَارِ حَتَّى فَادُوهُمْ بِأَعْدَادِهِمْ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ أُسَرَاءَهُمْ وَأَعْطَوْا الْمُسْلِمِينَ أُسَرَاءَهُمْ فَلَا سَبِيلَ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا فَدَوْا بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ أَوْ مُدَبَّرُونَ رَدُّوا إلَى مَوَالِيهِمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا هُمْ أَمَرُوا بِالْمُفَادَاةِ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِقِيمَةِ الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ فَادُوهُمْ بِهِمْ، وَبِقِيمَةِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ.
لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَعْطَوْهُ فِي الْفِدَاءِ لِمَنْفَعَةٍ رَجَعَتْ إلَى الْمَأْسُورِينَ.
٣٣٢٤ - فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَوَالِي مِنْ الْمَمْلُوكِينَ مِنْهُمْ فَهُمْ مُتَبَرِّعُونَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْمَوَالِي يَثْبُتُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ.
стр. 1590
لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ أَمَرُوهُمْ بِالْمُفَادَاةِ بِهِمْ.
٣٣٢٥ - وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا وَكَانَتْ الْمُفَادَاةُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَوَالِي فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوَالِي عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ صَارَ كَالْمُشْتَرِي لَهُمْ مِنْ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ بِمَا فَادَاهُمْ بِهِ.
٣٣٢٦ - وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْمَوَالِي رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِقِيمَةِ ذَلِكَ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا.
لِأَنَّهُ صَارَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ فِي شِرَائِهِمْ بِمَا فَادَاهُمْ بِهِ، ثُمَّ زَادَ فِي التَّفْرِيعِ فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَأْسُورِينَ إذَا فَادَاهُ الْأَمِيرُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا فَادَاهُ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ إذَا فَادَاهُ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
٣٣٢٧ - فَإِنْ كَانَ فِي الْأُسَرَاءِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ.
لِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّمَا يُفَادِي بِهِ الْأُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
٣٣٢٨ - إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا مُقَاتِلًا لَهُ جَزَاءً وَغِنَاءً، أَوْ كَانَ دَلِيلًا فِي أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ، يَدُلُّ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُفَادِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
стр. 1591
لِأَنَّ فِي تَخْلِيصِهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِذَلِكَ.
٣٣٢٩ - وَكَذَلِكَ إنْ رَأَى أَنْ يُفَادِيَهُ بِأَسِيرٍ قَدْ وَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ وَيُعَوِّضُهُ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ
٣٣٣٠ - وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ مُفَادَاتُهُ بِمَالٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إجْحَافٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِجْحَافِ بِهِمْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ.
أَرَأَيْت لَوْ طَلَبُوا مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فِي فِدَاءِ أَسِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكَانَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، فَإِنْ طَلَبُوا فِدَاءَهُ بِأَسِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ وَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الرَّجُلُ دَفْعَهُ فِي الْفِدَاءِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مِنْهُ شَاءَ أَوْ أَبَى وَيُعَوِّضُهُ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
لِأَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْأَسْرِ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ وَالْإِمْكَانِ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ نَابَ الْأَمِيرُ مَقَامَهُ وَعَوَّضَهُ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَحَقَّ سَهْمَهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي جَوَازِ الْمُفَادَاةِ بِالْأُسَرَاءِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
٣٣٣١ - وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ نُعْطِيكُمْ أَسِيرًا بِأَسِيرَيْنِ أَوْ بِثَلَاثَةٍ مِنْ أُسَرَائِنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَى الْمَنْفَعَةَ
стр. 1592
ظَاهِرَةً لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ مُبَارِزًا لَهُ جَزَاءً وَغِنَاءً فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ فِيهِ بَعْضُ جُرْأَتِهِمْ وَتَحَكُّمِهِمْ عَلَيْنَا لَمْ يُجِبْهُمْ إلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ نُصِبَ نَاظِرًا فَلَا يَدْعُ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَفْعَلُهُ لَهُمْ بِحَالٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا بِأَسِيرٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِائَةً مِنْ أُسَرَائِهِمْ - لَمْ يُجِبْهُمْ إلَى ذَلِكَ. فَهَذَا مِثْلُهُ.
٣٣٣٢ - وَلَوْ كَانَ أَخُو مَلِكِهِمْ أَوْ ابْنُهُ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا وَقَدْ أَسْلَمَ فَقَالُوا: نُعْطِيكُمْ أَسِيرَكُمْ الْمُسْلِمَ عَلَى أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْنَا أَخَا الْمَلِكِ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ.
لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَمُفَادَاةُ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُفَادَاةِ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِ مِمَّا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ فِتْنَتِهِمْ.
٣٣٣٣ - فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: رُدُّونِي عَلَيْهِمْ وَخُذُوا أَسِيرَكُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا عَلَى إسْلَامِهِ بِأَنْ حَسُنَ إسْلَامُهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِرِضَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا عَلَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِهِ لِيَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ بِحَالٍ.
