Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
وَهُمَا سَيِّدَا الْحَيَّيْنِ فَاسْتَشَارَهُمَا وَقَدْ حَضَرَ عُيَيْنَةُ وَقَالَ: اُكْتُبْ بَيْنَنَا كِتَابًا. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِصَحِيفَةٍ وَدَوَاةٍ لِيَكْتُبَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوحِيَ إلَيْك فِي هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَقُلْت: أَرُدُّهُمْ عَنْكُمْ. فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَللَّهِ إنَّهُمْ كَانُوا لَيَأْكُلُونَ الْعِلْهِزَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْجَهْدِ، وَمَا طَمِعُوا مِنَّا قَطُّ أَنْ يَأْخُذُوا ثَمَرَةً إلَّا بُشْرَى، أَوْ قِرًى فَحِينَ أَيَّدَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِك وَأَكْرَمَنَا وَهَدَانَا بِك نُعْطَى الدَّنِيَّةَ؟ ، لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ. فَشَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ الصَّحِيفَةَ وَقَالَ: اذْهَبُوا، لَا نُعْطِيكُمْ إلَّا السَّيْفَ. وَأَقْبَلَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَعُيَيْنَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ مَادًّا رِجْلَيْهِ. فَقَالَ: يَا عُيَيْنَةُ الهجرس، اقْبِضْ رِجْلَيْك، أَتَمُدُّ رِجْلَيْك بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَاَللَّهِ لَوْلَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لَأُنْفِذَنَّ خُصْيَتَيْك بِالرُّمْحِ، مَتَى طَمِعْت هَذَا مِنَّا؟» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ عِنْدَ الضَّعْفِ لَا بَأْسَ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، فَقَدْ رَغِبَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ،
стр. 1612
- ﵌، حِينَ أَحَسَّ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفًا، وَعِنْدَ الْقُوَّةِ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْمُوَادَعَةُ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَتْ الْأَنْصَارُ مَا قَالَتْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِنْهُمْ الْقُوَّةَ فَشَقَّ الصَّحِيفَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِذْلَالِ، وَلِأَجْلِهِ كَرِهَتْ الْأَنْصَارُ دَفْعَ بَعْضِ الثِّمَارِ، وَالِاسْتِذْلَالُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الْمُسْلِمُونَ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ
٣٣٧٠ - قَالَ: وَإِذَا وَادَعَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْحَرْبِ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ مِنْهُ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الدَّارِ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ آمِنًا لَا نَعْرِضُ لَهُ. فَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا بِمِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، كَمَا لَا يَكُونُ بِهِ الذِّمِّيُّ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَكَمَا لَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ بِهِ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ، وَهَذَا لَا مَنْعَةَ لَهُ فَلَا يَكُونُ مُجَاهِرًا بِمَا يَصْنَعُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضُ الْعَهْدِ عِنْدَ الْمُجَاهَرَةِ بِالْقِتَالِ.
٣٣٧١ - وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ مِنْهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَهَذَا وَالْوَاحِدُ سَوَاءٌ.
стр. 1613
لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُمْتَنِعِينَ، وَأَصْحَابُهُمْ بِصُنْعِ هَؤُلَاءِ غَيْرُ رَاضِينَ.
٣٣٧٢ - فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَانِيَةً بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنْ مَلِكِهِمْ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَهَؤُلَاءِ نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فَائِدَةُ الْعَهْدِ إلَّا تَرْكُ الْقِتَالِ، فَإِذَا جَاهَرُوا بِالْقِتَالِ مُتَقَرِّرَيْنِ بِمَنْعَتِهِمْ كَانُوا نَاقِضِينَ بِمُبَاشَرَتِهِمْ ضِدَّ مَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْمُوَادَعَةِ.
٣٣٧٣ - فَأَمَّا الْمَلِكُ وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فَهُمْ عَلَى مُوَادَعَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ مَا بَاشَرُوا سَبَبَ نَقْضِهَا وَلَا رَضُوا بِصَنِيعِ هَؤُلَاءِ فَلَا يُؤْخَذُونَ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ.
٣٣٧٤ - وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِإِذْنِ مَلِيكِهِمْ فَقَدْ نَقَضُوا جَمِيعًا الْعَهْدَ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ حَيْثُمَا وُجِدُوا. لِأَنَّ فِعْلَهُمْ بِإِذْنِ الْمَلِكِ كَفِعْلِ الْمَلِكِ بِنَفْسِهِ. وَأَهْلُ الْمَمْلَكَةِ تَبَعُ الْمَلِكِ فِي الْمُوَادَعَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ لِانْقِيَادِهِمْ لَهُ وَرِضَاهُمْ بِكَوْنِهِ رَأْسَهُمْ. فَإِذَا صَارَ هُوَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ صَارَ أَهْلُ الْمَمْلَكَةِ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ تَبَعًا لَهُ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِمَا صَنَعَ مَلِكُهُمْ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ إلَى دَارِنَا قَبْلَ إذْنِ مَلِكِهِمْ فِي الَّذِي أَذِنَ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَدْ حَصَلَ آمِنًا فِينَا فَيَبْقَى آمِنًا مَا لَمْ يَعُدْ إلَى مَنْعَتِهِ.
٣٣٧٥ - وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الَّتِي خَرَجَتْ إلَى الْقِتَالِ خَرَجَتْ بِعِلْمِ مَلِكِهِمْ فَلَمْ يَنْهَهُمْ وَلَمْ يُخْبِرْ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
стр. 1614
لِأَنَّهُمْ حَشَمُهُ يَنْقَادُونَ لَهُ، وَالسَّفِيهُ إذَا لَمْ يُنْهَ مَأْمُورٌ، وَلِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُوَادَعَةِ مَنْعُهُمْ إنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ إخْبَارُ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا تَرَكَ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَمْرِهِ إيَّاهُمْ بِالْقِتَالِ.
٣٣٧٦ - قَالَ: وَلَوْ بَدَا لِلْإِمَامِ بَعْدَ الْمُوَادَعَةِ أَنَّ الْقِتَالَ خَيْرٌ فَبَعَثَ إلَى مَلِكِهِمْ يَنْبِذُ إلَيْهِ فَقَدْ صَارَ ذَلِكَ نَقْضًا. لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْحِرْزِ عَنْ الْغَدْرِ فَوْقَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ النَّبْذِ إلَى مَلِكِهِمْ وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ قَاصِدٌ إلَى قِتَالِهِمْ.
٣٣٧٧ - وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِمْ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَبْعَثُ الْمَلِكُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَنْ يُنْذِرُهُمْ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَلِكَهُمْ بَعْدَ مَا وَصَلَ الْخَبَرُ إلَيْهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيصَالِ ذَلِكَ إلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ إلَّا بِمُدَّةٍ فَلَا يَتِمُّ النَّبْذُ فِي حَقِّهِمْ حَتَّى تَمْضِيَ تِلْكَ الْمُدَّةُ، وَبَعْدَ الْمُضِيِّ لَا بَأْسَ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْخَبَرَ أَتَاهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إعْلَامُهُمْ. وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ إعْلَامُ مَلِكِهِمْ، ثُمَّ عَلَى مَلِكِهِمْ إعْلَامُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هُوَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَتَوْا مِنْ قِبَلِ مَلِكِهِمْ لَا مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ.
٣٣٧٨ - وَلَكِنْ إنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ يَقِينًا أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَلَّا يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُعْلِمُوهُمْ.
стр. 1615
لِأَنَّ هَذَا شَبِيهٌ بِالْخَدِيعَةِ، وَكَمَا يَحِقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ التَّحَرُّزِ عَنْ الْخَدِيعَةِ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ التَّحَرُّزُ عَمَّا يُشْبِهُ الْخَدِيعَةَ.
٣٣٧٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِهِمْ، إمَّا بِجُنْدٍ أَرْسَلُوهُمْ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِرَسُولٍ أَرْسَلُوهُ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ يَنْبِذُونَ إلَيْهِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى أَطْرَافِهِمْ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ هُنَاكَ النَّقْضُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِمْ وَكَانُوا أَعْلَمَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَانَ عَلَى مَلِكِهِمْ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ أَطْرَافَ مَمْلَكَتِهِ، يَقُولُ.
