Полный текст (2 212 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
- وَلَوْ أَطَالُوا الْمُقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى وَقَعَ الثَّلْجُ فَصَارُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، فَعَزَمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ سَنَتَهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُمْ الثَّلْجُ فَيَخْرُجُونَ، وَهُمْ فِي غَيْرِ أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا.
لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْعَدُوُّ فَيَمْنَعُوهُمْ مِنْ الْقَرَارِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَعَنْ زُفَرَ ﵀ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ إنْ أَتَاهُمْ، يَصِحُّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ: إذَا كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ لَمْ يَصِحَّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ. وَإِنْ كَانُوا فِي الْأَبْنِيَةِ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ صَحَّتْ مِنْهُمْ الْإِقَامَةُ. وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀؛ لِمَا قُلْنَا إنَّ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ مَا يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ مِنْ الْمَقَامِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا نَوَى.
- وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ زَائِدَةَ بْنِ عُمَيْرٍ: قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إنَّا نُطِيلُ الثَّوَاءَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، يَعْنِي الْقَرَارَ، فَكَيْفَ أَنْوِي فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى أَهْلِك. قُلْت: كَيْفَ تَقُولُ فِي الْعَزْلِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ وَإِلَّا فَإِنَى أَقُولُ فِيهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مَنْ شَاءَ عَزَلَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ.
стр. 247
وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الْعَزْلِ. وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَيْضًا. وَالْيَهُودُ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ الْمَوْءُودَة الصُّغْرَى فَنَزَلَتْ الْآيَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ: إذَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ نَسَمَةٍ مِنْ صُلْبِ رَجُلٍ فَهُوَ خَالِقُهَا، وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى صَخْرَةٍ. فَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَاتْرُكُوا. وَهَكَذَا يَرْوِيه أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّهُ فِي الْعَزْلِ عَنْ الْحُرَّةِ يَحْتَاجُ إلَى رِضَاهَا لِيَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْعَزْلِ عَنْ أَمَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ.
- قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَارَبٍ لَهُمْ، بَلْ هُوَ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ بِقَدْرِ مَا نَوَاهُ كَمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
- وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَأْسِرُوهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِهِ فَهُوَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا مَا دَامَ فِي مَنْزِلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ.
- وَإِنْ سَافَرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ انْتَهَى إلَى مَقْصِدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ نَوَى أَنْ يُقِيمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَرَارِ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَارِبٍ لَهُمْ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ.
стр. 248
- قَالَ: وَالْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ إنْ أَقَامُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُرِيدُونَ الْمَقَامَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ الْمَقَامَ مَعَهُمْ بَلْ يَكُونُ عَازِمًا عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُمْ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَغْلُوبٌ فِي أَيْدِيهمْ، فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ نِيَّتُهُمْ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتَهُ، بِمَنْزِلَةِ عَبْدِ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمَا نِيَّةُ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتُهُمَا. وَكَذَلِكَ مَنْ بَعَثَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ عُمَّالِهِ لِيُؤْتَى بِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ تَنْفِيذِ قَصْدِهِ. فَمَنْ بَعَثَهُ الْخَلِيفَةُ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ حَالُ الْأَسِيرِ فِي أَيْدِيهِمْ.
- وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ انْفَلَتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إقَامَةِ شَهْرٍ فِي غَارٍ أَوْ غَيْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ. لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لَهُمْ، فَلَا تَكُونُ دَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
- وَكَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِهِمْ إذَا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ فَطَلَبُوهُ فَخَرَجَ هَارِبًا يُرِيدُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ مُسَافِرٌ، وَإِنْ أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ مُخْتَفِيًا شَهْرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ حِينَ طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ.
стр. 249
- وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ (٦٥ ب) إذَا غَدَرُوا بِهِ فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ، وَحَالُ هَؤُلَاءِ كَحَالِ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسَافِرًا. وَنِيَّتُهُ الْإِقَامَةُ لَغْوٌ، لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ.
- قَالَ: وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مُقِيمًا بِمَدِينَةٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَلَمَّا طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ اخْتَفَى فِيهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا.
٣٣٩ - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إلَى ضَيْعَتِهِ فِي بَعْضِ الْقُرَى.
٣٤٠ - وَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَيْشٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَلَا يُرِيدُونَ أَنْ يَسِيرُوا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا يَوْمًا آخَرَ فَلَقُوا الْعَدُوَّ وَقَاتَلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُكْمِلُونَ الصَّلَاةَ وَإِنْ طَالَ مَقَامُهُمْ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَبِالْقِتَالِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ.
- أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَوْ أَسْلَمُوا فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَهُمْ مُقِيمُونَ فِي مَدِينَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ.
стр. 250
وَكَذَلِكَ إنْ غَلَبَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَدْ صَارُوا مُسَافِرِينَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. فَإِنْ أَقَامُوا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَدِينَتِهِمْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ أَيْضًا.
لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ، وَمَنْ حَصَّلَ مُسَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَارِبًا لِلْمُشْرِكِينَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا.
٣٤٢ - وَإِنْ رَجَعُوا إلَى مَدِينَتِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ عَرَضُوا لَهَا فَعَادُوا فِيهَا أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّ مَدِينَتَهُمْ كَانَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ حِين أَسْلَمُوا فِيهَا. وَكَانَتْ مَوْضِعَ إقَامَةٍ لَهُمْ، فَمَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا الْمُشْرِكُونَ فَهِيَ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ فِي حَقِّهِمْ. فَيُتِمُّونَ الصَّلَاةَ إذَا وَصَلُوا إلَيْهَا.
- وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ غَلَبُوا عَلَيْهَا وَأَقَامُوا فِيهَا ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ رَجَعُوا إلَيْهَا وَخَلَا الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا، فَإِنْ كَانُوا اتَّخَذُوهَا دَارًا وَمَنْزِلًا لَا يَبْرَحُونَهَا فَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ دَارِ الْحَرْبِ حِينَ غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا، فَحِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَعَزَمُوا عَلَى الْمُقَامِ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ. وَنِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْإِقَامَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَحِيحَةٌ.
стр. 251
- وَإِنْ كَانُوا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوهَا دَارًا وَلَكِنْ يُقِيمُونَ فِيهَا شَهْرًا ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَصَرُوا الصَّلَاةَ. لِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، (٦٦ أ) وَهُمْ مُحَارِبُونَ لَهُمْ، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا.
- وَكَذَلِكَ عَسْكَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَغَلَبُوا عَلَى مَدِينَةٍ. فَإِنْ اتَّخَذُوهَا دَارًا فَقَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ، فَإِنْ لَمْ يَتَّخِذُوهَا دَارًا وَلَكِنْ هُمْ أَرَادُوا الْإِقَامَةَ بِهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا دَارُ الْحَرْبِ وَهُمْ فِيهَا مُحَارِبُونَ. فَهَذَا التَّخْرِيجُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ أَحْكَامِ الشِّرْكِ فِي بَلْدَةٍ عِنْدَ غَلَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ. فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَيُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ مُلَاصِقَةً لِدَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ. وَأَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ، وَبَيَانُ هَذَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابَ مَنْ يُغَسَّلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ وَبَابَ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْخَطَأِ وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا شَرَحَ مَسَائِلِ الْبَابَيْنِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ، فَإِنَّهُ أَعَادَ تِلْكَ الْمَسَائِلَ بِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
стр. 252
[بَابُ أَمَانِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ]
٤٢ - بَابُ أَمَانِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ قَالَ ﵁: اعْلَمْ بِأَنَّ أَدَقَّ مَسَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَلْطَفَهَا فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ دَقَائِقِ عِلْمِ النَّحْوِ وَدَقَائِقِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَكَانَ شَاوَرَ فِيهَا عَلِيَّ بْنَ حَمْزَةَ الْكِسَائِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ خَالَتِهِ وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي عِلْمِ النَّحْوِ. وَقِيلَ: مَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ حُفَّاظِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَعَلَيْهِ بِبَابِ الْأَذَانِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَمَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي الْفِقْهِ فَعَلَيْهِ بِأَيْمَانِ الْجَامِعِ، وَمَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي النَّحْوِ وَالْفِقْهِ فَعَلَيْهِ بِأَمَانِ السِّيَرِ.