٣٣٣٤ - أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ ارْتَدَّ فِينَا فَقَالُوا لَنَا: خُذُوا
стр. 1593
أَسِيرَكُمْ وَأَعْطُونَا ذَلِكَ الْمُرْتَدَّ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَعْرِضُ الْإِسْلَامَ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ، فَكَذَلِكَ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الْمُفَادَاةِ بِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُخَافُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا لَا يُفَادَى بِهِ قَبْلَ رِضَاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلْقَتْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ حَالُهُ الْآنَ كَحَالِ الْمُفَادَاةِ بِالذِّمِّيِّ أَوْ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا إذَا رَضِيَ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَهَذَا مِثْلُهُ.
٣٣٣٥ - وَلَوْ جَاءَ مُسْتَأْمَنٌ مِنْهُمْ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ غَيْرَهُ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ فَوَجَدَهُمْ قَدْ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا ثُمَّ رَجَعَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِالْأُسَرَاءِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا أَخْلَى الْأَمِيرُ سَبِيلَهُمْ، وَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِبِلَادِك فَلَا شَيْءَ لَك.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَمْلِكُهُمْ.
٣٣٣٦ - وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ إمَاءً أَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَاءَ بِعَبِيدٍ مَعَهُ بِأَمَانٍ فَأَسْلَمُوا فِي دَارِنَا، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْنَا فِي الْأَمَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَنُسَلِّمَهُمْ لَهُ، فَأَبَى مَوَالِيهِمْ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِالشَّرْطِ إذَا أَخَذَ
стр. 1594
الْأَحْرَارَ مِنْهُمْ، فَيُعْطِيهِمْ قِيمَةَ الَّذِينَ شَرَطَهُمْ لَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَإِنْ بَاعَهُمْ مَوَالِيهِمْ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَيْضًا أَلَّا يَدَعَهُ يَرْجِعُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ كَانُوا أَسْلَمُوا.
وَهَذَا وَمَا لَوْ جَاءَ بِعَبِيدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.
٣٣٣٧ - وَإِذَا تَوَادَعَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يَتَهَادَنُوا سَنَةً حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أُمُورِهِمْ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَنْ يُعْطُوهُمْ رَهْنًا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ غَدَرَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَدِمَاءُ الرَّهْنِ لِلْآخَرَيْنِ حَلَالٌ، فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الرَّهْنِ عَلَى هَذَا، إذَا رَضِيَ بِذَلِكَ الرَّهْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ عَلَى الرَّهْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ إذَا كَانُوا يَخَافُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْمُسْلِمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِمْ رَهْنًا وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْلَى.
٣٣٣٨ - وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرِهَ الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ وَيَخَافُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِإِكْرَاهِ الرَّهْنِ عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذَا الصُّلْحِ خَوْفُ الْهَلَاكِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ دَفْعُ هَذَا الْخَوْفِ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَثْبُتُ لِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ،
стр. 1595
وَإِنْ كَانَ يَخَافُ فِيهِ عَلَى خَاصٍّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ الرَّهْنُ لِلْأَصْلِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا فَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ رَهْنًا فَغَدَرَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلُوا الرَّهْنَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، فَلَيْسَ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الرَّهْنِ وَلَا أَنْ يَسْتَرِقُّوهُمْ.
لِأَنَّهُمْ كَانُوا آمِنِينَ عِنْدَنَا، فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ أَمَانِهِمْ بِغَدْرِ الْمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
٣٣٣٩ - وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَدَعُونَهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى بِلَادِهِمْ وَيَجْعَلُونَهُمْ ذِمَّةً؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِالْمُقَامِ فِي دَارِنَا إلَى أَنْ يُرَدَّ عَلَيْنَا رَهْنُنَا وَقَدْ تَعَذَّرَ فَكَانُوا مُحْتَبِسِينَ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِرِضَاهُمْ وَالْكَافِرُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُقَامِ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ مُصِرًّا عَلَى كُفْرِهِ إلَّا بِالْجِزْيَةِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَحَكَى أَنَّ الدوانيقي كَانَ جَرَى هَذَا الشَّرْطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ إنَّهُمْ غَدَرُوا فَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَمَعَ عُلَمَاءَ عَصْرِهِ وَسَأَلَهُمْ عَمَّا يُصْنَعُ بِرَهْنِهِمْ؟ فَقَالُوا لَهُ: لَكَ أَنْ تَقْتُلَهُمْ لِمَكَانِ الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطُوا، وَفِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَك لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: إنْ قَالُوا لَك هَذَا عَنْ رَأْيٍ فَقَدْ أَخْطَئُوا وَإِنْ قَالُوا بِنَاءً عَلَى هَوَاك فَقَدْ غَشُّوك فَلَيْسَ لَك أَنْ تَتَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ
стр. 1596
وَلَا بِالسَّبْيِ. فَقَالَ: وَلَمْ وَقَدْ شَرَطُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ قَدْ شَرَطُوا عَلَيْك مَا لَا يَحِلُّ، وَشَرَطْت عَلَيْهِمْ مَا لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ، وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَأَغْلَظَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا دَعَوْتُك لَهُمْ قَطُّ إلَّا جِئْتنِي بِمَا أَكْرَهُ، قُومُوا مِنْ عِنْدِي، فَخَرَجُوا ثُمَّ جَمَعَهُمْ مِنْ الْغَدِ وَقَالَ: تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الصَّوَابَ مَا قُلْت فَمَاذَا نَصْنَعُ بِهِمْ؟ قَالَ: سَلْ الْعُلَمَاءَ. فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: تُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ. قَالَ لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ احْتَسَبُوا عِنْدَك بِرِضَاهُمْ إلَى رَدِّ الرَّهْنِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ، فَاسْتُحْسِنَ قَوْلُهُ وَأُثْنِيَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ بِجَمِيلٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا الشَّرْطُ مِمَّا لَا يَحِلُّ فَلِمَاذَا قَالَ: لَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الرَّهْنِ عَلَى هَذَا؟ قُلْنَا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ احْتَاجُوا إلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الشَّرْطِ فَوَاتُ شَيْءٍ، وَلَا إثْبَاتُ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، بِخِلَافِ قَتْلِ الرَّهْنِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ.
