Полный текст (2 212 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ثُمَّ أَوْضَحَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَحْصُورِ وَبَيْنَ الَّذِي جَاءَ مُسْتَأْمَنًا إلَى دَارِنَا فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحْصُورَ لَوْ نَادَى بِالْأَمَانِ وَانْحَطَّ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ كَانَ فَيْئًا. وَاَلَّذِي جَاءَ إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَادَى بِالْأَمَانِ وَلَمْ يَقُلْ الْمُسْلِمُونَ لَهُ شَيْئًا كَانَ آمِنًا. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّلَالَةَ هَا هُنَا تَكْفِي وَفِي الْمَحْصُورِ لَا.
٥١٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ (٨٩ ب) أَمَّنُوا رَجُلًا فِي الْحِصْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ خُرُوجَهُ إلَيْهِمْ لِأَمْرٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ. لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ لِيَسْكُنَ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى لَهُ السُّكْنَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَيَتْبَعُونَهُ فِي الْأَمَانِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الْحِصْنِ فَإِنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ.
٥١٨ - وَلَوْ تَقَدَّمَتْ مَسَالِحُ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّ مَنْ اسْتَأْمَنَ مِنْكُمْ إلَى دَارِنَا أَوْ إلَى عَسْكَرِنَا فِي تِجَارَةٍ فَهُوَ آمِنٌ وَحْدَهُ دُونَ مَا يَأْتِي بِهِ فَعَلِمُوا بِذَلِكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْيٍ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فَيْءٌ كُلُّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ، إلَّا مَا يُسَلَّمُ لِلْمَحْصُورِ الَّذِي يَخْرُجُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُمْ قَدْ نَبَذُوا إلَيْهِمْ الْأَمَانَ فِيمَا يَأْتُونَ بِهِ.
وَإِذَا كَانَ النَّبْذُ بَعْدَ الْأَمَانِ يَرْفَعُ حُكْمَ الْأَمَانِ فَاقْتِرَانُهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ. وَلِأَنَّا إنَّمَا كُنَّا نُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَلَا دَلَالَةَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ
стр. 352
لَوْ أَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لِمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بِطَلَبِ الْأَمَانِ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمَنُوا، إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَمَانَ. فَعَرَفْنَا بِأَنَّ حَالَهُمْ بَعْدَ هَذَا النَّبْذِ كَحَالِ الْمَحْصُورِ.
٥١٩ - وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ حَرْبِيٌّ يُنَادِي بِالْأَمَانِ، وَمَعَهُمَا مَالٌ، فَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ عَلَى دَابَّةٍ مُمْسِكَانِ لَهَا، فَقَالَ: الْمُسْلِمُ: هَذَا عَبْدِي وَالْمَالُ وَالدَّابَّةُ لِي. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: كَذَبَ. بَلْ جِئْت مُسْتَأْمَنًا وَالْمَالُ مَالِي. فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ مَقْهُورًا بِرِبَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ. لِأَنَّهُ صَارَ عَبْدًا لَهُ حِينَ جَاءَ بِهِ مَقْهُورًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ يَدٌ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ مَوْلَاهُ فِي الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْهُورٍ فَهُوَ حُرٌّ مُسْتَأْمَنٌ. لِكَوْنِ الظَّاهِرِ شَاهِدًا لَهُ. ثُمَّ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَالِ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ الْمَالُ وَالدَّابَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
٥٢٠ - وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا عَلَيْهَا وَالْآخَرُ مُمْسِكًا بِلِجَامِهَا فَالْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِاللِّجَامِ أَيُّهُمَا كَانَ. لِأَنَّ الْمَرْكُوبَ نَفْعٌ لِلرَّاكِبِ، وَمَا عَلَى الدَّابَّةِ فَهُوَ فِي يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ الدَّابَّةُ.
٥٢١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ثَوْبًا وَأَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُمْسِكٌ بِهِ، فَالثَّوْبُ لِلَّابِسِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِهِ. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
стр. 353
وَكَذَلِكَ الْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ لِلدَّابَّةِ. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ دُونَ صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُودُ الدَّابَّةَ وَالْآخَرُ يَسُوقُهَا فَالدَّابَّةُ وَالْمَالُ لِلْقَائِدِ. لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِلِجَامِ الدَّابَّةِ فَهِيَ وَمَا عَلَيْهَا فِي يَدِهِ دُونَ السَّائِقِ.
٥٢٣ - فَإِنْ كَانَا خَرَجَا إلَى مُعَسْكَرِنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: هُوَ مَالِي، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: هُوَ مَالِي وَهَبَهُ لِي أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ اغْتَصَبْته مِنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فِيهِمْ، فَإِنَّ الْمَالَ فِي أَيْدِيهِمَا فَنِصْفُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ (٩٠ آ) وَنِصْفُهُ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ هَذَا النِّصْفَ فِي يَدِ الْأَسِيرِ، وَقَدْ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَهُوَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْهِبَةِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُشَارَكَةِ مَعَهُ.
٥٢٤ - وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ عَلَى مَا ادَّعَى، قُضِيَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِجَمِيعِ الْمَالِ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ. وَذَلِكَ الْمَالُ يَكُونُ كُلُّهُ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ وَهُوَ فِيهِمْ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَثْبُتُ مَا ادَّعَى مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 354
وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْمَالُ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مَا ادَّعَى بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُجْعَلُ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.
٥٢٥ - وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْمَنِينَ خَاصَّةً وَشَهِدَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلْأَسِيرِ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ رُدَّ الْمَالُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً. وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنْعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ كَانَ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَالْمُسْتَأْمَنُ لَمْ يُلْزَمْ أَحْكَامَنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَّجِرَ عِنْدَنَا ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى دَارِهِ، فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا وَمُسْتَأْمَنًا لَوْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَدَانَهُ دَيْنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً وَأَقَامَ بَيِّنَةً مُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ يَصِيرَ ذِمِّيًّا، فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُ خُصُومَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا.
٥٢٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِنَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي دَارِنَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَافِ وَالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا مُدَّةَ مُقَامِهِمَا فِي دَارِنَا.
стр. 355
وَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ تُسْمَعْ الْخُصُومَةُ. فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَا أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً. وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ شَيْئًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الْخُصُومَةُ أَيْضًا لِأَنَّهَا دَارُ نُهْبَةٍ. فَكُلُّ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا كَانَ سَالِمًا لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ مُعَامَلَةً جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي. فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِمَا بَعْدَ مَا صَارَا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.
٥٢٨ - وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ إذَا خَرَجَا وَقَدْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُسْتَأْمَنُ، لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إنْ كَانَ (٩٠ ب) هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ. وَالْحَرْبِيُّ إنْ كَانَ هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ تَمَّ إحْرَازُهُ لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ. فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالْإِحْرَازَ فِيهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ لِهَذَا.
٥٢٩ - وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَفِي أَيْدِيهِمَا بَغْلٌ عَلَيْهِ مَالٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: مَالِي وَفِي يَدِي. فَقَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَضَى الْقَاضِي بِهِ لَهُ. لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ.
وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَطَأُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فِيمَا قَالَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذَا قَالَ مِلْكِي وَفِي يَدِي لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي هَذِهِ الْخُصُومَةَ وَيَقُولُ: إذَا كَانَ مِلْكُك فِي يَدِك فَمَاذَا تَطْلُبُ مِنِّي؟ فَقَدْ نَصَّ هُنَا عَلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا لِدَفْعِ مُنَازَعَةِ الْآخَرِ. وَالْبَيِّنَةُ لِهَذَا الْمَقْصُودِ مَقْبُولَةٌ، وَهُوَ يَقُولُ لِلْقَاضِي: أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ مُزَاحِمَتِي وَتُقَرِّرَهُ فِي يَدِي.
