← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 5437

سورة الواقعة ومنهجها فى العقائد

محمود محمد غريب

Полный текст (254 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأهم الكتب التي استفدت منها في هذا الفصل (الطب محراب الإيمان) للدكتور خالص جلبى كانجو. وأنصح بقراءته لكشف آيات الله في جسم الإنسان وكتاب (الطاقة الإنسانية) للأستاذ أحمد حسين. وإتماماً للفائدة وتعميقاً لفهم قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) فسوف أوجز القول في بعض ما يتعلق بها من الناحية العلمية. الحيوان المنوى (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟ عندما يقرؤها رجل الطب ويعيش في رحابها يدور بخلده قدرة الله في خلق الحيوان المنوى إن حجمه متناهى في الصغر فالنطفة الواحدة تحتوى على قرابة أربع مائة مليون حيوان منوى. شعب كامل من أعظم شعوب العالم ومع ذلك لا يفوز من هذه الجموع سوى حيوان واحد وهو الأقوى والأسرع. يصل هذا الفائز إلى الملكة المتوجة التي طال انتظارها له ليحمل لها كل خصائص الأب الوراثية فضلاً عما زود به من الهرمون الجنسى المذكر (التستومترون) والذى يحمل خصائص الرجولة العامة من نظام الشعر في جسد الرجل والذى يختلف عن توزيع الشعر في جسد المرأة ويقنع هذا الهرمون الحبال الصوتية بضرورة الغلظة حتى تغاير أصوات النساء ويؤثر على العضلات لتدخر البروتينات فيها حتى تشتد العضلات وتقسوا ويؤثر على عظام الصدر فتتسع وعظام الحوض فتضيق ثم يحدد بعد ذلك طبيعة المزاج النفسى فالحيوان المنوى مخلوق عجيب. وزاد إعجابى بالحيوان المنوى وأنا أدرس كتاب " التنبؤ الوراثى " للدكتورين ظلت هارسنياى وريتشارد هوتن فقد جاء فيه دراسة واسعة عن الأمراض الوراثية وكيف تنقل

стр. 107

العوامل الوراثية الأمراض عن طريق الحيوان المنوى إلى الأجيال الجديدة. جاء فيه: فالعامل الوراثى قد يكون هو البندقية المعبأة ولكن ثمة عامل بيئي هو الذي يشد الزناد. و (الجينا) نفسها تحوى سجل الماضي للجسم كما تحوى شفرة وخريطة لمستقبله. وقد جاء فيه دراسة على المدمنين للكحل ومدى انتقال أمراض الإدمان إلى أبنائهم فقد ذكر أن فرصة إصابة أبناء المدمنين بالأمراض الناشأة عن الإدمان تزيد أربعة أضعاف تقريباً عن أبناء غير المدمنين. وذكر أنه في تجربة قام بها عالمان هما شوكيت ورايزس على ٣٠٤ من الرجال بعضهم من أبناء المدمنين وبعضهم من أبناء غير المدمنين فقد أعطى كل من المجموعتين مقدار واحداً من الكحل ثم اختبرت عينات من دم المجموعتين لمعرفة مدى تأثير مادة " الايسيتالدهيد" وهذه المادة يفرزها الجسم لتكسير الكحول النقى وهى عادة سامة وتضعف الجسم. فقد تبين أن الأشخاص الذين انحدروا من عوائل لها صلة بالكحول قد تركزت فيهم مادة "الايسيتالدهيد" في الدم ضعف المقادير التي وجدت في الأشخاص العاديين. هذا وقد ذكر المؤلفان التجارب التي أجريت للتحقق من تأثير المواد الكحولية على أعصاب أبناء المدمنين وعللوا ذلك بنقص في أحد الإنزيمات وهو الإنزيم الناقل (للكيتوليز) . فما سر هذا المخلوق العجيب؟!!. إن كل شعوب الأرض قد خلقت من حيونات منوية حجمها كحجم قرص واحد من الأسبرين. فكم حجمك في عالم الحيونات المنوية؟ وهل يعلم الذين يدمونون الخمر أي بلاء يجرونه على أبنائهم؟

