Полный текст (2 212 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. أَيْ كَانُوا عَدَدًا قَلِيلًا لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ دَفْعِ جَلَبَةِ الْعَدُوِّ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِ الذَّرَارِيِّ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ. فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا النِّسَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يُضَيِّعُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ، وَيَأْمَنُونَ الضَّيَاعَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الصَّائِفَةِ وَالسَّرِيَّةِ. إلَّا أَنَّ هُنَاكَ كُرِهَ إخْرَاجُ النِّسَاءِ مَعَ الْجَيْشِ الْعَظِيمِ لِلْمُبَاضَعَةِ، وَلَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الثَّغْرِ إذَا كَثُرَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ لَا يَطُولُ مُقَامُهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى النِّسَاءِ مُدَّةَ مُقَامِهِمْ فِي الظَّاهِرِ. فَأَمَّا أَهْلُ الثُّغُورِ يَطُولُ مُقَامَهُمْ فِي الثَّغْرِ، بَلْ يُؤْمَرُونَ بِأَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْهَا. وَإِذَا كَانُوا عُزَّابًا ضَجِرُوا بِالْمُقَامِ فِيهَا، فَلِهَذَا لَمْ يَرَ بَأْسًا بِأَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيِّ.
٢٥٧ - فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الثَّغْرِ: لَا نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَدُوِّ بِأَنْفُسِنَا إنْ أَتَانَا وَلَكِنْ نَسْتَغِيثُ بِالْمُسْلِمِينَ فَيَأْتِينَا الْغِيَاثُ مِنْهُمْ فَنَدْفَعُ بِهِمْ الْعَدُوَّ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ لَا يَقْوَوْنَ عَلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلُحُوقُ الْغَوْثُ بِهِمْ لِلدَّفْعِ مَوْهُومٌ. وَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الْمَوْهُومِ خُصُوصًا فِيمَا يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهِ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ أَوْ عَصَبِيَّةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَشْتَغِلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا عَلَى إغَاثَةِ تِلْكَ الثُّغُورِ، فَيَضِيعُ مَنْ
стр. 212
فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ. فَلِهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ الْبِنَاءُ عَلَى الْغَوْثِ. وَإِنَّمَا يَبْنُونَ ذَلِكَ عَلَى شَوْكَةِ أَنْفُسِهِمْ.
- وَذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا» . وَبِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: إذَا تَرَكَ الْغَازِي دَابَّتَهُ فِي هَزِيمَةِ فَأَخَذَهَا مُسْلِمٌ آخَرُ وَأَخْرَجَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَهَا مُعْرِضًا عَنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَالِكًا لَهَا لِكَوْنِهِ مُحْرِزًا لَهَا بِيَدِهِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الْتَحَقَتْ بِالصَّيُودِ، فَهِيَ لِمَنْ أَخَذَهَا وَأَحْيَاهَا. وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا تَسْيِيبُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نَفَاهُ الشَّرْعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ.﴾ [المائدة: ١٠٣] الْآيَةَ) .
وَلَيْسَ التَّسْيِيبُ فِي الدَّوَابِّ نَظِيرَ الْإِعْتَاقِ فِي الْعَبِيدِ. فَبِالْإِعْتَاقِ تَحْدُثُ فِيهِ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ فَتَنْتَفِي الْمَمْلُوكِيَّةُ. وَبِالتَّسْيِيبِ لَا تُحْذَفُ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الدَّوَابِّ. وَإِذَا بَقِيَتْ مَمْلُوكَةً كَانَتْ لِصَاحِبِهَا. وَحُرْمَةُ الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ الْمَالِكِ (٥٧ ب) فَلَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ بِالْأَخْذِ.
٢٥٩ - وَذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَأْخُذُهَا صَاحِبُهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى الَّذِي أَحْيَاهَا إنْ كَانَ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَهَمٌّ. فَالشَّعْبِيُّ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ، وَمَا كَانَ يُفْتِي بِخِلَافِ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 213
ثُمَّ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّاذِّ لَا يَكُونُ مَعْمُولًا بِهِ. إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ فَكَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْمُقَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ» أَوْلَى. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ يَقُولُ: يَأْخُذُهَا صَاحِبُهَا وَيَرُدُّ عَلَى الْمُنْفِقِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ إنْ كَانَ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَبِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ نَأْخُذُ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ هَذِهِ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ. فَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: دَلَالَةُ الْإِذْنِ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ صَاحِبِهَا مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ. لِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ رَاضِيًا بِأَنْ يَنْفُقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ. وَدَلَالَةُ الْإِذْنِ كَصَرِيحِ الْإِذْنِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الِاسْتِعَانَةُ وَالرِّضَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِمَا يُنْفِقُ. وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِيجَابِ الدَّيْنِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُودِعِ يُنْفِقُ عَلَى الْوَدِيعَةِ فِي حَالِ غَيْبَةِ صَاحِبهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهَا بِمَا أَنْفَقَ لِهَذَا الْمَعْنَى، كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 214
[بَابٌ صَاحِبُ السَّاقَةِ إذَا وَجَدَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ رَجُلًا مَعَ دَابَّتِهِ]
٢٦٠ - وَإِذَا جَعَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ عَلَى السَّاقَةِ رَجُلًا يَلْحَقُ مَنْ تَخَلَّفَ بِالْمُعَسْكَرِ فَهُوَ حَسَنٌ فِي دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ وَالِانْصِرَافِ مِنْهَا. لِأَنَّ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَاَلَّذِي يَغْلِبُهُ النَّوْمُ أَوْ يَعِي رُبَّمَا يَجْلِسُ أَوْ يَنَامُ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ لَا يَلْتَحِقُ بِالْجَيْشِ فَيَضِيعُ.
- وَإِذَا كَانَ عَلَى السَّاقَةِ مَنْ يُكَلِّفُهُ اللُّحُوقَ بِالْعَسْكَرِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ. وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ.
- فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبُ السَّاقَةِ رَجُلًا قَامَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتْرُكَ الدَّابَّةَ وَيَلْتَحِقَ بِالْعَسْكَرِ كَيْ لَا يَهْلِكَ، فَأَخَذَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ دَابَّتَهُ فَهَلَكَتْ، لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا.
