Полный текст (2 212 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
يَتَنَاوَلَهُ حُكْمُ أَمَانِهِمْ، لَا أَنْ يَكُونَ هُوَ مُعَيِّنًا لَهُمْ. وَقَدْ نَالَ مَا سَأَلَ. وَبَقِيَ الْإِمَامُ مُوجِبًا الْأَمَانَ لِتِسْعَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ فَإِلَيْهِ بَيَانُهَا.
٥٩٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي وَعَشَرَةً، أَوْ أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ أَنَا وَعَشَرَةٌ. فَالْأَمَانُ لَهُ وَلِعَشَرَةٍ سِوَاهُ.
لِأَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ. وَإِنَّمَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ.
فَفِي كَلَامِهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ هَا هُنَا
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِصْنِ إلَّا ذَاكَ الْعَدَدُ (ص ١٤١) أَوْ أَقَلُّ، فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ بِذِكْرِ الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِالْإِشَارَةِ إلَى أَعْيَانِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ كَثِيرًا فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى الْإِمَامِ.
؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ، وَإِنَّمَا عَطَفَ أَمَانَهُمْ عَلَى أَمَانِ نَفْسِهِ. فَكَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْأَمَانِ لَهُمْ فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ.
وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فَلَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ.
٥٩٣ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي بِعَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، كَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ: وَعَشَرَةً، سَوَاءٌ.
стр. 387
لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، فَقَدْ أَلْصَقَ أَمَانَ الْعَشَرَةِ بِأَمَانِهِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعَشَرَةُ سِوَاهُ. وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ زَلَّ بِهِ قَلَمُ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ (آمِنُونِي فَعَشَرَةً) .
لِأَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوَصْلَ وَالتَّعْقِيبَ، فَيَسْتَقِيمُ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَمِّنُونِي وَعَشَرَةً. فَأَمَّا الْبَاءُ فَتَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي بِعَشَرَةٍ؛ بِمَعْنَى عَشَرَةً أُعْطِيكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِي. وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي فَعَشَرَةً.
٥٩٤ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي ثُمَّ عَشَرَةً. كَانَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءً، فَالْعَشَرَةُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَيْضًا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فَعَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ مُطْلَقًا ثُمَّ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ عَلَى وَجْهِ التَّعْقِيبِ بِلَا مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ إنَّمَا هُوَ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي.
٥٩٥ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُوا لِي عَشَرَةً، فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ، وَإِنَّمَا الْتَمَسَ الْأَمَانَ بِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ.
فَكَأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ فَقَالَ: عَشَرَةٌ مِنْكُمْ آمِنُونِي عَلَى أَنْ يَفْتَحُوا. فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ. إنْ شَاءَ جَعَلَ الْمُتَكَلِّمَ أَحَدَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْعَلْ.
٥٩٦ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي مَعَ عَشَرَةٍ، فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ
стр. 388
لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلضَّمِّ وَالْقِرَانِ. وَإِنَّمَا يُضَمُّ الشَّيْءُ إلَى غَيْرِهِ لَا إلَى نَفْسِهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَبْهَمَ الْإِيجَابَ وَالْمُتَكَلِّمُ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِ الْعَشَرَةِ.
٥٩٧ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنِي. فَهَذَا وَقَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، سَوَاءٌ. وَالْأَمَانُ لَهُ وَلِتِسْعَةٍ يَخْتَارُهُمْ الْإِمَامُ.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعْرِفَةً بِإِضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ؛ وَالْعَشَرَةُ مُنَكَّرَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَعْرِفَةُ فِي النَّكِرَةِ.
كَمَا قَالَ فِي " الْجَامِعِ ": إنْ دَخَلَ دَارِي هَذِهِ أَحَدٌ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَدَخَلَهَا هُوَ لَمْ يَحْنَثْ.
قُلْنَا: هُوَ مَعْرِفَةٌ هُنَا بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ إلَى نَفْسِهِ قَبْلَ إضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ آمِنُونِي. وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ (فِي) .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لِلظَّرْفِ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ. وَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ هَا هُنَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ كَغَيْرِهِ.
٥٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِي أَبِي، كَانَ هُوَ وَتِسْعَةً سِوَاهُ.
لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْمُرَادُ بَيْتُ النَّسَبِ. وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ بَنِي أَبِيهِ.
فَكَانَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هَا هُنَا مُمْكِنًا، فَلِهَذَا كَانَ الْأَمَانُ بِعَشَرَةٍ مِمَّنْ سَمَّاهُمْ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَالْبَيَانُ إلَى الْإِمَامِ.
٥٩٩ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي، فَهُوَ آمِنٌ وَعَشَرَةٌ سِوَاهُ مِنْ إخْوَانِهِ.
стр. 389
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هُنَا. وَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ مِنْ إخْوَانِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ حَرْفُ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ، كَمَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الْكَلِمَةِ وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَجَازِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ.
٦٠٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ وَلَدِي.
؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ وَلَدِ نَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَمِّنُوا عَشَرَةً مِنْ إخْوَانِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَوْلَادِي أَنَا مِنْهُمْ فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ. (ص ١٤٢) .
٦٠١ - وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ حِصْنِي أَنَا فِيهِمْ، فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ وَهُوَ أَحَدُهُمْ.
لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْفَرْقِ.
٦٠٢ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيَّ، فَهُوَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيهِ سِوَاهُ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ.
٦٠٣ - فَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا كُلُّهُمْ أَوْ مُخْتَلِطِينَ فَالْإِمَامُ يُعَيِّنُ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ مِنْ ذُكُورِهِمْ أَوْ إنَاثِهِمْ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ، سِوَى الرَّجُلِ الْمُسْتَأْمَنِ.
لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِبَنِيهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ هَذَا الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ.
стр. 390
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ فَعَيَّنَ الْإِمَامُ عَشَرَةً مِنْ الْإِنَاثِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ فَكَيْفَ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ مَا آمَنَ عَشَرَةً وَهُمْ بَنُوهُ، وَإِنَّمَا آمَنَ عَشَرَةً هُمْ مِنْ بَنِيهِ.
وَعِنْدَ الِاخْتِلَاطِ الْبَنَاتُ الْعَشَرَةُ هُمْ عَشَرَةُ مِنْ بَنِيهِ. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ.
فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ فَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ لَسْنَ مِنْ بَنِيهِ فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُهُنَّ الْأَمَانُ؟ .
٦٠٤ - وَلَوْ كَانُوا بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَبَنِي بَنِينَ وَبَنِي بَنَاتٍ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ عَشَرَةً: إنْ شَاءَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَإِنْ شَاءَ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ بَنِي الْبَنِينَ فِي الْأَمَانِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبَنِينَ اسْتِحْسَانًا.
ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ " بَنِي الْبَنَاتِ "، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ، وَالصَّحِيحُ: بَنَاتِ الْبَنِينَ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ يُطْلَقُ اسْمُ الْبَنِينَ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنِينَ. وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ.
إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي وَلَهُ أَخَوَاتٌ مُنْفَرِدَاتٌ وَبَنُو إخْوَةٍ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَلَا بَنِي الْإِخْوَةِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، بِخِلَافِ بَنِي الْبَنِينَ. فَالِاسْمُ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُهُمْ مَجَازًا، فَإِذَا اخْتَلَطَ ابْنُ الِابْنِ بِالْبَنَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ مَجَازًا.
٦٠٥ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِي. فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ.
لِأَنَّ أَصْحَابَهُ غَيْرُهُ، وَلَا وَجْهَ لِإِعْمَالِ حَرْفِ " فِي " هَا هُنَا لِلظَّرْفِ.
٦٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ رَقِيقِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَوَالِي.
стр. 391
وَلَوْ نَظَرَ الْإِمَامُ إلَى فَارِسٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَنْتَ آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ مِنْ فُرْسَانِكُمْ. فَهُوَ آمِنٌ وَتِسْعَةٌ سِوَاهُ.
فَإِنَّ حَرْفَ " فِي " هَا هُنَا لِلظَّرْفِ. فَإِنَّهُ بِصِفَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ آمَنَهُمْ الْإِمَامُ.
فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هُوَ أَحَدُهُمْ.
٦٠٨ - وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الرَّجَّالَةِ. فَالْعَشَرَةُ مِنْ الرَّجَّالَةِ سِوَاهُ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةِ الْعَشَرَةِ، فَإِنَّهُ فَارِسٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّ حَرْفَ " فِي " بِمَعْنَى مَعَ هُنَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى عَكْسِ هَذَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا بِمَا عَلَيْهِ كَلَامُ النَّاسِ.
يَعْنِي الَّذِي سَبَقَ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ.
٦٠٩ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشْرٍ مِنْ بَنَاتِي، وَلَهُ بَنُونَ، فَالْأَمَانُ، لِلْبَنَاتِ خَاصَّةً.