стр. 108

السائل المنوى: عندما تنبه الأعصاب الحويصلة النووية وبعض الغدد الأخرى أمثال الغدد البصلية الاحليلية فإن هذه الغدد تتسارع إلى فرز هذا السائل الذي يسبح فيه الحيوان المنوى وهذا السائل ذو طبيعة قلوية وسر هذه المادة القلوية أن تؤمن الحيوان المنوى عند مروره في الطريق البولى حتى لا تؤذيه بقايا البول فضلا عن عملية التنظيف التي تقوم بها غدة البروستاتا لمجرى البول أثناء عملية الجماع وسرعة القذف تساعد على عدم وقوف السائل في الطريق الحامضى سواء عند الرجل أو عند المرأة. هذا ما نعرفه عن نطفة الرجل ... أما بويضة الأنثى فلا تخلوا من مثل هذه الأسرار فهى مزودة بهرمون المحبات وهو يحمل إلى الجنين الخصائص الأنثوية ويهيئها لما خلقت له فماذا يفعل هذا الهرمون؟.. زيادة شحم بدن المرأة وكبر الحوض وضيق عظام الصدر ونمو الثديين ونعومة الجلد ورقة الصوت ولين المزاج ويبقى الأمر بيد الله وحده في تغليب أحد الجنسين وتنشأة الجنين ذكراً أم أنثى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) هذا بعض ما تشير إليه الآية الكريمة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ونكتفى بهذا القدر من الحديث عن النطفة احتراما للتخصص. (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) من المفسرين من قدر الضمير في قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) أى تخلقون الجنين الناشئ عن النطفة. وكثير من آيات القرآن تكلمت

стр. 109

عن الأجنة ومراحل تكوينها ولست طبيباً حتى أتتبع تكوين الجنين من خلية واحدة إلى مائة بليون خلية كل خلية تؤدى ما خلقت له. ولكن بعض الخواطر العلمية يمكن أن تتسع لها هذه الصفحات مع احترامى الدائم لدقة المتخصصين. إنَّ انقسام الخليَّة الواحدة (البويضة الملقحة) إلى ملايين الخلايا المتخصصة أمر محير حقا. فهى تصبح مجموعة من الألياف المتراصة لتكوين العضلات. وهى تصبح بنكرياس فتقوم بإفراز الأنسولين الذي ينظم السكر في الدم وهى تكون الغدة الدرقية فتفرز الهرمونات الحاثة على تنظيم الحرارة. وهى تكون المعدة فتفرز العصارات الهاضمة التي تهضم الطعام ولا تهضم نفسها. وتكون الأمعاء الدقيقة التي تقوم بالامتصاص. وتكون كرات الدم الحمراء التي تحمل الأوكسجين إلى جميع الجسد. أما أسرار الغدة النخامية التي تعتبر بجدارة (ملكة الغدد) فتحتاج إلى دراسة واسعة إنها تقوم بإفراز عشرة هرمونات هذه الهرمونات تحث كثير من الأعضاء على أداء وظائفها وتقوم بعملية التنسيق بين الأعضاء. إنَّ الغدة النخامية بفصوصها الثلاثة تنظم عملية النمو للجسد وإفراز اللبن اللازم للإرضاع والذى يزداد تركيزاً كلما زادت حاجة الطفل وتنظيم الحياة الجنسية وما يلزمها من تكوين النطفة والبويضة وتنظيم عملية إدرار البول بما تتجلى فيه آيات الله (١) . - - - - - - - - - - (١) يفرز الجسد ١٨٣ لتراً من البول في اليوم الواحد وهذا المقدار إذا خرج من الجسد فسوف يلزم الإنسان أن يشرب مثل هذا القدر من الماء ويمكن أن ندرك خطورة هذا الأمر ولكن الله سبحانه كلف الغدة النخامية أن تفرز هرمون يفرض على الكلى أن تعيد النظر في هذا القدر من البول فتحتفظ للبدن بمقدار ١٨١.٥ لتراً من الماء وتخرج لتراً ونصف فقط وبذلك تقى الإنسان شراً مستطيراً ومن السهل أن يعلم القارئ الكريم أن هذا الرقم يأتي نتيجة دوران كمية الماء الموجودة في الجسم عدة مرات في اليوم الواحد.

