Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وَلَكِنْ يَسَعُ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَعْتَدَّ فَتَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ يَقْضِي الْقَاضِي بِهَا بِالْفُرْقَةِ، لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ فَتَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. ٤٠٣٢ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ قَدِمَ الْأَسِيرُ فَأَنْكَرَ الطَّلَاقَ، فَإِنْ أَعَادَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَنْفَذَ الْقَاضِي عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، وَأَجَازَ نِكَاحَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا عَلَى الْأَسِيرِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْفُرْقَةِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْإِعَادَةِ، فَإِنَّهَا قَامَتْ عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ.
قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِأَنَّهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ، فَالْوَرَثَةُ خَصْمٌ هَا هُنَا، كَمَا فِي فَصْلِ الرِّدَّةِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ. ٤٠٣٣ وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ بِمَوْتِهِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ، وَلَكِنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ ثُمَّ ذَكَرَ فُصُولًا فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ مَعَ الْمَوْتِ وَالنَّسَبِ وَالنِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْفُصُولِ. .
٤٠٣٤ - قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى الْأَسِيرِ وَاحِدٌ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا، فَلَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ
стр. 1927
بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ. ٤٠٣٥ وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَكَذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا وَشَهَادَتُهُ بِالْمَوْتِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ بِحِلِّ التَّزَوُّجِ لَهَا، وَذَلِكَ خَبَرٌ دِينِيٌّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي أَمْرِ الدِّينِ، مَا لَمْ يَحْضُرْ خَصْمٌ يَجْحَدُهُ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُسْتَنْكَرٌ.
فَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِالطَّلَاقِ لَيْسَ بِخَبَرٍ مُسْتَنْكَرٍ، وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِهَا اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِيهَا، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ، أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِهِ إلَّا فِي حُكْمِ اسْتِحْلَالِ الْقَتْلِ خَاصَّةً، وَكَمَا أَنَّ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ فَكَذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرَّجُلِ. .
٤٠٣٦ - وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى الذِّمِّيِّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَهُوَ يَجْحَدُ أَنْ يَكُونَ نَقَضَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْتُلُهُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فِيمَا سِوَى الْقَتْلِ مِنْ الْأَحْكَامِ، حَتَّى يَجْعَلَهُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، لَا فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ. .
٤٠٣٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ
стр. 1928
ثُمَّ ارْتَدَّ، وَهُوَ يَجْحَدُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي الْحُجَّةِ.
قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ ذِمِّيَّانِ عَلَى ذِمِّيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ تَقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَالْمُرْتَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي أَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمَيْنِ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ حُجَّةً، وَإِذَا كَانَ فِي زَعْمِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمَا أَصْلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
стр. 1929
[بَابٌ الْمُرْتَدُّ يُصِيبُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ]
١٨٦ - بَابٌ الْمُرْتَدُّ يُصِيبُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: ٤٠٣٨ الْأَصْلُ أَنَّ مَا لَا يُنَافِي الْكُفْرَ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً لَا يُنَافِي بَقَاءَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَا يُنَافِي الْكُفْرَ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً مِنْ الْعُقُوبَاتِ يُنَافِي بَقَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَقْوَى الشُّبْهَةِ الْمُنَافِي، فَكَمَا أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ يُنَافِي وُجُوبَهُ فَاعْتِرَاضُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ يُنَافِي نَحْوَ هَذَا وَبَعْدَ انْعِدَامِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا يَبْقَى وَاجِبًا، إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُ مَالًا أَوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ حَدًّا أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ زَمَانًا، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ هَذِهِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، بِاكْتِسَابِ أَسْبَابِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُسْتَوْجِبًا هَذِهِ الْحُقُوقَ لِمَا فِيهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ إذَا أَصَابَ ذَلِكَ ٤٠٣٩ وَلَوْ أَصَابَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ
стр. 1930
لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْحَرْبِيُّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ أَصَابَهُ حَالَ كَوْنِهِ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵌: " الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ "، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ يُلْحَقُ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْأَحْكَامِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ لَا يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ، وَالْمُرْتَدُّ بَعْدَ اللَّحَاقِ حَرْبِيٌّ. .
٤٠٤٠ - وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُ مِنْ حَدٍّ لِلَّهِ فِي زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرْبِيًّا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِارْتِكَابِ سَبَبِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ فَيَمْنَعُ الْبَقَاءَ إذَا اعْتَرَضَ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ فِي السَّرِقَةِ. ٤٠٤١ وَإِنْ أَصَابَ دَمًا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِهِ. ٤٠٤٢
وَمَا أَصَابَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْقَتْلِ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ أَصَابَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَفِي مَالِهِ إنْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِأَنَّ التَّعَاقُلَ بِاعْتِبَارِ التَّنَاصُرِ، وَأَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْصُرُ الْمُرْتَدَّ.
فَإِنْ الْتَزَمَ الْمُسْلِمُ حَدَّ الْخَمْرِ وَالسُّكْرِ، ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ.
стр. 1931
لِأَنَّ الْكُفْرَ يَمْنَعُ وُجُوبَ هَذَا الْحَدِّ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ، فَكَذَلِكَ اعْتِرَاضُهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ يَمْنَعُ الْبَقَاءَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ مَحْبُوسٌ فِي يَدِ الْإِمَامِ، ثُمَّ تَابَ فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِحَدِّ الْخَمْرِ وَالسُّكْرِ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ كَافِرٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَافِرَ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ الْخَمْرِ، وَالْحُدُودُ شُرِعَتْ زَوَاجِرَ عَنْ ارْتِكَابِ أَسْبَابِهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَكِبُ مُعْتَقِدًا حُرْمَةَ السَّبَبِ، حَتَّى تُشْرَعَ الزَّوَاجِرُ فِي حَقِّهِ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِاعْتِقَادِهِ حُرْمَةِ سَبَبِهِ وَتَمَكُّنِ الْإِمَامِ مِنْ إقَامَتِهِ لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ. ٤٠٤٣ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْإِمَامِ حِينَ أَصَابَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ مُحَارِبٌ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ يَعْتَقِدُ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ مَا دَامَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ الْمُحَارَبَةُ فَلَا يُجْعَلُ حَرْبِيًّا، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِالْبُعْدِ مِنْ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا تَصِلُ يَدُهُ إلَيْهِ فَالْمُحَارَبَةُ تَتَهَيَّأُ لَهُ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لِذَلِكَ، فَكَانَ مُحَارِبًا حُكْمًا كَاللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ.
