Полный текст (2 212 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
غَيْرَ أَنِّي كُنْت أَرَى كِنَانَةَ كُلَّ غَدَاةٍ يَطُوفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَإِنْ كَانَ شَيْئًا دَفَنَهُ فَهُوَ فِيهَا. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى تِلْكَ الْخَرِبَةِ فَحَفَرَ فَوَجَدَ ذَلِكَ الْكَنْزَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَدْفَعَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَدْ كَانَ هُوَ الَّذِي دَلَّى عَلَى مَحْمُودٍ الرَّحَى» . وَإِنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَهُمَا وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمَا لِمَكَانِ الشَّرْطِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، فَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ، وَمَعَهَا ابْنَةُ عَمِّهَا، لَمْ يَسْبِ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ غَيْرَهُمَا. وَكَانَ قَدْ وَعَدَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ مِنْ سَبْي خَيْبَرَ. فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ صَفِيَّةَ فَأَعْطَاهُ مَكَانَهَا ابْنَةَ عَمِّهَا. وَأَمْسَكَ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَهِيَ عَرُوسٌ بِحِدْثَانِ مَا دَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا فِي بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي أَنَّ الْقَمَرَ وَقَعَ فِي حِجْرِهَا مِنْ السَّمَاءِ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ قَصَّتْ رُؤْيَاهَا عَلَى كِنَانَةَ (٧٢ ب) ، فَلَطَمَهَا لَطْمَةً عَلَى وَجْهِهَا وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَةَ مُحَمَّدٍ؛ ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى رَحْلِهِ. فَمَرَّ بِهَا وَسَطَ الْقَتْلَى. فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: ذَهَبْت بِجَارِيَةٍ حَدِيثَةِ السِّنِّ إلَى الْقَتْلَى. لَقَدْ ذَهَبَتْ مِنْك الرَّحْمَةُ. فَاعْتَذَرَ بِلَالٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَرَرْت بِهَا إلَّا إرَادَةَ أَنْ تَرَى مَصَارِعَ قَوْمِهَا وَلَمْ أَدْرِ أَنَّك تَكْرَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا. فَأَمَرَ أُمَّ أَيْمَنَ أَنْ تُصْلِحَهَا لَهُ. فَبَنَى بِهَا فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ
стр. 282
لَهَا مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَّبَ بَعِيرَهَا لِتَرْكَبَ بَعْدَ مَا بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْكِبَهَا بِنَفْسِهِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى فَخْذِهِ وَتَرْكَبَ فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى رُكْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعْظَمَتْ وَضْعَ رِجْلِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ. فَاسْتَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْهَا، وَبَعْدَ مَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ دَخَلَتْ عَائِشَةُ مُتَنَكِّرَةً مَعَ النِّسَاءِ مَنْزِلَهَا لِتَرَاهَا. فَوَجَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَمَاعَةً مِنْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا. فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا شَيْئًا حَتَّى عَادَتْ إلَى مَنْزِلِهَا. ثُمَّ جَاءَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْت صَفِيَّةَ؛ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْت شَيْئًا غَيْرَ ابْنَةِ يَهُودِيٍّ بَيْنَ يَهُودِيَّاتٍ، وَلَكِنِّي سَمِعْت أَنَّك تُحِبُّهَا. فَقَالَ: لَا تَقُولِي يَا عَائِشَةُ. فَإِنَى لَمْ أَرَ فِي وَجْهِهَا كَبْوَةً حِينَ عَرَضْت عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ. ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إذَا اجْتَمَعَ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهَا فِي مَوْضِعٍ يُخَاطِبْنَهَا: يَا ابْنَةَ الْيَهُودِيِّ. فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: إذَا قُلْنَ لَك هَذَا فَقُولِي: مَنْ مِنْكُنَّ مِثْلِي؟ أَبَى نَبِيٌّ وَعَمِّي نَبِيٌّ وَزَوْجِي نَبِيٌّ. فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَوْلَادِ هَارُونَ ﵇. فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لَهُنَّ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ هَذَا مِنْ كَيْسِك يَا ابْنَةَ الْيَهُودِيِّ. وَمَنْ جَوَّزَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ اسْتَدَلَّ بِإِعْطَاءِ النَّبِيِّ ﷺ دَحْيَةَ ابْنَةَ عَمِّ صَفِيَّةَ.
وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ: ٣٧١ - إنَّ الْكَتِيبَةَ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصًا فَلِذَلِكَ أَعْطَاهُ الْجَارِيَةَ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَ الْمُعَامَلَةَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا، فَلَا تُخْرِجْنَا. عَامِلْنَا عَلَى النِّصْفِ. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 283
[بَابُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأَمَانِ]
٤٦ - بَابُ الْأَمَانِ ٣٧٢ - قَالَ: وَإِذَا نَادَى الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ بِالْأَمَانِ فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا إذَا سَمِعُوا أَصْوَاتَهُمْ (٧٣ آ) بِأَيِّ لِسَانٍ نَادَوْهُمْ بِهِ. الْعَرَبِيَّةُ وَالْفَارِسِيَّةُ وَالرُّومِيَّةُ وَالْقِبْطِيَّةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى جُنُودِهِ بِالْعِرَاقِ: إنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ: لَا تَخَفْ، أَوْ مِتْرَسِي، أَوْ لَا تَذْهَلُ فَهُوَ آمِنٌ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْرِفُ الْأَلْسِنَةَ، وَالْمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ. فَإِنَّ الْأَمَانَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. ثُمَّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ يُعْتَبَرُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِلُغَةٍ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْعِبَادَاتِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزَا التَّكْبِيرَ وَالْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّ تَمَامَ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ مُرَاعَاةِ النَّصِّ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ يَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ إذَا حَصَلَ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ فَالْأَمَانُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ تَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. فَالْأَمَانُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
стр. 284
وَإِنْ نَادَوْهُمْ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ آمِنُونَ أَيْضًا. لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ لِذَلِكَ حَقِيقَةً أَمْرٌ بَاطِنًا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ إسْمَاعُهُمْ كَلِمَةَ الْأَمَانِ. وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ. وَلِهَذَا شَرَطْنَا الْإِسْمَاعَ حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا، لِأَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِحَقِيقَتِهِ. ثُمَّ لَعَلَّهُ كَانَ فِيهِمْ تُرْجُمَانٌ يَعْرِفُ مَعْنَى نِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَيُوقِفُهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَمَانُ بِهِ كَانَ نَوْعَ غَدْرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَالتَّحَرُّزُ عَنْ صُورَةِ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَفْهَمُوا فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنًى مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ نَادَوْهُمْ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا، فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حُكْمُ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ.
٣٧٤ - فَأَمَّا إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ. فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى مَقَالَةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْأَمَانِ لَهُمْ.
- قَالَ: وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلْحَرْبِيِّ: أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ لَا تَخَفْ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْك، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُ هَذَا، فَهُوَ كُلُّهُ أَمَانٌ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطَبُ الْخَائِفُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَادَةً. وَإِنَّمَا يَزُولُ عَنْهُ الْخَوْفُ بِثُبُوتِ الْأَمَانِ. وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُ فَيُجْعَلُ بِهَذَا اللَّفْظِ مُنْشِئًا، كَمَنْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُك، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ، يُجْعَلُ مُنْشِئًا عِتْقَهُ بِمَا وَصَفَهُ
стр. 285
- ثُمَّ ذَكَرَ أَمَانَ مُخْتَلَطِ الْعَقْلِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَيَصِفُهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ كَمَا فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الصَّبِيِّ فَكَذَلِكَ مُخْتَلَطُ الْعَقْلِ (٧٣ ب) .