стр. 110

وللغدة النخامية دور كبير في عملية الولادة فضلا عما تقوم به من تحريض الغدة الدرقية على اصطياد مادة اليود من الدم وصنع هرمونات الدرق. والعجيب أن هذه الغدة لا يزيد حجمها على واحد سم مكعب. يا سبحان الله.. إنَّ الخليَّة الأولى تنقسم إلى خلايا تكون العين في الظلام لترى عندما تخرج إلى النور وتكون أذن يتم تكوينها في صمت الرحم لتسمع عندما تخرج إلى ضجيج الحياة. وتكون كرات الدم البيضاء التي تعمل عمل الجيوش المدافعة عن الجسد ضد الجراثيم الداخلة إليه. أما خلايا الأعصاب وخلايا المخ فلا يتسع لها إلا كتب التخصص لشدة تعقيدها: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟ إنَّ القرآن العظيم لا يلفت عقول الناس إلا لأمر عظيم وقد يغيب سر ذلك عنا: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟ تذكرنا هذه الآية الكريمة بأمرين جليلين يحسن الإشارة إليهما. أولهما: أن الجسد غيور يطرد كل غريب عنه وكرات الدم البيضاء تخوض معركتها مع الجسم الغريب فإما أن تنتصر وإما أن تنتحر والصديد هو جثث كرات الدم البيضاء المنتحرة. فما سر أن يقبل رحم المرأة (الحيوان المنوى) ويرحب به؟ لماذا لم يقتله كما يقتل كل جسم غريب؟ إن سر ذلك عند الله وحده. ثانيهما: عندما يتم الإخصاب تبدأ رحلة الجنين في الرحم يكون الجنين خلية واحدة وبعد مدة الحمل يصل تكاثر الخليَّة إلى مائة بليون خلية.

стр. 111

فالزيادة مطردة حسب (قانون المتواليات الهندسية) (١) . فما سر أن تتغير سرعة التكاثر بمجرد أن يخرج الجنين إلى الحياة؟ يقول الأستاذ أحمد حسين في كتابة (الطاقة الإنسانية) : لو استمرت هذه الزيادة بعد عملية الولادة بنفس المعدل التي عليه في داخل الرحم لبلغ حجم الرجل في الستين من عمره حجم الكرة الشمسية كلها.. (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) هذا.. وقد تتبعت كل آيات القرآن في موضوع النطفة وتكوين الجنين فرأيت أن القرآن يربط بين تكوين الجنين في الرحم وبين تكوين الأجساد في باطن الأرض. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) . (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) إلى قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى) (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) وهكذا.. يربط القرآن بين النشأة الأولى في صورتها الأصلية - خلق آدم - وفى صورتها المتكررة من ناحية وبين النشأة الثانية - - - - - - - - - - (١) المتواليات الهندسية عبارة عن: ٢ , ٤، ١٦، ٢٥٦، ٦٥٥٣٦ وهكذا تتكاثر الخلايا بهذه السرعة العجيبة حتى يعيد الله ضبطها عند خروج الجنين من بطن أمه.

стр. 112

للبعث والجزاء من ناحية أخرى ليدلل بخلق الإبداع عن خلق الإرجاع.. (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) قال تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) . (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) نحن قدرنا بينكم الموت. فما حيلة الدنيا كلها. هذا قدرنا.. والذين لا يؤمنون بهذا القدر عليهم أن يفروا منه.. (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) لماذا ينكرون وجود الله ثم يمدون رقابهم له ليقطعها؟ لماذا يسلمون أنفسهم للمرض وضيق العيش وللموت؟.. ليتهم عندما عجزوا من الفرار من الله حاولوا الفرار إليه. إن الموت صغرهم أمام أنفسهم لأنه يصرع الجبابرة بنفس السهولة التي يصرع بها الأقذام. كم دخل على الملوك بدون استئذان فأنساهم عروشهم وحجب عيونهم عن التيجان لا حيلة تدفعه ولا يستجيب لرجاء. (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) صارع الإنسان طويلاً لدفع الأوبئة عن عالمة بحثاً عن البقاء. وقد حقق الإنسان انتصار لا بأس به في هذا الميدان وجعل الأوبئة العامة كالنار التي تحت الرماد بعد أن كانت شبحاً ظاهراً مخيفاً. أجل أصبحت الأوبئة كالنار تحت الرماد. تشتعل إذا أتحيت لها فرصه للظهور. وهل الأوبئة العامة هى الشبح الوحيد الذي يهدد الإنسان؟ هناك آلاف الأسباب والموت واحد. من يصدق أن العلم الذي يصارع الأوبئة الجماعية يتسابق لإقامة مستعمرات من جراثيم هذه الأوبئة ليستخدمها في الحروب ضد الإنسان. قنابل تصيب العدو بالحمى , والدوسنتاريا، والكوليرا، والدفتريا، والطاعون الدملى والرئوى، وحمى التيفود، والسل، والكساح، والجدرى، والتسمم

