← Сияса и кади

Сияса и кади · id 5434

شرح السير الكبير

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (2 212 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لِأَنَّ انْزِجَارَهُ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ هَا هُنَا. قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ. لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا: لَا يُسْتَحْلَفُ الْمَجُوسِيُّ إلَّا بِاَللَّهِ. لِأَنَّ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعْنَى تَعْظِيمِ النَّارِ، وَالنَّارُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْجَمَادَاتِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَهُنَاكَ فِيمَا يَزِيدُ مَعْنَى تَعْظِيمِ الْكِتَابَيْنِ وَالرَّسُولَيْنِ وَذَلِكَ يَسْتَقِيمُ. ٤٤١ - فَإِنْ كَانُوا أَمَّنُوهُمْ عَلَى أَهْلِيهِمْ فَقَالَ: هَذَا مِنْ أَهْلِي وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعِي ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِي وَقَدْ كَذَبْت، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي. لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِادِّعَائِهِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ بِالْكَلَامِ الثَّانِي يُرِيدُ إبْطَالَ الْأَمَانِ الثَّابِتِ لَهُ. ٤٤٢ - وَهُوَ لَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُنَاقِضًا، وَلَوْ رَجَعَ الْمُدَّعَى دُونَ الْمُدَّعِي كَانَ الْمُدَّعَى فَيْئًا. لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل الْمُدَّعِي لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لَهُ وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَسْت بِمَمْلُوكٍ، لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. لِأَنَّ بِتَصْدِيقِهِ صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ. فَلَا يَبْقَى لَهُ قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمَمْلُوكُهُ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّهُ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمَانُ.

стр. 317

وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَيْسَ مِنْ أَهْلِي، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِي. وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعَى فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَقَرَّ فِي مِلْكِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ. إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ صَارَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ بِتَصَادُقِهَا فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ أُبِيحَ قَتْلُهُ إنَّمَا يُبَاحُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي. وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَمْلُوكِهِ فِي إبَاحَةِ دَمِهِ. ٤٤٤ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُنَاقِضًا؟ وَإِنْ تَصَادَقَا جَمِيعًا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فَلِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ إنْ كَانَ رَجُلًا إنْ شَاءَ. لِأَنَّ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي انْتَفَى مِلْكُهُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ إبَاحَةِ دَمِهِ. ٤٤٥ - كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقِصَاصِ كَانَ إقْرَارُهُ صَحِيحًا، حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا. وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: هُوَ ابْنِي فِي عِيَالِي، وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى وَهُوَ رَجُلٌ، فَاتَّهَمَهُمَا الْأَمِيرُ، فَإِنَّهُ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى. فَإِنْ حَلَفَ كَانَ حُرًّا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ فَيْئًا. لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ (٨٢ آ) الْغَانِمِينَ فِيهِ، فَإِنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ.

стр. 318

وَلَكِنَّهُ لَا يُقْتَلُ. لِأَنَّهُ آمِنٌ مِنْ الْقَتْلِ بِتَصَادُقِهِمَا. فَلَوْ جَازَ قَتْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ بِالنُّكُولِ، وَالنُّكُولُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ بِدَلِيلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ؛ فَهَذَا مِثْلُهُ. قَالَ عِيسَى ﵀: هَذَا غَلَطٌ. لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ هُنَا لَيْسَ بِاعْتِبَارِ النُّكُولِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُبَاحُ الدَّمِ فَبِنُكُولِهِ يَنْتَفِي الْمَانِعُ وَهُوَ الْأَمَانُ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى الْقَاتِلُ الْعَفْوَ عَلَى الْوَلِيِّ وَجَحَدَ الْوَلِيُّ وَحَلَفَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ وَلَا يَكُونُ هَذَا قَتْلًا بِالْيَمِينِ. وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ قَدْ ارْتَفَعَتْ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمُدَّعِي. فَلَوْ جَازَ قَتْلُهُ بَعْدَ هَذَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ نُكُولِهِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا فِي النُّكُولِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَالِاحْتِمَالِ. فَقَدْ يَكُونُ لِلتَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ. وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ لَمْ يَحْصُلْ. لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ عَلَى ابْنِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى اسْتِحْقَاقِ الرِّقِّ وَإِبَاحَةِ الْقَتْلِ. وَالْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ هَذَا. ٤٤٦ - وَإِنْ قَالَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ عَلَى مَتَاعِهِ: لَمَتَاعُ هَذَا مِنْ مَتَاعِي وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي يَدِ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ قَالَ هَذَا بَعْدَ مَا صَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 319

لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تُعْرَفْ فِيهِ يَدٌ لِأَحَدٍ فِيمَا مَضَى وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْيَدِ الظَّاهِرَةِ فِي الْحَالِ، وَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مُوجِبَةُ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ. فَالْمُدَّعِي يُبْطِلُ حَقًّا ظَهَرَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ٤٤٧ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْمَتَاعُ إلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْمَطْمُورَةِ فَيَدُهُ إلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ يَدِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ كَانَ فِي الْمَطْمُورَةِ. فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ حِينَ ادَّعَى ذَلِكَ. ٤٤٨ - وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَيَدِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فَوَصَلَ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ وَهُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِهِ، فَهُوَ لِلْمُسْتَأْمَنِ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ. لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ أَقْرَبَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ مُسْتَحْدَثَةٌ فِيهِ، فَمَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ لَا يُعْتَبَرُ يَدُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمُسْتَأْمَنِ؟ فَهَذَا أَوْلَى. ٤٤٩ - وَكَذَلِكَ إنْ وَصَلَ إلَى الْأَمِيرِ، وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَقَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُتَعَلِّقُونَ بِهِ، وَأَهْلُ الْمَطْمُورَةِ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَ فِي الْأَصْلِ كَانَتْ لَهُمْ فَلَا يُعْتَبَرُ يَدُ الْمُسْلِمِينَ (٨٢ ب) بِتَعَلُّقِهِمْ بِهِ. ٤٥٠ - فَأَمَّا إذَا وَصَلُوا إلَى الْأَمِيرِ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً.

стр. 320

فَقَدْ عَرَفْنَا زَوَالَ الْيَدِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يَدْرِي لِمَنْ كَانَتْ حَقِيقَةً: لِلْمُدَّعِي كَانَ، أَوْ لِلْمُصَدِّقِينَ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِمْ. فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ إزَالَتُهَا إلَّا بِبَيِّنَةِ عُدُولٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ٤٥١ - فَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ ذَلِكَ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ أَقَرَّ الَّذِينَ ذَلِكَ فِي أَيْدِيهِمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ، وَأَقَرَّ أُولَئِكَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَأَقَرَّ أُولَئِكَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَالثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَذَلِكَ. وَالِاسْتِحْقَاقُ لِلْمُسْلِمِينَ الْآنَ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْآخِذِينَ فِي بَيَانِ جِهَةِ الْوُصُولِ إلَى أَيْدِيهِمْ. فَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الَّذِينَ أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ إلَّا بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ. فَهَذَا وَمَا لَوْ أَقَرُّوا بِهِ قَبْلَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَصْلَ الْيَدِ لَهُمْ وَتِلْكَ الْيَدُ قَائِمَةٌ حُكْمًا لِمَا وَجَبَ اعْتِبَارُ تَصَادُقِهِمْ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ. فَكَانَ إقْرَارُهُمْ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِمْ قَبْلَهُ. ٤٥٢ - فَإِنْ اقْتَسَمَ الْمُسْلِمُونَ الْمَتَاعَ، أَوْ بِيعَ الْمَتَاعُ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُسْتَأْمَنُونَ أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُهُمْ، لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْمِلْكِ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.