- قَالَ: ثُمَّ أَمَانُ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ جَائِزٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، لِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» . وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْعَهْدِ، مُؤَقَّتًا كَانَ أَوْ مُؤَبَّدًا، وَذَلِكَ الْأَمَانُ وَعَقْدُ الذِّمَّةِ. فَإِنْ كَانَ
стр. 253
اللَّفْظُ مُشْتَقًّا مِنْ الْأَدْنَى الَّذِي هُوَ الْأَقَلُّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ [المجادلة: ٧] فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْوَاحِدِ. وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الدُّنُوِّ وَهُوَ الْقُرْبُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَسْكُنُ الثُّغُورَ فَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْعَدُوِّ. وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الدَّنَاءَةِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْفَاسِقِ لِأَنَّ صِفَةَ الدَّنَاءَةِ (٦٦ ب) بِهِ تَلِيقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْأَمَانِ مَعْنَى النُّصْرَةِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا مُبِينًا وَنَصْرًا عَزِيزًا. وَكُلُّ مُسْلِمٍ أَهْلٌ أَنْ يَقُومَ بِنُصْرَةِ الدَّيْنِ، وَيَقُومَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ النُّصْرَةُ مِنْهُ بِالْقِتَالِ عَلَى وَجْهٍ يَدْفَعُ شَرَّ الْمُشْرِكِينَ سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ مِنْهُمْ النُّصْرَةَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ كَانَ ذَلِكَ كَالْمَوْجُودِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلِهَذَا يَصِحُّ أَمَانُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا بِنْيَةٌ صَالِحَةٍ لِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، وَالْأَمَانُ نُصْرَةٌ بِالْقَوْلِ، وَبِنْيَتُهَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُجَاهِدُ بِمَالِهَا. لِأَنَّ مَالَهَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ كَمَالِ الرَّجُلِ. ٣٤٨ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِهَا أَنَّ «زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 254
- ﷺ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَانَهَا» . وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: «أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ قَرِيبَيْنِ، فَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا أَيْ قَصْدَهُمَا فَجْأَةً، وَقَالَ: أَتُجِيرِينَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَا تَقْتُلُهُمَا حَتَّى تَبْدَأَ بِي قَبْلَهُمَا. ثُمَّ خَرَجْت وَقُلْت: أَغْلِقُوا دُونَهُ الْبَابَ. فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَسْفَلِ الثَّنِيَّةِ. فَلَمْ أَجِدْهُ وَوَجَدْت فَاطِمَةَ فَقُلْت: مَاذَا لَقِيت مِنْ ابْنِ أُمِّي عَلِيٍّ. أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا. فَكَانَتْ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ زَوْجِهَا. إلَى أَنْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ رَهْجَةُ الْغُبَارِ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَاخِتَةَ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لَقِيت مِنْ ابْنِ أُمِّي عَلِيٍّ مَا كِدْت أَنْفَلِتُ مِنْهُ. أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ
стр. 255
فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا. فَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت. ثُمَّ أَمَرَ فَاطِمَةَ ﵂ فَسَكَبَتْ لَهُ غُسْلًا فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَذَلِكَ ضُحَى فَتْحِ مَكَّةَ» . فَقَدْ صَحَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَانَهَا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا كَانَ لِعَلِيٍّ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمَا بَعْدَ أَمَانِهَا. وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ أَنَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُمَا لِلشُّكْرِ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَكْعَتَيْنِ كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ الضُّحَى بِهِمَا عَلَى مَا رَوَاهُ عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ، فَأَرْبَعًا كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا فِي صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ: أَيْ مُتَوَشِّحًا بِهِ مِنْ طَرَفَيْهِ. فَيَكُونُ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لِتَأْجُرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ - أَيْ تُعْطِي الْأَمَانَ لِلْمُشْرِكِينَ - وَفِي رِوَايَةٍ: لِتَأْخُذَ - أَيْ تَأْخُذَ الْعَهْدَ بِالصُّلْحِ وَالْأَمَان (٦٧ آ) ، وَهَكَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لِتَأْخُذَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
٣٤٩ - فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فَلَا أَمَانَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يُقَاتِلُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَانُهُ صَحِيحٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ بِمَا يَمْلِكُهُ. وَالْأَمَانُ نُصْرَةٌ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ بِخِلَافِ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ نُصْرَةُ الدِّينِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ. وَلِأَنَّهُ بِالْأَمَانِ يَلْتَزِمُ حُرْمَةَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ثُمَّ يَتَعَدَّى
стр. 256
ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ. وَالْعَبْدُ فِي مِثْلِ هَذَا كَالْحُرِّ أَصْلُهُ الشَّهَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: مَعْنَى النُّصْرَةِ فِي الْأَمَانِ مَسْتُورٌ فَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ يَكُونُ مَالِكًا لِلْقِتَالِ، وَالْعَبْدُ الْمَشْغُولُ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى غَيْرُ مَالِكٍ لِلْقِتَالِ، فَلَا تَظْهَرُ الْخَيْرِيَّةُ فِي أَمَانِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُقَاتِلًا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَهُ الْخَيْرِيَّةُ فِي الْأَمَانِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْأَمَانِ مُلْتَزِمًا لِلْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُلْزِمًا غَيْرَهُ ابْتِدَاءً لَا مُلْتَزِمًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ.
٣٥٠ - قَالَ: وَالْأَمَةُ كَالْعَبْدِ فِي ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ ﵀ فِيهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَقَالَ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ جَائِزٌ. وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْعَبْدِ الْمُقَاتِلِ.
٣٥١ - وَبِحَدِيثِ الْفَضْلِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: حَضَرْنَا أَهْلَ حِصْنٍ. فَكَتَبَ عَبْدٌ أَمَانًا فِي سَهْمٍ، ثُمَّ رَمَى بِهِ إلَى الْعَدُوِّ. فَكَتَبْنَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. فَكَتَبَ: إنَّهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّ أَمَانَهُ جَائِزٌ. وَإِنَّمَا عَلَّلَ لِصِحَّةِ أَمَانِهِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا لَا بِكَوْنِهِ مُقَاتِلًا. وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ كَانَ مُقَاتِلًا؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالسَّهْمِ مِنْ عَمَلِ الْمُقَاتِلِينَ، وَأَمَانُ الْمُقَاتِلِ إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْمَغَازِي ذَكَرَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى سَهْمِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ: مترسيد
стр. 257
- فَأَمَّا أَمَانُ الذِّمِّيِّ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ لِأَنَّهُ مَائِلٌ إلَيْهِمْ لِلْمُوَافَقَةِ فِي الِاعْتِقَادِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْأَمَانِ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِلَابِ، أَوْ كَأَنَّ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، حَيْثُ يُقَاتِلُهُمْ بِمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي تَصْحِيحِ أَمَانِهِمْ بَلْ فِي إبْطَالِهِ.
- قَالَ: فَأَمَّا أَمَانُ الْغُلَامِ الَّذِي رَاهَقَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ فَعَقَلَ الْإِسْلَامَ وَوَصَفَهُ. فَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ (٦٧ ب) أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀. جَائِزٌ. لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ إذَا كَانَ عَاقِلًا. وَمَنْ صَحَّ إيمَانُهُ صَحَّ أَمَانُهُ بَعْدَ إيمَانِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمَانَ نُصْرَةُ الدِّينِ بِالْقَوْلِ. فَإِذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُ مِثْلِهِ فِي أَصْلِ الدِّينِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ فِي مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ وَالنَّظَرُ فِي الْأَمَانِ إنَّهُ مَسْتُورٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ اعْتَدَلَ، وَاعْتِدَالُ الْحَالِ لَا يَكُونُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ هُوَ لَا يَمْلِكُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْخَيْرِيَّةَ فِي الْأَمَانِ لِمَنْ يَكُونُ مَالِكًا لِلْقِتَالِ مُبَاشِرًا لَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي الْقِتَالِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ: يَصِحُّ أَمَانُهُ لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ. وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا كَانَ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَدِلِ الْحَالِ، فَلَا يَتِمُّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمَانِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 258
[بَابُ أُعْطِي الْأَمَانِ لِلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ أُصِيبُوا بَعْدَ أَمَانِهِمْ]
٤٣ - بَابُ الْأَمَانِ ثُمَّ يُصَابُ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ أَمَانِهِمْ.