стр. 356
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَجْعَلْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ، وَهُنَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ. فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُسْمَعَ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ مَا لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا؟ قُلْنَا: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ الْخُصُومَةَ فِيهِ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ أَنَّ الْغَاصِبَ وَثَبَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِالْبَغْلِ مَعَ صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ هَذِهِ الْخُصُومَةَ أَيْضًا وَيَقْضِي بِهِ لِصَاحِبِهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ وَلَمْ يُحْرِزْهُ غَاصِبُهُ مَا دَامَتْ يَدُ صَاحِبِهِ مُعَارِضَةً لِيَدِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ تَمَّ زَوَالُ يَدِ صَاحِبِهِ. وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ مِنْ الْغَاصِبِ لَهُ. فَلِهَذَا لَا يَقْضِي لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ أَسْلَمَا.
٥٣٠ - وَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُ الَّذِي كَانَ أَسِيرًا فِي دَارِهِمْ: هَذَا الْبَغْلُ وَهَذَا الْمَالُ كَانَ لِهَذَا الْمُسْتَأْمَنِ، أَخَذْتُهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجْنَا. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: الْبَغْلُ وَمَا عَلَيْهِ لِي وَهَذَا كَاذِبٌ. وَالْبَغْلُ فِي أَيْدِيهِمَا، فَفِي الْقِيَاسِ نِصْفُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَنِصْفُهُ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ إذَا أَخْرَجَهُ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْأَسِيرَ بِإِقْرَارِهِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بَعْدَمَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ. وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِمْ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ.
стр. 357
لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْأَسِيرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْأَسِيرِ فِي بَيَانِ جِهَةِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى هَذَا الْمَالِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ: إنَّ أَصْلَ الْمَالِ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. فَمَا بَقِيَتْ يَدُهُ لَا تَتَقَرَّرُ يَدُ الْأَسِيرِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. سَوَاءٌ خَرَجَا إلَى الْمُعَسْكَرِ أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
٥٣١ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْأَسِيرِ خَاصَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُسْتَأْمَنُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْب فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْتَأْمَنِ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ حِينَ انْقَطَعَ يَدُ الْمُسْتَأْمَنِ عَنْهُ. فَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَتِهِمْ. وَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً. بِمَنْزِلَةِ مَا يُخْرِجُهُ الْمُتَلَصِّصُ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ.
٥٣٢ - وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنِّي فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا أَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. وَبِأَمَانِهِ صَارَ مِلْكُهُ مَغْصُوبًا مُحْتَرَمًا. فَالْأَسِيرُ يَدَّعِي سَبَبَ تَمَلُّكِ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِاَللَّهِ. وَلِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ حَادِثٌ، فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ حُصُولِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. كَمَنْ ادَّعَى تَارِيخًا سَابِقًا فِي الْأَخْذِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ. .
стр. 358
[بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا وَمَا لَا يَكُونُ]
٤٩ - بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا وَمَا لَا يَكُونُ ٥٣٣ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَنَادَاهُمْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَكَانَ نِدَاؤُهُ إيَّاهُمْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا بِأَمَانٍ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ إسْمَاعُ الْمُخَاطَبِ. فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ كَانَ لَاغِيًا فِي كَلَامِهِ لَا مُعْطِيًا الْأَمَانَ لَهُمْ. وَلَوْ كَانَ هَذَا أَمَانًا لَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ يُؤَمِّنُ الرُّومَ وَالتُّرْكَ وَالْهِنْدَ، فَلَا يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، فَكُلُّ أَحَدٍ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فِي الْأَمَانِ إسْقَاطُ الْحَدِّ، أَوْ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَهَذَا يَتِمُّ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَحْدَهُ، بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ إثْبَاتُ صِفَةِ الْأَمْنِ لَهُمْ بِكَلَامٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ رَدُّوا أَمَانَهُ لَمْ يَثْبُتْ الْأَمَانُ. وَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ صِفَةُ الْأَمْنِ لَهُمْ بِكَلَامِهِ فِي مَوْضِعٍ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ.
٥٣٤ - وَلَوْ نَادَاهُمْ بِالْأَمَانِ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ الْكَلَامَ وَهُوَ النِّدَاءُ، إلَّا أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ أَحَاطَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا، بِأَنْ كَانُوا نِيَامًا أَوْ مُتَشَاغِلِينَ بِالْحَرْبِ، كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا، حَتَّى لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ
стр. 359
لِأَنَّ حَقِيقَةَ سَمَاعِهِمْ بَاطِنٌ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَفِي مِثْلِهِ إنَّمَا يُعَلِّقُ الْحُكْمَ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ
وَإِذَا قَامَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْغُرُورِ وَاجِبٌ (٩٢ ب) . وَمَعْنَى الْغُرُورِ يَتَمَكَّنُ إذَا كَانَ الْمُنَادِي مِنْهُمْ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُنَادِي مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ.
٥٣٥ - قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ انْتَهَيْت إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ نَائِمًا عَلَى فِرَاشِهِ فَنَادَيْته بِالْأَمَانِ وَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَك فَلَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ لِنَوْمِهِ أَوْ لِصَمَمٍ كَانَ بِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا؟
وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ النَّائِمَ كَالْمُنْتَبِهِ، عَلَى مَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْخَلْوَةِ وَالصَّيْدِ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ النَّائِمِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَادَاهُ أَوْ أَيْقَظَهُ فَهُوَ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَنَادَاهُ وَأَيْقَظَهُ.
وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَوَاءٌ أَيْقَظَهُ أَوْ لَمْ يُوقِظْهُ إذَا نَادَاهُ وَهُوَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَكَلِّمًا لَهُ.
٥٣٦ - وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا فِيهِ أَمَانٌ وَرَمَى بِهِ إلَيْهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ كَانُوا آمِنِينَ.
стр. 360
لِأَنَّ الْكِتَابَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ. فَإِنَّ الْبَيَانَ بِالْبَيَانِ كَهُوَ بِاللِّسَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ كَتَبَ إلَى الْآفَاقِ وَكَانَ ذَلِكَ تَبْلِيغًا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا وَقَفُوا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ نَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ أَمَانًا لَأَدَّى إلَى الْغُرُورِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ ﵁.
٥٣٧ - وَإِنْ وَجَدُوا كِتَابًا فِيهِ أَمَانٌ لَمْ يَرْمِ بِهِ إلَيْهِمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ هَذَا بِأَمَانٍ.
لِأَنَّ الْكِتَابَ جَمَادٌ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْأَمَانُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْكَاتِبِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَالْأَمَانُ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ. ثُمَّ لَعَلَّ الْكِتَابَ مُفْتَعَلٌ، أَوْ كَتَبَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الرَّامِيَ بِهِ مُسْلِمٌ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ تَقُومُ لِإِبْطَالِ حَقِّهِمْ.
٥٣٨ - فَإِنْ قَالَ مُسْلِمٌ: أَنَا رَمَيْتُ بِهِ إلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ.
لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ وَلَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي خَبَرِهِ. وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَتَقَرَّرْ فِيهِمْ بَعْدُ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ كَلَامِهِ فِي مَنْعِ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، وَالْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمْلِكُ ذَلِكَ.
٥٣٩ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ بِأَيْدِيهِمْ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى يَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُ أَنَّهُ رَمَى إلَيْهِمْ
стр. 361
لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، وَقَصَدَ بِإِخْبَارِهِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا شَهَادَتُهُ. لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ دَعْوَى لَا شَهَادَةٌ.
٥٤٠ - فَإِنْ شَهِدَ سِوَاهُ مُسْلِمَانِ، يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ، وَرُدُّوا حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ.
وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ فَقُسِّمُوا وَوَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي سَهْمِ الْمُقِرِّ، كَانَ حُرًّا لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، (٩٢ آ) وَكَوْنِهِ آمِنًا، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مِلْكِهِ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لِيَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ احْتِبَاسَهُ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
فَيُجْعَلُ ذِمِّيًّا إنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ.
لِأَنَّ مَنْ اُحْتُبِسَ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ يُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا يَأْتِيك بَيَانُهُ.
٥٤١ - وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ بَيْعَهُمْ فَاشْتَرَاهُمْ الْمُقِرُّ بِالْأَمَانِ فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ. لِأَنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ أَرِقَّاءُ. ثُمَّ يَكُونُونَ أَحْرَارًا فِي يَدَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِمَا بَيَّنَّا.
٥٤٢ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ لِلْمَحْصُورِينَ: إنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَّنَكُمْ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي مَقَالَتِهِ فَفَتَحُوا حِصْنَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ.
стр. 362
لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ وَهُوَ يَمْلِكُ إنْشَاءَ مِثْلِهِ، فَيَكُونُ إخْبَارُهُ بِهِ إظْهَارًا لِأَمَانٍ سَابِقٍ إنْ كَانَ، وَإِنْشَاءً إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ الْأَمَانُ، بِمَنْزِلَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْعُقُودِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ الْأَمِيرِ فَافْتَحُوا الْبَابَ.
٥٤٣ - وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا كَانُوا آمِنِينَ بِأَمَانِهِ. فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ لَهُمْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا كَانُوا فَيْئًا.
لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ إذَا كَانَ كَذِبًا فَبِالْإِخْبَارِ لَا يَصِيرُ صِدْقًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا أَمَانًا مِنْ جِهَتِهِ، بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ.
٥٤٤ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: أَمَّنْتهمْ، فِي مَجْلِسِهِ، فَلَمْ يَبْلُغْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى نَهَاهُمْ الْأَمِيرُ أَنْ يُبَلِّغُوهُمْ، فَذَهَبَ رَجُلٌ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمِيرِ فَأَبْلَغَهُمْ إيَّاهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا فِي أَصْلِ الْخَبَرِ كَانُوا آمِنِينَ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا بَيَّنَّا. فَإِذَا كَانَ صَادِقًا فِي أَصْلِ الْخَبَرِ إلَّا أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ نَهْيِ الْأَمِيرِ أَوْلَى أَنْ يَكُونُوا آمِنِينَ.
٥٤٥ - فَإِنْ أَبْلَغَهُمْ ذِمِّيٌّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ الْأُولَى وَلَمْ يَسْمَعْ مَقَالَتَهُ الثَّانِيَةَ الْقَوْمُ آمِنُونَ.
لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ أَمْرٌ لِكُلِّ سَامِعٍ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالْإِفْصَاحِ وَبَعْدَ ثُبُوتِ وِلَايَةِ التَّبْلِيغِ لِلسَّامِعِ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ. بِمَنْزِلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَكَانَ هَذَا مُبَلِّغًا أَمَانَ الْإِمَامِ إلَيْهِمْ بِأَمْرِهِ. وَعِبَارَةُ الرَّسُولِ فِي مِثْلِ هَذَا كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ.
стр. 363
وَإِنْ كَانَ سَمِعَ الْمَقَالَتَيْنِ جَمِيعًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُمْ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ النَّهْيُ صَارَ مَعْزُولًا عَنْ التَّبْلِيغِ وَارْتَفَعَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي حَقِّهِ.
وَهَذَا لِأَنَّ النَّهْيَ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. إلَّا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ وُصُولِ الْأَمَانِ إلَيْهِمْ لَا يَثْبُتُ النَّبْذُ فِي حَقِّهِمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَذِنَ (٩٢ ب) لِعَبْدِهِ فِي أَهْلِ سُوقِهِ، ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، لَا يَنْحَجِرُ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَهْلُ سُوقِهِ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ سُوقِهِ بِالْإِذْنِ كَانَ ذَلِكَ حَجْرًا.
٥٤٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِذِمِّيٍّ: اذْهَبْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي قَدْ أَمَّنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ وَلَا تُخْبِرْهُمْ. أَوْ كَانَ كَاتِبُهُ ذِمِّيًّا فَقَالَ: اُكْتُبْ إلَيْهِمْ بِأَمَانِهِمْ. فَأَعْلِمْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَكْتُبْ.
فَكَتَبَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَنَزَلُوا، كَانُوا فَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَنْهَ الرَّسُولَ وَالْكَاتِبَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ نَهَاهُ وَلَمْ يَسْمَعْ حَتَّى كَتَبَ إلَيْهِمْ أَوْ بَلَّغَهُمْ فَنَزَلُوا، كَانُوا آمِنِينَ. وَالْفِقْهُ فِي الْكُلِّ التَّحَرُّزُ عَنْ صُورَةِ الْغُرُورِ وَحَقِيقَتِهِ.
٥٤٧ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَمَّنَكُمْ، وَأَشَارَ إلَى شَخْصٍ مَعَهُ، فَنَزَلُوا، فَإِذَا الْمَحْكِيُّ عَنْهُ ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ فَهُمْ فَيْءٌ، صُدِّقَ عَلَيْهِ أَوْ كُذِّبَ.
стр. 364
لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ بَاطِلٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُعْطِيًا أَمَانًا صَحِيحًا لَهُمْ وَهُوَ لَمْ يَغُرَّهُمْ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُمْ اغْتَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ حِينَ لَمْ يَتَفَحَّصُوا عَنْ حَالِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ مَا عَيَّنَهُ لَهُمْ مِنْهُ، أَوْ مِنْ الْحَاكِي، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.
٥٤٨ - وَإِنْ أَشَارَ لَهُمْ إلَى مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ كَانُوا آمِنِينَ، صَدَقَ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَبَ.
لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ فَيَكُونُ مُعْطِيًا الْأَمَانَ لَهُمْ حِينَ أَضَافَهُ إلَى مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ
٥٤٩ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ حِكَايَةً عَنْ مُسْلِمٍ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ صَادِقٌ كَانُوا آمِنِينَ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ كَانُوا فَيْئًا.
لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إعْطَاءَ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ، فَهُمْ إذَا اعْتَمَدُوا خَبَرَ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ كَانُوا مُغْتَرِّينَ لَا مَغْرُورِينَ.
٥٥٠ - وَإِنْ قَالَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ صَدَقَ فِيمَا قَالَ. فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ بَقَاءِ مَنَعَتِهِمْ ثُمَّ نَزَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّهُ صَدَّقَ الْمُخْبِرِ فِي حَالٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي التَّصْدِيقِ.
٥٥١ - وَإِنْ كَانَ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي أَيْدِينَا غَيْرَ مُمْتَنَعِينَ، لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي هَذَا التَّصْدِيقِ. فَقَدْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا التَّصْدِيقِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِمْ.
стр. 365
إلَّا أَنَّهُ إذَا قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ فَوَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي سَهْمِ الْمُقِرِّ أَوْ فِيمَا رَضَخَ بِهِ الذِّمِّيُّ عَتَقَ عَلَيْهِمَا.
٥٥٢ - وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُمْ الْإِمَامُ فَاشْتَرَاهُمْ الذِّمِّيُّ الْمُخْبِرُ أَوْ الْمُسْلِمُ الْمُصَدَّقُ لَهُ، عَتَقُوا جَمِيعًا لِتَصَادُقِهِمَا، عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ آمِنُونَ.
وَذَلِكَ عَامِلٌ فِي حَقِّ مَنْ صَارَ مِلْكًا لَهُمَا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ احْتِبَاسَهُمْ فِي دَارِنَا مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ إذَا بَاعَهُمْ.
وَهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَبِاَللَّهِ الْعَوْنُ.