стр. 113

العلم الذي يبنى المستشفيات والمعامل العلاجية يصنع قنابل الجراثيم لقتل الأعداء والأعداء بشر - إنها حقيقة لابد أن تبقى ما بقى حيٌّ أي حيٍّ على الأرض هذه الحقيقة هى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) وهل الأوبئة وحدها هى السبب في الموت؟ إن العالم يصبح ويمسى على تهديدات بالحروب النووية وحرب النجوم. وإذا كانت التجربة الأولى لهذه الحرب في ٦ اغسطس ١٩٤٥ عنما أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية أول قنبلة ذرية فوق مدينة هيروشيما فقتلت في أول ثانية (١٤٥ ألف نسمة) وحولت مدينة كبيرة إلى خرائب فكيف بها اليوم؟ إن القنبلة النووية الآن وبعد أكثر من أربعين عاما على قنبلة هيروشيما تضاعف حجمها مرارا حتى أصبحت قنبلة هيروشيما بجوار قنابل اليوم كشمعة بجوار غابة تحترق. وويل للعالم من حماقة نووية تدمر كل شيء أو خطأ حسابى ينتج عنه بلاء لا يبقي ولا يذر. فالعلماء يتوقعون قتل ٢٠٠ مليون نسمة في الأيام الأولى إن شب حرب نووي. ومن يبقى من الموت سيحسد من مات. أتذكر الآن قول زهير بن أبى سلمة عن الحرب في الجاهلية.. وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميما ... وتضر إذا ضربتموها فتضرم فهي في كل عصر ذميمة وتشتعل ناراً تحرق كل شيء. إنَّ العلم الذي يحاول دفع الأوبئة الجماعية نراه يعد المخازن ليحتفظ بجراثيم الأوبئة الجماعية ووسائل الفتك النووى لتبقى حقيقة الحقائق.. (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) فهل يمكن أن يفروا من الله؟ إنَّ كل شيء في قبضته (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) . فأولى بهم أن يفروا اليه. إن أوهام الماين تتهاوى.

стр. 114

فقد زعموا أنهم سيقيمون جنة على الأرض يستغنون بها عن جنة الله. قالوا سنقيم هذه الجنة عندما ننتصر على الثلاثى المخيف الفقر والطبقية والموت.. ونسألهم: كانت نسبة الموت في المجتمعات البدائية ١٠٠% فكل مائة مات منهم مائة. فكم ستكون النسبة (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) . إنها نفس النسبة فكل مائة يموت منهم مائة. حتى مع انتصار الإنسان على الأوبئة وعموم السلم واكتشاف (أكسير الحياة) الذي يعيد الشباب. ويطيل العمر. ويقهر الموت كما تصوره علماء الكيمياء من العرب مع كل هذا ستبقى النسبة الثابتة: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) . لأن العلماء لم يعرفوا حتى الآن لماذا نموت. هذا.. وكل تفسير لظاهرة الموت قاله العلماء المعمليون، قالوا أيضاً تفسيراً آخر ليس أحدهما أولى بالقبول من الثانى. وكيف نعرف سر الموت ونحن لا نعرف حقيقة الروح؟!!. وعندما لم يعرفوا سبب للموت يقولون.. مات بالسكتة القلبية. ولكن.. أي شيء أسكت القلب؟ ولماذا هذا الشخص بالذات؟ ولماذا هذه اللحظة بعينها؟.. تساؤلات كثيرة لم يعرف العلم المعملي لها جوابا. إن القلب يعمل كبندول الساعة كل دقة سببها الدقة التي قبلها وهى سبب فيما بعدها. فالدقة الثالثة سببها الثانية وهى سبب في الرابعة والدقة الثانية سببها الأولى وهى سبب في الثالثة. فما سبب الدقة الأولى؟. وقف طبيب القلب في بلد من بلاد الإلحاد حائراً عدة أعوام ثم فر إلى أمريكا واعتنق النصرانية وما دامت كل دقة تعمل بقانون (رد الفعل) للدقة السابقة فأيُّ قوة تدخلت ومنعت رد الفعل فجأة.. فتوقف القلب؟ ونسأل علماء المعامل والطب لماذا نموت؟ ومستر دارون حاول أن يضع تفسيراً لظاهرة الحياة فأخفق، لماذا لم يشغل نفسه بالبحث عن سبب الموت؟ وسوف أترك مناقشة الماديين لأن جدلهم في الموت نقصان في عقولهم. وأخاطب الوجدان في لحظة يتنبه فيها الوجدان. وتتهيأ فيها النفس لقبول العظات