٣٣٨٠ - فَإِنْ أَحَاطَ الْعِلْمُ لِأَهْلِ نَاحِيَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِ نَاحِيَتِهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ فَأَمَّا الْحُكْمُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ نَقْضُ الْعَهْدِ بِمَا صَنَعَهُ مَلِكُهُمْ وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ هَا هُنَا.
٣٣٨١ - بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ هُنَاكَ الْإِعْلَامُ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ الْإِمْهَالُ بِقَدْرِ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْإِعْلَامُ.
стр. 1616
وَإِذَا كَانَ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِهِمْ فَالْإِعْلَامُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُ الْمَلِكِ فِي الْوَجْهَيْنِ. لِأَنَّ الدَّارَ إنَّمَا تَكُونُ دَارَ حَرْبٍ وَدَارَ ذِمَّةٍ وَدَارَ أَمَانٍ بِالْمَنَعَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِسُلْطَانِهَا الَّذِي يَحْكُمُ فِيهِمْ، فَإِذَا كَانَ السُّلْطَانُ حَرْبِيًّا كَانَتْ الدَّارُ دَارَ حَرْبٍ يَحِلُّ سَبْيُ مَنْ فِيهَا إلَّا مَنْ عُرِفَ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ الذِّمَّةِ.
٣٣٨٣ - وَلَوْ كَانَ خَرَجَ إلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ دَارِ غَيْرِ الْمُوَادِعِينَ إلَى دَارِ الْمُوَادِعِينَ بِأَمَانٍ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لَنَا عَلَيْهِ سَبِيلٌ. لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ آمِنًا فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ فَقَدْ الْتَحَقَ بِأَهْلِهَا، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ يَكُونُ آمِنًا فِينَا، وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ الْتَحَقَ بِهِمْ.
٣٣٨٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَهْلُ دَارِهِ مُوَادِعِينَ لِأَهْلِ دَارِ مُوَادِعِينَا. لِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَادَعَةَ بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّا لَوْ دَخَلْنَا دَارَ مُوَادِعِينَا فَوَجَدْنَا فِيهِمْ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ لَنَا عَلَيْهِ سَبِيلٌ فَإِذَا كَانَ هُوَ آمِنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ آمِنًا بِخُرُوجِهِ إلَى دَارِنَا.
٣٣٨٥ - وَلَوْ كَانَ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ
стр. 1617
يَدْخُلَ دَارَ مُوَادِعِينَا بِالْمُوَادَعَةِ الَّتِي بَيْنَ أَهْلِ دَارِهِ وَبَيْنَ مُوَادِعِينَا كَانَ فَيْئًا لَنَا. لِأَنَّهُ لَا مُوَادَعَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ دَارِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّا لَوْ وَجَدْنَاهُ فِي دَارِهِ كَانَ فَيْئًا لَنَا وَأَنَّ لَنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَى أَهْلِ دَارِهِمْ وَنَأْسِرَهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ هُوَ إلَيْنَا كَانَ فَيْئًا لَنَا وَلَمْ تَنْفَعْهُ الْمُوَادَعَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ دَارِ مُوَادِعِينَا.
٣٣٨٦ - وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ مُوَادِعِينَا دَارَ الَّذِينَ وَادْعُوهُمْ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ فَقَاتَلْنَا أَهْلَ تِلْكَ الدَّارِ فَظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا مِنْ أَهْلِ دَارِ مُوَادِعِيكُمْ دَخَلْت إلَى هَؤُلَاءِ لِمُوَادَعَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْحُرْمَةِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ بِالْبَيِّنَةِ وَكَانَ هُوَ آمِنًا؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ الْمُوَادَعَةَ كَدَعْوَاهُ عَقْدَ الذِّمَّةِ.
٣٣٨٧ - وَلَوْ قَالَ: كُنْت ذِمِّيًّا دَخَلْت إلَى هَذِهِ الدَّارِ لِلتِّجَارَةِ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِلَّ أَسْرُهُ وَقَتْلُهُ.
٣٣٨٨ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ دَارِ مُوَادِعِينَا أَسَرَهُمْ أَهْلُ دَارٍ أُخْرَى فَأَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ، أَوْ أَخْرَجُوهُمْ عَلَى أَهْلِ دَارِهِمْ فَحَارَبُوهُمْ
стр. 1618
وَأُلْحِقُوا بِأَهْلِ دَارٍ أُخْرَى ثُمَّ ظَهْرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ كَانُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى حِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ مُنَابِذِينَ أَهْلَ دَارِهِمْ مُحَارِبِينَ لَهُمْ فَلَا يَبْقَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حُكْمُ الْمُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ثَابِتًا لَهُمْ بِاعْتِبَارِ دَارِهِمْ.
٣٣٨٩ - وَكَذَلِكَ الْأُسَرَاءُ فَقَدْ صَارُوا مَقْهُورِينَ فِي يَدِ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى لَا يَمْلِكُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْئًا وَكَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الدَّارِ الْأُخْرَى بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلُوا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ. لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَصِيرُونَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي دَخَلُوهَا [بِأَمَانٍ] .
(أَلَا تَرَى) أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا إلَيْنَا مُسْتَأْمَنِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ عَلَى حَالِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسَرْنَاهُمْ فَأَدْخَلْنَاهُمْ دَارَنَا، أَوْ خَرَجُوا إلَيْنَا مُنَابِذِينَ لِأَهْلِ دَارِهِمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا.
٣٣٩٠ - وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ تَزَوَّجَتْ فِي أُولَئِكَ الْآخَرِينَ فَنَقَلُوهَا إلَيْهِمْ وَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ فَهِيَ وَأَوْلَادُهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا وَزَوْجُهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ.
стр. 1619
أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَةَ لَوْ تَزَوَّجَتْ فِينَا مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا أَنَّهَا تَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.
٣٣٩١ - وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا بِغَيْرِ أَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا سَبِيلٌ. لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ تَبَعًا لِزَوْجِهَا.
٣٣٩٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ إحْدَى الدَّارَيْنِ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ خَرَجَتْ وَأَوْلَادُهَا بِغَيْرِ أَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا سَبِيلٌ. لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ تَبَعًا لِزَوْجِهَا.
٣٣٩٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ إحْدَى الدَّارَيْنِ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَهَذِهِ وَالْمَنْكُوحَةُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَمَةِ لِمَوْلَاهَا كَتَبَعِيَّةِ الْحُرَّةِ لِزَوْجِهَا، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ
٣٣٩٤ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ غَلَبُوا عَلَى الدَّارِ الْأُخْرَى فَصَارُوا عَبِيدًا لَهُمْ، أَوْ جَعَلُوهُمْ ذِمَّةً لَهُمْ، يُؤَدُّونَ إلَيْهِمْ الْخَرَاجَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، أَمَّا إذَا صَارُوا عَبِيدًا لَهُمْ فَلِأَنَّ الْأَمَانَ بِسَبَبِ الْمُوَادَعَةِ ثَبَتَ لِلْأَمْلَاكِ كَمَا يَثْبُتُ
стр. 1620
لِلْمَالِكِ. وَأَمَّا إذَا صَارُوا ذِمَّةً لَهُمْ فَلِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ مَقْهُورِينَ تَحْتَ أَيْدِيهمْ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَارَ الذِّمَّةِ تَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ لَا سَبِيلَ لَنَا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ لَا مُوَادَعَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هُمْ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى بِلَادِ الْمُوَادِعِينَ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى الدَّارَيْنِ جَمِيعًا. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْهُورِينَ فِي الدَّارَيْنِ لِلْقَاهِرِينَ. وَلَا مُوَادَعَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَاهِرِينَ. وَهَذَا لِلْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حُكْمِ الدَّارِ هُوَ السُّلْطَانُ فِي ظُهُورِ الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ حُكْمَ الْمُوَادِعِينَ فَبِظُهُورِهِمْ عَلَى الدَّارِ الْأُخْرَى كَانَتْ الدَّارُ دَارَ الْمُوَادَعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ حُكْمَ سُلْطَانٍ آخَرَ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّارَيْنِ حُكْمُ الْمُوَادَعَةِ.
٣٣٩٥ - قَالَ: وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ حِصْنٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذُوا مِنْهُمْ مَالًا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ فَهَذَا الْمَالُ فَيْءٌ وَفِيهِ الْخُمْسُ. لِأَنَّهُ مُصَابٌ عَلَى طَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ.