стр. 321

لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ قَدِيمٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمِلْكُ لَا يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ بَلْ بِالْحُجَّةِ التَّامَّةِ. وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ حُجَّةٌ لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَحَاجَةُ الْمُسْتَأْمَنِينَ هُنَا إلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِلْكِ عَلَى الْمُلَّاكِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِمَا ذَكَرْنَا. ٤٥٣ - فَإِنْ أَقَرَّ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا أَخَذُوهُ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ أَيْدِي الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ مِنْ أَيْدِي قَوْمٍ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ، لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِي الْمَتَاعِ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ، فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ. إلَّا أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي سَهْمِ الَّذِي أَقَرَّ فَيُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ. لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّهِ أَوْ أَقْوَى. وَلَكِنْ لَا يُعَوَّضُ. لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ كَانَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى سَائِرِ الْغَانِمِينَ، فَكَانَ هُوَ فِي حَقِّهِمْ مُتْلِفًا نَصِيبَ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّعْوِيضَ مِنْ الْغَنِيمَةِ. ٤٥٤ - فَأَمَّا السَّبْيُ فَهُمْ مُصَدَّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَإِنْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، مَا لَمْ يَقْتَسِمُوا أَوْ يُبَاعُوا، سَوَاءٌ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا. لِأَنَّ اعْتِبَارَ يَدِهِمْ وَقَوْلِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لَا يَزُولُ إلَّا بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ دُونَ الْإِحْرَازِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ؟

стр. 322

آ) وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانُوا إحْرَازَ الْأَصْلِ. ٤٥٥ - فَأَمَّا إذَا اُقْتُسِمُوا أَوْ بِيعُوا لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّ الرِّقَّ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِمْ، فَلَا قَوْلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَدَ مُعْتَبَرَةً فِي أَنْفُسِهِمْ. إلَّا أَنْ يَقُومَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ تَصَادَقُوا مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِيهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. ٤٥٦ - وَكَذَلِكَ فِي الْمَتَاعِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْأَخْذِ مِنْ أَيْدِيهِمْ. وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْأَخْذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فِي الْمَتَاعِ بِمَنْزِلَةِ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي مَتَاعٍ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْيَدِ فِيهِ لِمَنْ كَانَ. ٤٥٧ - وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْبَيِّنَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ غَازِيًا أَصَابَهُ ذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ، عُوِّضَ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَتْ الْغَنَائِمُ كُلُّهَا قُسِّمَتْ. لِأَنَّ نَصِيبَهُ قَدْ اسْتَحَقَّ، فَيَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعُ بِعِوَضِهِ عَلَى الْغَانِمِينَ. ٤٥٨ - وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ لِتَفَرُّقِهِمْ، فَتَكُونُ

стр. 323

هَذِهِ نَائِبَةٌ مِنْ نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لَهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ يَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ كَجَوْهَرَةٍ وَنَحْوِهَا يُوضَعُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ دَرْكٌ يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ. ٤٥٩ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى هَذَا هُمْ الَّذِينَ اشْتَرَوْا أَوْ وَقَعَ الْمَتَاعُ فِي سِهَامِهِمْ، صُدِّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِإِقْرَارِهِمْ. وَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الرُّجُوعِ بِعِوَضٍ وَلَا ثَمَنٍ، فَيُؤْخَذُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَتُرِكُوا يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا الْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ وَالرَّقِيقُ فَإِنَّهَا قَدْ اُحْتُبِسَتْ فِي دَارِنَا حَتَّى نَفَذَ فِيهَا الْقِسْمَةُ وَالْبَيْعُ. وَهَذَا الِاحْتِبَاسُ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَحَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لَا يَتَقَوَّى أَهْلُ الْحَرْبِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَلَا يُصَدَّقُ الْمُلَّاكُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبُوهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ بَاعُوهُ مِنْهُمْ، فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٤٦٠ - وَلَوْ قَالَ الَّذِينَ أُمِّنُوا عَلَى أَهْلِيهِمْ وَمَتَاعِهِمْ: جَمِيعُ مَا فِي الْمَطْمُورَةِ أَهْلُونَا، وَجَمِيعُ مَا فِيهَا مَتَاعُنَا، وَنَحْنُ بَطَارِقَتُهَا، وَصَدَّقَهُمْ بِذَلِكَ مَنْ فِيهَا فَهُمْ مُصَدَّقُونَ.

стр. 324

لِأَنَّ الْمَعْنَى (٨٣ ب) الَّذِي لِأَجْلِهِ وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ إذَا ادَّعُوا بَعْضَ مَا فِيهَا، وَذَلِكَ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْكُلِّ. وَلَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافَ ذَلِكَ. بِأَنْ كَانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ رُءُوسُ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ يُعْلَمُ خِلَافُ ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُونَ. لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُنَا بِاعْتِبَارِ نَوْعٍ مِنْ الظَّاهِرِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ إذَا ظَهَرَ دَلِيلُ الْكَذِبِ. ٤٦١ - قَالَ: وَلَا يَدْخُل فِي الْمَتَاعِ نَقْدٌ وَلَا تِبْرٌ وَلَا حُلِيٌّ وَلَا جَوْهَرٌ. لِأَنَّ الْمَتَاعَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا لِمَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْحُلِيَّ اخْتَصَّتْ بِاسْمٍ آخَرَ وَهُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْجَوْهَرُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ دُخُولَهَا فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْمَتَاعِ وَلِأَنَّ الْمَتَاعَ مَا يَكُونُ مُبْتَذَلًا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَفْنَى بِالِاسْتِمْتَاعِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ لِنَفَاسَتِهَا، وَيَدْخُلُ فِي الْمَتَاعِ مَا سِوَاهَا مِنْ الثِّيَابِ وَالْفُرُشِ وَالسُّتُورِ وَجَمِيعِ مَتَاعِ الْبَيْتِ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِي. لِأَنَّ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ يُعْطَفُ الْأَوَانِي عَلَى الْأَمْتِعَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْعَطْفُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوَانِيَ غَيْرُ الْأَمْتِعَةِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْأَوَانِي الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْبُيُوتِ تَدْخُلُ فِي الْمَتَاعِ. لِأَنَّ الْمَفْهُومَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ مُطْلَقٍ اسْمِ الْمَتَاعِ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِي الْبُيُوتِ، وَيَتَأَتَّى بِهِ السُّكْنَى وَالْمُقَامُ فِي الْبُيُوتِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْأَوَانِي.

стр. 325

وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ وَالسُّرُوجُ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا يُسْتَمْتَعُ بِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَإِنَّمَا يُسْتَمْتَعُ بِهَا عِنْدَ الرُّكُوبِ أَوْ الْحَرْبِ. وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّكْنَى فِي الْبُيُوتِ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الْمَتَاعِ، كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ النُّقُودَ وَالْمَصَاغَ وَالْجَوَاهِرَ. ٤٦٢ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى مَا لَنَا مِنْ شَيْءٍ، دَخَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَعُمُّ كُلَّ مَوْجُودٍ. وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى مَا لَنَا أَوْ عَلَى جَمِيعِ مَا لَنَا مِنْ مَالٍ، دَخَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ أَيْضًا. لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ دَخَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ فِي النَّذْرِ بِالصَّدَقَةِ لَفْظُ الْمَالِ بِمَالِ الزَّكَاةِ لِنَوْعٍ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْأَمَانِ، بَلْ هَذَا نَظِيرُ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَالْإِرْثُ يَثْبُتْ فِي كُلِّ مَالٍ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. وَهَا هُنَا إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى الْمَالِ نَظِيرُ اغْتِنَامِ الْمَالِ، فَكَمَا أَنَّ الِاغْتِنَامَ يَثْبُتُ فِي كُلِّ مَالٍ فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَمَانِ عِنْدَ إعْطَائِهِ بِلَفْظِ الْمَالِ. ٤٦٣ - وَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: أَمِّنُوا أَهْلِينَا فَقَالُوا: نَعَمْ قَدْ أَمَّنَّاهُمْ، فَهُمْ فَيْءٌ، وَأَهْلُوهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْأَمَانَ لَأَهْلِيهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا (٨٤ آ) أَنْفُسَهُمْ بِشَيْءٍ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً وَلَا دَلَالَةً. فَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ غَيْرُهُ. لِأَنَّ الْمُضَافَ غَيْرُ الْمُضَافِ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهَذَا أَمَانَ أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْأَمَانَ إشْفَاقًا عَلَى أَهْلِيهِمْ، وَشَفَقَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِيهِمْ.

стр. 326

وَالثَّانِي. أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهَذَا اسْتِبْقَاءَ أَهْلِيهِمْ، وَبَقَاؤُهُمْ بِمَنْ يَعُولُهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنْفُسُهُمْ. قُلْنَا: نَعَمْ هُمْ قَصَدُوا هَذَا، وَلَكِنْ حُرِمُوا هَذَا الْمَقْصُودَ حِينَ خَذَلَهُمْ اللَّهُ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَنْفُسَهُمْ بِشَيْءٍ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا. ثُمَّ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْأَمَانُ، بَلْ بِإِعْطَاءِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُمْ الْأَمَانَ. وَإِنَّمَا أَعْطَوْا أَهْلِيهِمْ فَقَالُوا: أَمَّنَّاهُمْ وَلَوْ يَقُولُوا أَمَّنَّاكُمْ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَعَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ الَّذِي يَسْعَى فِي طَلَبِ الْأَمَانِ لِلْجَمَاعَةِ قَدْ آذَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: اللَّهُمَّ أَغْفِلْهُ عَنْ نَفْسِهِ. فَطَلَبَ الْأَمَانَ لِقَوْمِهِ وَأَهْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ. فَأُخِذَ وَقُتِلَ. ثُمَّ الْإِنْسَانُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يَسْعَى فِي اسْتِنْقَاذِ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، إمَّا لِانْقِطَاعِ طَمَعِهِ بِأَنَّهُ لَا يُؤَمَّنُ إنْ طَلَبَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَلَّ مِنْ نَفْسِهِ لِفَرْطِ الضَّجَرِ. فَبِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ الدَّلِيلُ مُشْتَرَكٌ، وَبِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ لَا ذِكْرَ لَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: نَضَعُ أَيْدِيَنَا فِي أَيْدِيكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُوا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. فَفَعَلَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، لَمْ نُدْخِلْهُمْ فِي الْأَمَانِ. فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِمْ: أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا فِي أَيْدِيكُمْ لِتَفْعَلُوا بِنَا مَا شِئْتُمْ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. فَإِنْ قَالُوا: نَخْرُجُ إلَيْكُمْ عَلَى أَنْ نُرَاوِضَكُمْ فِي الْأَمَانِ عَلَى أَهْلِينَا. فَقَالُوا لَهُمْ: اُخْرُجُوا. فَلَمَّا خَرَجُوا أَمَّنُوا أَهْلِيهِمْ. فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ أَمَّنُوا أَهْلِيهِمْ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ حِينَ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا لِلْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْهُمْ لَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَهَيَّأْ بَيْنَهُمْ أَمَانٌ فِي شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَلَا يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ قَالُوا وَهُوَ فِي الْمَطْمُورَةِ: أَمِّنُوا أَهْلِينَا. فَأَمَّنَّا أَهْلِيهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ ذَلِكَ الْكَلَامُ، ثُمَّ خَرَجُوا لَا عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ فَكَانُوا فَيْئًا.