стр. 366
[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ غَيْرَ مُسْتَأْمَنٍ]
٥٠ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ غَيْرَ مُسْتَأْمَنٍ (٩٣ آ) ٥٥٣ - وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ الَّذِي لَا أَمَانَ لَهُ الْحَرَمَ فَإِنَّهُ لَا يُهَاجُ لَهُ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ.
وَهَذَا أَصْلُ عُلَمَائِنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ خَارِجَ الْحَرَمِ يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ بِدُخُولِ الْحَرَمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
وَقَالَ - عَزَّ مَنْ قَائِلٍ -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَقَالَ ﵇ فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ: «إنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي. وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ أُنَاسًا وَهُمْ غَيْرُ مُقَاتِلِينَ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ كَانُوا مُقَاتِلِينَ لَهُ لَمْ تَظْهَرْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِمَا قَالَ، لِأَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْحَرَمَ يَسْتَحِلُّ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ.
стр. 367
قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ عُمَرَ فِي الْحَرَمِ مَا هِجْتُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُقْتَلْ أَبُوهُ.
وَلَكِنْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ أَحَدٍ فِي الْحَرَمِ ابْتِدَاءً، وَكَمَا لَا يُقْتَلُ لَا يُؤْسَرُ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَهُ حُكْمًا فَالْحُرِّيَّةُ حَيَاةٌ وَالرِّقُّ تَلَفٌ، وَحُكْمُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ كَمَا لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ لَا يُتَمَلَّكُ بِالْأَخْذِ.
٥٥٤ - فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ كَانَ آمِنًا حُرًّا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ. وَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُ بِالْإِسْلَامِ.
وَإِنْ سَأَلَنَا أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا فَإِنْ شِئْنَا أَعْطَيْنَاهُ ذَلِكَ وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نُعْطِهِ.
لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَاكِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا اخْتِيَارًا بَلْ اضْطِرَارًا، لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْفِرَارِ. فَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ فِي إعْطَاءِ الذِّمَّةِ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمَأْسُورِ قَبْلَ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً.
٥٥٥ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ وَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُبَايَعُ حَتَّى يَضْطَرَّ وَيَخْرُجَ.
لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْأَمْنِ الثَّابِتِ بِالْحَرَمِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا التَّعَرُّضُ لَهُ بِالْإِسَاءَةِ، وَلَا يَلْزَمُنَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِ. فَإِنَّ مَنْعَ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إسَاءَةً، فَلِهَذَا لَا يَجِبُ قَبُولُ الذِّمَّةِ مِنْهُ إنْ طَلَبَ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْسَانٌ إلَيْهِ.
стр. 368
إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْكَلَأُ وَمَاءُ الْعَامَّةِ.
لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ. فَقَدْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَرِكَةً عَامَّةً بَيْنَ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْكَلَأِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ» .
وَفِي مَنْعِ حَقِّهِ مِنْهُ إسَاءَةٌ إلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَ لَك أَنْ تَمْنَعَهُ الْمَاءَ كَانَ لَك أَنْ تَقْتُلَهُ.
٥٥٦ - فَإِنْ قَالَ الْأَمِيرُ: إنِّي لَا آسِرُهُ وَلَكِنْ أَحْبِسُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا.
لِأَنَّ فِي الْحَبْسِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أُخْرِجُهُ مِنْ الْحَرَمِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّ الْأَمْنَ الثَّابِتَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ يُحَرِّمُ التَّعَرُّضَ لَهُ بِالْحَبْسِ وَالْإِخْرَاجِ كَمَا فِي حَقِّ الصَّيْدِ.
٥٥٧ - وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً دَخَلُوا الْحَرَمَ لِلْقِتَالِ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ (٩٣ ب) أَنْ يَقْتُلُوهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْحَرَمُ كُلُّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ.
أَيْ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ لَا تُلْزِمُنَا بِحَمْلِ الْأَذَى عَنْهُمْ، كَمَا لَا يَلْزَمُنَا تَحَمُّلُ الْأَذَى عَنْ الصَّيْدِ حَتَّى إنَّ الضَّبُعَ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فِي الْحَرَمِ جَازَ قَتْلُهُ دَفْعًا لِأَذَاهُ.
стр. 369
فَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا فَأَخَذُوا مِنْهُمْ الْأَسْرَى فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُمْ.
لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرَاعُوا حُرْمَةَ الْحَرَمِ. فَيَكُونُ الْحَرَمُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً.
بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ بَعْدَ الصِّيَالِ إذَا هَرَبَ لَمْ يَحِلُّ قَتْلُهُ.
لِأَنَّ الصَّيْدَ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ دَفْعُ أَذَاهُ عِنْدَ قَصْدِهِ حِسًّا، وَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِهَرَبِهِ.
فَأَمَّا الْآدَمِيُّ عَاقِلٌ يَجُوزُ دَفْعُ أَذَاهُ بِقَتْلِهِ زَجْرًا.
وَلِهَذَا شُرِعَ الْقِصَاصُ لِمَعْنَى الْحَيَاةِ. فَكَمَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ إذَا قَصَدُوا دَفْعًا لِأَذَاهُمْ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ بَعْدَ الِانْهِزَامِ وَالْأَسْرِ لِمَعْنَى الزَّجْرِ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ.
٥٥٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلُوا الْحَرَمَ مُقَاتِلِينَ وَمَعَهُمْ عَيَّالَاتُهُمْ، فَهُزِمُوا وَأُخِذْت عَيَّالَاتُهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْسَرُوا.
لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْمُقَاتِلَةِ، وَحِينَ اُلْتُحِقَ الْحُرُمُ بِالْحِلِّ فِي حَقِّ الْأُصُولِ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَتْبَاعِ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّ التَّبَعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ.
٥٦٠ - وَلَوْ كَانُوا قَاتَلُوا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ انْهَزَمُوا بِعَيَّالَاتِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ الْحَرَمَ فَحَصَلُوا فِي الْحَرَمِ مُنْهَزِمِينَ لَا فِئَةَ لَهُمْ، لَمْ يَحِلَّ أَنْ يُعْرَضَ لَهُمْ وَلَا لِعِيَالَاتِهِمْ.
стр. 370
لِأَنَّهُمْ الْتَجَئُوا إلَى الْحَرَمِ مُعَظِّمِينَ لَهَا وَكَانُوا آمِنِينَ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْحَرَمَ هَاتِكِينَ حُرْمَتَهَا بِالْقَصْدِ إلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا.
٥٦١ - وَلَوْ كَانَتْ فِئَتُهُمْ تَجَمَّعَتْ بِالْحَرَمِ وَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَهَرَبَ هَؤُلَاءِ بِعَيَّالَاتِهِمْ إلَى فِئَتِهِمْ فِي الْحَرَمِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَأَسْرِهِمْ.
لِأَنَّ الْمُلْتَجِئَ إلَى فِئَةٍ يَكُونُ مُحَارِبًا وَلَا يَكُونُ تَارِكًا لِلْحَرْبِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنْهَزِمَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ يُتَّبَعُ فَيُقْتَلُ، إذَا بَقِيَتْ لَهُمْ فِئَةٌ. فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
٥٦٢ - وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ هُوَ الْحُكْمُ فِي الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ. إلَّا أَنَّهُ لَا تُسْبَى ذَرَارِيِّهِمْ وَلَا نِسَاؤُهُمْ.
لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلِتَأَكُّدِ حُرِّيَّتِهِمْ بِالْإِسْلَامِ كَانُوا آمِنِينَ مِنْ السَّبْيِ.
فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ فِيهِ قَتْلُهُمْ، وَيَحْرُمُ فَهُمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 371
[بَابٌ مِنْ الْأَمَانِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ]
٥٦٣ - وَإِذَا أَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِحِصْنٍ مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَشْرَفَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ فَقَالُوا: آمِنُونَا عَلَى أَنْ نَخْرُجَ إلَيْكُمْ لِنُرَاوِضَكُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا مَعًا، فَإِنْ عَرَفْنَا الْأَرْبَعَةَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانُوا آمِنِينَ، وَمَنْ سِوَاهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، إنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوهُمْ فَيْئًا
لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي أَيْدِينَا بِغَيْرِ أَمَانٍ. فَإِنَّ الْمَحْصُورَ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ لَا يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ مَا لَمْ يُعْطَ لَهُ الْأَمَانُ نَصًّا. (آخِرُ ص ١٣٦) . وَكَيْفَ يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ وَإِنَّمَا حُصِرَ لِيَخْرُجَ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَبَيْنَ مَنْ سِوَاهُمْ سَبَبٌ يُوجِبُ الْأَمْنَ لَهُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعَةِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْأَرْبَعَةِ:
٥٦٤ - فَإِنْ اسْتَقَامَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ صُلْحٌ وَإِلَّا رَدُّوهُمْ إلَى حِصْنِهِمْ، كَمَا هُوَ مُوجِبُ الْأَمَانِ. وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا إلَى الْحِصْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجْبِرُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا آمِنِينَ فِينَا.
стр. 372
وَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِحَبْسٍ وَلَا أَسْرٍ. وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ اذْهَبُوا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ إنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَكُمْ حَتَّى تَبْلُغُوا مَأْمَنَكُمْ.
لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْعُذْرِ وَاجِبٌ.
٥٦٥ - فَإِنْ قَالُوا: لَا نُفَارِقُ عَسْكَرَكُمْ. فَالسَّبِيلُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ وَيُؤَجِّلَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَذْهَبُوا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً وَأَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ.
وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنْ ذَهَبْتُمْ إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا جَعَلْنَاكُمْ عَبِيدًا أَوْ وَإِلَّا فَدِمَاؤُكُمْ حَلَالٌ.
لِأَنَّهُمْ آمِنُونَ فِينَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْأَمَانِ ثُبُوتُ الْعِصْمَةِ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْقَتْلِ. وَكَمَا لَا يَمْلِكُ تَنْفِيذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي الْحَالِ لَا يَمْلِكُ تَعْلِيقَهُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، بِخِلَافِ تَصْيِيرِهِمْ ذِمَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْأَمَانَ بَلْ يُقَرِّرُهُ.
وَالْكَافِرُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إطَالَةِ الْمَقَامِ فِينَا بِدُونِ صَغَارِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ.
٥٦٦ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِأَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ: انْزِلُوا، فَأَنْتُمْ آمِنُونَ حَتَّى نُرَاوِضَكُمْ عَلَى الصُّلْحِ فَنَزَلَ عِشْرُونَ رَجُلًا فِيهِمْ أُولَئِكَ
стр. 373
الْأَرْبَعَةُ، وَلَكِنْ لَا نَعْلَمُ الْأَرْبَعَةَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ. فَهُمْ جَمِيعًا آمِنُونَ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا أَسْرُهُ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَرَدَّدَ حَالُهُ بَعْدَمَا حَصَلَ فِينَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا مَعْصُومَ الدَّمِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الدَّمِ. فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْعِصْمَةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَلِأَنَّ الْأَمَانَ يُتَوَسَّعُ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ لَا فِي الْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَهُوَ حَلَالٌ لَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى قَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ فِي مَحَلٍّ مَعْصُومٍ. ثُمَّ هَذَا التَّجْهِيلُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ لَمْ يُعَلِّمُوا الْأَرْبَعَةَ بِعَلَامَةٍ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ عَنْ أَغِيَارهمْ، فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ الْأَمَانِ الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَلَكِنَّهُمْ يَبْلُغُونَ مَأْمَنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُمِّنُوا جَمِيعًا.
٥٦٧ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَمَّنَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالنُّزُولِ، ثُمَّ فَتَحَ الْحِصْنَ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ. فَإِنْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أَمَّنُوهُمْ وَإِلَّا كَانَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَيْئًا.
لِأَنَّهُمْ أُخِذُوا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَمَنْ كَانَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُبَاحُ الْأَخْذِ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ فِيهِ مَانِعٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ الْأَرْبَعَةُ صَارُوا آمِنِينَ، وَهُمْ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ فِي مَنَعَةِ
стр. 374
الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُحَارِبًا لَهُمْ. بِاعْتِبَارِ الْحَالِ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مُحَارِبٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْحِصْنِ، فَأَمَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِالنُّزُولِ، فَنَزَلَ عِشْرُونَ وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي الْحِصْنِ، لَمْ يَحِلَّ سَبْيُ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
٥٦٨ - وَلَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْحِصْنِ وَلَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ، كَانُوا جَمِيعًا فَيْئًا، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ أَسْلَمَ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُرًّا هُوَ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ، وَيَسْلَمُ لَهُ مَالُهُ.
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْرِزُ لَهُ.
فَأَمَّا الْكِبَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ فَلَا يَتْبَعُونَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَكَانُوا فَيْئًا أَجْمَعِينَ. إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ هَا هُنَا.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَابِلٌ لِلْإِسْلَامِ أَوْ رَاغِبٌ فِيهِ (ص ١٣٧) وَإِسْلَامُ الْأَسِيرِ يُؤَمِّنُهُ عَنْ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُ لَا يُؤَمِّنُهُ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ.
٥٦٩ - قَالَ: وَلَوْ لَمْ أَسْبِ هَؤُلَاءِ لَمْ أَسْبِ أَهْلَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ إذَا عَلِمْت أَنَّ فِيهَا مُسْلِمًا وَاحِدًا أَوْ ذِمِّيًّا وَلَا أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِسَبْيٍ، وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الظُّهُورُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَيْءٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ الْمَانِعُ فِيهِ.
وَاسْتَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقُ بِمَا:
стр. 375
لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِيَأْخُذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْقَرْيَةِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ.
لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْأَمْنِ وَالْعِصْمَةِ. فَلَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
٥٧٠ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلُوا بَعْضَ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِمَرْأَى الْعَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ، فَكُلُّ مَنْ فِي الْحِصْنِ فَيْءٌ، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِالذِّمَّةِ بِعَيْنِهِ.
لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي مَوْضِعِ النُّهْبَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَكَانُوا فَيْئًا، مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمَانِعُ فِي بَعْضِهِمْ. وَتَحْكِيمُ الْمَكَانِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ رَأَى شَخْصًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ يُبَاحُ لَهُ الرَّمْيُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ. وَلَوْ رَآهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ.
٥٧١ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا دَخَلَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَافْتُتِحَ الْحِصْنُ حِينَ دَخَلَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى أُخِذُوا، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ فِيمَنْ أُخِذَ وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمْ هُوَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.
стр. 376
لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَقْتُلَهُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَلَوْ قَتَلَهُمْ جَمِيعًا كَانَ مُتَيَقِّنًا بِقَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ. وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى التَّحَرُّزِ عَمَّا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْكَفِّ عَنْ قَتْلِهِمْ جَمِيعًا. وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ قَتْلِ الذِّمِّيِّ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَقَتْلُ الْحَرْبِيِّ الْأَسِيرِ مُبَاحٌ لَهُ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْفَرْضِ. وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ عَلَى الْحِلِّ. فَهُنَا أَوْلَى.
٥٧٢ - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قُتِلَ بَعْضُهُمْ، أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ، أَوْ جُرِحَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يُحِطْ الْعِلْمُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ كُلِّهِمْ.
لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي مَوْضِعِ الْحَرْبِ، وَالْمَانِعُ مِنْ قَتْلِهِمْ كَوْنُ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ. وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ كَانَ هُوَ الَّذِي مَاتَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مُبَاحُ الدَّمِ.
وَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، إلَّا أَنْ يُعَارِضَ الظَّاهِرَ يَقِينٌ بِخِلَافِهِ. فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ عَارَضَ الظَّاهِرَ يَقِينٌ وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ، وَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَمْ يُعَارِضْ الظَّاهِرَ يَقِينٌ، فَبُنِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ.
٥٧٣ - فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: أَنَا الذِّمِّيُّ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.
لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ، لَكِنْ يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْبَابُ الِاحْتِيَاطِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَاءً وَغَلَبَ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَلَكِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِنَجَاسَتِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ. فَهَا هُنَا أَيْضًا الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.
٥٧٤ - وَإِنْ كَانَ لَوْ قَتَلَهُمْ، جَازَ. بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ
стр. 377
- ﷺ لِوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى صَدْرِكَ وَاسْتَفْتِ قَلْبَكَ، فَمَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ فَدَعْهُ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ بِهِ» .
وَإِنْ كَانَ لَا رَأْيَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمْ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ.
وَإِنْ شَكَّ فِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الْبَاقِينَ وَيَسْبِيَ الَّذِينَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ.
٥٧٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَشْرَفَ عَلَى الْحِصْنِ فَدَلَّنَا عَلَى عَوْرَةٍ مِنْ عَوْرَاتِهِمْ فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ اُفْتُتِحَ الْحِصْنُ مِنْ سَاعَتِهِ فَهَذَا وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ الَّذِي أَمَّنَّاهُ مَعْصُومٌ عَنْ الْقَتْلِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الْقَتْلِ بِالْأَمَانِ وَبِالذِّمَّةِ سَوَاءٌ.
٥٧٦ - وَلَوْ وُجِدَتْ الْمُرَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ (ص ١٣٨) عَلَى الصُّلْحِ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: أَخْرِجُوا إلَيْنَا أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، فَهُمْ آمِنُونَ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ. فَخَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ مَعًا، فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّ أَرْبَعَةً مِنْ الْعِشْرِينَ قَدْ صَارُوا آمِنِينَ بِإِعْطَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ الْأَمَانَ. فَإِنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ لِمَجْهُولٍ صَحِيحٌ.
فَإِذَا حَصَلُوا فِي عَسْكَرِنَا وَبَعْضُهُمْ آمِنُونَ ثَبَتَ الْأَمَانُ لَهُمْ جَمِيعًا إذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ
وَلَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ لِتَرَدُّدِ حَالِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا مَعْصُومًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَالُوا: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ فَهُوَ آمِنٌ. فَإِذَا فَتَحَ الْبَابَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ وَيَكُونَ آمِنًا.
стр. 378
فَإِذَا خَرَجَ عَشَرَةٌ مَعًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي صُورَةِ مَنْ سَلَّطَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا.
فَخُرُوجُ غَيْرِهِ مَعَهُ لَا يُبْطِلُ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْأَمَانِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: إنْ فَتَحَ رَجُلٌ مِنْكُمْ الْبَابَ فَهُوَ آمِنٌ فَوَثَبَ عَشْرَةٌ مِنْهُمْ فَفَتَحُوهُ مَعًا كَانُوا آمِنِينَ.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ فَتَحَهُ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا، فَلَا يَبْطُلُ أَمَانُهُ بِفَتْحِ الْغَيْرِ مَعَهُ.
٥٧٧ - وَلَوْ قَالَ: إنْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إلَيْنَا لِنُرَاوِضَهُ عَلَى الصُّلْحِ فَهُوَ آمِنٌ. فَخَرَجَ رَجُلٌ، ثُمَّ تَبِعَهُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَارَ فِي مَنَعَتِنَا قَبْلَ خُرُوجِ الْآخَرِينَ فَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ تَعَيَّنَ فِي الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ فِي مَنَعَتِنَا وَحْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ. فَبَعْدَمَا تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لَهُ لَا يَمَسُّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ.
وَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْأَوَّلُ إلَى مَنَعَتِنَا حَتَّى لَحِقَهُ صَاحِبَاهُ فَهَذَا وَخُرُوجُهُمْ مَعًا سَوَاءٌ.
لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ إلَيْنَا. وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِوُصُولِهِ إلَى مَنَعَتِنَا، فَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَمَانُ فِي الْأَوَّلِ، فَكَانَ هَذَا وَخُرُوجُهُمْ مَعًا سَوَاءٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَنَعَتِنَا ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُ كَانَ آمِنًا إذَا وَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا.
وَلَوْ وَصَلَ الْأَوَّلُ إلَى مَنَعَتِنَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ رَجَعَ فَخَرَجَ الْآخَرُ كَانَ فَيْئًا.
стр. 379
أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الثَّانِيَ عَجَّلَ فَوَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَوَّلُ مِنْ مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ أَلَمْ يَكُنْ آمِنًا؟ وَهُوَ أَوَّلُ رَجُلٍ وَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ الْوُصُولِ إلَى مَنَعَتِنَا، وَقَدْ وَصَلُوا إلَيْنَا مَعًا فَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعًا فَكَانُوا آمِنِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا خَرَجُوا مَعًا كَيْفَ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ لَا تَعُمُّ؟ قُلْنَا: هَذِهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ: بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَهِيَ الْخُرُوجُ إلَيْنَا، وَمِثْلُ هَذِهِ النَّكِرَةِ تَعُمُّ، كَالرَّجُلِ يَقُولُ: لَا أُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا. وَلَكِنْ يَنْتَهِي شَرْطُ الْأَمَانِ بِوُصُولِ أَحَدِهِمْ إلَيْنَا قَبْلَ خُرُوجِ الْآخَرِينَ. فَإِذَا خَرَجُوا مَعًا كَانُوا آمِنِينَ لِهَذَا.
٥٧٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: عَشَرَةٌ مِنْكُمْ آمِنُونَ عَلَى أَنْ تَفْتَحُوا الْبَابَ. فَقَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا الْبَابَ فَعَشْرَةٌ مِنْهُمْ آمِنُونَ، وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِلْفَاتِحِينَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ مِنْهُمْ. وَلَكِنَّ إيجَابَ الْأَمَانِ لِلْمَجْهُولِ يَصِحُّ مُنْجَزًا، وَكَذَلِكَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ ثُمَّ الْبَيَانُ يَكُونُ إلَى مَنْ أَوْجَبَ فِي الْمَجْهُولِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ
وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عِيَالٍ وَلَا مَالٍ، إلَّا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالسِّلَاحِ اسْتِحْسَانًا.
؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ لَهُمْ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ وَتَمَامِ الْقَهْرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِيَالَ لَا يَدْخُلُونَ فِي مِثْلِهِ.
стр. 380
وَإِنْ كَانُوا قَالُوا: عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ حِصْنِنَا آمِنُونَ عَلَى أَنْ يُفْتَحَ لَكُمْ الْبَابُ. فَقَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ. فَلَهُ الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ جَعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُمْ مِنْ رِجَالِهِمْ.
لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي بِهِ طُلِبَ الْأَمَانُ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، وَالْكُلُّ (ص ١٣٩) مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا خَاطَبَ الرِّجَالَ. فَيَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْ الرِّجَالِ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ.
٥٨٠ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى لَا يُخْتَارَ لِلْأَمَانِ مَنْ تَكُونُ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لَهُمْ
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ لِيَخْرُجْ إلَيْنَا أَرْبَعَةٌ مِنْكُمْ. وَقَوْلِهِ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا أَحَدٌ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْأَمَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ بَعْدَمَا وَصَلُوا إلَى مَنَعَتِنَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا. فَبِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا يَبْطُلُ الْأَمَانُ. وَهَذَا الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ وَهُمْ فِي الْحِصْنِ.