لِأَنَّ اسْمَ الْبَنَاتِ لَا يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ بِحَالٍ.
٦١٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ بَنَاتُ بَنِينَ، فَهُوَ عَلَيْهِنَّ دُونَ الْبَنِينَ.
لِأَنَّ اسْمَ الْبَنَاتِ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ مَجَازًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَنَاتُ بَنَاتٍ، فَلَيْسَ يَدْخُلْنَ فِي الْأَمَانِ.
стр. 392
وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ لَا إلَى أَبِي أُمِّهِمْ. إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى مُقَدِّمَةٌ بِأَنْ يَقُولَ: لِي بَنَاتُ بَنَاتٍ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهُنَّ، فَأَمِّنُونِي فِي بَنَاتِي. فَحِينَئِذٍ يُعْرَفُ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لَهُنَّ.
وَالرُّجُوعُ إلَى دَلَالَةِ الْحَالِ لِمَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ أَصْلٌ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ.
٦١١ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي مَوَالِيَّ. وَلَهُ مَوَالٍ وَمَوَالِي مَوَالٍ، كَانُوا آمِنِينَ اسْتِحْسَانًا.
لِأَنَّ الِاسْمَ لِمُعْتِقِهِ حَقِيقَةً، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحْيَاهُمْ بِالْإِعْتَاقِ حُكْمًا. أَوْ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِهِ مَجَازًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حِينَ جَعَلَ الْمُعْتِقِينَ أَهْلًا لِإِيجَابِ الْعِتْقِ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِعْتَاقِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ صُورَةِ اللَّفْظِ يَكْفِي لِثُبُوتِ حَقْنِ الدَّمِ بِهِ احْتِيَاطًا، وَإِنَّمَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَأَمَّا فِي مَحَلَّيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ (ص ١٤٣) الْمَجَازُ مُعَارِضًا لِلْحَقِيقَةِ فِي إدْخَالِ الْجِنْسِ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِيقَةِ، وَفِي الْأَمَانِ لَا يُؤَدِّي إلَى هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ. وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى؛ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] حَتَّى يَتَنَاوَلَ الْأُمَّ وَالْجَدَّاتِ جَمِيعًا.
٦١٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي مَوَالِيَّ. وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُ وَمَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ، فَالْأَمَانُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَرِيقَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ.
لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ لِلْأَعْلَى مُجَازَاتُهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَلِلْأَسْفَلِ التَّرَحُّمُ وَالزِّيَادَةُ فِي الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ. وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايَرَانِ. وَلَا عُمُومَ
стр. 393
لِلِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ اجْتِمَاعُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَغَايِرَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. فَلِهَذَا كَانَ الْأَمَانُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ كَالْوَصِيَّةِ، إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ، فَكَانَتْ بَاطِلَةً بِهَذَا اللَّفْظِ. وَالْأَمَانُ لِلْمَجْهُولِ صَحِيحٌ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَاهُ الَّذِي أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ: مَا نَوَيْت شَيْئًا. فَهُمْ جَمِيعًا آمِنُونَ اسْتِحْسَانًا.
لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ عَمَّهُمْ فَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمَانَ يَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ. وَعِنْدَ اخْتِلَاطِ الْمُسْتَأْمَنِ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ احْتِيَاطًا كَمَا بَيَّنَّا.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِيَارُ التَّعْيِينِ إلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْمَجْهُولِ، فَإِلَيْهِ الْبَيَانُ.
قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ غَيْرُ الْمُجْمَلِ. وَاللَّفْظُ الَّذِي أَوْجَبَ الْأَمَانَ هُنَا لَيْسَ بِمُجْمَلٍ حَتَّى يَرْجِعَ فِي الْبَيَانِ إلَى الْمُجْمَلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ. بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا بَيَانَ لِلْمُوجِبِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْبَيَانُ بِالتَّأَمُّلِ فِي صِفَةِ الْكَلَامِ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ كَانُوا جَمِيعًا آمِنِينَ، لِاخْتِلَاطِ الْمُسْتَأْمَنِ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ. وَهَذَا لِأَنَّ بَيَانَ الْمُشْتَرَكِ بِمَا يَكُونُ مُقَارِنًا. فَأَمَّا مَا يَكُونُ طَارِئًا فَهُوَ نَسْخٌ، فَلَا جَرَمَ إذَا قَالَ: نَوَيْت الْأَسْفَلِينَ أَوْ الْأَعْلَيْنَ، كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا.
لِأَنَّهُ بَيَانٌ بِمَا اقْتَرَنَ بِالْكَلَامِ. فَأَمَّا إذَا قَالَ: أَخْتَارُ الْآنَ، فَهَذَا لَيْسَ بِبَيَانٍ، إنَّمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
стр. 394
وَإِنْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُ: أَنَا نَوَيْت الْأَسْفَلَيْنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: أَنَا نَوَيْت الْأَعْلَيْنَ. فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى الْإِمَامُ.
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ بِالصِّيغَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: آمِنِّي عَلَى قَرِيبِي عَبَّاسِ بْنِ عُمَرَ. فَقَالَ: آمَنْتُك. وَلَهُ قَرِيبَانِ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ. فَقَالَ الْإِمَامُ: عَنَيْتُ هَذَا. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: عَنَيْت الْآخَرَ. كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا عَنَى الْإِمَامُ.
وَإِنْ قَالَ الْأَمِيرُ: لَمْ أَعْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ كَذَلِكَ فَهُمَا آمِنَانِ. لِاخْتِلَاطِ مَنْ صَارَ آمِنًا بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ.
وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: عَنَيْت هَذَا. وَقَالَ الْأَمِيرُ: لَمْ أَعْنِ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، إنَّمَا أَجَبْته إلَى مَا طَلَبَ. فَالْأَمَانُ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَأْمَنُ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ بَنَى الْإِيجَابَ عَلَى كَلَامِهِ، وَأَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ عُيِّنَ بِإِرَادَةِ الْمُسْتَأْمَنِ إيَّاهُ. فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْمُعَيَّنِ فِي جَوَابِ الْإِمَامِ أَيْضًا.
٦١٤ - وَلَوْ قَالَ: آمِنِّي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ مَوَالِي الْأَسْفَلِينَ. فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْمُسْتَأْمَنِ هُنَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنِي.
لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ، بِذِكْرِ كَلِمَةِ الشَّرْطِ بَعْدَ أَمَانِ نَفْسِهِ.
٦١٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي. فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ إذَا كَانَ لَهُ ابْنَا عَمٍّ.
وَلَوْ قَالَ: عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو. فَإِذَا كَانَ لَهُ ابْنَا عَمٍّ كُلُّ وَاحِدٍ
стр. 395
مِنْهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْتَأْمَنُ وَاَلَّذِي أَمَّنَ أَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَهُمَا آمِنَانِ.
لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ كَالتَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْأَمَانُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّا لَا نَعْرِفُهُ (ص ١٤٤) ، فَاخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْأَمَانَ فِي مُنَكَّرٍ مَجْهُولٍ. فَكَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ مِنْ عَبِيدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ.
٦١٦ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي عَشَرَةِ أَنْفُسٍ مِنْ بَنِيَّ. فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا. إلَّا أَنَّ هُنَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَيِّنَ عَشَرَةً مِنْ بَنَاتِهِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ.
لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ هُمْ بَنُوهُ. وَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ هُمْ مِنْ بَنِيهِ، وَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ مِنْ بَنِيهِ إذَا كَانَ لَهُ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ.
٦١٧ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى مَوَالِيَّ. وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُوَالِيَاتٌ إنَاثٌ لَا ذَكَرَ فِيهِنَّ. فَهُنَّ آمِنَاتٌ مَعَهُ اسْتِحْسَانًا
وَفِي الْقِيَاسِ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْبَنِينَ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٦١٨ - وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَسْتَجِيزُونَ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَوَالِي عَلَى الْإِنَاثِ
стр. 396
الْمُفْرَدَاتِ، وَيَعُدُّونَ قَوْلَ الْقَائِلِ مَوَالِيَاتٍ مِنْ بَابِ التَّكَلُّفِ، بَلْ يَقُولُونَ لِلْمُعْتَقَاتِ: هُنَّ مَوَالِي بَنِي فُلَانٍ، كَمَا يَقُولُونَ لِلْمُعْتَقِينَ، وَلِلْعُرْفِ عِبْرَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ بِالِاسْمِ.