٣٣٤٠ - وَلَوْ أَنَّهُمْ حِينَ أَعْطَوْا الرَّهْنَ وَأَخَذُوا الرَّهْنَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهُمْ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ إزَالَتِهِ.
٣٣٤١ - ثُمَّ لَا يُرَدُّ رَهْنُهُمْ حَتَّى يَأْمَنُوا مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَ، فَإِذَا أَمِنُوا ذَلِكَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا غَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ هَذَا فِيمَا إذَا خَافَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مِنْ
стр. 1597
الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي الْمُعَسْكَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مَعَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا حَتَّى يَأْمَنَ مِمَّا كَانَ يَخَافُ ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إلَى دَارِهِمْ فَهَذَا قِيَاسُهُ.
لِأَنَّ رَهْنَهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا.
٣٣٤٢ - وَإِنْ أَبَى الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ الرَّهْنُ أَنْ يُعْطُوا الرَّهْنَ إلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِقِتَالٍ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ بِلَادَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَا يَسَعُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا لِتَخْلِيصِهِمْ مِنْ أَيْدِي الظَّالِمِينَ، إذَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ.
٣٣٤٣ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: لَا نُقَاتِلُكُمْ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا نُعْطِيكُمْ الرَّهْنَ حَتَّى تَرُدُّوا رَهْنَنَا فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَخَافُونَهُمْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي وَادَعُوهُمْ مِنْ أَجْلِهِ فَلَهُمْ أَلَّا يُعْطُوهُمْ رَهْنَهُمْ، وَلَكِنْ يَبْدَءُونَهُمْ بِالْقِتَالِ لِأَخْذِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ آمَنُوا فَلْيَرُدُّوا إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.
لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى حَبْسِ الرَّهْنِ الْآنَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى حَبْسِ الرَّهْنِ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَلَكِنْ يُقَاتِلُونَهُمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ.
٣٣٤٤ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ أَخَذُوا الرَّهْنَ قَدْ انْتَهَوْا بِالرَّهْنِ إلَى
стр. 1598
مَنَعَتِهِمْ وَقَدْ وَادَعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَى مَنَعَتِهِمْ.
لِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا يُقَاتِلُونَهُمْ لِيَسْتَرِدُّوا الرَّهْنَ لَا لِنَقْضِ الْمُوَادَعَةِ، وَبَعْدَ مَا وَصَلُوا إلَى مَنَعَتِهِمْ الْقِتَالُ لَا يَكُونُ عَلَى الرَّهْنِ بَلْ عَلَى نَقْضِ الْمُوَادَعَةِ، وَقَدْ صَحَّتْ الْمُوَادَعَةُ فَذَلِكَ يَمْنَعُنَا مِنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى نَنْبِذَ إلَيْهِمْ.
٣٣٤٥ - قَالَ: وَلَوْ جَاءُوا بِأُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُفَادَاةِ فَنَادَوْا بِالْفِدَاءِ فِي مَوْضِعٍ هُمْ فِيهِ مُمْتَنِعُونَ، ثُمَّ رَجَعُوا بِهِمْ حِينَ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ الْمُفَادَاةُ فَتَبِعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَأَخَذُوهُمْ مِنْهُمْ وَأَسَرُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَّا أَمَانٌ قَطُّ.
٣٣٤٦ - ثُمَّ إنْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدٌ وَأَمَةٌ أَخَذَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ.
لِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُمْ بِطَرِيقِ الِاغْتِنَامِ.
٣٣٤٧ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَيْنَا ثُمَّ انْصَرَفُوا بِهِمْ حِينَ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ الْمُفَادَاةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ إذَا أُخِذَ مِنْهُمْ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَنَعَتِهِمْ أَعْطَوْهُمْ قِيمَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنَّا، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ نُقَاتِلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 1599
لِأَنَّ اسْتِنْقَاذَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَاجِبٌ، فَإِذَا أَبَوْا ذَلِكَ جَازَ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ أَتَى عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ وَأَرَادَ إدْخَالَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ قِتَالُهُ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا الْتَزَمَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَلْتَزِمُهُ الْمُسْتَأْمَنُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ فَهُوَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الِانْقِيَادِ لِلْحُكْمِ الَّذِي الْتَزَمَهُ جَازَ قِتَالُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1600
[بَابُ الْمُفَادَاةِ بِالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ السَّبْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
٣٣٤٨ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يُفَادِيَ الْأُسَرَاءَ بِالْأُسَرَاءِ إذَا طَلَب ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ وَطَابَتْ أَنْفُسُ السَّرِيَّةِ بِذَلِكَ، الرِّجَالُ مِنْ الْأُسَارَى وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِمْ.
لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْحَرْبِ، وَتَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُفَادَاةُ بِالْأُسَارَى فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَرْبِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَهُمْ بِالْمُفَادَاةِ أَعْظَمُ غِنَاءً بِالْمُسْلِمِينَ مِمَّا يُعْطُونَ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ رِضَاءُ أَهْلِ السَّرِيَّةِ فِي ذَلِكَ لِثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِي الْمَأْسُورِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرْضِيَهُمْ فِي الْمُفَادَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إسْقَاطِ حَقِّهِمْ عَمَّا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِ.
٣٣٤٩ - وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِ الْأُسَارَى، حَتَّى إنَّ الصِّبْيَانَ مِنْ السَّبْيِ إذَا كَانَ مَعَهُمْ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى يَصِفُوا الْإِسْلَامَ بِأَنْفُسِهِمْ فَتَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِمْ.
٣٣٥٠ - وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَتْ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ فِي دَارِنَا.
لِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ بِالْمَوْتِ لَا يَنْقَطِعُ فِي حُكْمِ الدِّينِ.
стр. 1601
أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْلَادَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ فِي دَارِنَا. وَهُمْ صِغَارٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ مَعَهُمْ فَطَلَبَ الْمُشْرِكُونَ الْمُفَادَاةَ بِالصِّبْيَانِ خَاصَّةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آبَائِهِمْ.
لِأَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ بِحَقٍّ، وَتَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ تَرْكِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الصِّبْيَانِ وَالْآبَاءِ.
٣٣٥١ - وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ مُفَادَاةُ صِبْيَانِهِمْ بِالْمَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ مُفَادَاةُ الْبَالِغِينَ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ الصَّغِيرَ يَكْبُرُ فَيَكُونُ مِنْهُ الْقِتَالُ وَيَكُونُ لَهُ النَّسْلُ بِخِلَافِ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ اللَّذَيْنِ لَا يُرْجَى لَهُمَا نَسْلٌ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رَدِّهِمَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَعْنَى التَّقَوِّي عَلَى الْقِتَالِ بِشَيْءٍ وَفِي الصِّغَارِ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
٣٣٥٢ - وَلَوْ أَبَى أَهْلُ السَّرِيَّةِ أَوْ الْعَسْكَرُ الْمُفَادَاةَ بِالْأُسَارَى فَلَيْسَ لِأَمِيرِهِمْ أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ. إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، مَا خَلَا خَصْلَةً وَاحِدَةً، الرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ أَسَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لَا بَأْسَ بِالْمُفَادَاةِ بِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ أَهْلُ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالسَّرِيَّةِ.
لِأَنَّ لِأَمِيرِهِمْ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَفِي الْقَتْلِ إبْطَالُ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ مِنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةِ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَأَنْ يَجُوزَ الْمُفَادَاةُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةُ التَّخْلِيصِ كَانَ أَوْلَى، بِخِلَافِ السَّبْيِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ،
стр. 1602
وَالْأَمْوَالِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلُ حَقَّ الْغَانِمِينَ مِنْهُمْ إلَّا بِعِوَضٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُفَادِيَ الْأُسَرَاءَ بِهِمْ إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ الْغَانِمِينَ أَوْ بِعِوَضٍ إنْ أَبَوْا ذَلِكَ، وَذَلِكَ الْعِوَضُ يَكُونُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَادِيَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا إلَّا بِرِضَاءِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ.
لِأَنَّهُ حِينَ قَسَمَهُمْ فَقَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُمْ، فَكَانَ حَالُهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَحَالِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
٣٣٥٣ - فَإِنْ أَبَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ الرِّجَالُ الْمُفَادَاةَ بِهِمْ وَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرُدُّوا أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِأُولَئِكَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ مَوَالِيهِمْ ثُمَّ يُفَادِيَ بِهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهُ قَوَّمَهُمْ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ أَخَذَهُمْ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ شَاءَ مَوَالِيهِمْ أَوْ أَبَوْا.
لِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِهِمْ تَسْتَحِقُّ بِعِوَضٍ عَلَى الْمَوَالِي، يُعْطِيهِمْ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا أَبَوْا نَابَ الْإِمَامُ مَنَابَهُمْ فِي ذَلِكَ، كَالذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهُ نَابَ الْإِمَامُ مَنَابَهُ فِي ذَلِكَ، لِامْتِنَاعِهِ مِمَّا هُوَ مُسْتَحَقٌّ.