стр. 327

وَإِنْ قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى ذَرَارِيّنَا فَأَمَّنُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَهُمْ آمِنُونَ وَأَوْلَادُهُمْ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِمْ، وَإِنْ سَفَلُوا مِنْ أَوْلَادِ الرِّجَالِ. لِأَنَّ اسْمَ الذُّرِّيَّةِ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ. فَذُرِّيَّةُ الْمَرْءِ فَرْعُهُ الَّذِي هُوَ مُتَوَلَّدٌ مِنْهُ، وَهُوَ أَصْلٌ لِذُرِّيَّتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ ذُرِّيَّةُ آدَمَ وَنُوحٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - قَالَ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨] الْآيَةِ (٨٤ ب) . ٤٦٥ - قَالَ: وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ. هَكَذَا قَالَ هَا هُنَا وَوُجْهَتُهُ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آبَائِهِمْ لَا مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمِ الْأُمِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْلَادَ الْخُلَفَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آبَائِهِمْ، كَمَا قَالَ الْمَأْمُونُ: لَا عَيْبَ لِلْمَرْءِ فِيمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ ... أُمٌّ مِنْ الرُّومِ أَوْ سَوْدَاءُ عَجْمَاءُ فَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ، وَلِلْأَنْسَابِ آبَاءُ ٤٦٦ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُدْخِلُ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ. وَوُجْهَتُهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الذُّرِّيَّةَ اسْمُ الْفَرْعِ الْمُتَوَلَّدِ مِنْ الْأَصْلِ. وَالْأَبُ وَالْأُمُّ أَصْلَانِ لِلْوَلَدِ. ثُمَّ الْأُمُّ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِيهَا. فَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَيْضًا. وَمَعْنَى الْأَصْلِيَّةِ وَالتَّوَلُّدِ فِي جَانِبِ الْأُمِّ أَرْجَحِ، لِأَنَّ مَاءَ الْفَحْلِ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِحَضَانَتِهَا فِي رَحِمِهَا. فَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَلَدُ مُتَوَلَّدًا مِنْهَا بِوَاسِطَةِ مَاءِ الْفَحْلِ. فَإِذَا جُعِلَ النَّافِلَةُ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِ أَبِيهِ، فَكَذَلِكَ يُجْعَلُ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِ أُمِّهِ.

стр. 328

وَفِيهِ حِكَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ. فَإِنَّ الْحَجَّاجَ أَمَرَ بِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ لَهُ: لَتَقْرَأَنَّ عَلَيَّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَصًّا عَلَى أَنَّ الْعَلَوِيَّةَ ذُرِّيَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ، وَلَا أُرِيدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] . فَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] . إلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] ثُمَّ قَالَ: فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ مِنْ قِبَل الْأُمِّ؟ فَبُهِتَ الْحَجَّاجُ وَرَدَّهُ بِجَمِيلٍ. وَقَالَ: كَأَنِّي سَمِعْت هَذِهِ الْآيَةَ الْآنَ. ٤٦٧ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَوْلَادِنَا. فَهَذَا عَلَى أَوْلَادِهِمْ لِأَصْلَابِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فَلَيْسُوا بِأَوْلَادِهِمْ. هَكَذَا ذُكِرَ هَا هُنَا. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الْأَمَانِ أَيْضًا. لِأَنَّ اسْمَ الْأَوْلَادِ يَتَنَاوَلُهُمْ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا. وَأَيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ حِينَ أَخَذَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: «أَوْلَادُنَا أَكْبَادُنَا» . فَأَمَّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَمَنْ كَانَ وَلَدَك حَقِيقَةً كُنْت أَبًا لَهُ حَقِيقَةً،

стр. 329

أَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَوْلَادِ فَاطِمَةَ ﵂ عَلَى الْخُصُوصِ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ الْأَوْلَادِ يَنْتَمُونَ إلَى آبَائِهِمْ، إلَّا أَوْلَادُ فَاطِمَةَ فَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيَّ، أَنَا أَبُوهُمْ» . وَلَكِنَّ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ كَمَا تَلَوْنَا. - وَلَوْ اسْتَأْمَنُوا عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ لِأَنَّ اسْمَ وَلَدِ الْوَلَدِ حَقِيقَةٌ لِمَنْ وَلَدَتْهُ وَهُوَ وَلَدُهُ وَابْنَةُ وَلَدِهِ. فَمَا وُلِدَ لِابْنَتِهِ يَكُنْ وَلَدَ وَلَدِهِ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَقَدْ ذَكَرَ هُنَاكَ أَوْلَادَهُ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَدُهُ هُوَ، وَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مَنْ يَكُونُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالْوِلَادَةِ وَذَلِكَ أَوْلَادُ الِابْنِ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ. ٤٦٩ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونَا عَلَى مَوَالِينَا. وَلَهُمْ مَوَالٍ وَمَوَالِي (٨٥ آ) مَوَالٍ، فَكُلُّهُمْ آمِنُونَ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَدْخُلُ مَوَالِي الْمَوَالِي، لِأَنَّ الِاسْمَ لِمَوَالِيهِ حَقِيقَةً، وَلِمَوَالِي الْمَوَالِي مَجَازًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ مَوَالِيهِ؟ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَوَالِيهِ، حَتَّى لَا يُزَاحِمُونَ مَوَالِيَهُ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٤٧٠ - مَوَالِي الْمَوَالِي يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمَوَالِي، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَوْلَادِ. وَفِي الْوَصِيَّةِ يَدْخُلُ مَوَالِي الْمَوَالِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ، إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْفَرِيقَيْنِ

стр. 330

لَوْ أَثْبَتْنَا الْمُزَاحَمَةَ انْتَقَضَ نَصِيبُ الْمَوَالِي، وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ النُّقْصَانِ عَلَى الْأَقْرَبِ بِمُزَاحَمَةِ الْأَبْعَدِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْأَمَانِ، فَسَوَاءٌ دَخَلَ مَوَالِي الْمَوَالِي أَوْ لَمْ يَدْخَلُوا كَانَ الْأَمَانُ لِمَوَالِيهِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَهُ اسْتِنْقَاذُ الْفَرِيقَيْنِ. ثُمَّ لَا نَقُولُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَلَكِنَّ هَذَا الِاسْمَ لِلْمَوَالِي حَقِيقَةً وَلِمَوَالِي الْمَوَالِي أَيْضًا صُورَةً وَمَجَازًا، فَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الصُّورَةِ تَتَمَكَّنُ شُبْهَةٌ فِي حَقِّهِمْ. وَالْأَمَانُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ حَيْثُ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ صُورَةً، فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَوْلَى. وَبِهِ فَارَقَ الْوَصِيَّةَ. ٤٧١ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى إخْوَانِنَا وَلَهُمْ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ فَهُمْ آمِنُونَ. لِاسْمِ الْإِخْوَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦] وَفِي الْحَقِيقَةِ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلذُّكُورِ، إلَّا أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الذُّكُورِ بِالْإِنَاثِ تَغْلِيبَ الذُّكُورِ وَإِطْلَاقَ عَلَامَةِ الذُّكُورِ عَلَى الْكُلِّ. وَالْمُسْتَعْمَلُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ. نَقُولُ: فَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَخَوَاتٌ لَيْسَ مَعَهُنَّ وَاحِدٌ مِنْ الذُّكُورِ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْأَمَانِ. لِأَنَّ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ لَا تَتَنَاوَلُهُنَّ صِيغَةُ الذُّكُورِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] ، ثُمَّ الْأَخَوَاتُ الْمُنْفَرِدَاتُ يَحْجُبْنَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ؟ قُلْنَا: لَا بِهَذِهِ الْآيَةِ بَلْ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ وَاعْتِبَارِ مَعْنَى الْحَجْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ. وَلَكِنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزٌ، فَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْعِبَادِ يُرَاعَى عَيْنُ

