Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
فَإِنَّا لَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُسْلِمُوا، أَوْ يَصِيرُوا ذِمَّةً.
لِأَنَّ هُنَاكَ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِي مُعَامَلَةٍ جَرَتْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حُكْمُنَا جَارِيًا عَلَيْهِمْ، فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، بِأَنْ يُسْلِمَ الْخَصْمَانِ، أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً، فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، أَوْ صَارَ ذِمَّةً لَمْ تُسْمَعْ فِيهِ الْخُصُومَةُ أَيْضًا، أَمَّا عَلَى الَّذِي لَمْ يُسْلِم فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى الَّذِي أَسْلَمَ فَلِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَضِيَّةُ التَّسْوِيَةِ أَلَّا يَقْضِيَ عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ فِي حَالٍ لَا يَقْضِي لَهُ خَصْمُهُ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرِّقِّ فَالْمُنَازَعَةُ فِي سَبَبٍ بَاشَرُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَهْرُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ، وَفِي مِثْلِهِ الْقَاضِي يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ بَعْضَهُمْ لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْبَعْضِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ ثُمَّ أَبَى أَنْ يَنْقَادَ لَهُ أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الِانْقِيَادِ لَهُ كَمَا يَنْقَادُ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَبَى أَنْ يَقْضِيَهُ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُسْلِمَ الْخَصْمَانِ، أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً. فَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ.
٣٤٤٦ - وَلَوْ قَبِلْنَا قَوْلَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الرِّقَّ عَلَى الْمِائَةِ الرَّأْسِ فِي دَارِنَا أَدَّى إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ الْمِائَةَ الرَّأْسِ لَوْ ادَّعَوْا عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ بَلْ أَنْتُمْ عَبِيدٌ لَنَا فَلَيْسَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِأُولَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ الْفَرِيقِ الْآخَرَ، فَلَوْ قَالَ الْقَوْمُ هَذِهِ الْمِائَةُ الرَّأْسِ عَبِيدٌ لَنَا وَقَالَتْ الْمِائَةُ الرَّأْسِ
стр. 1647
بَلْ نَحْنُ أَحْرَارٌ وَلً نَرْضَى أَنْ تَأْخُذُونَا فِي الْفِدَاءِ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَأْخُذهُمْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي دَارِنَا آمِنِينَ، وَالْحُرُّ الْآمِنُ فِي دَارِنَا لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بِحَالٍ، رَضِيَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَرْضَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ لَوْ قَالُوا هُمْ أَحْرَارٌ مِثْلُنَا، وَلَكِنْ خُذُوهُمْ فَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسَعْنَا أَخْذُهُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَكَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَارٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، فَلَا يَصِيرُونَ مَمَالِيكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرِّقِّ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
٣٤٤٧ - فَإِنْ قَالُوا حِينَ رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُونَهُمْ: نَحْنُ عَبِيدُهُمْ كَمَا قَالُوا، وَقَدْ كَذَبْنَا فِي ادِّعَائِنَا الْحُرِّيَّةَ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بَعْدَ مَا أَنْكَرُوا دَعْوَى الَّذِينَ ادَّعَوْا عَلَيْهِمْ الرِّقَّ، وَالْإِقْرَارُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ صَحِيحٌ، بِمَنْزِلَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ - إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فَكَذَّبَهُ ثُمَّ صَدَّقَهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ.
٣٤٤٨ - وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ هُمْ أَحْرَارٌ فَخُذُوهُمْ، فَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُونَهُمْ قَالُوا: هُمْ عَبِيدٌ لَنَا، وَصَدَّقَهُمْ الْمِائَةُ الرَّأْسِ فَلَيْسَ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ.
стр. 1648
لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَتْ فِي دَارِنَا بِتَصَادُقِهِمْ عَلَيْنَا أَوَّلًا، وَلِأَنَّهُمْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إنْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ فَقَدْ كَانُوا عَتَقُوا بِقَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ إنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَأَبْعَدُ.
٣٤٤٩ - وَإِنْ قَالُوا بَعْدَ قَوْلِهِمْ هُمْ أَحْرَارٌ: كَذَبْنَا، هُمْ عَبِيدٌ لِلْمَلِكِ بَعَثَهُمْ مَعَنَا لِنَدْفَعَهُمْ إلَيْكُمْ، وَصَدَّقَهُمْ بِذَلِكَ الْمِائَةُ الرَّأْسِ وَسِعَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِحَقِّهِمْ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِغَيْرِ مَنْ أَقَرَّ بَحْرِيَّتِهِمْ، وَحُرِّيَّةُ مَجْهُولِ الْحَالِ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ حُجَّةَ الْإِقْرَارِ لَا تَعْدُو الْمُقِرَّ فَثَبَتَ الرِّقُّ عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِهِ لِلْمَلِكِ، فَلِهَذَا جَازَ أَخْذُهُمْ فِي الْفِدَاءِ.
٣٤٥٠ - فَإِنْ صَالَحُوهُمْ فِي الْمُوَادَعَةِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ. وَلَمْ يُسَمُّوا ذُكُورًا وَلَا إنَاثًا، وَجَبَ الْقَبُولُ مِنْهُمْ إنْ جَاءُوا بِذُكُورٍ، أَوْ إنَاثٍ، أَوْ مُخْتَلَطِينَ، لِإِطْلَاقِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِيجَابِ، فَإِنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَسْمِيَةِ الرَّأْسِ مَا يُنَبِّئُ عَنْ وَصْفٍ لِيَتَوَجَّهَ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِمْ بِالْأَدَاءِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَهُوَ نَظِيرُ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّ التَّكْفِيرَ يَحْصُلُ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى لِهَذَا الْمَعْنَى.
٣٤٥١ - وَإِنْ جَاءُوا بِصِغَارٍ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا قَدْ اسْتَغْنَوْا عَنْ الْأُمَّهَاتِ فَاحْتَاجُوا إلَى الْأَبِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُمْ، وَإِنْ جَاءُوا بِمَرَاضِعَ، أَوْ فُطُمٍ لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الِاسْمِ مَا يُنْبِئُ عَنْ صِفَةِ الْبُلُوغِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَالِغُ وَغَيْرُ الْبَالِغِ،
стр. 1649
إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِاشْتِرَاطِ الرُّءُوسِ عَلَيْهِمْ مَنْ يَكُونُ صَالِحًا لِلِاسْتِخْدَامِ، فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَلَا يَلْبَسُ وَحْدَهُ، وَلَا يَتَوَضَّأُ وَحْدَهُ، فَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ وَلَا يَتِمُّ بِهِمْ. لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُمْ، وَلَا يَقُومُونَ فِي الْحَالِ بِخِدْمَةِ غَيْرِهِمْ.
٣٤٥٢ - وَأَمَّا إذَا اسْتَغْنَوْا عَنْ الْأُمَّهَاتِ فَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ، يَحْصُلُ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، فَإِنَّ انْتِقَاضَ الْمَالِيَّةِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ اسْتِغْنَاءِ الصَّغِيرِ عَنْ الْأُمِّ، فَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذَلِكَ فَالْمَالِيَّةُ لَا تَنْقُصُ بِالصِّغَرِ عَادَةً، فَإِذَا جَاءُوا بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ أَوْسَاطِ رَقِيقِهِمْ وَجَبَ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقَبُولِ لِمَكَانِ أُمَّهَاتِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْأُمَّهَاتِ هَا هُنَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ.
٣٤٥٣ - وَهُوَ نَظِيرُ مُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا لَهُ جَارِيَةٌ وَلَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ فَبَاعَ الْأُمَّ دُونَ الِابْنِ، أَوْ الِابْنَ دُونَ الْأُمِّ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا دُونَ الْمُسْلِمُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِ أَحَدُهُمَا مِنْهُ رَجَعَ بِهِمَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ عَوْنٌ لِلْمُشْرِكَيْنِ، إمَّا بِهِمَا، أَوْ بِنَسْلِهِمَا، وَمُرَاعَاةُ هَذَا الْجَانِبِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ جَانِبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
стр. 1650
قَالَ وَإِذَا شَرَطُوا فِي الْمُوَادَعَةِ أَنْ يُعْطُوهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ فَجَاءُوا؟ بِرَقِيقِهِمْ، أَوْ بِقِيمَةِ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَلِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِبَاءُ نَقْضًا مِنْهُمْ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّ الشُّفْعَةَ الْمَشْرُوطَةَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا تَتِمُّ بِمَا جَاءُوا لَهُ، فَإِنَّهُمْ شَرَطُوا ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذُلِّهِمْ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ مِنْ رَقِيقِهِمْ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ.