لِأَنَّهُ مَا تَعَرَّضَ لِلدَّابَّةِ بِشَيْءٍ، إنَّمَا أَحْسَنَ إلَى صَاحِبِهَا حِينَ أَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ
стр. 215
وَلَوْ أَسَاءَ إلَى صَاحِبِهَا بِأَنْ حَبَسَ صَاحِبَ الْمَوَاشِي حَتَّى ضَاعَتْ مَوَاشِيه لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. فَإِذَا أَحْسَنَ إلَيْهِ كَانَ أَوْلَى. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ: إمَّا يُضَيِّعُ دَابَّتَهُ أَوْ يُضَيِّعُ نَفْسَهُ (٥٨ آ) إنْ وَقَفَ مَعَهَا. وَمَنْ دُفِعَ إلَى شَرَّيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا. وَذَلِكَ تَرْكُ الدَّابَّةِ. فَصَاحِبُ السَّاقَةِ أَمْرٌ يَحِقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ شَرْعًا فَيَكُونُ مُحْسِنًا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
- وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الدَّابَّةَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا فَنَحَّاهَا عَنْهُ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ أَخْذِهَا، فَهَلَكَتْ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ قِيمَتَهَا. لِأَنَّهُ فَوَّتَ لَهُ يَدَهُ بِصُنْعٍ أَحْدَثَهُ فِي الدَّابَّةِ، وَذَلِكَ غَصْبٌ مِنْهُ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِزَالَةِ يَدِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ عَنْ الدَّابَّةِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْحَاقِهِ بِالْعَسْكَرِ. وَهُوَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى التَّعَرُّضِ لِدَابَّتِهِ، فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ قِيمَتَهَا إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ كَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُ السَّاقَةِ أَوْ ضَرَبَهَا فَقَتَلَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ. وَهَذَا أَظْهَرُ.
- فَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَفَكَّ صَاحِبُ السَّاقَةِ يَدَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ الدَّابَّةَ فِي مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا.
لِأَنَّ صُنْعَهُ حَلَّ بِيَدِ صَاحِبِهَا لَا بِالدَّابَّةِ. وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ لَا يَجِبُ إلَّا بِاعْتِبَارِ صُنْعٍ فِي الْمَغْصُوبِ يُفَوِّتُ يَدَ الْمَالِكِ بِتَحْوِيلِهِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَدُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ ثَابِتًا فِيهِ. فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ لِجَامَ الدَّابَّةِ وَنَحَّاهَا كَانَ ضَامِنًا، وَإِذَا فَكَّ يَدَ صَاحِبِهَا عَنْ اللِّجَامِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، وَتَلَفُ الدَّابَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ
стр. 216
حَاصِلٌ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ يُسَلِّمُ هَذَا الْأَصْلَ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ: يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ ثَمَرَاتِ الْمِلْكِ عَلَى الْمَالِكِ، كَمَا تُشْتَرَطُ الْإِشَارَةُ فِي الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةِ إلَى الْعَيْنِ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، ثُمَّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ يُقَامُ ذِكْرُ الْحُدُودِ مَقَامُهُ لِلتَّيْسِيرِ.
- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَأَنْزَلَهُ كُرْهًا وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ لَمْ يَضْمَنْ دَابَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ فِيهَا شَيْئًا، إنَّمَا صَنَعَهُ فِي صَاحِبِهَا.
- وَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ السَّاقَةِ الرَّجُلَ فَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ دَابَّتَهُ فَمَرَّ بِهَا سَرِيَّةٌ كَانُوا عَلَى إثْرِهِمْ فَعَلَفُوهَا وَقَامُوا عَلَيْهَا حَتَّى أَلْحَقُوهَا بِالْعَسْكَرِ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَيَكُونُ أَحَقُّ بِهِ. وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقُوا، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا. وَحُكِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ﵁ كَانَ لَهُ رُمْحٌ طَوِيلٌ. وَكَانَ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ حَمْلُهُ أَلْقَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَمُرُّ بِهِ بَعْضُ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يَكُونُ فِي آخِرِ الْعَسْكَرِ فَيَأْخُذُهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ قِصَّتَهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْمَنْزِلَ، فَيَجِيءُ الزُّبَيْرُ وَيَقُولُ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا فِيمَا حَمَلْت مِنْ رُمْحِي. فَيَأْخُذُهُ. فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
- فَإِنْ كَانُوا حِينَ أَتَوْا بِهَا الْعَسْكَرَ أَخْبَرُوا الْأَمِيرَ خَبَرَهَا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا حَتَّى يَجِدُوا صَاحِبَهَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا، أَخَذَهَا وَأَعْطَاهُمْ مَا أَنْفَقُوا بَعْدَ أَمْرِ الْأَمِيرِ (٥٨ ب) . وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا مِمَّا أَنْفَقُوا قَبْلَ ذَلِكَ.
стр. 217
لِأَنَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَظَرًا لِصَاحِبِهَا بِإِحْيَاءِ مِلْكِهِ وَإِمْسَاكِهِ عَلَيْهِ، وَالدَّابَّةُ لَا تَبْقَى بِدُونِ النَّفَقَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَرْضَى بِالتَّبَرُّعِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ. وَلِلْأَمِيرِ وِلَايَةُ النَّظَرِ لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ مِنْ الْجُنْدِ، فَكَانَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ كَأَمْرِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ حِينَ صَدَرَ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
- فَإِنْ قَالُوا: أَنْفَقْنَا عَلَيْهَا بَعْدَ الْأَمْرِ كَذَا، وَذَلِكَ نَفَقَةُ مِثْلِهَا، وَقَالَ صَاحِبُهَا: لَمْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبُهَا.
لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا لِأَنْفُسِهِمْ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ، لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَهُوَ إنْفَاقُهُمْ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الثَّبَاتِ.
- فَإِنْ أَقَامُوا شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَوْا، أَوْ كَانَ إنْفَاقُهُمْ بِعِلْمِ الْأَمِيرِ رَجَعُوا عَلَى صَاحِبِهَا. وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ لِثُبُوتِ مَا ادَّعَوْا بِحُجَّةٍ حُكْمِيَّةٍ: وَذَلِكَ عِلْمُ الْأَمِيرِ أَوْ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ.
- فَإِنْ كَانُوا - حِينَ رَفَعُوهَا إلَى الْأَمِيرِ وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا - لَا يَدْرُونَ لِمَنْ هِيَ. إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَبِيعَهَا فَبَاعَهَا جَازَ. لِأَنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْهُ لِصَاحِبِهَا. فَالْإِنْفَاقُ رُبَّمَا يَأْتِي عَلَى مَالِيَّتِهَا، وَحِفْظُ ثَمَنِهَا أَيْسَرُ مِنْ حِفْظِ عَيْنِهَا. وَلِلْأَمِيرِ وِلَايَةُ النَّظَرِ عَلَى جُنْدِهِ.
стр. 218
وَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا إذَا حَضَرَ أَنْ يُبْطِلَ الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي ثَمَنِهَا.
٢٧١ - فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ زَمَانًا ثُمَّ بَاعَهَا، فَقَالُوا: أَعْطِنَا مِنْ الثَّمَنِ مَا أَنْفَقْنَا، وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَوْا مِنْ النَّفَقَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُهَا أَوْ بَعْدَ مَا حَضَرَ أَعْطَاهُمْ مَا أَنْفَقُوا بَعْدَ أَمْرِهِ.