٤٠٤٤ - فَإِنْ الْتَزَمَ قِصَاصًا أَوْ حَدَّ قَذْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: أُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى مَا أُصِيبُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، قَالَ ﵌: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ» وَلِأَنَّ فِيمَا لَزِمَهُ حَقُّ الْعِبَادِ، فَالْقِصَاصُ مَحْضُ حَقِّ الْوَلِيِّ لَيْسَ لِغَيْرِهِ وِلَايَةُ الْإِسْقَاطِ فِيهِ، وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ حَقُّ الْمَقْذُوفِ.
стр. 1932
وَإِذَا كَانَ هُوَ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ عَنْهُ فَكَيْفَ يَمْلِكُ غَيْرُهُ ذَلِكَ، فَظَهَرَ أَنَّ مَنْ يُؤَمِّنُهُ عَلَى هَذَا فَهُوَ مُلْتَزِمٌ مَا لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ ٤٠٤٥ فَإِنْ آمَنَهُ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ، لِقَوْلِهِ ﵌: «رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إلَى السُّنَّةِ» . وَقَدْ كَانَ هَذَا جَهْلًا مِنْهُ حَيْثُ شَرَطَ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ مَا هُوَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ مَا لَزِمَهُ إذَا طَلَبَهُ الْخَصْمُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى هَذَا الشَّرْطِ.
فَإِنْ قَالَ: إنْ لَمْ تَفُوا لِي بِمَا آمَنْتُمُونِي عَلَيْهِ فَرُدُّونِي إلَى مَأْمَنِي، لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ تَمَكَّنَ مِنْهُ الْإِمَامُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ أَنْ يَعُودَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ. ٤٠٤٦ وَإِنْ دَعَا إلَى هَذَا الصُّلْحِ، وَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَيْهِمْ إلَّا بِالْإِجَابَةِ إلَى ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُعَامِلُوهُ عَلَى أَمْرٍ لَا يَكْذِبُونَ فِيهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُمْ قَدْ أَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ. يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلُوا مَعَارِيضَ الْكَلَامِ، فَإِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُحَارَبِينَ. قَالَ ﵌: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِقَوْلِهِ، فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ
стр. 1933
فَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يُعْطُوهُ ذَلِكَ نَصًّا أَعْطَوْهُ ذَلِكَ، وَزَادُوا فِي الصُّلْحِ كَلِمَةً تَنْقُضُ الصُّلْحَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَفْطِنُ الْمُرْتَدُّ بِهَا فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِشَرْطِ أَلَا نَنْحَنِيَ؛ أَيْ لَا نَرْكَعَ وَلَا نَسْجُدَ، فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ» وَرَأَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ نَاقِضَةً لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ. ٤٠٤٨ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى هَذَا أَيْضًا وَأَعْطَوْهُ الصُّلْحَ عَلَى مَا أَرَادَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفُوا بِذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ شَرْعًا، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مِنْ الشَّرْطِ كَانَ حَرَامًا أَيْضًا، وَارْتِكَابُ حَرَامٍ لَا يَطْرُقُ إلَى ارْتِكَابِ حَرَامٍ آخَرَ شَرْعًا.
٤٠٤٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ مُسْتَحِقٌّ حَدًّا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ إقَامَةِ الْحَدِّ وَلَا تَأْخِيرُهُ بِمَالٍ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَيْسَ هُوَ الْمَالُ، بَلْ الْتِزَامُ الْحَرْبِيِّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَأَحْكَامُ الْإِسْلَامِ لَازِمَةٌ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَلَا يَكُونُ فِي إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُ غَرَضٌ سِوَى إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي الْمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ
стр. 1934
فَإِنْ أَعْطَوْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى خَرَجُوا إلَيْنَا عُرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَوْا قُتِلُوا، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مُسْتَحَقٌّ عَيْنًا عَلَى الْمُرْتَدِّ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، قَالَ ﵌: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
٤٠٥١ - وَإِنْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ، أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَادِعَهُمْ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، بِأَنْ كَانَ لَا يَقْوَى عَلَى قِتَالِهِمْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ جَعْلًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الْخَرَاجَ.
فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْمُرْتَدِّ وَكُلُّ مَالِ الْمُرْتَدِّينَ هُوَ فَارِغٌ عَنْ حَقِّ وَرَثَتِهِ فَيُصِيبُهُ بَيْتُ الْمَالِ. ٤٠٥٢ وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ مَالًا جَعَلَ ذَلِكَ الْمَالَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ، حَتَّى يَتُوبُوا ثُمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ.
стр. 1935
لِأَنَّ مَالَ الْخَوَارِجِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِحَالٍ، بِخِلَافِ أَمْوَالِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ مَا صَارُوا مُحَارَبِينَ.
وَعَلَى هَذَا الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ فَلَا يَأْخُذُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، فَالْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ وَالْمُرْتَدُّ سَوَاءٌ. .
٤٠٥٣ - وَلَوْ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ أَسِيرًا بَعْدَ مَا عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ كُلُّ شَيْءٍ أَصَابَهُ إلَّا الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَقِيقًا، وَالرِّقُّ يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ ابْتِدَاءً فَيُنَافِي الْبَقَاءَ أَيْضًا، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَالرِّقُّ لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ ابْتِدَاءً. ٤٠٥٤ وَأَمَّا مَا كَانَ أَصَابَ مِنْ مَالِ فَالدَّيْنُ لَا يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إلَّا شَاغِلًا لِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ، فَلَا يَبْقَى إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا وَجْهَ لِشَغْلِ مَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ بِهَذَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ لِلسَّابِي بَعْدَ اكْتِسَابِ سَبَبِ وُجُوبِ الدَّيْنِ، فَلِهَذَا يَسْقُطُ عَنْهُ ٤٠٥٥ وَكَذَلِكَ الْخَوَارِجُ إذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَنْعَةٌ، ثُمَّ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَسَأَلُوا الصُّلْحَ عَلَى أَلَّا يُؤَاخَذُوا بِشَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ
стр. 1936
ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا أَصَابُوا مِنْ حَدِّ الْخَمْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا مُحَارَبِينَ، إذَا تَابُوا، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَالِحَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَضَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ.