٣٣٥٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ الْمُفَادَاةَ بِعَبِيدٍ كُفَّارٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْتَرْضِيهِمْ فِي ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِأَحْرَارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَجُوزُ بِرِضَائِهِمْ، فَعَبِيدُهُمْ عِنْدَ رِضَاءِ الْمَوْلَى أَجْوَزُ.
٣٣٥٥ - وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ رِضَاءُ الْعَبِيدِ.
стр. 1603
لِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُ، وَلَا قَوْلَ لِلْمَمْلُوكِ فِي نَقْلِهِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فِي الرِّضَاءِ وَالسَّخَطِ.
٣٣٥٦ - وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَوَالِي بِذَلِكَ اشْتَرَاهُمْ مِنْهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهُمْ قَوَّمَهُمْ قِيمَةَ عَدْلٍ.
لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ فِي أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ لِتَخْلِيصِ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ مِنْ ذُلِّ الْمُشْرِكِينَ فَلَأَنْ يَثْبُتَ لَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ فِي مِلْكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانَ أَوْلَى.
٣٣٥٧ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ فَادَى الْأُسَارَى بِقَوْمٍ أَحْرَارٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ فَقَالَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ: نَحْنُ نَأْخُذُ قِيمَتَهُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ فُودُوا بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ، وَلَوْ فُودُوا بِمِلْكٍ خَاصٍّ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ عِوَضِ ذَلِكَ، فَإِذَا فُودُوا بِمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَانَ أَوْلَى.
فَإِنْ كَانُوا سَأَلُوا الْإِمَامَ أَنْ يُفَادِيهِمْ بِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا لِلْغُزَاةِ عَلَيْهِمْ فَهُوَ عَلَى مَا شَرَطُوا، وَكَانَ عَلَيْهِمْ قِيمَةُ مَا فُودُوا بِهِ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَيُجْعَلُ فِي الْغَنِيمَةِ يُقْسَمُ وَيُخَمَّسُ مَا بَقِيَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ.
٣٣٥٨ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَحْرَارِ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَبِيدٌ أَوْ إمَاءٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ يَجْعَلُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُمْ بِمَا أَعْطَى مِنْ الْأُسَرَاءِ، ثُمَّ يَكُونُ لِمَوَالِيهِمْ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِقِيمَةِ
стр. 1604
الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ فَدَاهُمْ الْإِمَامُ بِهِمْ، ثُمَّ يُجْعَلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكُوهُمْ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ قِيمَةُ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ قِيمَةِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ أَوْ لَا يُتَغَابَنُ.
لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ قَتْلِ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ بِعِوَضٍ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِمْ، كَانَ أَوْلَى.
٣٣٥٩ - وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُفَادَاةُ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةً أَوْ كَانَ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا، فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْأَمِيرِ مِنْ غَيْرِ رِضَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ، بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِ الْغَنَائِمَ، وَإِذَا كَانَ مَا يُعْطَى أَكْثَرَ قِيمَةً مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاءِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَزِيدَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ مَا يَفِي مِنْ قِيمَةِ أُسَرَائِهِمْ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، ثُمَّ يَجْمَعُ ذَلِكَ فَيَرْفَعُ الْخُمُسَ مِنْهُ، وَيَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ، وَفِكَاكُ كُلِّ أَسِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُقَاتِلُ مِنْ وَرَائِهَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ خَرَاجِهَا فَيَفْدِي بِهِ الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ الَّذِي يُقَاتِلُ عَنْهَا.
لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ أَخْذِ الْخَرَاجِ بِاعْتِبَارِ الْحِمَايَةِ، وَذَلِكَ بِالْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَنْ تِلْكَ الْأَرْضِ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى مُفَادَاتِهِمْ كَانَ ذَلِكَ الْخَرَاجُ مُتَعَيِّنًا لِمُفَادَاتِهِمْ، لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ.
стр. 1605
٣٣٦٠ - فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَرَاجٌ فَذَلِكَ فِي خَرَاجِ غَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّهُ إذَا قَاتَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ يُقَاتِلُ عَنْهَا كُلِّهَا، لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ يَقْصِدُونَ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَاَلَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَدْفَعُونَهُمْ عَنْ جَمِيعِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ رِضَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُفَادَاةِ بِقِصَّةِ سَبْيِ هَوَازِنَ، فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلَافٍ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ حِينَ أَسْلَمُوا، وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ «أَنَّ وَفْدَهُمْ الَّذِينَ جَاءُوا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ بَعْضُ عَمَّاتِك وَخَالَاتِك، وَلَوْ كُنَّا مَنَحْنَا لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ الْعَرَبِ لَكَانَ يُرَاعِي ذَلِكَ لَنَا، وَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ» ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِيهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ رَقَّ لَهُمْ وَقَالَ: «وَإِذَا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ فَقُومُوا وَأَعِيدُوا مَقَالَتَكُمْ هَذِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: قَدْ كُنْت مُنْتَظِرًا لَكُمْ فَأَبْطَأْتُمْ الْمَجِيءَ حَتَّى جَرَى فِي السَّبْيِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا مَا كَانَتْ لِي وَلِقُرَيْشٍ فَقَدْ سَلَّمْتُ لَكُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: وَقَدْ سَلَّمْنَا مَا كَانَ لَنَا أَيْضًا. فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا. وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا فَلَمَّا اخْتَلَفُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ جَاءُوا مُسْلِمِينَ فَرُدُّوا عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ فَلَهُ عَلَيْنَا مَكَانَ كُلِّ رَأْسٍ سِتَّةُ قَلَائِصَ نُعْطِيهِ مِنْ أَوَّلِ غَنِيمَةٍ نُصِيبُهَا» .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ رِضَاءَهُمْ وَمَنْ أَبَى الْتَزَمَ لَهُ عِوَضًا حَتَّى رَدَّهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِي الْحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
стр. 1606
[بَابُ الْمُوَادَعَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١٦٠)
١٦٠ - بَابُ الْمُوَادَعَةِ ٣٣٦١ - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁: لَا يَنْبَغِي مُوَادَعَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ. لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْقِتَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَوْ تَأْخِيرَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] .