стр. 331

الْمَلْفُوظِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِتَعْلِيلِهِ. وَاسْمُ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتِ حَقِيقَةً وَلَا اسْتِعْمَالًا. ٤٧٢ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا، وَلَهُمْ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا. لِمَا بَيَّنَّا فِي الْإِخْوَةِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: جَوَابُهُ فِي الْفَصْلَيْنِ قَوْلُهُمَا وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ الْآخَرُ فَيَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ خَاصَّةً، بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ لِبَنِي فُلَانٍ وَفُلَانٌ أَبُ أَوْلَادٍ، أَوْ لِإِخْوَةِ فُلَانٍ. وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ يُتَوَسَّعُ فِي بَابِ الْأَمَانِ مَا لَا يُتَوَسَّعُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ. فَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْوَصِيَّةِ اعْتَبَرَ الْحَقِيقَةَ فَقَطْ، فَأَمَّا فِي الْأَمَانِ فَيَعْتَبِرُ الْحَقِيقَةَ وَمَا يُشْبِهُ الْحَقِيقَةَ بِطَرِيقِ (٨٥ ب) الِاسْتِعْمَالِ. ٤٧٣ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَكَرٌ وَإِنَّمَا لَهُمْ بَنَاتٌ خَاصَّةً، فَهُنَّ فَيْءٌ جَمِيعًا. لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ أَبَا قَبِيلَةٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْوَصَايَا أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ، وَفُلَانُ أَبُو قَبِيلَةٍ، فَالْمُرَادُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ إلَى الْقَبِيلَةِ. وَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ فِي النِّسْبَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ كَالذُّكُورِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فُلَانٌ أَبَا أَوْلَادٍ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إذَا تَقَدَّمَ مِنْهُ كَلَامٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْأَمَانَ لَهُنَّ بِأَنْ قَالَ: لَيْسَ لِي إلَّا هَؤُلَاءِ الْبَنَاتُ أَوْ الْأَخَوَاتُ فَأَمِّنُونِي عَلَى بَنِيَّ أَوْ عَلَى أَخَوَاتِي، فَحِينَئِذٍ يُسْتَدَلُّ بِتِلْكَ الْمُقَدَّمَةِ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِنَاثُ فَهُنَّ آمِنَاتٌ.

стр. 332

وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَوْلَادِنَا دَخَلَ فِي هَذَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ أَيْضًا. لِأَنَّ الْوِلَادَ حَقِيقَةٌ فِي الْفَرِيقَيْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَقَدْ فُسِّرَ ` الْأَوْلَادُ بِالْإِنَاثِ الْمُفْرَدَاتِ. ٤٧٥ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى بَنَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا، فَهَذَا عَلَى الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ. لِأَنَّ صِيغَةَ الْكَلَامِ لِلْإِنَاثِ خَاصَّةً، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الذُّكُورُ حَقِيقَةً وَلَا اسْتِعْمَالًا. وَمِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ قَدْ يَطْلُبُ الْأَمَانُ لِلْإِنَاثِ خَاصَّةً لِضَعْفِهِنَّ، وَلِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى الْأَمَانِ لَوْ طَلَبَهُ لِلذُّكُورِ بَعْدَ مَا اتَّصَلَ مِنْهُمْ أَذًى بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْقِتَالُ. ٤٧٦ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى بَنِينَا، فَإِذَا لِكُلِّهِمْ بَنَاتٌ إلَّا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِنَّ لَهُ ابْنًا وَاحِدًا، كَانَ الْأَمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. لِأَنَّهُمْ اسْتَأْمَنُوا لِلْكُلِّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ تَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَبِالِابْنِ الْوَاحِدِ لِأَحَدِهِمْ يَتَحَقَّقُ الِاخْتِلَاطُ. ٤٧٧ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى بَنِيهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، كَانَ الْبَنَاتُ كُلُّهُنَّ فَيْئًا إلَّا أَوْلَادَ الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الِابْنُ.

стр. 333

لِأَنَّ كَلِمَةَ " كُلٍّ " تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وَبِاعْتِبَارِ انْفِرَادِ اللَّفْظِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَتَنَاوَلُ هَذَا اللَّفْظُ إلَّا أَوْلَادَ الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الِابْنُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ هُنَاكَ لِلْإِحَاطَةِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ. ٤٧٨ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى آبَائِنَا، وَلَهُمْ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا. لِأَنَّ اسْمَ الْآبَاءِ يَتَنَاوَلُ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ أَبَوَيْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ مِنْهُمْ إلَّا لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ. فَالْأُمَّهَاتُ وَالْأَبُ الَّذِي مَعَهُنَّ آمِنُونَ، لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْكُلِّ اسْتِعْمَالًا عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ. ٤٧٩ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا، وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ وَأَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ، فَالْأَمَانُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا اسْتِحْسَانًا. وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْأَمَانُ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً. لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْأَبْنَاءِ، مَجَازٌ فِي حَقِّ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ. وَلِهَذَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةَ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ. إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَبْنَاءٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُ أَبْنَاءَ الْأَبْنَاءِ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَمَّا تَنَحَّتْ وَجَبَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ هَا هُنَا فَقَالَ:

стр. 334

إنَّمَا يَطْلُبُ الْأَمَانُ لِمَنْ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ، وَبِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً يَثْبُتُ بِهِ الْأَمَانُ لَهُمْ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِالصُّورَةِ وَالشُّبْهَةِ، ثُمَّ فِي إثْبَاتِ الْمُزَاحَمَةِ هُنَاكَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إدْخَالُ النَّقْصِ فِي نَصِيبِ الْأَبْنَاءِ. وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لِذَوِي قَرَابَتِي. لِأَنَّ طَلَبَ الْأَمَانِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَى مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأَبْنَاءِ، عَلَى مَا قِيلَ: النَّافِلَةُ أَحَبُّ إلَى الْمَرْءِ مِنْ الْوَلَدِ. وَلَوْ كَانَ لِبَعْضِهِمْ أَبْنَاءٌ لِصُلْبِهِ، وَلِبَعْضِهِمْ أَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا. ٤٨١ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا، وَلَيْسَ لَهُمْ آبَاءٌ وَلَهُمْ أَجْدَادٌ، فَلَيْسَ يَدْخُلُ الْأَجْدَادُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الْفَصْلُ مُشْكِلٌ. فَإِنَّ اسْمَ الْأَبِ لَا يَتَنَاوَلُ الْجَدَّ حَقِيقَةً حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ، فَيُقَالُ إنَّهُ جَدٌّ وَلَيْسَ بِأَبٍ، وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُهُ مَجَازًا، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: أَيُّ أَبٍ لَك أَكْبَرُ؟ فَلَمْ يَفْهَمْ الرَّجُلُ مَا قَالَ: فَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٣١] وَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ كُنْتَ ابْنَهُ فَهُوَ أَبُوك؟ فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَجَازِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْأَمَانُ لَهُمْ كَمَا ذَكَرْنَا فِي أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِمَعْنًى آخَرَ فَقَالَ: ٤٨٢ - الْمَجَازُ تَبَعٌ لِلْحَقِيقَةِ. وَيُمْكِنُ تَحْقِيقُ هَذَا فِي أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. فَإِنَّهُمْ تَفَرَّعُوا مِنْ الْأَبْنَاءِ، فَكَانُوا تَبَعًا لَهُمْ، وَلَا يَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي

стр. 335

الْأَجْدَادِ فَإِنَّهُمْ أُصُولُ الْآبَاءِ، مُخْتَصُّونَ بِاسْمٍ، فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْآبَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّبَاعِ لِفُرُوعِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي عَلَى أُمِّي، وَلَيْسَتْ لَهُ أُمٌّ إنَّمَا لَهُ جَدَّةٌ، أَنَّ الْأَمَانَ لَا يَتَنَاوَلُهَا؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَتَنَاوَلُهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَدَّةَ تُسَمَّى أُمًّا، قُلْنَا: قَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْخَالَةَ أُمًّا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] أَيْ أَبَاهُ، وَخَالَتَهُ. وَسَمَّى الْعَمَّ أَبًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ: إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمًّا. ثُمَّ أَحَدٌ لَا يَقُلْ إنَّ الْعَمَّ والْخَالَةَ يَدْخُلَانِ فِي الْأَمَانِ لِلْآبَاءِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخْتَصٌّ بِاسْمِ آخَرَ، بِهِ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ. بِخِلَافِ بَنِي الِابْنِ فَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِاسْمِ الْبُنُوَّة، وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الِابْنِ. فَكَانَ الْأَمَانُ بِهَذَا الِاسْمِ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ. وَهَذَا بَيَانُ لِسَانِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ كُلَّ قَوْمٍ فِي لِسَانِهِمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ أَنَّ الْجَدَّ وَالِدٌ، كَمَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ ابْنٌ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَمَانِ. وَهَكَذَا فِي لِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْجَدِّ بدر بدر كَمَا يُقَالُ لِلْحَفِيدِ بسر بسر، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 336

[بَابُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيَقُولُ أَسَرْتهَا وَتَدَّعِي الْأَمَانَ] ٤٨ - بَابُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: أَسَرْتهَا. وَهِيَ تَقُولُ: جِئْت مُسْتَأْمَنَةً ٤٨٣ - وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ كَانَ أَسِيرًا، أَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ، أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَالْتَحَقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ حَرْبِيَّةٌ فَقَالَتْ: جِئْت مُسْتَأْمَنَةً إلَيْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُ: جِئْت بِهَا قَهْرًا. فَهَذَا إنَّمَا يَكُنْ عَلَى مَا جَاءَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّاةً غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ تَمْشِي مَعَهُ حَتَّى إذَا انْتَهَتْ إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، نَادَتْ بِالْأَمَانِ أَوْ لَمْ تُنَادِ، فَهِيَ آمِنَةٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا، فَإِنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ. ٤٨٤ - وَلَوْ جَاءَتْ وَحْدَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَتْ آمِنَةً، فَكَذَلِكَ إذَا صَحِبَهَا مُسْلِمٌ فِي الطَّرِيقِ. لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الصُّحْبَةِ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهَا لِلْمُسْلِمِ فَهِيَ فِي يَدِ نَفْسِهَا. فَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ فِي الْمَجِيءِ مُسْتَأْمَنَةً. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ يُعْتَبَرُ الظَّاهِرُ وَغَالِبُ الرَّأْيِ.

стр. 337

وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ جَاءَ بِهَا وَهُوَ قَاهِرٌ لَهَا، قَدْ رَبَطَهَا فَنَادَتْ بِالْأَمَانِ أَوْ لَمْ تُنَادِ فَهِيَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسَرَهَا وَأَخْرَجَهَا، وَقَدْ كَانَتْ يَدُهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ ثَابِتَةً عَلَيْهَا. وَذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِ نَفْسَهَا، فَإِنَّهَا حَرْبِيَّةٌ لَا أَمَانَ لَهَا، إلَّا أَنَّهُ حِين أَحْرَزَهَا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَالْجَيْشُ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا، لِأَنَّ الْإِحْرَازَ بِالدَّارِ حَصَلَ بِهِمْ جَمِيعًا. وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهَا هُنَا إذَا جَاءَ بِهَا قَاهِرًا لَهَا. لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا خُمْسَ فِيهَا لِأَنَّهُ مَا أَصَابَهَا عَلَى وَجْهِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَخَذَهُ الْمُتَلَصِّصُ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. ٤٨٦ - فَإِنْ قَالَتْ تَزَوَّجْته وَخَرَجْت مَعَهُ، وَقَالَ هُوَ: كَذَبَتْ، بَلْ قَهَرْتهَا وَأَخْرَجْتهَا، أَوْ هِيَ أَمَةٌ اشْتَرَيْتهَا، وَوُهِبَتْ لِي، لَمْ يُصَدَّق عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا جَاءَتْ مَعَهُ مُخَلَّاةً. لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهَا، فَإِقْرَارُهَا بِأَنَّهُ زَوْجُهَا غَيْرُ مُسْقِطِ حُكْمِ يَدِهَا فِي نَفْسِهَا. فَكَانَتْ مُسْتَأْمَنَةً. إلَّا (٨٦ آ) أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَقْهُورَةً، يُعْرَفُ قَهْرُهُ إيَّاهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْقَهْرِ فِي مَوْضِعِهِ سَقَطَ حُكْمُ يَدِهَا فِي نَفْسِهَا.

стр. 338

وَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ مَعَهُ بِرَقِيقٍ فَقَالُوا: نَحْنُ أَحْرَارٌ. فَقَالَ هُوَ: بَلْ هُمْ عَبِيدِي، وَقَدْ جَاءُوا مَعَهُ غَيْرَ مَقْهُورِينَ وَلَا مَرْبُوطِينَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ سَوَاءٌ نَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ انْتَهُوا إلَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَمْ يُنَادُوا. لِأَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا وَحْدَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانُوا آمِنِينَ. فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا مَعَهُ. ٤٨٨ - فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، عُدُولٍ، أَنَّهُ كَانَ أَسَرَهُمْ وَقَهَرَهُمْ، قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ وَكَانُوا عَبِيدًا لَهُ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ. ٤٨٩ - وَلَوْ أَقَرُّوا أَنَّهُ قَهَرَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ عَلِمْنَا ذَلِكَ مُعَايَنَةً، كَانُوا عَبِيدًا لَهُ. وَفِي زَعْمِ الْخُصُومِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنُونَ. وَشَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمِنِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ مَقْبُولَةٌ، فَلِهَذَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْكُلِّ. ٤٩٠ - وَإِنْ كَانَ انْتَهَى إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ بِقَاهِرٍ لَهُمْ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ، فَنَادَوْا بِالْأَمَانِ حَيْثُ يُنَادُونَ بِهِ، أَوْ لَمْ يُنَادُوا، فَهُمْ آمِنُونَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. كَمَا لَوْ جَاءُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُنَادُوا بِالْأَمَانِ، وَكَانُوا رِجَالًا، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَلَا يُعْلَمُ

стр. 339

أَنَّهُ قَاهِرٌ لَهُمْ أَيْضًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ خَرَجَ إلَى دَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ عَلَيْهِمْ حِسًّا فَهُمْ فِي يَدِ أَنْفُسِهِمْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، كَانَ خُرُوجُهُمْ مَعَهُ وَخُرُوجُهُمْ دُونَهُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ. ٤٩١ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْلِمُ خَرَجَ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهَا، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا لِتَكُونَ فَيْئًا، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، وَصَدَّقَتْهُ بِذَلِكَ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ، لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى النِّكَاحِ فِي حَالٍ لَمْ يَتَقَرَّرْ لِأَحَدٍ فِيهَا حَقٌّ. وَإِذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ كَانَتْ حُرَّةً ذِمِّيَّةً. لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ بِهَا بِنَاءً عَلَى النِّكَاحِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَقَدْ أَمَّنَهَا. وَأَمَانُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ قَهْرِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَأَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ. ثُمَّ هِيَ مُسْتَأْمَنَةٌ تَحْتَ مُسْلِمٍ، فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنَةِ فِي دَارِنَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْمُقَامِ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا، وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَتَصِيرُ هِيَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَبَعًا لَهُ. ٤٩٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ بِسَبْيٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدِي وَإِمَائِي، وَصَدَّقُوهُ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ فِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَعْنَى الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ يَتَحَقَّقُ هَا هُنَا. فَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِهِمْ أَوْ الَّذِي أَسْلَمَ يُخْرِجُ

стр. 340

عَبِيدَهُ وَزَوْجَتَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ شَاهِدَيْنِ مَعَ نَفْسِهِ (٨٦ ب) أَنَّهُمْ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ بِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى قَوْلِهِمْ إذَا تَصَادَقُوا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَذَّبُوهُ كَانُوا فَيْئًا، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا فِي دَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ. ٤٩٣ - وَإِنْ قَالُوا نَحْنُ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ خَرَجْنَا نُرِيدُ الْأَمَانَ وَلَسْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ. فَإِنْ كَانَ قَاهِرًا لَهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ فَهُمْ لَهُ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَلِكَ يُسْقِطُ اعْتِبَارَ يَدِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ ظَهَرَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُمْ وَهُوَ الْقَهْرُ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ. ٤٩٤ - فَإِذَا كَانُوا نَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ دَنَوْا مِنْ أَدْنَى الْمَسَالِحِ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْيَدُ الْقَاهِرَةُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ نَادُوا بِالْأَمَانِ فِي مَوْضِعِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ. ٤٩٥ - وَلَوْ جَاءُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَحْدَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا مَعَهُ. ٤٩٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَهُمْ مِنْ عَلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ النِّدَاءَ بِالْأَمَانِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْأَمَانَ، فَلَمَّا بَلَغُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ بِالْأَمَانِ نَادُوا أَوْ لَمْ يُنَادُوا، فَهُمْ آمِنُونَ.

