Полный текст (2 212 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
بِالْعَدُوِّ بَعْدَ مَا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْبَشِيرَ إلَّا سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَارِسًا كَانَ أَوْ رَاجِلًا.
لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ قَدْ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْغَانِمِينَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهَا أَحَدًا شَيْئًا بِغَيْرِ رِضَى الْمُسْلِمِينَ.
١٨٦٤ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ الْكُبَّةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَهُوَ لَك. فَحِينَ تَحَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْكُبَّةَ مِنْ الشَّعْرِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَسُؤَالِهِ إيَّاهُ، وَكَانَ لَا يَمْنَعُ أَحَدًا شَيْئًا سَأَلَهُ، عَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ، إلَّا أَنَّ الْبَشِيرَ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْخُمُسِ شَيْئًا لِحَاجَتِهِ. لِأَنَّ الْخُمُسَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ. وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ بَشِيرًا، فَبَعْدَ إرْسَالِهِ أَوْلَى.
١٨٦٥ - فَإِنْ رِضَى الْمُسْلِمُونَ بِمَا يُعْطِي الْإِمَامُ الْبُشَرَاءَ، فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ دُونَ الْخُمُسِ.
لِأَنَّ رِضَاهُمْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي نَصِيبِهِمْ دُونَ الْخُمُسِ.
١٨٦٦ - وَإِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ فَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ بِغَيْرِ رِضَا الْغَانِمِينَ، وَرِضَاهُمْ مُعْتَبَرٌ فِي نَصِيبِهِمْ أَيْضًا.
стр. 947
فَإِذَا قَدِمَ الْبُشَرَاءُ عَلَى الْخَلِيفَةِ فَرَأَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ جَائِزَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجِيزُ الرُّسُلَ وَالْوُفُودَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَيْهِ» .
وَهَذَا لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّرْفِ إلَى مَا فِيهِ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلْغَانِمِينَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَا يَقْسِمُ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُ يُعِدُّهُ (ص ٣٣٣) لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ؟
١٧٦٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَى أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَسُولٌ مِنْ مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُجِيزَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَّا بِرِضَى الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلَأَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخُصَّ حَرْبِيًّا بِذَلِكَ كَانَ أَوْلَى.
١٨٦٩ - فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ أَجَازَهُ مِنْ أَنْصَائِهِمْ دُونَ الْخُمُسِ. لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْحَرْبَيَّ فِي الْخُمُسِ، وَرِضَاهُمْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي نَصِيبِهِمْ خَاصَّةً.
١٨٧٠ - فَإِنْ أَجَازَ الْأَمِيرُ الْبُشَرَاءَ وَالرُّسُلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى وَجْهِ
стр. 948
الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَا صَنَعَ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ مُخَالِفًا لِذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، وَقَدْ أَمْضَاهُ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَا يُبْطِلُهُ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا لَوْ جَعَلَ الْأَمِيرُ لِلْمُقَاتِلِينَ مِنْ أَسْلَابِ الْقَتْلَى مِنْ غَيْرِ تَنْفِيلٍ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَرَى خِلَافَ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِمَّا فَعَلَهُ.
لِأَنَّهُ أَمْضَى بِاجْتِهَادِهِ فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ حُرْمَةُ الْفَرْجِ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُبْطِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ، حَتَّى إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِّيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَتَّةٌ، فَإِنَّ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَا: يَقَعُ بِهِ رَجْعِيَّةٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ. فَإِنْ قَضَى قَاضٍ بِأَحَدِ الْقَضَاءَيْنِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى مَنْ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ قَضَاؤُهُ، لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَإِبْطَالُ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ يَكُونُ قَضَاءً، بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ بَاطِلًا. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي تَحْرِيمِ الْفَرْجِ مَعَ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ ثَبَتَ فِي النَّفْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 949
[بَابُ كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَبَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ]
١٠٥ - بَابُ كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَبَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ ١٨٧١ - وَإِذَا وَقَعَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فَالْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، وَلَا شَيْءَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ.
لِأَنَّ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ تَصِيرُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ يَلْحَقُ بَعْدَ ذَلِكَ مَدَدًا فَهُوَ لَمْ يُشَارِكْ الْجَيْشَ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.
١٨٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى صَارَتْ فِي أَيْدِيهِمْ وَهَرَبَ أَهْلُهَا عَنْهَا.
لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا، فَتَصِيرُ الْغَنَائِمُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ لُحُوقِ الْمَدَدِ.
١٨٧٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابُوا غَنَائِمَ فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ.
стр. 950
لِأَنَّ بِالْإِحْرَازِ بِالْيَدِ قَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ كَانَ نَصِيبُهُمْ مِيرَاثًا.
١٨٧٤ - فَأَمَّا إذَا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فَإِنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْمُصَابِ عِنْدَنَا.
لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَأَكَّدُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، فَإِنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْحَقِّ الْقَهْرُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، لِأَنَّهُمْ قَاهِرُونَ يَدًا مَقْهُورُونَ دَارًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْقَرَارِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَتَصْيِيرِهَا دَارَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّمَا تَمَّ السَّبَبُ بِقُوَّةِ الْمَدَدِ، وَكَانُوا شُرَكَاءَهُمْ وَلِهَذَا قُلْنَا: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُورَثُ نَصِيبُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁.
لِأَنَّ الْإِرْثَ فِي الْمَتْرُوكِ بَعْدَ الْوَفَاةِ، وَالْحَقُّ الضَّعِيفُ لَا يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَكُونَ مَتْرُوكًا عَنْهُ. وَعَلَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁ (ص ٣٣٤) يُورَثُ نَصِيبُهُ.
لِأَنَّ وَارِثَهُ يَخْلُفُهُ فِيمَا كَانَ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْآثَارِ مِنْهَا: مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فِي خَمْسِ مِائَةِ نَفَرٍ مَدَدًا لِأَبِي أُمَيَّةَ وَزِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيِّ فَأَدْرَكُوهُمْ حِينَ افْتَتَحُوا النُّجَيْرَ. فَأَشْرَكَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ.
стр. 951
وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إنَّ لِلْمُدَدِ شَرِكَةً وَإِنْ أَدْرَكُوهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَلَكِنَّا نَقُولُ: النُّجَيْرُ هَذَا اسْمُ قَرْيَةٍ وَهِيَ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْبَلْدَةِ، فَمَا لَمْ تُفْتَحْ الْبَلْدَةُ لَا تَصِيرُ الْقَرْيَةُ دَارَ الْإِسْلَامِ. أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَدْرَكُوا عَلَى أَثَرِ الْفَتْحِ قَبْلَ إظْهَارِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِيهَا.
