← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

- وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامُ مَعَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ كِتَابًا فِيهِ خَطُّهُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، إلَى مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ يُخْبِرُ فِيهِ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَحْبِسُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمَلٌ فَلَعَلَّهُ مُفْتَعَلٌ، وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْمُحْتَمَلِ، وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَلَّى سَبِيلَهُ وَرَدَّ الْمُسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَدَعْهُ لِيُقِيمَ بَعْدَ هَذَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَوْمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الرِّيبَةَ فِي أَمْرِهِ قَدْ تَمَكَّنَتْ، وَتَطْهِيرُ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1962

[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَالْوَصَايَا] - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مَقْبُولَةٌ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ لَا اخْتِلَافُ النِّحْلَةِ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ فِيهِمْ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ. وَعَلَى هَذَا حُكْمُ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ، وَحَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ كَحَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِينَ؛ وَلِهَذَا لَا يُتْرَكُ الْمَمْلُوكُ الذِّمِّيُّ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْمَنِ مُدَّةَ مَقَامِهِ فِينَا، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، كَمَا لَا يُتْرَكُ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الذِّمِّيِّ. - وَوَصِيَّةُ الْمُسْتَأْمَنِ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ تَكُونُ صَحِيحَةً، وَلَيْسَ لِوَارِثِهِ فِيهَا حَقُّ الرَّدِّ لِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِهِ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ وَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ

стр. 1963

فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عِنْدَ عَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْتَأْمَنُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ. . - وَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالثُّلُثِ تَكُونُ صَحِيحَةً بِمَنْزِلَةِ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَوَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ، إلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ يَهَبُوا لَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ. . - فَإِنْ كَانَ وَارِثُ الْمُسْتَأْمَنِ مَعَهُ بِأَمَانٍ فِينَا لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ، فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ لِأَنَّ حَقَّ وَارِثِهِ هَا هُنَا مُرَاعًى بِسَبَبِ الْأَمَانِ كَحَقِّهِ. فَإِنْ حَضَرَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ شَارَكَ الَّذِي كَانَ حَاضِرًا فِي مِيرَاثِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ قَدْ بَطَلَتْ لِعَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَيَبْقَى ذَلِكَ مَوْرُوثًا عَنْهُ بَيْنَ جَمِيعِ وَرَثَتِهِ. وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْحَاضِرُ مَعَهُ زَوْجَتُهُ أَوْ ابْنُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقْضِيَ بِمِيرَاثِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ بِمِيرَاثِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ فِي مَالٍ يَكُونُ إبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ. .

стр. 1964

- وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِينَا أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ الْمُوصَى لَهُ وَابْنُ الْمَيِّتِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْمَالِ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِوَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَالُ مُحْتَرَمًا لِحَقِّ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى مَنْ وَضَعَهُ الْمَيِّتُ فِيهِ. - وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ أَهْلِ دَارٍ غَيْرِ دَارِهِ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ بَاطِلَةٌ، لِتَبَايُنِ الدَّارِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يُوصِي لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ تَبَايُنَ الدَّارِ هَا هُنَا غَيْرُ مَوْجُودٍ صُورَةً وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حُكْمًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ أَسِيرٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ تَبَايُنُ الدَّارِ حُكْمًا، فَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ قَدْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ زَوْجَتَهُ لَوْ خَرَجَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَتْ قَبْلَ إسْلَامِهِ. .

стр. 1965

- وَلَوْ كَانَ أَوْصَى لَهُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ فَوَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ يَوْمَ أَوْصَى لَهُ، وَقَدْ كَانَ مَيِّتًا عِنْدَ ذَلِكَ حُكْمًا، فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ الْبَاطِلَةُ لَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً بِإِسْلَامِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ وَصِيَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْمَوْقُوفَ لَا الْبَاطِلَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ ابْنِ أَخِي فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَ سَمَّاهُ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِابْنِ أَخِي بِكَذَا وَلَمْ يُسَمِّ الِابْنَ بِعَيْنِهِ فَأَسْلَمَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ عَمِّهِ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصْمَدْ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ هُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، اعْتِبَارًا لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمُوصَى بِهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَخِيهِ ابْنٌ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الِابْنُ الْوَصِيَّةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ. . - قَالَ: وَلَوْ وَهَبَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي مَرَضِهِ مَالَهُ كُلَّهُ لِابْنِهِ الَّذِي هُوَ مَعَهُ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ لَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَأَرَادَ نَقْضَ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ

стр. 1966

لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِهَذَا الِابْنِ الَّذِي جَاءَ حُرْمَةٌ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إنَّمَا لَا تَجُوزُ لِحَقِّ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ الْحَقُّ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصَى تَمَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ يَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُبْطِلَهُ. - وَإِنْ كَانَ مَجِيءُ هَذَا الِابْنِ قَبْلَ مَوْتِ وَالِدِهِ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ هِبَتَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُدَّعِي الْحَقِّ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَكَانَ تَصَرُّفُ الْأَبِ إيثَارًا لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ عَلَى الْبَعْضِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. ثُمَّ إنْ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ لَهُ بَعْدَ هَذَا شَارَكَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ حِينَ بَطَلَتْ صَارَ الْمَالُ مِيرَاثًا عَنْ الْمَيِّتِ. - وَلَوْ كَانَ الِابْنُ الَّذِي جَاءَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ أَجَازَ الْهِبَةَ لِأَخِيهِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، قَبْلَ مَجِيءِ الْآخَرِ أَوْ بَعْدَهُ، جَازَتْ الْهِبَةُ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ إجَازَتِهِ فَقَدْ صَارَ الْمَالُ مِيرَاثًا بَيْنَ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ، أَثْلَاثًا، ثُمَّ إنَّمَا تَعْمَلُ إجَازَةُ الْمُجِيزِ فِي نَصِيبِهِ لَا فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَ الِابْنُ الْحَاضِرُ الْمِيرَاثَ فَاسْتَهْلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ الِابْنُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ هَا هُنَا ابْنَانِ فَأَوْصَى لَهُمَا بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ وَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَالِ مَقْسُومًا.