٣٧٧ - فَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَصِفُهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ. وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فِي أَمْرِ مَعِيشَتِهِ إلَّا أَنَّهُ بَالِغٌ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْقِلُ الْأَمَانَ صَحَّ أَمَانُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
٣٧٨ - قَالَ: وَإِنْ أَمَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّنَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ، فَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بَعْدَ أَمْرِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ. وَهَذَا لِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ إنَّمَا لَا يَصِحُّ لِتُهْمَةِ مَيْلِهِ إلَيْهِمْ اعْتِقَادًا، وَيَزُولُ ذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ الْمُسْلِمُ بِهِ. وَيَتَبَيَّنُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ أَنَّ فِي أَمَانِهِ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ إيَّاهُ بِالْقِتَالِ لَا يَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ، فَلَوْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِرَأْيِ الْكَافِرِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْأَمَانِ يَتَعَيَّنُ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ بِرَأْيِ الْمُسْلِمِ وَلَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَمِّنْهُمْ، أَوْ يَقُولَ: قُلْ لَهُمْ إنَّ فُلَانًا الْمُسْلِمَ يُؤَمِّنُكُمْ. وَكُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ الذِّمِّيُّ لَهُمْ: قَدْ أَمَّنْتُكُمْ، أَوْ يَقُولَ: إنْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ قَدْ أَمَّنَكُمْ. فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: أَمِّنْهُمْ،
стр. 286
فَسَوَاءٌ قَالَ لَهُمْ أَمَّنْتُكُمْ أَوْ أَمَّنَكُمْ فُلَانٌ، فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُ صَارَ مَالِكًا لِلْأَمَانِ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ آخَرَ، وَالْمُسْلِمُ إذَا قَالَ لَهُمْ: أَمَّنْتُكُمْ أَوْ أَمَّنَكُمْ فُلَانٌ كَانُوا آمِنِينَ فِي الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَمَانَ إلَى مَنْ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبَارًا مِنْهُ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ، فَيُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْإِنْشَاءِ لِرَفْعِ الْغَدْرِ. فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ إنَّ فُلَانًا أَمَّنَكُمْ، فَإِنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُمْ آمِنُونَ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ رَسُولًا إلَيْهِمْ، وَقَدْ أَدَّى الرِّسَالَةَ عَلَى وَجْهِهَا. فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَتَبَ إلَيْهِمْ كِتَابَ الْأَمَانِ، وَبَعَثَ بِهِ عَلَى يَدِهِ. فَإِذَا بَلَغَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ. وَإِنْ قَالَ لَهُمْ: أَمَّنْتُكُمْ. فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَ بِهِ، لِأَنَّهُ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَهَذَا لَا يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْأَمَانِ مِنْهُ. فَإِذَا قَالَ: أَمَّنْتُكُمْ فَهَذَا لَيْسَ بِتَبْلِيغٍ لِلرِّسَالَةِ وَلَكِنَّهُ إنْشَاءُ عَقْدٍ مِنْهُ مُضَافٍ إلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَيَكُونُ بَاطِلًا.
- قَالَ: وَالْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَمَّنَهُمْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ (٧٤ آ) عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ أَمَانَهُ لَا يَقَعُ بِصِفَةِ النَّظَرِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ لِنَفْسِهِ، حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ. وَلِأَنَّ الْأَسِيرَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا يُؤَمِّنُ غَيْرَهُ مَنْ يَكُونُ آمِنًا فِي نَفْسِهِ. وَلِأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ. فَعَقْدُهُ يَكُونُ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً، وَقَلَّ مَا تَخْلُو دَارُهُمْ عَنْ أَسِيرٍ. فَلَوْ صَحَّحْنَا أَمَانَهُ انْسَدَّ بَابُ الْقِتَالِ عَلَيْنَا. فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا حَزَبَهُمْ خَوْفٌ أَمَرُوا الْأَسِيرَ حَتَّى يُؤَمِّنَهُمْ. وَالْقَوْلُ بِهَذَا فَاسِدٌ. إلَّا أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إنْ أَمَّنُوهُ وَأَمَّنَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهُمْ كَمَا يَفُونَ لَهُ، وَلَا يَسْرِقُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. وَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِهِمْ.
стр. 287
وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ كَانَ سَالِمًا لَهُمْ، فَحُكْمُ هَذَا وَحُكْمُ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ سَوَاءٌ.
٣٨١ - وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَسِيرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ مَدِينٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ السَّبْيُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ، فَهُمْ ظَالِمُونَ فِي إمْسَاكِهِمْ، وَهُوَ بِالْأَمَانِ مَا الْتَزَمَ تَقْرِيرَهُمْ عَلَى الظُّلْمِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُزِيلَ ظُلْمَهُمْ بِالسَّرِقَةِ أَوْ الْغَصْبِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَاعِيَ بِالْعَهْدِ مَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْعَهْدِ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى تَرْكِ هَؤُلَاءِ فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَخْذِهِمْ مِنْهُمْ.
- وَلَوْ حَصَلَ الْمُسْتَأْمِنُونَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ فَبَدَا لِلْأَمِيرِ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْحِقَهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَخْرُجُوا وَقَالُوا: نَكُونُ مَعَ ذَرَارِيِّنَا وَنِسَائِنَا الَّذِينَ أَسَرْتُمُوهُمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، وَيُؤَجِّلُهُمْ إلَى وَقْتٍ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِمْ اللُّحُوقُ بِمَأْمَنِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا يُرْهِقُهُمْ فِي الْأَجَلِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَيَقُولُ: إنْ لَحِقْتُمْ بِمَأْمَنِكُمْ إلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَأَنْتُمْ ذِمَّةٌ نَضَعُ عَلَيْكُمْ الْخَرَاجَ وَلَا نَدَعُكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى مَأْمَنِكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ
стр. 288
الرِّضَا مِنْهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَيَكُونُوا بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ عَقْدِ الذِّمَّةِ نَصًّا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا إذَا أَطَالُوا الْمُقَامَ.
- وَإِنْ خَافَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ إنْ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ عَدُوَّهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى عَسْكَرِهِمْ، أَوْ خَافَ أَنْ يَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ لَيْلًا، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَلْحَقُوا (٧٤ ب) بِمَأْمَنِهِمْ، وَيُوَقِّتُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، كَمَا بَيَّنَّا، نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، أَنْ يُجْمَعُوا فِي مَوْضِعٍ فَيُحْرَسُوا. لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْهُمْ يَزْدَادُ بِالتَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ وَمُفَارَقَةِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، وَالتَّوْقِيتُ كَانَ نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا يَنْظُرُ لَهُمْ، وَطَرِيقُ النَّظَرِ هَذَا. فَإِنْ مَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ فَصَارُوا ذِمَّةً أَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُجْمَعُوا فِي مَوْضِعٍ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيُجْعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ الْأَمْنَ لَمْ يَقَعْ مِنْ جَانِبِهِمْ، وَإِنْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً بِمُضِيِّ الْوَقْتِ، بَلْ ازْدَادَ الْخَوْفُ بِمَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ صِغَارِ الْجِزْيَةِ. إلَّا أَنَّ الْخَوْفَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ غَالِبًا فَيَجْعَلُ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا كُلَّ لَيْلَةٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ خَلُّوا سَبِيلَهُمْ فِي الْعَسْكَرِ لِيَكُونُوا عِنْدَ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ.
стр. 289
٣٨٤ - وَكَذَلِكَ إذَا حَصَرَ الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ جَمَعَهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا. لِأَنَّ الْخَوْفَ يَزْدَادُ مِنْهُمْ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ، وَيَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى أَنْ يَأْمَنُوا مِنْ جَانِبِهِمْ لِيَتَفَرَّغُوا لِقِتَالِ الْعَدُوِّ. وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا يَحْرُسُونَهُمْ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَحْرُسَهُمْ إلَّا بِأَجْرٍ اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا يَحْرُسُونَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةٌ لِلْغَانِمِينَ. فَهُوَ نَظِيرُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ الْغَنَائِمِ، أَوْ عَلَى حِفْظِ مَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فِي هَذَا الْحِفْظِ مَعْنَى الْجِهَادِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ. فَالْقَوْمُ ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرِ مُحَارِبِينَ لَهُمْ. فَلَا يَكُونُ حِفْظُهُمْ جِهَادًا، وَلَكِنْ يُخَافُ مِنْ جَانِبِهِمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْتِعَتِهِمْ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ الْغَنَائِمِ وَبَيْنَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ هَؤُلَاءِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ أَخْذِ الْغَنَائِمِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فِي مَنْعَتِهِمْ أَشَارَ إلَى مُشْرِكٍ فِي حِصْنٍ أَوْ مَنَعَةٍ لَهُمْ أَنْ تَعَالَ، أَوْ أَشَارَ إلَى أَهْلِ الْحِصْنِ أَنْ افْتَحُوا الْبَابَ، أَوْ أَشَارَ إلَى السَّمَاءِ، فَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ ذَلِكَ أَمَانٌ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الَّذِي صَنَعَ مَعْرُوفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ أَنَّهُمْ إذَا صَنَعُوا كَانَ أَمَانًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، فَهُوَ أَمَانٌ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: قَدْ أَمَّنْتُكُمْ.