стр. 341

لِأَنَّهُمْ جَاءُوا مُنْقَادِينَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَالِبُونَ لِلْأَمَانِ، وَالدَّلِيلُ فِي مِثْلِ هَذَا كَالصَّرِيحِ. ٤٩٧ - فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَهُمْ عَبِيدٌ كَمَا ذَكَرُوا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مَوَالِيهِمْ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْأَمَانِ. ٤٩٨ - وَإِنْ قَالُوا جِئْنَا مُرَاغِمَيْنِ لِمَوَالِينَا نُرِيدُ الذِّمَّةَ أَوْ نُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ لِمَوَالِيهِمْ عَلَيْهِمْ. وَلَوْ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوا أَنْفُسَهُمْ بِدَارِنَا عَلَى مَوَالِيهِمْ، وَلَوْ قَهَرُوا مَوَالِيَهُمْ فَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِنَا مَلَكُوهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَزُوا أَنْفُسَهُمْ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ. وَمَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عَتَقَ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الطَّائِفِ: «أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا فَهُوَ حُرٌّ. فَخَرَجَ إلَيْهِ سَبْعَةُ أَعْبُدٍ فَأَعْتَقَهُمْ» . وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ عُتَقَاءَ اللَّهِ. ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجُوا مُسْلِمِينَ أَوْ ذِمَّةً، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا كَالْمُسْلِمِ فَيَتِمُّ فِيهِمْ إحْرَازُ أَنْفُسِهِمْ بِالطَّرِيقَيْنِ.

стр. 342

وَإِنْ قَدِمَ مَوَالِيهِمْ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَذِنُوا لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوَالِي. لِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَمْلُوكِينَ لَهُمْ، ثُمَّ ادَّعَوْا سَبَبَ زَوَالِ مِلْكِ الْمَوَالِي عَنْهُمْ، وَهُوَ الْمُرَاغَمَةُ. فَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ (٨٧ آ) يَدَّعِي أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوَالِيَ يَتَمَسَّكُونَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُرَاغَمٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ مَعَ يَمِينِهِ. فَيَسْتَحْلِفُ الْإِمَامُ الْمَوَالِيَ بِاَللَّهِ إنْ طَلَبَ الْعَبِيدُ ذَلِكَ. ثُمَّ إذَا حَلَفُوا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَسْلَمُوا، أُجْبِرُوا عَلَى بَيْعِهِمْ. لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ كَمَا لَا يُتْرَكُ فِي يَدِ الذِّمِّيِّ لَا يُتْرَكُ فِي يَدِ الْحَرْبِيِّ لِيَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَفِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيْعِ هَا هُنَا مُرَاعَاةُ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ إزَالَةُ ذُلِّ الْكَافِرِ عَنْهُ. ٥٠٠ - وَالْمُسْتَأْمَنُ يُؤْخَذُ بِمِثَالِ هَذَا كَالذِّمِّيِّ. فَأَمَّا مَنْ صَارَ مِنْهُمْ ذِمَّةً فَإِنَّ مَوْلَاهُ يُتْرَكُ يَذْهَبُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ. لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ، فَلَا يَصْلُحُ مِنْهُ قَبُولُ الذِّمَّةِ مَقْصُودًا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا إذَا كَانَ مَعَهُ عَبْدٌ أَدْخَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا لَا نُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ قَبْلُ، رَدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ يَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَقُولُ مَا لَمْ يَأْتِ مَنْ يُكَذِّبُهُ.

стр. 343

٥٠١ - وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ بِحُجَّةٍ سِوَى إقْرَارِهِ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ حِينَ نَادَى بِالْأَمَانِ أَوْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَبْدٌ جَاءَ غَيْرَ مُرَاغِمٍ لِمَوْلَاهُ صُدِّقَ أَيْضًا، وَدُفِعَ إلَى مَوْلَاهُ. لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَلَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي إقْرَارِهِ. ٥٠٢ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ حَتَّى صَارَ ذِمَّةً وَأُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ ثُمَّ جَاءَ مُسْتَأْمَنٌ فَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ بَعَثَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ بِأَمَانٍ، وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ الذِّمِّيُّ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يُصَدِّقُهُ عَلَى مَا قَبَضَ مِنْ الْخَرَاجِ لِيَرُدَّهُ، وَلَا عَلَى رَقَبَتِهِ لِيُعِيدَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ عَبْدًا لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ. لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُحْتَمَلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ التُّهْمَةُ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُقِرِّ فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ. وَفِي صَيْرُورَتِهِ مِلْكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ. فَأَمَّا فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَتَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. فَلَعَلَّهُ وَاضِعٌ هَذَا الرَّجُلَ حِينَ لَمْ يُعْجِبْهُ الْمُقَامُ فِي دَارِنَا حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِالرِّقِّ فَيَرُدُّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَتِهِ عَبْدًا لَهُ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا أَوْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَا إشْكَالَ أَنَّ مَا قُبِضَ مِنْهُ مِنْ الْخَرَاجِ قَدْ صَارَ حَقًّا لِلْمُقَاتِلَةِ. فَلَا يُصَدَّقُ هُوَ (٨٧ ب) فِي إيجَابِ رَدِّ ذَلِكَ عَلَى الْحَرْبِيِّ.

стр. 344

فَإِنْ أَقَامَ الْحَرْبِيُّ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ الرِّقِّ فَإِنَّهُ يَدَعُهُ لِيَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْخَرَاجِ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. ٥٠٤ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنُونَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُمْ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالرِّقِّ إذَا كَانَ هُوَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ. لِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَشَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الذِّمِّيِّ. ٥٠٥ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُ. لِأَنَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَيْهِ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ حُجَّةٌ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ فِي رَدِّ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ وَلَا فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْآخَرِ. ٥٠٦ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ لَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهِ إلَّا شُهُودٌ مُسْلِمُونَ. فَإِذَا قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُ وَأَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِهِ. كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِذَلِكَ. ٥٠٧ - قَالَ: فَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّنُوهُ فَخَرَجَ مَعَهُ بِامْرَأَةٍ وَبِأَطْفَالٍ صِغَارٍ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، وَهَؤُلَاءِ وَلَدِي.

стр. 345

وَلَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُمْ فِي الْأَمَانِ فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ فَيْءُ غَيْرِهِ. لِأَنَّهُ طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَحُكْمُ الْأَمَانِ لَا يَتَعَدَّى إلَى مَنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اسْتِئْمَانٌ لِهَؤُلَاءِ إشَارَةٌ وَلَا دَلَالَةٌ. وَلَكِنَّ هَذَا قَبِيحٌ، فَيُجْعَلُونَ جَمِيعًا آمِنِينَ بِأَمَانِهِ اسْتِحْسَانًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَأْمِنُ إلَيْنَا فِرَارًا مِنْهُمْ لِمَعْنًى هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، أَوْ لِيُقِيمَ فِي دَارِنَا زَمَانًا وَيَتَّجِرَ بِمَا يَتِمُّ لَهُ. هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا خَرَجَ بِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ. فَإِنْ قُلْت: الْمَرْءُ مَعَ عِيَالِهِ، فَهَذَا دَلِيلُ اسْتِئْمَانِهِ لَهُمْ، ثُمَّ هُمْ تَبَعٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعُولُهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَالتَّبَعُ يَصِيرُ مَذْكُورًا بِذِكْرِ الْأَصْلِ، إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ يَمْنَعُ مِنْهُ. وَالْعُرْفُ هُنَا مُؤَيِّدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى. أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّمِّيَّ فِي دَارِنَا يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ، وَلَا جِزْيَةَ عَلَى أَتْبَاعِهِ وَذَرَارِيِّهِ مِنْ النِّسَاءِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ؟ . ٥٠٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ مَعَهُ بِسَبْيٍ كَثِيرٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ رَقِيقِي. وَصَدَّقُوهُ. أَوْ كَانُوا صِغَارًا لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَانَ مَعَهُ دَوَابُّ عَلَيْهَا مَتَاعٌ وَمَعَهَا قَوْمٌ يَسُوقُونَهَا فَقَالَ: هَؤُلَاءِ غِلْمَانِي. فَصَدَّقُوهُ فِي ذَلِكَ، كَانَ مُصَدَّقًا مَعَ يَمِينِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ. فَإِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ مَالَهُ سَوَاءٌ جَاءَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ عَلَى قَصْدِ الْفِرَارِ مِنْهُمْ. وَلَوْ جَاءَ وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ هَلَكَ جُوعًا فِي دَارِنَا وَإِنَّمَا طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَرَارِ فِي دَارِنَا زَمَانًا، فَدَخَلَ مَالُهُ فِي ذَلِكَ تَبَعَا