لِأَنَّهُمْ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهَا بِإِحْيَائِهِمْ مَالِيَّةَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا حَتَّى يَأْخُذُوا مَا أَنْفَقُوا، بِمَنْزِلَةِ رَادِّ الْآبِقِ يَحْبِسُهُ بِالْجُعَلِ. وَالثَّمَنُ بَدَلُ تِلْكَ الْمَالِيَّةِ، فَيُعْطِيهِمْ الْأَمِيرُ مِقْدَارَ حَقِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْهُمْ قَبْلَ حُضُورِ صَاحِبِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمِيرَ خَصْمٌ فِيهِ عَنْ صَاحِبِهَا، كَمَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِنْهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لِلْأَمِيرِ: وَجَدْنَا هَذِهِ الدَّابَّةَ وَلَا نَعْرِفُ صَاحِبَهَا، أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوهُ بِشُهُودٍ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقْبَلُ بَيِّنَتَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ.
- فَإِنْ لَمْ يَأْتُوهُ بِشُهُودٍ وَرَأَى الْأَمِيرُ النَّظَرَ فِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقُولَ: أَمَرْتهمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا رَجَعُوا عَلَى صَاحِبِهَا، وَإِلَّا فَلَسْت آمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَيُشْهِدُ عَلَى هَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَمَرْتهمْ بِبَيْعِهَا وَإِنْفَاقِ ثَمَنِهَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا. وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ مَا زَعَمُوا فَلَسْت آمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَتَمَحَّصُ نَظَرًا لِصَاحِبِهَا بِأَنَّهُمْ إنْ
стр. 219
كَانُوا صَادِقِينَ يَحْيَا مِلْكُهُ بِهَذَا، وَإِنْ كَانُوا غَاصِبِينَ لَا يَسْتَفِيدُونَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا لَزِمَهُمْ مِنْ الضَّمَانِ بِهَذَا. وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ (٥٩ آ) بِاعْتِبَارِ هَذَا الْأَمْرِ إذَا كَانَ مَنْ فِي يَدِهِ غَاصِبًا.
- فَإِنْ حَضَرَ صَاحِبُهَا وَقَدْ هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ مَنْ بَاعَهَا بَعْدَ أَمْرِ الْأَمِيرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا أَخْبَرَ الْمُخْبِرُ بِهِ الْأَمِيرَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ بِإِذْنٍ صَحِيحٍ.
- وَإِنْ جَحَدَ صَاحِبُهَا ذَلِكَ فَالْبَائِعُ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهَا حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمِ.
٢٧٥ - فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبُهَا الدَّابَّةَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ.
- فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا قَالَهُ الْوَاجِدُ وَعَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ الْأَمِيرُ سَلَّمَ لَهُ مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ سَبَبَ مِلْكٍ صَحِيحٍ لِنَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ.
- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَخَذَ الدَّابَّةَ صَاحِبُهَا وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ. لِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِهِ.
стр. 220
- فَإِنْ أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى، مِنْ أَنَّهُ وَجَدَهَا ضَائِعَةً وَأَنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا بَرِيءَ هُوَ مِنْ الثَّمَنِ.
بِمَحْضَرٍ مِنْ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ. وَهَذَا التَّقْيِيدُ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ الْمَبِيعَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، فَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى أَمْرٍ يَبْطُلُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْمُسْتَحِقِّ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُسْتَحِقِّ تُقْبَلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَهَا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ. وَأَيُّ قَاضٍ رُفِعَ إلَيْهِ هَذِهِ الْحَادِثَةُ وَسُئِلَ إجَازَةَ الْبَيْعِ لَمْ يُجِزْهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ عَلَى جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا. لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِجَازَةِ إنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ إذَا ظَهَرَ جَمِيعُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْحُجَّةِ. وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.
[بَابُ سَجْدَةِ الشُّكْرِ]
٣٨ -
стр. 221
٣٨ - بَابُ سَجْدَةِ الشُّكْرِ
- وَإِذَا أَتَى الْأَمِيرَ أَمْرٌ يَسُرُّهُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُكَبِّرَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَخِرَّ سَاجِدًا يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَشْكُرُهُ، وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ. وَهَذِهِ سَجْدَةُ الشُّكْرِ
وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ سِمَاعَةَ. فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَكَانَ لَا يَرَاهَا شَيْئًا، أَيْ شَيْئًا مَسْنُونًا، أَوْ لَا يَرَاهَا شُكْرًا تَامًّا، فَإِنَّ تَمَامَ الشُّكْرِ فِي أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا «فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مَنْ يَكُونُ مَنْظُورًا إلَيْهِ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ النِّعَمِ، فَيَكُونُ مُدْخِلًا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. وَقَالَ ﵇: «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . وَمَا مِنْ سَاعَةٍ إلَّا وَفِيهَا نِعْمَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَلَوْ اشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِشُغْلٍ آخَرَ. وَلَمَّا وُفِّقَ حَتَّى سَجَدَ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لَهَا ثَانِيًا. وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ مُحَمَّدٌ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي الْبَابِ.
стр. 222
- مِنْهَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا بُشِّرَ بِبُشْرَى تَسُرُّهُ يَخِرُّ سَاجِدًا لِلَّهِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ مَرَّ بِرَجُلٍ بِهِ زَمَانَةٌ فَسَجَدَ» . وَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (٥٩ ب) فَفَعَلَا ذَلِكَ. وَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ مَرَّ بِنُغَاشِي فَسَجَدَ» . يَعْنِي نَاقِصَ الْخَلْقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا أَتَاهُ فَتْحُ الْيَمَامَةِ سَجَدَ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالنَّهْرَوَانِ فَقَالَ: الْتَمِسُوهُ، يَعْنِي ذَا الثُّدَيَّةِ. فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَجَعَلَ
стр. 223
يَعْرَقُ جَبِينُهُ وَيَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت. فَوَجَدُوهُ فِي سَاقِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ فَسَجَدَ عَلِيٌّ ﵁ سَجْدَةً.
وَأَصْلُ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَاتَلَ عَلِيٌّ ﵁ الْحَرُورِيَّةَ قَالَ: اُنْظُرُوا. فَإِنَّ فِيهِمْ رَجُلًا إحْدَى ثَدْيَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ. حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ أَنِّي صَاحِبُهُ. فَقَلَّبُوا الْقَتْلَى فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالَ: اُنْظُرُوا، فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت. قَالُوا: فَإِنَّ سَبْعَةَ نَفَرٍ تَحْتَ نَخْلٍ لَمْ نُقَلِّبْهُمْ بَعْدُ. قَالَ: اُنْظُرُوا. قَالَ الرَّاوِي: فَرَأَيْت فِي رِجْلَيْهِ حَبْلًا جَرُّوهُ بِهِ حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَقَالَ: أَبْشِرُوا. إنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْقَوْمَ الَّذِي فِيهِمْ رَجُلٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُقَاتِلُونَك وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ. فَحِينَ وَجَدُوهُ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. فَلِهَذَا خَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا. وَبِاَللَّهِ الْعَوْنُ وَالتَّوْفِيقُ.