стр. 1967

وَقَبَضَهُ، ثُمَّ أَجَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِيرَاثَهُ مِنْ النَّصِيبَيْنِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ مِنْ الْمَالِ صَارَ مِيرَاثًا لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ إجَازَةِ الِابْنَيْنِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِجَازَتِهِمَا. . - وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ فَأَوْصَى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَأَجَازَ الِابْنُ الْوَصِيَّةَ لِنَفْسِهِ، بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَهَبَ لَهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ قَدْ مَلَكَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْقَبْضِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ الْآخَرِ حَقٌّ مَرْعِيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْإِرْثِ عِنْدَ مَوْتِهِ. فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ إنَّمَا تَجِبُ بِالْمَوْتِ كَالْمِيرَاثِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمُقَارَنَةِ لَا يَنْتَفِي الْإِرْثُ لِابْنٍ آخَرَ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ الْمِيرَاثِ، وَلَا تَعْمَلُ إجَازَةُ الْمُجِيزِ فِي حَقِّهِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الِابْنَ الْمُوصَى لَهُ لَوْ أَخَذَ الْمَالَ بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ كَانَ لِلِابْنِ الْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ. - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَوَهَبَ مَالَهُ لِمُسَلِّمٍ فِيهِمْ بِأَمَانٍ وَسَلَّمَهُ، فَأَبَى وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُجِيزَ لَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي سِعَةٍ مِنْ مَنْعِ جَمِيعِ الْمَالِ مِنْهُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَلَّكَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، وَبَعْدَ تَمَامِ الْمِلْكِ مِنْهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ وَرَثَتِهِ، وَلَا حَقُّ غُرَمَائِهِ، بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنْ أَسْلَمُوا.

стр. 1968

٤١١١ - وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ أَوْصَى لَهُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ أَحَقُّ بِالْمُوصَى بِهِ طَابَ لَهُ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ وَالْغُرَمَاءَ مُلْتَزِمُونَ أَحْكَامَ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ لَمْ يَطِبْ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِمْ بِأَمَانٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُمْ أَوْ مَالًا لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ إلَّا بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ. - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا فِينَا وَهَبَ مَالَهُ لِرَجُلٍ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَأَثْبَتُوا دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ أَدَانُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبْدَأُ بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ خَصْمٌ عَنْ الْمَيِّتِ، فَإِثْبَاتُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ كَإِثْبَاتِهِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ الْبِدَايَةُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْهِبَةِ فِي الْمَرَضِ وَالْوَصِيَّةِ. فَإِنْ جَاءَ ابْنُهُ بَعْدَ هَذَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ: أُعْطَى مِيرَاثَ أَبِي مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَلْتَفِتْ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ مَرْعِيٌّ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَلَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ لِأَجْلِهِ

стр. 1969

٤١١٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ جَاءَ الْغُرَمَاءُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ دَيْنًا أَدَانُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلَ ذِمَّةٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا فِي حَيَاتِهِ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِمُوجِبِ مُعَامَلَةٍ كَانَتْ مَعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا بَعْدَ مَوْتِهِ. - قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِمَالِهِ لِأَحَدٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، بَدَأَ بِالدَّيْنِ الَّذِي اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَقْوَى، فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ بِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ، وَمَا اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَضْعَفُ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُطَالَبُ بِهِ مَا لَمْ يُسْلِمْ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْحَقَّيْنِ يَبْدَأُ بِأَقْوَاهُمَا. ثُمَّ هَا هُنَا يُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ مَا اسْتَدَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ مَا يَفْضُلُ مِنْ غُرَمَاءِ دَارِ الْإِسْلَامِ مَوْقُوفٌ عَلَى حَقِّ وَرَثَتِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِمَا اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي حَقِّهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَالْفَضْلُ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ لِلْمُوصَى لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ الدَّيْنُ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. . - وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَأْمَنُ فِينَا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ مَوْقُوفٌ فِي يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ جَعَلَهُ الْإِمَامُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ

стр. 1970

الْمَالِ حَتَّى يَحْضُرَ وَارِثُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إلَيْهِ، وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ يَأْتِي مِنْ وَرَثَتِهِ يُعْطِيهِ حِصَّتَهُ، وَيَقِفُ الْفَضْلُ حَتَّى يَأْتِيَ مُسْتَحِقُّهُ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ قَسَّمَ الْإِمَامُ ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ وَارِثٌ لَهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَقِيَ فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ فِي مَالِ ذِمِّيٍّ يَمُوتُ وَلَا وَارِثَ لَهُ. . - وَلَوْ جَرَحَ الْمُسْتَأْمَنُ رَجُلًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَعَفَا لَهُ عَنْ الْجِرَاحَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَ وَارِثُهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ مُوصٍ لِقَاتِلِهِ بِالدِّيَةِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا نَفَذَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ لَا يَبْطُلُ لِحَقِّ الْوَارِثِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ هَذَا. - وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ قَدِمَ فِي حَيَاتِهِ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِقَاتِلِهِ إنْ كَانَ أَوْصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَفَا عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَكَانَ الْوَاجِبُ الْقِصَاصَ بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُسْتَأْمَنًا مِثْلَهُ جَازَ الْعَفْوُ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْقَوَدِ لَيْسَ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي شَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ خَطَأً جَازَ مِنْ الثُّلُثِ.