وَكَذَلِكَ مَا أَصَابُوهُ بَعْدَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ الْمَنْعَةُ، فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ إذَا تَابُوا إلَّا أَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِرَدِّ مَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَفِ لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ مَا وَجَدُوهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ، وَإِنَّمَا لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ تَقَادُمَ الْعَهْدِ يَمْنَعُ إقَامَةَ هَذِهِ الْحُدُودِ، عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: " أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضَغَنٍ، وَمِنْ أَبْيَنِ أَسْبَابِ التَّطَاوُلِ خُرُوجُهُ مِنْ حُكْمِ أَهْلِ الْعَدْلِ. .
٤٠٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِمَّا فِيهِ مَظَالِمُ الْعِبَادِ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَطَلَبَ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُتْرَكَ ذَلِكَ لَهُ لِيَفْتَحَ الْحِصْنَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ
стр. 1937
لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِلْإِمَامِ فِي إسْقَاطِ مَا هُوَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ حَالَةَ الْحَاجَةِ وَغَيْرَهَا. ٤٠٥٧ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَ مَالًا وَلَمْ يُصِبْ دَمًا فَرَأَى الْإِمَامُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يُؤَدِّي ذَلِكَ الْمَالَ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ التَّخْصِيصِ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ يَفْتَحُ الْحِصْنَ لِلْمُسْلِمِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِالْمُرْتَدِّ إذَا وَعَدَ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَفْتَحَ الْحِصْنَ لِلْمُسْلِمِينَ.
بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيفَاءِ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَظَالِمِ الْمُسْلِمِينَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَمَانَ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .
стр. 1938
[بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الرَّجُلُ مِنْ الرِّدَّةِ فَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَمَا لَا يُصَدَّقُ]
٤٠٥٩ - قَالَ: وَإِذَا رَجَعَ الْأَسِيرُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَخَاصَمَتْهُ زَوْجَتُهُ إلَى الْقَاضِي وَقَالَتْ: إنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَبِنْت مِنْهُ، وَقَالَ الْأَسِيرُ: أَكْرَهَنِي مَلِكُهُمْ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَتَكْفُرَنَّ فَفَعَلْت ذَلِكَ مُكْرَهًا فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَلَا يُصَدَّقُ الْأَسِيرُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ وَهُوَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ قَدْ ثَبَتَ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ، ثُمَّ الْأَسِيرُ يَدَّعِي سَبَبًا خَفِيًّا لِيُغَيِّرَ بِهِ حُكْمَ السَّبَبِ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.
(يُوَضِّحُهُ) أَنَّهُ أَضَافَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ إلَى حَالَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ، وَهُوَ الْإِكْرَاهُ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.
٤٠٦٠ - كَمَا لَوْ قَالَ: كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا وَأَنَا مَجْنُونٌ، وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْ جُنُونَهُ فِي وَقْتٍ قَطُّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.
стр. 1939
فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ الْمَلِكَ قَالَ لَهُ: لَأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَتَكْفُرَنَّ، وَلَا يُدْرَى أَكَفَرَ عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكْفُرْ وَقَالَ الْأَسِيرُ: فَإِنِّي إنَّمَا أَجْرَيْت كَلِمَةَ الْكُفْرِ عِنْدَ ذَلِكَ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَسِيرِ؛ لِأَنَّ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ صَارَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ مَعْهُودَةً، وَمَتَى أَضَافَ الزَّوْجُ سَبَبَ الْفُرْقَةِ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تَمْنَعُ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا وَأَنَا صَبِيٌّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَالَةَ إذَا كَانَتْ مَعْهُودَةً فَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْكِرٌ لِلْفُرْقَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَالَةُ مَعْهُودَةً فَهُوَ مُدَّعٍ لِلْمَانِعِ، وَذَلِكَ حَادِثٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ خَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ امْرَأَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقُّ الشَّرْعِ، فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ. .
٤٠٦١ - قَالَ: وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ الزَّوْجُ: أَصَابَنِي بِرْسَامٌ أَوْ وَجَعٌ أَذْهَبَ عَقْلِي أَوْ جُنُونٌ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنِّي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ ذَلِكَ أَصَابَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ أَصَابَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مَجْنُونًا مَرَّةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْجُنُونَ لَهُ صَارَ مَعْهُودًا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَمَتَى كَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي الْفُرْقَةَ كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ.
стр. 1940
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: طَلَّقْتهَا وَأَنَا نَائِمٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ حَالَ النَّوْمِ حَالٌ مَعْهُودٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ، كَحَالَةِ الصِّغَرِ فَإِضَافَتُهُ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ تَكُونُ إنْكَارًا مَعْنًى.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُنْت طَلَّقْتهَا قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إنْكَارًا لِلطَّلَاقِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.
٤٠٦٢ - وَلَوْ قَالَ: شَرِبْت حَتَّى سَكِرْت فَذَهَبَ عَقْلِي، فَطَلَّقْتهَا، أَوْ ارْتَدَدْت عَنْ الْإِسْلَامِ، فَفِي بَابِ الطَّلَاقِ هِيَ بَائِنٌ مِنْهُ صَدَّقَتْهُ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَتْهُ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَالْحَالَةُ الَّتِي أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَيْهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْفُرْقَةِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ، وَهَذَا لِأَنَّ السَّكْرَانَ عَقْلُهُ مَعَهُ إلَّا أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ السُّرُورُ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ عَقْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا شَرِبَ الْبَنْجَ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ عَقْلَهُ، بِخِلَافِ النَّائِمِ، فَإِنَّهُ فِي حَالِ نَوْمِهِ فِي حُكْمِ مَنْ لَا يَعْقِلُ شَرْعًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي قَوْلِهِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» الْحَدِيثُ وَحَالُ السَّكْرَانِ كَحَالِ ابْنِ السَّبِيلِ الْمُنْقَطِعِ عَنْ مَالِهِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ لَا تَصِلُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ هَلَكَ مَالُهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ وَجَحَدَهُ.