٣٣٦٩ - بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلُوا إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْجَيْشُ بِسَاحَتِهِمْ فَوَادَعُوهُ مُدَّةً عَلَى مَالٍ يُعْطُونَهُ.
стр. 1621
لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ غَيْرُ الْمُصَابِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَلَكِنْ بَذَلُوهُ عَلَى سَبِيلِ الرِّضَاءِ فَأَخَذَهُ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَذُلِّ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ لَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ.
٣٣٩٧ - وَاَلَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا وَادَعُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَالٍ يُعْطُونَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ ذَلِكَ الْمَالِ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ صَارُوا كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
٣٣٩٨ - بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُ الْجُعَلِ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَهَذَا لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ مُسْتَحَقٌّ حَدًّا فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِمَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ قَتْلِ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ جَازَ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، وَأَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّينَ، فَكَذَلِكَ أَخْذُ الْمَالِ بِطَرِيقِ الْمُوَادَعَةِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.
٣٣٩٩ - وَإِنْ صَالِحَ الْإِمَامُ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ رِجَالِهِمْ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ أَخْذُ مَالٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ بِحَالٍ، وَلَكِنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ، فَهَذَا إظْهَارُ دَلِيلٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِمْ وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.
стр. 1622
وَإِنْ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا أَيْضًا. لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي نِسَائِهِمْ الْإِجْبَارُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي رِجَالِهِمْ الْقَتْلُ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَبِهَذَا الصُّلْحِ يُتَوَصَّلُ إلَى إقَامَةِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الصُّلْحِ اشْتِرَاطُ الْمَالِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّءُوسَ الَّتِي نَأْخُذهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وَبِالْمُوَادَعَةِ صَارُوا آمِنِينَ فَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
٣٤٠١ - وَلَكِنَّا نُجْبِرُ مَنْ أَخَذْنَا مِنْهُمْ بِحُكْمِ الشَّرْطِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَسْلَمُوا كَانُوا أَحْرَارًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا صَالِحُوهُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ كُلَّ سَنَةِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ الْمُعَيَّنِينَ.
٣٤٠٢ - فَإِذَا أُخِذُوا كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ يُسْتَرَقُّونَ بَعْدَ مَا صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، فَاشْتِرَاطُ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ كَاشْتِرَاطِ مَالٍ آخَرَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَلَكِنْ إنْ أُخِذَ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فَيْئًا فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ إنْ أُخِذُوا كَانُوا مَمَالِيكَ لِلْمُسْلِمِينَ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ.
стр. 1623
وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِهِمْ الْمُرْتَدِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا رِقَّ عَلَى رِجَالِهِمْ الْمُرْتَدِّينَ بِحَالٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اشْتِرَاطُ خَرَاجٍ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ، سَوَاءٌ كَانُوا بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ.
٣٤٠٤ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَاتَلَ قَوْمًا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَطَلَبُوا إلَيْهِ الْمُوَادَعَةَ فَحَالُ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْمُوَادَعَةِ كَحَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. لِأَنَّهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ، أَوْ الْإِسْلَامُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ.
٣٤٠٥ - إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ عَلَى هَذَا، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَأْخُذْ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ فَيَضَعُهَا مَوْضِعَ الْخَرَاجِ. وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ فِي هَذَا اشْتِرَاطُ الْمَالِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ فَكَانَ مَكْرُوهًا، وَفِي الْمُرْتَدِّينَ لَا يَتَعَيَّنُ الْمِائَةُ الرَّأْسِ مِنْ رِجَالِ عَبِيدِهِمْ فَلَا يَكُونُ فِيهِ اشْتِرَاطُ الْمَالِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبِيدَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ يُقْتَلُونَ كَأَحْرَارِهِمْ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ عَبِيدِهِمْ، وَعَبِيدِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَيْسُوا كَأَحْرَارِهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ، فَإِنَّا إذَا ظَهْرنَا عَلَى عَبِيدِهِمْ لَا نَقْتُلهُمْ
стр. 1624
فَكَانَ فِي تَعْيِينِ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ الْعَبِيدِ فَائِدَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَمُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ تَمَلُّكُ الْمُسَمَّى عَلَى وَجْهٍ يُسْتَدَامُ الْمِلْكُ فِيهِمْ، وَعَبِيدُهُمْ مَحَلُّ ذَلِكَ دُونَ أَحْرَارِهِمْ.
وَفِي الْكِتَابِ أَشَارَ فِي الْفَرْقِ إلَى حَرْفٍ آخَرَ قَدْ طَوَّلَهُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ رَاجِعٌ عَنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِهِ فَكَانَ قَتْلُهُ مُسْتَحَقًّا حَدًّا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ أَوْ رَسُولًا، أَوْ غَيْرَ رَسُولٍ لَمْ نَدَعْهُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ نَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَحَقَّ قَتْلَهُ قِصَاصًا إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَصْلُ الْإِسْلَامِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ رَسُولًا أَوْ غَيْرَ رَسُولٍ مَكَّنَّاهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِهِ، فَقَدْ «كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بِأَمَانٍ فَيُؤَمِّنُهُمْ وَيَفِي لَهُمْ بِالْأَمَانِ» ، فَعَرَفْنَا أَنَّ قَتْلَهُمْ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ حَدًّا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ الْجَبْرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا اُسْتُرِقُّوا، وَأَنَّ مِنْ تَهَوَّدَ مِنْهُمْ، أَوْ تَنَصَّرَ لَمْ يَحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ وَلَا وَطْءُ النِّسَاءِ مِنْهُمْ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، بِخِلَافِ الْعَرَبِ، وَالْحُكْمُ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ يَكُونُونَ فَيْئًا وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا اُسْتُرِقُّوا، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ وَيَحِلُّ وَطْءُ نِسَائِهِمْ بِالْمِلْكِ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ فَبِهَذَا تَبَيَّنَّ أَنَّ قَتْلَهُمْ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ حَدًّا.
٣٤٠٦ - فَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِهِمْ كُلَّ سَنَةٍ قُلْنَا يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بَعْدَ الْأَمَانِ
стр. 1625
وَذَلِكَ عَبِيدُهُمْ دُونَ أَحْرَارِهِمْ، يُقَرِّرُ هَذَا أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَوْ أَخَذْنَا مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ أَحْرَارِهِمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ تَنَاوَلَهُمْ، وَبَعْدَ الْأَمَانِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُمْنَعُ قَتْلُهُمْ بِسَبَبِ الْأَمَانِ، فَلِهَذَا نَأْخُذُ الْمِائَةَ الرَّأْسِ مِنْ أَحْرَارِهِمْ ثُمَّ نَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا نَقْتُلُهُمْ.
٣٤٠٧ - وَالْحُكْمُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ كَالْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ خَرَاجٌ.
لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ طَلَبُوا أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا جَازَ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . «وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَهْلَ نَجْرَانَ، وَهُمْ نَصَارَى مِنْ الْعَرَبِ، عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ.» وَأَرَادَ عُمَرُ ﵁ وَضْعَ الْجِزْيَةِ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ وَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَاعَفَةِ فَقَالَ: هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ. فَإِذَا تَبَيَّنَّ بِهَذِهِ النُّصُوصِ جَوَازُ أَخْذِ الْخَرَاجِ مِنْهُمْ جَوَّزْنَا أَخْذَ الْمَالِ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَادَعَةِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَرَاجِ. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ نُقَاتِلَ الْعَرَبَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا نَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَاتَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَوْا فَالْجِزْيَةُ.»
٣٤٠٨ - فَإِنْ وَادَعَ هَؤُلَاءِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَهُوَ
стр. 1626
جَائِزٌ، ثُمَّ إنَّمَا يَأْخُذُ الْمِائَةَ الرَّأْسَ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ لَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ. لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ تَنَاوَلَهُمْ فَلَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
٣٤٠٩ - وَإِنْ أَخَذَهُ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ أَعْطَوْهُ قِيمَةَ الرُّءُوسِ مِنْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اشْتِرَاطِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي مُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ.
٣٤١٠ - وَإِنْ عَزَلُوا فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَقَالُوا: آمِنُونَا عَلَى هَؤُلَاءِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ جَائِزٌ.