٣٤٥٥ - وَإِنْ كَانُوا رَهَنُوا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ رَهْنًا بِذَلِكَ فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ أَلَّا يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِمَا شَرَطُوا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَهُ شَرَطُوا الْجِيَادَ ثُمَّ جَاءُوا بِالزُّيُوفِ، فَفِي هَذَا اللَّفْظِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْجِنْسِ يَثْبُتُ فِي الرَّهْنِ بِالرُّءُوسِ. وَهَذَا لِأَنَّ الرُّءُوسَ تَثْبُتُ فِي الْمُوَادَعَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ دَيْنًا، وَالرَّهْنُ بِمِثْلِهِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانُوا بَالِغِينَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِثْلَهُ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي الْأَحْرَارِ فَفِي الْمَمَالِيكِ أَوْلَى.
٣٤٥٦ - فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِائَةُ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُونَ مِنْهُمْ قِيمَةَ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْسَاطٍ مِنْهُمْ. لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى قَدْ تَحَقَّقَ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ فَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْقِيمَةِ.
стр. 1651
قَالَ: وَلَوْ كَانُوا اشْتَرَطُوا فِي الصُّلْحِ مِائَةَ قَوْسٍ، أَوْ مِائَةَ دِرْعٍ حَدِيدٍ، أَوْ مِائَةَ سَيْفٍ فَهَذَا وَاشْتِرَاطُ مِائَةِ رَأْسٍ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمْ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُسَمَّى، أَوْ قِيمَتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطُوا ذَلِكَ مِنْ كُرَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَسِلَاحِهِمْ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا شَرَطُوا ذَلِكَ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تُقْبَلْ الْقِيمَةُ. لِأَنَّ رَقِيقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِي اشْتِرَاطِهِمْ مَنْفَعَةُ تَخْلِيصِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُل بِالْقِيمَةِ، فَأَمَّا الْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، سَوَاءٌ شَرَطُوهُ مُطْلَقًا، أَوْ مِمَّا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ كُرَاعٌ وَسِلَاحٌ وَقَدْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فَأَحْرَزُوهُ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَوْ كَانَ مَعَهُ عَبْدٌ مَأْسُورٌ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ مُعَاهَدٍ قَدْ أَحْرَزُوهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَأُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ. فَبِهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ.
٣٤٥٨ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا فِي الْمُوَادَعَةِ مِائَةَ ثَوْبٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ مِائَةَ دَابَّةٍ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ فَاسِدَةً. لِأَنَّ الثِّيَابَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَالدَّوَابُّ كَذَلِكَ، فَالِاسْمُ حَقِيقَةً يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ؛ وَحُكْمًا يَتَنَاوَلُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَمَعَ جَهَالَةِ الْجِنْسِ لَا يَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ، بِخِلَافِ تَسْمِيَةِ الرَّأْسِ، فَالْجِنْسُ هُنَاكَ مَعْلُومٌ، فَإِنَّمَا بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ فِي الصِّفَةِ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْمِيَةِ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى التَّوَسُّعِ، كَالنِّكَاحِ وَأَخَوَاتِهِ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ حَتَّى يُوَادِعُوهُمْ عَلَى أَمْرٍ بَيِّنٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ
стр. 1652
وَوَجَبَ الْفِدَاءُ كَانَ ذَلِكَ إلَى الْمُشْرِكِينَ، يُعْطُونَهُمْ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ شَاءُوا وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْجِنْسِ الْوَاجِبِ قَوْلَهُمْ، كَمَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِثَوْبٍ، كَانَ بَيَانُ الْجِنْسِ فِيهِ إلَى الْمُقِرِّ.
وَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِثَوْبٍ كَانَ بَيَانُ الْجِنْسِ فِيهِ إلَى الْوَارِثِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْمُورِثِ، وَهَذَا لِأَنَّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَتَعَيَّنُ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الرُّجُوعِ إلَى بَيَانِهِمْ فِي الْجِنْسِ، إذْ لَوْ لَمْ يُرْجَعْ إلَى ذَلِكَ وَاعْتَبَرْنَا الْجَهَالَةَ لَمْ يَسْلَمْ لِلْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ، وَبِهِ فَارَقَ النِّكَاحَ، فَإِنَّ هُنَاكَ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ فِي بَيَانِ جِنْسِ الثَّوْبِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ وَجَبَ مَا هُوَ الْبَدَلُ الْأَصْلِيُّ الْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَانْدَفَعَ الضَّرَرُ عَنْهَا بِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الرُّجُوعِ إلَى بَيَانِ الزَّوْجِ.
٣٤٥٩ - وَلَوْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ فَأَقَرَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَحْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ عَبِيدُ الْمَلِكِ، فَبَعَثَ بِهِمْ الْمَلِكُ إلَى الْمُسْلِمِينَ لِحَقِّهِمْ، وَقَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ أَحْرَارُ الْأَصْلِ، فَإِنْ كَانُوا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُلْتَفَت إلَى إقْرَارِهِمْ.؛ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا آمِنِينَ فِي دَارِنَا، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُمْ الْمَعْلُومَةُ بِذَلِكَ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمْ بِالرِّقِّ.
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمْ فَإِنَّ هُنَاكَ بِدُخُولِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَتَأَكَّدُ حُرِّيَّتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَجْهُولَ الْحَالِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْحُرِّيَّةِ فِي الْأَصْلِ فَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ.
стр. 1653
٣٤٦٠ - وَإِنْ كَانُوا أَقَرُّوا بِهَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ طَوْعًا فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِالرِّقِّ لِإِنْسَانٍ فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانُوا عَبِيدًا يَقْبَلُهُمْ فِي الْفِدَاءِ. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِحُرِّيَّةٍ قَوِيَّةٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا تَنْتَقِضُ بِالِاسْتِرْقَاقِ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُوَادَعَةٌ، وَبَعْد الْمُوَادَعَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَا مُوَادَعَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِلْبَعْضِ مَعَ الْبَعْضِ، فَالْمُقَرُّ لَهُ يَتِمُّ اسْتِرْقَاقُهُ لِلْمُقِرِّينَ بِالرِّقِّ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ، فَصَارُوا عَبِيدًا لَهُ وَلَا يَتِمُّ اسْتِرْقَاقُهُ لَهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ، كَمَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ اسْتِرْقَاقُ الْحُرِّ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِهِمْ الِاسْتِرْقَاقُ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ كَانُوا أَحْرَارًا عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ أَصْلِهِمْ.
وَأُوَضِّحُ هَذَا بِقَوْمِ مَنْ حَكَمَ مَلِكُهُمْ أَنَّ السَّارِقَ يُجْعَلُ عَبْدًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَحَكَمَ بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَإِنَّهُ يَكُونَ السَّارِقُ عَبْدًا عَلَى مَا جَرَى الْحُكْمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانُوا مُوَادِعِينَ لَنَا حِينَ حَكَمَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ كَانَ لَا يَجْرِي فِي دِيَارِهِمْ بِالْمُوَادَعَةِ كَمَا شَرَطُوا ذَلِكَ، وَالْإِقْرَارُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ يَلْزَمُ كَقَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِقَضَاءِ قَاضِيهِمْ فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ.
стр. 1654
وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كُلُّ دَارٍ لَهَا مِلْكٌ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَغَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ، فَجَاءَنَا كُلُّ فَرِيقٍ بِمِائَةِ رَأْسٍ مِمَّنْ أَسَرُوهُمْ مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرَ، فَإِنَّا نَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوَادَعَةَ فِيمَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُوَادَعَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُوَادَعَةِ يَمْلِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْأَسْرِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُمْ، وَلَوْ أَرَادُوا بَيْعَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَخْذُهُمْ فِي الْفِدَاءِ.