فَلِهَذَا تَنَاوَلَ هَذَا اللَّفْظُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ فِي الْأَمَانِ وَالْوَصِيَّةِ بِخِلَافِ اسْمِ الْإِخْوَةِ وَالْبَنِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 397
[بَابُ الْأَمَانِ عَلَى غَيْرِهِ]
مَا يَدْخُلُ هُوَ فِيهِ وَمَا لَا يَدْخُلُ وَمَا يَكُونُ فِدَاءً وَمَا لَا يَكُونُ
٦١٩ - قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْمَحْصُورِينَ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: أَفْتَحُ لَكُمْ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ رَأْسِ الْحِصْنِ. فَقَالُوا: نَعَمْ. فَفُتِحَ الْحِصْنُ. فَهُوَ وَالرَّأْسُ آمِنَانِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ وَلِلرَّأْسِ عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ. فَإِنَّهُ أَضَافَ الْأَمَانَ إلَى نَفْسِهِ بِالْكِنَايَةِ، وَإِلَى الرَّأْسِ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ وَوَصَلَ كَلِمَةَ عَلَى الَّذِي هُوَ لِلشَّرْطِ بِهِ.
٦٢٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَا آمِنٌ عَلَى فُلَانٍ رَأْسِ الْحِصْنِ إنْ فَتَحْت الْبَابَ. فَقَالُوا: نَعَمْ.
وَهَذَا لِأَنَّ نَعَمْ غَيْرُ مَفْهُومِ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ، فَإِذَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ يَصِيرُ الْخِطَابُ مُعَادًا فِيهِ. فَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لَهُ: أَمَّنَّاك عَلَى فُلَانٍ رَأْسِ الْحِصْنِ عَلَى أَنْ تَفْتَحَ الْبَابَ. وَفِي هَذَا إيجَابُ الْأَمَانِ لَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ
стр. 398
مَا لَوْ قَالُوا: أَمَّنَّاك عَلَى أَهْلِك وَوَلَدِك، أَوْ عَلَى أَهْلِك وَمَالِك، عَلَى أَنْ تَفْتَحَ الْحِصْنَ. وَلَوْ كَانَ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ فَهُمَا آمِنَانِ أَيْضًا.
٦٢١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اجْعَلُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ.
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ وَلِفُلَانٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ آمِنُوا لِي عَشَرَةً. فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمَانُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ هُنَاكَ آمِنُوا لِأَجْلِي، فَلَا يَصِيرُ مُضِيفًا الْأَمَانَ إلَى نَفْسِهِ، بَلْ يَصِيرُ مُلْتَمِسًا الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ، مُتَشَفِّعًا فِي ذَلِكَ. وَكَمْ مِنْ شَفِيعٍ لَا حَظَّ لَهُ فِيمَا يَشْفَعُ فِيهِ.
وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى هُنَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ تَصْرِيحٌ بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ إلَى نَفْسِهِ. وَلِأَنَّهُ قَالَ عَلَى فُلَانٍ. وَلَوْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ عَلَى مَعْنَى الشَّفَاعَةِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ: (عَلَى) فَائِدَةٌ، بَلْ يَصِيرُ كَلَامُهُ اعْقِدُوا أَوْ اجْعَلُوا لِأَجْلِي وَبِشَفَاعَتِي الْأَمَانَ لِفُلَانٍ. وَكَلِمَةُ عَلَى لِلشَّرْطِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إعْمَالِهَا إذَا صَرَّحَ بِهَا. وَذَلِكَ فِي أَنْ يَلْتَمِسَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَيَشْتَرِطَ أَمَانَ فُلَانٍ مَعَهُ. وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ عَلَى، إنَّمَا قَالَ: آمِنُوا لِي عَشَرَةً.
٦٢٢ - وَلَوْ قَالَ: عَاقِدُونِي عَلَى أَنَّ الْأَمَانَ عَلَى رَأْسِ الْحِصْنِ، فَالرَّأْسُ آمِنٌ وَالْمُتَكَلِّمُ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ دُونَ الْأَمَانِ. وَكَمْ مِنْ مُبَاشِرٍ لِلْعَقْدِ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ، خُصُوصًا فِي هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي لَا تَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ فِيهِ بِالْعَائِدِ. وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ (ص ١٤٥) إلَى مَنْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَالُوا: عَاقَدْنَاكَ الْأَمَانَ عَلَى الرَّأْسِ إنْ
стр. 399
فَتَحْت. فَكَانَ الْأَمَانُ عَلَى الرَّأْسِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَاقَدَةَ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ، فَبِهِ يَصِيرُ الْعَقْدُ مُضَافًا إلَيْهِ دُونَ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ وَهُوَ الْأَمَانُ.
٦٢٣ - ثُمَّ إنَّمَا يَأْمَنُ الرَّأْسُ وَحْدَهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ عِيَالُهُ وَرَقِيقُهُ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ وَتَمَامِ الْقَهْرِ. وَفِي مِثْلِهِ لَا يَدْخُلُ إلَّا مَا عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ.
٦٢٤ - وَلَوْ قَالَ: عَاقِدُونِي الْأَمَانَ، أَوْ اُكْتُبُوا إلَيَّ الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ. فَقَالُوا: نَعَمْ. فَالْأَمَانُ لِفُلَانٍ دُونَهُ.
؛ لِأَنَّهُ الْتَمَسَ أَنْ يَكْتُبُوا إلَيْهِ أَمَانَ فُلَانٍ. وَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ قَدْ لَا يَكُونُ ذَا حَظٍّ مِنْ الْمَكْتُوبِ. فَهَذَا وَقَوْلُهُ: عَاقِدُوا لِي سَوَاءٌ.
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: (اُكْتُبُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ) . وَهُوَ غَلَطٌ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ: اُكْتُبُوا لِي الْأَمَانَ كَقَوْلِهِ: اجْعَلُوا لِي الْأَمَانَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْرِيحًا بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ الْمَكْتُوبِ إلَى نَفْسِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ: اُكْتُبُوا إلَيَّ.
٦٢٥ - وَلَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ، أَوْ عَاقِدُونِي عَلَى الْأَمَانِ عَلَى عِيَالِي، أَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي، أَوْ عَلَى مَالِي، أَوْ عَلَى قَرَابَتِي. فَهُوَ آمِنٌ، وَجَمِيعُ مَنْ اشْتَرَطَ عَقْدَ الْأَمَانِ عَلَيْهِ.
стр. 400
أَمَّا فِي قَوْلِهِ: اعْقِدُوا لِي، فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ. وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: عَاقِدُونِي فَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ فِي الْقِيَاسِ، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ دُونَ الْأَمَانِ، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ هُنَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي كَلَامِهِ دَلَالَةَ اشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْأَمَانَ لِوَلَدِهِ وَلِعِيَالِهِ. وَالْمَقْصُودُ بِهِ إبْقَاؤُهُمْ. وَإِنَّمَا بَقَاؤُهُمْ بِبَقَائِهِ عَلَى وَجْهٍ يَعُولُهُمْ بَعْدَ هَذَا، كَمَا كَانَ يَعُولُهُمْ مِنْ قَبْلُ. وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إلَّا إذَا تَنَاوَلَهُ الْأَمَانُ، فَإِنَّهُ إذَا قُتِلَ أَوْ اُسْتُرِقَّ لَا يَعُولُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَهَذَا فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَالِي، أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ لِمَالِهِ سِوَى أَنْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، فَيَصْرِفَهُ إلَى حَوَائِجِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ الْأَمَانُ لَهُ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفِيرٍ فِي هَذَا الْعَقْدِ. فَالْعَاقِدُ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ سَفِيرًا عَنْ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعِيَالِ وَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ إلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُومُوا بِمَصَالِحِهِ، أَوْ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَظْهَرُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ دَلَالَةً بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
٦٢٦ - وَلَوْ قَالَ: عَاقِدُونِي عَلَى الْأَمَانِ عَلَى عِيَالِ فُلَانٍ أَوْ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ. فَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ بَقَاءَ عِيَالِ فُلَانٍ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِبَقَائِهِ، وَبَقَاؤُهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ أَيْضًا بِقِيَامِهِمْ بِمَصَالِحِهِ. فَكَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ عَلَى رَأْسِ الْحِصْنِ سَوَاءً.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ فُلَانًا الْمَنْسُوبَ إلَيْهِ الْعِيَالُ وَالْوَلَدُ هَلْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَمَانِ أَمْ لَا؟ وَعَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ الِاسْتِحْسَانُ يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ عِيَالِ فُلَانٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِأَمَانِ فُلَانٍ. وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّ
стр. 401
الْمُتَكَلِّمَ أَظْهَرَ الشَّفَقَةَ وَالتَّرَحُّمَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ وَعِيَالِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى شَفَقَتِهِ عَلَى فُلَانٍ.