٣٥٤ - قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَّنَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَأَصَابُوا النِّسَاءَ وَالْأَمْوَالَ فَاقْتَسَمُوهَا، وَوُلِدَ مِنْهُنَّ لَهُمْ أَوْلَادٌ، ثُمَّ عَلِمُوا بِالْأَمَانِ، فَعَلَى الْقَاتِلِينَ دِيَةُ الْقَتْلَى. لِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَظْهَرُ بِهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّقَوُّمُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَالْقَتْلُ مِنْ الْقَاتِلِينَ كَانَ بِصِفَةِ الْخَطَأِ حِين لَمْ يَعْلَمُوا بِالْأَمَانِ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمْدِ إنْ عَلِمُوا بِالْأَمَانِ، وَلَكِنْ مَعَ قِيَامَ الشُّبْهَةِ الْمُبِيحَةِ وَهِيَ الْمُحَارَبَةُ. فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وَالنِّسَاءُ وَالْأَمْوَالُ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ لِبُطْلَانِ الِاسْتِرْقَاقِ بِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ، وَيَغْرَمُونَ لِلنِّسَاءِ أَصْدُقَهُنَّ لِأَجْلِ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ بَاشَرُوا الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَسَقَطَ الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ، فَيَجِبُ الْمَهْرُ وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ.
стр. 259
لِأَنَّهُمْ انْفَصِلُوا مِنْ حَرَائِرَ فَكَانُوا أَحْرَارَ الْأَصْلِ، بِغَيْرِ قِيمَةٍ، مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَّبِعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا.
٣٥٥ - وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: حَاصَرْنَا مَدِينَةً بِالْأَهْوَازِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ فَفَتَحْنَاهَا، وَقَدْ كَانَ صُلْحًا لَهُمْ مِنْ عُمَرَ، فَأَصَبْنَا نِسَاءً فَوَقَعْنَا عَلَيْهِنَّ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ﵁ فَكَتَبَ إلَيْنَا أَنْ خُذُوا أَوْلَادَكُمْ وَرُدُّوا إلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ. وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَتْ تُسْتَرَ فُتِحَتْ صُلْحًا - وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ - فَكَفَرَ أَهْلُهَا، فَغَزَاهُمْ الْمُهَاجِرُونَ فَسَبَوْهُمْ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ نِسَاءَهُمْ حَتَّى وَلَدْنَ لَهُمْ، فَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِرَدِّ النِّسَاءِ عَلَى حُرِّيَّتِهِنَّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ سَادَاتِهِنَّ. فَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّ الْقَوْمَ حِينَ كَفَرْوِ لَمْ يَغْلِبُوا عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَجْرِ فِيهَا حُكْمَ الشِّرْكِ وَلَمْ تَصِرْ دَرَاهِمُ دَارَ حَرْبٍ. فَلِهَذَا لَمْ (٦٨ آ) يَرَ عُمَرُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا. وَعَنْ شُوَيْسٍ قَالَ: لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِي بِمَيْسَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ. قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: كُنْت جِئْت بِجَارِيَةٍ فَنَكَحْتهَا زَمَانًا. ثُمَّ جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ فَرَدَدْتهَا إذَا رَدَّ النَّاسُ. وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَدَّهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ عِنْدَهُ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ. وَقَدْ
стр. 260
وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ.
- وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا صَنَعَ خَالِدٌ بِبَنِي جَذِيمَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا ﵁ فَقَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاذْهَبْ بِهِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْك» . يَعْنِي مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ الْخُمَاشَاتِ وَالذُّحُولِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَدَلَّهُمْ مَا أَصَابَ خَالِدٌ. فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ بِذَلِكَ الْمَالِ فَوَدَى لَهُمْ كُلَّ مَا أَصَابَ خَالِدٌ مِنْهُمْ، حَتَّى إنَّهُ أَدَّى لَهُمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ. حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَطْلُبُونَهُ وَبَقِيَتْ مَعَ عَلِيٍّ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَالِ، قَالَ عَلِيٌّ ﵁: هَذِهِ الْبَقِيَّةُ مِنْ الْمَالِ لَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَصَابَ خَالِدٌ
стр. 261
مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا تَعْلَمُونَهُ. فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَلِيٌّ ﵁ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِمَّا كَانَ فِي أَمَانٍ أَوْ مُوَادَعَةٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ أُصِيبَ لَهُمْ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ. وَكَانَ خَالِدٌ أَصَابَ ذَلِكَ خَطَأً، وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ قُوَّتَهُ وَنُصْرَتَهُ كَانَتْ بِهِ. وَلِهَذَا أَدَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَبَرَّعَ بِأَدَاءِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فَإِنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ فِي الدِّمَاءِ لَا فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ لَفْظِ الدِّيَةِ فِي بَذْلِ الْمَالِ إنَّمَا أَطْلَقَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَالِاتِّبَاعُ لِبَذْلِ النَّفْسِ. فَاسْمُ الدِّيَةِ حَقِيقَةٌ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بَذْلَ النَّفْسِ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْأَدَاءِ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ مَجَازًا. وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الصُّلْحِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ. فَإِنَّهُ قَالَ: هَذَا لَكُمْ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا تَعْلَمُونَهُ. وَاسْتَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ مِنْهُ.
- قَالَ: وَأَيُّمَا عَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً فَأَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . فَأَمَّا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا مَعَهُ فَهُمْ فَيْءٌ، لِأَنَّ الصِّغَارَ صَارُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهُ. فَأَمَّا الْكِبَارُ مَا صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، وَزَوْجَتُهُ كَذَلِكَ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
стр. 262
وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ (٦٨ ب) بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ثَعْلَبَةَ وَأُسَيْدًا ابْنَيْ سَعْيَةَ وَأُسَيْدَ بْنَ عُبَيْدٍ «قَالُوا لِبَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَاصِرًا لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَسْلِمُوا تَأْمَنُوا عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. هَذَا وَاَللَّهِ الَّذِي كَانَ أَخْبَرَكُمْ بِهِ بَنُو الْهَيَبَانِ قَالُوا: لَيْسَ بِهِ» . وَقِصَّةُ الْهَيَبَانِ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ قَدِمَ عَلَى يَهُودِ يَثْرِبَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَحَضَرَهُ الْمَوْتُ فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لَمْ تَرَكْت أَرْضَ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ: يَعْنِي الْخَصِبِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فَنَزَلْت بِأَرْضِ الْجَدْبِ وَالشِّدَّةِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لِأَجْلِ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ وَهَذَا مُهَاجِرُهُ، وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أُدْرِكَهُ، فَمَنْ يُدْرِكُهُ مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنَى السَّلَامَ وَلْيُؤْمِنْ بِهِ، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَخَيْرُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي فِي صَبِيحَتِهَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ابْنَا سَعْيَةَ وَابْنُ عُبَيْدٍ حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا وَأَمِنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحَاصَرَ يَأْمَنُ بِالْإِسْلَامِ كَمَا يَأْمَنُ غَيْرُ الْمُحَاصَرِ
стр. 263
وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَشَارَ إلَيْهِ رَجُلٌ بِأُصْبُعِهِ: إنَّك إنْ جِئْت قَتَلَتْك، فَجَاءَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَلَا يَقْتُلْهُ. وَبَعْدَ هَذَا نَأْخُذُ فَنَقُولُ: إذَا أَشَارَ إلَيْهِ بِإِشَارَةِ الْأَمَانِ وَلَيْسَ يَدْرِي الْكَافِرُ مَا يَقُولُ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُ بِالْإِشَارَةِ دَعَاهُ إلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُدْعَى بِمِثْلِهِ الْآمِنُ لَا الْخَائِفُ، وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك، لَا طَرِيقَ لِلْكَافِرِ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِدُونِ الِاسْتِكْشَافِ مِنْهُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْأَمَانِ بِظَاهِرِ الْإِشَارَةِ وَإِسْقَاطُ مَا وَرَاءِ ذَلِكَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ إشَارَتِهِ أَمَانٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك، بِمَعْنَى النَّبْذِ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. فَمَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّبْذِ كَانَ آمِنًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أَيْ سَوَاءٌ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالنَّبْذِ، وَأَشَارَ إلَى الْمَعْنَى فِيهِ فَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] وَمَبْنَى الْأَمَانِ عَلَى التَّوَسُّعِ حَتَّى يَثْبُتَ بِالْمُحْتَمَلِ مِنْ الْكَلَامِ، فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِالْمُحْتَمَلِ مِنْ الْإِشَارَةِ.