٣٤٦٢ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا أَهْلَ دَارٍ وَاحِدَةٍ وَفِي حُكْمِهِمْ أَنَّ مَنْ قَهَرَ صَاحِبَهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الدَّيْلَمِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ دَارٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مُوَادَعَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِلْبَعْضِ مَعَ الْبَعْضِ فَالْقَاهِرُ يَمْلِكُ الْمَقْهُورَ، إذَا تَمَّ قَهْرُهُ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَيَصِيرُ الْمَقْهُورُ عَبْدًا لَهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ بَعْضُهُمْ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمُوا وَاخْتَصَمُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي حُكْمِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ حُكْمِهِمْ أَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِالْغَصْبِ لَمْ يَأْمُرْ الْغَاصِبَ بِرَدِّ شَيْءٍ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حُكْمِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوهُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يُخَاصِمْهُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرهُ بِالرَّدِّ.؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ يُمْلَكُ بِالْإِحْرَازِ، وَإِحْرَازُ الْغَاصِبِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ يَتِمُّ إذَا كَانَ مِنْ حُكْمِ
стр. 1655
مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، وَلَا يَتِمُّ إحْرَازُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ، لِتَمَكُّنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ أَنْ يُخَاصِمَهُ إلَى مَلِكِهِمْ لِيَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ، وَالْإِسْلَامُ بَعْدَ تَمَامِ الْإِحْرَازِ يُقَرِّرُ الْمِلْكَ، وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوا مَالًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ أُمِرُوا بِرَدِّهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ. وَلَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا ثُمَّ أَسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ، وَالتَّقَوُّمِ فِي الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَأَمَّا وُجُوبُ رَدِّ الْعَيْنِ لَا يَسْتَدْعِي الْعِصْمَةَ وَالتَّقَوُّمَ فِي الْمَحَلِّ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا أُمِرَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا وَلَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا مِنْ مِثْلٍ، أَوْ قِيمَةٍ.
٥٤٦٣ - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ لَا مُوَادَعَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ إلَى دَارِنَا وَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْتَأْمَنًا فَخَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ فِي الْوَجْهَيْنِ.
لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ سَبَبُ الْمِلْكِ فَمِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ إحْرَازَ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَا مُوَادَعَةَ لَهُمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ سَبَبٌ تَامٌّ لِلْمِلْكِ.
٣٤٦٤ - وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي مُوَادَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ
стр. 1656
بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَا خَرَجَا إلَيْنَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ، أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ، وَخَرَجَ الْآخَرُ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، لَمْ يَحْكُمْ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ. لِأَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حُكْمَ الْإِسْلَامِ وَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ كَانَتْ جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
٣٤٦٥ - وَإِنْ خَرَجَا مُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَأْمُرُ الْغَاصِبَ بِالرَّدِّ. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ فَلَمْ يَتِمَّ إحْرَازُهُ عِنْدَ الْأَخْذِ.
٣٤٦٦ - وَكَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إحْرَازُهُ حِينَ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا. لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَالَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ مُوَادِعِينَا وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ فَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالرَّدِّ. قَالَ: بَلَغْنَا أَنَّ «أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَعَارُوا عَوَارِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مَكَّةَ هَمُّوا أَلَّا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْعَوَارِيَّ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ النَّاسَ وَقَالَ: الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمَنِيحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» . فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتِمَّ إحْرَازُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ دَارَ الْإِسْلَامِ.
٣٤٦٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ خَاصَمَ الْغَاصِبَ إلَى مَلِكِهِمْ فَزَعَمَ الْغَاصِبُ أَنَّ الْعَيْنَ لَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ إيَّاهُ فَأَقَرَّهَا مَلِكُهُمْ
стр. 1657
فِي يَدِهِ وَكَلَّفَ الْمُدَّعِيَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ فَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حَتَّى أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً يُسَلِّمُ لِلْغَاصِبِ مَا كَانَ غَصَبَهُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ إحْرَازَهُ قَدْ تَمَّ بِتَقْرِيرِ مَلِكِهِمْ لِيَدِهِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ فَلَا يَبْقَى لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ سَبِيلٌ إلَى الْعَيْنِ، مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ، وَلَا نَدْرِي أَيَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ لَا يَقْدِرُ، وَبَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَعْدِلُ شُهُودُهُ، أَوْ لَا يَعْدِلُونَ.
٣٤٦٨ - فَإِنْ قَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ. لِأَنَّهُ لَمَّا تَمَّ إحْرَازُ الْغَاصِبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَمِلْكُهُ تَقَرَّرَ بِالْإِسْلَامِ.
٣٤٦٩ - وَهَذَا لِفِقْهٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْعَ مَلِكِهِمْ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ مَنْ أَخْذِ مَتَاعِهِ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِهِ مِنْهُ قَهْرًا وَدَفْعِهِ إلَى الْغَاصِبِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُشْكِلْ أَنَّهُ يَتِمُّ إحْرَازُ الْغَاصِبِ لَهُ. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَتِمُّ إحْرَازُهُ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ مَلِكِهِمْ فَلَأَنْ يَتِمَّ بِقُوَّتِهِ حِينَ أَخَذَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ كَانَ أَوْلَى.
٣٤٧٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ أَخَذَ ابْنًا صَغِيرًا لِإِنْسَانٍ مِنْهُمْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: هُوَ عَبْدِي، وَقَالَ الْأَبُ: هُوَ ابْنِي، فَهَذَا وَفَصْلُ غَصْبِ الْمَالِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.
стр. 1658
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ذُو الْيَدِ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَبْدُهُ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَرَأَى مَلِكُهُمْ أَنْ يُصَدِّقَ مُدَّعِي الْبُنُوَّةِ، فَأَخَذَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْآخَرُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ عَبْدُهُ، ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً فَأَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَإِنَّ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ يَجْعَلُهُ حُرًّا ابْنًا لِلَّذِي ادَّعَاهُ. لِأَنَّ حُكْمَ مَلِكِهِمْ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ وَأَبْطَلَ مِلْكَهُ فِيهِ وَجَعَلَهُ حُرًّا ابْنًا لِلْآخَرِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ مِلْكًا قَدْ أَبْطَلَهُ حُكْمُهُمْ حِينَ كَانُوا حَرْبًا لَنَا، أَوْ مُوَادِعِينَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُنَا.
٣٤٧١ - وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْمِيرَاثِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ تَوْرِيثُ الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ، أَوْ الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ، فَحَكَمَ بِذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ مَلِكُهُمْ فِي ذَلِكَ مَاضٍ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُلْتَزِمِينَ لِحُكْمِهِ، رَاضِينَ بِهِ حِينَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ سُلْطَانًا غَالِبًا عَلَيْهِمْ، فَتَمَّ مَا صَنَعَهُ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِإِبْطَالِ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
٣٤٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ الْبَنُونَ بِغَيْرِ حُكْمٍ مِنْ مَلِكِهِمْ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ حُكْمِهِ، فَهَذَا وَمَا لَوْ أَخَذُوهُ بِحُكْمِهِ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُمْ لَوْ خَاصَمُوا فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ قَرَّرَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَبِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ يَتِمُّ إحْرَازُهُمْ لِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ حُكْمِهِ وَقُوَّتِهِ.
стр. 1659
وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ اسْتَهْلَكَ الْمَأْخُوذَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَهُ وَقَضَى بِقِيمَتِهِ لِلْمُدَّعِي، فَلَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الْقِيمَةَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَتِمُّ الْإِحْرَازُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ، فَكَانَ وُجُودُ الْقَضَاءِ بِهِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، وَلَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ بِشَيْءٍ، لِانْعِدَامِ الْعِصْمَةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي الْمُسْتَهْلَكِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
٣٤٧٤ - وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْغَاصِبُ حِينَ سَلَّمَهُ لَهُ مَلِكُهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّهِ، فَأَخَذَهُ بِقَضَاءِ مَلِكِهِمْ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا، كَانَ عَبْدًا لِلْمُدَّعِي، وَكَانَ عِتْقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَاطِلًا. إمَّا لِأَنَّ إعْتَاقَ الْحَرْبِيِّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ غَيْرُ نَافِذٍ إذَا كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَلَّا يَمْنَعَ الْمُعْتِقَ مِنْ اسْتِرْقَاقِ الْمُعْتَقِ، أَوْ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا لِحُكْمِ مَلِكِهِمْ، لِكَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُدَّعِي، وَلَوْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ فَأَخَذَهُ أَحَدٌ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فَقَضَى بِهِ مَلِكُهُمْ لَهُ، كَانَ عَبْدًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُعْتَقًا فَقَضَى الْمَلِكُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ لِلْمُدَّعِي وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ.