стр. 224
[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]
- قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَأَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ فِيهَا مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَجَامَعَهُمَا عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ. وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ فَتَقِفُ طَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ. وَتَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَوَّلَ الصَّلَاةِ، فَهُمْ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِينَ فِي جَمِيعِهَا. ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ فِيهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ اخْتِلَافِ الْآثَارِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَمَا فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ لِأَبِي يُوسُفَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي دُبُرِ الْقِبْلَةِ فِي حُكْمِ صَلَاةِ الْخَوْفِ.
- وَذُكِرَ هَاهُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ سَجْدَةً» .
стр. 225
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رَكْعَةً. وَهَذِهِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ. يَقُولُونَ: سَجَدَ فُلَانٌ سَجْدَةً: أَيْ صَلَّى رَكْعَةً.
- وَذُكِرَ فِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا رِجَالًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِ مُسْتَقْبِلِيهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ إذَا كَانُوا قِيَامًا لَا مُشَاةً، فَإِنَّ الْمَشْيَ عَمَلٌ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاحَةِ فِي الْبَحْرِ وَالْمُسَايَفَةِ فِي زَمَانِ الْقِتَالِ.
٢٨٤ - وَذُكِرَ عَنْ (٦٠ آ) مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا سَافَرَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَقْعُدْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» .
وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا الْحَدِيثَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ كَانَ يُعَيِّنُ مَكَانَ الصَّلَاةِ أَوَّلًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسَافِرٍ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَإِنَّ النُّزُولَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَذَلِكَ نَصِيبُ الْبَدَنِ، فَالْأُولَى أَنْ يُقَدِّمَ أَمْرَ الدِّينِ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَيْتِهِ كَانَ يُصَلِّي وَيَسْعَى فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ» ، وَبِهِ أَمَرَ أُمَّتَهُ فَقَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» . قِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تُصَلُّوا فِيهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: بِأَنْ تَنَامُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَأَنْ تُعِينُوا أَهَالِيَكُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ. وَقَالَ ﷺ : «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ، وَقُرَّةُ عَيْنِ أُمَّتِهِ فِيمَا فِيهِ قُرَّةُ عَيْنِهِ. فَالْبِدَايَةُ بِهِ عِنْدَ النُّزُولِ فِي الْمَنْزِلِ أَوْلَى.
стр. 226
- قَالَ: وَإِذَا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقَتْلِ صَبْرًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ بَعْدَهُمَا ذُنُوبَهُ. لِيَكُونَ آخِرَ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ وَالِاسْتِغْفَارُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ خُتِمَ كِتَابُهُ بِالطَّاعَةِ غُفِرَ لَهُ مَا سَلَفَ» . وَقَالَ: «الْأُمُورُ بِخَوَاتِيمِهَا» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَآخِرُ كَلَامِهِ قَوْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ» . فَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يُلَقَّنَ الصَّبِيُّ فِي أَوَّلِ مَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكَلُّمِ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَيُلَقَّنُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ أَيْضًا لِيَكُونَ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَآخِرُ كَلَامِهِ هَذَا.
- ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ «خُبَيْبٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُسِرَ فَبِيعَ بِمَكَّةَ خَرَجُوا بِهِ إلَى الْحِلِّ لِيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. فَقَالُوا: صَلِّ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّونِي جَزِعْت مِنْ الْمَوْتِ لَزِدْت. وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْجَزَهُمَا وَقَالَ: لَوْلَا خَشْيَةَ أَنْ يَقُولُوا: جَزَعَ مِنْ الْمَوْتِ لَطَوَّلْت صَلَاتِي. ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَرَ إلَّا شَامِتًا أَوْ شَاتِمًا أَوْ إنْسَانًا فِي يَدِهِ حَجَرٌ أَوْ عَصًا. فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَى إلَّا وَجْهَ عَدُوٍّ اللَّهُمَّ لَيْسَ هَاهُنَا أَحَدٌ يُبَلِّغُ رَسُولَك عَنِّي السَّلَامَ، فَأَقْرِئْ رَسُولَك وَأَصْحَابَهُ مِنِّي السَّلَامَ.
стр. 227
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ﵇ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ قَالَ خُبَيْبٌ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَالْعَنْهُمْ بَدَّدَا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا. زَادَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْهُمْ أَنْ يُكِبُّوهُ عَلَى وَجْهِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِيَقْتُلُوهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَجَعَلَ يَقُولُ:
وَلَسْت أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
ثُمَّ صَلَبُوهُ بَعْدَ الْقَتْلِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ، فَتَحَوَّلَتْ خَشَبَتُهُ حَتَّى صَارَ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ. وَقَدْ اسْتَحْسَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا صَنَعَهُ خُبَيْبٌ عِنْدَ الْقَتْلِ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَسَمَّاهُ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» فَصَارَتْ سُنَّةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ
- قَالَ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانُوا (٦٠ ب) مُوَاقِفِينَ لِلْعَدُوِّ. فَأَمَّا فِي حَالَةِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُطَاعَنَةِ وَالرَّمْي فَلَا تَسْتَقِيمُ الصَّلَاةُ لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ، وَلَا تَسْتَقِيمُ الصَّلَاةُ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ مَا يَفُوتُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ يُمْكِنُهُمْ تَدَارُكُهُ بَعْدَ هَذَا، وَمَا يَفُوتُهُمْ بِالِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُمْكِنُهُمْ تَدَارُكُهُ.
стр. 228
- وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى هَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَمَرَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ الْعِشَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] » .
٢٨٩ - وَفِي رِوَايَةِ «ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الْأُولَى. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَبِأَيِّ ذَلِكَ أَخَذْت فَهُوَ حَسَنٌ» .
وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِشُغْلِ الْقِتَالِ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي الْفَوَائِتِ أَنْ تُقْضَى بِالْجَمَاعَةِ كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانُوا قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا صَلَّوْا بِالْإِيمَاءِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، الْفَرْضُ يَتَأَدَّى بِالْإِيمَاءِ، وَعَجْزُهُمْ ظَاهِرٌ.
- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فَصَلَّاهَا» .
стр. 229
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ يَوْمُ الْأَحْزَابِ هُوَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ أَيْضًا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذُكِرَ أَنَّهُ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا» يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. فَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فِي يَوْمٍ عَلَى حِدَةٍ، لِأَنَّهُمْ بَقُوا فِي الْخَنْدَقِ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا. وَكَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْقِتَالِ فِي أَكْثَرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ٤٠
стр. 230
[بَابُ الشَّهِيدِ وَمَا يُصْنَعُ بِهِ]
- قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: الشَّهِيدُ إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ لَمْ يُغَسَّلْ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ. وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِي قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ سَلَكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ لِلتَّرْجِيحِ طَرِيقًا سِوَى مَا ذَكَرَهُ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ (٦١ آ) ، وَهُوَ أَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْحِجَازِ، فَرَجَحَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ وَأَخَذَ بِهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا خِلَافُ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ الظَّاهِرُ لِأَصْحَابِنَا فِي التَّرْجِيحِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. وَعَلَيْهِ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْت بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] . وَوَجْهُ مَا اعْتَبَرَهُ هَاهُنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اشْتِبَاهِ الْأَثَرِ فِيمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَغَازِي وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا. فَتُهْمَةُ الْغَلَطِ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ يَكُونُ أَظْهَرُ مِنْ تُهْمَةِ الْغَلَطِ فِيمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
стр. 231
- فَإِنَّ جَابِرًا رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ» . وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ. حَتَّى رَوَوْا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ ﵁ سَبْعِينَ صَلَاةً، كَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا أَتَى رَجُلٌ صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى حَمْزَةَ مَعَهُ» . وَكَانَ جَابِرٌ ﵁ يَوْمَئِذٍ قُتِلَ أَبُوهُ وَخَالُهُ. فَكَانَ مَشْغُولًا بِهِمَا، لَمْ يَشْهَدْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الشُّهَدَاءِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ حَمَلَهُمَا إلَى الْمَدِينَةِ «فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ» . فَرَدَّهُمَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ تَوَهُّمَ الْغَلَطِ فِي رِوَايَتِهِ أَظْهَرُ.
- ثُمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ اسْتِغْفَارٌ لَهُ وَتَرَحُّمٌ عَلَيْهِ، وَالشَّهِيدُ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَرَامَةً لَهُ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ. وَلَا إشْكَالَ أَنَّ دَرَجَةَ الشَّهِيدِ دُونَ دَرَجَةِ مَنْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَقَدْ صَلَّى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ فِي الصَّلَاةِ، فَعَلِمَنَا أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الشَّهِيدُ دَرَجَةً يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ اسْتِغْفَارِ الْمُؤْمِنِينَ وَالدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ لَهُ. وَمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ إنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ بِالنَّصِّ وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْحَيِّ فَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَهُوَ مَيِّتٌ فِي حَقِّنَا، يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ، وَيَجُوزُ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ مَا عَلَيْهِ شَاهِدًا لَهُ عَلَى خَصْمِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
стр. 232
- قَالَ ﵇ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . وَلِهَذَا لَا يُنْزَعُ عَنْهُ جَمِيعُ ثِيَابِهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ حَمْزَةَ ﵁ كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ اُسْتُشْهِدَ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ لِأَنَّهُ كَانَ لَبِسَهُ لِدَفْعِ الْبَأْسِ فَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ دَفْنَ الْقَتْلَى (٦١ ب) مَعَ الْأَسْلِحَةِ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا لُبِسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالْخَاتَمِ وَالْخُفِّ. هَكَذَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ. وَلِأَهْلِهِ أَنْ يَزِيدُوا فِي أَكْفَانِهِ مَا أَحَبُّوا. وَبِهَذَا اللَّفْظِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ بِثَوْبَيْنِ فِي كَفَنِ الرِّجَالِ غَيْرُ لَازِمٍ.
- وَإِنْ صَارَ مُرْتَثًّا فَهُوَ شَهِيدٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ.
وَالْمُرْتَثُّ مَنْ يَصِيرُ خَلَقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ثَوْبٌ رَثٌّ أَيْ خَلَقٌ.
- فَإِذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ حَيًّا فَمَاتَ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ أَوْ مَرِضَ فِي خَيْمَتِهِ فَهُوَ مُرْتَثٌّ. لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ.
стр. 233
فَأَمَّا إذَا جُرَّ بِرِجْلِهِ مِنْ بَيْنِ صَفَّيْنِ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ. لِأَنَّ نَقْلَهُ مِنْ مَصْرَعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِيصَالِ الرَّاحَةِ إلَيْهِ وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ بِذَلِكَ.
- قَالَ: وَذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ قَالَ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إلَّا الْخُفَّيْنِ، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَارْمُسُونِي فِي الْأَرْضِ رَمْسًا، فَإِنِّي رَجُلٌ مُحَاجٌّ أُحَاجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَنِي.
فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْزَعُ عَنْ الشَّهِيدِ مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ، وَأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّمِ شَاهِدًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
- وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: إنَّا لَاقُونَ غَدًا فَمُسْتَشْهِدُونَ. فَلَا تَغْسِلُوا عَنَّا دَمًا، وَلَا تُكَفِّنُونَا فِي ثَوْبٍ إلَّا مَا عَلَيْنَا.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الزِّينَةِ فِي كَفَنِهِ، لَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَحِلُّ.
- وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ
стр. 234
هَؤُلَاءِ كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَكَانَ يَدْفِنُ فِي الْقَبْرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ» .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. «فَالْأَنْصَارُ يَوْمَئِذٍ أَصَابَهُمْ قَرْحٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: إنَّ الْحَفْرَ عَلَيْنَا لِكُلِّ إنْسَانٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ: أَعْمِقُوا وَأَوْسِعُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ» .
- وَلَكِنْ يَنْبَغِي عِنْدَ الْحَاجَةِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ مَيِّتَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ كَيْ يَصِيرَ فِي حُكْمِ قَبْرَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا بَأْسَ بِدَفْنِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَيُقَدَّمُ إلَى جَانِبِ الْقِبْلَةِ أَفْضَلُهُمَا وَهُوَ الرَّجُلُ.
فَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَ أَفْضَلُهُمَا أَيْضًا عَلَى مَا قَالَ ﵇: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ» . فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ كَانَ أَفْضَلُهُمْ يَوْمَئِذٍ. لِأَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ.
- ثُمَّ رُوِيَ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَادَى يَوْمَئِذٍ: ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ» وَهَذَا حَسَنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَإِنَّمَا صَنَعَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَرِهَ الْمَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْلِ مَعَ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْقَرْحِ.
стр. 235
- وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اُسْتُعْمِلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى جَيْشٍ، فَكَرِهَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الْخُرُوجَ مَعَهُ، ثُمَّ نَدِمَ نَدَامَةً شَدِيدَةً فَغَزَا مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَضَرَ، فَأَتَاهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَعُودُهُ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. إذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلُونِي وَكَفِّنُونِي ثُمَّ احْمِلُونِي حَتَّى تَأْتُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَأْمُرُهُمْ فَيَدْفِنُونِي.
وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَحَبَّهُ إمَّا لِيَكُونَ أَقْرَبَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَيَنَالَ ثَوَابَ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، أَوْ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الشُّهْرَةِ بِكَثْرَةِ الزِّيَارَةِ. فَقَدْ قَالَ ﵇: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي بَعْدِي مَعْبَدًا» . وَقَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَصَعِدَ مِنْ قَبْرِهِ نُورٌ إلَى السَّمَاءِ، وَرَأَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ رَسُولُهُمْ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: صَاحِبٌ لِنَبِيِّنَا. فَأَسْلَمُوا لَمَّا رَأَوْا.
- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشِيِّ فَنُقِلَ مِنْهُ وَدُفِنَ بِمَكَّةَ. فَجَاءَتْ عَائِشَةُ ﵂ حَاجَةً أَوْ مُعْتَمِرَةً فَزَارَتْ قَبْرَهُ وَقَالَتْ:
стр. 236
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنْ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أَنَا وَاَللَّهِ لَوْ شَهِدْتُك مَا زُرْتُك، وَلَوْ شَهِدْتُك مَا دَفَنْتُك إلَّا فِي مَكَانِك الَّذِي مِتَّ فِيهِ. وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ التَّأَسُّفِ عَلَيْهِ حِينَ مَاتَ فِي الْغُرْبَةِ، وَلِإِظْهَارِ عُذْرِهَا فِي زِيَارَتِهِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ ﵇: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» يَمْنَعُ النِّسَاءَ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. وَالْحَدِيث وَإِنْ كَانَ مُؤَوَّلًا فَلِحِكْمَةٍ ظَاهِرَةٍ قَالَتْ مَا قَالَتْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُدْفَنَ الْقَتِيلُ وَالْمَيِّتُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي مَقَابِرِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَاتَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ دُفِنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟
- قَالَ: وَلَوْ نُقِلَ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ النَّقْلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّهُ قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي لَا يُكْرَهُ النَّقْلُ فِيهَا بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ (٦٢ ب) فَالْأَرْضُ كُلُّهَا كِفَاتٌ لِلْمَيِّتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] . إلَّا أَنَّ الْحَيَّ يَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لِغَرَضٍ لَهُ فِي ذَلِكَ،
стр. 237
وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ إلَّا تَأْخِيرُ دَفْنِهِ أَيَّامًا كَانَ كَافِيًا فِي الْكَرَاهَةِ.
- وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إذَا وُجِدَ مَا يَلِي صَدْرَ الْقَتِيلِ إلَى رَأْسِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. يَعْنِي إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ أَوْ نِصْفُ الْبَدَنِ مَعَهُ الرَّأْسُ، وَبِهِ نَأْخُذُ.
فَإِنَّهُ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ وَاحِدٍ. فَلَوْ صَلَّى عَلَى النِّصْفِ أَوْ مَا دُونَهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الصَّلَاةِ عَلَى مَيِّتٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يُوجَدَ النِّصْفُ الْبَاقِي. وَهَذَا لَا يَكُونُ فِيمَا إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ أَوْ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ.
- فَأَمَّا الْقَتِيلُ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُغَسَّلْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ غُسِّلَ. لِأَنَّ الْغُسْلَ سُنَّةُ الْمَوْتَى مِنْ بَنِي آدَمَ، إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ لِمَقْصُودٍ قَدْ بَيَّنَّاهُ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ وَجَبَ غُسْلُهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمَوْتَى.
- وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ. ثُمَّ انْسَلَّ قِيَادُ فَرَسِهِ مِنْ يَدِهِ. فَمَضَى الْفَرَسُ عَلَى الْقِبْلَةِ وَتَبِعْهُ أَبُو بَرْزَةَ حَتَّى أَخَذَ بِقِيَادِ فَرَسِهِ. ثُمَّ رَجَعَ نَاكِصًا عَلَى عَقِبَيْهِ فَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا لِهَذَا الشَّيْخِ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ
стр. 238
فَانْصَرَفَ أَبُو بَرْزَةَ مِنْ صَلَاتِهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الشَّاتِمُ لِي آنِفًا؟ إنَّا صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْنَا مِنْ يُسْرِهِ. وَلَوْ كُنْت تَرَكْت فَرَسِي حَتَّى تَبَاعَدَ ثُمَّ طَلَبْته شَقَّ عَلَيَّ. فَقَالَ الْقَوْمُ لِلرَّجُلِ: مَا كَانَ يَنْتَهِي بِك خُبْثُك حَتَّى تَتَنَاوَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسُبُّهُ.
فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْغَازِي أَنْ يَأْخُذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي الصَّلَاةِ. لِأَنَّهُ يَبْتَلِي بِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَائِسٌ. وَإِنْ مَشَى فِي صَلَاتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ يَسِيرًا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَبَّرَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَرَكَعَ وَدَبَّ رَاكِعًا حَتَّى الْتَحَقَ بِالصَّفِّ. وَلَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فِي مَشْيِهِ حَتَّى جَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ كَانَ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ لَا لِمَشْيِهِ بَلْ لِتَفْوِيتِ شَرْطِ الْجَوَازِ وَهُوَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ. وَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَعْظَمَ مَشْيَهُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْفَرَسِ فَنَالَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَاسْتَعْظَمَ فِعْلَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَبُو بَرْزَةَ أَنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَى مِنْ يُسْرِهِ، يُرِيدُ مِنْ تَيْسِيرِهِ عَلَى النَّاسِ فِعْلًا وَقَوْلًا عَلَى مَا قَالَ ﵇: «خَيْرُ دِينِكُمْ الْيُسْرُ» فَبَيَّنَ عُذْرَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِمُكَافَأَةِ مَنْ نَالَ مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْقَوْمُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْهُ. وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْمُودُ فِي الْمُعَاشَرَةِ مَعَ النَّاسِ.
- قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلْغُزَاةِ (٦٣ آ) وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسَافِرِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى دَوَابِّهِمْ حَيْثُ مَا كَانَتْ وُجُوهُهُمْ تَطَوُّعًا يُومُونَ إيمَاءً.
وَهَذَا لِأَنَّ التَّطَوُّعَ مُسْتَدَامٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ فِي النُّزُولِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَذَلِكَ يُشْبِهُ الْعُذْرَ لِإِثْبَاتِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ لَهُ إذَا أَرَادَ اسْتِدَامَةَ الصَّلَاةِ.
стр. 239
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ» ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَصْنَعُ ذَلِكَ أَيْضًا. وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ أَبْوَاءَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. وَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إلَى خَيْبَرَ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
- ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْغُزَاةِ الَّذِينَ لَا ثِيَابَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا وُحْدَانًا كَأَسْتَرِ مَا يَكُونُ يُومُونَ إيمَاءً. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃. ٣١٠ - قَالَ: وَلَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، فَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً قَعَدَ الْإِمَامُ فِي وَسَطِ الصَّفِّ لِكَيْ لَا يَقَعَ بَصَرُهُمْ عَلَى عَوْرَتِهِ كَمَا هُوَ السُّنَّة فِي صَلَاةِ النِّسَاءِ بِالْجَمَاعَةِ.
- ثُمَّ ذَكَرَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْفَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِعْلًا لَا وَقْتًا، بِأَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّيهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ. هَكَذَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا إذَا جَهِدَ بِهِ السَّيْرُ. وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذِهِ الْفُصُولِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ٤١
стр. 240
[بَابُ صَلَاةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْعَسْكَرِ وَيُرِيدُونَ الْعَدُوَّ]
- قَالَ: إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَدِينَتَانِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ هُمَا أَقْرَبُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، فَكَتَبَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ إلَى وَالِي الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ كَتَبَ إلَيَّ يَأْمُرُنِي بِالْغَزْوِ فَأَعْلِمْ مَنْ قِبَلَك ذَلِكَ لِيَقْدَمُوا عَلَيَّ فَإِنِّي شَاخِصٌ مِنْ مَدِينَتِي يَوْمَ كَذَا، فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ عَلَى قَصْدِ الْغَزْوِ مَعَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ وَلَا يَدْرُونَ أَيْنَ يُرِيدُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ كَمَا خَرَجُوا مِنْ مَدِينَتِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ يَتَيَقَّنُونَ السَّفَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ إلَى الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَمِنْهَا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ، وَالْغُزَاةُ يَدْخُلُونَ دَارَ الْحَرْبِ لَا مَحَالَةَ فَلِهَذَا يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ.