стр. 1971

لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بِالدِّيَةِ لِلْعَاقِلَةِ لَا لِلْقَاتِلِ. ٤١١٨ - وَلَوْ كَانَ أَوْصَى لِقَاتِلِهِ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلِابْنِهِ الَّذِي قَدِمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنِصْفِ مَالِهِ، فَأَجَازَ الِابْنُ لِلْقَاتِلِ، ثُمَّ قَدِمَ ابْنٌ آخَرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِيرَاثَهُ مِنْ الْوَصِيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ مَا كَانَتْ صَحِيحَةً قَبْلَ الْإِجَازَةِ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَرَثَةِ، فَصَارَ الِابْنُ الْآخَرُ مُسْتَحِقًّا نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ كُلِّهِ، ثُمَّ إنَّمَا تَعْمَلُ إجَازَةُ أَحَدِ الِابْنَيْنِ فِي نَصِيبِهِ لَا فِي نَصِيبِ أَخِيهِ. - وَلَوْ كَانَ وَهَبَ لِقَاتِلِهِ فِي مَرَضِهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ هَا هُنَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ وَارِثَهُ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَحَقُّهُ غَيْرُ مَرْعِيٍّ. - وَلَوْ كَانَ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ذُو قَرَابَةٍ لَهُ، مَحْجُوبٌ مِمَّنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَالَ هَذَا الْقَرِيبُ: إنْ جَعَلْتُمْ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمَيِّتِ فَأَنَا أَوْلَى بِمَالِهِ آخُذُهُ بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا إنْ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ وَالْهِبَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ نَجْعَلَهُ مِيرَاثًا عَنْهُ، وَإِذَا صَارَ مِيرَاثًا كَانَ الْأَقْرَبُ الَّذِي جَاءَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْلَى بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ تُوجَدْ الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ أَصْلًا، فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَالِ يَكُونُ هَذَا إبْطَالَ هِبَتِهِ لِحَقِّ وَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.

стр. 1972

مِنْ حَاشِيَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى مَسْأَلَةٍ فِي بَابِ مَتَى يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا لَيْسَ مِنْ إمْلَاءِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ ﵀ بَلْ مِنْ نُسْخَةِ الْقَاضِي مَحْمُودٍ الْأُوزْجَنْدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَصُورَةُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ فَاسْتَحَقَّهَا. يُحْتَمَلُ أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ مَا أَمْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ جُزْءٌ مِنْ الرِّوَايَةِ وَأَمْلَاهُ وَلَكِنْ وَقَعَ مِنْ يَدِ مَنْ نَقَلَ كُتُبَهُ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ شَرَحُوا مَا يَرْوِيهِ فَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ هَا هُنَا مِنْ شَرْحِ قَاضِي الْقُضَاةِ مَحْمُودٍ الْأُوزْجَنْدِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. . - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ لِمُسْلِمٍ، ثُمَّ مَاتَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ الْمِيرَاثُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ بَيْنَهُمَا، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصِيَّتِهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَهِيَ بَاطِلَةٌ، إلَّا أَنْ يَدْفَعُوهَا إلَيْهِ وَيُسَلِّمُوهَا، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ خَرَجَتْ بَاطِلَةً، وَالْبَاطِلُ لَا يَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ.

стр. 1973

- وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ يَوْمَ أَوْصَى لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، وَلَمْ يُقَسِّمُوا الْمِيرَاثَ، فَإِنِّي أُنَفِّذُ الْوَصِيَّةَ لَهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَأُقَسِّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا الْوَصِيَّةُ فَجَائِزَةٌ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهِيَ دَارٌ وَاحِدَةٌ، فَجَازَتْ الْوَصِيَّةُ كَالْمُسْلِمِ إذَا أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ بِوَصِيَّةٍ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، ثُمَّ الْوَصِيَّةُ تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجْرِي فِي هَذَا الْمَالِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ جَوَازُ الْوَصِيَّةِ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ كَانُوا اقْتَسَمُوا الْمِيرَاثَ وَقَبَضُوهُ فَأَبْطَلُوا الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ جَرَى فِي هَذَا الْمَالِ حُكْمُهُمْ فَلَا نَتَعَرَّضُ لِمَا مَضَى فِيهِ مِنْ حُكْمِهِمْ. (أَلَا تَرَى) لَوْ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الْمَوَارِيثَ عَلَى خِلَافِ قِسْمَةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، لَا يَتَعَرَّضُ لِتِلْكَ الْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1974

[بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْأَسِيرُ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ] ١٩٢ - بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْأَسِيرُ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ وَهَذَا الْبَابُ بِهَذَا النَّظْمِ قَدْ مَرَّ فِي الزِّيَادَاتِ، وَقَدْ مَرَّتْ مَسَائِلُهُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، فَلَا نُعِيدُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .

стр. 1975

[بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الرَّجُلُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ] ١٩٣ - بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الرَّجُلُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ٤١٢٣ - وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ صَارَ ذِمَّةً، أَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَطَعْت يَدَك وَأَنْتَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ قَالَ: أَخَذْت مِنْك هَذِهِ الْأَلْفَ وَأَنْتَ حَرْبِيٌّ فَهُوَ لِي. أَوْ قَالَ أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَاسْتَهْلَكْتهَا، أَوْ قَالَ سَبَيْت ابْنَك هَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ: بَلْ فَعَلْت ذَلِكَ كُلَّهُ بِي بَعْدَ مَا أَسْلَمْت، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ فَيُضَمِّنُهُ الْمُقَرُّ لَهُ دِيَةَ الْيَدِ وَيَأْخُذُ ابْنَهُ وَالْأَلْفَ الْقَائِمَةَ بِعَيْنِهَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَالَ إذَا كَانَ قَائِمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَقَرِّ لَهُ يَأْخُذُهُ مِنْ يَدِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْأَلْفِ الْقَائِمَةِ بِعَيْنِهَا