٣٤٧٥ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ أَسَرَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِهِمْ، ثُمَّ غَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ، فَقَالَ: هُوَ عَبْدِي وَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَسْلَمُوا فَأَقَامَ الَّذِي أَحْرَزَهُ الْبَيِّنَةَ
стр. 1660
عَلَى حَقِّهِ، وَمِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ عِتْقَ الَّذِي أَعْتَقَهُ بَاطِلٌ. لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ حِينَ لَمْ يَتِمَّ الْإِحْرَازُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنْ يَمْلِكَهُ الْغَاصِبُ بِالْغَصْبِ، فَإِنَّ إعْتَاقَهُ هُنَاكَ نَافِذٌ لِتَمَامِ إحْرَازِهِ، ثُمَّ لَا يُرَدُّ رَقِيقًا بَعْدَ ذَلِكَ.
؛ لِأَنَّ إحْرَازَهُ قَدْ تَمَّ حِينَ أَقَرَّهُ مَلِكُهُمْ فِي يَدِهِ وَمَنَعَ الْآخَرَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ.
٣٤٧٦ - فَإِنْ جَاءَ الْآخَرُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَضَى بِهِ مَلِكُهُمْ لَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، فَهُوَ حُرٌّ بِالْبَيِّنَةِ. لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا نَفَذَ الْعِتْقُ فِيهِ فَحُكْمُ مَلِكِهِمْ بِالرِّقِّ عَلَى الْمُسْلِمِ بَاطِلٌ. وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَمَّا تَأَكَّدَتْ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ بِمَحَلِّ النَّقْضِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِحُكْمِ مَلِكِهِمْ بِرِقِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
٣٤٧٧ - وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ إنَّمَا أَعْتَقَ الْمَأْسُورَ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّهُ مَلِكُهُمْ فِي يَدِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَالْمَأْسُورُ عَبْدٌ. لِأَنَّ إعْتَاقَهُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ إحْرَازُهُ كَانَ بَاطِلًا.
٣٤٧٨ - قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَغَصَبَهُ حَرْبِيٌّ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ سَبَبُ التَّمَلُّكِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُسْتَأْمَنًا، أَوْ مُسْلِمًا أَوْ حَرْبِيًّا فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِ عَلَى مَتَاعِهِ.
стр. 1661
لِأَنَّ إحْرَازَ الْغَاصِبِ قَدْ تَمَّ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَسَلْطَنَتِهِ فِي دَارِهِمْ، فَكَانَ هَذَا وَالْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُسْلِمِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيُحْرِزُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فِي الْحُكْمِ سَوَاءً.
٣٤٧٩ - وَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ رَدُّ ذَلِكَ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَمْ يَخْتَصِمَا حَتَّى أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ رَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ إحْرَازَ الْغَاصِبِ لَمْ يَتِمَّ، فَإِنَّهُ مَقْهُورٌ مَمْنُوعٌ مِمَّا صَنَعَ، لِحُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَفِي الْأَوَّلِ هُوَ قَاهِرٌ مُقِرٌّ عَلَى مَا صَنَعَ بِحُكْمِ مَلِكِهِمْ.
٣٤٨٠ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ كَانَ حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ فَالْمَالُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ فِي الْأَصْلِ مَعْلُومٌ، وَسَبَبُ التَّمَلُّكِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِحْرَازُ التَّامُّ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْغَصْبَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْمِلْكِ بِنَفْسِهِ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُ ذَلِكَ مِنْ قَوْمٍ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا بَيْنَهُمْ يَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْمَعْلُومِ.
٣٤٨١ - فَإِنْ اخْتَصَمَا إلَى مَلِكِهِمْ فَجَحَدَ الْغَاصِبُ وَقَالَ: هَذَا مِلْكِي، مَا أَخَذْته مِنْهُ، فَأَقَرَّهُ مَلِكُهُمْ فِي يَدِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ الْمُسْلِمُ بِحُجَّةٍ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَذَلِكَ سَالِمٌ لِلْغَاصِبِ. لِأَنَّ إحْرَازَهُ فِيهِ قَدْ تَمَّ بِتَقْرِيرِ مَلِكِهِمْ لِيَدِهِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ.
٣٤٨٢ - وَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ الْبَيِّنَةَ، فَأَخَذَهُ حَاكِمُهُمْ مِنْ الْغَاصِبِ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، كَانَ لَهُ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ.
стр. 1662
لِأَنَّهُ أَعَادَهُ إلَى مِلْكِهِ بِحُكْمِهِ، وَقَدْ كَانَ السَّبَبُ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ مِثْلُ هَذَا إذْ الشَّيْءُ يَنْفَسِخُ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ. وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ صَارَ مُحْرِزًا لِذَلِكَ الْمَالِ حِينَ أَخَذَهُ وَتَمَّ إحْرَازُهُ بِقُوَّةِ مَلِكِهِمْ فَكَانَ مِلْكًا لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْخُمُسُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَا يَمْلِكُهُ بِسَبَبٍ فِيهِ إعْزَازُ الدِّينِ.
٣٤٨٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ عَبْدًا فِي يَدِ بَعْضِهِمْ بَاطِلًا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، فَأَخَذَهُ مَلِكُهُمْ مِنْ الْحَرْبِيِّ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَهُوَ لَهُ لِتَمَامِ إحْرَازِهِ بِحُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
لِأَنَّ هَذَا غَدْرٌ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَ مَالَ بَعْضِهِمْ سِرًّا فَأَخْرَجَهُ، وَهُنَاكَ يُفْتَى بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
٣٤٨٤ - قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ أَخَذَ حَاكِمُ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْمَالَ وَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.
لِأَنَّهُ غَدَرَ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
٣٤٨٥ - وَعَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ مَتَاعًا مِنْ بَعْضِهِمْ فَخَاصَمَهُ إلَى الْحَاكِمِ فَجَحَدَهُ، وَقَالَ: هُوَ مِلْكِي فَأَقَرَّهُ حَاكِمُهُمْ فِي يَدِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَرْبِيُّ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا فَهُوَ لِلْمُسْلِمِ، وَيُفْتَى
стр. 1663
بِرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُوَادِعِينَ، وَإِنْ كَانُوا مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ أَخَذُوهُ مِنْهُ فَرَدُّوهُ عَلَى صَاحِبِهِ. لِأَنَّ مَعْنَى الْغَدْرِ مِنْهُ هَا هُنَا أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ جَابِرٌ بِالْغَصْبِ وَالْأَخْذِ مِنْ يَدِهِ.
٣٤٨٦ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مِنْ الْمُوَادِعِينَ، أَوْ غَيْرِ الْمُوَادِعِينَ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ ثُمَّ أَسْلَمُوا كَانَتْ الْكِتَابَةُ جَائِزَةً. لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَصَرُّفٌ يَعْتَمِدُ الْمُرَاضَاةَ.
٣٤٨٧ - فَإِنْ قَهَرَهُ بَعْدَ مَا كَاتَبَهُ وَأَبْطَلَ مُكَاتَبَتَهُ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِمُكَاتَبِهِ بَطَلَتْ مُكَاتَبَتُهُ قَضَى قَاضِي الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ مِلْكَ الْيَدِ الثَّابِتِ لِلْمُكَاتَبِ بِعَقْدِ الْمُكَاتَبَةِ لَا يَكُونُ فَوْقَ حَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالْإِعْتَاقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ إذَا اسْتَعْبَدَهُ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ نُظِرَ إلَى حُكْمِ مَلِكِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَيُبْتَنَى الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا، فَكَذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَةِ.
٣٤٨٨ - وَإِنْ كَانَ حِينَ أَبْطَلَ مُكَاتَبَتَهُ، وَلَيْسَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ إبْطَالُ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَاهِرًا لَهُ، فَإِنْ كَانُوا مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ مَنَعَهُ الْقَاضِي مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ، يَصْنَعُ بِهِ مَا أَحَبَّ.
стр. 1664
لِأَنَّ إحْرَازَهُ إيَّاهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَتِمُّ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُوَادِعِينَ لَنَا، وَلَا يَتِمُّ مُوجِبًا مِلْكَهُ إذَا كَانُوا مُوَادِعِينَ لَنَا.
٣٤٨٩ - وَلَوْ كَانَ عَبْدُهُ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَعْتَقَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ اسْتَعْبَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ وَعِتْقُهُ بِإِبْطَالِهِ. لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَمِلْكُ يَدِ الْمُكَاتَبِ قَدْ تَأَكَّدَ بِإِسْلَامِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْحَرْبِيُّ مِنْ إبْطَالِ ذَلِكَ وَلَا مَلِكُهُمْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ بَاطِلٌ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ، وَهُوَ نَقْضُ الْحُرِّيَّةِ. وَلِأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَنْفُذُ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، وَالْمُعْتَقُ وَالْمُكَاتَبُ الْمُسْلِمُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِذَلِكَ.