وَفِي مِثْلِ هَذَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ عِنْدَنَا. فَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ الْفَتْحِ فَلَا.
عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَاهَ دِينَارٍ أَمَدَّ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأُنَاسٍ عَلَيْهِمْ عَمَّارٌ. فَأَرَادَ أَنْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُطَارِدَ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَجْدَعُ أَتُرِيدُ أَنْ تُشَارِكَنَا فِي غَنَائِمِنَا؟ فَقَالَ: خَيْرُ أُذُنَيَّ سَبَبٌ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ إحْدَى أُذُنَيْهِ قُطِعَتْ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَتَبَ فِيهِ إلَى عُمَرَ ﵁ فَكَتَبَ عُمَرُ: إنَّ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَاهَ دِينَارٍ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا.
стр. 952
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: مَنْ وَافَاك مِنْ الْجُنْدِ مَا لَمْ تَتَفَقَّأْ الْقَتْلَى فَأَشْرِكْهُ فِي الْغَنِيمَةِ. أَيْ مَا لَمْ يَتَشَقَّقْ الْقَتْلَى بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ، أَوْ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَمَيَّزْ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ بِالدَّفْنِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مَا لَمْ تُتَقَفَّا الْقَتْلَى، أَيْ تَجْعَلُهُمْ عَلَى قَفَاك بِالِانْصِرَافِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَالْأَشْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْفَقْءَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمْيِيزِ وَالتَّشَقُّقِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْفَقِيهُ. لِأَنَّهُ يُمَيِّزُ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَفْقَأَ فَوْقَهُ الْقَلَعُ السَّوَارِي ... وَجُنَّ الْخَازِبَازِ بِهِ جُنُونًا
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِجَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ السَّفِينَتَ وَالدَّوْسِيِّينَ، فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو مَعَ سُهْمَانِ أَهْلِ خَيْبَرَ. وَإِنَّمَا قَدِمُوا بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فِي حُقُوقِهِمْ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ، فَأَسْهَمَ لَهُمْ» . هَكَذَا رُوِيَ مُفَسَّرًا. وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ مَنْ لَحِقَ بَعْدَ الْفَتْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرِيكًا مَا احْتَاجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَنْ يَسْتَرْضِيَ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنْ يُسْهِمَ لَهُمْ.
стр. 953
وَرُوِيَ «أَنَّ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قَبْلَ نَجْدٍ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِخَيْبَرَ بَعْدَ الْفَتْحِ. فَقَالَ أَبَانُ: اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: اجْلِسْ يَا أَبَانُ. وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ» .
فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ بَعْدَ الْفَتْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولًا بَعَثَهُ الْإِمَامُ فِي بَعْضِ حَوَائِجِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي الْحُكْمِ كَالْحَاضِرِ مَعَهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ أَسْهَمَ لِمُحَيِّصَةَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ» .
لِأَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَهُمْ إلَى فَدَكَ حِينَ كَانَ مُحَاصِرًا أَهْلَ خَيْبَرَ فَرَجَعُوا إلَيْهِ بَعْدَ الْفَتْحِ.
فَأَسْهَمَ لَهُمْ فِي الشِّقِّ وَالنَّطَاةِ، وَأَطْعَمَهُمْ طُعْمَةً سِوَى ذَلِكَ.
مِنْ الْخُمُسِ فِي الْكَتِيبَةِ، جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ غَنَائِمَ أَهْلِ خَيْبَرَ كَانَتْ عِدَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] .
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ أَسْهَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ، مَنْ شَهِدَ فَتْحَهَا وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
وَذُكِرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ
стр. 954
- ﵁ مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ، وَكَانَ تَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُقَيَّةَ لِيُمَرِّضَهَا وَأَسْهَمَ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ بَعَثَهُمَا نَحْوَ الشَّامِ، يَتَجَسَّسَانِ أَخْبَارَ عِيرِ قُرَيْشٍ وَأَسْهَمَ لِخَمْسَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَقَدْ سَمَّاهُمْ فِي الْكِتَابِ - وَقَدْ كَانَ رَدَّهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ لِخَبَرٍ بَلَغَهُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ» (ص ٣٣٥) .
وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وُجُوهٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَدِينَةَ يَوْمَئِذٍ مَا كَانَ لَهَا حُكْمُ دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِنْهَا، لِكَثْرَةِ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ بِهَا. فَكَانُوا جَمِيعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مَشْغُولِينَ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِمَا فِيهِ فَرَاغُ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقِيلَ إنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُفَوَّضًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَحْرِمُ مَنْ شَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فَلِهَذَا أَسْهَمَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ ذُكِرَ أَنَّ الْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَدْ كَانُوا بَلَغُوا إلَى مَكَّةَ،
стр. 955
ثُمَّ جَاءَتْ النُّصْرَةُ، فَرَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْهَمَ لَهُمْ. وَأَنَّ حَرْبَ حُنَيْنٍ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَدْ وَصَلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْهَمَ لَهُمْ.
فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْمَدَدِ شَرِكَةً مَعَ الْجَيْشِ إذَا أَدْرَكُوا قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
١٨٧٥ - قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ وَلَا يَبِيعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ تَنْقَطِعُ الشَّرِكَةُ فِي حَقِّ الْمَدَدِ، فَيَكُونُ فِيهَا تَقْلِيلُ رَغْبَةِ الْمَدَدِ فِي اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ، وَفِيهَا تَعْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ لِوُقُوعِ الدَّبْرَةِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيَشْتَغِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَمْلِ نَصِيبِهِ، فَيَكُرُّ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ. ثُمَّ الْقِسْمَةُ وَالْبَيْعُ تُصْرَفُ، وَالتَّصَرُّفُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِتَمَامِ السَّبَبِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.
١٨٧٦ - وَإِنْ قَسَمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ لِأَنَّهُ أَمْضَى فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ بِالْمَدِينَةِ مَعَ غَنَائِمِ أَهْلِ نَخْلَةَ وَكَانَتْ تِلْكَ غَنِيمَةٌ أُصِيبَتْ
стр. 956
قَبْلَ بَدْرٍ، فَوَقَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَضَى إلَى بَدْرٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَسَمَ الْغَنِيمَتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ جُمْلَةً» .
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَسَمَهَا بِسِيَرِ وَهِيَ شِعْبٌ بِمَضِيقِ الصَّفْرَاءِ.
فَإِنْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالْمَدِينَةِ فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِمَا قُلْنَا. وَإِنْ كَانَتْ بِسَيْرِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ كَانَ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ.
لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَنَعَةٌ سِوَى ذَلِكَ. فَأَمَّا غَنَائِمُ خَيْبَرَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْسِمْهَا حَتَّى أَتَى الْجِعْرَانَةَ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُمْ طَالَبُوهُ بِالْقِسْمَةِ حَتَّى أَلْجَئُوهُ إلَى سَمُرَةَ فَتَعَلَّقَ بِهَا رِدَاؤُهُ ثُمَّ جَذَبُوا رِدَاءَهُ فَتَخَرَّقَ. فَقَالَ: اُتْرُكُوا إلَيَّ رِدَائِي، فَوَاَللَّهِ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِضَاهُ إبِلًا وَبَقَرًا وَغَنَمًا لَقَسَمْتهَا بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي جَبَانًا وَلَا بَخِيلًا» .
فَقَدْ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ مَعَ كَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنَّ جِعْرَانَةَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مَكَّةَ وَقَدْ صَارَتْ مَفْتُوحَةً بِفَتْحِ مَكَّةَ.
فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهَا لَا تُقْسَمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
стр. 957
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ:
١٨٧٧ - مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْغَنِيمَةِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، مَرِيضًا كَانَ أَوْ صَحِيحًا. وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁. قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ وَيَدْفَعُ عَنْ أَصْحَابِهِ، أَيَكُونُ نَصِيبُهُ مِثْلَ نَصِيبِ غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك يَا ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ. وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» .
وَنَظِيرُ هَذَا مَا رُوِيَ «عَنْ (ص ٣٣٦) النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِّهِ: لَوْلَا الصِّبْيَانُ الرُّضَّعُ وَالشُّيُوخُ الرُّكَّعُ لَصَبَبْت عَلَيْكُمْ الْعَذَابَ صَبًّا» وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَطْيَبُ كَسْبِ الْمُؤْمِنِ سَهْمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَفْقَةُ يَدِهِ، وَمَا تُعْطِيهِ الْأَرْضُ» .
стр. 958
فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يُظْهِرَ الرَّغْبَةَ فِي سَهْمِهِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، قَلَّ سَهْمُهُ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُ كَسْبِهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مُصَابٌ بِطَرِيقٍ فِيهِ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازُ الدِّينِ. وَذَلِكَ أَشْرَفُ جِهَاتِ إصَابَةِ الْمَالِ.
وَالْمُرَادُ بِصَفْقَةِ يَدِهِ التِّجَارَةُ، وَلَكِنَّهَا بِشَرْطِ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَمُرَاعَاةِ حُدُودِ الشَّرْعِ.
وَمَا تُعْطِيهِ الْأَرْضُ الْمُرَادُ الزِّرَاعَةُ، فَهِيَ تِجَارَةٌ عَلَى مَا قَالَ ﵇: «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ» .
١٨٧٨ - وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدْلًا وَصِيًّا عَالِمًا بِالْأُمُورِ مُجَرِّبًا لَهَا. فَإِذَا مَيَّزَ الْخُمُسَ جَعَلَ عَلَى الْخُمُسِ أَيْضًا رَجُلًا أَمِينًا حَافِظًا كَاتِبًا عَالِمًا.
لِأَنَّهُ يَعْجَزُ بِنَفْسِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْقِسْمَةِ لِكَثْرَةِ أَشْغَالِهِ فَيَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ مَنْ يَكُونُ أَقْدَرَ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ وَالْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرَائِطِ الَّتِي قَالَهَا.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ مَحْمِيَّةَ بْنَ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ عَلَى خُمُسِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَكَانَتْ تُجْمَعُ إلَيْهِ الْأَخْمَاسُ، وَكَانَتْ الصَّدَقَاتُ عَلَى حِدَةٍ لَهَا أَهْلٌ، وَلِلْفَيْءِ أَهْلٌ، وَكَانَ يُعْطِي مِنْ الصَّدَقَةِ الْيَتِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْمِسْكِينَ. فَإِذَا احْتَلَمَ الْيَتِيمُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ نُقِلَ إلَى الْفَيْءِ، وَإِنْ كَرِهَ الْجِهَادَ لَمْ يُعْطَ مِنْ الصَّدَقَةِ شَيْئًا، وَأُمِرَ بِأَنْ يَكْسِبَ لِنَفْسِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَمْنَعُ سَائِلًا شَيْئًا فَأَتَاهُ
стр. 959
رَجُلَانِ يَسْأَلَانِهِ مِنْ خُمُسِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهُ وَلَا حَظَّ فِيهِ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
ثُمَّ رُوِيَ أَنَّ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيَّ كَانَ يَقْسِمُ أَعْطِيَاتِ قَوْمِهِ، فَفَضَلَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دِرْهَمٌ فَقَالَ: اقْتَرِعَا أَيُّكُمَا يَأْخُذُهُ. فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَسَارَهُ. فَقَالَ: أَتَأْمُرُهُمَا أَيُّهُمَا يَذْهَبُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ. فَقَالَ: اذْهَبَا فَاشْتَرِيَا بِهِ شَيْئًا بَيْنَكُمَا فَاقْتَسِمَاهُ.
وَبِهِ نَقُولُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ، وَأَنَّ الْمُشْتَرَكَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِنَفْسِهِ فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهُ الشَّرِيكَانِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ أَوْ يَشْتَرِيَا بِهِ شَيْئًا فَيَقْسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لِأَيِّهِمَا فَإِنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَذُكِرَ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِبَابِ عُمَرَ ﵁ فَمَرَّتْ جَارِيَةٌ فَتَخَشْخَشَ لَهَا الْقَوْمُ، أَيْ تَحَرَّكُوا وَأَوْسَعُوا لَهَا. فَقَالُوا: لَعَلَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَتْ: إنِّي لَا أَحِلُّ لِأَمِيرٍ، إنِّي مِنْ خُمُسِ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: مَا يَحِلُّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى. الْحَدِيثَ. . . إلَى أَنْ قَالَ عُمَرُ ﵁: إنِّي أَسْتَحِلُّ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى حُلَّتَيْنِ حُلَّةً بِالشِّتَاءِ وَحُلَّةً بِالصَّيْفِ. وَظَهْرِي الَّذِي أَحُجُّ عَلَيْهِ
стр. 960
وَأَعْتَمِرُ، وَقُوتُ أَهْلِي، وَقُوتِي قُوتُ أَهْلِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ أَنَا شَرِيكُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدُ.
فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَأْخُذُ مِقْدَارَ الْكِفَايَةِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ هُوَ يُسَاوِيهِمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (ص ٣٣٧) .