٣٤١١ - وَكُلُّ مُوَادَعَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُوَادَعَاتِ لَمْ يَأْخُذْ الْإِمَامُ فِيهَا جُعْلًا فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ إذَا رَأَى الْحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ وَإِمْهَالٍ حَتَّى يَصِلَ الْخَبَرُ إلَى أَطْرَافِهِمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. وَإِنْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى جُعْلٍ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ أَيْضًا. وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مِنْ الْجُعْلِ. حَتَّى لَوْ وَادَعَهُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَقَبَضَهَا كُلّهَا ثُمَّ أَرَادَ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بِمَدِّ سَنَةٍ فَعَلَيْهِ رَدُّ ثُلُثَيْ الْمَالِ.
стр. 1627
أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ بَدَا لَهُ عَقِبَ الْمُوَادَعَةِ فِي النَّقْضِ لَزِمَهُ رَدُّ جَمِيعِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ إذَا بَدَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ. وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ فَقَدْ انْتَهَتْ الْمُوَادَعَةُ وَحَلَّ قِتَالُهُمْ بِغَيْرِ نَبْذِ الْأَمَانِ، إلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ حَتَّى يَعُودَ إلَى مَأْمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ آمِنًا فِي دَارِنَا فَمَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
стр. 1628
[بَابُ الْمُوَادَعَةِ مِمَّا يُصَالِحُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ]
١٦١ - بَابُ الْمُوَادَعَةِ مِمَّا يُصَالِحُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَيَسَعُهُمْ قِتَالُهُمْ بَعْدَهُ، أَوْ لَا يَسَعُ ٣٤١٢ - قَالَ ﵁: وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَاصَرُوا بَعْضَ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَخَافَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَقَالُوا لَهُمْ: نُعْطِيكُمْ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تَنْصَرِفُوا عَنَّا إلَى بِلَادِكُمْ فَرَضَوْا بِهِ وَقَبَضُوا الْجُعْلَ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ رَأَوْا مِنْهُمْ عَوْرَةً قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ وَبَعْدَ مَا انْصَرَفُوا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى بِلَادِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ أَغَرَّ مَا كَانُوا، فَيَقْتُلُونَ وَيَسْبُونَ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا آمَنُوهُمْ وَإِنَّمَا فَدَوْا أَنْفُسَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ بِالْمَالِ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ، فَكَانُوا ظَالِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْإِحَاطَةِ بِهِمْ وَأَخْذِ مَالِهِمْ، فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْهُمْ إذَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
стр. 1629
وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] . ثُمَّ النَّبْذُ إلَيْهِمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَالًا، لَا إذَا أَعْطَوْهُمْ مَالًا رِشْوَةً عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ.
٣٤١٣ - وَلَوْ كَانُوا قَالُوا لَهُمْ: نُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تَنْصَرِفُوا عَنَّا إلَى بِلَادِكُمْ، أَوْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ صَالِحُونَا عَلَى أَنْ تُعْطُونَا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ نَنْصَرِفَ عَنْكُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يَرْجِعَ الْقَوْمُ إلَى بِلَادِهِمْ لِلصُّلْحِ وَالْمُوَادَعَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّ قِتَالَهُمْ بَعْدَهَا مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ يَكُونُ غَدْرًا لِلْأَمَانِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ.
وَالْمُصَالَحَةُ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ، فَيَتَنَاوَلُ الْجَانِبَيْنِ، سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، أَوْ الْمُشْرِكُونَ.
٣٤١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ نُسَالِمُكُمْ، أَوْ نُتَارِكُكُمْ، أَوْ نُوَادِعُكُمْ، أَوْ تُؤَمِّنُونَنَا وَنُؤَمِّنُكُمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ ذَكَرُوا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ يَشْتَرِطُهُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِ نَبْذٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِرَاطِهِ إذَا أَعْطَوْهُمْ مَالًا عَلَى ذَلِكَ وَعِنْدَ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُوَادَعَةِ إنَّمَا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إلَى أَنْ يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ فَإِذَا بَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
стр. 1630
لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ عَلَى الِانْصِرَافِ عَنْهُمْ مُطْلَقًا، وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَكُونُ بِوُصُولِهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَمَأْمَنِهِمْ عَادَةً، وَفِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَالْمُطْلَقُ مِنْ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ.
٣٤١٥ - وَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمْ كَذَا عَلَى أَلَّا تُقَاتِلُونَا حَتَّى تَنْصَرِفُوا عَنَّا فَهَذَا وَذِكْرُ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُوَادَعَةِ سَوَاءٌ. لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَفِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ اشْتِرَاطُ تَرْكِ الْقِتَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمُوَادَعَةَ، وَالتَّصْرِيحُ بِمُوجَبِ الْعَقْدِ كَالتَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الْعَقْدِ.
٣٤١٦ - وَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمْ كَذَا عَلَى أَلَّا تَقْتُلُوا مِنَّا أَحَدًا حَتَّى تَنْصَرِفُوا فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا شَهْرًا.
لِأَنَّ فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، الْمُسْلِمِينَ مَا شَرَطُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَمَانًا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً.
٣٤١٧ - وَلَوْ قَالُوا نُصَالِحُكُمْ، أَوْ نُوَادِعُكُمْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ كَذَا عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا شَهْرًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يَمْضِيَ الْوَقْتُ. لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْمُدَّةِ بِذِكْرِ لَفْظِ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُوَادَعَةِ وَلَكِنَّ الْمُوَادَعَةَ تَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهَا حُرْمَةُ الْقِتَالِ، وَالْحُرُمَاتُ تَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ فَمَا لَمْ يَمْضِ الشَّهْرُ لَا يَنْتَهِي الْأَمَانُ.
стр. 1631
ثُمَّ إنْ كَانَ هَذَا فِي غُرَّةِ الْهِلَالِ فَالْمُعْتَبَرُ شَهْرٌ بِالْهِلَالِ، نَقَصَ، أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا. لِأَنَّ الْأَهِلَّةَ فِي الشُّهُورِ أَصْلٌ، وَالْأَيَّامُ بَدَلٌ عَنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَالْمَصِيرُ إلَى الْبَدَلِ عِنْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ لَا مَعَ قِيَامِهِ.
٣٤١٩ - وَإِنْ كَانُوا صَالَحُوهُمْ عَلَى سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ غُرَّةِ الْهِلَالِ فَهُوَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ.﴾ [التوبة: ٣٦]
وَإِنْ كَانَ [ذَلِكَ] فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ وَشَهْرٌ بِالْأَيَّامِ فَيُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِ هَذَا الشَّهْرِ ثُمَّ يُحْسَبُ مِنْ الشَّهْرِ الثَّالِثِ عَشَرَ تَمَامُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِهَذِهِ الْأَيَّامِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ يَعْتَبِرُ الشُّهُورَ كُلَّهَا بِالْأَيَّامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْخِلَافَ فِي الْعِدَّةِ وَمُدَّةِ الْإِجَارَةِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، فَهُمَا يَقُولَانِ إنَّمَا يُصَارُ إلَى الْبَدَلِ عِنْدَ تَحَقُّقِ فَوَاتِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ شَهْرٌ وَاحِدٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الشَّهْرُ الثَّانِي مَا لَمْ يَتِمَّ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ، فَيَكُونُ دُخُولُ الشَّهْرِ الثَّانِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ كَدُخُولِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا كُلُّ شَهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
стр. 1632
وَلَوْ قَالَ لَهُمْ نُعْطِيكُمْ كُرَاعَنَا وَسِلَاحَنَا عَلَى أَنْ تُعْطُونَا أَلْفَ دِينَارٍ وَتَنْصَرِفُوا عَنَّا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. لِأَنَّ مَا ذَكَرُوا بِمَنْزِلَةِ بَيْعٍ جَرَى بَيْنَهُمَا. وَالْبَيْعُ لَا يَكُونُ دَلِيلَ أَمَانٍ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ ثُمَّ سَأَلُوهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ. وَلَيْسَ فِي هَذَا اشْتِرَاطُ أَمَانٍ لَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
٣٤٢١ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا نُصَالِحُكُمْ، أَوْ نُتَارِكُكُمْ، أَوْ نُسَالِمُكُمْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ عَلَى أَنْ تُعْطُونَا أَلْفَ دِينَارٍ وَتَنْصَرِفُوا عَنَّا فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يُبَلِّغُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ. لِوُجُودِ لَفْظٍ هُوَ دَلِيلُ الْأَمَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَبِانْضِمَامِ الْبَيْعِ إلَى الْمُصَالَحَةِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْمُصَالَحَةِ.