٣٤٩٠ - وَلَوْ كَانَ دَبَّرَ هَذَا الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْعَبْدُ فَتَدْبِيرُهُ بَاطِلٌ. لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ بِالتَّدْبِيرِ لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِ مَوْلَاهُ، بَلْ هُوَ فِي يَدِهِ عَلَى حَالِهِ، مَقْهُورٌ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالْمُكَاتَبَةِ. فَإِنَّهُمَا يُسْقِطَانِ يَدَ الْمَوْلَى عَنْ الْمَمْلُوكِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ تَمَكُّنُ الْمُعْتِقِ مِنْ اسْتِعْبَادِ الْمُعْتَقِ، فَقَدْ تَمَّ خُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ، فَلِهَذَا إذَا أَسْلَمَ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، أَوْ الْكِتَابَةِ كَانَ عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ التَّدْبِيرِ كَانَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ، يَبِيعُهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا أَحَبَّهُ.
٣٤٩١ - وَلَوْ كَانَ دَبَّرَهُ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ كَانَ مُدَبَّرًا. لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ قَدْ تَأَكَّدَ بِإِسْلَامِ الْمَمْلُوكِ كَمَا دَبَّرَهُ، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ
стр. 1665
أَنَّ الْمُدَبِّرَ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ، فَبِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا صَحَّ التَّدْبِيرُ وَاسْتَحَقَّ بِهِ الْوَلَاءَ، قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ تَدْبِيرَهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
٣٤٩٢ - إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى إذَا صَارَ ذِمِّيًّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُدَبِّرَ يُسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهِ. لِأَنَّ إخْرَاجَهُ مِنْ مِلْكِهِ مُسْتَحَقٌّ، وَذَلِكَ بِالْبَيْعِ مُتَعَذِّرٌ، فَيُصَارُ إلَى إخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ بِالِاسْتِسْعَاءِ.
٣٤٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ أَخْرَجَ عَبْدَهُ مَعَ نَفْسِهِ بِأَمَانٍ إلَى دَارِنَا ثُمَّ دَبَّرَهُ جَازَ تَدْبِيرُهُ. لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ الْتَزَمَ هَذَا الْحُكْمَ حِينَ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَلِهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ. وَلَوْ عَادَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ. لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ قَدْ بَطَلَ، فَصَارَ حَالُهُ وَحَالُ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءً.
٣٤٩٤ - وَهَذَا بِخِلَافِ الِاسْتِيلَادِ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي دَارِنَا بَعْدَ مَا خَرَجَ بِأَمَانٍ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ. لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ تَبَعٌ لِلنَّسَبِ وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَثْبُتُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
стр. 1666
فَكَذَلِكَ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ الِاسْتِيلَادُ وَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ابْنَهُ بِحَالٍ فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ أُمَّ وَلَدِهِ بِحَالٍ بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ عَلَى مَا قَرَّرَنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1667
[بَابٌ مِنْ الرَّهْنِ يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ]
١٦٣ - بَابٌ [مِنْ] الرَّهْنِ يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ ٣٤٩٦ - قَالَ: وَإِذَا طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمُوَادَعَةِ أَنْ نُعْطِيَهُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا مِنْ رِجَالِهِمْ رَهْنًا مِثْلَ ذَلِكَ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ، لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيبُوهُمْ إلَيْهِ بِدُونِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَى رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ تَحْمِلُهُمْ عَلَى قَتْلِهِمْ، وَلَا زَاجِرَ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادِ يَزْجُرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي قَوْلِهِ: «مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلَّا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ» فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ خَافَهُ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَجِدُوا مِنْهُ بُدًّا، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَوْا الْمُسْلِمِينَ رَهْنَهُمْ فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ رَهْنِهِمْ إلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ انْدَفَعَتْ بِوُصُولِ رَهْنِ الْمُشْرِكِينَ إلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا غَدْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا الرَّهْنَ، وَلَا يُعْطُوا الرَّهْنَ كَمَا شَرَطُوا، قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، وَلَكِنْ كَانَ جَوَازُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِمَعْنَى الضَّرُورَةِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ.
стр. 1668
أَلَا تَرَى) - أَنَّ فِي أَصْلِ الْمُوَادَعَةِ إذَا زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهَا بِأَنْ يَقْوَوْا عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ وَادْعُوهُمْ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَإِنَّهُ: يَجُوزُ النَّبْذُ إلَيْهِمْ قَبْلُ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غَدْرًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵌: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ.» وَتِلْكَ الْمُوَادَعَةُ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ.
٣٤٩٧ - فَإِنْ قَالُوا: فَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا إنْ لَمْ تُعْطُونَا رَهْنَكُمْ لَمْ نَرْدُدْهُمْ حَتَّى نَأْمَنَ مِمَّا كُنَّا نَخَافُهُ. لِأَنَّ فِي رَدِّهِمْ تَقْوِيَتَهُمْ عَلَيْنَا وَتَمْكِينَهُمْ مِنْ اسْتِئْصَالِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. فَإِذَا وَقَعَ الْأَمْنُ مِمَّا كُنَّا نَخَافُ فَحِينَئِذٍ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ. لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، فَنَحْبِسُهُمْ إلَى أَنْ نَأْمَنَ مِمَّا نَخَافُهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ نُبَلِّغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ.
٣٤٩٨ - فَإِنْ أَسْلَمَ الرَّهْنُ فِي أَيْدِينَا ثُمَّ طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ. وَالْكُفَّارُ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ بَاعَهُمْ الْإِمَامُ وَدَفَعَ ثَمَنَهُمْ إلَى مَوَالِيهمْ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَوْا الرَّهْنَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ الرَّهْنَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهُ مِنْهُمْ.
стр. 1669
لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ، وَبِاعْتِبَارِهَا كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْمَنْعِ، فَيَكُونُ لَهُمْ حَقُّ الْأَخْذِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتْرُكُوا تَخْلِيصَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَقْهُورٌ فِي يَدِ الْمُشْرِكِينَ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْهُ.
٣٤٩٩ - فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ عَلَيْهِمْ، إذَا طَلَبَ ذَلِكَ رَهْنُ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِهِمْ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَكِنْ إنْ قَدَرُوا عَلَى أَخْذِهِمْ بِغَيْرِ قَتْلٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ لِلْمُوَادَعَةِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.
٣٥٠٠ - وَإِنْ قَالَ رَهْنُ الْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ نَكُونُ لَكُمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ إذَا كَانُوا أَحْرَارًا. لِأَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ أَحَدُ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ، فَكَمَا أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَجَبَ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَكَذَا لَوْ طَلَبُوا إعْطَاءَ الذِّمَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ، وَقَدْ صَارُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، فَبِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ صَارَ مِلْكُ الْمُوَالِي فِيهِمْ مُحْتَرَمًا، وَبِدُونِ إزَالَةِ الْمِلْكِ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا رُدُّوا إلَى مَوَالِيهمْ.
٣٥٠١ - فَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الرَّهْنُ: نَحْنُ أَحْرَارٌ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هُمْ عَبِيدٌ لَنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّهْنِ.
стр. 1670
لِقُوَّتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي أَيْدِي أَنْفُسِهِمْ فَيَكُونُ لَهُمْ قَوْلٌ فِي حُرِّيَّتِهِمْ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى رِقِّهِمْ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا ذِمَّةً لَنَا فَمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَمْ يُرَدُّوا إلَى مَوَالِيهمْ، وَإِنْ كَانُوا أَسْلَمُوا فَمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِمْ بِالرِّقِّ شُهُودٌ مُسْلِمُونَ، لَمْ يُعْطِهِمْ الْإِمَامُ لَهُمْ.
٣٥٠٢ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا فِي أَصْلِ الْمُوَادَعَةِ أَنَّهُمْ إنْ غَدَرُوا فَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ فَدِمَاءُ رَهْنِهِمْ لَنَا حَلَالٌ ثُمَّ قَتَلُوا هُمْ رَهْنَنَا فَإِنَّ دِمَاءَ رَهْنِهِمْ لَا تَحِلُّ لَنَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَجْمَعَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ عَلَى أَلَّا يَقْتُلُوا رَهْنَ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ فِينَا، فَلَا تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ بِجِنَايَةٍ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالشَّرْطُ الَّذِي جَرَى مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَكُونُ بَاطِلًا.