٣٦٠ - وَبَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ الْهُرْمُزَانِ. فَإِنَّهُ لَمَّا أَتَى بِهِ عُمَرُ ﵁ قَالَ لَهُ: تَكَلَّمَ. قَالَ: أَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ حَيٍّ أَمْ كَلَامِ مَيِّتٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: كَلَامُ حَيٍّ. فَقَالَ: كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ لَنَا وَلَا لَكُمْ دِينٌ. فَكُنَّا نَعُدُّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ. فَإِذَا أَعَزّكُمْ اللَّهُ بِالدِّينِ وَبَعَثَ رَسُولَهُ مِنْكُمْ لَمْ نُطِعْكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ اُقْتُلُوهُ. فَقَالَ: أَفِيمَا عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ أَنْ تُؤَمِّنُوا أَسِيرًا
стр. 264
ثُمَّ تَقْتُلُوهُ؟ فَقَالَ: مَتَى أَمَّنْتُك؟ فَقَالَ: قُلْت لِي تَكَلَّمَ بِكَلَامِ حَيٍّ. وَالْخَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ حَيًّا. فَقَالَ عُمَرُ: قَاتَلَهُ اللَّهُ أَخَذَ الْأَمَانَ وَلَمْ أَفْطِنْ (٦٩ آ) بِهِ. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي بَابِ الْأَمَانِ.
- قَالَ: فَإِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ قَوْمًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] . لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحْفَظُوا قُوَّةَ أَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا انْقَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ كَانَ النَّظَرُ وَالْخَيْرِيَّةُ فِي النَّبْذِ إلَيْهِمْ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِهِمْ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ لَهُمْ الشَّوْكَةُ. وَالنَّبْذُ لُغَةً هُوَ الطَّرْحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
- وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ طَرْحُ الْأَمَانِ بِإِعْلَامِهِمْ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَمَانِ، حَتَّى إنْ كَانُوا لَمْ يَبْرَحُوا حِصْنَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ بَعْدَ الْإِعْلَامِ. لِأَنَّهُمْ فِي مَنَعْتهمْ، فَصَارُوا كَمَا كَانُوا.
- وَإِنْ نَزَلُوا وَصَارُوا فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ آمِنُونَ حَتَّى يَعُودُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا. لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِسَبَبِ الْأَمَانِ، فَلَوْ عَمَلَ النَّبْذُ فِي رَفْعِ أَمَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا مُمْتَنِعِينَ كَانَ ذَلِكَ خِيَانَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ.
стр. 265
وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ فَكَانَ يُشِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: حَتَّى نَفِيَ بِالْعَهْدِ ثُمَّ نُغِيرُ عَلَيْهِمْ يَعْنِي أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ إلَى مُدَّةٍ، فَفِي آخِرِ الْمُدَّةِ سَارَ إلَيْهِمْ لَيَقْرَبَ مِنْهُمْ حَتَّى يُغِيرَ عَلَيْهِمْ مَعَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. قَالَ: وَإِذَا شَيْخٌ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ، وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ. وَكَانَ هَذَا الشَّيْخُ عَمْرَو بْنَ عَنْبَسَةَ السُّلَمِيَّ. تَبَيَّنَ لَهُ بِمَا قَالَ أَنَّ فِي صُنْعِهِ مَعْنَى الْغَدْرِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَدْنُو مِنْهُمْ يُرِيدُ غَارَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يَدْنُو مِنْهُمْ لِلْأَمَانِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا قَوْلُك: وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ؟ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يُمْضِيَ أَمَدَهَا وَيُنْبَذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» . وَفِي هَذَا دَلِيلُ وُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَمَّا يُشْبِهُ الْغَدْرَ صُورَةً وَمَعْنًى، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 266
[بَابُ مَا لَا يَكُونُ أَمَانًا]
٤٤ - بَابُ مَا لَا يَكُونُ أَمَانًا ٣٦٥ - قَالَ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، أَوْ جِئْت أُرِيدُ أَنْ أُقَاتِلَ مَعَكُمْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ وَيَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءَ. لِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَ لَيْسَ بِأَمَانٍ مِنْهُ لَهُمْ، إنَّمَا هُوَ خِدَاعٌ بِاسْتِعْمَالِ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ. فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ: أَيْ آدَمِيٌّ مِنْ جِنْسِكُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: جِئْت لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ الْمُسْلِمِينَ: أَيْ أَهْلَ الْبَغْيِ إنْ نَشِطْتُمْ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَضْمَرَ فِي كَلَامِهِ: عَنْ، أَيْ جِئْت لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ دَفْعًا عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ أَمَانًا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ أَسِيرٌ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ فَكَيْفَ يُؤَمِّنُهُمْ، إنَّمَا حَاجَتُهُ إلَى طَلَبِ الْأَمَانِ مِنْهُمْ. وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ شَيْءٌ.
٣٦٦ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْآثَارِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ (٦٩ ب) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ إلَى نَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ. وَبَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ، أَيْ جَمَعَ الْجَيْشَ لِقِتَالِهِ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ: انْتَسِبْ إلَى خُزَاعَةَ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ سُفْيَانَ كَانَ مِنْهُمْ.
стр. 267
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَعْرِفُهُ. فَقَالَ: إنَّك إذَا رَأَيْته هِبْتَهُ. وَكُنْت لَا أَهَابُ الرِّجَالِ. فَأَقْبَلْت عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ تَصْغِيرُ الْعَشِيَّةِ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَخَشِيت أَنْ أُصَلِّيَ فَأُعْرَفَ فَأَوْمَأْت إيمَاءً وَأَنَا أَمَشَى. وَبِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ (الْمُنْهَزِمَ مَاشِيًا يُومِئُ ثُمَّ يُعِيدُ) . قَالَ: حَتَّى أُدْفَعَ إلَى رَاعِيَةٍ لَهُ. فَقُلْت: لِمَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: لِابْنِ سُفْيَانَ. فَقُلْت: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَتْ: جَاءَك الْآنَ. فَلَمْ أَنْشَبُ أَنْ جَاءَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا - أَيْ لَمْ أَلْبَثْ - فَلَمَّا رَأَيْته وَجَدْتنِي أَقْطُرُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَفْكَلُ، أَيْ تَرْتَعِدُ فَرَائِصِي هَيْبَةً مِنْهُ. فَجَاءَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ نَسَبَنِي فَانْتَسَبْت إلَى خُزَاعَةَ. وَذُكِرَ فِي الطَّرِيقِ الْآخِرِ: كُنْت أَعْتَزَى إلَى جُهَيْنَةَ. أَيْ أَنْتَسِبُ إلَيْهِمْ.
стр. 268
ثُمَّ قُلْت لَهُ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكْثِرَك وَأَكُونَ مَعَك. وَمَعْنَاهُ لِأَنْصُرَك بِالدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَبِالْمَنْعِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ قِتَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا قَالَ ﵇: «أَنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. فَقِيلَ: كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ: يَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» .