стр. 1941
فَأَمَّا فِي الرِّدَّةِ فَإِنْ عُرِفَ مِنْهُ السُّكْرُ فِي وَقْتٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ، وَالسَّكْرَانُ الَّذِي يَهْذِي قَلَّمَا يَنْجُو مِنْ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الرِّدَّةِ يَبْتَنِي عَلَى الِاعْتِقَادِ، فَالسَّكْرَانُ لَا يَكُونُ مُعْتَقِدًا لِمَا يَقُولُ، فَمَتَى أَضَافَ إلَى حَالَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَمَتَى أَضَافَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِيهِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ وَتَكْذِيبِهَا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ مَحْضُ حَقِّ الشَّرْعِ.
٤٠٦٣ - وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلْقَاضِي: إنِّي سَمِعْت زَوْجِي يَقُولُ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا قُلْت ذَلِكَ حِكَايَةً عَمَّنْ يَقُولُ هَذَا فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا فِي الضَّمِيرِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِحُكْمِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ دُونَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَالشَّيْءُ لَا يَنْسَخُهُ إلَّا مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ بِقَلْبِهِ كَانَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَسْتَوِي إنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِيمَا قَالَ أَوْ كَذَّبَتْهُ. ٤٠٦٤ وَلَوْ قَالَ: إنِّي وَصَلْت كَلَامِي فَقُلْت: النَّصَارَى يَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ أَوْ قُلْتُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى، وَلَمْ تَسْمَعْ الْمَرْأَةُ إلَّا بَعْضَ كَلَامِي، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: كَذِبٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ
стр. 1942
لِأَنَّ الزَّوْجَ هَا هُنَا مَا أَقَرَّ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، فَإِنَّ عَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْفُرْقَةِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْكِرًا لِمَا تَدَّعِيهِ مِنْ السَّبَبِ الْمُوجِبِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ: كُنْت قُلْت لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَّبَتْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَهُنَاكَ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا فَهَذَا مِثْلُهُ. ٤٠٦٥ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ أَظْهَرْت قَوْلِي الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَأَخْفَيْت مَا سِوَى ذَلِكَ، إلَّا أَنِّي تَكَلَّمْت بِهِ مَوْصُولًا بِكَلَامِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، إلَّا إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ الْقَاضِي يَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتَهُ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ.؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ أَثْبَتُوا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ، وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِيمَا يُبْطِلُ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ السَّبَبُ لِلْفُرْقَةِ إنَّمَا ظَهَرَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ مَا يُنَافِي وُقُوعَ الْفُرْقَةِ، فَلِهَذَا جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يُقْبَلُ قَوْلُ الشُّهُودِ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى النَّفْيِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ، قُلْنَا: لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ بَلْ بِمَا سَبَقَ مِمَّا هُوَ إثْبَاتٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى أَنَّ هَذَا أَخُ الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ.
(يُوَضِّحُهُ) أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ فِيهِ إثْبَاتُ أَنَّ مَا يَدَّعِي مِنْ الزِّيَادَةِ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِمُوجِبِ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ أَثْبَتُوا سُكُوتَهُ بِقَوْلِهِمْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَالسُّكُوتُ لَهُ أَمْرٌ
стр. 1943
مُثْبَتٌ مُعَايَنٌ، حَتَّى لَوْ قَالَ الشُّهُودُ: لَا نَدْرِي أَقَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ إلَّا أَنَّا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ قَوْلِهِ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ هَا هُنَا الشُّهُودَ مَا أَثْبَتُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: لَمْ نَسْمَعْ، وَكَمَا لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَالْقَاضِي لَمْ يَسْمَعْ أَيْضًا، وَهُمْ نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إلَى الْغَفْلَةِ وَعَدَمِ السَّمَاعِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى التَّكَلُّمَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْخُلْعِ أَوْ التَّكَلُّمِ بِالشَّرْطِ أَوْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ مَوْصُولًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِخُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوَ إنْ شَهِدُوا وَقَالُوا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ طَلَّقَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ. ٤٠٦٦ وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ كَلِمَةِ الطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ فَالْقَاضِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَكُونُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْخُلْعِ مِنْ قَبْضِ الْبَدَلِ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ، فَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا تُبْتَنَى هَذِهِ الْفُصُولُ كُلُّهَا عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي بَيَّنَّا.
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَرَفَ أَنَّهُ جُنَّ مَرَّةً فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: إنَّهُ ارْتَدَّ الْبَارِحَةَ أَوْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ عَاوَدَنِي الْجُنُونَ الْبَارِحَةَ فَقُلْت ذَلِكَ، وَأَنَا مَجْنُونٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ إذَا وُجِدَ مَرَّةً فَهُوَ لَازِمٌ أَبَدًا، وَلِهَذَا كَانَ عَيْبًا لَازِمًا إذَا وُجِدَ مَرَّةً فِي حَالَةِ الصِّغَرِ أَوْ الْكِبْرِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيْ الَّذِي جُنَّ مَرَّةً تَبَيَّنَ لَهُ بَقَاءُ أَثَرِ الْجُنُونِ فِيهِ، فَهُوَ بِهَذِهِ الدَّعْوَى إنَّمَا يُضِيفُ كَلَامَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ.
стр. 1944
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْجُنُونِ قَطُّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: قَدْ كُنْت هَكَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ، وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ مِمَّا يَحْدُثُ فَحُدُوثُهُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِيمَا مَضَى، فَأَمَّا بَعْدَ مَا عُلِمَ وُجُودُهُ فَهُوَ لَا يَزُولُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فَلِهَذَا قَبِلْنَا قَوْلَهُ هُنَاكَ وَلَمْ نَقْبَلْهُ هَا هُنَا، وَكَذَلِكَ النَّوْمُ. .
٤٠٦٨ - وَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَقْتَ الْعَصْرِ ثَلَاثًا، فَقَالَ الزَّوْجُ: كُنْت نَائِمًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.؛ لِأَنَّ النَّوْمَ يَعْتَرِي الْمَرْءَ عَادَةً فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَهُوَ مَا يَذْهَبُ وَيَعُودُ كَالْجُنُونِ فَيَكُونُ بِهِ مُضِيفًا إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ. .