٣٥٠٣ - وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُهُمْ ذِمَّةً إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُشْرِكُونَ رَهْنَنَا. فَلَوْ أَنَّ رَهْنَهُمْ حِينَ أَسْلَمُوا قَالَ لَهُمْ الْمُشْرِكُونَ: إنْ لَمْ تَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ، أَوْ جَعَلْنَاهُمْ عَبِيدًا لَنَا فَكَرِهَ الرَّهْنُ أَنْ يَرُدُّوهُمْ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 1671
لِأَنَّ حُرْمَةَ نَفْسِ هَؤُلَاءِ كَحُرْمَةِ نَفْسِ أُولَئِكَ.
فَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْحَرْبِ رَهْنَنَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ الظُّلْمِ، وَلَوْ سَلَّمَ إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَقَتَلُوهُمْ كَانَ شَرِيكًا فِي الظُّلْمِ، مُعَرِّضًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُمْ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ.
(أَلَا تَرَى) - أَنَّ رَهْنَهُمْ لَوْ مَاتُوا فِي أَيْدِينَا فَقَالُوا: إنْ لَمْ تُعْطُونَا بِعَدَدِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ. فَكَذَلِكَ رَهْنُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا.
٣٥٠٤ - وَإِنْ قَالَ رَهْنُهُمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا: ادْفَعُونَا إلَيْهِمْ وَخُذُوا رَهْنَكُمْ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَهُمْ إلَيْهِمْ أَيْضًا. لِأَنَّ إذْنَ الْمَرْءِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي قَتْلِهِ فِي حُكْمِ الْإِبَاحَةِ، فَكَذَلِكَ فِي تَعْرِيضِهِ لِلْقَتْلِ. وَإِنْ كُنَّا لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُونَ بِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِدَفْعِهِمْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَفْعِهِمْ بِرِضَاهُمْ ظُلْمٌ مِنَّا إيَّاهُمْ، وَالدَّفْعُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِهَلَاكِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ إلَّا إذَا كَانُوا آمِنِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَلِأَنَّا قَدْ وَعَدْنَا لِأُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نُخَلِّصَهُمْ بَرَدِ رَهْنِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَيَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ جَانِبُهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
٣٥٠٥ - وَإِنْ قَالَ رَهْنُ الْمُشْرِكِينَ: نَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ، فَقَالَ
стр. 1672
الْمُشْرِكُونَ: إنْ قَبِلْتُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ، أَوْ جَعَلْنَاهُمْ عَبِيدًا لَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْبَلُ هَذَا مِنْ رَهْنِهِمْ، وَلَكِنْ يَرُدُّهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَيَأْخُذُ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمُوا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَتِمُّ بِهِمْ، فَأَمَّا الذِّمَّةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالرِّضَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانَ فِيهَا إتْلَافُ الْمُسْلِمِينَ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْضَوْا بِهَا. لِأَنَّ اسْتِنْقَاذَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَالْوَفَاءَ لَهُمْ بِالْمَوْعُودِ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَصِيرَ الرَّهْنُ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ فَيَخْتَارُ مَا فِيهِ الْخَيْرِيَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ.
٣٥٠٦ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ خَلَّى الْمُشْرِكُونَ سَبِيلَ الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُمْ فَحِينَئِذٍ يُعْطِيهِمْ الذِّمَّةَ، وَيَضَعُ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ كَمَا لَوْ سَأَلُوهُ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إتْلَافُ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً. لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يُخَلُّونَ سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ إذَا صَارَ رَهْنُهُمْ ذِمَّةً لَنَا.
٣٥٠٧ - فَإِنْ أَعْطَاهُمْ الذِّمَّةَ ثُمَّ طَلَبَ أَخْذَ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا ذَلِكَ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْفِرَ
стр. 1673
ذِمَّتَهُ، وَيَنْقُضَ الْعَهْدَ الَّذِي عَاهَدَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ، فِي رَدِّهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ. لِأَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا ذِمَّةً لَنَا فَقَدْ ثَبَتَ لِنُفُوسِهِمْ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِنُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أَسْلَمُوا سَوَاءً.
٣٥٠٨ - فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُ الرَّهْنِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَحِينَئِذٍ لَا يَدْفَعُهُمْ إلَيْهِمْ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إنْ أَسْلَمُوا. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِرِضَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ. (أَلَا تَرَى) - أَنَّهُ لَوْ مَاتَ رَهْنُهُمْ فَقَالُوا: لَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ حَتَّى تُعْطُونَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَإِنْ رَضُوا بِذَلِكَ جَازَ دَفْعُهُمْ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُمْ إلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيمَنْ طَلَبُوا نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
لِأَنَّ حَالَ نِسَائِهِمْ كَحَالِ رِجَالِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ عَقَدَ الذِّمَّةِ، وَتَأْثِيرُ الرِّضَاءِ مِنْ النِّسَاءِ كَتَأْثِيرِهِ مِنْ الرِّجَالِ.
٣٥٠٩ - وَلَوْ كَانَ فِي الَّذِينَ طَلَبُوا صِبْيَانًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَطَابَتْ بِذَلِكَ أَنْفُسُهُمْ وَأَنْفُسُ وَالِدِيهِمْ فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهُمْ إلَيْهِمْ.
стр. 1674
لِأَنَّ هَذَا مَظْلَمَةٌ يُظْلَمُ بِهَا الصَّبِيُّ، وَإِذْنُهُ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَرِضَاءُ أَبَوَيْهِ فِيمَا يَضُرُّ بِالصَّبِيِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَيْضًا، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
أَرَأَيْت لَوْ اسْتَعْبَدَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، أَلَيْسَ كَانَ الْإِمَامُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى اسْتِعْبَادِ حُرٍّ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ وَهَذَا لَا رُخْصَةَ فِيهِ.
٣٥١٠ - وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ رَهْنِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، وَطَابَتْ أَنْفُسُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَآبَائِهِمْ بِرَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمْ، أَمَّا الصِّبْيَانُ فَلِمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلِأَنَّ فِي رَدِّهِنَّ تَعْرِيضَهُنَّ عَلَى الْحَرَامِ، وَلَا إذْنَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً عَلَى الْمُشْرِكِينَ، يَسْتَحِلُّونَ فَرْجَهَا وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ بِحَالٍ، وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ. (أَلَا تَرَى) أَنْ الذِّمِّيَّةَ إذَا تَزَوَّجَهَا مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِنَا جَازَ النِّكَاحُ وَحَلَّتْ لَهُ.
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ. إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى، وَلَا يُخَافُ عَلَيْهَا أَنْ تَرْجِعَ عَنْ دِينِهَا، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ إنْ طَابَتْ نَفْسُهَا بِالرَّدِّ، رَجَوْت أَلَّا يَكُونَ بِرَدِّهَا لِأَخْذِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ بَأْسٌ، كَمَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ لَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْمُسَافِرَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزَةً، وَمَعَ الْمَحْرَمِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَتْ عَجُوزَةً لِحَاجَةٍ لَهَا، فَكَذَلِكَ هَذَا
стр. 1675
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَطَلَبُوا مِنَّا فِي الْمُوَادَعَةِ أَنْ نُعْطِيَهُمْ رَهْنًا فَقَالَ الرَّهْنُ لَا نَرْضَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَيْنَا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْبِرَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ جِهَتِهِمْ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرٌ، وَعَلَى هَؤُلَاءِ الرَّهْنِ إذَا دَفَعْنَاهُمْ إلَيْهِمْ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ الظَّاهِرُ فِي النَّاسِ الْوَفَاءُ بِالْمُوَادَعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا، وَيَدْفَعُ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ بِأَهْوَنِ الضَّرَرَيْنِ.
٣٥١٢ - فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا الرَّهْنَ قَتَلُوهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُمْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَهُمْ كَانَ شَرِيكًا فِي دِمَائِهِمْ، مُعِينًا عَلَى هَلَاكِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْهُمْ فَظَفِرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ شَرِيكَهُمْ فِيمَا يَصْنَعُونَ بِالْمُسْلِمِينَ وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ فِي هَذَا كَالْيَقِينِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ احْتَاجَ إلَى أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا فِي مُهِمٍّ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ. فَأَبَى الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُدْخِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ إنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا قَتَلُوهُ. فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْعَثَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا وَلَا يُكْرِهُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ.
٣٥١٣ - فَإِنْ جَرَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَسْنَا نَدَعُ الْمُوَادَعَةَ وَلَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ
стр. 1676
أَلَّا يُبْطِلُوا الْمُوَادَعَةَ، لَا لِإِبَاءِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لِمَكَانِ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ هَذَا مِنْهُمْ إجْبَارًا لِلرَّهْنِ وَامْتِنَاعًا مِنْ الْوَفَاءِ بِالْمَوْعُودِ لَهُمْ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، فَيَفُونَ لَهُمْ بِمَا أَعْطَوْهُمْ، حَتَّى يَسْتَنْقِذُوا الرَّهْنَ مِنْهُمْ.