стр. 1976

لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ، ثُمَّ يَدَّعِي التَّمَلُّكَ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ. وَأَمَّا فِي الْمُسْتَهْلَكِ فَإِنَّمَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَصْدُقُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إقْرَارَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ بِنَفْيِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، فَكَانَ مُنْكَرًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْحَقِيقَةِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَلَا يُلْزِمُهُ بِشَيْءٍ. كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلَّقْتهَا وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ وَيَكُونُ إنْكَارًا لِلطَّلَاقِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا إذَا أَقَرَّ بِالْجِنَايَةِ ثُمَّ ادَّعَى سُقُوطَ حُكْمِهِ بِالْمِلْكِ فَلَا يُصَدَّقُ، كَمَا إذَا قَالَ أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْجِنَايَةِ وَهُوَ الْأَخْذُ ثُمَّ ادَّعَى سُقُوطَ حُكْمِهِ بِالْمِلْكِ فَلَا يُصَدَّقُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا. وَلِهَذَا الْبَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الزِّيَادَاتِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .

стр. 1977

[بَابٌ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ وَيَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ] رَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِإِسْنَادِهِ ٤١٢٤ - عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ: مَنْ اسْتَخْمَرَ يَعْنِي مَنْ اسْتَعْبَدَ قَوْمًا أَوَّلُهُمْ أَحْرَارٌ أَوْ جِيرَانٌ مُسْتَضْعَفُونَ فَإِنْ كَانَ قَهَرَهُمْ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَدْخُلَ الْإِسْلَامُ فِي بَيْتِهِ فَهُمْ لَهُ عَبِيدٌ وَمَنْ كَانَ مُهْمِلًا يُعْطِي الْخَرَاجَ فَهُوَ عَتِيقٌ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ اسْتَخْمَرَ مَعْنَاهُ اسْتَعْبَدَ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ نَظِيرُ تَفْسِيرٍ ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ﵀ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِأَبِي عُبَيْدٍ، وَهِيَ لُغَةً الْيَمَنُ، هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ الرَّجُلُ الْآخَرُ: أَخَمَرَنِي كَذَا، أَيْ مَلَّكَنِي إيَّاهُ وَأَعْطَنِيهِ هِبَةً. ثُمَّ الْأَمْرُ عَلَى مَا هُوَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَصَرَهُمْ فِي بَيْتِهِ وَقَهَرَهُمْ فَقَدْ مَلَكَهُمْ وَصَارُوا رَقِيقًا لَهُ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ فَيُسَلَّمُ لَهُ لِقَوْلِهِ ﵌: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» فَأَمَّا إذَا كَانَ مُهْمَلًا يُؤَدِّي الْخَرَاجَ فَهُوَ عَتِيقٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْمِلْكُ إلَّا أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إلَّا الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ، وَنَفْسُ الطَّاعَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّقِّ، فَإِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مُطِيعٍ سُلْطَانُهُ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا هُمْ عَبِيدًا لَهُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.

стр. 1978

٤١٢٥ - وَكَذَلِكَ أَهْلُ الرُّخَّجِ وَزَابُلِسْتَانَ، وَدُونَهُمَا، قَهَرَهُمْ التُّرْكُ فَاسْتَعْبَدُوهُمْ وَصَارُوا مَمْلُوكِينَ لَهُمْ، يَبِيعُونَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءُوا، فَإِذَا أَسْلَمَ أَهْلُ التُّرْكِ وَأَسْلَمَ أَهْلُ الْبَلَدِ مَعَهُمْ فَهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ يَصْنَعُونَ بِهِمْ مَا شَاءُوا لِمَا قُلْنَا. وَالرُّخَّجُ اسْمُ مَوْضِعٍ يَقُولُ فِيهِ قَائِلُهُمْ: وَالرُّخَّجِيُّونَ لَا يُوفُونَ مَا وَعَدُوا ... وَالرُّخَّجِيَّاتُ يُنْجِزْنَ الْمَوَاعِيدَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1979

[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَيُقِيمُ فِي دَارٍ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُتْرَكُ لَا يُؤَدِّي الْخَرَاجَ] - قَالَ مُحَمَّدٌ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَبَى نَاسٌ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ فَخَرَجَ مَعَهُمْ نَاسٌ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ بِأَمَانٍ، فَلَمَّا وَقَعُوا بِالشَّامِ تَفَرَّقُوا مَعَ قَرَابَاتِهِمْ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ لَا يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ، فَكُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فِيهِمْ. فَكَتَبَ أَنْ أَخْبِرُوهُمْ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يُقِيمُوا مَعَ أَهْلِ ذِمَّتِنَا بِمِثْلِ مَا يُعْطِي مِثْلُهُمْ مِنْ الْخَرَاجِ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَسَيِّرُوهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ بِأَمَانٍ. اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا طَالَ مَقَامُهُ فِي دَارِنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ لَهُ، إنْ أَقَمْت سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا أَخَذْت مِنْك الْخَرَاجَ، فَإِنْ أَقَامَ

стр. 1980

مِنْ حِينِ تَقُومُ إلَيْهِ جُعِلَ ذِمَّةً وَمُنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قُدِّرَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّ فِيمَا دُونَ السَّنَةِ لَا يَجِبُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ، وَإِذَا تَمَّتْ السَّنَةُ يَلْزَمُهُ كُلُّ خِطَابٍ فَصَارَ مَا دُونَ السَّنَةِ قَلِيلًا، وَالسَّنَةُ كَثِيرٌ، فَإِذَا مَكَثَ سَنَةً فَقَدْ طَالَ مُقَامُهُ فِي دَارِنَا، فَصَارَ مِنْ أَهْلِهَا ذِمِّيًّا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1981

