← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَتَلَ قَتِيلًا خَطَأً فَإِنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ نَفْسِهِ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَهَذَا كَذَلِكَ. ٣٥٢٣ - وَإِنْ قَالُوا لِلْإِمَامِ: إنْ شِئْت أَعْطَيْنَاك دِيَاتِ أَصْحَابِك، وَإِنْ شِئْت أَعْطَيْنَاك الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَكُمْ، فَهَذَا إنْصَافٌ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَفَاءِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ. ٣٥٢٤ - ثُمَّ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَارَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الدِّيَاتِ دَفْعِهَا إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْقَاتِلِينَ كَانَ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي قَتْلِهِمْ، كَمَا بَيَّنَّا. وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ قَتْلُهُمْ بِعَفْوِ الْوَرَثَةِ إنْ عَفَوَا عَنْهُمْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلهُمْ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ، وَالْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْمُحَارِبِينَ غَيْرُ مُؤْثَرٍ. لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يُسْقِطُ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِلْعَافِي خَاصَّةً. ٣٥٢٥ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَتَلَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ رِجَالًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ مَنْ عِنْدَهُمْ بِأَمَانٍ فَهُوَ فِي أَيْدِيهمْ وَهُوَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ مَلِكِهِمْ فَحَالُهُمْ كَحَالِ أَهْلِ دَارِهِمْ.

стр. 1682

أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِنْ دَارِهِمْ إلَيْنَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ. ٣٥٢٦ - وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا دَارَهُمْ مُغِيرِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَقَتَلُوا الرَّهْنَ، فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ أَهْلُ دَارِ الْمُوَادَعَةِ وَدَفَعُوهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَأْخُذُونَ رَهْنَهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَفَاءِ بِالْمُوَادَعَةِ. وَإِنْ كَانُوا مَاتُوا، أَوْ قُتِلُوا فِي حَرْبِهِمْ، أَوْ أَخَذَهُمْ مَلِكُ الْمُوَادِعِينَ فَقَتَلَهُمْ بِمَا فَعَلُوا بِالرَّهْنِ، أَوْ هَرَبُوا، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ. لِأَنَّ الْقَاتِلِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادِعِينَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ بِجِنَايَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ هَذَا فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ رَهْنُنَا فِي دَارِهِمْ فَعَلَيْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ. ٣٥٢٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ أَصَابُوهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ فَقَتَلَهُمْ مَلِكُهُمْ حِينَ قَتَلُوا الرَّهْنَ، أَوْ مَاتُوا حِينَ أَخَذَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ فَلِلْإِمَامِ أَلَّا يَرُدَّ رَهْنَهُمْ حَتَّى يُعْطُوهُمْ دِيَاتِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ مِنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَا تُمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ مَلِكِهِمْ، فَيَكُونُ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ كَفِعْلِ مَلِكِهِمْ بِنَفْسِهِ. ٣٥٢٨ - وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ، فَقَتَلُوهُ أَوْ مَاتَ، كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ

стр. 1683

رَهْنَهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا دِيَاتِ رَهْنِنَا، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ، وَإِنْ أَخَذُوا الْمَلِكَ فَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ نَدْفَعُهُ إلَيْكُمْ بِمَنْ قُتِلَ مِنْ رَهْنِكُمْ وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى الْحَظَّ فِي أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ دِيَاتِ الرَّهْنِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى الْحَظَّ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَلِكَ فَيَقْتُلَهُ، أَوْ يَجْعَلَهُ عَبْدًا لِوَرَثَةِ الرَّهْنِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ حِينَ قَتَلَ الرَّهْنَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أُعْطِيك دِيَاتِ أَصْحَابِك لِتَرُدَّ عَلَيَّ رَهْنِي فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَهْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى رِضَاءِ وَرَثَةِ الرَّهْنِ إنْ رَضُوا بِذَلِكَ. لِأَنَّ مُرَاعَاةَ جَانِبِ دَفْعِ الْوَهْنِ وَالذُّلِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْجَبُ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حَقِّهِمْ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَعْتَبِرَ فِيهِ رِضَاهُمْ، إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمْ. ٣٥٢٩ - فَإِنْ غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ رَهْنَهُمْ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْطِ، فَقَدْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَنْ يَغْرَمَ دِيَاتِهِمْ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْمُسْتَأْمَنَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حِينَ احْتَبَسُوا فِي دَارِنَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ عِنْدَنَا.

стр. 1684

قُلْنَا) : قَبْلَ أَنْ يَضَعَ الْإِمَامُ الْخَرَاجَ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، حَتَّى لَوْ أَرْضَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَإِنْ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَدْ تُمْكِنُ شُبْهَةٌ فِي هَذَا الْقَتْلِ، وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ وَذَلِكَ يَكْفِي لِإِسْقَاطِ الْقَوَدِ. ٣٥٣٠ - ثُمَّ الدِّيَاتُ تَكُونُ مَوْقُوفَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أَعْطَى الْمُشْرِكُونَ دِيَاتِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الْإِمَامُ، وَدَفَعَهَا إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ، وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ دِيَاتِ رَهْنِهِمْ. لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ، وَلَوْ رَدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا رَدُّوا دِيَاتِ رَهْنِنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَالًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ قَتْلِ رَهْنِهِمْ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ هُنَاكَ رَأْيًا فِي أَخْذِ الدِّيَاتِ، لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْوَهْنِ، بِأَنْ يَقْتُلُوا خِيَارَنَا وَأَشْرَافَنَا، ثُمَّ يَأْخُذُوا رَهْنَهُمْ وَيُعْطُونَا الدِّيَاتِ. ٣٥٣١ - فَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمْ الدِّيَاتِ، وَنُعْطِيكُمْ مَكَانَ كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلْنَاهُ مِنْكُمْ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي أَيْدِينَا، وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُمْ رَدُّوا بَدَلَ نُفُوسِ الْمَقْتُولِينَ، وَرَدُّوا مِثْلَ مَا قَتَلُوا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَ الْأُسَرَاءِ، وَيَدْفَعُ الدِّيَاتِ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ.

стр. 1685

وَإِنْ قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا أَسُرَاءُ مِنْكُمْ وَلَكِنَّا نُعْطِيكُمْ لِكُلِّ قَتِيلٍ مِنْ رَهْنِكُمْ دِيَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَ دِيَاتٍ، وَتَرُدُّونَ رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرَى فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ سَوَاءٌ رَضِيَ بِهِ وَرَثَةُ الرَّهْنِ، أَوْ لَمْ يَرْضَوْا. لِأَنَّ الْمَالَ وَإِنْ كَثُرَ لَا يَكُونُ مِثْلًا لِلْمُسْلِمِينَ فَرُبَّمَا يَكُونُ فِي هَذَا مَعْنَى التَّوْهِينِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ أَلَّا يَقْبَلَهُ. ٣٥٣٣ - فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا وَقَبِلَهُ سَلَّمَ الدِّيَاتِ كُلّهَا لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ. لِأَنَّهُ بَدَلُ نُفُوسِهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ سَالِمٌ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ قَلَّ ذَلِكَ، أَوْ كَثُرَ. ٣٥٣٤ - وَلَوْ قَالُوا لَا نُعْطِيكُمْ الدِّيَةَ، وَلَكِنْ نُعْطِيكُمْ مَكَانَ كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلْنَاهُ أَسِيرًا، أَوْ أَسِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَأَبَى أَوْلِيَاءُ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِت الْإِمَامُ إلَى إبَائِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَى النَّظَرَ فِي قَبُولِ ذَلِكَ أَخَذَ الْأُسَارَى فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَعَوَّضَ وَرَثَةَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ دِيَاتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ الْأُسَارَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا تَوَصَّلَ إلَى تَخْلِيصِ