٣٣٦٢ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِالْمُوَادَعَةِ. لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَدْ قَالَ : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْقِتَالِ، فَإِنَّ عَلَى الْمُقَاتِلِ أَنْ يَحْفَظَ قُوَّةَ نَفْسِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَطْلُبَ الْعُلُوَّ وَالْغَلَبَةَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الصَّغِيرَ يَمُصُّ اللَّبَنَ مَا لَمْ تَنْبُتْ أَسْنَانُهُ، ثُمَّ يَمْضُغُ اللَّحْمَ بَعْدَ نَبَاتِ الْأَسْنَانَ، فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُوَادَعَةِ عِنْدَ ضَعْفِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الِامْتِنَاعِ مِنْهَا وَالِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ عِنْدَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 1607
وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْمُوَادَعَةِ بِمُبَاشَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا. - فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، الْمَدِينَةَ وَادَعَتْهُ يَهُودُهَا كُلُّهَا، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كِتَابًا، وَأَلْحَقَ كُلَّ قَوْمٍ بِحُلَفَائِهِمْ، وَكَانَ فِيمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بَغَتْ يَهُودُ، وَقَطَعَتْ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْ الْعَهْدِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمْ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَوَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَكُمْ مِثْلَ وَقْعَةِ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ» . فَصَارَ هَذَا أَصْلًا بِجَوَازِ الْمُوَادَعَةِ عِنْدِ ضَعْفِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ عِنْدَ قُوَّتِهِمْ. فَإِذَا وَادَعَهُمْ وَأَخَذَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُوَادِعَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ فَالْمُوَادَعَةُ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ أَجْوَزُ، وَذَلِكَ الْمَالُ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ لَا يُخَمَّسُ، وَلَكِنْ يَضَعُهُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ، حَصَلَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ لَا بِإِيجَافِ الْخَيْلِ
стр. 1608
وَالرِّكَابِ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ كَمَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] الْآيَةَ.
وَلَا بَأْسَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمُوَادَعَةِ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا قُوَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَكَانَتْ الْمُوَادَعَةُ خَيْرًا لَهُمْ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُوَادَعَةِ مِنْ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ بِالْمُوَادَعَةِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
٣٦٦٤ - وَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي نُفُوسِهِمْ وَلَا فِي أَمْوَالِهِمْ، وَبَعْدَ مَا غَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ، فَقَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ يَكُونُ مَالُهُمْ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
٣٣٦٥ - فَكَذَلِكَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالْمُوَادَعَةِ يَكُونُ سَالِمًا لِلْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَسْلَمُوا
وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِمُوَادَعَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ لِمَا بَيَّنَّا، وَالْحَاجَةُ إلَى الْمُوَادَعَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَظْهَرُ. لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يَتَأَمَّلُونَ فَيَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ.
стр. 1609
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ رُءُوسِهِمْ، وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ بِالْمُوَادَعَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإِنْ أَخَذُوهُ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لَوْ أُصِيبَ مِنْهُمْ مَالٌ بِالْقِتَالِ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا أُصِيبَ مِنْهُمْ مَالٌ بِالْمُوَادَعَةِ.
٣٣٦٦ - وَإِذَا خَافَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَطَلَبُوا مُوَادَعَتَهُمْ فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ حَتَّى يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ مَالًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا وَلَيْسَ بِهِمْ قُوَّةُ دَفْعِ الْمُشْرِكِينَ ظَهَرُوا عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ جَمِيعًا، فَهُمْ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ يَجْعَلُونَ أَمْوَالَهُمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «اجْعَلْ مَالَك دُونَ نَفْسِك وَنَفْسَك دُونَ دِينِك» . وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁ كَانَ يُدَارِي رَجُلًا فَقِيلَ لَهُ: إنَّك مُنَافِقٌ. فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّهُ. فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْمَهَانَةِ.
٣٣٦٧ - وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ بَعْضِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْعِ عَنْ الْبَعْضِ إذَا خَافَ ذَهَابَ الْكُلِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُوَادَعَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
стр. 1610
لِأَنَّ فِيهَا الْتِزَامُ الرِّيبَةِ، وَالْتِزَامُ الذُّلِّ، وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ وَقَدْ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِصَّةِ الْأَحْزَابِ.