стр. 290
لِأَنَّ أَمْرَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ. وَالتَّحَرُّزِ عَمَّا يُشْبِهُ الْغَدْرَ وَاجِبٌ. فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ فَالثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ. فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ أَمَانًا كَانَ غَدْرًا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ (٥٧ آ) مَا يَكُونُ مِثْلَ الْعُرْفِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ امْتِثَالُهُمْ أَمْرُهُ وَمَا أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِهِ، فَهُوَ مِنْ أَبْيَنِ الدَّلَائِلِ عَلَى الْمُسَالَمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُمْ: أَخْرَجُوا حَتَّى تَهْدِمُوا هَذَا الْحِصْنَ فَخَرَجُوا كَانُوا آمَنِينَ؟
٣٨٦ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ تَعَالَ فَإِنَّك إنْ جِئْت قَتَلْتُك. فَأَتَاهُ، فَهُوَ آمِنٌ. وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك أَوْ لَمْ يَسْمَعْ. فَأَمَّا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَسَمِعَهُ وَجَاءَهُ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ فَيْءٌ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ يُسْقِطُ اعْتِبَارَهُ إذَا صَرَّحَ بِخِلَافِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: تَعَالَ إنْ كُنْت تُرِيدُ الْقِتَالَ أَوْ إنْ كُنْت رَجُلًا، أَوْ تَعَالَ حَتَّى تُبْصِرَ مَا أَفْعَلُهُ مَعَك، فَإِنَّهُ لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ هَذَا كَلَامُ تَهْدِيدٍ لَا كَلَامَ أَمَانٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: تَعَالَ، مُطْلَقًا فَكَلَامُ مُوَافَقَةٍ. وَكَذَلِكَ إشَارَتُهُ بِالْأَصَابِعِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّى أَعْطَيْتُك ذِمَّةَ إلَهِ السَّمَاءِ، أَوْ أَنْتَ آمِنٌ مِنَى بِحَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَمَّنْتُك.
- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَدُوا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، فَقَالَ حِينَ وَجَدُوهُ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِهِ حَتَّى هَجَمُوا عَلَيْهِ فَهُوَ فَيْءٌ وَلَا يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ. فَإِنَّهُ كَانَ مُخْتَفِيًا مِنْهُمْ إلَى أَنْ هَجَمُوا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَلِيقُ هَذَا بِحَالِ مَنْ يَأْتِيهِمْ مُغِيرًا لَا مُسْتَأْمَنًا. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْتَالُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ فَلَا يُصَدَّقُ.
стр. 291
وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ إنْ تَكَلَّمَ، فَأَرَادُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَكِنَّهُ أَقْبَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَهُوَ فَيْءٌ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَا يَقْبَلَ قَوْلَهُ إنِّي جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ. لِأَنَّهُ حِينَ أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَسْرَهُ أَوْ قَتْلَهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا عَلَى أَنْ يُنَادِيَ بِالْأَمَانِ فَيَعْلَمَ أَيُؤَمِّنُونَهُ أَمْ لَا. وَقَدْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَحِينَ تَرَكَ النِّدَاءَ بِالْأَمَانِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَقْبَلَ رَادًّا لِقَصْدِ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ احْتَالَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ.
٣٨٩ - وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ فَأَقْبَلَ إلَيْهِمْ حَتَّى أَتَاهُمْ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّ إقْبَالَهُ إلَيْهِمْ دَلِيلُ الْمُسَالَمَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّدَاءِ بِالْأَمَانِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِقْبَالُهُ بَعْدَ قَصْدِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ رَدَّ قَصْدِهِمْ بِالْقِتَالِ. وَأَمَّا إقْبَالُهُ قَبْلَ قَصْدِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْمُسَالَمَةَ. أَلَا تَرَى أَنَّ تُجَّارَهُمْ هَكَذَا يَكُونُ الْحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَادَوْا لِطَلَبِ (٧٥ ب) الْأَمَانِ.
٣٩٠ - وَإِنْ كَانَ فِي مَنْعَةٍ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ، فَانْحَطَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَلَا سِلَاحٌ حَتَّى أَتَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ حَيْثُ يَسْمَعُهُمْ نَادَى بِالْأَمَانِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الْمَنَعَةِ وَالنِّدَاءِ بِالْأَمَانِ إذْ كَانَ بِحَيْثُ
стр. 292
يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَلْقَى السِّلَاحَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَاءَ طَالِبًا لِلْأَمَانِ، فَهُوَ آمِنٌ، أَمَّنُوا أَوْ لَمْ يُؤَمِّنُوا. لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَّنَ مِثْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] .
٣٩١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ السِّلَاحُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ هَيْئَةُ رَجُلٍ يُرِيدُ الْقِتَالَ. لِأَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَصْحَبَ السِّلَاحَ لِيَبِيعَهُ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ إنْ خَلَفَهُ عِنْدَهُمْ، فَاسْتَصْحَبَهُ ضِنَةً مِنْهُ بِسِلَاحِهِ.
٣٩٢ - وَإِنْ كَانَ أَقْبَلَ سَالًّا سَيْفَهُ مَادًّا رُمْحَهُ نَحْوَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ نَادَى الْأَمَانَ، فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مُقَاتِلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا يُتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ جَائِزٌ. وَغَالِبُ الرَّأْيِ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى إبَاحَةِ الدَّمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى إنْسَانًا يَدْخُلُ بَيْتَهُ لَيْلًا وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ هَارِبٌ مِنْ اللُّصُوصِ فَإِنَّهُ يُحَكِّمُ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَا اللُّصُوصِ أَوْ كَانَ مَعَهُ آخَرُ يَجْمَعُ مَتَاعَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَا أَهْلِ الْخَيْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤْوِيَهُ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَحْكِيمِ السِّيمَاءِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ إلَى دَلَالَةِ الْحَالِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]
стр. 293
- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا نَزَلَ لَيْلًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَجَاءَ مُشْرِكٌ عَلَى طَرِيقٍ لَا يَعْدُو عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى لَقِيَ أَوَّلَ مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَسَأَلَهُمْ الْأَمَانَ، إلَّا أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَانَ آمِنًا. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا صَارَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ، وَالنِّدَاءُ بِالْأَمَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُفِيدًا شَيْئًا، فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِهِ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ «مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَانَ عَلَى حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي حِينَ كَانَ مُحَاصِرًا لِبَنِي قُرَيْظَةَ. فَخَرَجَ رَجُلَانِ وَوَجْهُهُمَا نَحْوَهُ. فَلَمَّا وَصَلَا إلَيْهِ قَالَ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمَا؛ قَالَا: جِئْنَا بِالْأَمَانِ (٧٦ آ) . فَخَلَّى سَبِيلَهُمَا وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ. وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى أَثَرِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُعَاتِبُهُ عَلَى ذَلِكَ» .
- وَلَوْ وَجَدُوا رَجُلًا عَلَيْهِ سِلَاحَهُ فِي مُؤَخَّرِ الْعَسْكَرِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ يُعَارِضُ الْعَسْكَرَ، فَلَمَّا بَصُرُوا بِهِ دَعَا إلَى الْأَمَانِ، كَانَ فَيْئًا، وَلِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ جَاءَ مُتَجَسِّسًا، أَوْ جَاءَ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُبَيِّتَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي مِثْلِ هَذَا بِغَالِبِ الظَّنِّ وَالرَّأْيِ.
٣٩٥ - وَإِنْ أَشْكَلَ حَالُهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْمَنٌ وَلَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُلُوبِ
стр. 294
تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مِنْ حَالِهِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَجْعَلَهُ ذِمَّةً. لِأَنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ وَانْعِدَامِ التَّرْجِيحِ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَمِنْ الِاحْتِيَاطِ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَلَا يَجْعَلَهُ فَيْئًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَاءَ مُسْتَأْمِنًا، وَأَنْ لَا يَرُدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَاءَ مُغِيرًا، فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ حُرْمَتِهِ بِالْمُحْتَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ إرَاقَةُ دَمِهِ بِهِ أَيْضًا. فَيَبْقَى حُرًّا مُحْتَبِسًا فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ. فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَبَى وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ. وَكَذَلِكَ الْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُرِيدُونَ دُخُولَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُنَادُوا بِالْأَمَانِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُونَ فِيهِ مُمْتَنِعِينَ. فَنَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ انْتَهَوْا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِمَا فِي وُسْعِهِمْ.
- وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ جَاءُوا فَاسْتَأْمَنُوا، فَإِنْ شَاءَ الْمُسْلِمُونَ أَمَّنُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ. لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ فِي دَارِنَا كَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي حُصُونِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ مُمْتَنِعِينَ.
٣٩٧ - وَلَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ إذَا
стр. 295
كَانُوا فِي مَنَعَتِهِمْ. فَيَكُونُ لَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَأَمَّا غَيْرُ الْمُمْتَنِعِينَ لَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ لَمْ يَجُزْ نَبْذُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَتَّى نُلْحِقَهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ. فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا طَالِبِينَ الْأَمَانَ حَتَّى صَارُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنَّا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَكُمْ عِنْدَنَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَيْنَا. فَإِذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ. وَمَنْ جَاءَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ فَهُوَ فَيْءٌ، لِأَنَّهُ أَعْذَرَ إلَيْهِمْ بِمَا صَنَعَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْت إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] . ثُمَّ الْحَاصِلُ (٧٦ ب) أَنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْمَنَعَةَ عِنْدَ الِاسْتِئْمَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ آمِنًا عَادَةً، وَالْعَادَةُ تُجْعَلُ حُكْمًا إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ، كَمُقَدِّمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ إنْسَانٍ إذَا قَالَ: لَا تَأْكُلْ.
- وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: دَخَلْت بِأَمَانِ، لَمْ يُصَدَّقْ. لِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا مَقْهُورًا بِمَنْعِهِ الدَّارَ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْأَمَانِ، وَقَوْلُ الْمُتَّهَمِ لَا يَكُونُ حُجَّةً. أَرَأَيْت لَوْ أَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَرَقَّهُ ثُمَّ قَالَ: كُنْت دَخَلْت بِأَمَانٍ أَكَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ؟
٣٩٩ - وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَنَا أَمَّنْته لَمْ يُصَدَّقْ بِذَلِكَ أَيْضًا. لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ حَقُّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنْعِهِ
стр. 296
مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَاسْتِرْقَاقِهِ. وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي إبْطَالِ الْحَقِّ الثَّابِتِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
٤٠٠ - فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ غَيْرُ الْمَخْبَرِ أَنَّهُ أَمَّنَّهُ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَا شَهَادَةَ فِيهِ لِلَّذِي يَقُولُ: أَنَا أَمَّنْته، لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ دَعْوَى لَا شَهَادَةً، وَلَا شَهَادَةَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
٤٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَا رَسُولُ الْمَلِكِ إلَى الْخَلِيفَةِ لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ فَيْئًا. لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ دَعْوَى الْأَمَانِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ آمِنٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. هَكَذَا جَرَى الرَّسْمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. فَإِنَّ أَمْرَ الصُّلْحِ أَوْ الْقِتَالِ لَا يَلْتَئِمُ إلَّا بِالرَّسُولِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ آمِنًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ رَسُولُ قَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا كَانَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّك رَسُولٌ لَقَتَلْتُك» . فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الرَّسُولَ آمِنٌ، وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ لَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ رَسُولٌ.
٤٠٢ - فَإِنْ أَخْرَجَ كِتَابًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَ مَلِكِهِمْ وَادَّعَى أَنَّهُ كِتَابُ مَلِكِهِمْ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ. وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُ هَهُنَا بِغَالِبِ الظَّنِّ. فَلَعَلَّ الْكِتَابَ مُفْتَعَلٌ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ فَوْقَ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِيُسْتَصْحَبَهُمَا لِيَشْهَدَا عَلَى أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ قِبَلِهِ، يُكْتَفَى مِنْهُ بِهَذَا الدَّلِيلِ.
стр. 297
فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. وَلَوْ لَمْ يَصْحَبْهُ دَلِيلٌ وَلَا كِتَابٌ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُجِدَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَجِبُ (٧٧ آ) فِيهِ الْخُمُسُ فِيهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. وَفِي هَذَا الْفَصْلِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِ الْخُمُسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي دَارِنَا. فَمَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ يَكُونُ مُحْرَزًا لَهُ مُخْتَصًّا بِمِلْكِهِ كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ. وَفِي إيجَابِ الْخُمُسِ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَصِيرُ هُوَ مَقْهُورًا لِمَنْعِهِ الدَّارَ مَأْخُوذًا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ كَانَ فَيْئًا، بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ يُسْلِمُ بَعْدَ الْأَخْذِ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الرِّقَّ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَصِيرُ مَأْخُوذًا بِالدَّارِ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ مُسْلِمٌ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ كَانَ حُرًّا. لِأَنَّ الْإِحْرَازَ فِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ بِالْيَدِ لَا بِالدَّارِ، وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ إلَى دَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، فَإِذَا أَخَذَهُ إنْسَانٌ كَانَ مُخْتَصًّا بِمِلْكِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِإِحْرَازِهِ. فَإِنْ قَالَ: إنِّي أَمَّنْته قَبْلَ أَنْ آخُذَهُ فَهُوَ آمِنٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ عَبْدٌ لَهُ. وَقَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ. وَيَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ لَا يَكُونَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِيهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي إبْطَالِ حَقِّهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ فِي دَارِنَا حَتَّى رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ كَانَ حُرًّا، فَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ صَارَ مَأْخُوذًا لَا يَصِيرُ رَقِيقًا مَا لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِ الرِّقُّ. فَإِذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ انْعَدَمَ عَرْضِيَّةُ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِ، وَتَقَرَّرَ حُرِّيَّتُهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ، فَلَا يُسْتَرَقُّ بَعْدَ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ يُسْلِمُ وَيَنْقَلِبُ إلَى عَسْكَرِ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَكَمَا يَكُونُ حُرًّا هُنَاكَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.
- وَإِذَا مَرَّ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ بِمَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ أَهْلِ الْحَرْبِ
стр. 298
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْفُذُوا إلَى غَيْرِهِمْ، قَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: أُعْطُونَا أَنْ لَا تَمُرُّوا فِي هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا وَلَا نَأْسِرَهُ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطُوهُمْ ذَلِكَ وَيَأْخُذُوا فِي طَرِيقٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ وَأَشَقَّ. لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَيَقْتُلُوا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ مِمَّنْ فِي أُخْرَيَاتِ الْعَسْكَرِ. وَهَذِهِ الْمُوَادَعَةُ تُؤَمِّنُهُمْ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُوَادَعَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الشَّرْطِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَنْ أَتَى مُسْلِمًا مِنْهُمْ. وَوَفَى لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، إلَى أَنْ انْتَسَخَ. لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ خَيْبَرَ مِنْ الْمُوَاطَأَةِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا تَوَجَّهَ إلَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ أَغَارَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَوَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ جَانِبِهِمْ إذَا تَوَجَّهَ إلَى خَيْبَرَ. فَعَرَفْنَا (٧٧ ب) أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهِ إذَا كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
٤٠٤ - فَإِنْ قَبِلُوهُ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ أَنْ يَمُرُّوا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُعْلِمُوهُمْ بِذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُوَادَعَةِ وَالْأَمَانِ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ إلَى أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.
٤٠٥ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنَّ مَمَرَّنَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ لَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا قِيلَ لَهُمْ: لَعَلَّ لَهُمْ فِي هَذَا الطَّرِيقِ زُرُوعًا وَنَخْلًا وَكَلَأً يَحْتَاجُونَ
стр. 299
إلَيْهِ، وَلَا يُحِبُّونَ أَنْ تَرْعُوهُ، أَوْ لَعَلَّ لَهُمْ مَوَاشِيَ وَلَا يُحِبُّونَ أَنْ تَعْرِضُوا لَهَا. فَإِنْ قَالُوا: نَمُرُّ وَلَا نَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا أَسْهَلَ الطُّرُقِ، قِيلَ لَهُمْ: وَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا شَيْئًا، فَلَعَلَّ الْقَوْمَ يَكْرَهُونَ أَنْ تَرَوْا حُصُونَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَتَعْرِفُوا الطَّرِيقَ إلَيْهِمْ، فَتَأْتُوهُمْ مَرَّةً أُخْرَى. أَوْ تَرَوْنَ لَهُمْ عَوْرَةً مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَتَغْزُونَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى بِمَا رَأَيْتُمْ مِنْ الْعَوْرَةِ. فَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا الْوَفَاءُ بِمَا قُلْتُمْ أَوْ النَّبْذُ إلَيْهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] .
- وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: أُعْطُونَا عَلَى أَنْ لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَاءِ نَهْرِنَا فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ شُرْبُنَا يَضُرُّهُمْ فِي مَائِهِمْ، أَوْ لَا نَعْلَمُ أَيَضُرُّ ذَلِكَ بِمَائِهِمْ أَوْ لَا، فَيَنْبَغِي أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ. وَإِنْ كُنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِمَاءِ نَهْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَشْرَبَ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ وَنَسْقِيَ الدَّوَابَّ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ. لِأَنَّ الشَّرْطَ إنْ كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ. وَمَنْ اشْتَرَطَ مِثْلَهُ يَكُونُ مُتَعَنِّتًا لَا طَالِبَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَافِعَ ضَرَرٍ. فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِمْ فَهَذَا شَرْطٌ غَيْرُ مُفِيدٍ فَيُلْغَى. وَإِذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَهَذَا شَرْطٌ مُفِيدٌ لَهُمْ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي مِنْ الشُّرُوطِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَيَضُرُّ
стр. 300
بِهِمْ أَمْ لَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْفَعَةٍ لَهُمْ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُمْ، لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ.
٤٠٧ - فَإِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ دَوَابِّهِمْ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ فَاعِلُونَ، ثُمَّ يَشْرَبُونَ. وَكَذَلِكَ الْكَلَأُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُمْ. وَقَدْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ النَّاسِ شَرِكَةً عَامَّةً فِي الْكَلَأِ وَالْمَاءِ فَلَا تَنْقَطِعُ شَرِكَتُهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِيهِ.