ثُمَّ أَوْضَحَ هَذَا بِمَا: ٦٢٧ - لَوْ قَالَ الرَّأْسُ: عَاقِدُونِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِي، أَوْ عَلَى بَيْتِي، فَإِنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ مُرَادَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُتَصَرِّفًا فِي مَمْلَكَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَمَانِ. ٦٢٨ -
وَلَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَفْتَحَهُ لَكُمْ. فَهُوَ آمِنٌ وَأَهْلُ الْحِصْنِ مِنْ بَنِي آدَمَ. فَأَمَّا الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ وَالْمَتَاعُ وَالْكُرَاعُ فَهُوَ فَيْءٌ.
لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ. وَفِي مِثْلِهِ لَا تَدْخُلُ الْأَمْوَالُ تَبَعًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُ ذَلِكَ جَزَاءً عَلَى فَتْحِ الْبَابِ؟
٦٢٩ - وَلَوْ تَنَاوَلَ الْأَمَانُ جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِينَ فَائِدَةٌ فِي فَتْحِ الْبَابِ. (ص ١٤٦) .
فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلُوا إلَى اسْتِغْنَامِ الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ فَتْحِ الْبَابِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ غَيْرُ مُقِرِّينَ عَلَى السُّكْنَى فِي الْحِصْنِ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْأَمْوَالُ فِي الْأَمَانِ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْمَقَامِ بِهَا يَكُونُ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُنَا لَا يَدْخُلُ الْمَالُ.
стр. 402
وَلَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا. فَفَعَلُوا، وَفَتَحَ الْحِصْنَ.
فَجَمِيعُ مَنْ فِي الْحِصْنِ، وَجَمِيعُ مَا فِيهِ دَاخِلٌ فِي الْأَمَانِ هُنَا.
لِأَنَّ شَرْطَ الْأَمَانِ هُنَا جَزَاءٌ عَلَى الدَّلَالَةِ لَا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ، فَفِي كَلَامِهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَدُلُّهُمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَرَارِ فِي حِصْنِهِ مَعَ أَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى مَا كَانُوا مِنْ قَبْلُ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الْأَمَانِ تَدْخُلُ الْأَمْوَالُ.
٦٣١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ تَدْخُلُوهُ فَتُصَلُّوا فِيهِ. فَلَيْسَ لَهُمْ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِنْ النُّفُوسِ وَلَا مِنْ الْأَمْوَالِ.
لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحًا بِمَا هُوَ فَائِدَةُ فَتْحِ الْبَابِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ فِيهِ دُونَ إزْعَاجِ أَهْلِهِ مِنْهُ. وَقَدْ يَرْغَبُ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ لِيُفْشُوا الْخَبَرَ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَلَّوْا بِالْجَمَاعَةِ فِي حِصْنِ كَذَا، فَيَقَعُ بِهِ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ لِيُعْبَدَ اللَّهُ فِي مَكَان لَمْ يَعْبُدْهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَهْلُهُ. وَمَكَانُ الْعِبَادَةِ شَاهِدٌ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ.
٦٣٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى أَنْ تَدْخُلُوهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ. فَهَذَا الْأَمَانُ عَلَى النَّاسِ خَاصَّةً.
لِأَنَّ فَائِدَةَ دُخُولِ الْحِصْنِ الِاسْتِغْنَامُ، هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا سِوَاهُ مُحْتَمَلٌ.
وَلَكِنَّ الْمُحْتَمَلَ لَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ. فَإِذَا انْعَدَمَ التَّصْرِيحُ بِالْوَجْهِ الْمُحْتَمَلِ كَانَ الْكَلَامُ مَحْمُولًا عَلَى الظَّاهِرِ. إلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
стр. 403
وَبَعْضُ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ. وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ مَعَانِي الْكَلَامِ.
٦٣٣ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي فِي أَهْلِ حِصْنِي، أَوْ مَعَ أَهْلِ حِصْنِي، أَوْ وَأَهْلَ حِصْنِي، لَمْ تَدْخُلْ الْأَمْوَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا.
لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْأَمَانِ لَهُمْ جَزَاءٌ عَلَى فَتْحِ الْبَابِ مُطْلَقًا.
٦٣٤ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهُوَ آمِنٌ. وَمَالُهُ كُلُّهُ فَيْءٌ. إنَّمَا لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ يُعْطِيهِ الْإِمَامُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُطْلَقًا مَعَ أَمَانِ نَفْسِهِ، جَزَاءً عَلَى الْفَتْحِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الْأَمَانِ لَا يَدْخُلُ مَالُهُ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ مَا شَرَطَ مِنْ الْأَلْفِ عِوَضًا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ.
فَإِذَا فَتَحَ أُعْطِيَ مَا شُرِطَ لَهُ مِنْ الْعِوَضِ.
٦٣٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ وَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ.
فَإِنَّ الْوَاوَ هُنَا بِمَعْنَى الْحَالِ، يَعْنِي فِي حَالِ مَا تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَيَكُونُ شَرْطًا. كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ.
٦٣٦ - فَإِنْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ فَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي. فَإِنَّمَا لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ وَالْبَاقِي كُلُّهُ فَيْءٌ.
стр. 404
وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ زِيَادَةً عَلَى مَالِهِ.
لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الْأَلْفَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا. فَإِنَّهُ أَضَافَ الْأَلْفَ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: مِنْ مَالِي. وَمَالُهُ لَا يَسْلَمُ لَهُ عِوَضًا عَنْ فَتْحِ الْبَابِ، بَلْ يَسْلَمُ لَهُ بِأَنْ أُعْطِيَ الْأَمَانَ فِي مَالِهِ كَمَا فِي نَفْسِهِ. وَبِطَرِيقِ الْأَمَانِ لَا يَسْلَمُ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَالِهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَقَدْ أَطْلَقَ تَسْمِيَةَ الْأَلْفِ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةٍ شَرَطَهَا عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِوَضًا، بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ يَقُولُ: أَعْمَلُ لَك هَذَا الْعَمَلَ عَلَى دِرْهَمٍ، وَلَوْ قَالَ: أَعْمَلُ لَك هَذَا الْعَمَلَ عَلَى دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إجَارَةً. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ دَرَاهِمَ وَلَكِنَّهُ كَانَ عُرُوضًا أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: مِنْ مَالِي. فَإِنَّمَا جَعَلَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْأَمَانُ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ، وَبِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ الْأَمْوَالُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ (ص ١٤٧) عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمِي؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْأَمَانُ هُنَاكَ جُزْءٌ مِنْ دَرَاهِمِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ لَمْ يُصَادِفْ هَذَا الْأَمَانُ مَحَلَّهُ، فَكَانَ لَغْوًا. وَنَظِيرُهُ الْوَصِيَّةُ إذَا قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي. أُعْطِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ. وَإِنْ قَالَ: مِنْ دَرَاهِمِي لَمْ يُعْطَ شَيْئًا.
ثُمَّ ذَكَرَ سُؤَالًا فَقَالَ:
٦٣٧ - إذَا قَالَ عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِي لِمَاذَا لَا يَجْعَلُ شَرْطًا لِلْأَلْفِ عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُسْلِمِينَ عِوَضًا عَنْ الْأَمَانِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ شَرَطَ لَهُمْ فَتْحَ الْحِصْنِ وَأَلْفَ دِرْهَمٍ عَنْ نَفْسِهِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ.
قُلْنَا: لِأَنَّ فِي هَذَا إلْغَاءَ هَذَا الشَّرْطِ. فَإِنَّهُ لَوْ فَتَحَ الْبَابَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ فَيْئًا.
فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادَهُ - وَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِي - أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفُ سَالِمًا لَهُ مِنْ مَالِهِ
стр. 405
بِطَرِيقِ الْأَمَانِ، وَمَا سِوَاهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى رَقِيقِي أَوْ عَلَى مَالِي أَوْ عَلَى سِلَاحِي كَانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ نَفْسِهِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِي؟ .
٦٣٨ - وَلَوْ قَالَ: عَلَى عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ عَلَى عَشَرَةِ أَفْرَاسٍ، كَانَ ذَلِكَ عِوَضًا، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يَصْلُحُ عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالدَّرَاهِمِ، وَفَتْحُ الْبَابِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوهُ الْأَرْؤُسَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَحَبُّوا.
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: رَقِيقِي أَوْ كُرَاعِي.
٦٣٩ - وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَتْحَ الْحِصْنِ. وَلَكِنْ قَالَ: آمِنُونِي حَتَّى أَنْزِلَ إلَيْكُمْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، فَأَمَّنُوهُ. فَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
لِأَنَّهُ مَا شَرَطَ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْتَمَسَ مِنْ الْأَمَانِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ بِذِكْرِ الْأَلْفِ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَمَانِهِ سَوَاءً أَطْلَقَ أَوْ قَالَ: مِنْ مَالِي. وَهَذَا لِأَنَّ بِنُزُولِهِ يَتَوَصَّلُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَالِهِ الَّذِي فِي الْحِصْنِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَةَ الْتِمَاسِ الْأَمَانِ فِي هَذَا الْقَدْرِ مِنْ مَالِهِ. وَإِذَا حَمَلْنَا عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِوَضِ كَانَ مُفِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.