١٨٧٩ - ثُمَّ ذُكِرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بِخَيْبَرَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى كَلَّمَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَجُبَيْرُ بْن مُطْعِمٍ» .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ ذَلِكَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.
وَاَلَّذِي زَادَ هَا هُنَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمَا: إنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ كَانُوا دَخَلُوا مَعَنَا الشَّعْبَ، وَكَانُوا مَعَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يُفَارِقُونَا وَإِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» .
فَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قُرْبُ النُّصْرَةِ بِالِانْضِمَامِ إلَيْهِ. حَالَ مَا هَجَرَهُ النَّاسُ لِأَقْرَبَ الْقَرَابَةِ.
стр. 961
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ ﵇ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَيْنَ بَنِي الْمُطَّلِبِ» .
وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ خُمُسُ الْخُمُسِ لِذَوِي الْقُرْبَى. لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ كَانَ بِطَرِيقِ الْإِكْرَامِ لَهُمْ فَمَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إلَى عِوَضِ ذَلِكَ، ثُمَّ حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ فِي حَقِّ بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً. وَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَيْضًا، فَعَرَفْنَا أَنَّ السَّبَبَ قُرْبُ النُّصْرَة لِمَا بَيِّنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 962
[بَابُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ]
١٠٦ - بَابُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ ١٨٨٠ - وَإِنْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ إلَّا الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ، لَهُمْ وَلِدَوَابِّهِمْ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَذْبَحُوا الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ لِيَأْكُلُوا بِغَيْرِ خُمُسٍ.
لِأَنَّ حَاجَتَهُمْ إلَى الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ حَاجَةٌ مَاسَّةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَصْحِبُوا ذَلِكَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِدُونَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِشِرَاءٍ، وَمَا يَأْخُذُونَ يَكُونُ غَنِيمَةً.
فَلِأَجْلِ الْحَاجَةِ يَصِيرُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ.
وَهُوَ نَظِيرُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، فَإِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا يَشْتَرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، حَتَّى يَخْتَصَّ بِذَلِكَ الْعِلْمُ بِوُقُوعِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الشَّرِكَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ حَيْثُ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ جَوَابَ كِتَابِهِ أَنْ دَعْ النَّاسَ يَأْكُلُوا وَيَعْلِفُوا، فَمَنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ فِيهِ خُمُسُ اللَّهِ وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ.
وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَبِهِ نَأْخُذُ.
стр. 963
فَنَقُولُ: إنَّمَا يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ دُونَ التِّجَارَةِ، فَمَا يَدْخُلُ تَحْتَ التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ يَكُونُ بَدَلُهُ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ سَلْمَانَ حِينَ أَتَاهُ غُلَامُهُ بِسَلَّةٍ يَوْمَ نَهَاوَنْدَ. فَقَالَ: هَاتِهَا، فَإِنْ كَانَ مَالًا دَفَعْنَاهُ إلَى هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانَ طَعَامًا أَكَلْنَاهُ. فَإِذَا فِيهَا أَرْغِفَةُ حُوَّارَى وَجُبْنَةٌ وَسِكِّينٌ. فَجَعَلَ سَلْمَانُ يَطْرَحُ لِأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ الْخُبْزِ وَيَقْطَعُ لَهُمْ مِنْ جُبْنِهِ فَيَأْكُلُونَ، وَيُخْبِرُهُمْ كَيْفَ يُصْنَعُ الْجُبْنُ.
١٨٨١ - ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْأَكْلِ. وَقَالَ: فَإِنْ خَرَجُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ تَصَدَّقُوا بِهِ.
وَالْمُرَادُ إنَّمَا يَتَصَدَّقُونَ إذَا قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ، فَأَمَّا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَيُرَدُّ ذَلِكَ فِي الْمَغْنَمِ، لِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَتَيَسَّرُ إيصَالُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْغَنِيمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ، فَيَكُونُ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ كَاللُّقَطَةِ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَيَأْكُلُهُ، وَإِنْ أَكَلَهُ وَهُوَ غَنِيٌّ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ (ص ٣٣٨) وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁.
١٨٨٢ - وذكر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: رُدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ وَكُلُوا وَاعْلِفُوا وَلَا تَحْمِلُوا» .
فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ يَكُونُ غَنِيمَةً لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِشَيْءٍ مِنْهُ. فَأَمَّا الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ فَمُسْتَثْنًى فِي حُكْمِ الْأَكْلِ
стр. 964
خَاصَّةً لَا فِي حُكْمِ الْحَمْلِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: بَيْعُ الطَّعَامِ إذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ مِنْ الْغُلُولِ. وَكَذَلِكَ بَيْعُهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ مِنْ الْغُلُولِ إنْ لَمْ يُرَدَّ ثَمَنُهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: لَمْ يُخَمَّسْ الطَّعَامُ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ.
فَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلِ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، حَتَّى لَا يَجِبَ فِيهِ الْخُمُسُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَا يَعِزُّ وُجُودُهُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ: إنَّ هَذِهِ الْإِبَاحَةَ تَخْتَصُّ بِطَعَامٍ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَكُونَ تَافِهًا، فَأَمَّا مَا يُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَاعْتِمَادُنَا فِيهِ عَلَى حَدِيثِ مَكْحُولٍ: أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ جَزُورًا بِأَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ نَادَى فِي النَّاسِ: هَلُمُّوا إلَى هَذَا اللَّحْمِ فَخُذُوا مِنْهُ. فَقَالَ مَكْحُولٌ لِلرَّجُلِ مِنْ غَسَّانَ: أَلَا تَقُومُ فَتَأْتِينَا مِنْ لَحْمِ هَذَا الْجَزُورِ؟ فَقَالَ: إنَّهَا نُهْبَى، أَيْ لَمْ تُخَمَّسْ. فَقَالَ مَكْحُولٌ: إنَّهُ لَا نُهْبَى فِي الْمَأْذُونِ فِيهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِبِلَ مِمَّا لَا يَكُونُ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَقَدْ جُوِّزَ نَحْرُهَا وَالْأَكْلُ مِنْهَا.
فَدَلَّ أَنَّ الْأَكْلَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: كُلُّ مَا حُمِلَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ
стр. 965
هُنَاكَ فَحَمَلَهُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ لَهُ. وَهَذَا عِنْدَنَا صَحِيحٌ فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ فِي دَارِنَا أَيْضًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ النَّقْلِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان لَمْ تَتَبَدَّلْ الْعَيْنُ وَإِنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنَائِمِ.