وَحَقِيقَةُ هَذَا الْفَرْقِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ هُنَا غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ، وَهُنَاكَ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةٌ بِالْخُرُوجِ إلَيْنَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ رَمَى رَجُلٌ مِنْكُمْ بِنَفْسِهِ إلَيْنَا وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا. فَرَمَى عَشَرَةٌ مَعًا كَانُوا آمِنِينَ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ مَوْصُوفَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ رَمَى بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا، فَبِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ.
٥٨١ - وَلَوْ قَالَ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَخَرَجُوا، فَهُمْ آمِنُونَ، سَوَاءٌ قَالَ: وَهُمْ آمِنُونَ أَوْ لَمْ يَقُلْ.
стр. 381
لِأَنَّهُ دَعَاهُمْ إلَى الْخُرُوجِ لِطَلَبِ السِّلْمِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَلِأَنَّ الْمُرَاوَضَةَ عَلَى الصُّلْحِ إنَّمَا تَتَأَتَّى مِمَّنْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ. فَهَذَا دَلِيلُ الْأَمَانِ لَهُمْ.
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِأَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا. فَخَرَجُوا. فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمَانِ أَوْ عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَافَقَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا طَلَبُ الْمُبَارَزَةِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا لِلْقِتَالِ إنْ كُنْتُمْ رِجَالًا.
٥٨٢ - وَلَوْ قَالَ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا فَبِيعُوا وَاشْتَرُوا، كَانُوا آمِنِينَ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ مَا دَلَّ عَلَى الْأَمَانِ وَالْخُرُوجِ إلَى الْمُوَافَقَةِ. فَالتِّجَارَةُ تَكُونُ عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهَا مَنْ يَكُونُ آمِنًا.
٥٨٣ - وَلَوْ قَالَ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَخَرَجَ أَرْبَعَةٌ غَيْرُ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ، فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَمَانِ لَا تَكُونُ فَوْقَ التَّصْرِيحِ بِعَيْنِهِ.
٥٨٤ - وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعَةٍ بِأَعْيَانِهِمْ: أَمَّنْتُكُمْ، فَخَرَجَ غَيْرُهُمْ كَانُوا فَيْئًا.
٥٨٥ - وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَدْرُوا أَنَّهُمْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةُ أَمْ غَيْرُهُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ، كَانُوا فَيْئًا لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِحَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ. وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ عَلَى الْخُرُوجِ إلَّا مَنْ أُومِنَ بِعَيْنِهِ.
стр. 382
فَإِنْ اتَّهَمَهُمْ اسْتَحْلَفَهُمْ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ كَانُوا فَيْئًا، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُونَ.
لِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، وَلَكِنْ فِيهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ وَاحْتِمَالٍ، فَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
٥٨٦ - وَإِنْ خَرَجَ عِشْرُونَ رَجُلًا مَعًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا.
لِأَنَّ كُلَّ أَرْبَعَةٍ لَوْ خَرَجُوا وَحْدَهُمْ وَحَلَفُوا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. فَخُرُوجُ غَيْرِهِمْ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ. أَوْ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي مَنَعَتِنَا. وَفِي مِثْلِ هَذَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ جَمِيعًا احْتِيَاطًا. فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ.
стр. 383
[بَابُ الْخِيَارِ فِي الْأَمَانِ]
٥٨٧ - قَالَ: وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَأْسُ الْحِصْنِ فَقَالَ: آمِنُونِي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْحِصْنِ عَلَى أَنْ أَفْتَحَهُ لَكُمْ. فَقَالُوا: لَك ذَلِكَ. فَفَتَحَ الْحِصْنَ. فَهُوَ آمِنٌ وَعَشَرَةٌ مَعَهُ.
لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ نَصًّا بِقَوْلِهِ: آمِنُونِي. فَالْيَاءُ وَالنُّونُ يُكَنِّي بِهِمَا الْمُتَكَلِّمُ عَنْ نَفْسِهِ (ص ١٤٠) ، وَقَوْلُهُ عَلَى عَشَرَةٍ، كَلِمَةُ عَشَرَةٍ لِلشَّرْطِ. وَقَدْ شَرَطَ أَمَانَ عَشَرَةٍ مُنَكَّرَةً مَعَ أَمَانِ نَفْسِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
ثُمَّ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ، وَهُوَ لَيْسَ بِذِي حَظٍّ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَمَانِهِمْ، فَقَدْ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ بِلَفْظٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَيْسَ بِذِي حَظٍّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِأَمَانِهِمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِمَنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمَانُ مِنْهُمْ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِيجَابِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ وَجْهٍ.
٥٨٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: آمِنُوا لِي عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ. فَلَهُ
стр. 384
عَشَرَةٌ يَخْتَارُ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ. فَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً هُوَ أَحَدُهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَالْعَشَرَةُ آمِنُونَ وَهُوَ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُ مَا اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ عَيْنًا، وَإِنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ، وَلَكِنْ بِقَوْلِهِ لِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ ذَا حَظٍّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَا حَظٍّ عَلَى وَجْهِ مُبَاشَرَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ، عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعَيِّنُ لِلْعَشَرَةِ. وَنَفْسُهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ كَنَفْسِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ نَصًّا.
٥٨٩ - فَإِنْ عَيَّنَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ صَارَ آمِنًا.
بِمَنْزِلَةِ التِّسْعَةِ الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ.
٥٩٠ - وَإِنْ عَيَّنَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانِ فِيهِمْ وَصَارَ هُوَ فَيْئًا.
كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ.
وَكَانَ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ: آمِنُوا لِأَجْلِي عَشَرَةً، وَأَوْجِبُوا لِي حَقَّ تَعْيِينِ عَشَرَةٍ تُؤَمِّنُونَهُمْ. وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا.
قَالَ: وَبَلَغَنَا نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ النجير.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْحَدِيثِ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ بِأَنْ يَقُولَ: فَأَفْتَحُ لَكُمْ الْحِصْنَ عَلَى أَنِّي آمِنٌ عَلَى عَشَرَةٍ. أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لِي عَشَرَةً آمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، فَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا.
стр. 385
وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، أَوْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ. فَهُوَ سَوَاءٌ، وَهُوَ آمِنٌ وَتِسْعَةٌ مَعَهُ.
لِأَنَّ حَرْفَ فِي لِلظَّرْفِ. فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ الْتَمَسَ الْأَمَانَ لَهُمْ. فَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ إلَّا تِسْعَةٌ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَ عَشَرَةً سِوَاهُ كَانَ هُوَ آمِنًا فِي أَحَدَ عَشَرَةَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَعَلَ الْعَشَرَةَ هُنَا ظَرْفًا لِنَفْسِهِ وَالْمَظْرُوفُ غَيْرُ الظَّرْفِ.
قُلْنَا: هُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الظَّرْفُ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ إلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ قَالَ: اجْعَلُونِي أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ تُؤَمِّنُونَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنَى الظَّرْفِ حَقِيقَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى؛ ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَوْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى عَلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَبِاعْتِبَارِ الْوَجْهَيْنِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ.
قُلْنَا: الْكَلِمَةُ لِلظَّرْفِ حَقِيقَةً، فَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ دَاخِلًا فِي عَدَدِهِمْ، فَلِهَذَا لَا نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَجَازِ.
ثُمَّ الْخِيَارُ فِي التِّسْعَةِ الَّذِينَ مَعَهُ إلَى الْإِمَامِ هَا هُنَا، لَا إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ.
لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَحَدَ الْعَشَرَةِ، فَكَمَا لَا خِيَارَ لَهُ لِمَنْ سِوَاهُ مِنْ الْعَشَرَةِ فِي التَّعْيِينِ لَا خِيَارَ لَهُ. وَهَذَا لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانٍ الْعَشَرَةِ عَلَى أَنْ
стр. 386
يَتَنَاوَلَهُ حُكْمُ أَمَانِهِمْ، لَا أَنْ يَكُونَ هُوَ مُعَيِّنًا لَهُمْ. وَقَدْ نَالَ مَا سَأَلَ. وَبَقِيَ الْإِمَامُ مُوجِبًا الْأَمَانَ لِتِسْعَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ فَإِلَيْهِ بَيَانُهَا.
٥٩٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي وَعَشَرَةً، أَوْ أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ أَنَا وَعَشَرَةٌ. فَالْأَمَانُ لَهُ وَلِعَشَرَةٍ سِوَاهُ.
لِأَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ. وَإِنَّمَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ.
فَفِي كَلَامِهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ هَا هُنَا
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِصْنِ إلَّا ذَاكَ الْعَدَدُ (ص ١٤١) أَوْ أَقَلُّ، فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ بِذِكْرِ الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِالْإِشَارَةِ إلَى أَعْيَانِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ كَثِيرًا فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى الْإِمَامِ.
؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ، وَإِنَّمَا عَطَفَ أَمَانَهُمْ عَلَى أَمَانِ نَفْسِهِ. فَكَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْأَمَانِ لَهُمْ فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ.
وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فَلَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ.
٥٩٣ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي بِعَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، كَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ: وَعَشَرَةً، سَوَاءٌ.
стр. 387
لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، فَقَدْ أَلْصَقَ أَمَانَ الْعَشَرَةِ بِأَمَانِهِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعَشَرَةُ سِوَاهُ. وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ زَلَّ بِهِ قَلَمُ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ (آمِنُونِي فَعَشَرَةً) .
لِأَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوَصْلَ وَالتَّعْقِيبَ، فَيَسْتَقِيمُ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَمِّنُونِي وَعَشَرَةً. فَأَمَّا الْبَاءُ فَتَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي بِعَشَرَةٍ؛ بِمَعْنَى عَشَرَةً أُعْطِيكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِي. وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي فَعَشَرَةً.
٥٩٤ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي ثُمَّ عَشَرَةً. كَانَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءً، فَالْعَشَرَةُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَيْضًا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فَعَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ مُطْلَقًا ثُمَّ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ عَلَى وَجْهِ التَّعْقِيبِ بِلَا مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ إنَّمَا هُوَ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي.
٥٩٥ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُوا لِي عَشَرَةً، فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ، وَإِنَّمَا الْتَمَسَ الْأَمَانَ بِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ.
فَكَأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ فَقَالَ: عَشَرَةٌ مِنْكُمْ آمِنُونِي عَلَى أَنْ يَفْتَحُوا. فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ. إنْ شَاءَ جَعَلَ الْمُتَكَلِّمَ أَحَدَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْعَلْ.
٥٩٦ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي مَعَ عَشَرَةٍ، فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ
стр. 388
لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلضَّمِّ وَالْقِرَانِ. وَإِنَّمَا يُضَمُّ الشَّيْءُ إلَى غَيْرِهِ لَا إلَى نَفْسِهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَبْهَمَ الْإِيجَابَ وَالْمُتَكَلِّمُ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِ الْعَشَرَةِ.
٥٩٧ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنِي. فَهَذَا وَقَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، سَوَاءٌ. وَالْأَمَانُ لَهُ وَلِتِسْعَةٍ يَخْتَارُهُمْ الْإِمَامُ.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعْرِفَةً بِإِضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ؛ وَالْعَشَرَةُ مُنَكَّرَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَعْرِفَةُ فِي النَّكِرَةِ.
كَمَا قَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إنْ دَخَلَ دَارِي هَذِهِ أَحَدٌ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَدَخَلَهَا هُوَ لَمْ يَحْنَثْ.
قُلْنَا: هُوَ مَعْرِفَةٌ هُنَا بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ إلَى نَفْسِهِ قَبْلَ إضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ آمِنُونِي. وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ (فِي) .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لِلظَّرْفِ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ. وَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ هَا هُنَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ كَغَيْرِهِ.
٥٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِي أَبِي، كَانَ هُوَ وَتِسْعَةً سِوَاهُ.
لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْمُرَادُ بَيْتُ النَّسَبِ. وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ بَنِي أَبِيهِ.
فَكَانَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هَا هُنَا مُمْكِنًا، فَلِهَذَا كَانَ الْأَمَانُ بِعَشَرَةٍ مِمَّنْ سَمَّاهُمْ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَالْبَيَانُ إلَى الْإِمَامِ.
٥٩٩ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي، فَهُوَ آمِنٌ وَعَشَرَةٌ سِوَاهُ مِنْ إخْوَانِهِ.
стр. 389
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هُنَا. وَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ مِنْ إخْوَانِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ حَرْفُ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ، كَمَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الْكَلِمَةِ وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَجَازِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ.
٦٠٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ وَلَدِي.
؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ وَلَدِ نَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَمِّنُوا عَشَرَةً مِنْ إخْوَانِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَوْلَادِي أَنَا مِنْهُمْ فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ. (ص ١٤٢) .
٦٠١ - وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ حِصْنِي أَنَا فِيهِمْ، فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ وَهُوَ أَحَدُهُمْ.
لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْفَرْقِ.
٦٠٢ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيَّ، فَهُوَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيهِ سِوَاهُ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ.
٦٠٣ - فَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا كُلُّهُمْ أَوْ مُخْتَلِطِينَ فَالْإِمَامُ يُعَيِّنُ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ مِنْ ذُكُورِهِمْ أَوْ إنَاثِهِمْ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ، سِوَى الرَّجُلِ الْمُسْتَأْمَنِ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِبَنِيهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ هَذَا الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ.
стр. 390
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ فَعَيَّنَ الْإِمَامُ عَشَرَةً مِنْ الْإِنَاثِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ فَكَيْفَ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ مَا آمَنَ عَشَرَةً وَهُمْ بَنُوهُ، وَإِنَّمَا آمَنَ عَشَرَةً هُمْ مِنْ بَنِيهِ.
وَعِنْدَ الِاخْتِلَاطِ الْبَنَاتُ الْعَشَرَةُ هُمْ عَشَرَةُ مِنْ بَنِيهِ. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ.
فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ فَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ لَسْنَ مِنْ بَنِيهِ فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُهُنَّ الْأَمَانُ؟ .
٦٠٤ - وَلَوْ كَانُوا بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَبَنِي بَنِينَ وَبَنِي بَنَاتٍ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ عَشَرَةً: إنْ شَاءَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَإِنْ شَاءَ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ بَنِي الْبَنِينَ فِي الْأَمَانِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبَنِينَ اسْتِحْسَانًا.
ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ " بَنِي الْبَنَاتِ "، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ، وَالصَّحِيحُ: بَنَاتِ الْبَنِينَ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ يُطْلَقُ اسْمُ الْبَنِينَ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنِينَ. وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ.
إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي وَلَهُ أَخَوَاتٌ مُنْفَرِدَاتٌ وَبَنُو إخْوَةٍ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَلَا بَنِي الْإِخْوَةِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، بِخِلَافِ بَنِي الْبَنِينَ. فَالِاسْمُ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُهُمْ مَجَازًا، فَإِذَا اخْتَلَطَ ابْنُ الِابْنِ بِالْبَنَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ مَجَازًا.
٦٠٥ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِي. فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ.
لِأَنَّ أَصْحَابَهُ غَيْرُهُ، وَلَا وَجْهَ لِإِعْمَالِ حَرْفِ " فِي " هَا هُنَا لِلظَّرْفِ.
٦٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ رَقِيقِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَوَالِي.
следующие страницы →