٤٠٨ - فَأَمَّا الزَّرْعُ وَالْأَشْجَارُ وَالثِّمَارُ إذَا أَعْطُوهُمْ أَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَضَرَّ بِأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ. لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ (٧٨ آ) لَهُمْ، وَنُفُوذُ تَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ وَالضَّرَرِ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْخُذُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَعْلِفُونَ. لِأَنَّ بِهَذَا الشَّرْطِ لَا تَنْعَدِمُ صِفَةُ الْإِبَاحَةِ الثَّابِتَةِ فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَلَكِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ.
٤٠٩ - وَإِنْ قَالُوا أَعْطُونَا عَلَى أَنْ لَا تُحَرِّقُوا زُرُوعَنَا وَلَا كَلَأَنَا فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْكُلَ مِنْهُ وَنَعْلِفَ دَوَابَّنَا.
стр. 301
لِأَنَّ الْوَفَاءَ إنَّمَا يَلْزَمُنَا بِقَدْرِ مَا قَبِلْنَا مِنْ الشُّرُوطِ. وَذَلِكَ الْإِحْرَاقُ وَالْأَكْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِحْرَاقِ فِي شَيْءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْكُلَ مِلْكَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُحْرِقَهُ؛ وَأَهْلُ الشَّامِ يَكْرَهُونَ الْإِحْرَاقَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يَكْرَهُونَ التَّنَاوُلَ. وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا شَرَطُوا هَذَا الشَّرْطَ لِمَا فِي الْإِحْرَاقِ مِنْ الْفَسَادِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ نَصًّا لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
٤١٠ - وَإِنْ سَأَلُونَا أَنْ لَا نُخَرِّبَ قُرَاهُمْ فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْخُذَ مَا وَجَدْنَا فِي قُرَاهُمْ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ عَلَفٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِبِنَاءٍ. لِأَنَّ التَّخْرِيبَ يَكُونُ فِي الْأَبْنِيَةِ. أَمَّا أَخْذُ الْأَمْتِعَةِ فَمِنْ الْحِفْظَةِ لَا مِنْ التَّخْرِيبِ. وَلَعَلَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ لِمَا فِي التَّخْرِيبِ مِنْ صُورَةِ الْإِفْسَادِ. وَلَكِنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي قُرَاهُمْ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِضَ لَهُ. وَمَا كَانَ مِنْ خَشَبٍ مَوْضُوعٍ لَيْسَ فِي بِنَاءٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْخُذَهُ وَنُوقِدَ بِهِ، لِأَنَّ هَذَا انْتِفَاعٌ وَلَيْسَ بِتَخْرِيبٍ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَحِلُّ بَعْدَ هَذَا الشَّرْطِ هَدْمُ شَيْءٍ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ أَوْ تَخْرِيبُهُ بِالنَّارِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَوْقَ التَّخْرِيبِ. فَيَثْبُتُ حُكْمُ الشَّرْطِ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَإِنْ وَجَدْنَا بَابًا مُغْلَقًا وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَقْلَعَهُ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ هَذَا تَخْرِيبٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَدْرَنَا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ، فَإِنَّ فَتْحَ الْبَابِ لَيْسَ بِتَخْرِيبٍ، فَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ إلَّا بِكَسْرِ الْغَلْقِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفْعَلَ، لِأَنَّ هَذَا تَخْرِيبٌ، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِيمَا الْتَزَمْنَا بِالشَّرْطِ نَصًّا سَوَاءٌ.
٤١١ -
стр. 302
وَإِنْ شَرَطُوا عَلَيْنَا أَنْ لَا نَأْكُلَ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَلَا نَعْلِفَ مِنْهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُحَرِّقَ شَيْئًا مِنْهَا. لِأَنَّ الْإِحْرَاقَ فَوْقَ الْأَكْلِ فِي تَفْوِيتِ مَقْصُودِهِمْ بِالشَّرْطِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلَى حُرْمَةِ الشَّتْمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطُوا بِأَنْ لَا يُحْرَقَ، لِأَنَّ الْأَكْلَ دُونَ التَّحْرِيقِ. فَإِنَّ الْإِحْرَاقَ إفْسَادٌ لِلْعَيْنِ، وَالْأَكْلُ انْتِفَاعٌ بِالْعَيْنِ. فَإِذَا شَرَطُوا أَنْ لَا يَأْكُلَ فَمَقْصُودُهُمْ بَقَاءُ الْعَيْنِ لَهُمْ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْإِحْرَاقِ كَمَا يَنْعَدِمُ بِالْأَكْلِ. وَإِذَا شَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ فَمَقْصُودُهُمْ (٧٨ ب) أَنْ لَا يَفْسُدَ شَيْءٌ مِنْ مِلْكِهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْأَكْلِ فَسَادٌ.
٤١٢ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ لَهُمْ زُرُوعًا فَقَدْرَنَا عَلَى أَنْ نُغْرِقَهَا بِالْمَاءِ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إفْسَادٌ.
٤١٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُغْرِقَهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُحَرِّقَهَا.
٤١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُغْرِقَ سَفِينَتَهُمْ وَلَا نُحَرِّقَهَا لَمْ يَنْبَغِ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ بِهَا. لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ هَذَا بَقَاءُ عَيْنِهَا لَهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ إذَا ذَهَبْنَا بِهَا.
стр. 303
أَرَأَيْت لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ مَنَازِلَهُمْ وَلَا نُغْرِقَهَا أَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَنْقُضَهَا فَنَذْهَبَ بِخَشَبِهَا وَأَبْوَابِهَا؟ هَذَا لَا يَنْبَغِي. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا أَنْ لَا نَسْتَهْلِكَهَا عَلَيْهِمْ. إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ التَّنْصِيصُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الِاسْتِهْلَاكِ، وَذَكَرُوا مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَسْبَابِهِ وَهُوَ التَّغْرِيقُ وَالْإِحْرَاقُ.
٤١٥ - وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ إذَا أَصَبْنَاهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَهُمْ وَيَكُونُوا فَيْئًا وَلَا نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْأَسْرَ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَا شَرَطُوا مِنْ الْقَتْلِ. فَإِنَّ الْقَتْلَ نَقْصُ الْبِنْيَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ شَرْعًا.
٤١٦ - وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ لَا نَأْسِرَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَأْسِرَهُمْ وَنَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْقَتْلَ أَشَدُّ مِنْ الْأَسْرِ. وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ يَفُوتُ بِالْقَتْلِ كَمَا يَفُوتُ بِالْأَسْرِ. إلَّا أَنْ تَظْهَرَ الْخِيَانَةُ مِنْهُمْ بِأَنْ كَانُوا الْتَزَمُوا أَنْ لَا يَقْتُلُوا وَلَا يَأْسِرُوا مِنَّا أَحَدًا، ثُمَّ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا مِنْهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ وَأَنْ نَأْسِرَهُمْ كَمَا كَانَ لَنَا ذَلِكَ قَبْلَ الْعَهْدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ لِمُسَاعِدَةِ بَنِي بَكْرٍ عَلَى بَنِي خُزَاعَةَ
стр. 304
وَكَانُوا حُلَفَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ قَصَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ الْأَخْبَارَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً؟ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِنَقْضٍ مِنْهُمْ لِعَهْدِهِمْ. لِأَنَّ فِعْلَ الْوَاحِدِ لَا يَشْتَهِرُ فِي جَمَاعَتِهِمْ عَادَةً، وَلَيْسَ لِهَذَا الْوَاحِدِ وِلَايَةُ نَقْضِ الْعَهْدِ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ فِي دِينِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُ لِإِيمَانِهِ، وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا مِنْهُ لِأَمَانِهِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَتُهُمْ أَوْ أَمِيرُهُمْ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ فَلَا يُغَيِّرُونَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنْهُمْ. لِأَنَّ فِعْلَ أَمِيرِهِمْ يَشْتَهِرُ لَا مَحَالَةَ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ إذَا فَعَلَهُ مُجَاهِرَةً فَلَمْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِذَلِكَ، عَلَى مَا قِيلَ: إنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يَنْهَهُ مَأْمُورٌ. وَمُبَاشَرَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهِرَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِلْعَهْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.
٤١٧ - فَإِنْ شَرَطُوا عَلَى أَنْ لَا نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلُوا أَسْرَانَا، وَأَسَرُوا مِنَّا أُسَارَى فَلَمْ يَقْتُلُوهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَ نَحْنُ أَيْضًا أَسْرَاهُمْ وَلَا نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ نَقْضَ (٧٩ آ) الْعَهْدِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ الْتَزَمُوا بِأَنْ لَا يُقْتَلُوا وَمَا الْتَزَمُوا بِأَنْ لَا يَأْسِرُوا، وَإِذَا بَقِيَ الْعَهْدُ نُعَامِلُهُمْ كَمَا يُعَامِلُونَنَا جَزَاءً وِفَاقًا.