وَكَأَنَّ مَكْحُولًا جَعَلَ النَّقْلَ مُحْدِثًا صِفَةَ التَّقَوُّمِ فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ الصَّنْعَةِ حَتَّى قَالَ: فَمَا اقْتَطَعْت مِنْ شَجَرِ الْعَدُوِّ فَعَمِلْته قَدَحًا أَوْ مِرْزَبَّةً أَوْ مَزَادَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا وَجَدْت مِنْ ذَلِكَ مَعْمُولًا فَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
وَبِهَذَا نَأْخُذُ.
فَإِنَّ الْمَعْمُولَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ بِصَنْعَتِهِ، وَقَبْلَ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا.
فَإِذَا صَيَّرَهُ مَالًا مُتَقَوِّمًا بِصَنْعَتِهِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اتَّخَذَ الْكُوزَ مِنْ تُرَابِ غَيْرِهِ، لَكِنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّنْعَةِ وَالنَّقْلِ، لِأَنَّ بِالصَّنْعَةِ تَتَبَدَّلُ الْعَيْنُ، فَيَكُونُ الْمُتَقَوِّمُ شَيْئًا آخَرَ، هُوَ حَادِثٌ بِصَنْعَتِهِ، فَأَمَّا بِالنَّقْلِ فَلَا تَتَبَدَّلُ الْعَيْنُ.
١٨٨٣ - ثُمَّ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَرِبَا الْغُلُولِ» . وَفُسِّرَ ذَلِكَ بِأَنْ يَرْكَبَ دَابَّةً مِنْ الْفَيْءِ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِي الْمَغْنَمِ، أَوْ يَلْبَسَ ثَوْبًا حَتَّى إذَا خَلُقَ رَدَّهُ فِي الْمَغْنَمِ، أَوْ يَنْكِحَ الْجَارِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ.
стр. 966
وَبِهَذَا نَأْخُذُ. فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ بِمَنَافِعِهَا.
وَبِالْجُزْءِ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ عَيْنِهَا لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ بِاسْتِعْمَالِهِ.
١٨٨٤ - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ مِنْ الطَّعَامِ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِ إلَى أَهْلِهِمْ فَيَأْكُلُونَ وَيُهْدُونَ مَا لَمْ يَبِيعُوا.
فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْإِهْدَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَاجَةِ كَالْأَكْلِ. وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا. فَإِنَّ الْأَكْلَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ (ص ٣٣٩) تَتَحَقَّقُ فِيهِ الضَّرُورَةُ، وَالْإِهْدَاءُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَهُوَ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ.
١٨٨٥ - وَذُكِرَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ سَيْفًا مِمَّا أَصَابُوا يَوْمَ الزَّارَةِ وَقَاتَلَ بِهِ.
وَبِهِ نَأْخُذُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، بِأَنْ يَنْكَسِرَ سِلَاحُهُ. فَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْإِبْقَاءَ عَلَى سِلَاحِهِ وَالْقِتَالَ بِسِلَاحٍ أَخَذَهُ مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ مِنْ رِبَا الْغُلُولِ.
لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ يَكُونُ غَنِيمَةً، وَلَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي الْقِتَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ الْمُشْرِكُ بِسَيْفٍ فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ وَضَرَبَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.
١٨٨٦ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوَقِّحَ دَابَّتَهُ، وَيَدْهُنَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَغْنَمِ.
стр. 967
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَا يُؤْكَلُ مِنْ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ الْعَيْنِ أَكْلًا، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ انْتِفَاعًا بِوَجْهٍ آخَرَ.
فَأَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَدْهَانِ كَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْهُنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ غَالِيَةً أَوْ بَانًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ هَذَا. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَنَحْوُهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَهُ أَوْ يَسْتَصْبِحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ فَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْهُنَ بِهِ.
١٨٨٧ - وَذُكِرَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَدَ يَوْمَ خَيْبَرَ دَرَاهِمَ فِي خَرِبَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُمُسَ» . وَبِهَذَا نَأْخُذُ. فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْ الْغَانِمِينَ إذَا وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ رِكَازًا أَوْ مَعْدِنًا فَهُوَ غَنِيمَةٌ، لِأَنَّهُ مَا تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَاسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
١٨٨٨ - فَإِنْ نَهَى الْإِمَامُ الْجَيْشَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يَقْسِمَ فَعَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْهُ.
لِأَنَّ الْإِمَامَ مُجْتَهِدٌ، فِيمَا يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ بِهِ، وَبِتَنْصِيصِهِ يَنْعَدِمُ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذَا الْمَالِ مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ سَائِرِ الْغَنَائِمِ.
стр. 968
١٨٨٩ - إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ. فَإِذَا عَرَفَ حَاجَتَهُمْ إلَى ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَقَسَمَ مَا بَقِيَ، لِيَتَنَاوَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ نَصِيبِهِ. فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 969
[بَابُ قَتْلِ الْأَسَارَى وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ]
١٠٧ - بَابُ قَتْلِ الْأَسَارَى وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ ١٨٩٠ - قَالَ: الْإِمَامُ بِالْخِيَارِ فِي الرِّجَالِ مِنْ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَخْمِسَهُمْ وَيَقْسِمَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُمْ.
وَكَانَ الْحَسَنُ ﵁ يَكْرَهُ قَتْلَ الْأَسِيرِ إلَّا فِي الْحَرْبِ لِيُهِيبَ بِهِ الْعَدُوَّ. وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ﵀ كَانَ يَكْرَهُ قَتْلَ الْأَسِيرِ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ لِدَفْعِ مُحَارَبَتِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِالْأَسْرِ وَانْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَلَيْسَ فِي الْقَتْلِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا ثَبَتَ فِي رِقَابِهِمْ حَقٌّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ بَعَثَ إلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِأَسِيرٍ لِيَقْتُلَهُ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَصْرُورًا فَلَا أَقْتُلُهُ. يَعْنِي: بَعْدَ مَا شَدَدْتُمُوهُ وَأَسَرْتُمُوهُ فَلَا أَقْتُلُهُ.
стр. 970
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ، حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ [محمد: ٤] الْآيَةَ وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ إلَى غَايَةِ الْأَسْرِ، ثُمَّ جَعَلَ الْحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَنَّ أَوْ الْفِدَاءَ.
وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْأَسْرِ قِصَّةُ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَقَدْ قَتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَبَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. «وَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بِالْأَثِيلِ وَكَانَا مِنْ أَسَارَى بَدْرٍ» . (ص ٣٤٠) وَقَتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَعْبَدَ بْنَ وَهْبٍ وَقَدْ كَانَ أَسَرَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَمِعَهُ يَقُولُ: يَا عُمَرُ أَتَحْسِبُونَ أَنَّكُمْ غَلَبْتُمْ، كَلًّا وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى. فَقَالَ: أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ وَضَرَبَ عُنُقَهُ.