стр. 1686

الْأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ دَمِ الْمَقْتُولِينَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَرَثَتِهِمْ عِوَضَ ذَلِكَ، وَهُوَ دِيَاتُ الْمَقْتُولِينَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَادَى الْأُسَارَى بِعَبِيدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا قَسَّمَهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَإِنَّهُ يُعَوِّضُ الْمُلَّاكَ قِيمَتَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. ٣٥٣٥ - وَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُ وَرَثَةِ الرَّهْنِ بِهَذَا وَسَأَلُوا الْإِمَامَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَكَانَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ طَلَبَ وَرَثَةُ الرَّهْنِ دِيَاتِ رَهْنِهِمْ لَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا. لِأَنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِحَقِّهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَأَنَّهُمْ تَبَرَّعُوا بِمُفَادَاةِ الْأُسَارَى بِمَالِهِمْ فَلَا يَسْتَوْجِبُونَ الرُّجُوعَ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ. ٣٥٣٦ - وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْمِرْهُمْ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَبِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَا أَعْطَوْهُ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَوِّضَ وَرَثَةَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ دِيَاتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ حَقَّهُمْ إنَّمَا يَسْقُطُ إذَا رَضُوا بِذَلِكَ وَتَطَوَّعُوا بِحَقِّهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. ٣٥٣٧ - وَإِنْ لَمْ يُعْطِ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا بَعْدَ قَتْلِ رَهْنِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَذِّبَ رَهْنَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، كَمَا لَا يَقْتُلهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ فِينَا، وَلَكِنَّهُ يُخَلِّي

стр. 1687

عَنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِنَا، لَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى بِلَادِهِمْ. لِأَنَّهُمْ احْتَبَسُوا فِي دَارِنَا حِينَ احْتَبَسُوا رَهْنَنَا عِنْدَهُمْ. ٣٥٣٨ - فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ أَبَوْا جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً لِمَا بَيَّنَّا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَجِّلَ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي أَمْرِهِمْ سَنَةً، فَإِنْ أَرْضَوْنَا وَإِلَّا جَعَلْنَاهُمْ ذِمَّةً، وَوَضَعْنَا عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْخَرَاجَ. لِأَنَّ إرْضَاءَ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْلِمِينَ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ الَّذِي ذَكَرْنَا مَوْهُومٌ، وَبَعْدَ الْإِرْضَاءِ يَجِبُ رَدُّ رَهْنِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَلِهَذَا يَتَأَنَّى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، وَالْحَوْلُ حَسَنٌ لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ كَمَا فِي أَجَلِ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا أَطَالَ الْمُقَامَ فِي دَارِنَا، فَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ وَيَقُولُ إنْ أَقَمْت سَنَةً مِنْ يَوْمِك هَذَا جَعَلْتُك ذِمَّةً، ثُمَّ إنْ خَرَجَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ تَرَكَهُ، وَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ، وَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ حَالُ الرَّهْنِ. ٣٥٣٩ - فَإِنْ قَالُوا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ نَحْنُ نُرْضِيكُمْ بِإِعْطَاءِ الْأُسَارَى وَالدِّيَاتِ، فَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَرُدُّهُمْ بِالدِّيَاتِ بَعْدَ مَا صَارُوا ذِمَّةً لَنَا، وَبَعْدَ إعْطَاءِ الْأُسَارَى إنْ كَرِهَ الرَّهْنُ ذَلِكَ لَمْ يَرُدَّهُمْ، وَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُهُمْ بِذَلِكَ رَدَّهُمْ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِي مُفَادَاةِ الْأُسَرَاءِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.

стр. 1688

وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَسَرَ الْإِمَامُ الْقَوْمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَسَّمَهُمْ، ثُمَّ إنَّ مَوَالِيهِمْ أَعْتَقَهُمْ فَصَارُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ، ثُمَّ طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُفَادُونَا بِأُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ طِيبَةِ نَفْسِ الْمُعْتَقِينَ، فَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُهُمْ بِذَلِكَ فَعَلُوهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ، وَلَوْ قَالُوا: نُعْطِيكُمْ الدِّيَاتِ، وَنُعْطِيكُمْ مَنْ قَتَلَ الرَّهْنَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ بَعْدَ مَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْمَالِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، إنَّمَا الَّذِي يُرَخَّصُ فِيهِ إعَادَةُ الذِّمِّيِّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِيَكُونَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ فِيهِ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ فَقَطْ. ٣٥٤١ - فَلَوْ أَعْطَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ رَهْنًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَاهُمْ الْمُشْرِكُونَ رَهْنًا مِنْ جَوَاهِرَ، أَوْ ثِيَابٍ، ثُمَّ غَدَرُوا فَقَتَلُوا الرَّهْنَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُ رَهْنَهُمْ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَا يُعْطَى وَرَثَةَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَقَّهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى بَدَلِ نُفُوسِ الْمَقْتُولِينَ. وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَدَلِ نُفُوسِهِمْ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ مَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْإِمَامِ فِي دِيَارِنَا، فَيَجْعَلُهُ الْإِمَامُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ. ٣٥٤٢ - وَإِنْ خَافَ الْفَسَادَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ بَاعَهُ، وَوَقَفَ ثَمَنَهُ

стр. 1689

فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ نُعْطِيكُمْ الدِّيَاتِ وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الدِّيَاتُ مِثْلَ الرَّهْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ الْكُلَّ مَالٌ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، لِيَنْعَدِمَ بِهِ مَعْنَى الرَّهْنِ، ثُمَّ يَدْفَعُ الدِّيَاتِ إلَى وَرَثَةِ الرَّهْنِ. وَإِنْ كَانَتْ الدِّيَاتُ دُونَ رَهْنِهِمْ فِي الْمَالِيَّةِ مَنَعَهُمْ الْإِمَامُ ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَنْعِ. لِأَنَّ مَعْنَى الرَّهْنِ يَتَحَقَّقُ هَا هُنَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ قَتْلِهِمْ الرَّهْنَ، وَالْآخَرُ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطُونَ. ٣٥٤٣ - وَإِنْ قَالُوا: إنَّ الرَّهْنَ قُتِلُوا بِغَيْرِ رِضَاءٍ مِنَّا، فَنَحْنُ نُعْطِيكُمْ الْقَاتِلِينَ وَدِيَاتِ الْمَقْتُولِينَ، وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، أَوْ قَالُوا: اخْتَرْ إنْ شِئْت الْقَاتِلِينَ نَدْفَعُهُمْ إلَيْك، وَإِنْ شِئْت الدِّيَاتِ، فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ صَدَقُوا فِيمَا قَالُوا إنَّهُمْ قُتِلُوا بِغَيْرِ رِضَاءٍ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْبَى هَذَا عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ مَا عَرَضُوهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَخْتَارُ أَفْضَلَهُمَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَأْخُذُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ. ٣٥٤٤ - وَإِنْ كَانَ قُتِلَ بِرِضَاءٍ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فَلِلْإِمَامِ أَلَّا يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ رِضَاءَ الْجَمَاعَةِ بِذَلِكَ كَمُبَاشَرَتِهِمْ،

стр. 1690

وَفِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعْنَى الْوَهْنِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَصَارُوا ذِمَّةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ غُرْمٌ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ مُحَارِبُونَ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ قَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ ثُمَّ أَسْلَمُوا [، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً] سَوَاءً، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ كَانَ مَمْلُوكًا مُحْتَرَمًا لَهُمْ فِي أَيْدِينَا. ٣٥٤٥ - فَإِذَا أَسْلَمُوا وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» . وَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ الْخَوَارِجِ إذَا قَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، وَأَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ مَالًا مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرَ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَ الْخَوَارِجُ أَمْوَالَ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَهْلِكُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَقِفُونَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَتُوبَ الْخَوَارِجُ، فَإِذَا تَابُوا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا مِمَّا اسْتَهْلَكُوا، وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ أَهْلُ الدَّارِ بَعْدَ قَتْلِ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ وَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا، أَوْ سَبَوْهُمْ، كَانَ رَهْنُهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى تِلْكَ الدَّارِ. لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَتْ حُرْمَةُ نُفُوسِ الْمُلَّاكِ بِوُقُوعِ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عَيْنُ مَالٍ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي أَيْدِيهمْ، فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْغَانِمِينَ. ٣٥٤٦ - وَإِنْ اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَهْنَهُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ

стр. 1691

يُضَمِّنُهُ مِثْلَهُ، لِبَقَاءِ حُكْمِ الْأَمَانِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ فِي يَدِ الْإِمَامِ، ثُمَّ حُكْمُ الْمِثْلِ الْمَأْخُوذِ فِي (يَد الْإِمَام) هُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ؛ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا فِي هَذَا الْوَجْهِ مَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، فَإِنَّهُ لَا أَمَانَ لِلْخَوَارِجِ فِي ذَلِكَ مِنَّا، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ. فَأَمَّا وُجُوبُ رَدِّ الْعَيْنِ بِاعْتِبَارِ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ فَلِهَذَا قُلْنَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ قَائِمًا، وَلَا يَضْمَنُ الْمُسْتَهْلِكُ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا اسْتَهْلَكَهُ، بِخِلَافِ رَهْنِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، فَيَغْرَمُ الْمُسْتَهْلِكُ قِيمَتَهُ، وَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ إنْ أَسْلَمُوا. ٣٥٤٧ - وَإِذَا أَخَذُوا الرَّهْنَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْمُوَادَعَةِ وَاشْتَرَطُوا فِيهَا أَنَّ مَنْ غَدْرَ مِنْهُمْ فَدِمَاءُ رَهْنِهِمْ حَلَالٌ، ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْرِكُونَ أَيْدِي رَهْنِنَا، أَوْ فَقَئُوا أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: خُذُوا رَهْنَكُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَأَعْطَوْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي أَخْذِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَوْهِينٌ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأهُمْ الرَّهْنُ مِمَّا صَنَعُوا بِهِمْ، وَقَالُوا: خُذُونَا مِنْهُمْ، فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَوْهِينٌ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ مِنْهُمْ.

стр. 1692

لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا وَقَدْ سَلَّمَ إلَيْهِمْ قَوْمًا أَصِحَّاءَ فَلَهُ أَلَّا يَأْخُذَ مِنْهُمْ قَوْمًا عُمْيَانًا مَقْطُوعِينَ وَيُعْطِيَهُمْ رَهْنَهُمْ أَصِحَّاءَ. ٣٥٤٨ - وَإِنْ قَالَ الرَّهْنُ: الْحَقُّ حَقُّنَا وَنَحْنُ نَرْضَى بِذَلِكَ، فَخُذُونَا مِنْهُمْ، فَإِنَّا لَا نَأْمَنُ الْبَلَاءَ عَلَى أَنْفُسِنَا، لَمْ يَلْتَفِت الْإِمَامُ إلَى مَقَالَتِهِمْ. لِأَنَّ فِي هَذَا تَوْهِينًا لِلدِّينِ، وَخَدِيعَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ [وَازْدِرَاءً لَهُمْ] ، وَالضَّرَرُ فِي ذَلِكَ إلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَتْرُكُ الْإِمَامُ مُرَاعَاةَ هَذَا الْجَانِبِ بِقَوْلِ الرَّهْنِ. (أَرَأَيْت) لَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِآخِرِ الرَّمَقِ مُقَطَّعِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، فَقَالُوا: خُذُونَا مِنْهُمْ أَكَانَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ رَهْنَهُمْ أَصِحَّاءَ سَالِمِينَ وَيَأْخُذَ الْمُسْلِمِينَ بِآخِرِ رَمَقٍ لِمَا صَنَعُوا بِهِمْ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهِ أَحَدٌ. لِأَنَّهُ رِضَاءٌ بِالدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ نُعْطَى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا فَإِنَّ الذَّلِيلَ يُعْطَى مَا سُئِلَ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إذَا قَتَلُوا رَهْنَنَا ثُمَّ قَالَ وَرَثَتُهُمْ: قَدْ عَفَوْنَا عَنْهُمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، أَنْ يَرُدُّوهُمْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ وَرَثَةَ الْمَقْتُولِينَ يَقُومُونَ مَقَامَهُمْ، هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ الرَّهْنِ، وَلَا إلَى قَوْلِ وَرَثَتِهِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى تَوْهِينِ الدِّينِ، وَجُرْأَةِ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا سَأَلُوا تَوْهِينٌ لَلدِّينِ أَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَوْهِينُ الدِّينِ وَجُرْأَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ.

стр. 1693

أَلَا تَرَى) أَنَّ رَهْنَنَا لَوْ كَانُوا مِائَةً، فَقَتَلُوهُمْ كُلَّهُمْ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: خُذُونِي مِنْهُمْ، وَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَاتِلِيَّ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا، لَمْ يَلْتَفِتْ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى تَوْهِينِ الدِّينِ كَمَا بَيَّنَّا. ٣٥٤٩ - فَإِنْ كَانُوا حِينَ فَقَئُوا أَعْيُنَ الرَّهْنِ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نَرُدُّ عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ وَنُعْطِيكُمْ الدِّيَةَ فِيمَا صَنَعْنَا بِرَهْنِكُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَ الْإِمَامُ مِنْهُمْ هَذَا. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْهِينُ الدِّين، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ الرَّهْنَ وَيَرُدُّونَ عِوَضَ مَا أَتْلَفُوا مِنْهُمْ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ ذَلِكَ. ٣٥٥٠ - وَلَوْ قَتَلُوا بَعْضَ رَهْنِنَا وَبَقِيَ الْبَعْضُ كَانَ لِلْإِمَامِ أَلَّا يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا الْأَحْيَاءَ، وَيُخَيَّرُونَ فِي الْقَتْلَى بَيْنَ الدِّيَاتِ وَبَيْنَ دَفْعِ الْقَاتِلِينَ إلَيْهِ؛ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ. وَلَوْ أَنَّهُمْ ضَرَبُوا رَهْنَنَا، أَوْ شَجُّوهُمْ فَبَرِئُوا عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَبْقَ أَثَرُهُ فَقَالُوا لِلْإِمَامِ: أَخْرِجْنَا مِنْ أَيْدِيهمْ وَادْفَعْ إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَظْلُومَ قَدْ رَضِيَ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ لِحَقِّهِ، وَلَيْسَ فِي أَخْذِهِمْ وَرَدِّ الرَّهْنِ عَلَيْهِمْ مَعْنَى تَوْهِينِ الدِّينِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجِيبَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ. ٣٥٥١ - وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الرَّهْنُ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، بَعْدَ مَا بَرَّءُوا ذِمَّتَهُ فَقَالَ وَرَثَةُ الرَّهْنِ قَدْ تَرَكْنَاهُ لَهُمْ، فَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.

стр. 1694

لِأَنَّ الْوَرَثَةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ حَقِّهِ. ٣٥٥٢ - قَالَ: فَإِذَا أَعْطَوْا الرَّهْنَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْمُوَادَعَةِ، وَلَمْ يُعْطُوا مَعَ رَهْنِ الْمُشْرِكِينَ نَفَقَةً لَهُمْ، فَنَفَقَتُهُمْ مَا دَامُوا رَهْنًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْ أَعْجِبْ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْمَرْهُونِ تَكُونُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الرَّهْنُ بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ، فَكَيْفَ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي مَوْضِعٍ وُجِدَ فِيهِ الرَّهْنُ صُورَةً، فَكَيْفَ يَجِبُ نَفَقَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ فِي أَيْدِينَا، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ إقَامَتَهُمْ فِينَا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِجَابَةُ إلَى هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعَارِ فِي يَد الْمُسْتَعِيرِ، لَمَّا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لَهُ فِيهِ كَانَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ، فَالْمَنْفَعَةُ هُنَاكَ لِلرَّاهِنِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ دَيْنَهُ يَصِيرُ مَقْضِيًّا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، فَإِنْ قَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ يَلْتَزِمُ الْإِمَامُ رَهْنَهُمْ إلَى سَنَةٍ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا. لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَمْضِ السَّنَةُ فَالْحُكْمُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا فِيهِمْ بِأَمَانٍ بَاقٍ.