٦٤٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَى عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ مِنْ الرَّقِيقِ، أَوْ مِنْ رَقِيقِي، فَهَذَا عِوَضٌ. وَقَدْ فَدَى بِهِ نَفْسَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُسْلِمِينَ.
стр. 406
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَهْلِي، أَوْ وَلَدِي، أَوْ مَالِي، فَهُوَ آمِنٌ، وَجَمِيعُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَجْعَلَهُمْ الْمَرْءُ فِدَاءً لِنَفْسِهِ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ وِقَايَةً دُونَهُمْ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْتِمَاسُ الْأَمَانِ لَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمَالَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِدَاءً، وَلِأَنَّهُ لَا يَفْدِي نَفْسَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَادَةً، إذًا يَهْلِكُ جُوعًا.
٦٤٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى رَقِيقِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ، فَهُوَ آمِنٌ وَرَقِيقُهُ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى نِصْفِ رَقِيقِي، كَانَ هَذَا فِدَاءً.
وَبِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى لَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ عُرْفِ النَّاسِ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَفْدِي نَفْسَهُ بِبَعْضِ مَا يَأْتِي بِهِ مَعَهُ لِيَتَعَيَّشَ آمِنًا بِمَا بَقِيَ، وَلَا يَفْدِي بِجَمِيعِ مَا يَنْزِلُ بِهِ.
فَإِذَا ذَكَرَ نِصْفَ الْمَالِ أَوْ نِصْفَ جِنْسٍ مِنْ الْمَالِ فَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الْفِدَاءُ.
وَإِذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْمَالِ أَوْ جَمِيعَ جِنْسٍ مِنْ الْمَالِ كَالرَّقِيقِ، فَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ طَلَبُ الْأَمَانِ لِذَلِكَ الْجِنْسِ مَعَ نَفْسِهِ.
فَإِذَا ذَكَرَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ فَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِئْمَانُ لَهُمْ لَا الْفِدَاءُ، سَوَاءً ذَكَرَ عَدَدًا مِنْهُمْ أَوْ ذَكَرَ جَمَاعَتَهُمْ (ص ١٤٨) ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ذَكَرَ إنْسَانًا آخَرُ بِقَوْلِهِ: آمِنُونِي عَلَى فُلَانٍ. فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ طَلَبَ الْأَمَانِ لِفُلَانٍ، لَا جَعْلَهُ فِدَاءً لِنَفْسِهِ.
٦٤٣ - فَإِنْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ رَقِيقِي حَتَّى أَنْزِلَ، فَهَذَا فِدَاءٌ.
стр. 407
فَإِنْ نَزَلَ مَعَهُ بِمَالِهِ وَزَوْجَتِهِ فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ فِي أَمَانِ النَّازِلِ لَا يَدْخُلُ سِوَى مَا عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْأَمَانِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ لَا يَدْخُلُ الْمَالُ وَالْعِيَالُ؟ فَكَذَلِكَ فِي الْأَمَانِ بِالْفِدَاءِ.
٦٤٤ - وَلَكِنَّهُ إنْ نَزَلَ مَعَهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَطَ فِي فِدَائِهِ فَقَالَ: جِئْت بِهِ لِلْفِدَاءِ الَّذِي شَرَطْتُمْ عَلَيَّ، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَيْئًا، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِدَاءً آخَرَ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُ بَعْدَ النُّزُولِ، وَذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ، فَصَارَ الْمَالُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْفِدَاءِ بِفَيْءٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يُحْسَبُ لَهُ هَذَا مِنْ الْفِدَاءِ.
لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ مَا الْتَزَمَهُ بِمَالِهِ، وَهُوَ يَنْزِلُ إلَيْنَا وَلَا مَالَ لَهُ عِنْدَنَا.
وَإِذَا لَمْ يَنْزِلْ بِهَذَا الْقَدْرِ مَعَ نَفْسِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِدَاءِ. فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْفِدَاءِ عَلَيْهِ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، كَمَا أَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ يَكُونُ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَتَمْلِيكًا لِلْيَدِ وَالْكَسْبِ مِنْهُ.
٦٤٥ - فَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَجَاءَ بِأَحَدَ عَشَرَةَ، كَانَ لَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْكُلَّ: عَشَرَةً بِالْفِدَاءِ وَالْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ فَيْءٌ.
لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي مِقْدَارِ حَاجَتِهِ إلَى الْفِدَاءِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِالْقِيَاسِ.
стр. 408
وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِعِشْرِينَ رَأْسًا فَقَالَ: جِئْت بِهَا لِتَبِيعُوهَا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ الْكُلُّ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْقِيَاسِ كَمَا ذَكَرْنَا.
٦٤٧ - وَإِنْ جَاءَ بِصِنْفٍ غَيْرِ الرَّقِيقِ فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ أَبِيعَهُ وَأُعْطِيَكُمْ الْقِيمَةَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ اسْتِحْسَانًا.
لِأَنَّ الرَّقِيقَ فِي مُعَاوَضَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ مُطْلَقًا يَثْبُتُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْعَيْنِ وَبَيْنَ الْقِيمَةِ، وَبِأَيِّهِمَا جَاءَ قُبِلَ مِنْهُ. فَكَانَتْ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْفِدَاءِ وَبَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ ثَابِتَةً، بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، فَلِهَذَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ.
٦٤٨ - وَهَذَا إذَا قَالَ: عَلَى عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ مِنْ الرَّقِيقِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: مِنْ رَقِيقِي، ثُمَّ جَاءَ بِالدَّرَاهِمِ، فَذَلِكَ فَيْءٌ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْفِدَاءِ.
لِأَنَّهُ بِإِضَافَةِ الرَّقِيقِ إلَى نَفْسِهِ يَصِيرُ مُعَيِّنًا لَهُمْ. فَكَأَنَّهُ عَيَّنَهُمْ بِالْإِشَارَةِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ مَكَانَ الْعَيْنِ.
٦٤٩ - فَإِنْ قَالَ: لَمْ يَدَعْنِي أَهْلُ الْحِصْنِ أَنْزِلُ إلَيْكُمْ بِذَلِكَ فَجِئْت بِالْقِيمَةِ الْمُسْتَأْمَن. لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.
لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ صَارَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مَحْسُوبًا عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ
стр. 409
لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ نُزُولِهِ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ مِنْ النُّزُولِ بِالرَّقِيقِ حَتَّى يَأْذَنُوا لَهُ فِي النُّزُولِ بِالْقِيمَةِ. فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ كَانَ التَّقْصِيرُ مِنْهُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَذِنُوا لَهُ فِي النُّزُولِ بِالْقِيمَةِ كَانَ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ فِدَاءً وَلَا يَكُونُ فَيْئًا.
٦٥٠ - وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْقَلْعَةِ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى قَلْعَتِي، أَوْ عَلَى مَدِينَتِي عَلَى أَنْ أَفْتَحَهَا لَكُمْ. فَإِنْ جَرَى كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عَيْنُ الْقَلْعَةِ وَالْمَدِينَةِ بِأَنْ قَالَ: إنِّي أَخَافُ إنْ فَتَحْت لَكُمْ أَنْ تَهْدِمُوا قَلْعَتِي أَوْ تُخَرِّبُوا مَدِينَتِي، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ آمِنٌ عَلَى قَلْعَتِك وَمَدِينَتِك. فَهَذَا عَلَيْهِمَا خَاصَّةً دُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ.
لِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا سَبَقَ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ. وَإِنَّمَا جَعَلُوا لَهُ الْأَمَانَ جَزَاءً عَلَى فَتْحِ الْبَابِ. وَمَقْصُودُنَا مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِغْنَامُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَمَانَ يَخْتَصُّ بِمَا سُمِّيَ لَهُ، إلَّا أَنَّهُ يَأْمَنُ بِمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَعِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ عَلَى قَلْعَتِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَرَارِ فِيهَا، وَتَمَكُّنُهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ. فَفِي هَذَا الْحُكْمِ يُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ الْمُسْتَأْمَنِ إلَى دَارِنَا لِلتِّجَارَةِ.