وَقَوْلُهُ: أُكْثِرَك أَيْ أَجْعَلُك إرَبًا إرَبًا فَأُكْثِرَ أَجْزَاءَك إنْ لَمْ تُؤْمِنْ وَأَكُونُ مَعَك إلَى أَنْ أَقْتُلَك. فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: احْلِبِي، فَحَلَبَتْ. ثُمَّ نَاوَلَتْنِي فَمَصَصْت شَيْئًا يَسِيرًا ثُمَّ دَفَعْته إلَيْهِ، فَعَبَّ فِيهِ كَمَا يَعُبُّ الْجَمَلُ، حَتَّى إذَا غَابَ أَنْفُهُ فِي الرَّغْوَةِ صَوَّبْتُهُ وَقُلْت لِلْجَارِيَةِ: لَئِنْ تَكَلَّمْت لَأَقْتُلَنَّكِ. وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا: فَمَشَيْت مَعَهُ حَتَّى اسْتَحْلَى حَدِيثِي. ثُمَّ أَرَيْته أَنَّى وَطِئْت عَلَى غُصْنِ شَوْكٍ فَشِيكَتْ رِجْلِي. فَقَالَ: الْحَقْ يَا أَخَا جُهَيْنَةَ. فَجَعَلْت أَتَخَلَّفُ وَيَسْتَلْحِقُنِي. فَلَحِقْته وَهُوَ مُوَلًّى. فَضَرَبْت عُنُقَهُ وَأَخَذْت بِرَأْسِهِ. ثُمَّ خَرَجْت أَشْتَدُّ حَتَّى صَعِدْت الْجَبَلَ فَدَخَلْت غَارًا، وَأَقْبَلَ الطَّلَبُ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجَتْ الْخَيْلُ تُوَزَّعُ فِي كُلِّ وَجْهٍ فِي الطَّلَبِ،
стр. 269
وَأَنَا مُتَمَكِّنٌ فِي الْجَبَلِ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مَعَهُ إدَاوَةٌ، وَنَعْلَاهُ فِي يَدِهِ، وَكُنْت حَافِيًا. فَجَلَسَ يَبُولُ، فَوَضَعَ إدَاوَتَهُ وَنَعْلَيْهِ. وَضَرَبْت الْعَنْكَبُوتَ عَلَى الْغَارِ. أَوْ قَالَ: خَرَجَتْ حَمَامَةٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ. فَنَزَلَ وَتَرَك نَعْلَيْهِ وَإِدَاوَتَهُ. فَخَرَجْت وَلَبِسْت النَّعْلَيْنِ وَأَخَذْت الْإِدَاوَةَ فَكُنْت أَسِيرُ اللَّيْلَ وَأَتَوَارَى بِالنَّهَارِ، حَتَّى جِئْت الْمَدِينَةَ، فَوَجَدْت النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ - وَهَذَا لَفْظٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ الْعَرَبُ خِطَابًا لِمَنْ نَالَ الْمُرَادَ وَفَازَ بِالنُّصْرَةِ - فَقُلْت: وَجْهُك الْكَرِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَخْبَرْته خَبَرِي، فَدَفَعَ إلَيَّ (٧٠ أ) عَصًا وَقَالَ: " تَخَصَّرْ بِهَذِهِ يَا ابْنَ أُنَيْسٍ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّ الْمُتَخَصِّرِينَ فِي الْجَنَّةِ قَلِيلٌ ". قِيلَ مَعْنَاهُ: تَحَكَّمْ بِهَا فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَتَحَكَّمُ الْمُلُوكُ بِمَا يَشَاءُونَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لِيَكُنْ هَذَا عَلَامَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى أُجَازِيَك عَلَى صَنِيعِك بِسُؤَالِ الزِّيَادَةِ فِي الدَّرَجَةِ لَك، فَإِنَّ مِثْلَك مِمَّنْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَبِيِّهِ عَلَامَةٌ فَيُجَازِيَهُ عَلَى صَنِيعِهِ فِي الْجَنَّةِ. قِيلَ: فَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أُنَيْسٍ. حَتَّى إذَا مَاتَ أَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُدْرِجُوهَا فِي كَفَنِهِ
стр. 270
وَمُرَادُهُ مِنْ الْقِصَّةِ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكَثِّرُك، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَمَانًا مِنْهُ.
٣٦٧ - وَذَكَرَ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُدُومُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَإِعْلَانُهُ بِالشَّرِّ وَقَوْلُهُ الْأَشْعَارَ، وَكَعْبٌ هَذَا مِنْ عُظَمَاءِ الْيَهُودِ بِيَثْرِبَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّاغُوتِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وَكَانَ يَسْتَقْصِي فِي إظْهَارِ الْعَدَاوَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ حَرْبِ بَدْرٍ. وَجَعَلَ يَرْثِي قَتَلَاهُمْ، وَيَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْعَارِهِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الِانْتِقَامِ. فَمِنْ ذَلِكَ الْقَصِيدَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا:
طَحَنَتْ رَحَا بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ ... وَلِمِثْلِ بَدْرٍ يُسْتَهَلُّ وَيُدْمَعُ
فَلَمَّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ
стр. 271
وَأَنَا أَقْتُلُهُ: قَالَ: فَافْعَلْ. فَمَكَثَ ابْنُ مَسْلَمَةَ أَيَّامًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: تَرَكْت الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت لَك قَوْلًا فَلَا أَدْرِي أَفِي بِهِ أَمْ لَا. فَقَالَ ﷺ : إنَّمَا عَلَيْك بِالْجَهْدِ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ تَرَكَ الْإِصَابَةَ مِنْ اللَّذَّاتِ قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَ بِمَا وَعَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ إلَى خَيْرٍ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْإِصَابَةِ مِنْ اللَّذَّاتِ. إلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ نَفْسَهُ لَا تَتَقَوَّى إلَّا بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨] وَأَنَّ عَلَيْهِ الْجَهْدُ بِالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ لَا غَيْرُ. قَالَ: فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدٌ وَأُنَاسٌ مِنْ الْأَوْسِ مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، وَأَبُو نَائِلَةَ سِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَأَبُو عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ نَقْتُلُهُ. فَأْذَنْ لَنَا فَلِنَقُلْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ، أَيْ نَخْدَعُهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ
стр. 272
وَإِظْهَارِ النَّيْلِ مِنْك. قَالَ: فَقُولُوا. فَخَرَجَ إلَيْهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ وَتَنَاشَدَ الْأَشْعَارَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَيْنَا مِنْ الْبَلَاءِ. يَعْنِي النَّبِيَّ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذِكْرِ الْبَلَاءِ النِّعْمَةِ. فَالْبَلَاءُ يُذْكَرُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ كَمَا يُذْكَرُ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مِنْ الِابْتِلَاءِ. وَذَلِكَ يَكُونُ بِهِمَا كَمَا قَالَتْ الصَّحَابَةُ: اُبْتُلِينَا (٧٠ ب) بِالضَّرَّاءِ فَصَبْرِنَا، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ. وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] . أَيْ فِي إنْجَائِكُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. وَقِيلَ: أَيْ فِي ذَبْحِهِ أَبْنَاءَكُمْ وَاسْتِحْيَائِهِ نِسَائِكُمْ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ. ثُمَّ قَالَ: حَارَبَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ عَنَّا، حَتَّى جَهِدَتْ الْأَبْدَانُ، وَضَاعَ الْعِيَالُ، وَأَخَذْنَا بِالصَّدَقَةِ، وَلَا نَجِدُ مَا نَأْكُلُ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ وَاَللَّهِ كُنْت أُحَدِّثُك بِهَذَا يَا ابْنَ سَلَامَةَ: إنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى هَذَا. قَالَ سِلْكَانُ: وَمِعَى رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي. وَقَدْ أَرَدْت أَنْ آتِيَك بِهِمْ لِنَبْتَاعَ مِنْك طَعَامًا وَتَمْرًا وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ إلَيْنَا وَنَرْهَنَك مَا يَكُونُ لَك فِيهِ ثِقَةٌ.