٤١٨ -
стр. 305
وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارنَا بِأَمَانٍ فَقَتَلَ مُسْلِمًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ، أَوْ تَجَسَّسَ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ. فَبَعَثَ بِهَا إلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ كُرْهًا، أَوْ سَرَقَ، فَلَيْسَ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا نَقْضًا مِنْهُ لِلْعَهْدِ. إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَصِيرُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ بِمَا صَنَعَ. لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَقَدْ الْتَزَمَ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا فَعَلَهُ كَانَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ بِمُبَاشَرَتِهِ، مِمَّا يُخَالِفُ مُوجِبَ عَقْدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ نَاقِضَ الْعَهْدِ بِهَذَا رَجَعَ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ فَعَلَ الْمُسْلِمُ شَيْئًا مِنْ هَذَا لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِإِيمَانِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُسْتَأْمَنُ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ.
٤١٩ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَغْزُوكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنًا مَعَ مَا فَعَلَهُ. وَكَذَلِكَ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ حِين اسْتَشَارَهُ بَنُو قُرَيْظَةَ أَنَّهُمْ إنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاذَا يَصْنَعُ بِهِمْ، فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى حَلْقِهِ، يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] الْآيَةُ.
стр. 306
فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْإِيمَانِ مِنْ الْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْأَمَانِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ، وَلَكِنَّهُ إنْ قَتَلَ إنْسَانًا عَمْدًا يُقْتَلُ بِهِ قِصَاصًا، لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حُقُوقَ الْعِبَادِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ.
٤٢٠ - وَإِنْ قَذَفَ مُسْلِمًا يُضْرَبُ الْحَدُّ. لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ صِيَانَةً لِعَرْضِهِ. وَلِهَذَا تُسْمَعُ خُصُومَتُهُ فِي الْحَدِّ، وَلَا تُسْتَوْفَى إلَّا بِهِ. فَأَمَّا مَا أَصَابَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، فَالْخِلَافُ فِيهِ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
٤٢١ - وَاسْتَدَلَّ بِصِحَّةِ مَذْهَبِهِ هُنَا، بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ هَلْ تُقَامُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْحُدُودُ. فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: لَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، لَكِنْ يُرْفَعُونَ إلَى حَاكِمِهِمْ لَيُقِيمَهَا عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. فَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، يَكُونُ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ لِوُرُودِ النَّصِّ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ بِرَجْمِ الْيَهُودِيِّ» ، وَلَكِنَّ وُرُودَ النَّصِّ فِي الذِّمِّيِّ، لَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارنَا، فَيُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ كُلُّهَا إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ شُرْبِهِ، وَبِدُونِ اعْتِقَادِ الْحُرْمَةِ لَا يَتَقَرَّرُ السَّبَبُ. فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ لَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلَا الْتَزَمَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِنَا، وَإِنَّمَا دَخَلَ دَارَنَا لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى دَارِهِ. وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ.
стр. 307
٤٢٢ - وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِقَتْلِ الْمُسْتَأْمَنِ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ. فَلِهَذَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ مَا كَانَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ. وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَيَغْرَمُ مَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَاقُ الَّتِي أَصَابَهَا. لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَخْلُو عَنْ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهَا. وَيُوجَبُ عُقُوبَةً عَلَى مَا صَنَعَ وَيَجْلِسُ فِي السِّجْنِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ. وَيُعَزَّرُ لِأَنَّ فِي لَفْظِ التَّعْزِيرِ مَا يُنَبِّئُ عَنْ مَعْنَى التَّطْهِيرِ وَالتَّعْظِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَلِهَذَا قَالَ: يَوْجَعَ عُقُوبَةً بِمَا صَنَعَ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 308
[بَابُ مَا يُصَدَّقُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ]
٤٢٣ - وَإِذَا انْتَهَى عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَطْمُورَةٍ أَوْ حِصْنٍ فَأَقَامُوا عَلَيْهَا فَنَادَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِهَا: أَمِّنُونَا عَلَى أَهْلِينَا وَمَتَاعِنَا عَلَى أَنْ نَفْتَحَهَا لَكُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَفَتَحُوهَا لَهُمْ. فَالْقَوْمُ الَّذِينَ سَأَلُوا ذَلِكَ آمِنُونَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا أَنْفُسَهُمْ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ النُّونَ وَالْأَلِفَ أَوْ النُّونَ وَالْيَاءَ فِي قَوْلِهِ أَمِّنُونَا كِنَايَةٌ لِإِضَافَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إلَى نَفْسِهِ. وَكَلِمَةُ عَلَى لِلشَّرْطِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أَيْ بِشَرْطِ ذَلِكَ. فَعَرَفْنَا أَنَّ تَقْرِيرَ كَلَامِهِمْ نَحْنُ آمِنُونَ مَعَ أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا إنْ فَتَحْنَاهَا لَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ فَإِذَا فَتَحُوا كَانُوا آمِنِينَ.
٤٢٤ - فَإِذَا خَرَجَ أَهْلُ الْمَطْمُورَةِ، فَقَالَ الَّذِينَ أُومِنُوا: هَذَا مَتَاعُنَا
стр. 309
لِجَيِّدِ الْمَتَاعِ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُونَا لِفَرِهَةِ السَّبْيِ فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ. لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ مَا وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ لِظُهُورِ سَبَبِهِ، فَهُمْ يَدَّعُونَ الْمَانِعَ بَعْدَ مَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ بِسَبَبِهِ فَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا حُجَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ شَرْطَ خِيَارٍ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.
٤٢٥ - قَالَ: وَلَكِنَّ الْعَمَلَ (٨٠ أ) بِالْقِيَاسِ يَتَعَذَّرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ فِي الْمَطْمُورَةِ قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ عُدُولًا مُسْلِمِينَ لِيُشْهِدُوهُمْ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ الْمَتَاعِ وَالْأَهْلِ. وَكَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ صِفَةِ الذُّكُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ أَصْلِ الشَّهَادَةِ هُنَا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ فَنَقُولُ: إنْ صَدَّقَهُمْ السَّبْيُ الَّذِينَ ادَّعَوْهُمْ بِمَا قَالُوا فَهُمْ مُصَدَّقُونَ وَهُمْ آمِنُونَ مَعَهُمْ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَطْمُورَةِ جُمْلَةً.
فَإِذَا تَصَادَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَعَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ، فَيُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى مَا يَظْهَرُ بِتَصَادُقِهِمْ.
стр. 310
وَإِنْ كَذَّبُوهُمْ بِمَا قَالُوا كَانُوا فَيْئًا. لِأَنَّهُ عِنْدَ التَّكْذِيبِ لَمْ يَثْبُتْ السَّبَبُ الَّذِي بُنِيَ الْأَمَانُ عَلَيْهِ، وَدَعْوَى الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْمَطْمُورَةِ أَنَّهُمْ أَهْلُونَا إلَّا بِحُجَّةٍ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ خَبَرِهِمْ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ عَارَضُوهُمْ بِالتَّكْذِيبِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
فَالسَّبَبُ هُنَاكَ قَدْ ثَبَتَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالتَّصَادُقِ، وَعَلَيْهِ بَنَيْنَا الْأَمَانَ فَلِهَذَا كَانُوا آمِنِينَ.
٤٢٦ - فَإِنْ كَانُوا حِينَ كَذَّبَهُمْ هَؤُلَاءِ ادَّعُوا غَيْرَهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلُونَا لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ كَلَامَهُمْ، وَالْمُنَاقِضُ لَا قَوْلَ لَهُ. وَلِأَنَّا إنَّمَا نَقْبَلُ قَوْلَهُمْ عِنْدَ التَّصْدِيقِ لِنَوْعٍ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ الَّذِي سَبَقَ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُمْ لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى التَّصَادُقِ عَلَى الْبَاطِلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْعَدِمُ عِنْدَ التَّنَاقُضِ فِي الدَّعْوَى. فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْمَطْمُورَةِ فَيْئًا، إلَّا الْمُسْتَأْمَنِينَ وَمَنْ صَدَّقَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِيهِمْ.
٤٢٧ - وَإِنْ ادَّعَى بَعْضَ السَّبْيِ رَجُلَانِ مِنْهُمْ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا مِنْ أَهْلِي. فَإِنْ صَدَّقَ الْمُدَّعَى بِهِ أَحَدَهُمَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَكَانَ آمِنًا، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا جَمِيعًا كَانَ فَيْئًا.
لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي رَتَّبْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
٤٢٨ - وَأَهْلُهُ وَامْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي عِيَالِهِ مِنْ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ.