٣٣٦٨ - فَإِنَّهُ «حُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، يَوْمَئِذٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى خَلَصَ إلَى كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ الْكَرْبُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: اللَّهُمَّ إنِّي أَنْشُدُك عَهْدَك وَوَعْدَك، اللَّهُمَّ إنَّك إنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدُ وَبَلَغَ مِنْ حَالِهِمْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظَّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ» ، فِي رِوَايَةٍ «أَرَأَيْتَ لَوْ جَعَلْتُ لَك ثُلُثَ ثِمَارِ الْأَنْصَارِ أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَك مِنْ غَطَفَانَ وَتَخْذُلُ بَيْنَ الْأَحْزَابِ؟ فَقَالَ: إنْ جَعَلْتَ لِي الشَّطْرَ فَعَلْتُ»
٣٣٦٩ - وَفِي رِوَايَةٍ «أَرْسَلَ عُيَيْنَةُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ تُعْطِينَا ثَمَرَ الْمَدِينَةِ هَذِهِ السَّنَةَ وَنَرْجِعُ عَنْك وَنُخَلِّي بَيْنَك وَبَيْنَ قَوْمِك فَتُقَاتِلُهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: لَا. قَالَ: فَنِصْفُ الثَّمَرِ: فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ
стр. 1611
وَهُمَا سَيِّدَا الْحَيَّيْنِ فَاسْتَشَارَهُمَا وَقَدْ حَضَرَ عُيَيْنَةُ وَقَالَ: اُكْتُبْ بَيْنَنَا كِتَابًا. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِصَحِيفَةٍ وَدَوَاةٍ لِيَكْتُبَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوحِيَ إلَيْك فِي هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَقُلْت: أَرُدُّهُمْ عَنْكُمْ. فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَللَّهِ إنَّهُمْ كَانُوا لَيَأْكُلُونَ الْعِلْهِزَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْجَهْدِ، وَمَا طَمِعُوا مِنَّا قَطُّ أَنْ يَأْخُذُوا ثَمَرَةً إلَّا بُشْرَى، أَوْ قِرًى فَحِينَ أَيَّدَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِك وَأَكْرَمَنَا وَهَدَانَا بِك نُعْطَى الدَّنِيَّةَ؟ ، لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ. فَشَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ الصَّحِيفَةَ وَقَالَ: اذْهَبُوا، لَا نُعْطِيكُمْ إلَّا السَّيْفَ. وَأَقْبَلَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَعُيَيْنَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ مَادًّا رِجْلَيْهِ. فَقَالَ: يَا عُيَيْنَةُ الهجرس، اقْبِضْ رِجْلَيْك، أَتَمُدُّ رِجْلَيْك بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَاَللَّهِ لَوْلَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لَأُنْفِذَنَّ خُصْيَتَيْك بِالرُّمْحِ، مَتَى طَمِعْت هَذَا مِنَّا؟» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ عِنْدَ الضَّعْفِ لَا بَأْسَ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، فَقَدْ رَغِبَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ،
стр. 1612
- ﵌، حِينَ أَحَسَّ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفًا، وَعِنْدَ الْقُوَّةِ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْمُوَادَعَةُ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَتْ الْأَنْصَارُ مَا قَالَتْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِنْهُمْ الْقُوَّةَ فَشَقَّ الصَّحِيفَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِذْلَالِ، وَلِأَجْلِهِ كَرِهَتْ الْأَنْصَارُ دَفْعَ بَعْضِ الثِّمَارِ، وَالِاسْتِذْلَالُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الْمُسْلِمُونَ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ
٣٣٧٠ - قَالَ: وَإِذَا وَادَعَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْحَرْبِ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ مِنْهُ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الدَّارِ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ آمِنًا لَا نَعْرِضُ لَهُ. فَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا بِمِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، كَمَا لَا يَكُونُ بِهِ الذِّمِّيُّ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَكَمَا لَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ بِهِ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ، وَهَذَا لَا مَنْعَةَ لَهُ فَلَا يَكُونُ مُجَاهِرًا بِمَا يَصْنَعُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضُ الْعَهْدِ عِنْدَ الْمُجَاهَرَةِ بِالْقِتَالِ.
٣٣٧١ - وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ مِنْهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَهَذَا وَالْوَاحِدُ سَوَاءٌ.
стр. 1613
لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُمْتَنِعِينَ، وَأَصْحَابُهُمْ بِصُنْعِ هَؤُلَاءِ غَيْرُ رَاضِينَ.
٣٣٧٢ - فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَانِيَةً بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنْ مَلِكِهِمْ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَهَؤُلَاءِ نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فَائِدَةُ الْعَهْدِ إلَّا تَرْكُ الْقِتَالِ، فَإِذَا جَاهَرُوا بِالْقِتَالِ مُتَقَرِّرَيْنِ بِمَنْعَتِهِمْ كَانُوا نَاقِضِينَ بِمُبَاشَرَتِهِمْ ضِدَّ مَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْمُوَادَعَةِ.