стр. 273
قَالَ كَعْبٌ: أَمَا إنَّ رِفَافِي تَتَقَصَّفُ تَمْرًا مِنْ عَجْوَةٍ يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ. وَالرِّفَافُ: جَمْعُ الرَّفِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ التَّمْرُ، شِبْهُ الْخُنْبُقِ. وَقَوْلُهُ تَتَقَصَّفُ: أَيْ تَتَكَسَّرُ مِنْ كَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنْ التَّمْرِ. وَوَصَفَ جُودَتَهَا بِقَوْلِهِ: يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ. قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا أَبَا نَائِلَةَ مَا كُنْت أُحِبُّ أَنْ أَرَى هَذِهِ الْخَصَاصَةِ، يَعْنِي شِدَّةَ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كُنْت لَمِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيَّ. فَمَاذَا تَرْهَنُونَ؟ أَتَرْهَنُونَنِي أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَائِكُمْ؟ قَالَ: لَقَدْ أَرَدْت أَنْ تَفْضَحَنَا وَتُظْهِرَ أَمَرَنَا. وَلَكِنَّا نَرْهَنُك مِنْ الْحَلَقَةِ مَا تَرْضَى بِهِ يَا كَعْبُ. قَالَ: إنَّ فِي الْخَلِيعَةِ لَوَفَاءٌ. يَعْنِي السِّلَاحَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ سِلْكَانُ كَيْلًا يُنْكِرُهُمْ إذَا جَاءُوا إلَى السِّلَاحِ. فَرَجَعَ أَبُو نَائِلَةَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى مِيعَادٍ. فَأَتَى أَصْحَابَهُ وَأَجْمَعُوا أَمَرَهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ إذَا أَمْسَوْا. ثُمَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِشَاءً فَأَخْبَرُوهُ. فَمَشَى مَعَهُمْ حَتَّى أَتَى الْبَقِيعَ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ وَقَالَ: امْضُوا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ. ثُمَّ دَعَا لَهُمْ. وَذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ مِثْلَ النَّهَارِ.
стр. 274
فَمَضَوْا حَتَّى أَتَوْهُ. فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى حِصْنِهِ هَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ ابْنُ الْأَشْرَفِ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. فَوَثَبَ، فَأَخَذَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاحِيَةِ مِلْحَفَتِهِ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ إنَّك رَجُلٌ مُحَارِبٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِثْلُك فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ. قَالَ: إنَّمَا هُوَ أَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي. ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْمِلْحَفَةَ فَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ دُعِيَ الْفَتَى لِطَعْنَةٍ لَأَجَابَا ثُمَّ نَزَلَ إلَيْهِمْ فَحَيَّاهُمْ، وَتَحَدَّثُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْبَسَطَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: وَيْحَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ هَلْ لَك أَنْ نَمْشِيَ إلَى شَرْجِ الْعَجُوزِ فَنَتَحَدَّثَ فِيهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَخَرَجُوا يَتَمَشَّوْنَ. فَلَمَّا تَوَجَّهُوا قِبَلَ الشَّرْجِ أَدْخَلَ أَبُو نَائِلَةَ يَدَهُ فِي رَأْسِ كَعْبٍ وَقَالَ: وَيْحَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ مَا أَطْيَبَ عِطْرُك هَذَا. ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَعَادَ بِمِثْلِهَا. حَتَّى إذَا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ أَخَذَ بِقُرُونِ رَأْسِهِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اُقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّهِ فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ. فَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا. يَعْنِي رَدَّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْت مَغُولًا كَانَ فِي سَيْفِي وَهُوَ يُشْبِهُ الْخَنْجَرَ، فَانْتَزَعْته فَوَضَعْته فِي سُرَّتِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْت عَلَيْهِ فَغَطَطْته، أَيْ غَيَّبْته فِيهِ، حَتَّى انْتَهَى إلَى عَانَتِهِ، فَصَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً مَا بَقِيَ أُطْمٌ مِنْ
стр. 275
آطَامِ الْيَهُودِ إلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْيَهُودِ يُوقِدُونَ النَّارَ بِاللَّيْلِ عِنْدَ الْفَزَعِ. قَالَ ابْنُ سُنَيْنَةَ، يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ: إنِّي أَجِدُ رِيحَ دَمٍ بِيَثْرِبَ مَسْفُوحٍ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِقْدَارَ فَرْسَخٍ. قَالَ: وَقَدْ أَصَابَ بَعْضُ الْقَوْمِ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ بِسَيْفٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَ كَعْبًا فَكَلَمَهُ فِي رِجْلِهِ، أَيْ جَرَحَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتَّى أَخَذُوا عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ عَلَى بُعَاثَ. حَتَّى إذَا كَانُوا بِحَرَّةِ الْعَرِيضِ - وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الْمَوَاضِعِ - نَزَفَ الْحَارِثُ الدَّمَ، يَعْنِي كَثُرَ سَيَلَانُ الدَّمِ مِنْ جِرَاحَتِهِ فَعَطَفُوا عَلَيْهِ، أَيْ رَحِمُوهُ أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ . فَلَمَّا أَتَوْا الْبَقِيعَ كَبَّرُوا وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي. فَلَمَّا سَمِعَ تَكْبِيرَهُمْ عَرَفَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا بِصَاحِبِهِمْ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَفَلَ عَلَى جُرْحِهِ فَلَمْ يُؤْذِهِ. وَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِ عَدُوِّ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى أَهْلِهِمْ. فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَجَمَّعُوا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِلتَّحَدُّثِ بِمَا جَرَى وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ، وَهَذَا مِنْ الْحَزْمِ وَالسِّيَاسَةِ.
стр. 276
قَالَ: فَخَافَتْ الْيَهُودُ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَلَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ، وَخَافُوا أَنْ يُبَيَّتُوا كَمَا بُيِّتَ ابْنُ الْأَشْرَفِ. وَكَانَ ابْنُ سُنَيْنَةَ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ، وَكَانَ حَلِيفًا لِحُوَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. وَكَانَ أَخُوهُ مُحَيِّصَةُ قَدْ أَسْلَمَ، فَغَدَا مُحَيِّصَةُ عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ فَقَتَلَهُ. فَجَعَلَ حُوَيِّصَةُ يَضْرِبُ مُحَيِّصَةَ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ، وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ قَتَلْته. أَمَا وَاَللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِك مِنْ مَالِهِ - لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا - فَقَالَ مُحَيِّصَةُ: وَاَللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِك الَّذِي أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُك. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَمَرَك مُحَمَّدٌ بِقَتْلَى لَقَتَلْتَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ حُوَيِّصَةُ: وَاَللَّهِ إنَّ دِينًا يَبْلُغُ مِنْك هَذَا لَدِينٌ مُعْجِبٌ. فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ يَوْمَئِذٍ وَأَنْشَأَ مُحَيِّصَةُ يَقُولُ:
يَلُومُ ابْنُ أُمِّي لَوْ أُمِرْت بِقَتْلِهِ ... لَطَبَّقْت دَفْرَاه بِأَبْيَضَ قَاضِبٍ
حُسَامٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ أُخْلِصَ صَقْلُهُ ... مَتَى مَا أُصَوِّبُهُ فَلَيْسَ بِكَاذِبِ
وَمَا سَرَّنِي أَنَّى قَتَلْتُك طَائِعًا ... وَلَوْ أَنَّ لِي مَا بَيْنَ بُصْرَى وَمَأْرَب
ثُمَّ أَعَادَ هَذَا الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ:
٣٦٨ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي أَتَى ابْنَ الْأَشْرَفِ فَقَالَ. يَا كَعْبُ قَدْ جِئْتُك لِحَاجَةٍ. قَالَ: مَرْحَبًا بِحَاجَتِك. قَالَ: جِئْتُك أَسْتَسْلِفُكَ تَمْرًا. قَالَ: مَا بَغَيْتُكُمْ إلَى مَسْأَلَةِ التَّمْرِ؟ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ
стр. 277
لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَلْفَ وَسْقٍ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَدَعْ عِنْدَنَا شَيْئًا وَأَصْحَابَهُ. وَأَرَادَ بِهِ لَمْ (٧١ ب) يَدَعْ عِنْدَنَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَضُرُّنَا مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الشِّرْكِ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إلَّا هَدَانَا إلَيْهِ. قَالَ كَعْبٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاك النُّصْرَةَ فَانْظُرْ حَاجَتَك، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ رَهْنٍ. قَالَ: أَرْهَنُك دِرْعِي. قَالَ: لَعَلَّهَا دِرْعُ أَبِيك الزَّغْبَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأْتِ بِمَنْ أَحْبَبْته وَخُذْ حَاجَتَك. قَالَ: فَإِنِّي آتِيك فِي خَمْرِ اللَّيْلِ. أَيْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَالْخَمْرُ مَا وَارَاكَ. فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنِّي أَطْلُبُك أَوْ آتِيك فِي حَاجَةٍ أَوْ أَنِّي احْتَجْت. . . الْحَدِيثَ. إلَى أَنْ نَزَلَ إلَى مُحَمَّدٍ وَآنَسَهُ شَيْئًا وَحَادَثَهُ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي رَأْسِهِ. وَكَانَ جَعْدًا فَقَالَ: مَا أَطْيَبَ دُهْنَك. قَالَ: إنْ شِئْت أَرْسَلْت إلَيْك مِنْهُ. ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: قَدْ تَرَكْت يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ وَأَصْحَابُك هَذَا، يَعْنِي الدُّهْنَ. فَلَمَّا أَنْ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ فِي رَأْسِهِ ضَرَبَ بِالْخِنْجَرِ سُرَّتَهُ، الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ. فَقَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ لِيَسْتَسْلِفَهُ تَمْرًا ثُمَّ قَتَلَهُ. وَلَمْ يَكُ ذَلِكَ مِنْهُ غَدْرًا. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 278
[بَابُ الْأَمَانِ عَلَى الشَّرْطِ]
٤٥ - بَابُ الْأَمَانِ عَلَى الشَّرْطِ ٣٦٩ - قَالَ: وَإِذَا أَمَّنَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى كَذَا وَلَا يَخُونَهُمْ، فَإِنْ خَانَهُمْ فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ قَتْلِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَدِينَتِهِ أَوْ حِصْنِهِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ فِي أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ خَانَهُمْ، أَوْ لَمْ يَدُلَّهُمْ، فَاسْتَبَانَتْ لَهُمْ خِيَانَتُهُ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَصَارَ الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى بَيْنَهُمْ. فَقَالَ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَقَالَ عُمَرُ ﵁: الشَّرْطُ أَمْلَكُ. أَيْ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَلِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ، عَلَّقُوا حُرْمَةَ دَمِهِ بِالدَّلَالَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَتَعْلِيقُ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ بِالشَّرْطِ صَحِيحٌ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنْ انْعَدَمَ الشَّرْطُ بَقِيَ حِلُّ دَمِهِ عَلَى مَا كَانَ. وَلِأَنَّ النَّبْذَ بَعْدَ الْأَمَانِ وَالْإِعَادَةِ إلَى مَأْمَنِهِ إنَّمَا كَانَ مُعْتَبَرًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَبِالتَّصْرِيحِ بِالشَّرْطِ قَدْ انْتَفَى مَعْنَى الْغَدْرِ.
٣٧٠ - وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْكَتِيبَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا - يَعْنِي حِصْنًا مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ - وَكَانَ آخِرَ حُصُونِهِمْ. فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوا
стр. 279
النَّبِيَّ ﷺ الصُّلْحَ. فَأَرْسَلَ إلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ: انْزِلْ فَأُكَلِّمَك. فَقَالَ: نَعَمْ. فَصَالَحَهُ عَلَى حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا، وَيُخَلُّونَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ أَوْ أَرَاضٍ، وَعَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْحَلْقَةِ، وَعَلَى الْبَزِّ إلَّا ثَوْبٌ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ. قَالَ: وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا. فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ كَتَمَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ آنِيَةً مِنْ فِضَّةٍ وَمَالًا كَثِيرًا. كَانَ فِي مَسْكِ الْجَمَلِ عِنْدَ كِنَانَةَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ. وَهَذِهِ كَانَتْ أَنْوَاعًا مِنْ الْحُلِيِّ كَانُوا يُعِيرُونَهَا أَهْلَ مَكَّةَ، رُبَّمَا قَدِمَ الْقَادِمُ مِنْ (٧٢ آ) قُرَيْشٍ فَيَسْتَعِيرُهَا شَهْرًا لِلْعُرْسِ، يَكُونُ فِيهِمْ. فَكَانَ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ الْأَكَابِرِ فَالْأَكَابِرُ مِنْ آلِ أَبِي الْحُقَيْقِ. حَتَّى ذَكَرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ ضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ مَرَّةً بِمَكَّةَ. فَغَرِمَ مَنْ ضَاعَ عَلَى يَدِهِ قِيمَةَ ذَلِكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ الْآنِيَةُ وَالْأَمْوَالُ الَّتِي خَرَجْتُمْ بِهَا مِنْ الْمَدِينَةِ حِين أَجْلَيْتُكُمْ؟ فَقَالُوا: ذَهَبَتْ فِي الْحَرْبِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنَّمَا كُنَّا نُمْسِكُهَا لِمِثْلِ يَوْمِنَا هَذَا، فَلَا وَاَللَّهِ مَا بَقِيَ عِنْدَنَا مِنْهَا شَيْءٌ. وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إنْ وَجَدْته عِنْدَكُمْ أَقْتُلُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ»
стр. 280
وَفِي رِوَايَةٍ «قَالَ لِكِنَانَةَ وَرَبِيعَةَ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ: بَرِئَتْ مِنْكُمَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إنْ كَانَ عِنْدَكُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَكُلُّ مَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِكُمْ فَهُوَ حَلَالٌ لِي وَلَا ذِمَّةَ لَكُمَا؟ قَالَا نَعَمْ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَعَشَرَةً مِنْ يَهُودَ. فَقَامَ يَهُودِيٌّ إلَى كِنَانَةَ فَقَالَ: إنْ كَانَ عِنْدَك أَوْ تَعْلَمُ عِلْمَهُ فَأَعْلِمْهُ لِتَأْمَنَ عَلَى دَمِك، فَوَاَللَّهِ لَيَطَّلِعَنَّ عَلَيْهِ، فَقَدْ اطَّلَعَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدٌ. فَزَبَرَهُ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ. فَتَنَحَّى الْيَهُودِيُّ فَقَعَدَ. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهِمَا الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا وَيَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُمَا. فَعَذَّبَ كِنَانَةَ حَتَّى أَجَافَهُ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِشَيْءٍ» . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْمُثْلَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ السِّيَاسَةِ لِيَظْهَرَ الْأَمْرُ وَيَتِمَّ الزَّجْرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّلْبِيسِ. قَالَ: «فَاعْتَرَفَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْت كِنَانَةَ يَطُوفُ كُلَّ غَدَاةٍ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ حَتَّى حَفَرَهَا وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا ذَلِكَ الْكَنْزَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكَانَ رَجُلًا ضَعِيفًا مُخْتَلِطَ الْعَقْلِ، قَالَ: لَيْسَ لِي عِلْمٌ
стр. 281
غَيْرَ أَنِّي كُنْت أَرَى كِنَانَةَ كُلَّ غَدَاةٍ يَطُوفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَإِنْ كَانَ شَيْئًا دَفَنَهُ فَهُوَ فِيهَا. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى تِلْكَ الْخَرِبَةِ فَحَفَرَ فَوَجَدَ ذَلِكَ الْكَنْزَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَدْفَعَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَدْ كَانَ هُوَ الَّذِي دَلَّى عَلَى مَحْمُودٍ الرَّحَى» . وَإِنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَهُمَا وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمَا لِمَكَانِ الشَّرْطِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، فَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ، وَمَعَهَا ابْنَةُ عَمِّهَا، لَمْ يَسْبِ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ غَيْرَهُمَا. وَكَانَ قَدْ وَعَدَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ مِنْ سَبْي خَيْبَرَ. فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ صَفِيَّةَ فَأَعْطَاهُ مَكَانَهَا ابْنَةَ عَمِّهَا. وَأَمْسَكَ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَهِيَ عَرُوسٌ بِحِدْثَانِ مَا دَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا فِي بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي أَنَّ الْقَمَرَ وَقَعَ فِي حِجْرِهَا مِنْ السَّمَاءِ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ قَصَّتْ رُؤْيَاهَا عَلَى كِنَانَةَ (٧٢ ب) ، فَلَطَمَهَا لَطْمَةً عَلَى وَجْهِهَا وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَةَ مُحَمَّدٍ؛ ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى رَحْلِهِ. فَمَرَّ بِهَا وَسَطَ الْقَتْلَى. فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: ذَهَبْت بِجَارِيَةٍ حَدِيثَةِ السِّنِّ إلَى الْقَتْلَى. لَقَدْ ذَهَبَتْ مِنْك الرَّحْمَةُ. فَاعْتَذَرَ بِلَالٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَرَرْت بِهَا إلَّا إرَادَةَ أَنْ تَرَى مَصَارِعَ قَوْمِهَا وَلَمْ أَدْرِ أَنَّك تَكْرَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا. فَأَمَرَ أُمَّ أَيْمَنَ أَنْ تُصْلِحَهَا لَهُ. فَبَنَى بِهَا فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ
стр. 282
لَهَا مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَّبَ بَعِيرَهَا لِتَرْكَبَ بَعْدَ مَا بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْكِبَهَا بِنَفْسِهِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى فَخْذِهِ وَتَرْكَبَ فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى رُكْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعْظَمَتْ وَضْعَ رِجْلِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ. فَاسْتَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْهَا، وَبَعْدَ مَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ دَخَلَتْ عَائِشَةُ مُتَنَكِّرَةً مَعَ النِّسَاءِ مَنْزِلَهَا لِتَرَاهَا. فَوَجَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَمَاعَةً مِنْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا. فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا شَيْئًا حَتَّى عَادَتْ إلَى مَنْزِلِهَا. ثُمَّ جَاءَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْت صَفِيَّةَ؛ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْت شَيْئًا غَيْرَ ابْنَةِ يَهُودِيٍّ بَيْنَ يَهُودِيَّاتٍ، وَلَكِنِّي سَمِعْت أَنَّك تُحِبُّهَا. فَقَالَ: لَا تَقُولِي يَا عَائِشَةُ. فَإِنَى لَمْ أَرَ فِي وَجْهِهَا كَبْوَةً حِينَ عَرَضْت عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ. ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إذَا اجْتَمَعَ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهَا فِي مَوْضِعٍ يُخَاطِبْنَهَا: يَا ابْنَةَ الْيَهُودِيِّ. فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: إذَا قُلْنَ لَك هَذَا فَقُولِي: مَنْ مِنْكُنَّ مِثْلِي؟ أَبَى نَبِيٌّ وَعَمِّي نَبِيٌّ وَزَوْجِي نَبِيٌّ. فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَوْلَادِ هَارُونَ ﵇. فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لَهُنَّ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ هَذَا مِنْ كَيْسِك يَا ابْنَةَ الْيَهُودِيِّ. وَمَنْ جَوَّزَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ اسْتَدَلَّ بِإِعْطَاءِ النَّبِيِّ ﷺ دَحْيَةَ ابْنَةَ عَمِّ صَفِيَّةَ.
وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ: ٣٧١ - إنَّ الْكَتِيبَةَ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصًا فَلِذَلِكَ أَعْطَاهُ الْجَارِيَةَ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَ الْمُعَامَلَةَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا، فَلَا تُخْرِجْنَا. عَامِلْنَا عَلَى النِّصْفِ. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 283
[بَابُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأَمَانِ]
٤٦ - بَابُ الْأَمَانِ ٣٧٢ - قَالَ: وَإِذَا نَادَى الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ بِالْأَمَانِ فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا إذَا سَمِعُوا أَصْوَاتَهُمْ (٧٣ آ) بِأَيِّ لِسَانٍ نَادَوْهُمْ بِهِ. الْعَرَبِيَّةُ وَالْفَارِسِيَّةُ وَالرُّومِيَّةُ وَالْقِبْطِيَّةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى جُنُودِهِ بِالْعِرَاقِ: إنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ: لَا تَخَفْ، أَوْ مِتْرَسِي، أَوْ لَا تَذْهَلُ فَهُوَ آمِنٌ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْرِفُ الْأَلْسِنَةَ، وَالْمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ. فَإِنَّ الْأَمَانَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. ثُمَّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ يُعْتَبَرُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِلُغَةٍ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْعِبَادَاتِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزَا التَّكْبِيرَ وَالْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّ تَمَامَ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ مُرَاعَاةِ النَّصِّ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ يَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ إذَا حَصَلَ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ فَالْأَمَانُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ تَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. فَالْأَمَانُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
стр. 284
وَإِنْ نَادَوْهُمْ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ آمِنُونَ أَيْضًا. لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ لِذَلِكَ حَقِيقَةً أَمْرٌ بَاطِنًا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ إسْمَاعُهُمْ كَلِمَةَ الْأَمَانِ. وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ. وَلِهَذَا شَرَطْنَا الْإِسْمَاعَ حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا، لِأَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِحَقِيقَتِهِ. ثُمَّ لَعَلَّهُ كَانَ فِيهِمْ تُرْجُمَانٌ يَعْرِفُ مَعْنَى نِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَيُوقِفُهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَمَانُ بِهِ كَانَ نَوْعَ غَدْرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَالتَّحَرُّزُ عَنْ صُورَةِ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَفْهَمُوا فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنًى مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ نَادَوْهُمْ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا، فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حُكْمُ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ.
٣٧٤ - فَأَمَّا إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ. فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى مَقَالَةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْأَمَانِ لَهُمْ.
- قَالَ: وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلْحَرْبِيِّ: أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ لَا تَخَفْ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْك، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُ هَذَا، فَهُوَ كُلُّهُ أَمَانٌ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطَبُ الْخَائِفُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَادَةً. وَإِنَّمَا يَزُولُ عَنْهُ الْخَوْفُ بِثُبُوتِ الْأَمَانِ. وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُ فَيُجْعَلُ بِهَذَا اللَّفْظِ مُنْشِئًا، كَمَنْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُك، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ، يُجْعَلُ مُنْشِئًا عِتْقَهُ بِمَا وَصَفَهُ
стр. 285
- ثُمَّ ذَكَرَ أَمَانَ مُخْتَلَطِ الْعَقْلِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَيَصِفُهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ كَمَا فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الصَّبِيِّ فَكَذَلِكَ مُخْتَلَطُ الْعَقْلِ (٧٣ ب) .
٣٧٧ - فَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَصِفُهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ. وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فِي أَمْرِ مَعِيشَتِهِ إلَّا أَنَّهُ بَالِغٌ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْقِلُ الْأَمَانَ صَحَّ أَمَانُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
٣٧٨ - قَالَ: وَإِنْ أَمَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّنَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ، فَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بَعْدَ أَمْرِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ. وَهَذَا لِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ إنَّمَا لَا يَصِحُّ لِتُهْمَةِ مَيْلِهِ إلَيْهِمْ اعْتِقَادًا، وَيَزُولُ ذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ الْمُسْلِمُ بِهِ. وَيَتَبَيَّنُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ أَنَّ فِي أَمَانِهِ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ إيَّاهُ بِالْقِتَالِ لَا يَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ، فَلَوْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِرَأْيِ الْكَافِرِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْأَمَانِ يَتَعَيَّنُ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ بِرَأْيِ الْمُسْلِمِ وَلَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَمِّنْهُمْ، أَوْ يَقُولَ: قُلْ لَهُمْ إنَّ فُلَانًا الْمُسْلِمَ يُؤَمِّنُكُمْ. وَكُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ الذِّمِّيُّ لَهُمْ: قَدْ أَمَّنْتُكُمْ، أَوْ يَقُولَ: إنْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ قَدْ أَمَّنَكُمْ. فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: أَمِّنْهُمْ،
следующие страницы →