стр. 311
وَفِي الْقِيَاسِ أَهْلُهُ زَوْجَتُهُ فَقَطْ. لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ لِمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ مُتَأَهِّلٌ، وَلِمَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ غَيْرُ مُتَأَهِّلٍ. وَإِنْ كَانَ يَقُولُهُ جَمَاعَةٌ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: اسْمُ الْأَهْلِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَعُولُهُ الرَّجُلُ فِي دَارِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى فِي قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﵇: ﴿إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وَقَدْ اسْتَثْنَى اللَّهُ الزَّوْجَةَ عَنْ الْأَهْلِ فِي قِصَّةِ لُوطٍ ﵇. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣] وَفِي قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] (٨٠ ب) يَعْنِي زَوْجَتَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْمَ الْأَهْلِ يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الزَّوْجَةِ. وَيُقَالُ فُلَانٌ كَثِيرُ الْأَهْلِ: إذَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى جَمَاعَةٍ. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَهْلَ وَالْعِيَالَ مُسَاوَاةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ عُرْفًا.
٤٢٩ - فَأَمَّا ابْنٌ لَهُ كَبِيرٌ هُوَ مُعْتَزِلٌ عَنْهُ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ ابْنَةٍ مِنْ بَنَاتِهِ لَهَا زَوْجٌ وَقَدْ ضَمَّهَا زَوْجُهَا إلَيْهِ فَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ. لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي نَفَقَتِهِ، وَالْأَهْلُ مَنْ يَكُونُ فِي نَفَقَتِهِ فِي دَارِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قَرَابَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرَابَتِهِ.
٤٣٠ - فَإِذَا تَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ كَانُوا آمِنِينَ، وَأَيُّهُمْ ادَّعَى ذَلِكَ وَكَذَّبَهُ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ ادَّعَى الْمُسْتَأْمَنُ وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي فَهُوَ فَيْءٌ.
стр. 312
فَإِنْ رَجَعَ الْمُكَذِّبُ مِنْهُمَا إلَى تَصْدِيقِ صَاحِبِهِ وَقَالَ: أَوْهَمْت. لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ. لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامٍ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ تَقَرَّرَ فِيهِ بِالتَّكْذِيبِ، فَلَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ رُجُوعِهِ إلَى التَّصْدِيقِ.
٤٣١ - وَلَوْ قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى أَهْلِ بُيُوتَاتِنَا فَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَأَهْلُ بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ فِي بِلَادِهِمْ كَمَا يَكُونُ فِي بِلَادِنَا أَهْلُ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ آلِ عَبَّاسٍ، وَأَهْلُ بَيْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَهْلُ بَيْتِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ السُّكْنَى، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيْتُ النَّسَبِ. وَالْإِنْسَانُ مَنْسُوبٌ إلَى قَوْمِ أَبِيهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ بَيْتُ نَسَبِهِ وَأَنَّ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ يُعْرَفُونَ بِهِ فَهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ.
٤٣٢ - وَلَا يَكُونُ أُمُّ الْمُسْتَأْمَنِ وَلَا زَوْجَتُهُ وَلَا إخْوَتُهُ لِأُمِّهِ، وَلَا خَالَاتُهُ وَأَخْوَالُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ. لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَى غَيْرِ مَنْ يُنْسَبُ هُوَ إلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْلَادَ الْخُلَفَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْخِلَافَةِ يَصْلُحُونَ لَهَا؟
٤٣٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى آلِي. فَالْآلُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ سَوَاءٌ.
стр. 313
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى جِنْسِي. لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ لَا مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أُمِّهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ قِبْطِيَّةً. وَكَذَا إسْمَاعِيلُ كَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ لَا مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أُمِّهِ هَاجَرَ.
٤٣٤ - وَإِنْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى ذَوِي قَرَابَتِي، أَوْ عَلَى أَقْرِبَائِي، أَوْ عَلَى أَنْسَابِي. فَهَذَا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْوَصَايَا فِي الزِّيَادَاتِ. إلَّا أَنَّهُ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ فِي فَصْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ اسْتِحْقَاقَ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَهَا هُنَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ فِيهِ سَوَاءٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ إيجَابٌ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، وَالْإِنْسَانُ فِي الصِّلَةِ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَقْرَبِ وَالْأَبْعَدِ وَيُرَتِّبُ الْأَبْعَدَ عَلَى الْأَقْرَبِ. وَهَذَا اسْتِنْقَاذٌ. وَالْإِنْسَانُ عِنْدَ اكْتِسَابِ سَبَبِ الِاسْتِنْقَاذِ لَا يُرَتِّبُ الْأَبْعَدَ عَلَى الْأَقْرَبِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي التَّسْوِيَةِ هُنَاكَ إضْرَارًا بِالْأَقْرَبِ فَإِنَّهُ يُنْقِصُ حَقَّهُ وَلَا (٨١ آ) يَجُوزُ الْإِضْرَارُ بِالْأَقْرَبِ لِمُزَاحَمَةِ الْأَبْعَدِ. وَهَاهُنَا لَيْسَ فِي التَّسْوِيَة إضْرَارٌ بِالْأَقْرَبِ، لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُ سَوَاءٌ ثَبَتَ لِلْأَبْعَدِ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ.
وَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ لِذَوِي قَرَابَتِهِ لَا يَدْخُلُ وَلَدُهُ وَوَالِدُهُ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَرِثُونَهُ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي. وَفِي الْأَمَانِ يَدْخُلُ وَلَدُهُ وَوَالِدُهُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ فِيهِمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ اسْمَ الْقَرَابَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَى الْغَيْرِ بِوَاسِطَةِ.
فَأَمَّا مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْقَرَابَةِ. وَأَيَّدَ هَذَا
стр. 314
أَنَّ اللَّهَ عَطَفَ الْأَقْرَبِينَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: ٤٣٥ - مَقْصُودُهُ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ لِقَرَابَتِهِ اسْتِنْقَاذُهُمْ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَشَفَقَتُهُ عَلَى وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ أَظْهَرُ مِنْ شَفَقَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْقَرَابَاتِ. فَلِمَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ أَدْخَلْنَاهُمْ فِي الْأَمَانِ وَلِأَنَّا إنَّمَا لَا نُدْخِلُهُمْ فِي هَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأَبِيهِ هُوَ قَرِيبِي.
وَفِي فَصْلِ الْأَمَانِ الْجَفَاءُ فِي تَرْكِ اسْتِنْقَاذِهِ أَوْ طَلَبِ الْأَمَانِ لِغَيْرِهِ أَظْهَرُ. فَلَوْ أَدْخَلْنَاهُمْ فِي الِاسْمِ هَا هُنَا يُؤَدِّي إلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الْبِرِّ لَا إلَى الْجَفَاءِ وَالْعُقُوقِ. فَلِهَذَا أُدْخِلُوا فِي الْأَمَانِ.
٤٣٦ - قَالَ: وَلَوْ اسْتَأْمَنُوا عَلَى مَتَاعِهِمْ ثُمَّ ادَّعُوا جَيِّدَ الْمَتَاعِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَتَاعُ أُخِذَ مِنْ يَدِ بَعْضِ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ، فَإِنْ صَدَّقُوهُمْ فَهُمْ مُصَدَّقُونَ، وَإِنْ كَذَّبُوهُمْ كَانَ فَيْئًا. لِأَنَّا عَرَفْنَا كَوْنَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَمْتِعَةِ لَهُ إلَى أَنْ أُخِذَ مِنْهُ. وَلِصَاحِبِ الْيَدِ قَوْلٌ فِيمَا فِي يَدِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْمَرْءِ قَوْلًا مُعْتَبَرًا فِي نَفْسِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَصْدِيقِ الْمُدَّعِي؛ فَكَذَلِكَ فِي الْمَتَاعِ يُرْجَعُ إلَى تَصْدِيقِ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَلَا يُقَالُ يَدُهُ زَائِلَةٌ فِي الْحَالِ. لِأَنَّ سَبَبَ زَوَالِهَا الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الِاغْتِنَامِ. وَمَا ثَبَتَ فِي الْأَمَانِ لَا يَكُونُ مَحَلَّ الدَّاخِلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى فِي النُّفُوسِ مَوْجُودٌ أَيْضًا فَقَدْ صَارَتْ مَأْخُوذَةً مِنْهُمْ بِالِاغْتِنَامِ حُكْمًا، وَمَعَ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُمْ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ.
٤٣٧ - فَإِنْ ادَّعُوا بَعْدَ هَذَا التَّكْذِيبِ مَتَاعًا آخَرَ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ.
стр. 315
لِأَنَّ فِي دَعْوَاهُمْ الْأُولَى بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْمَطْمُورَةِ سِوَى مَا ادَّعَوْا مِنْ الْمَتَاعِ، وَطَرِيقُ الْمَفْهُومِ الَّذِي نَعْتَبِرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَكَانُوا مُتَنَاقِضِينَ فِيمَا يَدَّعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.