٣٥١٤ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ مُؤَبَّدَةً، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُبْطِلُوا الْمُوَادَعَةَ، وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى قِتَالِهِمْ، حَتَّى يَسْتَنْقِذُوا الرَّهْنَ، أَوْ يَمُوتَ الرَّهْنُ أَجْمَعُونَ، أَوْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ. لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ النَّبْذِ مُرَاعَاةُ حَقِّ الرَّهْنِ. وَلِوُجُودِ إحْدَى هَذِهِ الْخِصَالِ يَزُولُ هَذَا الْمَانِعُ.
٣٥١٥ - وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الْمُوَادَعَةِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنْ قَاتَلْتُمُونَا قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا إخْفَارٌ لِلْعَهْدِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الرَّهْنِ، فَقَدْ انْتَهَى ذَلِكَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ. فَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ بِسَبَبِ الْخَوْفِ عَلَى الرَّهْنِ، كَمَا لَوْ تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ
لَمْ يَكُنْ بِقِتَالِهِمْ بَأْسٌ
، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ أُسَرَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: إنْ قَاتَلْتُمُونَا قَتَلْنَا الْأُسَارَى، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ إنْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا لِحَاجَةٍ بِرِضَاءِ الرُّسُلِ، أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَحَبَسُوهُمْ. وَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: إنْ قَاتَلْتُمُونَا قَتَلْنَا رُسُلَكُمْ فَلَا بَأْسَ
стр. 1677
بِقِتَالِهِمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إخْفَارٌ مِنْ الْإِمَامِ لِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا فِيهِ مَظْلَمَةٌ يَظْلِمُ الْمُشْرِكُونَ بِهَا الْمُسْلِمِينَ،
وَلِلْخَوْفِ مِنْ ذَلِكَ
لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ.
٣٥١٦ - وَقَالَ: وَلَوْ طَلَبَ بَعْضُ مَدَائِنِ الشِّرْكِ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَلِكُ الْمُوَادِعِينَ وَقَالَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ، أَوْ اسْتَعْبَدْنَاهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ وَالْمُسْلِمِينَ يَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْ إعْطَاءِ الذِّمَّةِ إلَى أَنْ يَأْخُذُوا رَهْنَكُمْ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الذِّمَّةِ مِنْ الَّذِينَ طَلَبُوا ذَلِكَ خَيْرًا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ. لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَخْتَارُ مَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ أَظْهَرُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَبُولِ الذِّمَّةِ مِنْ هَؤُلَاءِ إخْفَارٌ فِي حَقِّ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الرَّهْنُ، وَلَا كَانَ وُقُوعُهُ مَعْلُومًا عِنْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّبْذِ إلَيْهِمْ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ. وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَخْتَارَ مَا فِيهِ اسْتِنْقَاذُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ أَهْلُ مَدِينَةٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَقَالَ مَلِكُ الْعَدُوِّ: إنْ أَبَيْتُمْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ خَلَّيْت سَبِيلَ أُسَرَائِكُمْ، وَإِنْ قَبِلْتُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَتَلْت أُسَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ كَانَ اسْتِنْقَاذُ الْأُسَرَاءِ خَيْرًا فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الذِّمَّةِ مِنْ أُولَئِكَ خَيْرًا لِمَا يَرَى
стр. 1678
فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِشَوْكَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ طَلَبُوا الذِّمَّةَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقْبَلُ الذِّمَّةَ مِنْهُمْ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى جَانِبِ الْأُسَرَاءِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ حَاصَرَ أَهْلَ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ وَأَشْرَفَ عَلَى فَتْحِهَا فَقَالَ لَهُ مَلِكُ الْعَدُوِّ انْصَرِفُوا عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ أُسَرَاءَكُمْ الَّذِينَ فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَيَفْعَلُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
٣٥١٧ - فَإِنْ غَدْرَ أَهْلُ الْمُوَادَعَةِ فَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رَهْنِهِمْ صِبْيَانٌ لَيْسَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أُمَّهَاتُهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا فَيَصِفُوا الْإِسْلَامَ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كُفَّارًا عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَغْدِرَ الْمُشْرِكُونَ بِالرَّهْنِ فَلَا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَصِفُوا الْإِسْلَامَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي غَدْرِهِمْ إلَّا أَنَّ رَهْنَهُمْ بِهِ قَدْ صَارُوا فِينَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَوْلَادُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أُمَّهَاتُهُمْ، بِأَنْ كَانُوا مَاتُوا، أَوْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَصِفُوا الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، أَوْ بَعْدَهُ فَحَالُ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ.
٣٥١٨ - فَإِذَا كَانَ فِي رَهْنِهِمْ مَمَالِيكُ ثُمَّ غَدَرُوا فَقَتَلُوا رَهْنَنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَمَالِيكَهُمْ بِبَيْعِهِمْ، وَيَقِفُ الثَّمَنَ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يُرْضِيَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَهْنِهِمْ. لِأَنَّهُمْ احْتَبَسُوا عِنْدَنَا وَلَكِنْ لَمْ تَسْقُطْ حُرْمَةُ مِلْكِ الْمُلَّاكِ فِيهِمْ لِأَجْلِ الْأَمَانِ فَالسَّبِيلُ بَيْعُهُمْ وَوَقْفُ ثَمَنِهِمْ كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا.
стр. 1679
فَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ إنَّا قَدْ أَسَأْنَا فِي قَتْلِ رَهْنِكُمْ، فَنَحْنُ نَغْرَمُ لَكُمْ دِيَاتِهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ رَدِّ الرَّهْنِ، وَرَدُّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ كَرَدِّ الْعَيْنِ، وَقِيمَةُ النَّفْسِ الدِّيَةُ.
٣٥٢٠ - فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ سَلَّمَ الدِّيَاتِ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ ثَمَنَ الْعَبِيدِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبِيدُ لَمْ يُبَاعُوا وَقَالُوا: رُدُّوا عَلَيْنَا عَبِيدَنَا وَنَرُدُّ عَلَيْكُمْ دِيَاتِ رَهْنِكُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَفْعَلُ هَذَا. لِأَنَّ عَبِيدَهُمْ قَدْ احْتَبَسُوا عِنْدَنَا، فَهَذَا إنْ فَعَلَهُ يَكُونُ فِي مَعْنَى مُفَادَاةِ الْأُسَارَى مِنْهَا بِالْمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَرُدُّوا رَهْنَنَا بِأَعْيَانِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا يَأْخُذُونَ رِجَالَهُمْ بِأَعْيَانِهَا وَيَرُدُّونَ عَلَيْنَا الدِّيَاتِ كَانَ فِيهِ وَهْنٌ شَدِيدٌ يَدْخُلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
٣٥٢١ - وَلَا يَنْبَغِي لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْبِسَهُمْ إلَى مِثْلِ هَذَا، فَأَمَّا بَعْدَ بَيْعِ الْعَبِيدِ لَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا الْوَهْنُ فِي رَدِّ الْأَثْمَانِ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَدَلَ الرَّهْنِ مَالٌ وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بَدَلَ رَهْنِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى الْحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الدِّيَاتِ.
وَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ عَبِيدَهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنَى النَّظَرِ.
стр. 1680
فَإِنْ كَانُوا قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ نَدْفَعُ إلَيْكُمْ الَّذِينَ قَتَلُوا رَهْنَكُمْ لِتَحْكُمُوا فِيهِمْ بِمَا شِئْتُمْ، وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُرَاعِي فِي ذَلِكَ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ حَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ رَهْنُنَا خَمْسِينَ رَجُلًا فَقَتَلَهُمْ إنْسَانٌ وَاحِدٌ أَكُنَّا نَأْخُذُ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَاتِلَ الْوَاحِدَ وَنَرُدُّ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ مِنْ أَحْرَارِهِمْ وَأَيُّ وَهْنٍ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ هَذَا؟ وَإِنْ رَأَى الْحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَبِلَهُ فَأَخَذَ الْقَاتِلِينَ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ فِي الْقَاتِلِينَ، إنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ بِهِمْ، لَا بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَسْتَوْجِبُ الْقِصَاصَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُمْ أُسَارَى مَقْهُورُونَ فِي أَيْدِينَا، لَا أَمَانَ لَهُمْ، وَلِلْإِمَامِ فِيهِمْ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُمْ عَبِيدًا، فَإِذَا اخْتَارَ ذَلِكَ أَعْطَى وَارِثَ كُلِّ مَقْتُولٍ الْعَبْدَ الَّذِي قَتَلَ مُوَرِّثَهُ. لِأَنَّهُ أَخَذَهُمْ عِوَضًا عَنْ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ، وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَإِذَا صَارُوا مَمْلُوكِينَ كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الدِّيَاتِ. وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّفْسِ إذَا وُجِدَ مِمَّنْ يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ، وَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ كَانَ مُوجِبُهَا اسْتِحْقَاقُ نَفْسِ الْجَانِي بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِلْكًا.