وَلِأَنَّ الْأَمْنَ عَنْ الْقَتْلِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَمَانِ أَوْ بِالْإِيمَانِ، وَبِالْأَسْرِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ مُبَاحَ الدَّمِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ. وَهُوَ بِالْأَسْرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارَبًا، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْمُحَارَبَةِ لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ.
فَيَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْمُرْتَدِّ الْمَقْهُورِ فِي أَيْدِينَا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَمَنْسُوخٌ.
стр. 971
هَكَذَا نُقِلَ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّهُ نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
١٨٩١ - وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ قَتْلَهُ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ، لَا أَنْ يُقَالَ تَحَرَّزَ عَنْ قَتْلِهِ بَعْدَ مَا أُسِرَ. وَنَحْنُ هَكَذَا نَقُولُ: الْأُولَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ إذَا كَانَ لَا يُخَافُ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَقْتُلَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَمَا قَبْلَهُ.
لِانْعِدَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِحُرْمَةِ دِمَائِهِمْ.
فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَتَأَكَّدُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَسَارَى بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِالسَّوَادِ.
١٨٩٢ - وَإِذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ الْحَقُّ فِيهِمْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ كَالْحُكْمِ قَبْلَهُ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قِسْمَتِهِمْ قَسَمَهُمْ، وَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قَتْلِهِمْ قَتَلَهُمْ.
لِدَفْعِ فِتْنَتِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] . وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ حَرُمَ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] . وَقَدْ
стр. 972
خَرَجَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا، وَقَالَ ﵇: «فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» . وَلَكِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقِسْمَةِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ.
١٨٩٣ - وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ قَتَلَ أَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُبَاعَ أَوْ يُقْسَمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ أَرَاقَ دَمًا مُبَاحًا فَهُوَ كَمَنْ قَتَلَ مُرْتَدًّا أَوْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ.
وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَسِيرُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ بِالْقَتْلِ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ يَدَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ إذَا أَخَذَهُ قَبْلَهُ فَيَقْتُلَهُ» . وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّهُ أَزَالَ يَدَهُ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ لِحَقِّهِ. فَهُوَ كَمَنْ أَرَاقَ خَمْرًا عَلَى مُسْلِمٍ وَهُوَ يُمْسِكُهُ لِلتَّخْلِيلِ.
١٨٩٤ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَسَرَهُ فَهُوَ فِي الْقَتْلِ يَفْتَاتُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَيُبْطِلُ الْخِيَارَ الثَّابِتَ لَهُ. وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ ﵇: «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِهِ» .
стр. 973
١٨٩٥ - إلَّا أَنْ يُعَالِجَهُ الْأَسِيرُ وَيَقْصِدَ الِانْفِلَاتَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُعْجِزَهُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامُ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
١٨٩٦ - وَإِنْ أَسْلَمَ فِي يَدِهِ فَهُوَ آمِنٌ مِنْ الْقَتْلِ. هَكَذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: إذَا أَسْلَمَ الْأَسِيرُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ أَمِنَ مِنْ الْقَتْلِ وَهُوَ رَقِيقٌ.
١٨٩٧ - فَإِنْ قَسَمَ الْإِمَامُ الْأَسَارَى أَوْ بَاعَهُمْ حُرِّمَتْ دِمَاؤُهُمْ.
(ص ٣٤١) .
لِأَنَّهُ آمَنَهُمْ بِمَا صَنَعَ، فَإِنَّهُ مَلَّكَهُمْ مِنْ الَّذِينَ وَقَعُوا فِي سِهَامِهِمْ، وَالْمِلْكُ يَكُونُ مُحْتَرَمًا بِحُرْمَةِ الْمَالِكِ.
١٨٩٨ - فَمَنْ قَتَلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَنْ قَتَلَ.
وَالْكَفَّارَةُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي قَتْلِ غَيْرِهِمْ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ.
فَهُنَاكَ الْمِلْكُ لَمْ يَثْبُتْ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْأَسِيرُ، فَإِذَا قَتَلَهُ غَيْرُهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كُرِهَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ يَدِ الْمُسْلِمِ. «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: لَا تُخْبِرُوا سَعْدًا بِقَتْلِ أَخِيهِ فَيَقْتُلَ كُلَّ أَسِيرٍ فِي أَيْدِيكُمْ» .
١٨٩٩ - وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: رُدَّتْ الْغَنَائِمُ
стр. 974
فِي الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأُقِرَّتْ الْأَسَارَى فِي أَيْدِي مَنْ أَسَرَهُمْ، وَالْأَسْلَابُ فِي أَيْدِي مَنْ قَتَلَهُمْ.
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ كَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ» . فَأَمَّا إذَا لَمْ يَسْبِقْ التَّنْفِيلُ مِنْ الْأَمِيرِ بِذَلِكَ فَكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ فِي الْمَغْنَمِ.
١٩٠٠ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَ الْأَسَارَى فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ وَلَكِنَّهُ يَقْتُلُهُمْ قَتْلًا كَرِيمًا.
يَعْنِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَثِّلَ بِهِمْ. فَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .
وَقَالَ ﵇ «فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ مَا احْتَرَقَ النَّهَارُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ: لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ وَحَرَّ السِّلَاحِ. قَيِّلُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا. فَقَيَّلُوهُمْ حَتَّى أَبْرَدُوا، ثُمَّ رَاحُوا بِبَقِيَّتِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ. وَقَدْ كَانَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَحْمَالِ التَّمْرِ فَنُثِرَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَكَانُوا يَكْدُمُونَهَا كَدْمَ الْحُمُرِ» .
стр. 975
قَالَ: وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْقَتِيلِ فَيَتْرُكَهُ وَلَا يَقْتُلُهُ وَلَا يَقْسِمُهُ.
لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إبْطَالَ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ بِأَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَإِذَا أَرَادَ إبْطَالَ حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْهُ.
وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِ تَمْكِينَهُ مِنْ أَنْ يَعُودَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ.
١٩٠٢ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْمَنِّ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] . قَدْ انْتَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] .
وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْتِسَاخِ حُكْمِ الْمَنِّ» .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا «وَقَعَ أَسِيرًا يَوْمَ أُحُدٍ وَطَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ أَبَى وَقَالَ: لَا تُحَدِّثْ الْعَرَبَ بِأَنِّي خَدَعْت مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ» .
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ لِلْحَدِيثِ تَأْوِيلًا آخَرَ وَهُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَاتِلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ.