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَسْبِقْ كَلَامٌ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى (ص ١٤٩) تَخْصِيصٍ فَفِي الْقِيَاسِ الْجَوَابُ كَذَلِكَ أَيْضًا.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ هُوَ الِاسْتِغْنَامُ وَالِاسْتِرْقَاقُ. ثُمَّ لَيْسَ فِي لَفْظَةِ الْقَلْعَةِ وَالْمَدِينَةِ مَا يُنْبِئُ عَنْ أَهْلِهَا أَوْ عَمَّا فِيهَا، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِهَذِهِ الصِّفَةِ لِخَوْفِهِ عَلَى الْقَلْعَةِ أَنْ تُقْلَعَ وَعَلَى الْمَدِينَةِ أَنْ تُحَرَّقَ أَوْ تُخَرَّبَ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ وَمَسْكَنَ آبَائِهِ، فَقَصَدَ بِالْأَمَانِ إبْقَاءَهَا دُونَ إبْقَاءِ مَنْ فِيهَا.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا أَمَانٌ عَلَى الْقَلْعَةِ وَالْمَدِينَةِ وَعَلَى جَمِيعِ مَا فِيهَا، لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ.
стр. 410
فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ هَذِهِ مَدِينَةٌ عَامِرَةٌ أَوْ قَلْعَةٌ حَصِينَةٌ يُفْهَمُ مِنْهُ عِمَارَتُهَا بِكَثْرَةِ أَهْلِهَا لَا بِجُدْرَانِهَا. أَرَأَيْت لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى مَمْلَكَتِي عَلَى أَنْ أَفْتَحَ لَكُمْ الْقَلْعَةَ أَلَيْسَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ جَمِيعَ مَا فِي مَمْلَكَتِهِ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ؟ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ تَبْقَى لَهُ الْمَدِينَةُ وَالْقَلْعَةُ عَلَى مَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ، وَيَكُونُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي أَهْلِهَا كَمَا كَانَ. وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا دَخَلُوا فِي الْأَمَانِ.
٦٥١ - وَلَوْ أَشْرَفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ فَقَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي مِنْ مَالِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَمَانِ لَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي.
إذْ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي هَذَا لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَعْنَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ.
فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُقَدِّمَ ذِكْرَ الْأَلْفِ عَلَى أَمَانِ نَفْسِهِ أَوْ يُؤَخِّرَهُ فِي أَنْ يَكُونَ عِوَضًا شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ بِفَتْحِ الْبَابِ.
٦٥٢ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ آمِنًا وَحْدَهُ. وَكَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَكْتَسِبُهَا فَيُؤَدِّيهَا.
لِأَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ يَصِيرُ فَيْئًا بِفَتْحِ الْبَابِ لَوْ لَمْ يَقُلْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَهَذَا لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ. فَإِذَا وَصَلَ الْأَلْفَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ بِحَرْفِ الْبَاءِ كَانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ الْأَلْفَ عِوَضٌ عَنْ الْأَمَانِ.
стр. 411
وَالْأَمَانُ حَاصِلٌ لَهُ. فَكَانَ الْأَلْفُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: وَهَبْت هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْك عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي جَارِيَتَك هَذِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ كَانَتْ الْمِائَةُ عِوَضًا عَنْ الْجَارِيَةِ.
٦٥٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَتُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.
٦٥٤ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي مِنْ مَالِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.
فَالْأَلْفُ عِوَضٌ عَنْ أَمَانِهِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ مَالِهِ مِقْدَارُ الْأَلْفِ إذَا وُجِدَ، مَكَانَ مَا عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْ الْأَمَانِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّ هَا هُنَا عَيَّنَ لِمَا الْتَزَمَ مِنْ الْعِوَضِ مَحَلًّا مَخْصُوصًا وَهُوَ مَالُهُ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَعْطَيْنَاهُ الْأَمَانَ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ لَا بِطَرِيقِ الِاسْتِغْنَامِ. وَفِي الْأَوَّلِ الْتَزَمَ الْعِوَضَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ عَيَّنَ لَهُ مَحَلًّا، فَيَبْقَى مَالُهُ فَيْئًا كَمَا هُوَ مُوجِبُ فَتْحِ الْبَابِ عَلَى وَجْهِ إتْمَامِ الْقَهْرِ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَالًا هُنَا فَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ سَلِمَ لَهُ فَيَلْزَمُهُ الْعِوَضُ بِمُقَابَلَتِهِ. وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعْطِي ذَلِكَ الْعِوَضَ مِنْ الْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَكْسِبُهُ.
٦٥٥ - وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَتْحَ الْبَابِ وَلَكِنْ قَالَ: آمِنُونِي حَتَّى أَنْزِلَ إلَيْكُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، أَوْ مِنْ مَالِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهَذَا فِدَاءٌ.
لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ. فَإِنَّمَا الْتَمَسَ أَمَانًا بِعِوَضٍ. وَقَدْ نَالَ ذَلِكَ حِينَ نَزَلَ فَعَلَيْهِ إذًا الْأَلْفُ.
стр. 412
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِحَرْفِ عَلَى هُنَا.
لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْفَعَةً حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُ الْأَلْفِ شَرْطًا شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، عِوَضًا، فَتَكُونُ الْأَلْفُ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ.
٦٥٦ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ. أَوْ قَالَ: بِأَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَهُوَ سَوَاءٌ. وَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ مَعَ أَهْلِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ.
لِأَنَّ الْأَهْلَ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يَكُونُ ذِكْرُهُ الْأَلْفَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ عَنْ أَمَانِهِ، سَوَاءٌ (ص ١٥٠) ذَكَرَهُ بِحَرْفِ عَلَى أَوْ بِحَرْفِ الْبَاءِ وَلَكِنَّهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْمَانِ لَهُمْ.
ثُمَّ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَحُكْمُ الْعَطْفِ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ اسْتِئْمَانًا كَانَ الْمَعْطُوفُ كَذَلِكَ.
٦٥٧ - وَلَوْ بَدَأَ بِالْمَالِ فَقَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعَلَى أَهْلِي وَوَلَدِي، كَانَ آمِنًا عَلَى أَلْفٍ يُعْطُونَهَا إيَّاهُ، وَعَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ.
لِأَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ جَزَاءً عَلَى فَتْحِ الْبَابِ، فَمَا يَصْلُحُ عِوَضًا وَهُوَ الْأَلْفُ يُعْطُونَهُ إيَّاهُ. وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ كَنَفْسِهِ فِي أَنَّهُ شَرَطَ أَمَانَهُمْ جَزَاءً عَلَى الْفَتْحِ.
٦٥٨ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَبِأَهْلِي وَوَلَدِي. فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ كُلُّهُمْ فَيْءٌ.
стр. 413
لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ مُحْكَمٌ فِي الْأَعْوَاضِ. فَقَدْ قَرَنَهُ بِالْأَلْفِ فَكَانَ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ، وَقَرَنَهُ بِالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ أَيْضًا، وَعَطَفَهُمَا عَلَى الْعِوَضِ أَيْضًا، فَكَانَ تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ.
٦٥٩ - فَإِذَا بَدَأَ بِالْأَهْلِ فَقَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَالْقِيَاسُ هَكَذَا يَقْتَضِي. وَلَكِنَّ الِاسْتِحْسَانَ: الْأَهْلُ لَيْسَ بِمَالٍ لِيَصْلُحَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا.
فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِئْمَانُ لِلْأَهْلِ جَزَاءً عَلَى الْفَتْحِ، وَقَدْ عَطَفَ الْأَلْفَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءَ الْأَلْفِ مِنْ مَالِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَكُونُ فَيْئًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِجَمِيعِ قَرَابَتِي وَبِأَهْلِي وَوَلَدِي وَبِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَيَّ وَهَمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَا فِدَاءٌ.
٦٦٠ - وَلَوْ قَالَ: أَنْزِلُ إلَيْكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِأَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهُوَ سَوَاءٌ. وَلَهُ أَهْلُهُ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي أَمَانِ النَّازِلِ.
لِأَنَّهُ عَطَفَ الْأَلْفَ عَلَى الْأَهْلِ وَمُرَادُهُ فِي حَقِّ الْأَهْلِ الِاسْتِئْمَانُ دُونَ الْفِدَاءِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِ. ٦٦١ - وَلَوْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَهْلِي. فَهَذَا فِدَاءٌ. وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَهْلَهُ.
لِأَنَّ الْأَلْفَ عِوَضٌ حِينَ قَرَنَ بِهِ حَرْفَ الْبَاءِ ثُمَّ عَطَفَ الْأَهْلَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى الْفِدَاءِ.
стр. 414
قَالَ: وَبَعْضُ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ. وَلَكِنْ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْغَالِبِ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ فِي كُلِّ فَصْلٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مُرَاوَضَةٌ تَدُلُّ عَلَى فِدَاءٍ أَوْ عَلَى أَمَانٍ عَلَيْهِ، فَيُؤْخَذُ بِذَلِكَ.
لِأَنَّ الْكَلَامَ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ. فَإِذَا سَبَقَ مَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ تَرَجَّحَ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ حُمِلَ عَلَى أَغْلِبْ الْوَجْهَيْنِ. كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشْتَرَكِ إذَا تَرَجَّحَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَيْنِ فِيهِ بِدَلِيلٍ فِي صِيغَتِهِ.