[بَابٌ الْعَقَارُ يُمْلَكُ فِي دَارِ الْحَرْبِ] قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٤١٢٧ - إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَاكْتَسَبَ مَالًا وَاشْتَرَى وَبَاعَ، فَمَلَكَ خَيْلًا وَسِلَاحًا وَدُورًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ، فَلَهُ جَمِيعُ مَا اكْتَسَبَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْعَقَارَ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، أَمَّا مَا سِوَى الْعَقَارِ لَا يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ مَا سِوَى الْعَقَارِ مِنْ مَنْقُولٍ هُوَ فِي يَدِهِ، وَيَدُهُ غَيْرُ مَغْنُومٍ، فَمَا فِي يَدِهِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْعَقَارُ فَهُوَ تَحْتَ يَدِ مَلِكِهِمْ، وَمَلِكُهُمْ مَغْنُومٌ، فَمَا فِي يَدِهِ مَغْنُومٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فِي الرَّجُلِ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ عَقَارٌ، فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ أَنَّ عَقَارَهُ لَا يَكُونُ فَيْئًا فَعَلَى قِيَاسِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ عَقَارُ هَذَا الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ لَا يَكُونُ فَيْئًا، كَمَا لَا يَكُونُ مَنْقُولُهُ فَيْئًا. وَرَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكِتَابِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ الْوَضِينِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ هِشَامٍ، عَنْ

стр. 1982

سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَنْ مَنَحَهُ الْمُشْرِكُونَ أَرْضًا فَلَا أَرْضَ لَهُ» . وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «مَنْ مَنَحَهُ الْمُشْرِكُونَ دَارًا فَلَا دَارَ لَهُ» . وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْمِنْحَةِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَدُومُ مِلْكُهُ فِيهَا، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا تَصِيرُ لَهُمْ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1983

[بَابٌ مَا يَكُونُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَمَنْ يَكُونُ لَهُ رَقِيقًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: ٤١٢٩ إذَا غَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَاِتَّخَذُوهُمْ عَبِيدًا وَإِمَاءً لِلْمَلِكِ، ثُمَّ إنَّ الْمَلِكَ وَأَهْلَ أَرْضِهِ أَسْلَمُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْ جُنْدِهِ الَّذِينَ غَلَبَهُمْ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا فِي قَهْرِ الْمَلِكِ، إنَّمَا هُمْ فِي طَاعَةِ الْمَلِكِ، وَالْمُطِيعُ لِلْمَلِكِ لَا يَكُونُ عَبْدًا لَهُ، كَالْمُسْلِمِ الْمُطِيعِ لِسُلْطَانِهِ لَا يَكُونُ رَقِيقًا لَهُ، فَهَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَبَقُوا عَلَى الْحُرِّيَّةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الَّذِينَ غَلَبُوا فَاِتَّخَذَهُمْ الْمَلِكُ عَبِيدًا فَهُمْ عَبِيدٌ لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي قَهْرِ الْمَلِكِ، فَالْمَقْهُورُ مِنْهُمْ يَكُونُ عَبْدًا، فَهَؤُلَاءِ عَبِيدٌ لِلْمَلِكِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَبِيدِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُونَ لَهُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا.

стр. 1984

٤١٣٠ - فَإِنْ حَضَرَ الْمَلِكَ الْمَوْتُ فَوَرِثَ ذَلِكَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَسَلَّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَنَعَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَصِيرَ ذِمَّةً، ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، جَعَلَ الْأَمْرَ عَلَى مَا صَنَعَهُ الْمَلِكُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ صَنَعَ كَانَ الْحُكْمُ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حُكْمٌ، فَلَا يَتَعَرَّضُ لِحُكْمِهِ، بَلْ يَمْضِي. - وَإِنْ كَانَ صَنَعَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً لَمْ يَجُزْ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ جَمِيعُ مَالِهِ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ، عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ جَارٍ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا مَا يُوَافِقُ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا جَوْرٌ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْقُضُ حُكْمَهُ. - وَإِنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَلَهُ أَوْلَادٌ، فَقَسَّمَ مِلْكَهُ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلَ لِكُلِّ ابْنٍ نَاحِيَةً مِنْ مِلْكِهِ، وَأَرْضِهِ مَعْلُومَةٌ مِلْكُهُ عَلَيْهَا، وَجَعَلَ مَا فِيهَا مِنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ لَهُ خَاصَّةً، وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً فَمَا صَنَعَ بَاطِلٌ، وَجَمِيعُ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ رَقِيقٌ، مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ.

стр. 1985

لِأَنَّ هَذَا إيثَارُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: إنَّ جَمِيعَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ إخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ مَتَى أَعْطَى عَيْنًا لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَقَّهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ مِنْ الْمِيرَاثِ، أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَجَمِيعُ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ. - وَإِنْ جَعَلَ كُلَّهُ لِابْنٍ وَاحِدٍ مِنْ بَنِيهِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُوَادِعٌ، فَوَثَبَ لَهُ ابْنٌ آخَرُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، وَظَهَرَ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَكِنْ نَفَاهُ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا جَازَ لِلِابْنِ الْقَاهِرِ مَا صَنَعَ، وَكَانُوا جَمِيعًا عَبِيدًا لَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْقَهْرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبُ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَالِابْنُ الْقَاهِرُ مَلَكَ عَبِيدَ أَخِيهِ الْمَقْهُورِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَبَقُوا عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ صَنَعَ ذَلِكَ وَهُمَا مُسْلِمَانِ رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ مَالَ مُسْلِمٍ آخَرَ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَكَيْفَ يَمْلِكُ مَالُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ. - وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالِابْنُ الْمَقْهُورُ مُسْلِمًا، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ إنْ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً

стр. 1986

لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ الْأَجْنَبِيِّ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَكَذَلِكَ مَالُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. - فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ فَإِنْ وَجَدَهُمْ الِابْنُ الْمَقْهُورُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُمْ بِالْقِيمَةِ كَمَا لَوْ قَهَرَهُمْ أَجْنَبِيٌّ وَأَخَذَهُمْ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَإِنْ دَخَلَ تَاجِرٌ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ إلَى هَذَا الِابْنِ الْقَاهِرِ فَاشْتَرَى رَقِيقًا مِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ - فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِابْنَ الْقَاهِرَ مَلَكَهُمْ وَالْتَحَقُوا بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، فَحَلَّ لَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ. - فَإِنْ أَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَالِابْنُ الْمَقْهُورُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُمْ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ صَنَعَ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَأَخُوهُ الْمَقْهُورُ مُسْلِمٌ أَيْضًا لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُ مِنْ أُولَئِكَ الرَّقِيقِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الِابْنَ الْقَاهِرَ لَمْ يَمْلِكْهُمْ بِالْقَهْرِ، فَهَذَا غَصْبٌ فِي يَدِهِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْغَاصِبِ. فَإِنْ اشْتَرَاهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ رُدَّ إلَى الِابْنِ الْمَقْهُورِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ فَيُرَدُّ إلَيْهِ.

стр. 1987

٤١٣٧ - فَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ مُسْلِمًا يَوْمَ فَعَلَ هَذَا بِأَخِيهِ، وَأَخُوهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَنَفَاهُ عَنْ الدَّارِ، وَلَمْ يُحْدِثَ فِي الرَّقِيقِ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ الِابْنَ الْقَاهِرَ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَقَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، وَغَلَبَ عَلَى الرَّقِيقِ، وَأَجْرَى حُكْمَ الشِّرْكِ فِي دَارِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ، وَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ شَيْئًا فَإِنْ وَجَدَهُ الِابْنُ الْمَقْهُورُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ارْتَدَّ صَارَ حَرْبِيًّا، وَالدَّارُ صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ، فَصَارَ هَذَا مَالَ مُسْلِمٍ فِي يَدِ حَرْبِيٍّ مُحْرِزًا بِدَارِ الْحَرْبِ فَيَمْلِكُهُ، فَإِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَقَسَّمُوهُ صَارَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَأْخُذُهُ مَالِكُهُ بِالْقِيمَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 1988

[بَابٌ التَّفْرِيقُ بَيْنَ السَّبْيِ] قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٤١٣٨ - إذَا سُبِيَ السَّبْيُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَكَانُوا كِبَارًا كُلُّهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ، وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً أَوْ وَلَدًا وَأُمُّهُمْ أَوْ وَلَدًا وَآبَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى كَرَاهِيَةَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ الْمَالِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا عُرِفَتْ الْكَرَاهَةُ بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا جَاءَ بِكَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَبِيرًا وَالْآخَرُ صَغِيرًا، فَأَمَّا إذَا كَانَا كَبِيرَيْنِ فَلَا شَرْعَ فِيهِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. وَكَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْنَسُ بِصَاحِبِهِ وَيَأْلَفُ مَعَهُ، فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَخَذَهُ خَشْيَةَ الْوَحْشَةِ بِالْوَحْدَةِ وَقَلْبُ الصَّغِيرِ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَيُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا كَانَا كَبِيرَيْنِ.

стр. 1989

٤١٣٩ - فَأَمَّا إذَا كَانَتْ وَالِدَةٌ وَوَلَدٌ صَغِيرٌ أَوْ أَخَوَانِ صَغِيرَانِ، أَوْ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، أَوْ غُلَامٌ لَمْ يُدْرِكْ وَعَمَّتُهُ أَوْ خَالَتُهُ صَغِيرَةٌ مِثْلُهُ أَوْ كَبِيرَةٌ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي قِسْمَةٍ وَلَا بَيْعٍ لِمَا رَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فِي الْكِتَابِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيِّ وَهُوَ أَبُو قَبِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِيلِيُّ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي غُزَاةٍ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﵌، يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، أَنَّهُ أُتِيَ بِسَبْيٍ فَقَامَ فَنَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: ابْنِي بِيعَ فِي بَنِي عَبْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِأَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ: فَرَّقْت بَيْنَهُمَا فَلْتَرْجِعَنَّ وَلْتَأْتِيَنَّ بِهِ، فَرَجَعَ فَأَتَى بِهِ» . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ أَلَّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، وَبَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا، يَعْنِي إذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا وَالْآخَرُ كَبِيرًا. - وَإِذَا كَانَا غَيْرَ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِثْلُ بَنِي الْعَمِّ أَوْ بَنِي الْخَال، وَهُمَا صَغِيرَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا كَبِيرٌ وَالْآخَرُ صَغِيرٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ.؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرَابَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ، وَجَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى، وَوُجُوبُ