وَأُولَئِكَ مَا كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ السَّبْيِ، وَإِنَّمَا مَنَّ عَلَى بَعْضِ الْأُسَرَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي رِقَابِهِمْ. وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فِي مِثْلِهِمْ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، الَّذِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ، فَإِنَّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا كَانُوا أَحْرَارًا، وَإِنْ أَبَوْا قُتِلُوا.
стр. 976
وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِمْ عَلَى بَعْضِ الْأَسَارَى، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيِّ حِينَ أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ. فَخَرَجَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا وَرَاءَك يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: إنْ عَاقَبْتَ عَاقَبْتَ ذَا ذَنْبٍ، وَإِنْ مَنَنْتَ مَنَنْتَ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْمَالَ فَعِنْدِي مِنْ الْمَالِ مَا شِئْتَ. فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ص ٣٤٢) بِشَرْطِ أَنْ يَقْطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى قَحَطُوا» .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الرِّقَابِ تَبَعًا لَلْأَرَاضِي، لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَذُكِرَ: عَنْ «جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا لِلْمَقِيلِ، ثُمَّ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِئْته وَعِنْدَهُ رَجُلٌ جَالِسٌ. فَقَالَ ﵇: إنَّ هَذَا جَاءَ وَأَنَا نَائِمٌ، فَسَلَّ سَيْفِي ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ: مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي الْيَوْمَ؟ فَقُلْت: اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي الْيَوْمَ؟ فَقُلْت: اللَّهُ. ثُمَّ شَامَ
стр. 977
السَّيْفَ. وَهَا هُوَ جَالِسٌ. فَمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا وَلَا عَاقَبَهُ» .
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ أَسْلَمَ. فَلِهَذَا لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ لَا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَرَأَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ.
١٩٠٤ - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَوُجِدَ الْأَسِيرُ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقَرَهُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ، وَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عُقِرَ عَقْرًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْبَرَاحِ فَهُوَ لِلَّذِي عَقَرَهُ.
لِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا بِفِعْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَارِ فَهُوَ لِلَّذِي أَخَذَهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَأْخُوذًا بِفِعْلِ الْأَوَّلِ.
وَنَظِيرُهُ الصَّيْدُ إذَا رَمَاهُ إنْسَانٌ فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُ. وَرُوِيَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «رَمَيْت يَوْمَ بَدْرٍ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، فَانْقَطَعَ نَسَاهُ ثُمَّ اتَّبَعْتُ أَثَرَ الدَّمِ حَتَّى وَجَدْته فِي يَدِ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ وَقَدْ جَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَاخْتَصَمْنَا فِيهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ
стр. 978
- ﷺ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَّا» .
وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِسَائِرِ الْغَنَائِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ فِيهَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَحْرِمُ مَنْ شَاءَ.
وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: ١٩٠٥ - قَالَ: قُلْت لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اشْتَرَى أَسِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا.
وَبِهِ نَأْخُذُ. فَإِنَّ الْمُسْلِمَ وَإِنْ وَقَعَ أَسِيرًا فَهُوَ حُرٌّ عَلَى حَالِهِ، وَمَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ لَا يَمْلِكُهُ، فَكَيْفَ يَرْبَحُ عَلَيْهِ؟ وَلَكِنْ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا أَدَّى مِنْ فِدَائِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ. وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ. وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ نَصًّا.
لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ مُتَنَوِّعٌ، قَدْ يَكُونُ لِطَلَبِ الْإِحْسَانِ وَالْأَخْذِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِقْرَاضِ، وَلَكِنَّهُ عَيَّنَ جِهَةَ الِاسْتِقْرَاضِ لِلْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَمَرَ غَيْرُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. ثُمَّ يَصِيرُ هَذَا رِوَايَةً فِي فَصْلٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، وَهُوَ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا صَادَرَ رَجُلًا فَأَمَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَالَ فَقَدْ قَالَ هُنَاكَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إلَّا بِالشَّرْطِ، لِأَنَّ الْمَالَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْآمِرِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَظْلُومًا فِيهِ، وَمَنْ دَفَعَ ظُلْمًا عَنْ غَيْرِهِ بِسُؤَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ
стр. 979
الْأَصَحُّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ الْأَسِيرِ أَيْضًا.
وَمَنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ فَقَدْ دَفَعَ ظُلْمَهُمْ عَنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِأَمْرِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ بِشْرِ بْنِ غَالِبٍ: ١٩٠٦ - قَالَ: سُئِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄: مَتَى يَجِبُ السَّهْمُ لِلْمَوْلُودِ؟ قَالَ: إذَا اسْتَهَلَّ (ص ٣٤٣) .
يُرِيدُ بِهِ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ. فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إذَا انْفَصَلَ حَيًّا، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالِاسْتِهْلَالِ.
١٩٠٧ - وَسُئِلَ عَنْ فِكَاكِ الْأَسِيرِ فَقَالَ: عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُقَاتِلُ عَنْهَا.
يَعْنِي مِنْ خَرَاجِ تِلْكَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ الْأَسْرِ كَانَ يَذُبُّ عَنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ، فَهُمْ أَوْلَى بِفِكَاكِهِ، لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ، وَإِنَّمَا يُفَكُّ مِنْ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدِّ خُلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ.
١٩٠٨ - وَسُئِلَ عَنْ الشَّرَابِ قَائِمًا، فَحَلَبَ نَاقَةً ثُمَّ شَرِبَ قَائِمًا وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبَيَانَ بِفِعْلِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَقَدْ اقْتَدَى فِيهِ بِأَبِيهِ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا تَوَضَّأَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ أَخَذَ الْإِنَاءَ وَشَرِبَ فَضْلَةً فِيهَا قَائِمًا. وَكَانَ قَصْدُهُ مِنْ ذَلِكَ رَدَّ قَوْلِهِمْ فِي كَرَاهَةِ شُرْبِ الْمَاءِ قَائِمًا.
١٩٠٩ - وَذُكِرَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أُتِيَ بِأَسِيرٍ
стр. 980
يَوْمَ صَفَّيْنِ، فَقَالَ: لَا تَقْتُلْنِي. قَالَ: لَا أَقْتُلُك صَبْرًا، إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ سِلَاحَهُ لِلَّذِي جَاءَ بِهِ.
وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ، حَتَّى إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ حَيًّا، وَعَلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا. وَهُوَ أَيْضًا تَأْوِيلُ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ﵁ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَغْنَمْ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْجُمَلِ إلَّا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ. أَيْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِهِ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمَلِّكَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَصِيرُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُخَمِّسْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا طَالَبُوهُ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ قَالَ: فَمَنْ يَأْخُذُ مِنْكُمْ عَائِشَةَ؟ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ السِّلَاحَ إلَى مَنْ دَفَعَ لِحَاجَتِهِ، حَتَّى يُقَاتِلَ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.