стр. 115

ويسبق الموت لحظة يسترجع فيها الإنسان ما قدم وما آخر بينما هو يعاني من سكرات الموت. يسترجع ما جمع من هنا وهناك وما قدمه من أيام عمره ثمناً لما جمع. ثم يحاول أن يؤجل الموت ساعة يصلح فيها ما يمكن إصلاحه ولو كلفته هذه الساعة أن يتنازل عن كل ما جمع. ساعتها يرفض طلبه.. (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أترى أن من اشترى سيارة بألف دينار ثم وقع في ضيق فرغب في بيعها بمائة دينار فقط فلم يجد من يشتريها.. أترى شراءها بألف كان شراء عادلاً؟!! يبدوا إننا أضعنا كثيراً من ساعات أعمارنا وما جمعناه لا يساوي ما انفقناه من أيام العمر: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) . نحن نلهوا والقدر جاد. نربح الدنيا ونخسر نفوسنا. يلهينا الأمل فننسى دنو الأجل: (وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) . نعمر دنيانا ونخرب آخرتنا. لذلك نكره أن ننتقل من العمار إلى الخراب. حتى إذا جاءتنا سكرة الموت بالحق: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) . وتحدد الطريق المحتوم: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) وابتعد الجميع مع وقوفهم بجواره (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) . وفشلت كل المحاولات في دفع الكرب عنه. ساعتها يحاول لأول مرة أن يصلح ما بينه وبين الله. آه.. لو جئت قبل ذلك بساعة.. لوجدت الله غفوراً رحيماً. يقابل آثامك بأضعافها مغفرة. ويفرح بك أكثر من فرح العقيم الوالد , والضال الواجد , والظمأن الوارد. يتوب عليك فينسى بدنك والبقاع وينسى حافظيك ما عملته من المعاصى حتى لا يشهد عليك أحدٌ أمامه سبحانه ولكنك جئت في الوقت الذي جاء فيه فرعون بعد أن أضاع دنياه في الظلم: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)

стр. 116

لو تاب الله ساعتها على فرعون لتاب عليك. ولكنك تأخرت كثيراً , تأخرت حتى أصبح عالم الغيب بالنسبة لك عالم شهادة: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) لقد كان الأجر نظير إيمانك بالغيب: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) . ولكن تحويل عالم الغيب إلى عالم مشاهدة يبطل الجزاء (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) إن الطالب إذا خرج من لجنة الامتحان وتسلم كتبه لا يستطيع أن يصحح أخطاء وقعت منه في ورقة الإجابة، لأن عالم الغيب العلمي قد أصبح عالم شهادة. (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) . وكل عاص لله جاهل به. (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) . وكل توبة قبل الغرغرة تعتبر من قريب (فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) لقد جئتَ متأخراً.. لأنك تحاول التوبة وهى العزم على فعل الصالحات.. بعد أن تيقنت من عجزك عن فعل أي خير. صحيح أنك الآن نادم على ما فعلت ولكن الندم وحده لا يكفى. فقد ندم قوم صالح بعد أن عقروا الناقة فلم يدفع عنهم هذا الندم العذاب: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ) . لقد جئتَ متأخراً.. لأن الملآئكة قد أغلقت عند الحشرجة صحيفة عملك وأعدت بياناً بحالك وتهيأت لتوجيهك لمستقبلك (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)