стр. 346

إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَحْلِفُهُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ بِيَمِينِهِ. وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْ الرِّقَابِ الَّذِينَ مَعَهُ كَانَ فَيْئًا (٨٨ آ) وَجَمِيعُ مَا مَعَهُ. لِأَنَّ الرِّقَّ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ إذَا كَذَّبَهُ، وَالتَّبَعِيَّةُ فِي الْأَمَانِ تُبْتَنَى عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ هَذَا حُرًّا حَرْبِيًّا فِي دَارِنَا لَا أَمَانَ لَهُ، فَيَكُونُ فَيْئًا مَعَ مَا مَعَهُ. ٥٠٩ - وَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ الدَّوَابُّ دَوَابِّي، وَلَا الَّذِينَ يَسُوقُونَهَا بِغِلْمَانِي، وَلَكِنْ الْمَتَاعَ مَتَاعِي، اسْتَأْجَرْتهمْ لِيُحْمَلَ ذَلِكَ مَعِي فَصَدَّقُوهُ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَدَوَابَّهُمْ. لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهُمْ وَلَا اسْتَأْمَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ إشَارَةً وَلَا دَلَالَةً. . وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُمْ آمِنُونَ مَعَ دَوَابِّهِمْ. لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَمْتِعَةِ إلَى دَارِنَا عَلَى ظَهْرِهِ لِيَتَّجِرَ فِيهَا، وَلَكِنَّ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ الْكِرَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا. وَثُبُوتُ الْأَمَانِ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ حَوَائِجِهِ. وَمِمَّا يَتِمُّ بِهِ مَقْصُودُهُ فَيَتَعَدَّى حُكْمُ الْأَمَانِ إلَيْهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ، كَمَا يَتَعَدَّى إلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ لَهُمْ. ٥١٠ - وَإِنْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي. فَهُمْ فَيْءٌ. لِأَنَّهُمْ أُصُولٌ قَدْ خَرَجُوا بِالْبُلُوغِ مِنْ أَنْ يَكُونُوا تَبَعًا لَهُ مِنْ حُكْمِ الْأَمَانِ، كَمَا أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ لَا يَتْبَعُونَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا كَانُوا فَيْئًا.

стр. 347

وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ: هُمْ وَلَدِي، وَصَدَّقُوهُ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ مَا لَمْ يَبْلُغُوا. أَلَا تَرَى لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَ فِي الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَإِنْ كَذَّبُوهُ فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ نَسَبَهُمْ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمْ إذَا كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ صَارُوا فَيْئًا حِينَ دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمَانٍ. وَقَوْلُ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي هَذَا مَقْبُولٌ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، كَمَجْهُولِ الْحَالِ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ لِإِنْسَانٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ. ٥١٢ - وَإِنْ كَانَ مَعَهُ صِغَارٌ لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ: سَرَقْتهمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجْتهمْ، أَوْ هُمْ أَيْتَامٌ كَانُوا فِي عِيَالِي فَأَخْرَجْتُهُمْ مَعِي، فَهُمْ لَهُ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِمْ مُسْتَقِرَّةٌ إذَا كَانُوا لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِمْ. وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، فَهُمْ مَمَالِيكُهُ وَأَتْبَاعٌ لَهُ، أَوْ أَنَّهُمْ فِي عِيَالِهِ أَتْبَاعُهُ بِسَبَبِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَا كَانُوا يَجِيئُونَ إلَى دَارِنَا إلَّا مَعَهُ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِهِ. ٥١٣ - وَلَوْ خَرَجَ بِنِسَاءٍ قَدْ بَلَغْنَ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنَاتِي. وَصَدَّقْنَهُ فَهُنَّ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ يَزُولُ بِبُلُوغِهِنَّ حَتَّى لَا يَصِرْنَ مُسْلِمَاتٍ بِإِسْلَامِهِ، فَهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ.

стр. 348

وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُنَّ آمِنَاتٌ. لِأَنَّهُنَّ فِي عِيَالِهِ وَنَفَقَتِهِ، مَا لَمْ يَتَحَوَّلْنَ إلَى بُيُوتِ الْأَزْوَاجِ. وَبُنِيَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ (٨٨ ب) . فَالنِّسَاءُ لَا يَسْتَأْمِنَّ لِأَنْفُسِهِنَّ عَادَةً، وَلَكِنْ يَكُنَّ مَعَ آبَائِهِنَّ أَوْ أَزْوَاجِهِنَّ، بِخِلَافِ الذُّكُورِ مِنْ الْأَوْلَادِ. لِأَنَّ الذُّكُورَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ مُقَاتِلَةٌ فَلَا يَحْصُلُ الْأَمَانُ لَهُمْ إلَّا بِالِاسْتِئْمَانِ مَقْصُودًا. وَالنِّسَاءُ آمِنَاتٌ عَنْ الْقَتْلِ. وَإِنَّمَا حَاجَتُهُنَّ إلَى الْأَمَانِ لِدَفْعِ الِاسْتِرْقَاقِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ، وَيُمْكِن إثْبَاتُ ذَلِكَ لَهُنَّ بِالْإِتْبَاعِ لِآبَائِهِنَّ فِي حُكْمِ الْأَمَانِ. ٥١٤ - وَعَلَى هَذَا الْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْهُنَّ فَهُنَّ آمِنَاتٌ، تَبَعًا لَهُ، بِخِلَافِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ. فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِي الْأَمَانِ أَحَدٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ إلَّا عَبْدُهُ وَأَجِيرُهُ اسْتِحْسَانًا، لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِ إلَى اسْتِصْحَابِهِمْ مَعَ نَفْسِهِ، إمَّا لِلتِّجَارَةِ فِيهِمْ، أَوْ لِنَقْلِ أَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ بِهِمْ. وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ آمِنًا بِأَمَانِهِ نَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ فَهُوَ آمِنٌ، لِتَصَادُقِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ. وَإِنْ كَذَّبَهُ ثُمَّ صَدَّقَهُ كَانَ فَيْئًا. لِأَنَّ بِتَكْذِيبِهِ يَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ. فَتَصْدِيقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالٌ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ صَدَّقَهُ ثُمَّ كَذَّبَهُ كَانَ فَيْئًا أَيْضًا. لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِ، وَذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ.

стр. 349

إلَّا رَقِيقُهُ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ الَّذِينَ يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. أَمَّا رَقِيقُهُ فَلِأَنَّ مِلْكَهُ تَقَرَّرَ فِيهِمْ بِالتَّصْدِيقِ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ قَوْلٌ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ فَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُمْ بِالتَّصْدِيقِ وَتَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُمْ بِاعْتِبَارِ أَمَانِهِ، وَلَا قَوْلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَحُرِّ الْأَصْلِ إذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ صَغِيرٌ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. أَمَّا ابْنَتُهُ وَزَوْجَتُهُ وَأُخْتُهُ وَعَمَّتُهُ إذَا كَذَّبَتْ بَعْدَ التَّصْدِيقِ كَانَتْ فَيْئًا، لِإِقْرَارِهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُ الِابْنَةِ مِنْهُ حِينَ صَدَّقَتْهُ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِهَا مِنْهُ بُطْلَانُ إقْرَارِهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. وَالْبَالِغَةُ مَقْبُولَةُ الْقَوْلِ فِيمَا يَضُرُّهَا، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِيمَا يَنْفَعُهُ لَا فِيمَا يَضُرُّهُ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الرِّقِّ بِإِقْرَارٍ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ حُرِّيَّتُهُ بِتَصْدِيقِهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ هَذَا الصَّغِيرَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ عَبْدُهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّهُ لَا بِإِقْرَارِهِ بَلْ بِدَعْوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ. إلَّا أَنَّ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ تَكُنْ يَدُ الْغَيْرِ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْهِ. فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ، وَحِينَ قَالَ: أَنَا عَبْدٌ لَهُ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ يَدُ ذِي الْيَدِ عَلَيْهِ. فَيَثْبُتُ الرِّقُّ بِدَعْوَى ذِي الْيَدِ، وَبِاعْتِبَارِ يَدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ. فَأَمَّا أَنْ يَثْبُتَ الرِّقُّ بِإِقْرَارِهِ (٨٩ آ) فَلَا. لِأَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ بِمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ لَا يَصِحُّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا يَضُرُّهُ؟ . ٥١٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا فَطَلَبَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ الْأَمَانَ

стр. 350

عَلَى أَنْ يَنْزِلَ إلَيْهِمْ، فَأَعْطَوْهُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ الصِّغَارُ وَرَقِيقُهُ وَمَالُهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءُ غَيْرِهِ. لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ مَقْهُورًا خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ. وَفِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا حَاجَةَ إلَى اتِّبَاعِ شَيْءٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَعَهُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي دَارِهِ غَيْرَ خَائِفٍ. وَإِنَّمَا اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِنَا لِيَسْكُنَ فِيهَا، وَيَتَّجِرَ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ هَذَا الْمَقْصُودُ إلَّا بِاسْتِصْحَابِ هَؤُلَاءِ. وَالثَّانِي أَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ مَا فِي الْحِصْنِ هُنَا، فَإِنَّ الْمَحْصُورَ كَالْمَأْخُوذِ. فَلِهَذَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ تَصَرُّفَاتِهِ. فَالْحَاجَةُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا ثَبَتَ، وَذَلِكَ بِالنَّصِّ يَكُونُ، لَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ. فَأَمَّا الَّذِي اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِنَا لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ اسْتَصْحَبَهُمْ مَعَهُ، وَإِنَّمَا حَاجَتُهُمْ إلَى مَنْعِ ثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِمْ وَدَلَالَةُ الْحَالِ يَكْفِي لِذَلِكَ. وَلَكِنَّ هَذَا الْمَحْصُورَ إنْ خَرَجَ إلَيْنَا بِسِلَاحٍ كَمَا يَلْبِسُ النَّاسُ، رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، وَمَعَهُ نَقْدٌ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ فِي حَقْوَيْهِ فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ عُرْيَانًا. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْكَرْنَا مَا عَلَيْهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى لُبْسِ السِّلَاحِ أَيْضًا لِيَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْقِتَالِ أَوْ يَدْفَعُ شَرَّهُمْ عَنْ نَفْسِهِ إنْ رَمَوْهُ بَعْدَ مَا خَرَجَ. وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ رَاكِبًا عَلَى دَابَّتِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى شَيْئًا فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْجُوَ رَأْسًا بِرَأْسٍ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَصْحِبْ نَفَقَتَهُ مَاتَ جُوعًا، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ. فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى يَصِيرُ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ جُمْلَةِ مَا يَسْتَصْحِبُهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيُسَلَّمُ لَهُ، كَمَا أَنَّ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ مِمَّا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى عَنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، لِعِلْمِنَا بِوُقُوعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ اسْتِحْسَانًا.