стр. 1990

الْقَطْعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَرِقَةِ مَالِ صَاحِبِهِ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَجَانِبِ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ، قَالَ: - وَالْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا إذَا سُبِيَا جَمِيعًا مَعًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ صَغِيرَيْنِ كَانَا أَوْ كَبِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَأْبَى كَرَاهِيَةَ التَّفْرِيقِ لِمَا قُلْنَا، إلَّا أَنَّا كَرِهْنَا التَّفْرِيقَ بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ جَارٍ بِكَرَاهِيَةِ التَّفْرِيقِ عِنْدَ الْوَصْلَةِ بِالنَّسَبِ لَا بِالسَّبَبِ. فَبَقِيَتْ الْوَصْلَةُ بِالسَّبَبِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبَى الْخَيْرِ قَالَ: كُنَّا فِي الْمَغَازِي لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَنُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا. فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ امْرَأَتُهُ حَيْثُ مَا كَانَتْ لَا تَبِينُ مِنْهُ بِبَيْعٍ وَلَا قِسْمَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا سُبِيَا مَعًا فَلَمْ تَتَبَايَنْ بِهِمَا الدَّارُ، فَبَقِيَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُبْطِلُهُ الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ. . - وَإِذَا مَاتَ الزَّوْجُ عَنْ امْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ وَلَهَا ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ وَعَمٌّ، كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِابْنَتِهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ، فَإِذَا بَلَغَتْ كَانَ عَمُّهَا أَحَقَّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أُمِّهَا إذَا بَلَغَتْ، فَكَذَلِكَ الْعَمُّ. وَلَكِنْ لَا تُمْنَعُ الْأُمُّ مِنْ زِيَارَةِ ابْنَتِهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي: كَمْ مُدَّةً تَزُورُ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَزُورُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: تَزُورُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. وَهَكَذَا إذَا زُفَّتْ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَلَهَا أَبَوَانِ، فَإِنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ زِيَارَةِ أَبَوَيْهَا، وَلَكِنْ أَبَوَاهَا يَزُورَانِهَا،

стр. 1991

ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَزُورَانِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَفِيمَا زَادَ عَلَى هَذَا كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا، ثُمَّ إذَا زَارَاهَا فَإِنَّمَا يَزُورَانِهَا بِحَضْرَةِ الزَّوْجِ، وَلَا يَزُورَانِهَا فِي غَيْبَتِهِ، حَتَّى لَا يُمْكِنَهَا التَّخْلِيطُ فِي بَالِهَا، فَيُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ وَالْعَدَاوَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 1992

[بَابٌ مَا يُكْرَهُ فِيهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّقِيقِ فِي الْبَيْعِ] ١٩٩ - بَابٌ مَا يُكْرَهُ فِيهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّقِيقِ فِي الْبَيْعِ قَدْ مَرَّ هَذَا الْبَابُ فِي الزِّيَادَاتِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ فَلَا نُعِيدُهُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 1993

[بَابٌ الْوَصِيَّةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَالُ يُعْطَى] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ٤١٤٣ - إذَا قَالَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ: ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِأَنْ يُصْرَفَ ثُلُثُهُ إلَى جِهَةِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي طَاعَةِ اللَّهِ. (أَلَا تَرَى) إلَى مَا رُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ» يَعْنِي فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّهُ جَعَلَ ثُلُثَ مَالِهِ فِي جِهَةِ الطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا، قَالَ: وَيُعْطِي ثُلُثَهُ لِلْفُقَرَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي يُعْطِي أَهْلَ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو. لِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ وَطَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنْ مُطْلَقُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] . وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْجِهَادُ فَكَانَ

стр. 1994

قَصْدُ الْمَيِّتِ مِنْ هَذَا أَنْ يُصْرَفَ ثُلُثُهُ إلَى جِهَةِ الْغَزْوِ، فَيُصْرَفُ إلَى مَا نَوَاهُ وَقَصَدَهُ، وَيَكُونُ مَا يُعْطُونَ مِنْ ذَلِكَ لَهُمْ، حَتَّى إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعْدَ مَا دَفَعَ إلَيْهِ، كَانَ ذَلِكَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، إنْ شَاءُوا خَرَجُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَخْرُجُوا؛ لِأَنَّ هَذَا جَعَلَ ثُلُثَ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ تَمْلِيكٌ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] . إلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وَتِلْكَ الصَّدَقَةُ شَرْطُ صِحَّتِهَا التَّمْلِيكُ، فَكَذَلِكَ الثُّلُثُ إذَا جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ صَدَقَةَ تَمْلِيكٍ، وَالصَّدَقَةُ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا قَبَضَ صَارَ لَهُ، فَإِذَا مَاتَ مِيرَاثًا عَنْهُ، ثُمَّ الْوَرَثَةُ إنْ شَاءُوا خَرَجُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَخْرُجُوا. لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ الْمَالِ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ صَارَ مَعْنَى الصَّرْفِ إلَى الْغَزْوِ كَالْمَشُورَةِ مِنْ الْمَيِّتِ كَرَجُلٍ يُعْطِي مَالَهُ فِي حَيَاتِهِ إلَى رَجُلٍ وَيَقُولُ: هُوَ لَك تَحُجُّ بِهِ أَوْ تَغْزُو بِهِ، كَانَ ذَلِكَ مَشُورَةً مِنْهُ. . - وَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَاهُ دَارًا وَقَالَ: هِيَ لَك تَسْكُنُهَا، كَانَ قَوْلُهُ تَسْكُنُهَا مَشُورَةً مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَ الْمَالَ إلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ الْمُعْطِي، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لِمَا تَمَلَّكَهُ بِالْقَبْضِ صَارَ لَهُ، وَلِوَارِثِهِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِي مِنْهَا

стр. 1995

رَجُلًا فَقِيرًا شَيْئًا، فَقَضَى بِبَعْضِهِ دَيْنًا، وَتَرَكَ بَعْضَهُ نَفَقَةً لِعِيَالِهِ، وَخَرَجَ بِبَعْضِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا بَأْسَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَمْرِ الْغَزْوِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ غَازِيًا إلَّا بِأَنْ يَخْلُفَ لِعِيَالِهِ نَفَقَتَهُ، وَيَقْضِيَ غَرِيمَهُ دَيْنًا، وَيَخْرُجَ بِبَعْضِهِ لِيَكُونَ لَهُ نَفَقَةً فِي الطَّرِيقِ، فَهَذَا هُوَ الْغَزْوُ الْمَعْرُوفُ فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ. وَإِنْ أَعْطَاهَا حَاجًّا مُنْقَطِعًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْحَاجِّ الْمُنْقَطِعِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ طَاعَةُ اللَّهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ كُلُّ خَيْرٍ وَطَاعَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: رَجُلٌ أَوْصَى إلَيَّ بِوَصِيَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْعَلُهَا فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْضَ الْحَاجِّ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْتَاجَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ إذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَانَ صَرْفُهُ إلَيْهِ أَوْلَى، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا. رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُقَرَاءِ مَكَّةَ، يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ ثُلُثُهُ إلَى غَيْرِ فُقَرَاءِ مَكَّةَ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ. - وَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ الشَّيْءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: إذَا بَلَغَ رَأْسَ مَغْزَاةٍ فَهُوَ لَهُ. فَالْمَغْزَاةُ أَرَادَ بِهِ الثَّغْرَ الَّذِي يَكُونُ بِقُرْبٍ مِنْ