٣٤٢٢ - فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدُ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ قَدْ أَخَذُوا مِنْهُمْ مَالًا، وَالْمُصَالَحَةُ إذَا كَانَ فِيهَا أَخْذُ مَالٍ فَالنَّبْذُ فِيهَا لَا يَتِمُّ بِدُونِ رَدِّ الْمَالِ إلَيْهِمْ. وَلَكِنَّ السَّبِيلَ أَنْ يَعْرِضُوا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَرُدُّوا مَا أَخَذُوا مِنْ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، وَيَرُدُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ مَا لَهُمْ ثُمَّ يُقَاتِلُونَهُمْ، فَإِنْ رَضُوا بِذَلِكَ تَرَادُّوا ثُمَّ قَدْ تَمَّ النَّبْذُ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ، وَإِنْ أَبِي الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرُدُّوا مَا أَخَذُوا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ يُقَاتِلُوهُمْ وَلَا يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا.
стр. 1633
لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنْ رَدِّ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَقَدْ رَضُوا بِأَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِمُقَابَلَتِهَا فَتَبْقَى الْمُصَالَحَةُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مُتَعَرِّيَةً عَنْ الْبَدَلِ، وَالْقِتَالُ فِيهِ يَحِلُّ بَعْدَ النَّبْذِ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ.
٣٤٢٣ - وَلَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَبَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ دَارَ الْحَرْبِ وَأَصَابُوا ذَلِكَ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ سَوَاءٌ وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ بَعْدَهَا. لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُمْ ذَلِكَ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ مَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، وَحَقُّ الْأَخْذِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِيمَا يَجِدُهُ فِي الْغَنِيمَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا أَخْذَ مِنْهُ قَهَرَا لَا فِيمَا أَعْطَاهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ طَوْعًا؛ لِأَنَّ مَا أُخِذَ مِنْهُ قَهَرَا قَدْ صَارَ هُوَ فِيهِ مَظْلُومًا. وَعَلَى الْغُزَاةِ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ بِإِعَادَتِهِ إلَى يَدِهِ. فَأَمَّا مَا أَعْطَاهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ فَهُوَ لَيْسَ بِمُسَاوٍ لِمَا أُخِذَ مِنْهُ قَهْرًا، وَحَقُّ الْأَخْذِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
أَلَا تَرَى - أَنَّهُمْ لَوْ أَعْطَوْا فِي فِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ أَمْتِعَتِهِمْ ثُمَّ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ الَّذِي يُقَالُ إنَّ سَبَبَ وُصُولِ هَذَا الْمَالِ إلَى أَيْدِيهمْ كَانَ ظُلْمًا مِنْهُمْ. وَهُوَ مُحَاصَرَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ هَذَا كَالْمَأْخُوذِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى مَوْجُودٌ فَقَدْ كَانُوا ظَالِمِينَ فِي حَبْسِ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى فَادَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِمَالٍ.
стр. 1634
وَلَوْ كَانُوا لَمْ يَدْخُلُوا بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى ظَفِرَ بِهِمْ أَهْلُ السَّرِيَّةِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ بِنَفْسِ الْأَخْذِ صَارَ الْمَأْخُوذُ مَمْلُوكًا لَهُمْ إذَا الْمُلَّاكُ أَعْطَوْا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَمِثْلُ هَذَا السَّبَبِ يَتِمُّ بِالْقَبْضِ كَالتَّمَلُّكِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذُوهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِيلَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ هُوَ الْقَهْرُ وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ مَا لَمْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ.
ثُمَّ يَكُونُ هَذَا فَيْئًا لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ يُخَمَّسُ. لِأَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ أَهْلُ مَنَعَةٍ فِي دَارِنَا فَلَا أَمَانَ لَهُمْ مِنَّا. وَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ كَانَ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِي أَيْدِينَا.
٣٤٢٤ - وَلَوْ كَانُوا صَالَحُوا رَجُلًا حَرْبِيًّا، أَوْ قَوْمًا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ مَتَاعًا فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ دَخَلُوا دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذُوهُمْ أَرِقَّاءَ - وَمَا مَعَهُمْ، فَإِنَّ الْمَتَاعَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَهْلُ مَنَعَةٍ. لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضَتِهِمْ إنَّمَا يَتِمُّ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتْهُمْ، وَذَلِكَ بِالْوُصُولِ إلَى دَارِهِمْ، أَوْ بِأَنْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُهُمْ، بَلْ كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَهُ فِي فِدَاءِ أَسِيرٍ حُرٍّ، وَالْأَسِيرُ الْحُرُّ لَا يَمْلِكُ بِحَالٍ، فَلَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ مُبَادَلَةً حَقِيقِيَّةً حَتَّى يَثْبُتَ الْمِلْكُ بِنَفْسِ
стр. 1635
الْعَقْدِ، أَوْ بِأَدْنَى الْقَبْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَازِ لِيَتِمَّ الْقَبْضُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ لَهُ فِي الْمَقْبُوضِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ صَاحِبَ ذَلِكَ الْمَتَاعِ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا خَلَّوْا سَبِيلَ الْأَسِيرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِسَبَبٍ هُوَ ظُلْمٌ، وَهُوَ حَبْسُ الْأَسِيرِ الْحُرِّ فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ [عَلَيْهِ] .
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى دَارِهِمْ أُمِرُوا بِرَدِّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَإِنَّهُمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يُؤْمَرُونَ بِرَدِّهِ، فَكَذَلِكَ إذَا وَصَلَ إلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفَصْلَيْنِ.
٣٤٢٥ - وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوا الْمَالَ بِطَرِيقِ الِاسْتِيلَاءِ، كَانَ عَلَيْهِمْ الرَّدُّ إذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا. فَكَذَلِكَ إذَا وَصَلَ إلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ الرَّدُّ فِي الْوَجْهَيْنِ، فَكَانَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ أَوْ لَمْ يَكُونُوا فِيمَا أَخَذُوا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجْرِي فِي عَسْكَرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُلْزَمِينَ لِذَلِكَ طَوْعًا، وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ مُنْقَطِعَةٌ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتْهُمْ، فَلَا يُؤْثَرُ مَعْنَى الظُّلْمِ فِي مَنْعِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُ الْإِسْلَامِ جَارٍ عَلَيْهِمْ بِثُبُوتِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ بِالْقَهْرِ، فَلَا يَصِيرُ
стр. 1636
مَمْلُوكًا لَهُمْ بِالْقَبْضِ إذَا كَانُوا ظَالِمِينَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ أَعْطَى بِطِيبِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الرِّشْوَةِ وَالْمَالِ الَّذِي يُعْطَى بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُصَانَعَةِ.
وَاَلَّذِي يُوضِحُ هَذَا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَدَخَلَ مُسْلِمٌ عَسْكَرَهُمْ، وَبَاعَهُمْ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ كَانَ جَائِزًا. وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَبِهَذَا الْفَصْلِ تَبَيَّنَ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْفَرْقِ.
٣٤٢٦ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ مِنْهُمْ أَخَذُوا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا لَهُمْ: لَنَقْتُلَنَّكُمْ، أَوْ تُعْطُونَا أَمْوَالَكُمْ، أَوْ تَدُلُّونَا عَلَيْهَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَنْقَذُوا تِلْكَ الْأَمْوَالَ مِنْ أَيْدِيهمْ رَدُّوهَا عَلَى أَهْلِهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْمَالَ هَا هُنَا قَهْرًا، فَإِنَّهُمْ حِينَ أَخَذُوا الْمُلَّاكَ وَقَهَرُوهُمْ فَقَدْ صَارُوا آخِذِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْمَالِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا السَّبَبِ لَا يَمْلِكُونَ مَالَ الْمُسْلِمِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ، فَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ رَدُّهُ إذَا أَسْلَمُوا، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ رَدُّهُ إذَا أَصَابُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ صَاحِبُ الْمَالِ أَعْطَى الْمَالَ بِطِيبِ نَفْسِهِ فِي حَالِ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُمْ بِالْقَبْضِ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةِ، لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ
٣٤٢٧ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ أَحَاطَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُمْ: نَخْرُجُ عَنْكُمْ بِنِسَائِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَنُسَلِّمُ لَكُمْ الْمَدِينَةَ وَمَا فِيهَا، فَخَرَجُوا عَلَى هَذَا، أَوْ لَمْ يَخْرُجُوا، أَوْ خَرَجَ بَعْضُهُمْ
стр. 1637
ثُمَّ رَأَوْا عَوْرَةً لِلْمُشْرِكَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ وَيُسَلِّمُونَ الْمَدِينَةَ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَمَانٍ بَيْنَهُمْ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ الْقَهْرِ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ.