٤٠٦٩ - وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ سَكِرَ مُنْذُ شَهْرٍ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: إنَّهُ ارْتَدَّ الْبَارِحَةَ، وَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ سَكِرْت الْبَارِحَةَ كَمَا سَكِرْت مُنْذُ شَهْرٍ فَارْتَدَدْت، وَأَنَا لَا أَعْقِلُ، فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ إلَّا بِاكْتِسَابِ سَبَبٍ جَدِيدٍ لِذَلِكَ، وَاكْتِسَابُ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْهُ الْبَارِحَةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. ٤٠٧٠ وَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَكْرَهُوهُ عَلَى الْكُفْرِ
стр. 1945
فَكَفَرَ مَرَّةً، ثُمَّ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَدَّقَهَا بِالْكُفْرِ الثَّانِي، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَكْرَهُوهُ ثَانِيًا لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَبَبًا مُتَجَدِّدًا غَيْرَ مَعْلُومٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُبَرْسَمًا مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَصَابَنِي ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ شَرِبَ الْبَنْجَ مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ شَرِبْته الْبَارِحَةَ فَذَهَبَ عَقْلِي لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يَعُودُ إلَّا بِاكْتِسَابِ سَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَلِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يَزُولُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ وَعَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ قَطُّ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالنَّوْمِ، فَبِهَذَا الْحَرْفِ تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1946
[بَابُ الْكَفَالَةِ بِالْمُسْتَأْمَنِ وَالْأَسِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
٤٠٧١ - قَالَ: وَإِذَا خَلَّوْا سَبِيلَ الْأَسِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَكَفَلَ بِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْفِرَ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ وَلَهُ أَنْ يُخْفِرَ الْحَرْبِيَّ فَيَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ الْكَفِيلَ أَوْ يُعَذِّبُونَهُ إذَا خَرَجَ هُوَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْحَرْبِيَّ وَيَأْخُذَ مَالَهُ فَيَخْرُجَ، فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهُ لِلْقَتْلِ أَيْضًا بِالْخُرُوجِ، وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهُمَا لِلْقَتْلِ بِخُرُوجِهِ.
٤٠٧٢ - وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ، حَتَّى أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَرْبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِ أَنْ يَقْتُلَ الْحَرْبِيَّ وَيَأْخُذَ مَالَهُ فَيَخْرُجَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهُ لِلْقَتْلِ أَيْضًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَسِيرِ، وَقَدْ ثَبَتَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ الْأَمَانُ، فَإِنَّهُمْ آمَنُوهُ وَهُوَ قَدْ الْتَزَمَ لَهُمْ أَلَّا يَخُونَهُمْ،
стр. 1947
فَكَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ هَذَا الْأَمَانَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ خَاصَّةً؛ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ. .
٤٠٧٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ مَظْلُومًا فِيهِمْ فَكَفَلَ بِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ عَلَى أَنْ يُحْضِرَهُ يَوْمَ كَذَا لِيَقْتُلُوهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ وَيَخْرُجُ، سَوَاءٌ كَانَ أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحُضُورِ يَكُونُ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ مُلْقِيًا بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ. ٤٠٧٤ وَإِذَا خَرَجَ هُوَ فَقَتَلُوا كَفِيلَهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُعِينًا عَلَى قَتْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُحْضِرَهُ الْكَفِيلُ فَيَقْتُلُوهُ كَانَ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ خَوْفُ الْهَلَاكِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْمُسْلِمُ فِي هَذَا مَأْمُورٌ بِأَنْ يَبْدَأَ بِدَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ. .
٤٠٧٥ - وَلَوْ قَالُوا: أَعْطِنَا كَفِيلًا بِنَفْسِك حَتَّى نَحْضُرَك يَوْمَ كَذَا فَنَأْخُذَ مِنْك الْمَالَ، أَوْ حَبَسْنَاك أَوْ قَيَّدْنَاك، فَأَعْطَاهُمْ كَفِيلًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ هَا هُنَا
стр. 1948
لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ وَالْتَزَمَ لَهُ الْوَفَاءَ حِينَ أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَهُنَاكَ إنَّمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ بِحَالٍ، وَأَنْ يُبَاشِرَ اخْتِيَارًا بِنَفْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ، وَهَا هُنَا إنَّمَا يَخَافُ مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُبَاشِرَهُ، مِنْ بَذْلِ مَالٍ أَوْ رِضَاءٍ بِالْحَبْسِ أَوْ بِالْقَيْدِ؛ فَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْدِرَ بِكَفِيلِهِ. .
٤٠٧٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ مُسْلِمَةً فِيهِمْ أَعْطَتْ كَفِيلًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى أَنْ يَحْضُرَهَا غَدًا لِيَفْجُرَ بِهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ أَوْ يَتَزَوَّجَهَا، وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُخْفِرَ كَفِيلَهَا؛ لِأَنَّ مَا تَخَافُ مِنْهُ أَمْرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ تَأْذَنَ فِيهِ بِحَالٍ، فَكَانَ هَذَا وَالْقَتْلُ سَوَاءً
٤٠٧٧ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ فَأَرَادُوهَا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُخْفِرَ كَفِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ كَافِرًا فَلَهَا أَنْ تُخْفِرَ كَفِيلَهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مُسْلِمًا فَهَذَا الْعَقْدُ مِمَّا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُبَاشِرَهُ، وَأَنْ تَأْذَنَ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ كَافِرًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُبَاشِرَهُ، وَلَا أَنْ تَرْضَى بِهِ بِحَالٍ.
٤٠٧٨ - وَلَوْ أَرَادُوا مِنْهُ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ أَوْ يَقْتُلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يُوَافِيَ بِهِ غَدًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ هَا هُنَا
стр. 1949
لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ حُرْمَةٌ بَاتَّةٌ مُصْمَتَةٌ لَا تَنْكَشِفُ بِحَالٍ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ مِنْ نَفْسِهِ وَيَرْضَى بِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَكْفُرَنَّ بِاَللَّهِ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَسَعُهُ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا إنَّمَا يَخَافُ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَهْرُبَ مِنْ الشِّرْكِ وَيَدَعَ كَفِيلَهُ. .
٤٠٧٩ - وَلَوْ قَالُوا: اُقْتُلْ هَذَا الْمُسْلِمَ أَوْ الْمُعَاهِدَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ فَأَعْطَاهُمْ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يُحْضِرَهُ غَدًا لِيَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ فَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ يَخَافُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ. .