١٩١٠ - وَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ رِجَالِهِمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ. فَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَهُمْ فَيْءٌ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ ﵇: «اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» .
وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِحْيَاءِ الِاسْتِرْقَاقُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] وَالْمُرَادُ بِالشَّرْخِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.
ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ الْمُرْتَدِّينَ، وَالنِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ مَا صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ يُسْتَرَقُّونَ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ إلَّا أَنَّ أُولَئِكَ يُجْبَرُونَ
стр. 981
عَلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ قَدْ لَزِمَهُمْ. فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهُمْ الْإِقْرَارُ بِالْإِسْلَامِ، فَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ.
١٩١١ - ثُمَّ كُلُّ مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ مِنْ الرِّجَالِ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ.
وَمَنْ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ.
لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْقَاءَ الْكَافِرِ بِمَنْفَعَةٍ تَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبِلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ الْجِزْيَةَ إلَّا الْإِسْلَامَ أَوْ الْقَتْلَ.
وَالثَّانِي حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَوْ ثَبَتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ وَلَاءٌ أَوْ رِقٌّ لَثَبَتَ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ إنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْفِدَاءُ» .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْفِدَاءِ قَدْ انْتَسَخَ، فَبَقِيَ الْقَتْلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
стр. 982
وَإِذَا وَقَعَ السَّبْيُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْرَجَ مَالًا كَانَ مَعَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَيَنْبَغِي لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ (ص ٣٤٤) أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.
لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا مَلَّكَهُ بِالْقِسْمَةِ رَقَبَةَ الْأَسِيرِ لَا مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْعَدْلُ إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا مَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُ.
١٩١٣ - فَإِنْ تَفَرَّقَ الْغَانِمُونَ وَذَلِكَ السَّبْيُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لِقِلَّتِهِ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إيصَالِهِ إلَى صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
هَكَذَا نُقِلَ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ: مَا أَرَى وَجْهًا أَحْسَنَ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ وَقَعَ الْأَسِيرُ فِي يَدِهِ.
فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلَّذِي قَسَمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَإِنَّمَا حَسِبَ أَنَّ الَّذِي قَسَمَ أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِنَصِيبِهِ مَعَ الْأَسِيرِ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ.
стр. 983
وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا قَدْ خَلَصَتْ لَهُ أَخْرَجَتْ حُلِيًّا كَانَ مَعَهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا أَدْرِي هَذَا وَأَتَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: اجْعَلْهُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَانْطَلَقَ آخَرُ يَغْتَسِلُ، فَأَمَرَّ الْمَاءُ التُّرَابَ عَنْ لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَتَى سَعْدًا فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهِ نَأْخُذُ.
فَإِنَّ الْمَالَ الَّذِي مَعَ الْأَسِيرِ كَانَ غَنِيمَةً، وَبَيْعُ الْأَمِيرِ إنَّمَا تَنَاوَلَ الرَّقَبَةَ دُونَ الْمَالِ، فَيَبْقَى الْمَالُ غَنِيمَةً.
١٩١٥ - وَمَنْ وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَنْزًا وَقَدْ دَخَلَ مَعَ الْجَيْشِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ غَنِيمَةً.
لِأَنَّهُ مَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
١٩١٦ - وَإِذَا وَقَعَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ السَّبْيِ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَقَالَتْ: أَنَا جَارِيَةٌ ذِمِّيَّةٌ سَبَانِي أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَنِي الْمُسْلِمُونَ. وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا.
لِأَنَّهَا صَارَتْ رَقِيقَةً حِينَ سُبِيَتْ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إسْقَاطِ الرِّقِّ عَنْهَا.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَهَا مَوْلَاهَا بِالْمِلْكِ وَيَبِيعَهَا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ عَلَى مَا قَالَتْ.
стр. 984
لِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ غَيْرَ ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ.
وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: لَا تَقَعْ عَلَيْهَا وَبِعْهَا. فَإِنَّمَا كَرِهَ مُوَاقَعَتَهَا عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ، لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا حَلَالًا لَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا، وَلَوْ رَآهَا حُرَّةً كَمَا زَعَمَتْ مَا أَمَرَ بِبَيْعِهَا.
١٩١٧ - وَإِذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ خَمَّسَهَا وَخَمَّسَ أَهْلَهَا وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهَا، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ بِخَيْبَرَ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ الْأَرَاضِي أَرْضَ عُشْرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الصَّدَقَةِ.
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَأَهْلَهَا يُؤَدُّونَ مِنْهَا الْخَرَاجَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِأَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضِ الشَّامِ. وَمَا خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُحْمَدُوا عَلَى خِلَافِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ. فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ.
يَعْنِي مَاتُوا فِي الطَّاعُونِ. وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذَا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.
١٩١٨ - وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
стр. 985
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُك يَذْكُرُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ سَأَلُوا أَنْ تَقْسِمَ بَيْنَهُمْ غَنَائِمَهُمْ. فَانْظُرْ مَا أَجْلَبَ النَّاسُ عَلَيْك مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَاقْسِمْهُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَاتْرُكْ الْأَرْضَ وَالْأَنْهَارَ لِعُمَّالِهَا.
وَبِهِ نَأْخُذُ. وَإِنَّمَا أُصِيبَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالظُّهُورِ.
وَقَدْ تَحَقَّقَ انْفِصَالُهُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَخُرُوجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَيَجِبُ قِسْمَةُ ذَلِكَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَرْضِ وَالْمَنِّ عَلَى أَهْلِهَا.
قَالَ: وَانْظُرْ أَنْ لَا تُوَلِّهَ وَالِدَةً عَنْ وَلَدِهَا.
أَيْ لَا تُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَوَالِدَتِهِ. وَبِنَحْوِ هَذَا جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (ص ٣٤٥) حِينَ «رَأَى جَارِيَةً وَالِهَةً فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: مَا حَالُهَا؟ فَقَالَ: بِيعَ وَلَدُهَا. قَالَ: لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا» .
قَالَ: وَلَا تَمَسَّ امْرَأَةً حَتَّى يَطِيبَ رَحِمُهَا.
أَيْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا. وَهُوَ نَظِيرُ مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: وَلَا الْحَبَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ.
قَالَ: وَلَا تَتَّخِذْ أَحَدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَاتِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ فِي دِينِهِمْ، وَلَا رِشْوَةَ فِي دِينِ اللَّهِ. وَبِهِ نَأْخُذُ.
следующие страницы →