٣٤٢٨ - وَلَوْ قَالُوا نُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ نَخْرُجَ عَنْكُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ لَفْظَ الْمُصَالَحَةِ دَلِيلُ اشْتِرَاطِ الْأَمَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْقِتَالَ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ.
٣٤٢٩ - فَإِنْ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ، فَلَمَّا صَارُوا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ رَأَوْا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَوْرَةً فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ خُرُوجُهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ صُلْحٍ. وَهَذَا يَعْرِفُهُ كُلُّ وَاحِدٍ إذَا رَجَعَ إلَى عُرْفِ النَّاسِ، وَبِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ إلَى بَابِ الْمَدِينَةِ لَا يَتِمُّ هَذَا الْمَقْصُودُ فَلَا يَنْتَهِي حُكْمُ الْأَمَانِ.
٣٤٣٠ - وَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِحَيْثُ يَخَافُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لَوْلَا الصُّلْحُ فَأَمَّا إذَا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعٍ لَا يَخَافُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ وَالصَّيْرُورَةِ
стр. 1638
نَحْوِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْجِعَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. لِأَنَّ الْأَمَانَ الثَّابِتَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِذَلِكَ الصُّلْحِ قَدْ انْتَهَى بِوُصُولِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الصُّلْحِ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرَ، وَقَدْ حَصَلَ التَّمَيُّزُ حَقِيقَةً وَحُكْمُهَا بِهَذَا الْقَدْرِ.
٣٤٣١ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَأَحْدَقَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَا فِي الْعَسْكَرِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ، أَوْ يَرْتَحِلُوا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حَتَّى يَدْخُلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ.؛ لِأَنَّ الِارْتِحَالَ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْخُرُوجِ مِنْ دَارِهِمْ، وَبِوُصُولِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَمَأْمَنُهُمْ دَارُ الْإِسْلَامِ، وَفِي الْأَوَّلِ أَهْلُ الْحَرْبِ كَانُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَارْتِحَالُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ إنَّمَا يَتِمُّ بِوُصُولِهِمْ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ [عَنْ الْآخَرَ] فَكَانَ قَوْلُهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ تَرْجِعُوا عَنَّا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ حَتَّى تَرْجِعُوا عَنَّا إلَى بِلَادِكُمْ - لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْعُرْفِ كَالْمَشْرُوطِ بِالنَّصِّ.
٣٤٣٢ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمَحْصُورُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَالَحُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ بِنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حَتَّى يَبْلُغُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ.
стр. 1639
لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى بَيْنَهُمْ وَالشَّرْطُ أَمْلَكُ.
٣٤٣٣ - فَإِنْ خَرَجُوا عَنْهُمْ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ثُمَّ أَقَامَ [الْمُسْلِمُونَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ] قَدْرَ الْمَسِيرِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانُوا شَرَطُوا لَهُمْ ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ نَبْذٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ لَيْسَ عَيْنُ ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَلَكِنَّ الْأَمَانَ لَهُمْ مِنْ جِهَتِهِمْ فِي مُدَّةِ السَّيْرِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُبْتَنَى الْحُكْمُ عَلَى الْمَقْصُودِ لَا عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَكُونُ مُفِيدًا دُونَ مَا لَا يَكُونُ مُفِيدًا. فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَدْرُ الْمَسِيرِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَطْ.
٣٤٣٤ - قَالَ الشَّيْخُ ﵀: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ الْمَسِيرِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمِقْدَارُ الِانْصِرَافِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمْ فِيهِ. لِأَنَّ مَقْصُودَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي شَرْطِ الْأَمَانِ أَلَّا يَتَمَكَّنُوا مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ، بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَرَطُوا الْخُرُوجَ عَنْهُمْ إلَى الْكُوفَةِ فَأَتَوْا الْبَصْرَةَ، أَوْ مَكَّةَ، أَوْ الشَّامَ، وَذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ فَيُقَاتِلُوهُمْ بِغَيْرِ نَبْذٍ.
стр. 1640
وَفِي هَذَا أَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي اعْتِبَارِ عَيْنِ الْمَكَانِ الْمُسَمَّى. وَإِنَّمَا فَائِدَتُهُمْ فِي اعْتِبَارِ الْمُدَّةِ، (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ عَلَى أَلَّا يُقَاتِلُوهُمْ شَهْرًا أَوْ عَلَى [أَنْ يَذْهَبُوا] فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ شَهْرًا فَلَمَّا كَانُوا عَلَى مَسِيرَةِ أَيَّامٍ أَقَامُوا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ شَهْرًا، ثُمَّ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ بَعْدَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرَ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَحَالُهُمْ كَحَالِ مَا لَوْ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ بَعْدُ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَرِهْنَا فِيهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ، فَكَذَلِكَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ.
لِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالصُّلْحِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ، وَأَمَانُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ ذِمَّتِهِمْ. قَالَ ﵌: «وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة أَنْ يَكُرُّوا عَلَيْهِمْ فَيُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمُرَجِّعُ وَالْمَآبُ.
стр. 1641
[بَابٌ مِنْ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمُوَادَعَةِ وَمَا يَكُونُ مُحْرَزًا بِغَصْبِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا لَا يَكُونُ]
١٦٢ - بَابٌ مِنْ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمُوَادَعَةِ وَمَا يَكُونُ مُحْرَزًا بِغَصْبِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا لَا يَكُونُ ٣٤٣٥ - وَإِذَا وَادَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ رَأْسٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، عَلَى أَنْ يَكُونُوا آمِنِينَ فِي دَارِهِمْ لَا يُجْرِي الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُمْ، وَلَا يُغِيرُونَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ الْمُوَادَعَةُ عَلَى هَذَا إلَّا لِخَوْفٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُوَادَعَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَهُوَ الدُّعَاءُ إلَى الدِّينِ بِأَرْفَقِ الطَّرِيقَيْنِ، وَالْتِزَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْضَ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إذَا شَرَطُوا أَنْ يَكُونُوا مُتَقَرِّرِينَ فِي دَارِهِمْ، لَا يَجْرِي الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
٣٤٣٦ - وَعِنْدَ ذَلِكَ الْمِائَةُ الرَّأْسِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوْسَاطِ الرُّءُوسِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، إنْ أَتَوْا بِالرُّءُوسِ أَوْ بِالْقِيمَةِ وَجَبَ قَبُولُهَا مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اشْتِرَاطِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي مُبَادَلَةِ
стр. 1642
مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنْ أَعْطَوْا بِالرُّءُوسِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ حِنْطَةً، أَوْ كُرَاعًا، أَوْ سِلَاحًا، أَوْ بُرًّا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ قَبُولَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْمُبَايَعَةِ وَهُوَ يَعْتَمِدُ الرِّضَاءَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الْقِيمَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الرُّءُوسِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، وَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ.
٣٤٣٧ - وَلَا يَكُونُ امْتِنَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْذِ جِنْسٍ آخَرَ مِنْهُمْ نَقْضًا لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْمُوَادَعَةِ. لِأَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ الشِّرَاءِ وَهُوَ عَقْدٌ آخَرُ سِوَى الْمُوَادَعَةِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْمُوَادَعَةِ أَصْلًا.
٣٤٣٨ - قَالَ وَالرُّءُوسُ الْأَوْسَاطُ مِنْ رَقِيقِ أُولَئِكَ الْحَرْبِيِّينَ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوا الرُّءُوسَ مِنْ غَيْرِ رَقِيقِهِمْ.؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَلْتَزِمُونَ تَسْلِيمَ الرُّءُوسِ مِنْ رَقِيقِهِمْ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا آخَرَ مَعْرُوفًا، فَإِنَّ الْعُرْفَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ بِخِلَافِهِ.