стр. 1681
أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَتَلَ قَتِيلًا خَطَأً فَإِنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ نَفْسِهِ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَهَذَا كَذَلِكَ.
٣٥٢٣ - وَإِنْ قَالُوا لِلْإِمَامِ: إنْ شِئْت أَعْطَيْنَاك دِيَاتِ أَصْحَابِك، وَإِنْ شِئْت أَعْطَيْنَاك الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَكُمْ، فَهَذَا إنْصَافٌ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَفَاءِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ.
٣٥٢٤ - ثُمَّ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَارَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الدِّيَاتِ دَفْعِهَا إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْقَاتِلِينَ كَانَ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي قَتْلِهِمْ، كَمَا بَيَّنَّا. وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ قَتْلُهُمْ بِعَفْوِ الْوَرَثَةِ إنْ عَفَوَا عَنْهُمْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلهُمْ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ، وَالْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْمُحَارِبِينَ غَيْرُ مُؤْثَرٍ. لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يُسْقِطُ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِلْعَافِي خَاصَّةً.
٣٥٢٥ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَتَلَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ رِجَالًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ مَنْ عِنْدَهُمْ بِأَمَانٍ فَهُوَ فِي أَيْدِيهمْ وَهُوَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ مَلِكِهِمْ فَحَالُهُمْ كَحَالِ أَهْلِ دَارِهِمْ.
стр. 1682
أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِنْ دَارِهِمْ إلَيْنَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ.
٣٥٢٦ - وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا دَارَهُمْ مُغِيرِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَقَتَلُوا الرَّهْنَ، فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ أَهْلُ دَارِ الْمُوَادَعَةِ وَدَفَعُوهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَأْخُذُونَ رَهْنَهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَفَاءِ بِالْمُوَادَعَةِ.
وَإِنْ كَانُوا مَاتُوا، أَوْ قُتِلُوا فِي حَرْبِهِمْ، أَوْ أَخَذَهُمْ مَلِكُ الْمُوَادِعِينَ فَقَتَلَهُمْ بِمَا فَعَلُوا بِالرَّهْنِ، أَوْ هَرَبُوا، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.
لِأَنَّ الْقَاتِلِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادِعِينَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ بِجِنَايَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ هَذَا فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ رَهْنُنَا فِي دَارِهِمْ فَعَلَيْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.
٣٥٢٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ أَصَابُوهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ فَقَتَلَهُمْ مَلِكُهُمْ حِينَ قَتَلُوا الرَّهْنَ، أَوْ مَاتُوا حِينَ أَخَذَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ فَلِلْإِمَامِ أَلَّا يَرُدَّ رَهْنَهُمْ حَتَّى يُعْطُوهُمْ دِيَاتِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ مِنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَا تُمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ مَلِكِهِمْ، فَيَكُونُ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ كَفِعْلِ مَلِكِهِمْ بِنَفْسِهِ.
٣٥٢٨ - وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ، فَقَتَلُوهُ أَوْ مَاتَ، كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ
стр. 1683
رَهْنَهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا دِيَاتِ رَهْنِنَا، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ، وَإِنْ أَخَذُوا الْمَلِكَ فَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ نَدْفَعُهُ إلَيْكُمْ بِمَنْ قُتِلَ مِنْ رَهْنِكُمْ وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى الْحَظَّ فِي أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ دِيَاتِ الرَّهْنِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى الْحَظَّ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَلِكَ فَيَقْتُلَهُ، أَوْ يَجْعَلَهُ عَبْدًا لِوَرَثَةِ الرَّهْنِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ حِينَ قَتَلَ الرَّهْنَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أُعْطِيك دِيَاتِ أَصْحَابِك لِتَرُدَّ عَلَيَّ رَهْنِي فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَهْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى رِضَاءِ وَرَثَةِ الرَّهْنِ إنْ رَضُوا بِذَلِكَ. لِأَنَّ مُرَاعَاةَ جَانِبِ دَفْعِ الْوَهْنِ وَالذُّلِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْجَبُ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حَقِّهِمْ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَعْتَبِرَ فِيهِ رِضَاهُمْ، إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمْ.
٣٥٢٩ - فَإِنْ غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ رَهْنَهُمْ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْطِ، فَقَدْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَنْ يَغْرَمَ دِيَاتِهِمْ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْمُسْتَأْمَنَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حِينَ احْتَبَسُوا فِي دَارِنَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ عِنْدَنَا.
стр. 1684
قُلْنَا) : قَبْلَ أَنْ يَضَعَ الْإِمَامُ الْخَرَاجَ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، حَتَّى لَوْ أَرْضَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَإِنْ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَدْ تُمْكِنُ شُبْهَةٌ فِي هَذَا الْقَتْلِ، وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ وَذَلِكَ يَكْفِي لِإِسْقَاطِ الْقَوَدِ.
٣٥٣٠ - ثُمَّ الدِّيَاتُ تَكُونُ مَوْقُوفَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أَعْطَى الْمُشْرِكُونَ دِيَاتِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الْإِمَامُ، وَدَفَعَهَا إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ، وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ دِيَاتِ رَهْنِهِمْ. لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ، وَلَوْ رَدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا رَدُّوا دِيَاتِ رَهْنِنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَالًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ قَتْلِ رَهْنِهِمْ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ هُنَاكَ رَأْيًا فِي أَخْذِ الدِّيَاتِ، لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْوَهْنِ، بِأَنْ يَقْتُلُوا خِيَارَنَا وَأَشْرَافَنَا، ثُمَّ يَأْخُذُوا رَهْنَهُمْ وَيُعْطُونَا الدِّيَاتِ.
٣٥٣١ - فَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمْ الدِّيَاتِ، وَنُعْطِيكُمْ مَكَانَ كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلْنَاهُ مِنْكُمْ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي أَيْدِينَا، وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُمْ رَدُّوا بَدَلَ نُفُوسِ الْمَقْتُولِينَ، وَرَدُّوا مِثْلَ مَا قَتَلُوا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَ الْأُسَرَاءِ، وَيَدْفَعُ الدِّيَاتِ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ.
стр. 1685
وَإِنْ قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا أَسُرَاءُ مِنْكُمْ وَلَكِنَّا نُعْطِيكُمْ لِكُلِّ قَتِيلٍ مِنْ رَهْنِكُمْ دِيَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَ دِيَاتٍ، وَتَرُدُّونَ رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرَى فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ سَوَاءٌ رَضِيَ بِهِ وَرَثَةُ الرَّهْنِ، أَوْ لَمْ يَرْضَوْا. لِأَنَّ الْمَالَ وَإِنْ كَثُرَ لَا يَكُونُ مِثْلًا لِلْمُسْلِمِينَ فَرُبَّمَا يَكُونُ فِي هَذَا مَعْنَى التَّوْهِينِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ أَلَّا يَقْبَلَهُ.
٣٥٣٣ - فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا وَقَبِلَهُ سَلَّمَ الدِّيَاتِ كُلّهَا لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ. لِأَنَّهُ بَدَلُ نُفُوسِهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ سَالِمٌ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ قَلَّ ذَلِكَ، أَوْ كَثُرَ.
٣٥٣٤ - وَلَوْ قَالُوا لَا نُعْطِيكُمْ الدِّيَةَ، وَلَكِنْ نُعْطِيكُمْ مَكَانَ كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلْنَاهُ أَسِيرًا، أَوْ أَسِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَأَبَى أَوْلِيَاءُ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِت الْإِمَامُ إلَى إبَائِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَى النَّظَرَ فِي قَبُولِ ذَلِكَ أَخَذَ الْأُسَارَى فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَعَوَّضَ وَرَثَةَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ دِيَاتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ الْأُسَارَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا تَوَصَّلَ إلَى تَخْلِيصِ
следующие страницы →