стр. 351

ثُمَّ أَوْضَحَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَحْصُورِ وَبَيْنَ الَّذِي جَاءَ مُسْتَأْمَنًا إلَى دَارِنَا فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحْصُورَ لَوْ نَادَى بِالْأَمَانِ وَانْحَطَّ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ كَانَ فَيْئًا. وَاَلَّذِي جَاءَ إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَادَى بِالْأَمَانِ وَلَمْ يَقُلْ الْمُسْلِمُونَ لَهُ شَيْئًا كَانَ آمِنًا. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّلَالَةَ هَا هُنَا تَكْفِي وَفِي الْمَحْصُورِ لَا. ٥١٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ (٨٩ ب) أَمَّنُوا رَجُلًا فِي الْحِصْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ خُرُوجَهُ إلَيْهِمْ لِأَمْرٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ. لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ لِيَسْكُنَ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى لَهُ السُّكْنَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَيَتْبَعُونَهُ فِي الْأَمَانِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الْحِصْنِ فَإِنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ. ٥١٨ - وَلَوْ تَقَدَّمَتْ مَسَالِحُ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّ مَنْ اسْتَأْمَنَ مِنْكُمْ إلَى دَارِنَا أَوْ إلَى عَسْكَرِنَا فِي تِجَارَةٍ فَهُوَ آمِنٌ وَحْدَهُ دُونَ مَا يَأْتِي بِهِ فَعَلِمُوا بِذَلِكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْيٍ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فَيْءٌ كُلُّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ، إلَّا مَا يُسَلَّمُ لِلْمَحْصُورِ الَّذِي يَخْرُجُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُمْ قَدْ نَبَذُوا إلَيْهِمْ الْأَمَانَ فِيمَا يَأْتُونَ بِهِ. وَإِذَا كَانَ النَّبْذُ بَعْدَ الْأَمَانِ يَرْفَعُ حُكْمَ الْأَمَانِ فَاقْتِرَانُهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ. وَلِأَنَّا إنَّمَا كُنَّا نُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَلَا دَلَالَةَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ

стр. 352

لَوْ أَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لِمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بِطَلَبِ الْأَمَانِ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمَنُوا، إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَمَانَ. فَعَرَفْنَا بِأَنَّ حَالَهُمْ بَعْدَ هَذَا النَّبْذِ كَحَالِ الْمَحْصُورِ. ٥١٩ - وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ حَرْبِيٌّ يُنَادِي بِالْأَمَانِ، وَمَعَهُمَا مَالٌ، فَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ عَلَى دَابَّةٍ مُمْسِكَانِ لَهَا، فَقَالَ: الْمُسْلِمُ: هَذَا عَبْدِي وَالْمَالُ وَالدَّابَّةُ لِي. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: كَذَبَ. بَلْ جِئْت مُسْتَأْمَنًا وَالْمَالُ مَالِي. فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ مَقْهُورًا بِرِبَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ. لِأَنَّهُ صَارَ عَبْدًا لَهُ حِينَ جَاءَ بِهِ مَقْهُورًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ يَدٌ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ مَوْلَاهُ فِي الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْهُورٍ فَهُوَ حُرٌّ مُسْتَأْمَنٌ. لِكَوْنِ الظَّاهِرِ شَاهِدًا لَهُ. ثُمَّ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَالِ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ الْمَالُ وَالدَّابَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. ٥٢٠ - وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا عَلَيْهَا وَالْآخَرُ مُمْسِكًا بِلِجَامِهَا فَالْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِاللِّجَامِ أَيُّهُمَا كَانَ. لِأَنَّ الْمَرْكُوبَ نَفْعٌ لِلرَّاكِبِ، وَمَا عَلَى الدَّابَّةِ فَهُوَ فِي يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ الدَّابَّةُ. ٥٢١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ثَوْبًا وَأَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُمْسِكٌ بِهِ، فَالثَّوْبُ لِلَّابِسِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِهِ. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.

стр. 353

وَكَذَلِكَ الْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ لِلدَّابَّةِ. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ دُونَ صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُودُ الدَّابَّةَ وَالْآخَرُ يَسُوقُهَا فَالدَّابَّةُ وَالْمَالُ لِلْقَائِدِ. لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِلِجَامِ الدَّابَّةِ فَهِيَ وَمَا عَلَيْهَا فِي يَدِهِ دُونَ السَّائِقِ. ٥٢٣ - فَإِنْ كَانَا خَرَجَا إلَى مُعَسْكَرِنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: هُوَ مَالِي، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: هُوَ مَالِي وَهَبَهُ لِي أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ اغْتَصَبْته مِنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فِيهِمْ، فَإِنَّ الْمَالَ فِي أَيْدِيهِمَا فَنِصْفُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ (٩٠ آ) وَنِصْفُهُ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ هَذَا النِّصْفَ فِي يَدِ الْأَسِيرِ، وَقَدْ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَهُوَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْهِبَةِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُشَارَكَةِ مَعَهُ. ٥٢٤ - وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ عَلَى مَا ادَّعَى، قُضِيَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِجَمِيعِ الْمَالِ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ. وَذَلِكَ الْمَالُ يَكُونُ كُلُّهُ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ وَهُوَ فِيهِمْ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَثْبُتُ مَا ادَّعَى مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 354

وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْمَالُ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مَا ادَّعَى بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُجْعَلُ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً. ٥٢٥ - وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْمَنِينَ خَاصَّةً وَشَهِدَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلْأَسِيرِ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ رُدَّ الْمَالُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً. وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنْعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ كَانَ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَالْمُسْتَأْمَنُ لَمْ يُلْزَمْ أَحْكَامَنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَّجِرَ عِنْدَنَا ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى دَارِهِ، فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا وَمُسْتَأْمَنًا لَوْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَدَانَهُ دَيْنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً وَأَقَامَ بَيِّنَةً مُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ يَصِيرَ ذِمِّيًّا، فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُ خُصُومَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا. ٥٢٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِنَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي دَارِنَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَافِ وَالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا مُدَّةَ مُقَامِهِمَا فِي دَارِنَا.

стр. 355

وَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ تُسْمَعْ الْخُصُومَةُ. فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَا أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً. وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ شَيْئًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الْخُصُومَةُ أَيْضًا لِأَنَّهَا دَارُ نُهْبَةٍ. فَكُلُّ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا كَانَ سَالِمًا لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ مُعَامَلَةً جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي. فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِمَا بَعْدَ مَا صَارَا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. ٥٢٨ - وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ إذَا خَرَجَا وَقَدْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُسْتَأْمَنُ، لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إنْ كَانَ (٩٠ ب) هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ. وَالْحَرْبِيُّ إنْ كَانَ هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ تَمَّ إحْرَازُهُ لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ. فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالْإِحْرَازَ فِيهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ لِهَذَا. ٥٢٩ - وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَفِي أَيْدِيهِمَا بَغْلٌ عَلَيْهِ مَالٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: مَالِي وَفِي يَدِي. فَقَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَضَى الْقَاضِي بِهِ لَهُ. لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ. وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَطَأُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فِيمَا قَالَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذَا قَالَ مِلْكِي وَفِي يَدِي لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي هَذِهِ الْخُصُومَةَ وَيَقُولُ: إذَا كَانَ مِلْكُك فِي يَدِك فَمَاذَا تَطْلُبُ مِنِّي؟ فَقَدْ نَصَّ هُنَا عَلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا لِدَفْعِ مُنَازَعَةِ الْآخَرِ. وَالْبَيِّنَةُ لِهَذَا الْمَقْصُودِ مَقْبُولَةٌ، وَهُوَ يَقُولُ لِلْقَاضِي: أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ مُزَاحِمَتِي وَتُقَرِّرَهُ فِي يَدِي.
следующие страницы →