- وَلَوْ قَالَ لِلْأَسِيرِ نُخَلِّي سَبِيلَك عَلَى أَنْ تُؤَمِّنَنَا فَلَا تَغْتَالَ أَحَدًا مِنَّا، وَلَا تَأْخُذَ لِأَحَدٍ مِنَّا مَالًا، وَلَا تَخْرُجَ مِنْ بِلَادِنَا فَحَلَفَ لَهُمْ عَلَى هَذَا، وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ، وَيُكَفِّرُ يَمِينَهُ لِقَوْلِهِ ﵌: «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» . إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فَيَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ، أَوْ يَأْخُذَ لَهُ مَالًا؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَعْطَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى هَذَا فَقَدْ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا
стр. 1950
أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَغْتَالَ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ وَرِضَائِهِمْ، فَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ إذَا أَعْطَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى هَذَا. .
٤٠٨١ - فَإِنْ أَعْطَى الْأَسِيرُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَلَّا يَخْرُجَ، ثُمَّ طَاوَعَهُ الْكَفِيلُ فَخَرَجَا جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْخُرُوجِ لِحَقِّ الْكَفِيلِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِأَهْلِ الْحَرْبِ شَيْئًا، فَإِذَا سَاعَدَهُ الْكَفِيلُ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ حَقِّ الْكَفِيلِ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ ظَالِمِينَ فِي حَبْسِهِ، وَلِلْمَظْلُومِ أَنْ يَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، فَإِذَا أَخْفَرَ كَفِيلَهُ كَانَ ظَالِمًا، فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ فِي الْكَفَالَةِ أَمْرَهُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ قَصَدَهُ ظَالِمٌ بِظُلْمٍ فَأَعْطَاهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ. .
٤٠٨٢ - وَلَوْ قَالُوا لَهُ نُخَلِّي سَبِيلَك وَنُؤَمِّنُك وَتُؤَمِّنُنَا عَلَى أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بِلَادِنَا، فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ الْآنَ.
وَلَكِنْ لَوْ أَعْطَاهُمْ كَفِيلًا حَرْبِيًّا بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلِهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ
стр. 1951
لِأَنَّهُ هَا هُنَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَيَأْخُذَ مَالَهُ فَلَا يَسَعُهُ إخْفَارُ كَفِيلِهِ أَيْضًا.
وَإِنْ سَاعَدَهُ الْكَفِيلُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ فَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّهُ لَا حَقُّ أَهْلِ الْحَرْبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْطِهِ كَفِيلًا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ.
فَإِنْ خَرَجَ الْكَفِيلُ مَعَهُ بِأَمَانٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ مَعِي إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَلَيْسَ عَلَى الْأَسِيرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ قَدْ انْتَهَى بِخُرُوجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَفَالَةِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ هَذَا الْحَرْبِيَّ لَوْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ خَارِجًا مِنْ أَمَانِ الْأَسِيرِ وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْشُوَ الْأَسِيرُ الْمُسْلِمُ بَعْضَ أَهْلِ الْحَرْبِ لِيَتْرُكَهُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مَالَهُ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ، وَبِهِ أَمَرَ قَالَ ﵌ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: " اجْعَلْ مَالَك دُونَ نَفْسِك، وَنَفْسَك دُونَ دِينِك ". وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ حُبِسَ بِالْحَبَشَةِ فَرَشَاهُمْ دِينَارَيْنِ حَتَّى خَلَّوْا سَبِيلَهُ. فَعَرْفنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ السُّحْتِ فِي حَقِّ الْمُعْطِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ السُّحْتِ فِي حَقِّ الْآكِلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵌: «الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ» . إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُعْطِي إذَا قَصَدَ بِهِ الظُّلْمَ، أَوْ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِغَيْرِهِ. فَأَمَّا إذَا قَصَدَ دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ،
стр. 1952
أَوْ تَحْصِيلَ مَنْفَعَةٍ لِنَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَحِقَ الضَّرَرُ بِغَيْرِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا قَصَدَهُ ظَالِمٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ إلَيْهِ، لِيَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: مَا وَجَدْنَا فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ رِشًى.
وَفِي وَصْفِهِ ذَلِكَ بِالْخَيْرِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى الْمُعْطِي فِي الْإِعْطَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ آثِمًا فِي أَخْذِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1953
[بَابٌ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
٤٠٨٣ - إذَا اسْتَحْلَفَ مَلِكُهُمْ الْأَسِيرَ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ أَلَّا يَخْرُجَ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ، وَإِنْ كَانَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، فَالْإِكْرَاهُ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْيَمِينِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوهُ وَحَلَّفُوهُ أَلَّا يَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ: فِ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَحْنُ نَسْتَعِينُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.» .
٤٠٨٤ - فَإِنْ كَانَ حَلَفَ أَلَّا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ الْمَلِكِ، ثُمَّ خَرَجَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ. لِأَنَّ هَذَا الْخُرُوجَ بِالصِّفَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ.
وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ حَانِثٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَلِكُ قَدْ مَاتَ.
فَإِنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يُوجِبُ تَوْقِيتَ الْيَمِينِ بِحَيَاتِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ عُزِلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ.
فَإِنَّ اعْتِبَارَ إذْنِهِ حَالَ قِيَامِ سَلْطَنَتِهِ، فَتَوْقِيتُ الْيَمِينِ بِهِ، إلَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَصْلُهُ فِي الْمَدِينِ إذَا حَلَفَ أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْبَلْدَةِ
стр. 1954
إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، أَوْ الْمَرْأَةُ إذَا حَلَفَتْ أَلَّا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّتُ الْيَمِينُ بِحَالِ قِيَامِ الدَّيْنِ، وَحَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ، إلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَكَذَلِكَ إنْ أُعِيدَ عَلَى مُلْكِهِ بَعْدَ مَا عُزِلَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ بَطَلَتْ حِينَ عُزِلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَهِيَ بَعْدَ مَا بَطَلَتْ لَا تَعُودُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِجَارِيَتِهِ عَبْدِي حُرٌّ إنْ خَرَجْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَبَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا ثُمَّ خَرَجَتْ، أَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فَأَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ لَمْ يَحْنَثْ لِمَا قُلْنَا. .
٤٠٨٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّفَ السُّلْطَانُ رَجُلًا لِتَرْفَعَن إلَيَّ كُلَّ دَاعِرٍ تَعْرِفُهُ فِي مَحَلَّتِك فَعُزِلَ ثُمَّ أُعِيدَ عَلَى حَالِهِ، فَعَلِمَ بِدَاعِرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَلَوْ كَانَ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ عَزْلِهِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ إلَيْهِ حَتَّى عَزَلَهُ كَانَ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَيْهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، أَوْ بَعْدَ الْإِعَادَةِ إلَى السَّلْطَنَةِ
وَهَذِهِ فُصُولٌ ذَكَرْنَاهَا فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ. .