٣٣٧٣ - فَأَمَّا الْمَلِكُ وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فَهُمْ عَلَى مُوَادَعَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ مَا بَاشَرُوا سَبَبَ نَقْضِهَا وَلَا رَضُوا بِصَنِيعِ هَؤُلَاءِ فَلَا يُؤْخَذُونَ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ.
٣٣٧٤ - وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِإِذْنِ مَلِيكِهِمْ فَقَدْ نَقَضُوا جَمِيعًا الْعَهْدَ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ حَيْثُمَا وُجِدُوا. لِأَنَّ فِعْلَهُمْ بِإِذْنِ الْمَلِكِ كَفِعْلِ الْمَلِكِ بِنَفْسِهِ. وَأَهْلُ الْمَمْلَكَةِ تَبَعُ الْمَلِكِ فِي الْمُوَادَعَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ لِانْقِيَادِهِمْ لَهُ وَرِضَاهُمْ بِكَوْنِهِ رَأْسَهُمْ. فَإِذَا صَارَ هُوَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ صَارَ أَهْلُ الْمَمْلَكَةِ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ تَبَعًا لَهُ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِمَا صَنَعَ مَلِكُهُمْ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ إلَى دَارِنَا قَبْلَ إذْنِ مَلِكِهِمْ فِي الَّذِي أَذِنَ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَدْ حَصَلَ آمِنًا فِينَا فَيَبْقَى آمِنًا مَا لَمْ يَعُدْ إلَى مَنْعَتِهِ.
٣٣٧٥ - وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الَّتِي خَرَجَتْ إلَى الْقِتَالِ خَرَجَتْ بِعِلْمِ مَلِكِهِمْ فَلَمْ يَنْهَهُمْ وَلَمْ يُخْبِرْ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
стр. 1614
لِأَنَّهُمْ حَشَمُهُ يَنْقَادُونَ لَهُ، وَالسَّفِيهُ إذَا لَمْ يُنْهَ مَأْمُورٌ، وَلِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُوَادَعَةِ مَنْعُهُمْ إنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ إخْبَارُ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا تَرَكَ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَمْرِهِ إيَّاهُمْ بِالْقِتَالِ.
٣٣٧٦ - قَالَ: وَلَوْ بَدَا لِلْإِمَامِ بَعْدَ الْمُوَادَعَةِ أَنَّ الْقِتَالَ خَيْرٌ فَبَعَثَ إلَى مَلِكِهِمْ يَنْبِذُ إلَيْهِ فَقَدْ صَارَ ذَلِكَ نَقْضًا. لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْحِرْزِ عَنْ الْغَدْرِ فَوْقَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ النَّبْذِ إلَى مَلِكِهِمْ وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ قَاصِدٌ إلَى قِتَالِهِمْ.
٣٣٧٧ - وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِمْ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَبْعَثُ الْمَلِكُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَنْ يُنْذِرُهُمْ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَلِكَهُمْ بَعْدَ مَا وَصَلَ الْخَبَرُ إلَيْهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيصَالِ ذَلِكَ إلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ إلَّا بِمُدَّةٍ فَلَا يَتِمُّ النَّبْذُ فِي حَقِّهِمْ حَتَّى تَمْضِيَ تِلْكَ الْمُدَّةُ، وَبَعْدَ الْمُضِيِّ لَا بَأْسَ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْخَبَرَ أَتَاهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إعْلَامُهُمْ. وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ إعْلَامُ مَلِكِهِمْ، ثُمَّ عَلَى مَلِكِهِمْ إعْلَامُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هُوَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَتَوْا مِنْ قِبَلِ مَلِكِهِمْ لَا مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ.
٣٣٧٨ - وَلَكِنْ إنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ يَقِينًا أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَلَّا يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُعْلِمُوهُمْ.
стр. 1615
لِأَنَّ هَذَا شَبِيهٌ بِالْخَدِيعَةِ، وَكَمَا يَحِقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ التَّحَرُّزِ عَنْ الْخَدِيعَةِ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ التَّحَرُّزُ عَمَّا يُشْبِهُ الْخَدِيعَةَ.
٣٣٧٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِهِمْ، إمَّا بِجُنْدٍ أَرْسَلُوهُمْ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِرَسُولٍ أَرْسَلُوهُ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ يَنْبِذُونَ إلَيْهِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى أَطْرَافِهِمْ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ هُنَاكَ النَّقْضُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِمْ وَكَانُوا أَعْلَمَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَانَ عَلَى مَلِكِهِمْ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ أَطْرَافَ مَمْلَكَتِهِ، يَقُولُ.
٣٣٨٠ - فَإِنْ أَحَاطَ الْعِلْمُ لِأَهْلِ نَاحِيَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِ نَاحِيَتِهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ فَأَمَّا الْحُكْمُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ نَقْضُ الْعَهْدِ بِمَا صَنَعَهُ مَلِكُهُمْ وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ هَا هُنَا.
٣٣٨١ - بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ هُنَاكَ الْإِعْلَامُ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ الْإِمْهَالُ بِقَدْرِ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْإِعْلَامُ.
следующие страницы →