стр. 1996

أَرْضِ الْعَدُوِّ فَقَدْ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الثَّغْرَ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ. وَعِنْدَنَا هُوَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ رَأْسَ الْمَغْزَاةِ، لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ صَدَقَةُ تَمْلِيكٍ، وَصَدَقَةُ التَّمْلِيكِ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِوُقُوعِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْغَازِي وَلَكِنْ كَانَ لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّرْفِ إلَى حَوَائِجِهِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الثَّغْرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى حَوَائِجِهِ، أَوْ يُخْلِفَهُ لِعِيَالِهِ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّغْرَ لَا يُمْكِنُهُ الصَّرْفُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ، فَإِنَّمَا شُرِطَ هَذَا الشَّرْطُ لِيَكُونَ مَانِعًا لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ جَعَلَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَضَاعَ الْفَرَسُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَأَرَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَا تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِك، فَإِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» ، مَعْنَى قَوْلِهِ ضَاعَ الْفَرَسُ عِنْدَ صَاحِبِهِ أَيْ بَاعَهُ صَاحِبُهُ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَقَوْلُهُ: جَعَلَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ فَرَسَهُ حَبِيسًا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِفَرَسِهِ عَلَى رَجُلٍ لِيَغْزُوَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إذْ جَعَلَهُ حَبِيسًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ:

стр. 1997

فَأَرَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَا تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِك» هَذَا دَلِيلٌ لِبَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، حَتَّى قَالَ: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَهَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ شِرَاءَهُ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ، وَالرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ حَرَامٌ. وَعِنْدَنَا لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْدَالٌ وَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَهَى لِمَكَانِ الْمُحَابَاةِ أَيْ إذَا عَلِمَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ هُوَ الَّذِي يَشْتَرِيهِ فَرُبَّمَا يُحَابِيهِ فِي الثَّمَنِ، فَيَصِيرُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُحَابِي الْمُتَصَدِّقَ لِمَكَانِ الصَّدَقَةِ، لَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ، وَلَا يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فَلَا يُكْرَهُ. - وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا حَمَلَ عَلَى بَعِيرٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إذَا جَاوَزْت وَادِيَ الْقُرَى أَوْ نَحْوَهَا مِنْ طَرِيقِ مِصْرَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا بَدَا لَك فَقَالَ بَعْضُهُمْ:

стр. 1998

هَذَا مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَمْلِيكٌ مُؤَقَّتٌ، أَيْ إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى وَجَاوَزْته فَهُوَ مِلْكٌ لَك، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَهَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ لَك. وَإِذَا كَانَ تَمْلِيكًا بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْوَادِي لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَمْلِيكًا فِي الْحَالِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مِنْهُ لِلْمَنْعِ عَنْ الصَّرْفِ إلَى حَوَائِجِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخُرُوجِ بِهِ إلَى الْغَزْوِ، فَيَكُونُ لِهَذَا الشَّرْطِ حُكْمُ الْمَشُورَةِ. وَرُوِيَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنُك، وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي رَجُلٍ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: طَاعَةُ اللَّهِ كُلُّهَا سَبِيلُهُ. وَلَكِنْ لَوْ كَانَ سُمِّيَ غَزْوًا كَانَ كَمَا قَالَ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو بِهِ سَبِيلَ اللَّهِ وَلَا يُعْطِيَ الْغَنِيَّ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " ثُلْثَيْ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصَدُّقِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ الْفُقَرَاءَ كَمَا هُوَ السَّبِيلُ فِي سَائِرِ الصَّدَقَاتِ. . - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ الْقَارَّةِ مِنْ كِنَانَةَ تُوُفِّيَ أَحَدُهُمَا وَأَوْصَى بِدَنَانِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِأَخِيهِ الْغَزْوُ مِنْ عَامِهِ فَحَجَّ بِهِ، فَلَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 1999

فَذَكَر ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسِك، فَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِك دِرْهَمًا إلَّا كُتِبَ بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا إذَا كَانَ أَخُوهُ مُحْتَاجًا، وَلَيْسَ بِوَارِثٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَقِيرٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ. فَأَمَّا إذَا كَانَ غَنِيًّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ مَحَلُّهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَارِثًا فَلَا يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ ﵌: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .

стр. 2000

[بَابٌ الْحَبِيسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٤١٤٩ - لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولَ: ذَلِكَ حَبِيسٌ عَلَى مَنْ غَزَا، وَيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ يَقُومُ بِذَلِكَ، وَيُعْطِيهِ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْقُرْبِ، وَمِنْ وُقُوفِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃. وَمِنْ التَّابِعِينَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ حَبَسُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . ثُمَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُشْكِلُ، فَإِنَّ عِنْدَهُ وَقْفَ الْمَنْقُولِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَجْرِ، كَوَقْفِ غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَكَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقْفَ الْمَنْقُولِ بَاطِلٌ إلَّا مَا جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ، وَهُوَ قَدْ جَرَى الْعُرْفُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ، بِحَبْسِ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ حَبْسُ
следующие страницы →