- وَإِنْ كَانَتْ الْمَسِيرَةُ مِنْ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ دُونَ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ.
لِأَنَّهُمْ (٦٣ ب) لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يُرِيدُ الْوَالِي، فَلَعَلَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُجَاوِزَ
стр. 241
أَوَّلَ دَارِ الْحَرْبِ. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي الْعِبَادَةِ بِالِاحْتِيَاطِ. وَطَرِيقُ الْعِبَادَةِ الِاحْتِيَاطُ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ بِهِ دُونَ الْمُحْتَمَلِ، وَالْغُزَاةُ تَبَعٌ لِلْوَالِي فِي نِيَّةِ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ مَعَ مَوْلَاهُ وَالزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا.
- وَإِنْ كَانَ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ أَيْنَ يُرِيدُ الْمَسِيرَ إلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ زَالَ الِاشْتِبَاهُ بِبَيَانِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَسِيرُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا مِنْ مَدِينَتِهِمْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ وَإِلَّا أَتَمُّوا.
- وَإِنْ قَدِمُوا عَلَى وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ أَيَّامًا فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ لَيْلَةً فِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ.
لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسَافِرِينَ، فَمَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعِهَا أَوْ فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ كَانُوا مُسَافِرِينَ عَلَى حَالِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» ، وَابْنُ عُمَرَ ﵄ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَان سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟
- وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يُخْبِرُهُمْ الْأَمِيرُ أَنَّهُ يُرِيدُ سَفَرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، وَإِذَا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَمَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ مَدِينَتِهِمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا.
стр. 242
وَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْعَسْكَرِ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَمِيرُ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يَعْزِمُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى مَنْزِلِهِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ شَهْرًا. لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا حِينَ فَارَقَ عُمْرَانَ مِصْرِهِ عَلَى قَصْدِ السَّفَرِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ عَزْمِهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ. لِأَنَّ عَزْمَهُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ إذَا كَانَ هُوَ فِي فِنَائِهَا بِمَنْزِلَةِ مَقَامِهِ فِي جَوْفِهَا، فَيُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ رَاجَعَا إلَى الْعَسْكَرِ. وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَغْزُوَ، فَإِذَا جَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا بِهَذَا الْخُرُوجِ. وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي الْمُعَسْكَرِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّهُمْ نَوَوْا الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِهَا، فَإِنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ كَجَوْفِ الْمِصْرِ فِي صِحَّةِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهِ.
- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ قَصُرُوا الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَقَالَ الْوَالِي: إنَّ الْخَلِيفَةَ كَتَبَ إلَيَّ أَنْ تَغْزُوَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ مَدِينَتِكُمْ إلَيَّ فَصَلَاتُهُمْ الَّتِي أَدَّوْهَا تَامَّةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوا فَسْخَ الْوَالِي عَزِيمَةَ السَّفَرِ لَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَثْبُتُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ ثُمَّ عَلَيْهِمْ مِنْ حِينَ سَمِعُوا هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِمْ الْأَصْلِيِّ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ وَطَنِهِمْ (٦٤ آ) مَسِيرَةُ يَوْمٍ فَكَانُوا مُقِيمِينَ فِي الْحَالِ.
стр. 243
- وَإِنْ سَمِعَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَعَلَى الَّذِينَ سَمِعُوا أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ، وَقَصَرَ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا.
لِأَنَّ مَا يَبْتَنِي عَلَى السَّمَاعِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ مَا لَمْ يَسْمَعْ بِهِ أَصْلُهُ خِطَابُ الشَّرْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُخَاطَبَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ. فَكَانُوا مُسَافِرِينَ مَا لَمْ يَسْمَعُوا السَّبَبَ الَّذِي هُوَ فَاسِخٌ لِعَزِيمَةِ سَفَرِهِمْ.
- فَإِنْ كَانَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ الْغَزْوَ فَلْيُوَافِنِي فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَلَمْ يُخْبِرْ أَيْنَ يُرِيدُ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ، فَإِنَّ أَهْلَهَا يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا أَقَلَّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَلَعَلَّ مِنْ رَأْيِ الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَبْعَثَ السَّرَايَا وَالْجُيُوشَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُتِمُّونَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَصِيرُوا مُسَافِرِينَ بِالْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ بِالْمَقَامِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا.
- فَإِنْ أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي بَعْدَ مَا نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ مَا دَامُوا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِيهِ وَهُمْ مُقِيمُونَ، فَبِمُجَرَّدِ نِيَّةِ السَّفَرِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ مَا لَمْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُقِيمِ يَنْوِي السَّفَرَ وَهُوَ فِي مِصْرِهِ.
стр. 244
- فَإِنْ قَصُرُوا الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَعَلَيْهِمْ إعَادَةَ الصَّلَاةِ. لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْهَا قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ.
- ثُمَّ إنْ خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُهَا وَقَبْلَ أَنْ يُعِيدُوهَا صَلَّوْهَا رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ خَرَجُوا بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِهَا صَلَّوْهَا أَرْبَعًا. لِأَنَّ تَقَرُّرَ الْوُجُوبِ بِاعْتِبَارِ آخِرِ الْوَقْتِ.
- فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ مُسَافِرُونَ كَانَ عَلَيْهِمْ صَلَاةَ السَّفَرِ. وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ مُقِيمُونَ كَانَ عَلَيْهِمْ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ، وَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ بِمَا أَدَّوْا. لِأَنَّ الْمُؤَدَّاةَ كَانَتْ فَاسِدَةً حِينَ سَلَّمُوا عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ وَهُمْ مُقِيمُونَ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوهَا أَصْلًا.
- فَإِنْ سَبَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَمْ يَأْتِهِمْ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ مَدِينَتِهِمْ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِمَا بَيَّنَّا.
- وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَصَرُوا الصَّلَاةَ فِيهَا وَإِنْ أَقَامُوا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسَافِرِينَ بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ مَا لَمْ يَعْزِمُوا
стр. 245
عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (٦٤ ب) وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ لِلْوَالِي فِي هَذَا الْمَكَانِ غَيْرُ عَازِمِينَ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
- فَإِنْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ أَتَاهُمْ كِتَابُ الْوَالِي أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالْمَقَامِ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى مَدِينَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَوَاضِعِ إقَامَتِهِمْ مَسِيرَةُ سَفَرِ، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ حَتَّى يَدْخُلُوا وَطَنَهُمْ.