стр. 1695

فَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يُرْضُونَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةٌ، وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا. لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَمْضِ السَّنَةُ حَالُهُمْ كَحَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. ٣٥٥٣ - وَلَوْ لَمْ يَقْتُلُوا رَهْنَنَا، وَقَدْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ مُؤَقَّتَةً، فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَطَلَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ رَدَّ الرَّهْنِ فَأَبَوْا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ لِرَهْنِهِمْ: لَا أَرُدُّكُمْ إلَى بِلَادِكُمْ حَتَّى يَرُدَّ أَصْحَابُكُمْ إلَيَّ رَهْنِي، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ فِي ذَلِكَ حَوْلًا، فَاكْتُبُوا لَهُمْ فَإِنْ رَدُّوا رَهْنِي، وَإِلَّا جَعَلْتُكُمْ ذِمَّةً، وَيَكْتُبُ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ أَيْضًا تَحْقِيقًا لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا الرَّهْنَ حَتَّى مَضَى الْحَوْلُ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً، ثُمَّ إنْ عَرَضُوا رَدَّ الرَّهْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَالْفِقْهُ فِي هَذَا الْإِنْذَارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتْرُكَ الْمُشْرِكَ فِي دَارِنَا مُدَّةً مَدِيدَةً، لِيَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ مِنْ غَيْرِ ذُلِّ الْخَرَاجِ فَكَانَ التَّقْدِيمُ إلَيْهِمْ وَالتَّأْجِيلُ بِحَوْلٍ لِهَذَا الْمَعْنَى. ٣٥٥٤ - وَإِنْ أَعْطَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ رَهْنًا مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ جَوْهَرٍ، أَوْ لُؤْلُؤٍ، أَوْ عَبِيدٍ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ إنْ غَدَرُوا فَمَا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ غَدَرُوا، فَإِنَّ الْمَالَ لَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ

стр. 1696

يَكُونُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ لَهُمْ، إلَى أَنْ يُسْلِمُوا، أَوْ يُرْضُونَا فِي رَهْنِنَا بِمَا نَرْضَى بِهِ.؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ قَدْ ثَبَتَ بُطْلَانُهُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵌: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» . فَإِنَّ تَفْسِيرَ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُك بِمَالِك إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَالِك. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مَالٍ فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا أَحْرَى أَلَّا يَجُوزَ، وَهَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْلِيقِ سَبَبِ الْمِلْكِ بِالْخَطَرِ، وَأَسْبَابُ مِلْكِ الْأَعْيَانِ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالْخَطَرِ، فَإِذَا تَبَيَّنَّ بُطْلَانُ هَذَا الشَّرْطِ كَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءً، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1697

[بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْمُوَادَعَةِ وَغَيْرِهَا] ٣٥٥٥ - قَالَ: وَإِذَا تَوَادَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا بِذَلِكَ كِتَابًا؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَمْتَدُّ، وَالْكِتَابُ فِي مِثْلِهِ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَدْنَى دَرَجَاتِ مُوجِبِ الْأَمْرِ النَّدْبُ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . فَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا يَكُونُ مُمْتَدًّا يَكُونُ الْجُنَاحُ فِي تَرْكِ الْكِتَابِ فِيهِ. ٣٥٥٦ - ثُمَّ الْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، «فَإِنَّهُ صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ وَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُكْتَبَ بِذَلِكَ نُسْخَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا تَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَالْأُخْرَى عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ هُوَ الَّذِي

стр. 1698

يَكْتُبُ، فَلَمَّا كَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَا نَدْرِي مَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؟ اُكْتُبْ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ، ثُمَّ كَتَبَ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَوْ عَرَفْنَاك رَسُولَ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاك، أَوَ تَرْغَبُ عَنْ اسْمِ أَبِيك؟ اُكْتُبْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنْ يَمْحُوَ مَا كَتَبَ، فَأَبَى عَلِيٌّ ذَلِكَ حَتَّى مَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، بِيَدِهِ. وَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اُكْتُبْ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمْلَى عَلَيْهِ الْكِتَابَ إلَى آخِرِهِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ نُسْخَتَيْنِ» فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ. وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى نُسْخَةٍ تَكُونُ فِي يَدِهِ، حَتَّى إذَا نَازَعَهُ الْفَرِيقُ الْآخَرُ فِي شَرْطٍ رَجَعَ إلَى مَا فِي يَدِهِ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ، ثُمَّ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّوَثُّقُ وَالِاحْتِيَاطُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، وَيَتَحَرَّزُ فِيهِ مِنْ طَعْنِ كُلِّ طَاعِنٍ، إلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ يَكُونُ صَوَابًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ، ثُمَّ بَدَأَ الْكِتَابَ فَقَالَ: هَذَا مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ فُلَانٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُلَانٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، وَأَبُو زَيْدٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: فِي شُرُوطٍ الِاخْتِيَارُ عِنْدِي

стр. 1699

أَنْ يَكْتُبَ هَذَا كِتَابٌ فِيهِ ذِكْرُ مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ صَادِقًا حَقِيقَةً فَإِنَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْبَيَاضِ، وَالْبَيَاضُ لَا يَكُونُ مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ مَا اخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ مُوَافِقٌ لِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا رَوَيْنَا، وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُ حِينَ «أَمَرَ بِكِتَابٍ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ كَانَ صِفَتُهُ: هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ، رَسُولُ اللَّهِ، مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ» ، وَإِشَارَةُ الْكِتَابِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣] . وَالْمُرَادُ الْوَعْدُ لِلْأَبْرَارِ وَالْوَعِيدُ لِلْفُجَّارِ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ هَذَا كِتَابٌ فِيهِ ذِكْرُ مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ. ٣٥٥٧ - ثُمَّ قَالَ: تَوَادَعُوا كَذَا وَكَذَا سَنَةً، أَوَّلُهَا شَهْرُ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَآخِرُهَا شَهْرُ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا. وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِذِكْرِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ الَّذِي يَجْرِي حُرْمَةُ الْقِتَالِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَآخِرُهَا مُوجِبًا مَعْلُومًا وَذَلِكَ بِبَيَانِ التَّارِيخِ. وَإِنَّمَا اخْتَارَ لَفْظَ الْمُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسَالَمَةَ وَلَا مُصَالَحَةَ حَقِيقَةً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ الْمُعَاهَدَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ . ﴿إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] وَالْمُوَادَعَةُ هِيَ الْمُعَاهَدَةُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا بِالْفَرِيقَيْنِ حَاجَةٌ إلَى ذِكْرِهِ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنْ قَالَ ٣٥٥٨ - وَجَعَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ بِالْوَفَاءِ بِجَمِيعِ

стр. 1700

مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَهْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِيثَاقَهُ وَذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَذِمَّةَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَهَذَا اللَّفْظُ يَذْكُرُهُ فِي كُلِّ كِتَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَنَى عَلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ حَالُ الْخَلِيفَةِ فِي وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ الرُّومَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَعْظَمُ الْأَلْفَاظِ فِي بَابِ الْتِزَامِ الْعَهْدِ عِنْدَهُمْ هَذَا، فَلِهَذَا ذَكَرَهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَوَّزَ كِتَابَةَ هَذَا اللَّفْظِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ، وَلَكِنْ أَعْطَوْهُمْ ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ كَانَ أَهْوَنَ» . قُلْنَا. لَيْسَ مُرَادُ مُحَمَّدٍ ﵀ مِنْ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ إعْطَاءَ ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ الرَّسُولِ، فَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ تَأْكِيدُ الْمُوَادَعَةِ بِالْقَسَمِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ قَالَ: «وَأَشَدُّ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عَهْدٍ، أَوْ ذِمَّةٍ، أَوْ مِيثَاقٍ» . فَالْمُرَادُ مِمَّا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 1701

الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] . وَالْمُرَادُ الْإِلْزَامُ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَيَانَ وُجُوهِ الْغَدْرِ، فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَيْمَانِ عَلَيْهِ، اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا رَاعٍ كَفِيلٌ، وَالذِّمَّةُ مِنْهُ بَرِيئَةٌ فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُ الْقَسَمِ. تَمَّ خَتَمَ الْكِتَابَ بِذِكْرِ التَّارِيخِ، وَقَدْ بَيَّنَ التَّارِيخَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَذَلِكَ كَافٍ، إلَّا أَنَّهُ أَعَادَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ لِلتَّأْكِيدِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إلَّا حُرْمَةُ الْقِتَالِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ تَمَامِ الْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ، فَلَوْ اكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ رُبَّمَا يَدَّعِي أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مُضِيَّ مُدَّةٍ بَيْنَ أَوَّلِ الْكِتَابِ وَآخِرِهِ يُعَارِضُ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ، فَلِهَذَا خَتَمَ الْكِتَابَ بِذِكْرِ التَّارِيخِ أَيْضًا، وَالْأَصْلُ فِي التَّارِيخِ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ، إذَا كَتَبْتُمْ إلَيَّ فَاذْكُرُوا التَّارِيخَ فِي الْكِتَابِ. ثُمَّ جَمَعَ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَشَاوَرَهُمْ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّةِ التَّارِيخِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْعَلُ التَّارِيخُ مِنْ وَقْتِ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَعْضِ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْعَلُ التَّارِيخُ مِنْ حِينِ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُصِيبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «إنَّكُمْ لَنْ تُصَابُوا بِمِثْلِي» . فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا التَّارِيخَ مِنْ وَقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَإِنَّ ظُهُورَ أَعْلَامِ الدِّينِ كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَأَمْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ إنَّمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَجَعَلُوا التَّارِيخَ مِنْ وَقْتِ الْهِجْرَةِ لِهَذَا.

стр. 1702

فَإِنْ أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ عَلَى أَلَّا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مَنْ خَرَجَ مُسْلِمًا، كَتَبَ الْكَاتِبُ ذَلِكَ ذِكْرِ الْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَةِ فُلَانٍ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ مُسْلِمًا، أَوْ مُعَاهِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ رَدُّهُ عَلَى فُلَانٍ. وَهَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ يُنْكِرُونَ هَذَا الْحُكْمَ، فَبِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ يَعُدُّونَهُ غَدْرًا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ الْكِتَابَ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يَطْعَنُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الطَّاعِنِينَ. وَبَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ إنْ خَرَجَتْ امْرَأَةٌ ذَاتُ زَوْجٍ فَأَرَادَ زَوْجُهَا رَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ، لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] . إلَّا أَنَّ الرَّدَّ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الصُّلْحِ، الَّذِي جَرَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا انْتَسَخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِنُزُولِ الْآيَةِ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَدِّ مَا أَعْطَاهَا الزَّوْجُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] لِلْوَفَاءِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، فَأَمَّا الْمَشْرُوطُ الْآنَ لَا يُرَدُّ فَلَا يَجِبُ أَيْضًا رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا آتَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَشْرُوطًا أَيْضًا لَا يَجِبُ رَدُّ شَيْءٍ،

стр. 1703

لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ انْتَسَخَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ. ٣٥٦٠ - وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُمْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الْمُوَادِعِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ يَجِبُ مُرَاعَاةُ حُرْمَةِ مَالِهِمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ اسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِهِمْ لَا يَمْلِكُونَهَا، فَكَذَلِكَ الْمُرَاغَمُ مِنْهُمْ لَا يَعْتِقُ، وَلَكِنْ يُبَاعُ وَيُدْفَعُ ثَمَنُهُ إلَى مَوْلَاهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إنْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ. وَقَالَ: عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِهِمْ، إلَى فُلَانٍ الْمَلِكِ تَارِكًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ لِذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَى فُلَانٍ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ رَدُّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهَذَا شَرْطٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ. ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخْرِجَ إلَيْنَا مِنْهُمْ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُطَالِبُونَنَا بِالْمُنَاصَفَةِ، وَيَقُولُونَ: كَمَا لَا تَرُدُّونَ أَنْتُمْ فَنَحْنُ لَا نَرُدُّ، وَبَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْمُحَاجَّةُ. ٣٥٦١ - فَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ الرَّدِّ كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُمْ لِلْعَهْدِ، وَيَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. ثُمَّ ذَكَرَ وَثِيقَةَ الْمُوَادَعَةِ بِعِوَضٍ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا زَادَ فِيهَا ذِكْرَ الْبَدَلِ، وَالْحَاصِلُ فِيهِ ٣٥٦٢ - أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْلِمَ الْبَدَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فِيهِ مُنَازَعَةٌ فِي الثَّانِي، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكْتُبَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ فُلَانٌ الْمَلِكُ

стр. 1704

وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ إلَى فُلَانٍ الْخَلِيفَةِ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، خَرَاجًا مَعْلُومًا كَذَا وَكَذَا دِينَارًا شَامِيَّةً ثِقَالًا، وَكَذَا وَكَذَا رَأْسًا جِيَادًا وَمِنْ النِّسَاءِ الْبَوَالِغِ كَذَا، وَمِنْ الرِّجَالِ كَذَا، وَمِنْ الْوَصَائِفِ اللَّاتِي لَمْ يَبْلُغْنَ كَذَا، وَمِنْ الْوُصَفَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا كَذَا، عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ دُونَ أَحْرَارِهِمْ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ ثِيَابِ البزيون فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا ثَوْبًا جِيَادًا جُدُدًا طُولُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا كَذَا ذِرَاعًا، وَعَرْضُ كُلِّ ثَوْبٍ كَذَا، وَمِنْهَا كَذَا ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَمِنْهَا كَذَا أَبْيَضَ، وَمِنْهَا كَذَا أَصْفَرَ - وَعَلَى أَنْ يُؤَدُّوا فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا؟ بِرْذَوْنًا جِيَادًا فَرِهَةً؛ مِنْ الْجِذَاعِ كَذَا وَمِنْ الشَّبَابِ كَذَا - وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَلْتَزِمُونَهُ هَا هُنَا عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَمِثْلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، فَلِهَذَا اكْتَفَى فِيهِ بِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ، وَمِنْ الْأَوْصَافِ مَا يُمْكِنُ إعْلَامه مِنْ غَيْر حَرْج. ٣٥٦٣ - فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُؤَجَّلًا مُنَجَّمًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ فِي الْكِتَابِ عَدَدَ النُّجُومِ وَمُدَّةَ الْأَجَلِ، عَلَى مَا هُوَ الرَّسْمُ فِي بَابِ الْمُدَايَنَاتِ. ثُمَّ بَيَّنَ وَثِيقَةَ الْمُوَادَعَةِ لِلرُّسُلِ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَالْحَاصِلُ فِيهِ

стр. 1705

أَنَّ الرُّسُلَ آمِنُونَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْمِنُوا. بَيَانُهُ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ قَوْمٍ تَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّك رَسُولٌ لَأَمَرْت بِقَتْلِك» . وَمَا زَالَ الرُّسُلُ آمَنِينَ حَتَّى يُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. لِأَنَّ مَا هُوَ مَقْصُودُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الصُّلْحِ وَالْقِتَالِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالرُّسُلِ، وَمَا لَمْ يَكُونُوا آمَنِينَ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ عَلَى وَجْهِهَا، فَكَانُوا آمَنِينَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ٣٥٦٤ - وَلَكِنْ إنْ شَرَطَ لَهُمْ ذَلِكَ وَكَتَبَ بِهِ وَثِيقَةً فَهُوَ أَحْوَطُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الرُّسُلِ أُسَرَاءُ جَاءُوا بِهِمْ لِلْمُفَادَاةِ فَشَرَطُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوهُمْ إنْ لَمْ تَتَّفِقْ الْمُفَادَاةُ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكْتُبُوا بِهِ وَثِيقَةً. لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِمْ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ تَمَكُّنِنَا مِنْ الِانْتِزَاعِ مِنْ أَيْدِيهِمْ. ٣٥٦٥ - وَمَا يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ شَرْعًا لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْعَهْدِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلْيَنْقُضُوا هَذَا الْعَهْدَ، وَلْيَأْخُذُوا مِنْهُمْ الْأُسَرَاءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ احْتَاجُوا إلَى قِتَالٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَحْتَاجُوا. لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَقَدْ قَالَ ﵌: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» . وَقَالَ: «رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إلَى السُّنَّةِ» إلَّا أَنَّ الْأُسَرَاءَ إنْ كَانُوا عَبِيدًا فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبِيعُوهُمْ، وَيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ

стр. 1706

لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ وَقَدْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي مَالِيَّتِهِمْ، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَذَلِكَ فِي رَدِّ الْمَالِيَّةِ عَلَيْهِمْ، بِطَرِيقِ الْبَيْعِ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ عَلَيْهِمْ ٣٥٦٦ - فَإِنْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ الْمَلِكِ دَخَلْت بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّسَالَةِ، أَوْ أَخْرَجَ كِتَابَ الْمَلِكِ مَعَهُ إلَى الْخَلِيفَةِ فَهُوَ آمِنٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ مِنْ الْوُقُوفِ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَجِبُ الْعَمَلُ فِيهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ. وَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى وَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ رَسُولٌ، وَتَحْكِيمُ الْعَلَامَةِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَسُولٌ فَهُوَ فَيْءٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَهَذَا قَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ حَقُّ الْأَخْذِ، وَهُوَ بِمَا يَدَّعِي يُرِيدُ إبْطَالَ الْحَقِّ الثَّابِتِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ. ٣٥٦٧ - فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّسَالَةِ فَمَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ بِمَنْزِلَةِ النَّفِيرِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ

стр. 1707

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا أَمَرَ الْعُشَارَ بِأَخْذِ رُبْعِ الْعُشْرِ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ وَنِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَالَ: كَمْ يَأْخُذُ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ تُجَّارِنَا قَالُوا: الْعُشْرَ، قَالَ: فَخُذُوا مِنْهُمْ الْعُشْرَ. ٣٥٦٨ - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَمْ يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا فَنَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ الْعُشْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَكَمَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ٣٥٦٩ - فَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا شَيْئًا لَمْ نَأْخُذْ مِنْ تُجَّارِهِمْ أَيْضًا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ. ٣٥٧٠ - فَإِنْ شَرَطُوا فِي أَمَانِ الرُّسُلِ أَلَّا يَأْخُذَ عَاشِرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَإِنْ كَانُوا يُعَامِلُونَ رُسُلَنَا بِمِثْلِ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرِطُوا لَهُمْ هَذَا وَيُوفُوا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. ٣٥٧١ - وَإِنْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ لِرُسُلِنَا مِثْلَ هَذَا ثُمَّ لَا يُوفُونَ بِهِ فَيَنْبَغِي لَنَا أَلَّا نَقْبَلَ هَذَا الشَّرْطَ لِرُسُلِهِمْ، فَإِنْ قَبِلْنَاهُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ

стр. 1708

لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي غَدْرِ الْأَمَانِ وَمَا يَفْعَلُونَهُ بِرُسُلِنَا بَعْدَ الشَّرْطِ غَدْرٌ مِنْهُمْ، وَبِغَدْرِهِمْ لَا يُبَاحُ لَنَا أَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَتَلُوا رَهْنَنَا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ رَهْنَهُمْ، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا. ٣٥٧٢ - فَإِنْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الثُّلُثُ مِمَّا فِي الْحِصْنِ، وَلَهُمْ الثُّلُثَانِ سِوَى بَنِي آدَمَ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ عَلَى بَدَلٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ جَائِزٌ، فَكَذَلِكَ عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ مَالٍ مَعْلُومٍ، بِبَيَانِ مَحَلِّهِ، وَهُوَ مَا فِي الْحِصْنِ وَمَا يُحْرَزُ ٣٥٧٣ -، فَإِذَا فَتَحُوا الْحِصْنَ عَلَى ذَلِكَ صَارَ الثُّلُثُ مِمَّا فِيهِ مُشَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّمَ مَا فِي الْحِصْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ، فَيُجَزِّئُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ. وَالْحَاصِلُ فِيهِ أَنَّ الْقِسْمَةَ تُبْتَنَى عَلَى التَّسْوِيَةِ، قَالَ ﵌: «خَيْرُ أُمَرَاءِ السَّرَايَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، أَقْسَمُهُ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُهُ فِي الرَّعِيَّةِ» . فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِيَّةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِقِسْمَةِ الْعَيْنِ فَهُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، إمَّا لِقِلَّتِهِ أَوْ لِاخْتِلَافِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَوَّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يَقُولَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ الْحِصْنِ: إنْ شِئْتُمْ فَخُذُوهُ وَأَعْطَوْنَا ثُلُثَ قِيمَتِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخَذْنَا ذَلِكَ وَأَعْطَيْنَاكُمْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ،

стр. 1709

وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كَانَ يَخْرُصُ النَّخِيلَ بِخَيْبَرَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ كَانَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ: إنْ شِئْتُمْ أَخَذْتُمْ وَلَنَا عِنْدَكُمْ الشَّطْرُ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخَذْنَا وَلَكُمْ عِنْدَنَا الشَّطْرُ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَيْ بِالْعَدْلِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قِسْمَةٌ بِالْعَدْلِ، ثُمَّ بَعْدَ قِسْمَةِ الْعَيْنِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُسْهِمَ عَلَى الْأَجْزَاءِ، هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ» . وَكَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَصَارَ هَذَا أَصْلًا أَنَّ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِغَيْرِ إقْرَاعٍ فَالْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْرِعَ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ، وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ اعْتَبَرَ الْمُعَادَلَةَ بَيْنَ الْأَعْيَانِ بِالتَّقْوِيمِ فَذَلِكَ حَسَنٌ أَيْضًا. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَانِبٍ بِرْذَوْنًا وَمِنْ جَانِبٍ لُؤْلُؤَةً فَيَجْعَلَ مَعَ الْبِرْذَوْنِ مِنْ الْمَتَاعِ مَا يُسَاوِي اللُّؤْلُؤَةَ، أَوْ مَعَ اللُّؤْلُؤَةِ مِنْ الْمَتَاعِ مَا يُسَاوِي الْبِرْذَوْنَ، إنْ كَانَ أَفْضَلَ، فَيَسْتَوِي الْأَجْزَاءُ الثَّلَاثَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، فَالْجُزْءُ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ يَأْخُذُهُ وَيُسَلِّمُ لَهُمْ مَا بَقِيَ، وَإِنْ شَرَطَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُعَادَلَةَ

стр. 1710

فَذَلِكَ جَائِزٌ بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ. فَأَمَّا بِدُونِ التَّرَاضِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ قِسْمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَالتَّرَاضِي مُعْتَبَرٌ فِي الْبَيْعِ. ٣٥٧٤ - وَإِنْ كَانُوا شَرَطُوا فِي الصُّلْحِ لِلْمُسْلِمِينَ ثُلُثَ مَا فِي الْحِصْنِ، لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْحِصْنِ غَيْرُ الْحِصْنِ، وَالْمَنَازِلُ وَالدُّورُ مِنْ الْحِصْنِ لَا مِمَّا فِي الْحِصْنِ ٣٥٧٥ - ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ مِمَّا فِي الْحِصْنِ عَلَى الثُّلُثِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مِمَّا فِي الْحِصْنِ أَنْفُسَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَقَدْ يَتَنَاوَلُهُمْ الْأَمَانُ، فَلَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَمَلَّكَ مِنْ رِقَابِهِمْ الثُّلُثَ بَعْدَ مَا تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ؛ وَلِأَنَّ صِفَةَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ لَا تَجْتَمِعُ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، لِمَا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مِنْ التَّضَادِّ. ٣٥٧٦ - وَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا الصُّلْحَ عَلَى ثُلُثِ السَّبْيِ مِمَّا فِي الْحِصْنِ، فَلْيُصَالَحُوا عَلَى ذَلِكَ مَقْسُومًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْزَلَ الثُّلُثُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْأَمَانِ، ثُمَّ يَقُولُوا نُصَالِحُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَعَلَى ثُلُثِ مَا فِي الْحِصْنِ، سِوَى السَّبْيِ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ. لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَتَنَاوَلُ السَّبْيَ لِمَا جَعَلُوا بَدَلًا فِي الصُّلْحِ. ٣٥٧٧ - وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى ثُلُثِ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ

стр. 1711

دُونَ أَحْرَارهمْ فَهُوَ جَائِزٌ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ سِوَى السَّبْيِ وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانُوا يُعْطُونَ الْمِائَةَ الرَّأْسِ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا آمَنِينَ بِالصُّلْحِ، وَبِالْأَمَانِ تَتَأَكَّدُ حُرِّيَّتُهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ، وَلَا وَجْهَ لِتَمَلُّكِهِمْ بَعْدَ هَذَا بِالْأَخْذِ عَلَى وَجْهِ بَدَلِ الصُّلْحِ. ٣٥٧٨ - فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ السَّبْيِ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ شَيْئًا لِأَنَّ الْأَمَانَ يَتَنَاوَلُ بَعْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالْأَمَانُ لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْبَعْضِ ثَبَتَ فِي الْكُلِّ. ٣٥٧٩ - فَلَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ حَتَّى يَعُودُوا إلَى مَنْعَتِهِمْ فِي حِصْنِهِمْ، ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ قَبْلَ النَّبْذِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ النَّبْذُ إلَّا بَعْدَ إعَادَتِهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْعِزِّ وَالْمَنْعَةِ، وَكُلُّ هَذَا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. ٣٥٨٠ - وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى ثُلُثِ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ السَّبْيِ

стр. 1712

وَغَيْرِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِأَلَّا يَعْرِضُوا لِلسَّبْيِ، وَيَأْخُذُوا الثُّلُثَ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ تَجْمَعُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا وَمَا لَا يَصْلُحُ، وَالْحُكْمُ فِي مِثْلِهِ ثُبُوتُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا دُونَ مَا لَا يَصْلُحُ ٣٥٨١ - فَإِنْ قَالُوا لَا نَرْضَى بِهَذَا فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا شَيْئًا مِمَّا فِي الْحِصْنِ مِنْ مَالٍ أَوْ سَبْيٍ، بَلْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ حَتَّى يَعُودُوا إلَى مَنْعَتِهِمْ، كَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنْبَذُ إلَيْهِمْ، وَإِنْ قَالُوا نَأْخُذُ الثُّلُثَ سِوَى السَّبْيِ، ثُمَّ نَنْبِذُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا الْمَالَ تَقَرَّرَ بِهِ أَمَانُهُمْ، فَلَا يَجُوزُ النَّبْذُ إلَيْهِمْ بِدُونِ رَدِّ الْمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَيْفَ يَكْتُبُ الْوَثِيقَةَ فِي ذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَثِيقَةَ إنَّمَا تُكْتَبُ لِلِاحْتِيَاطِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، وَهِيَ حِكَايَةُ مَا جَرَى، فَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ وَيُبَيِّنَ مَا جَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ، وَبَعْدَ هَذَا الصُّلْحِ إنَّمَا يُسَلِّمُ لَهُمْ حِصَّتَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ فِي الْحِصْنِ، لَمْ يُحْرِزْهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْعَسْكَرِ، فَأَمَّا مَا أَحْرَزُوهُ قَبْلَ هَذَا فَهُوَ سَالِمٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي الْحِصْنِ حِينَ وَقَعَ الصُّلْحُ. ٣٥٨٢ - وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرَّقِيقِ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ مِنْ نِسَائِنَا

стр. 1713

وَذَرَارِيّنَا، قَدْ تَنَاوَلَهُمْ الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ فَلَنَا مِنْهُمْ الثُّلُثُ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِالْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، وَلِأَنَّ الْيَدَ لَهُمْ فِيمَا فِي حِصْنِهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِحَالِ مَا فِي الْحِصْنِ ٣٥٨٣ - فَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بَيِّنَةً عَلَى رِقِّ أُولَئِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخُصُومِ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ تَقُومُ عَلَيْهِمْ، فَلِهَذَا قُبِلَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُمْ أَرِقَّاءُ لِهَذَا الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: لَيْسُوا بِأَرِقَّائِي وَلَكِنَّهُمْ أَحْرَارٌ فَقَدْ عَتَقُوا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَمْلُوكٌ لَهُ بِزَعْمِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْفُذُ إقْرَارُهُ فِيهِمْ بِالْحُرِّيَّةِ. ٣٥٨٤ - ثُمَّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا لِأَنَّ الثُّلُثَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيْءٌ غَيْرُ مُحْرَزٍ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا تُضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ كَائِنًا مَنْ كَانَ الْمُسْتَهْلِكُ لَهَا ٣٥٨٥ -. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هُمْ أَرِقَّائِي وَقَدْ أَعْتَقْتهمْ إلَّا أَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ الْخِيَارَ إنْ شَاءُوا رَضُوا بِأَخْذِ الثُّلُثِ

стр. 1714

مِمَّا سِوَى هَؤُلَاءِ وَإِتْمَامِ الصُّلْحِ، وَإِنْ شَاءُوا أَبَوْا ذَلِكَ، وَخَرَجُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُمْ جَمِيعُ الْمَشْرُوطِ. ٣٥٨٦ - فَإِنْ أَرَادُوا الرَّدَّ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: نَحْنُ نُعْطِيكُمْ قِيمَةَ ذَلِكَ الثُّلُثِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفُوا لَهُمْ بِصُلْحِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ خَلْفٌ عَنْ الْعَيْنِ، وَتَسْلِيمُهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ كَتَسْلِيمِ الْعَيْنِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ. ٣٥٨٧ - وَمَا يَخُصُّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَقِيقِ أَهْلِ الْحِصْنِ مِنْ الرِّجَالِ إذَا أَرَادَ الْأَمِيرُ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأُسَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَجْرِ فِيهِمْ الْقِسْمَةُ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ جَرَى فِيهِمْ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحِصْنِ. وَلِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَأْخُذُونَ هَؤُلَاءِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ، فَبِنَفْسِ الْوُصُولِ إلَى الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفِيدُونَ الْأَمْنَ مِنْ الْقَتْلِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ الْإِمَامُ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. ٣٥٨٨ - وَإِنْ طَلَبَ أَهْلُ الْحِصْنِ الصُّلْحَ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، عَلَى أَنْ يُخَلِّيَهُمْ مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا بِهِمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَمَعَ الْعِوَضِ أَوْلَى، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَيْفَ يَكْتُبُ وَثِيقَةَ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، وَهُوَ قِيَاسُ

стр. 1715

مَا سَبَقَ، إنَّمَا يَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْوَثِيقَةِ إلَى كِتَابَةِ هَذَا الشَّرْطِ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ وَثِيقَةٍ فِيهَا مَقْصُودٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ ابْتِدَاءً عَلَى أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَشْيَاءِ، يَعْنِي عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَلْقَوْهُ مِنْ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ مَا يُرِيدُونَ إلْقَاءَهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ زِيَادَةِ مَا يُرِيدُونَ زِيَادَتَهُ، وَلَعَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَقْبَلُونَ إلَّا الْأَشَدَّ، فَلِهَذَا يَكْتُبُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ قَبِلُوا الْيَسِيرَ مِنْهُ أَلْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ مَا أَحَبُّوا. قَالَ: وَأَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوا الْمُشْرِكِينَ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، لِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، قَالَ: «فَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعْطَوْهُمْ ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ، فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِمَّةَ رَسُولِهِ» ، إلَّا أَنَّ بِآخِرِ الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِحُرْمَةِ هَذَا الشَّرْطِ شَرْعًا، بَلْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ بِهِ، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، بَلْ النَّهْيُ لِتَوَهُّمِ الْخُلْفِ. ٣٥٨٩ -

стр. 1716

فَإِذَا أَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرْضَوْا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، ثُمَّ يَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى النَّقْضِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ، عَلَى مَا قَالَ ﵌: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . ٣٥٩٠ - وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: تُؤَمِّنُونَ مِنَّا كَذَا وَكَذَا إنْسَانًا، بِمَا لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ، يَخْتَارُهُمْ الْبِطْرِيقُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَفِيمَا يُبْنَى عَلَى الضِّيقِ يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، كَالْبَيْعِ فَفِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ أَوْلَى، ثُمَّ بَيَّنَ وَثِيقَةَ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ كَيْفَ تُكْتَبُ فَقَالَ فِيمَا بَيَّنَ. ٣٥٩١ - عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ فُلَانٍ الْبِطْرِيقِ، فَإِنْ اتَّهَمَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَحْلَفُوهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى ﵇، وَجَعَلَهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَجَعَلَهُ وَأُمَّهُ آيَةً لِلْعَالَمَيْنِ.