٤٠٨٧ - وَإِنْ كَانَ حَلَفَ الْأَسِيرُ لَهُمْ أَلَّا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ
стр. 1955
مَلِكِهِمْ وَلَمْ يَصْمُدْ بِمَلِكٍ بِعَيْنِهِ فَعُزِلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ ثُمَّ خَرَجَ الْأَسِيرُ كَانَ حَانِثًا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ إنَّمَا وَقَعَتْ هَا هُنَا عَلَى اسْتِئْذَانِ أَيِّ مَلِكٍ وَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ.
فَإِنْ مَاتَ مَلِكُهُمْ أَوْ عُزِلَ، وَلَمْ يُوَلُّوا غَيْرَهُ حَتَّى خَرَجَ الْأَسِيرُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَلِكَ عَلَيْهِمْ الْآنَ، وَهُوَ بِيَمِينِهِ إنَّمَا اسْتَلْزَمَ اسْتِئْذَانَ الْمَلِكِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ لَا يَكُونُ هُوَ بِالْخُرُوجِ مُرْتَكِبًا مَحْظُورَ الْيَمِينِ، فَلَا يَحْنَثُ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْتَهَى بِعَزْلِ الْأَوَّلِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى وَلَّوْا غَيْرَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ حَانِثًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ارْتَكَبَ مَحْظُورَ الْيَمِينِ. .
٤٠٨٨ - قَالَ وَلَوْ حَلَفَ أَلَّا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ الْمَلِكِ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَيَمِينُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَلِكِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي كَلَامِهِ هَا هُنَا، وَهُوَ الْمَعْهُودُ، فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ الْمَلِكَ الْمَعْهُودَ خَاصَّةً، وَصَارَ تَعَيُّنُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَتَعْيِينِهِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ. .
٤٠٨٩ - قَالَ: وَإِذَا أَحْرَمَ الْيَسِيرُ فِي أَيْدِيهِمْ وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَبْلُغَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ وَيَفْدُونَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ الْعَدُوُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ.؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِأَدَاءِ النُّسُكِ بَعْدَ صِحَّةِ إحْرَامِهِ، فَكَانَ مُحْصَرًا وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْمُحْصَرِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَذَكَرَ هُنَا
стр. 1956
أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَدْيٍ يَبْعَثُهُ لِيَتَحَلَّلَ بِهِ، فَإِنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ كَانَ يَقُولُ يَتَحَلَّلُ بِصَوْمِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، بِالْقِيَاسِ عَلَى هَدْيٍ الْمُتْعَةِ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَقُولُونَ يَتَحَلَّلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَأَمَّا الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُحْصَرِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ بِالْهَدْيِ خَاصَّةً، وَكَوْنُ الصَّوْمِ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ فِي الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ هُنَا.
وَلَا يُقَاسُ الْمَنْصُوصُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عِنْدَنَا، إنَّمَا يُقَاسُ عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَمَّا التَّنْزِيلُ لَا يُقَاسُ بِعَيْنِهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَعْلُومَ بِالتَّنْزِيلِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَمَا ثَبَتَ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ، وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا هَذَا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ فِي (تَمْهِيدِ الْفُصُولِ فِي الْأُصُولِ) . وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1957
[بَابٌ الْعَيْنُ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ]
١٩٠ - بَابٌ الْعَيْنُ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ عَيْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَكْتُبُ إلَيْهِمْ بِعَوْرَاتِهِمْ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ طَوْعًا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يُوجِعُهُ عُقُوبَةً وَقَدْ أَشَارَ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي كَلَامِهِ إلَى أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ قَالَ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ، وَقَالَ: يَوْجَعُ عُقُوبَةً وَلَمْ يَقُلْ: يُعَزَّرُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ التَّعْزِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، فَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا صَنَعَ الطَّمَعُ، لَا خُبْثُ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ، وَبِهِ أُمِرْنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] . وَقَالَ ﵌: «لَا تَطْلُبَنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي أَخِيك سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا» .
وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ «حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى قُرَيْشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، يَغْزُوكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. . . الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: مَهْلًا يَا عُمَرُ فَلَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» .
فَلَوْ كَانَ بِهَذَا كَافِرًا
стр. 1958
مُسْتَوْجِبًا لِلْقَتْلِ مَا تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، بَدْرِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَدْرِيٍّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَزِمَهُ الْقَتْلُ بِهَذَا حَدًّا مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إقَامَتَهُ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] .
فَقَدْ سَمَّاهُ مُؤْمِنًا، وَعَلَيْهِ دَلَّ قِصَّةُ أَبِي لُبَابَةَ حِينَ اسْتَشَارَهُ بَنُو قُرَيْظَةَ فَأَمَرَّ أُصْبُعَهُ عَلَى حَلْقِهِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُمْ لَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَتَلَهُمْ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
- وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ هَذَا ذِمِّيٌّ فَإِنَّهُ يَوْجَعُ عُقُوبَةً وَيُسْتَوْدَعُ السَّجْنَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا نَقْضًا مِنْهُ لِلْعَهْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ بِهِ نَاقِضًا أَمَانَةً، فَإِذَا فَعَلَهُ ذِمِّيٌّ لَا يَكُونُ نَاقِضًا أَمَانَةً أَيْضًا.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ بِهِ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ، وَإِنْ كَانَ قَطَعَ الطَّرِيقَ مُحَارَبَةً مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالنَّصِّ فَهَذَا أَوْلَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ مُسْتَأْمَنٌ فِينَا فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ نَاقِضًا لِأَمَانَةٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ.
إلَّا أَنَّهُ يُوجَعُ عُقُوبَةً فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَقَصَدَ بِفِعْلِهِ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ. .
стр. 1959
- فَإِنْ كَانَ حِينَ طَلَبَ الْأَمَانَ قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ آمَنَّاك إنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ آمَنَّاك عَلَى أَنَّك إنْ أَخْبَرْت أَهْلَ الْحَرْبِ بِعَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا أَمَانَ لَك، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يَكُونُ مَعْدُومًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فَقَدْ عَلَّقَ أَمَانَهُ هَا هُنَا بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ عَيْنًا، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ عَيْنٌ كَانَ حَرْبِيًّا لَا أَمَانَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ.
- وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَصْلُبَهُ حَتَّى يَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا فَلَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقْتُلَهُ هَا هُنَا، لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ.
فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الرَّجُلِ امْرَأَةٌ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا قَصَدَتْ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَرْبِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا إذَا قَاتَلَتْ، إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ صَلْبُهَا؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ أَوْلَى.
- وَإِنْ وَجَدُوا غُلَامًا لَمْ يَبْلُغْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ فَيْئًا وَلَا يُقْتَلُ
стр. 1960
لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ خِيَانَةً يَسْتَوْجِبُ الْقَتْلَ بِهَا، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ الصَّبِيِّ إذَا قَاتَلَ فَأَخَذَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إذَا قَاتَلَتْ فَأَخَذَتْ أَسِيرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا.
وَالشَّيْخُ الَّذِي لَا قِتَالَ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا. .
- وَإِنْ جَحَدَ الْمُسْتَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي وَجَدُوهُ مَعَهُ إنَّمَا وَجَدْته فِي الطَّرِيقِ وَأَخَذْته فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ آمِنٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مَا يَنْفِي أَمَانَهُ كَانَ حَرَامَ الْقَتْلِ.
فَإِنْ هَدَّدُوهُ بِقَيْدٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ حَتَّى أَقَرَّ بِأَنَّهُ عَيْنٌ، فَإِقْرَارُهُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ، وَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِالْحَبْسِ أَوْ الْقَتْلِ وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عَيْنًا إلَّا بِأَنْ يُقِرَّ بِهِ عَنْ طَوْعٍ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ، وَيُقْبَلُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ فِينَا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ حُجَّةٌ عَلَى الْحَرْبِيِّ.
стр. 1961
- وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامُ مَعَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ كِتَابًا فِيهِ خَطُّهُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، إلَى مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ يُخْبِرُ فِيهِ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَحْبِسُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمَلٌ فَلَعَلَّهُ مُفْتَعَلٌ، وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْمُحْتَمَلِ، وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَلَّى سَبِيلَهُ وَرَدَّ الْمُسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَدَعْهُ لِيُقِيمَ بَعْدَ هَذَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَوْمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الرِّيبَةَ فِي أَمْرِهِ قَدْ تَمَكَّنَتْ، وَتَطْهِيرُ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1962
[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَالْوَصَايَا]
- قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مَقْبُولَةٌ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ لَا اخْتِلَافُ النِّحْلَةِ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ فِيهِمْ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ.
وَعَلَى هَذَا حُكْمُ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ، وَحَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ كَحَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِينَ؛ وَلِهَذَا لَا يُتْرَكُ الْمَمْلُوكُ الذِّمِّيُّ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْمَنِ مُدَّةَ مَقَامِهِ فِينَا، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، كَمَا لَا يُتْرَكُ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الذِّمِّيِّ.
- وَوَصِيَّةُ الْمُسْتَأْمَنِ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ تَكُونُ صَحِيحَةً، وَلَيْسَ لِوَارِثِهِ فِيهَا حَقُّ الرَّدِّ لِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِهِ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ وَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ
стр. 1963
فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عِنْدَ عَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْتَأْمَنُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ. .
- وَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالثُّلُثِ تَكُونُ صَحِيحَةً بِمَنْزِلَةِ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَوَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ، إلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ يَهَبُوا لَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ. .
- فَإِنْ كَانَ وَارِثُ الْمُسْتَأْمَنِ مَعَهُ بِأَمَانٍ فِينَا لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ، فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ لِأَنَّ حَقَّ وَارِثِهِ هَا هُنَا مُرَاعًى بِسَبَبِ الْأَمَانِ كَحَقِّهِ.
فَإِنْ حَضَرَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ شَارَكَ الَّذِي كَانَ حَاضِرًا فِي مِيرَاثِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ قَدْ بَطَلَتْ لِعَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَيَبْقَى ذَلِكَ مَوْرُوثًا عَنْهُ بَيْنَ جَمِيعِ وَرَثَتِهِ.
وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْحَاضِرُ مَعَهُ زَوْجَتُهُ أَوْ ابْنُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقْضِيَ بِمِيرَاثِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ بِمِيرَاثِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ فِي مَالٍ يَكُونُ إبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ. .
стр. 1964
- وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِينَا أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ الْمُوصَى لَهُ وَابْنُ الْمَيِّتِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْمَالِ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِوَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَالُ مُحْتَرَمًا لِحَقِّ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى مَنْ وَضَعَهُ الْمَيِّتُ فِيهِ.
- وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ أَهْلِ دَارٍ غَيْرِ دَارِهِ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ بَاطِلَةٌ، لِتَبَايُنِ الدَّارِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يُوصِي لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ تَبَايُنَ الدَّارِ هَا هُنَا غَيْرُ مَوْجُودٍ صُورَةً وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حُكْمًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ أَسِيرٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ تَبَايُنُ الدَّارِ حُكْمًا، فَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ قَدْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ زَوْجَتَهُ لَوْ خَرَجَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَتْ قَبْلَ إسْلَامِهِ. .
стр. 1965
- وَلَوْ كَانَ أَوْصَى لَهُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ فَوَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ يَوْمَ أَوْصَى لَهُ، وَقَدْ كَانَ مَيِّتًا عِنْدَ ذَلِكَ حُكْمًا، فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ الْبَاطِلَةُ لَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً بِإِسْلَامِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ وَصِيَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْمَوْقُوفَ لَا الْبَاطِلَ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ ابْنِ أَخِي فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَ سَمَّاهُ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِابْنِ أَخِي بِكَذَا وَلَمْ يُسَمِّ الِابْنَ بِعَيْنِهِ فَأَسْلَمَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ عَمِّهِ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصْمَدْ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ هُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، اعْتِبَارًا لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمُوصَى بِهِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَخِيهِ ابْنٌ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الِابْنُ الْوَصِيَّةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ. .
- قَالَ: وَلَوْ وَهَبَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي مَرَضِهِ مَالَهُ كُلَّهُ لِابْنِهِ الَّذِي هُوَ مَعَهُ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ لَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَأَرَادَ نَقْضَ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ
следующие страницы →