- قَالَ: وَإِنْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَ الْحَرْبِ فَانْتَهَوْا إلَى حِصْنٍ وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ شَهْرًا إلَّا أَنْ يَفْتَحُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي بِذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لِمَكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْفَتْحُ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَ عَشَرَةَ لَيْلَةً مُحْتَمَلٌ.
- وَإِنْ أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي أَنَّهُ لَا يُقِيمُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَتَحُوا أَوْ لَمْ يَفْتَحُوا فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَارِبُونَ لِأَهْلِهَا، وَالْمُحَارِبُ بَيْنَ أَنْ يَقْهَرَ عَدُوَّهُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ، وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ. وَمِثْلُ هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَكُونُ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّهِ، وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا هَدَرٌ، كَأَهْلِ السَّفِينَةِ إذَا نَوَوْا الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ لُجَّةِ الْبَحْرِ.
стр. 246
- وَلَوْ أَطَالُوا الْمُقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى وَقَعَ الثَّلْجُ فَصَارُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، فَعَزَمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ سَنَتَهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُمْ الثَّلْجُ فَيَخْرُجُونَ، وَهُمْ فِي غَيْرِ أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا.
لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْعَدُوُّ فَيَمْنَعُوهُمْ مِنْ الْقَرَارِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَعَنْ زُفَرَ ﵀ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ إنْ أَتَاهُمْ، يَصِحُّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ: إذَا كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ لَمْ يَصِحَّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ. وَإِنْ كَانُوا فِي الْأَبْنِيَةِ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ صَحَّتْ مِنْهُمْ الْإِقَامَةُ. وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀؛ لِمَا قُلْنَا إنَّ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ مَا يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ مِنْ الْمَقَامِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا نَوَى.
- وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ زَائِدَةَ بْنِ عُمَيْرٍ: قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إنَّا نُطِيلُ الثَّوَاءَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، يَعْنِي الْقَرَارَ، فَكَيْفَ أَنْوِي فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى أَهْلِك. قُلْت: كَيْفَ تَقُولُ فِي الْعَزْلِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ وَإِلَّا فَإِنَى أَقُولُ فِيهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مَنْ شَاءَ عَزَلَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ.
стр. 247
وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الْعَزْلِ. وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَيْضًا. وَالْيَهُودُ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ الْمَوْءُودَة الصُّغْرَى فَنَزَلَتْ الْآيَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ: إذَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ نَسَمَةٍ مِنْ صُلْبِ رَجُلٍ فَهُوَ خَالِقُهَا، وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى صَخْرَةٍ. فَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَاتْرُكُوا. وَهَكَذَا يَرْوِيه أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّهُ فِي الْعَزْلِ عَنْ الْحُرَّةِ يَحْتَاجُ إلَى رِضَاهَا لِيَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْعَزْلِ عَنْ أَمَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ.
- قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَارَبٍ لَهُمْ، بَلْ هُوَ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ بِقَدْرِ مَا نَوَاهُ كَمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
- وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَأْسِرُوهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِهِ فَهُوَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا مَا دَامَ فِي مَنْزِلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ.
- وَإِنْ سَافَرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ انْتَهَى إلَى مَقْصِدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ نَوَى أَنْ يُقِيمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَرَارِ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَارِبٍ لَهُمْ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ.
стр. 248
- قَالَ: وَالْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ إنْ أَقَامُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُرِيدُونَ الْمَقَامَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ الْمَقَامَ مَعَهُمْ بَلْ يَكُونُ عَازِمًا عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُمْ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَغْلُوبٌ فِي أَيْدِيهمْ، فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ نِيَّتُهُمْ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتَهُ، بِمَنْزِلَةِ عَبْدِ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمَا نِيَّةُ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتُهُمَا. وَكَذَلِكَ مَنْ بَعَثَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ عُمَّالِهِ لِيُؤْتَى بِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ تَنْفِيذِ قَصْدِهِ. فَمَنْ بَعَثَهُ الْخَلِيفَةُ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ حَالُ الْأَسِيرِ فِي أَيْدِيهِمْ.
- وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ انْفَلَتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إقَامَةِ شَهْرٍ فِي غَارٍ أَوْ غَيْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ. لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لَهُمْ، فَلَا تَكُونُ دَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
- وَكَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِهِمْ إذَا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ فَطَلَبُوهُ فَخَرَجَ هَارِبًا يُرِيدُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ مُسَافِرٌ، وَإِنْ أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ مُخْتَفِيًا شَهْرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ حِينَ طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ.
стр. 249
- وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ (٦٥ ب) إذَا غَدَرُوا بِهِ فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ، وَحَالُ هَؤُلَاءِ كَحَالِ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسَافِرًا. وَنِيَّتُهُ الْإِقَامَةُ لَغْوٌ، لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ.
- قَالَ: وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مُقِيمًا بِمَدِينَةٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَلَمَّا طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ اخْتَفَى فِيهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا.
٣٣٩ - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إلَى ضَيْعَتِهِ فِي بَعْضِ الْقُرَى.
٣٤٠ - وَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَيْشٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَلَا يُرِيدُونَ أَنْ يَسِيرُوا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا يَوْمًا آخَرَ فَلَقُوا الْعَدُوَّ وَقَاتَلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُكْمِلُونَ الصَّلَاةَ وَإِنْ طَالَ مَقَامُهُمْ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَبِالْقِتَالِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ.
- أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَوْ أَسْلَمُوا فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَهُمْ مُقِيمُونَ فِي مَدِينَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ.
стр. 250
وَكَذَلِكَ إنْ غَلَبَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَدْ صَارُوا مُسَافِرِينَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. فَإِنْ أَقَامُوا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَدِينَتِهِمْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ أَيْضًا.
لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ، وَمَنْ حَصَّلَ مُسَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَارِبًا لِلْمُشْرِكِينَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا.
٣٤٢ - وَإِنْ رَجَعُوا إلَى مَدِينَتِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ عَرَضُوا لَهَا فَعَادُوا فِيهَا أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّ مَدِينَتَهُمْ كَانَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ حِين أَسْلَمُوا فِيهَا. وَكَانَتْ مَوْضِعَ إقَامَةٍ لَهُمْ، فَمَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا الْمُشْرِكُونَ فَهِيَ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ فِي حَقِّهِمْ. فَيُتِمُّونَ الصَّلَاةَ إذَا وَصَلُوا إلَيْهَا.
- وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ غَلَبُوا عَلَيْهَا وَأَقَامُوا فِيهَا ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ رَجَعُوا إلَيْهَا وَخَلَا الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا، فَإِنْ كَانُوا اتَّخَذُوهَا دَارًا وَمَنْزِلًا لَا يَبْرَحُونَهَا فَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ دَارِ الْحَرْبِ حِينَ غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا، فَحِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَعَزَمُوا عَلَى الْمُقَامِ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ. وَنِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْإِقَامَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَحِيحَةٌ.
следующие страницы →