٣٤٣٩ - فَإِنْ أَتَوْهُمْ بِمِائَةِ رَأْسٍ مِنْ أَبْنَائِهِمْ أَوْ نِسَائِهِمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ تَنَاوَلَهُمْ فَصَارُوا بِهِ مَعْصُومِينَ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ.
стр. 1643
أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ لَوْ بَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ ابْنَهُ بَعْدَ هَذَا الْأَمَانِ لَمْ يَجُزْ هَذَا الْبَيْعُ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُسْلِمُ، لِأَجْلِ الْأَمَانِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُوَادَعَةِ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُمْ بَعْدَ مَا تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَلِكُ قَاهِرًا لَهُمْ وَهُمْ جَمِيعًا مُقِرُّونَ لَهُ بِالْمُلْكِ يَبِيعُ وَيَهَبُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، فَأَعْطَى الْمَلِكُ مِنْهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَبِهَذَا الْإِقْرَارِ صَارُوا عَبِيدًا لَهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِمْ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَخْذُهُمْ مِنْهُ فِي الرُّءُوسِ الْمَشْرُوطَةِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ.
٣٤٤٠ - وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُقِرِّينَ بِالْعُبُودِيَّةِ فَجَاءَ بِمِائَةِ رَأْسٍ وَقَالَ: هُمْ عَبِيدِي فَخُذُوهُمْ، وَقَالَ الْقَوْمُ: بَلْ نَحْنُ أَحْرَارٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْمِائَةُ رَأْسٍ مَقْهُورِينَ بِحَشَمِ الْمَلِكِ فِي أَيْدِيهِمْ حِينَ أَتَوْنَا بِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِمْ. لِأَنَّهُمْ إنْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ فَأَخْذُهُمْ حَلَالٌ لَنَا، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَقَدْ صَارَ قَاهِرًا لَهُمْ بِقُوَّةِ السَّلْطَنَةِ وَقُوَّةِ الْحَشَمِ، فَكَانُوا عَبِيدًا لَهُ أَيْضًا، وَهَذَا لِأَنَّ مَلِكَهُمْ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ بِهِمْ هَذَا وَهَذَا عِنْدَهُمْ جَائِزٌ فِي حُكْمِهِمْ أَنَّ مَنْ قَهَرَ إنْسَانًا فَاسْتَعْبَدَهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ أَجَزْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَجَازُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا فِي أَصْلِ الْمُوَادَعَةِ أَنَّ أَحْكَامَنَا لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ، وَبِهَذَا الشَّرْطِ كَانَ الْجَارِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الشِّرْكِ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَجَازُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ أَيْضًا:
٣٤٤١ - وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمِائَةَ الرَّأْسِ مِنْ أَحْرَارِهِمْ قَهَرُوهُمْ فِي بِلَادِهِمْ وَاسْتَعْبَدُوهُمْ، ثُمَّ جَاءُونَا بِهِمْ مَقْهُورِينَ، فَلَا بَأْسَ
стр. 1644
بِأَخْذِهِمْ لِمَا قَرَّرْنَا، وَلَوْ كَانُوا دَخَلُوا جَمِيعًا دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ إلَّا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانُوا آمِنِينَ بِهَا فِي دَارِهِمْ فَكَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
٣٤٤٢ - فَإِنْ قَهَرُوا مِنْهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ بَعْدَ مَا خَرَجُوا إلَيْنَا لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّا نَمْنَعُهُمْ مِنْ قَهْرِهِمْ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرٌ فِي دَارِنَا، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَلَّا يُسْتَرَقَّ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ أَحَدٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَهْرَ ظُلْمٌ مِنْ الْقَاهِرِينَ لِلْمَقْهُورِينَ، وَعَلَيْنَا دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَدْفَعُ بِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ بَعْدَ هَذَا الْقَهْرِ وَالِاسْتِعْبَادِ فِي دَارِنَا لَوْ أَسْلَمُوا أَمَرْنَاهُمْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِ الْمَقْهُورِينَ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي دَارِهِمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، وَمَنْعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وُجُوبِ دَفْعِ الظُّلْمِ مَوْجُودٌ فِي الْفَصْلَيْنِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ طَاوُسٍ قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: مَنْ اسْتَخْمَرَ قَوْمًا أَوَّلُهُمْ أَحْرَارٌ، أَوْ جِيرَانٌ مُسْتَضْعَفُونَ فَإِنْ كَانَ قَصَرَهُمْ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَدْخُلَ الْإِسْلَامُ بَيْتَهُ فَهُمْ لَهُ عَبِيدٌ، وَمَنْ كَانَ مُهْمِلًا يُعْطِي الْخَرَاجَ فَهُوَ عَتِيقٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ اسْتَخْمَرَ اسْتَعْبَدَ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَّ أَنَّهُ إذَا تَمَّ قَهْرُهُ إيَّاهُمْ قَبْلَ ظُهُورِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي دَارِهِمْ فَهُمْ عَبِيدُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَهُمْ أَحْرَارٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُوَادِعُونَ خَرَجُوا إلَيْنَا وَمَعَهُمْ مِائَةُ رَأْسٍ لَا يَدْرِي أَمَقْهُورُونَ هُمْ أَمْ غَيْرُ
стр. 1645
مَقْهُورِينَ، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ عَبِيدُنَا جِئْنَاكُمْ بِهِمْ لِتَأْخُذُوهُمْ فِي الْفِدَاءِ، وَقَالَ الْقَوْمُ: كَذَبُوا نَحْنُ أَحْرَارٌ مِثْلُهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمِائَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ لَا نَدْرِي كَيْفَ كَانَتْ حَالُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةُ الرِّقِّ.
٣٤٤٣ - فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الشُّهُودُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ أَهْلِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِالرِّقِّ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ حُجَّةٌ. إذَا كَانُوا عُدُولًا فِي دِينِهِمْ.
٣٤٤٤ - وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ: كَانُوا أَحْرَارًا وَلَكِنَّا قَهَرْنَاهُمْ بِإِذْنِ مَلِكِنَا فِي دَارِنَا حَتَّى صَارُوا عَبِيدًا لَنَا، وَقَالَ الْقَوْمُ: مَا قَهَرْنَاهُمْ وَلَا عَرَضُوا لَنَا عِنْدَكُمْ فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ. لِأَنَّ قَهْرَهُمْ إيَّاهُمْ حَادِثٌ، فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبَ الْأَوْقَاتِ، وَلِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ عَلَيْهِمْ سَبَبَ الرِّقِّ وَهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَدَعْوَى السَّبَبِ كَدَعْوَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالسَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ تُرَادُ لِأَحْكَامِهَا لَا لِأَعْيَانِهَا، فَلَا يُقْضَى بِرِقِّهِمْ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ لِلْمُدَّعِي كَمَا فِي الْفَصْل الْأَوَّلِ.
٣٤٤٥ - وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَيْنًا، أَوْ عَقْدًا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ
стр. 1646
فَإِنَّا لَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُسْلِمُوا، أَوْ يَصِيرُوا ذِمَّةً.
لِأَنَّ هُنَاكَ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِي مُعَامَلَةٍ جَرَتْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حُكْمُنَا جَارِيًا عَلَيْهِمْ، فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، بِأَنْ يُسْلِمَ الْخَصْمَانِ، أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً، فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، أَوْ صَارَ ذِمَّةً لَمْ تُسْمَعْ فِيهِ الْخُصُومَةُ أَيْضًا، أَمَّا عَلَى الَّذِي لَمْ يُسْلِم فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى الَّذِي أَسْلَمَ فَلِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَضِيَّةُ التَّسْوِيَةِ أَلَّا يَقْضِيَ عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ فِي حَالٍ لَا يَقْضِي لَهُ خَصْمُهُ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرِّقِّ فَالْمُنَازَعَةُ فِي سَبَبٍ بَاشَرُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَهْرُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ، وَفِي مِثْلِهِ الْقَاضِي يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ بَعْضَهُمْ لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْبَعْضِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ ثُمَّ أَبَى أَنْ يَنْقَادَ لَهُ أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الِانْقِيَادِ لَهُ كَمَا يَنْقَادُ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَبَى أَنْ يَقْضِيَهُ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُسْلِمَ الْخَصْمَانِ، أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً. فَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ.