٤٣٨ - وَإِنْ كَذَّبَهُمْ مَنْ كَانَ الْمَتَاعُ فِي يَدِهِ وَقَالَ: هُوَ مَتَاعِي، ثُمَّ صَدَّقَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى هَذَا التَّصْدِيقِ لِلتَّنَاقُضِ، وَلِتَقَرُّرِ حُكْمِ الِاغْتِنَامِ فِيهِ بِالتَّكْذِيبِ، فَيَكُونُ الْمَتَاعُ فَيْئًا.
٤٣٩ - وَإِنْ وَجَدْنَا الْمَتَاعَ فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْمَنِينَ فَقَالُوا: هُوَ مَتَاعُنَا الَّذِي أَمَّنْتُمُونَا عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُمْ. لِأَنَّ أَصْلَ الْيَدِ لَهُمْ، وَهِيَ شَاهِدَةٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ. فَيُبْنَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ.
٤٤٠ - وَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْتَحْلِفُهُ. لِأَنَّ أَكْثَرَ (٨١ ب) مَا فِيهِ أَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا يُخْبِرُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ، فَإِنَّ تُهْمَةَ الْكَذِبِ شَرْعًا إنَّمَا تَنْتَفِي بِالْيَمِينِ. وَلَا يَسْتَحْلِفُهُ إلَّا بِاَللَّهِ. لِقَوْلِهِ ﵊: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» . إلَّا أَنَّهُ يُغْلِظُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ. فَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى.
стр. 316
لِأَنَّ انْزِجَارَهُ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ هَا هُنَا.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ. لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا: لَا يُسْتَحْلَفُ الْمَجُوسِيُّ إلَّا بِاَللَّهِ. لِأَنَّ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعْنَى تَعْظِيمِ النَّارِ، وَالنَّارُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْجَمَادَاتِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَهُنَاكَ فِيمَا يَزِيدُ مَعْنَى تَعْظِيمِ الْكِتَابَيْنِ وَالرَّسُولَيْنِ وَذَلِكَ يَسْتَقِيمُ.
٤٤١ - فَإِنْ كَانُوا أَمَّنُوهُمْ عَلَى أَهْلِيهِمْ فَقَالَ: هَذَا مِنْ أَهْلِي وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعِي ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِي وَقَدْ كَذَبْت، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي. لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِادِّعَائِهِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ بِالْكَلَامِ الثَّانِي يُرِيدُ إبْطَالَ الْأَمَانِ الثَّابِتِ لَهُ.
٤٤٢ - وَهُوَ لَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُنَاقِضًا، وَلَوْ رَجَعَ الْمُدَّعَى دُونَ الْمُدَّعِي كَانَ الْمُدَّعَى فَيْئًا. لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل الْمُدَّعِي لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لَهُ وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَسْت بِمَمْلُوكٍ، لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. لِأَنَّ بِتَصْدِيقِهِ صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ. فَلَا يَبْقَى لَهُ قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمَمْلُوكُهُ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّهُ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمَانُ.
стр. 317
وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَيْسَ مِنْ أَهْلِي، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِي. وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعَى فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَقَرَّ فِي مِلْكِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ. إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ صَارَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ بِتَصَادُقِهَا فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ أُبِيحَ قَتْلُهُ إنَّمَا يُبَاحُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي. وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَمْلُوكِهِ فِي إبَاحَةِ دَمِهِ.
٤٤٤ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُنَاقِضًا؟ وَإِنْ تَصَادَقَا جَمِيعًا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فَلِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ إنْ كَانَ رَجُلًا إنْ شَاءَ. لِأَنَّ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي انْتَفَى مِلْكُهُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ إبَاحَةِ دَمِهِ.
٤٤٥ - كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقِصَاصِ كَانَ إقْرَارُهُ صَحِيحًا، حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا.
وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: هُوَ ابْنِي فِي عِيَالِي، وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى وَهُوَ رَجُلٌ، فَاتَّهَمَهُمَا الْأَمِيرُ، فَإِنَّهُ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى. فَإِنْ حَلَفَ كَانَ حُرًّا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ فَيْئًا. لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ (٨٢ آ) الْغَانِمِينَ فِيهِ، فَإِنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ.
стр. 318
وَلَكِنَّهُ لَا يُقْتَلُ. لِأَنَّهُ آمِنٌ مِنْ الْقَتْلِ بِتَصَادُقِهِمَا. فَلَوْ جَازَ قَتْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ بِالنُّكُولِ، وَالنُّكُولُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ بِدَلِيلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ؛ فَهَذَا مِثْلُهُ. قَالَ عِيسَى ﵀: هَذَا غَلَطٌ. لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ هُنَا لَيْسَ بِاعْتِبَارِ النُّكُولِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُبَاحُ الدَّمِ فَبِنُكُولِهِ يَنْتَفِي الْمَانِعُ وَهُوَ الْأَمَانُ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى الْقَاتِلُ الْعَفْوَ عَلَى الْوَلِيِّ وَجَحَدَ الْوَلِيُّ وَحَلَفَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ وَلَا يَكُونُ هَذَا قَتْلًا بِالْيَمِينِ.
وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ قَدْ ارْتَفَعَتْ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمُدَّعِي. فَلَوْ جَازَ قَتْلُهُ بَعْدَ هَذَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ نُكُولِهِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا فِي النُّكُولِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَالِاحْتِمَالِ. فَقَدْ يَكُونُ لِلتَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ. وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ لَمْ يَحْصُلْ. لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ عَلَى ابْنِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى اسْتِحْقَاقِ الرِّقِّ وَإِبَاحَةِ الْقَتْلِ. وَالْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ هَذَا.
٤٤٦ - وَإِنْ قَالَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ عَلَى مَتَاعِهِ: لَمَتَاعُ هَذَا مِنْ مَتَاعِي وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي يَدِ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ قَالَ هَذَا بَعْدَ مَا صَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 319
لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تُعْرَفْ فِيهِ يَدٌ لِأَحَدٍ فِيمَا مَضَى وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْيَدِ الظَّاهِرَةِ فِي الْحَالِ، وَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مُوجِبَةُ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ. فَالْمُدَّعِي يُبْطِلُ حَقًّا ظَهَرَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
٤٤٧ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْمَتَاعُ إلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْمَطْمُورَةِ فَيَدُهُ إلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ يَدِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ كَانَ فِي الْمَطْمُورَةِ. فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ حِينَ ادَّعَى ذَلِكَ.
٤٤٨ - وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَيَدِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فَوَصَلَ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ وَهُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِهِ، فَهُوَ لِلْمُسْتَأْمَنِ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ. لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ أَقْرَبَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ مُسْتَحْدَثَةٌ فِيهِ، فَمَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ لَا يُعْتَبَرُ يَدُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمُسْتَأْمَنِ؟ فَهَذَا أَوْلَى.
٤٤٩ - وَكَذَلِكَ إنْ وَصَلَ إلَى الْأَمِيرِ، وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَقَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُتَعَلِّقُونَ بِهِ، وَأَهْلُ الْمَطْمُورَةِ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَ فِي الْأَصْلِ كَانَتْ لَهُمْ فَلَا يُعْتَبَرُ يَدُ الْمُسْلِمِينَ (٨٢ ب) بِتَعَلُّقِهِمْ بِهِ.
٤٥٠ - فَأَمَّا إذَا وَصَلُوا إلَى الْأَمِيرِ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً.
стр. 320
فَقَدْ عَرَفْنَا زَوَالَ الْيَدِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يَدْرِي لِمَنْ كَانَتْ حَقِيقَةً: لِلْمُدَّعِي كَانَ، أَوْ لِلْمُصَدِّقِينَ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِمْ. فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ إزَالَتُهَا إلَّا بِبَيِّنَةِ عُدُولٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
٤٥١ - فَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ ذَلِكَ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ أَقَرَّ الَّذِينَ ذَلِكَ فِي أَيْدِيهِمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ، وَأَقَرَّ أُولَئِكَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَأَقَرَّ أُولَئِكَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَالثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَذَلِكَ. وَالِاسْتِحْقَاقُ لِلْمُسْلِمِينَ الْآنَ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْآخِذِينَ فِي بَيَانِ جِهَةِ الْوُصُولِ إلَى أَيْدِيهِمْ. فَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الَّذِينَ أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ إلَّا بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ. فَهَذَا وَمَا لَوْ أَقَرُّوا بِهِ قَبْلَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَصْلَ الْيَدِ لَهُمْ وَتِلْكَ الْيَدُ قَائِمَةٌ حُكْمًا لِمَا وَجَبَ اعْتِبَارُ تَصَادُقِهِمْ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ. فَكَانَ إقْرَارُهُمْ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِمْ قَبْلَهُ.
٤٥٢ - فَإِنْ اقْتَسَمَ الْمُسْلِمُونَ الْمَتَاعَ، أَوْ بِيعَ الْمَتَاعُ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُسْتَأْمَنُونَ أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُهُمْ، لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْمِلْكِ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
следующие страницы →