٦٦٢ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي. فَعَلَيْهِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ مَالِهِ، كَمَا اسْتَثْنَاهُ لِنَفْسِهِ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِدَاءً.
؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْمِائَةَ الدِّينَارَ كَانَ ذَلِكَ اسْتِئْمَانًا مِنْهُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ مَالِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمِائَةَ الدِّينَارَ شَرْطًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ.
٦٦٣ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ.
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِكَوْنِ الْأَلْفِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ حِينَ وَصَلَ حَرْفَ الْبَاءِ بِذِكْرِهِ، وَصَرَّحَ بِكَوْنِ الدَّنَانِيرِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ حِينَ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُعْطِيَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَقُولَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ آخُذُهَا، أَوْ تُعْطُونَهَا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَلْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا. وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا قَالَ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ. يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ. أَيْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَلْتَزِمُهَا، أَوْ بِأَلْفِ آخُذُهَا مِنْكُمْ. فَإِذَا جَاءَ دَلِيلٌ أُخِذَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ أُخِذَ بِمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (ص ١٥١) .
стр. 415
[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَى مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ]
٥٤ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَى مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ ٦٦٤ - فَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى الْعَسْكَرِ مِنْ غَيْرِ حِصْنٍ وَلَا قَلْعَةٍ وَلَا مَطْمُورَةٍ فَقَالَ: أَسْتَأْمِنُ لِأَخْرُجَ إلَيْكُمْ، ثُمَّ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي، فَآتِيكُمْ بِالتِّجَارَاتِ، فَذَهَبَ ثُمَّ جَاءَ بِتِجَارَةٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا مَالِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ.
لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ فِي حَالٍ لَمْ يَصِرْ مَقْهُورًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَأْمَنَ لِيَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ يَدْخُلُ مَالُهُ فِي أَمَانِهِ تَبَعًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ، فَكَذَلِكَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ إلَى الْعَسْكَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا، وَقَوْلُهُ فِي الْمَالِ مَقْبُولٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَ لَهُ. فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لَهُ.
٦٦٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، أَوْ ابْنَتِي، أَوْ أُخْتِي، أَوْ جَاءَ بِصِبْيَانٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ وَلَدِي. فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ آمِنُونَ مَعَهُ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ عِيَالُهُ فِي الْأَمَانِ كَمَا يَتْبَعُهُ مَالُهُ.
وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ فِيمَا قَالَ فَهُوَ فَيْءٌ.
لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ حِينَ كَذَّبَهُ فِي سَبَبِ التَّبَعِيَّةِ فِي الْأَمَانِ
стр. 416
وَإِنْ صَدَّقُوهُ ثُمَّ رَجَعَ الْمُسْتَأْمَنُ فَقَالَ: لَا قَرَابَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَكَذَّبُوهُ فَهُمْ آمِنُونَ.
لِأَنَّهُمْ بِالتَّصَادُقِ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَيْهِمْ بِالرِّقِّ أَوْ بِمَا يُبْطِلُ أَمَانَهُمْ مَرْدُودٌ. وَإِنْ اتَّهَمَ الْأَمِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ حَلَّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أُخِذَ مَمْلُوكًا، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِنُكُولِهِ.
٦٦٦ - وَلَوْ جَاءَ مَعَهُ رِجَالٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي وَإِخْوَانِي.
فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ.
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُقَاتِلَةُ لَا يَتْبَعُونَهُ فِي الْأَمَانِ لَوْ اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْمَنَ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهُمْ نَصًّا وَلَا اسْتَأْمَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ.
٦٦٧ - وَلَوْ جَاءَ بِمَتَاعٍ أَوْ رَقِيقٍ فَقَالَ: هَذَا مَالِي، أَوْ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ عِيَالِي. فَعُلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ قَرْيَةٍ أَوْ مَطْمُورَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْعَسْكَرِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَهْلُ الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَالِمٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ عَلِمُوا بِهَا كَانُوا قَاهِرِينَ لِأَهْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُونُوا.
لِأَنَّ مَعْنَى الْقَهْرِ لَا يَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِمْ، وَالْقَرِيبُ كَالْبَعِيدِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَالْمَاءُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ بَعِيدًا؟
٦٦٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلِمَ بِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 417
لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ لَا يَصِيرُونَ مَقْهُورِينَ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِهِمْ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ بِالْقِتَالِ. فَإِنَّمَا جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَهْرُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ سَالِمًا لَهُ.
٦٦٩ - وَإِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْعَسْكَرِ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بِهَا وَبِمَا فِيهَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِمَا فِيهَا إلَّا أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوهَا عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ.
لِأَنَّ الْعَسْكَرَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا نَزَلُوا بِسَاحَةِ قَوْمٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، وَعَلِمُوا بِحَالِهِمْ، كَانُوا قَاهِرِينَ لَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَرُبَ مِنْ خَيْبَرَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] » . وَإِذَا ثَبَتَ الْقَهْرُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ بِهَذَا مِمَّا كَانَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْتَ قَهْرِهِمْ، وَلَا يَسْلَمُ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمَحْصُورِ الَّذِي يَسْتَأْمِنُ لِيَنْزِلَ أَوْ لِيَفْتَحَ الْبَابَ.
٦٧٠ - وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ مَطْمُورَةٍ فِي قَرْيَةٍ قَدْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ الْقَرْيَةَ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا الْمَطْمُورَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ سَالِمٌ.
لِأَنَّ مَا فِي الْمَطْمُورَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ قَهْرُهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهَا، دَخَلُوا الْقَرْيَةَ أَوْ لَمْ يَدْخُلُوهَا، فَإِنَّهُمْ عَدِمُوا آلَةَ الْوُصُولِ إلَيْهَا.
٦٧١ - وَإِنْ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ حِصْنٍ قَدْ قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ لِيَفْتَحُوهُ فَجَمِيعُ مَا جَاءَ فِيهِ فَيْءٌ.
стр. 418
لِأَنَّ قَهْرَ الْمُسْلِمِينَ يَتَنَاوَلُ مَا فِي الْحِصْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ مُسْتَأْمَنًا لَمْ يَسْلَمْ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ. فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْمِنَ وَهُوَ خَارِجٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَأْمِنَ لِيَخْرُجَ فِي حَقِّ الْمَالِ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ الْحِصْنِ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ لَا يَسْلَمُ لَهُ شَيْءٌ فِي الْمَالِ وَالْعِيَالِ بِدُونِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْتِئْمَانِ مِنْهُ لَهُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 419
[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَيْنَا ثُمَّ نَجِدُهُ فِي أَيْدِيهمْ]
٥٥ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَيْنَا ثُمَّ نَجِدُهُ فِي أَيْدِيهمْ ٦٧٢ - وَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى الْعَسْكَرِ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُشْرِكِينَ وَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ فَفَقَدُوهُ. فَلَمَّا هَزَمُوهُمْ وَجَدُوهُ فِيهِمْ وَقَالَ: أَسَرُونِي مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ مِنْ صِدْقِهِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي حَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ هَيْئَتُهُ كَهَيْئَةِ الْمَأْسُورِ بِأَنْ كَانَ مَغْلُولًا أَوْ مَرْبُوطًا أَوْ مَضْرُوبًا لَمْ يُعْرَضْ لَهُ، وَكَانَ عِنْدَنَا عَلَى أَمَانِهِ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ يُصَارُ إلَى تَحْكِيمِ الظَّاهِرِ، وَإِلَى الْعَلَامَةِ وَالزِّيِّ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَأْسُورًا فِيهِمْ قُلْنَا: أَسْرُهُمْ إيَّاهُ لَا يُبْطِلُ أَمَانَهُ، كَمَا لَوْ أَسَرُوا ذِمِّيًّا لَا يُبْطِلُ ذَلِكَ عَهْدَهُ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ بِمَا شَاهَدْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ يَصِيرُ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ وَلَكِنْ لَا تَنْتَفِي تُهْمَةُ الْكَذِبِ عَنْ كَلَامِهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
стр. 420
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْأَسْرِ فَهُوَ فَيْءٌ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فَارَقَ عَسْكَرَنَا بِاخْتِيَارِهِ، وَالْتَحَقَ بِمَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَانْتَهَى بِهِ الْأَمَانُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَحَالُهُ كَحَالِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
٦٧٤ - وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ بِأَنَّ دَلَّ بَعْضُ الْعَلَامَاتِ عَلَى أَنَّهُ أَتَاهُمْ اخْتِيَارًا وَبَعْضُ الْعَلَامَاتِ عَلَى أَنَّهُمْ أَسَرُوهُ، فَهُوَ فَيْءٌ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.
لِأَنَّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْعَلَامَاتِ يُحَكَّمُ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ. وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَفِي مَوْضِعِ إبَاحَةِ الِاسْتِرْقَاقِ. إلَّا أَنَّ تَعَارُضَ الْعَلَامَاتِ يُمَكِّنُ شُبْهَةً فِي أَمْرِهِ، فَمُنِعَ الْقَتْلُ، إذْ الْقَتْلُ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: عِنْدَ تَعَارُضِ الْعَلَامَاتِ لِمَاذَا لَا يُتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لَهُ مِنَّا؟ قُلْنَا: التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ الْمَعْلُومِ هُوَ لِانْعِدَامِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ لَهُ، لَا لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الْمُبْقِي. وَقَدْ ظَهَرَ الدَّلِيلُ لِأَمَانِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ فَيْئًا عَلَى كُلِّ حَالٍ. إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ أَسِيرًا فِيهِمْ بِدَلِيلٍ. فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ أَوْ جَاءَ مَا عَارَضَهُ وَجَبَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ وُجِدَ فِي مَنَعَتِهِمْ.
٦٧٥ - قَالَ: وَلَوْ جَالَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ جَوْلَةً ثُمَّ إنَّهُمْ عَطَفُوا
стр. 421
فَهَزَمُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ فِي أَيْدِيهمْ.
، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. إذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِي مَنَعَتِهِمْ قَبْلَ هَزِيمَتِهِمْ.
وَإِنْ هَزَمَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَوَجَدُوهُ لَا يَدْرُونَ أَكَانَ مَعَهُمْ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا فَقَدُوهُ. فَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالَ: لَمْ أَبْرَحْ عَسْكَرَكُمْ. فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ قَلِيلًا وَأَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ إنْ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ، فَهُوَ فَيْءٌ.
لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِأَنَّهُ كَاذِبٌ مُحْتَالٌ، وَأَنَّا حِينَ فَقَدْنَاهُ قَدْ الْتَحَقَ بِمَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَانْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ عَظِيمًا قَدْ يَخْفَى مِثْلُهُ فِيهِ وَلَا يُدْرَى أَصَدَقَ أَمْ كَذَبَ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ.
لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُزِيلَ لِلْأَصْلِ الْمَعْلُومِ لَمْ يَظْهَرْ هُنَا، وَهُوَ وُصُولُهُ إلَى مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَكِنَّا نَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
٦٧٦ - وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَفَقَدُوهُ، فَلَمَّا هَزَمُوا الْعَدُوَّ إذَا هُمْ بِهِ لَا يَدْرُونَ أَكَانَ مَعَ الْعَدُوِّ أَوْ كَانَ مَعَهُمْ. فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ذَهَبْت أَتَعَلَّفُ الْعَلَفَ، أَوْ ضَلَلْت الطَّرِيقَ وَلَمْ أَلْحَقْ بِالْعَدُوِّ. فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ.
стр. 422
لِأَنَّا عَلِمْنَا مُفَارَقَتَهُ الْعَسْكَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَدَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعُ أَهْلِ الْحَرْبِ. فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ وُصُولِهِ إلَى مَنَعَتِهِمْ فِي حُكْمِ انْتِهَاءِ الْأَمَانِ.
وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: هُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ.
لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ. فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أَوْ لِيَأْتِيَ بِالْعَلَفِ. وَرُبَّمَا يَضِلُّ عِنْدَ الْخَوْفِ وَكَثْرَةِ الزِّحَامِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَدْ عَرَفْنَا ثُبُوتَ الْأَمَانِ لَهُ. فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ الْأَصْلِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مُزِيلُهُ بِدَلِيلٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 423
[بَابُ الْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ بِالْجُعْلِ وَغَيْرِهِ]
٥٦ - بَابُ الْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ بِالْجُعْلِ وَغَيْرِهِ ٦٧٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا حِصْنًا مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَنَاهَضُوهُ، وَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ: يَخْرُجُ عَشْرَةٌ مِنَّا يُعَامِلُونَكُمْ عَلَى الْأَمَانِ، وَقَدْ رَضِينَا بِمَا صَنَعُوا. فَلَمَّا خَرَجَ الْعَشَرَةُ سَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا السَّبْيَ وَيَأْخُذُوا مَا سِوَى ذَلِكَ. فَأَبَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ. وَصَالَحَهُمْ الْعَشَرَةُ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ خَاصَّةً وَعِيَالَاتِهِمْ. فَتَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ دَخَلُوا الْحِصْنَ وَفَتَحُوا الْبَابَ. فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ يَسْبُونَ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: أَخْبَرَنَا الْعَشَرَةُ بِأَنَّكُمْ آمَنْتُمْ السَّبْيَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ، سَوَاءٌ صَدَقَهُمْ الْعَشَرَةُ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَبُوهُمْ. وَجَمِيعُ مَا فِي الْحِصْنِ فَيْءٌ، سِوَى الْعَشَرَةِ مَعَ عِيَالَاتِهِمْ.
لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَانٌ لِغَيْرِ الْعَشَرَةِ صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً. وَأَهْلُ الْحِصْنِ لَا يَدْخُلُونَ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ تَبَعًا. فَإِنَّ فِي أَمَانِ الْمَحْصُورِ لَا يَدْخُلُ مَنْ كَانَ تَبَعًا لَهُ حَقِيقَةً فَكَيْفَ يَدْخُلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا؟ وَالْعَشَرَةُ وَإِنْ أَخْبَرُوهُمْ بِأَمَانِ السَّبْيِ كَمَا زَعَمُوا فَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ.
стр. 424
وَالْمُشْرِكُونَ إنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ نَصَّبُوا الْخَائِنِينَ لِلسِّفَارَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَصَارُوا مُغْتَرِّينَ لَا مَغْرُورِينَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ.
٦٧٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي الْحِصْنِ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ لَمْ تَنْفَعْهُمْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ.
لِمَا بَيِّنَا، فَإِنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.
٦٧٩ - وَلَوْ عَايَنَّا أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا الْحِصْنَ لَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ مِنْ اسْتِرْقَاقِهِمْ.
؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنَّا.
٦٨٠ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ أَخَذُوا الْأَمَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا فِي حُصُونِهِمْ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ الْعَشَرَةُ بِصُلْحٍ أَوْ غَيْرِ صُلْحٍ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.
لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَمَانَ قَدْ انْتَهَى بِرُجُوعِ الْعَشَرَةِ إلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا.
٦٨١ - وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوا الْأَمَانَ حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهِمْ الْعَشَرَةُ فَيُخْبِرُوهُمْ بِمَا جَرَى عَلَى وَجْهِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَقَالَ الْعَشَرَةُ: قَدْ أَخْبَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: لَمْ تُخْبِرُونَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَهُمْ عَلَى أَمَانِهِمْ.
لِأَنَّ الْعَشَرَةَ يَدَّعُونَ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ الَّذِي كَانَ مِنَّا لِأَهْلِ الْحِصْنِ، وَأَهْلُ الْحِصْنِ مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَلَا شَهَادَةَ لِلْعَشْرَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى إجَازَةِ مَا فَعَلُوا، فَإِنَّهُمْ
стр. 425
يَقُولُونَ: قَدْ أَخْبَرْنَا أَهْلَ الْحِصْنِ وَرَضُوا بِمَا فَعَلْنَا، وَلَا شَهَادَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى إجَازَةِ مَا بَاشَرَهُ.
٦٨٢ - وَلَوْ شَهِدَ عَلَى مَقَالَتِهِمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كَانُوا فِي الْحِصْنِ، قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَكَانُوا فَيْئًا.
لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ. فَكَانَ الثَّابِتُ بِشَهَادَتِهِمْ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ أَهْلِ الْحِصْنِ.
٦٨٣ - فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فُسَّاقًا رُدَّ السَّبْيُ إلَى الْحِصْنِ، وَأُعِيدَ الْأَمْرُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يُنْبَذُ إلَيْهِمْ وَيُقَاتَلُونَ.
لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ حَرْبِيًّا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْفَاسِقِ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ. وَمَا لَمْ يَثْبُتْ إخْبَارُ الْعَشَرَةِ إيَّاهُمْ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ كَانُوا آمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ سَبْيُهُمْ.
٦٨٤ - وَإِنْ كَانُوا حِينَ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كُسِرَ حِصْنُهُمْ فَصَارُوا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ.
لِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا.
فَلَا يَجُوزُ النَّبْذُ إلَيْهِمْ حَتَّى نُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ.
٦٨٥ - وَلَوْ قَالَتْ الْعَشَرَةُ مَا أَخْبَرْنَاهُمْ بِالصُّلْحِ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَكِنَّا
следующие страницы →