стр. 1717

أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزْدَدْ شَيْئًا، وَلَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا سِوَى الْمَشْرُوطِ؛ أَمَّا الِاسْتِحْلَافُ فَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَا يُعَيِّنُ، وَالْمُتَّهَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا شَرْعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ أَمِينًا شَرْعًا، ثُمَّ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا غَلَّظَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَلَا وَجْهَ لِلتَّغْلِيظِ بِالِاسْتِحْلَافِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَلِّظَ فِي الِاسْتِحْلَافِ بِاَللَّهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَيَكْتُبَ ذَلِكَ فِي الْوَثِيقَةِ، حَتَّى لَا يُنْسَبَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْغَدْرِ، إذَا عَرَضُوا عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَإِنْ فَتَحُوا الْحِصْنَ عَلَى هَذَا ثُمَّ قَالَ الْبِطْرِيقُ: أَنَا لَا أَخْتَارُ أَحَدًا مِنْهُمْ، أَوْ لَا أُوثِرَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ، أَوْ مَاتَ الْبِطْرِيقُ، أَوْ هَرَبَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ تَنَاوَلَ بَعْضَهُمْ بِيَقِينٍ، وَلَا يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى اخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمِنِ لَمْ يَحِلَّ التَّعَرُّضُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، لِاجْتِمَاعِ مَعْنَى الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَغْلِبُ الْحَظْرُ ٣٥٩٢ -. وَإِنْ حَضَرَ الْبِطْرِيقُ فَإِنْ اخْتَارَ مِنْ الْمَتَاعِ شَيْئًا كَثِيرًا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إنْ اتَّهَمَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَصِفَةُ الْيَمِينِ كَمَا شُرِطَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵌ «الشَّرْطُ

стр. 1718

أَمْلَكُ» . ثُمَّ إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ مِمَّنْ يُعَيِّنُهُمْ الْبِطْرِيقُ مَعَ أَمْوَالِهِمْ فَالْمَالُ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَوِّلٍ مُبْتَذَلٍ يُتَمَلَّكُ، وَذَلِكَ مَا يُدَّخَرُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْمَالَ الْمُعَيَّنَ وَهَذَا يَكُونُ عَلَى جِنْسِ النُّقُودِ، الْمَضْرُوبُ وَالْمَصُوغُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إلَّا مَا يَكُونُ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، فَإِنَّ التَّمْوِيهَ لَوْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا عَيْنُهُمَا، وَهُوَ مُسْتَهْلَكٌ لَا يَتَخَلَّصُ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ حُكْمَ الرِّبَا، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطُوا الْمَالَ الصَّامِتَ فَهُوَ وَاشْتِرَاطُ الْمَالِ الْعَيْنِ سَوَاءٌ. وَهَذَا بِخِلَافِ حُكْمِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ فَاسْمُ الْمَالِ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّدَقَةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَالَ الزَّكَاةِ، يَعْنِي إذَا قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ، وَذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ أَخَذْنَا بِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إيجَابِ الصَّدَقَةِ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي الْأَمَانِ فَيُؤْخَذُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مُتَمَوِّلٍ صِفَتُهُ مَا ذَكَرْنَا. ٣٥٩٣ - قَالَ: وَإِنْ كَانُوا اشْتَرَطُوا الْمَتَاعَ، وَالْمَتَاعُ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي، فَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْمَتَاعِ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ

стр. 1719

لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ، فَلَا يَكُونُ الْمَتَاعُ إلَّا أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالسَّرِيرُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَتَاعِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فَأَمَّا الْجَوَاهِرُ وَاللَّآلِئُ فَلَيْسَ بِمَتَاعٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحُلِيِّ، وَالْحُلِيُّ غَيْرُ الْمَتَاعِ. وَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَسْلِحَةِ فَهُوَ مِنْ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ أَخَصُّ مِنْ اسْمِ الْمَتَاعِ، فَإِنَّ اسْمَ السِّلَاحِ لَيْسَ بِاسْمِ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّ التَّسْمِيَةَ بِهِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْخَاتَمُ لَيْسَ مِنْ الْمَتَاعِ. لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحُلِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ خَاتَمُ الْفِضَّةِ لَيْسَ مِنْ الْحُلِيِّ؟ قُلْنَا: مُرَادُهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ يَحِلُّ لِلذُّكُورِ لُبْسُهُ، فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحُلِيِّ، كَمَا يَتَنَاوَلُ خَاتَمَ الذَّهَبِ، وَاسْمُ الْحُلِيِّ اسْمُ الْعَيْنِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ اسْمِ الْمَتَاعِ، وَكُلُّ مَا تَنَاوَلَهُ هَذَا الِاسْمُ يَكُون دَاخِلًا فِي اسْمِ الْمَتَاعِ. ٣٥٩٤ - وَإِنْ كَانُوا شَرَطُوا السِّلَاحَ فَالسِّلَاحُ كُلُّ مَا يُقَاتَلُ بِهِ؛ السَّيْفُ وَالْبَيْضَةُ وَالدِّرْعُ وَالتُّرْسُ وَالْقَوْسُ وَالنُّشَّابُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ السِّلَاحِ، فَأَمَّا السِّكِّينُ فَهُوَ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِي الْحَوَائِجِ سِوَى الْقِتَالِ

стр. 1720

فَأَمَّا الْخَنْجَرُ وَالنَّيْزَكُ فَهُوَ مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إلَّا فِي الْقِتَالِ ٣٥٩٥ -. وَالْجِبَابُ وَالْأَقْبِيَةُ الْمَحْشُوَّةُ وَأَقْبِيَةُ اللُّبُودِ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْحَرْبِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ السِّلَاحِ بِمَنْزِلَةِ الخفتانات. وَكَذَلِكَ أَقْبِيَةُ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُلْبَسُ إلَّا فِي الْحَرْبِ وَالْأَعْلَامُ وَالطَّرَّادَاتُ وَالْجَوَاشِنِ مِنْ السِّلَاحِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عُرْفُ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِيمَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْمِ، أَصْلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: إنَّ صَاحِبًا لَنَا أَوْجَبَ بَدَنَةً، أَفَتُجْزِئُهُ الْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: مِمَّ صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ: مِنْ بَنِي رَبَاحٍ. فَقَالَ: وَمَتَى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحٍ الْبَقَرَةَ؟ إنَّمَا وَهِمَ صَاحِبُكُمْ، الْإِبِلَ. ٣٥٩٦ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا الْكُرَاعَ مَعَ السِّلَاحِ فَالْكُرَاعُ اسْمُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَلَيْسَ مِنْ الْكُرَاعِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَهَا الْأَنْعَامُ. وَقَالَ : ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] . وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْكُرَاعَ مَا يَكُونُ لِمَنْفَعَةِ الرُّكُوبِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ
следующие страницы →