٣٤٤٦ - وَلَوْ قَبِلْنَا قَوْلَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الرِّقَّ عَلَى الْمِائَةِ الرَّأْسِ فِي دَارِنَا أَدَّى إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ الْمِائَةَ الرَّأْسِ لَوْ ادَّعَوْا عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ بَلْ أَنْتُمْ عَبِيدٌ لَنَا فَلَيْسَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِأُولَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ الْفَرِيقِ الْآخَرَ، فَلَوْ قَالَ الْقَوْمُ هَذِهِ الْمِائَةُ الرَّأْسِ عَبِيدٌ لَنَا وَقَالَتْ الْمِائَةُ الرَّأْسِ
стр. 1647
بَلْ نَحْنُ أَحْرَارٌ وَلً نَرْضَى أَنْ تَأْخُذُونَا فِي الْفِدَاءِ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَأْخُذهُمْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي دَارِنَا آمِنِينَ، وَالْحُرُّ الْآمِنُ فِي دَارِنَا لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بِحَالٍ، رَضِيَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَرْضَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ لَوْ قَالُوا هُمْ أَحْرَارٌ مِثْلُنَا، وَلَكِنْ خُذُوهُمْ فَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسَعْنَا أَخْذُهُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَكَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَارٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، فَلَا يَصِيرُونَ مَمَالِيكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرِّقِّ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
٣٤٤٧ - فَإِنْ قَالُوا حِينَ رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُونَهُمْ: نَحْنُ عَبِيدُهُمْ كَمَا قَالُوا، وَقَدْ كَذَبْنَا فِي ادِّعَائِنَا الْحُرِّيَّةَ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بَعْدَ مَا أَنْكَرُوا دَعْوَى الَّذِينَ ادَّعَوْا عَلَيْهِمْ الرِّقَّ، وَالْإِقْرَارُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ صَحِيحٌ، بِمَنْزِلَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ - إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فَكَذَّبَهُ ثُمَّ صَدَّقَهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ.
٣٤٤٨ - وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ هُمْ أَحْرَارٌ فَخُذُوهُمْ، فَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُونَهُمْ قَالُوا: هُمْ عَبِيدٌ لَنَا، وَصَدَّقَهُمْ الْمِائَةُ الرَّأْسِ فَلَيْسَ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ.
стр. 1648
لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَتْ فِي دَارِنَا بِتَصَادُقِهِمْ عَلَيْنَا أَوَّلًا، وَلِأَنَّهُمْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إنْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ فَقَدْ كَانُوا عَتَقُوا بِقَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ إنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَأَبْعَدُ.
٣٤٤٩ - وَإِنْ قَالُوا بَعْدَ قَوْلِهِمْ هُمْ أَحْرَارٌ: كَذَبْنَا، هُمْ عَبِيدٌ لِلْمَلِكِ بَعَثَهُمْ مَعَنَا لِنَدْفَعَهُمْ إلَيْكُمْ، وَصَدَّقَهُمْ بِذَلِكَ الْمِائَةُ الرَّأْسِ وَسِعَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِحَقِّهِمْ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِغَيْرِ مَنْ أَقَرَّ بَحْرِيَّتِهِمْ، وَحُرِّيَّةُ مَجْهُولِ الْحَالِ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ حُجَّةَ الْإِقْرَارِ لَا تَعْدُو الْمُقِرَّ فَثَبَتَ الرِّقُّ عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِهِ لِلْمَلِكِ، فَلِهَذَا جَازَ أَخْذُهُمْ فِي الْفِدَاءِ.
٣٤٥٠ - فَإِنْ صَالَحُوهُمْ فِي الْمُوَادَعَةِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ. وَلَمْ يُسَمُّوا ذُكُورًا وَلَا إنَاثًا، وَجَبَ الْقَبُولُ مِنْهُمْ إنْ جَاءُوا بِذُكُورٍ، أَوْ إنَاثٍ، أَوْ مُخْتَلَطِينَ، لِإِطْلَاقِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِيجَابِ، فَإِنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَسْمِيَةِ الرَّأْسِ مَا يُنَبِّئُ عَنْ وَصْفٍ لِيَتَوَجَّهَ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِمْ بِالْأَدَاءِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَهُوَ نَظِيرُ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّ التَّكْفِيرَ يَحْصُلُ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى لِهَذَا الْمَعْنَى.
٣٤٥١ - وَإِنْ جَاءُوا بِصِغَارٍ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا قَدْ اسْتَغْنَوْا عَنْ الْأُمَّهَاتِ فَاحْتَاجُوا إلَى الْأَبِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُمْ، وَإِنْ جَاءُوا بِمَرَاضِعَ، أَوْ فُطُمٍ لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الِاسْمِ مَا يُنْبِئُ عَنْ صِفَةِ الْبُلُوغِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَالِغُ وَغَيْرُ الْبَالِغِ،
стр. 1649
إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِاشْتِرَاطِ الرُّءُوسِ عَلَيْهِمْ مَنْ يَكُونُ صَالِحًا لِلِاسْتِخْدَامِ، فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَلَا يَلْبَسُ وَحْدَهُ، وَلَا يَتَوَضَّأُ وَحْدَهُ، فَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ وَلَا يَتِمُّ بِهِمْ. لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُمْ، وَلَا يَقُومُونَ فِي الْحَالِ بِخِدْمَةِ غَيْرِهِمْ.
٣٤٥٢ - وَأَمَّا إذَا اسْتَغْنَوْا عَنْ الْأُمَّهَاتِ فَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ، يَحْصُلُ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، فَإِنَّ انْتِقَاضَ الْمَالِيَّةِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ اسْتِغْنَاءِ الصَّغِيرِ عَنْ الْأُمِّ، فَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذَلِكَ فَالْمَالِيَّةُ لَا تَنْقُصُ بِالصِّغَرِ عَادَةً، فَإِذَا جَاءُوا بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ أَوْسَاطِ رَقِيقِهِمْ وَجَبَ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقَبُولِ لِمَكَانِ أُمَّهَاتِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْأُمَّهَاتِ هَا هُنَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ.
٣٤٥٣ - وَهُوَ نَظِيرُ مُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا لَهُ جَارِيَةٌ وَلَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ فَبَاعَ الْأُمَّ دُونَ الِابْنِ، أَوْ الِابْنَ دُونَ الْأُمِّ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا دُونَ الْمُسْلِمُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِ أَحَدُهُمَا مِنْهُ رَجَعَ بِهِمَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ عَوْنٌ لِلْمُشْرِكَيْنِ، إمَّا بِهِمَا، أَوْ بِنَسْلِهِمَا، وَمُرَاعَاةُ هَذَا الْجَانِبِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ جَانِبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
стр. 1650
قَالَ وَإِذَا شَرَطُوا فِي الْمُوَادَعَةِ أَنْ يُعْطُوهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ فَجَاءُوا؟ بِرَقِيقِهِمْ، أَوْ بِقِيمَةِ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَلِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِبَاءُ نَقْضًا مِنْهُمْ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّ الشُّفْعَةَ الْمَشْرُوطَةَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا تَتِمُّ بِمَا جَاءُوا لَهُ، فَإِنَّهُمْ شَرَطُوا ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذُلِّهِمْ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ مِنْ رَقِيقِهِمْ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ.
٣٤٥٥ - وَإِنْ كَانُوا رَهَنُوا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ رَهْنًا بِذَلِكَ فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ أَلَّا يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِمَا شَرَطُوا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَهُ شَرَطُوا الْجِيَادَ ثُمَّ جَاءُوا بِالزُّيُوفِ، فَفِي هَذَا اللَّفْظِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْجِنْسِ يَثْبُتُ فِي الرَّهْنِ بِالرُّءُوسِ. وَهَذَا لِأَنَّ الرُّءُوسَ تَثْبُتُ فِي الْمُوَادَعَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ دَيْنًا، وَالرَّهْنُ بِمِثْلِهِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانُوا بَالِغِينَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِثْلَهُ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي الْأَحْرَارِ فَفِي الْمَمَالِيكِ أَوْلَى.
٣٤٥٦ - فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِائَةُ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُونَ مِنْهُمْ قِيمَةَ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْسَاطٍ مِنْهُمْ. لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى قَدْ تَحَقَّقَ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ فَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْقِيمَةِ.
следующие страницы →