стр. 117

وبعد: الموت يعمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا. وقد قدر الله الموت علينا وكل ما قدره الله كائن. والذين يتوهمون حريتهم في كل شيء لأنهم لم يؤمنوا بالله عليه أن يفروا من الله ليثبتوا دعوتهم أو يفروا إلى الله وفى ذلك عزهم. أما صراع الإنسان من أجل البقاء فسوف تظل الكلمة العليا لله وحده: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) لا يفلت من الموت نكرة من الخلق ولا معرفة وجيوش الدنيا لا تحمى ملوكها من الموت ولا تحميهم البروج المشيدة: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) . (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) تهديد شديد لهذه الأمة إن انحدرت عن رسالتها وانسلخت عن دورها في تصدير هدى الله إلى كل الأمم. لقد اصطفاها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس هذه الخيرية مرهونة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ دين الله ولكن مستقبل الإسلام ليس متروكا لأهوائهم فالإسلام محفوظ بوعد الله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) . فإن تخلت الأمة عن دورها تداعت عليها الأمم ورفع الله يد العون عنها واستخلف الله للحق من يحميه: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) إن مستقبل هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها من خدمة للإسلام وجهاد في سبيله: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) والذين يأتي الله بهم ويختارهم لخلافتنا لابد أنهم أزكى منا وأطهر وأقوى على حمل عبء التبليغ (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)

стр. 118

لقد أقسم الله سبحانه بربوبيته للمشارق والمغارب ليؤكد أن الاستبدال سهل وميسور لأن الكل مربوب له سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) إن حماية الحق ليس حكراً على أمة دون أمة ولكنه تاج للأمة التي تتزين به. والله سبحانه قد سلب بنى إسرائيل هذا الشرف عندما نكصت على عقبيها واعتقدت أن النبوة لا يصلح لها إلا دم أبناء إسرائيل. فليس في عرف السماء أمة فوق الجميع ولا شعب مختار. قال تعالى: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) , وقوله تعالى: (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) هى النشأة الآخرة التي لا نعلم عنها سوى ما أخبر القرآن وأخبر الصادق الأمين ﷺ (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) ثم عاد القرآن يذكرنا بالنشأة الأولى ويحض المؤمنين على التذكرة فالذكرى تنفع المؤمنين: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ)

стр. 119

الدليل الثانى على إمكان البعث: النبات تكوينه وخروجه . قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) . بعد أن ساق القرآن الدليل الأول بالنطفة والجنين. قدم الدليل الثانى على إمكان البعث وتكوين الأجساد في الأرض وهو الاستدلال بالنبات. إن الأجساد تتكون في باطن الأرض ثم تنشق الأرض لخروجها , كما يتكون النبات في بطن الأرض ثم تنشق عنه (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) وقد تتبعت آيات القرآن في موضوع النبات لاستكمال الصورة الذهنية للموضوع فرأيت أن القرآن قد ساق الحديث عن النبات لعدة مقاصد ... مقاصد النبات في القرآن: أولا: التشبيه: استخدم القرآن النبات في موضوع التشبيه لترغيب النفوس في الإنفاق والكلمة الطيبة والحرص على حسن الخاتمة وتنفير النفس من النقائص وقد ورد ذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم نكتفى بذكر بعضها قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

стр. 120

يقول الحكيم الترمذى: "وهذا مثل للمصدق بالبعث المحتسب بالإيتاء يريد بها وجه الله من غير مَنٍّ ولا أذى". والتعبير بقوله تعالى: (جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) سبق القرآن به علوم الزراعة الحديثة التي تفضل غرس البساتين في الأماكن المرتفعة لبعد جزور الشجر عن المياه الجوفية التي تصيب الجذور بالتعفن. كما شبه القرآن الكلمة الطيبة (كلمة الشهادة) بشجرة طيبة أصلها ثابت في قلوب المؤمنين وفرعها يربطهم بالنسب السماوي، تؤتى أكلها كل حين عبادة وأفعال كثيرة لا يقدر عليها إلا من هذبته العقيدة وقومت سلوكه، والكلمة الخبيثة لا مدد لها ولا ظلال قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) ثانياً: بيان نعمه سبحانه: قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ) ثالثا: لإقامة الدليل على عظمة الله وبيان آياته: والقرآن يستخدم الحواس كوسيلة لتدبر العقل. فالقرآن قد جعل النبات غذاء للبدن وللعقل معاً قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

стр. 121

يقول الفخر الرازى: اعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهى نعم بالغة وإحسانات كاملة والكلام إذا كان دليلا من بعض الوجوه وكان إحسانا من سائر الوجوه كان تأثيره في القلب عظيماً. رابعاً: ظهور الحياة في المادة التي يتوهم عدم الحياة فيها. ومن مقاصد القرآن في موضوع النبات لفت نظر المتدبرين إلى وجود نوع من الحياة الساكنة في الحب والنوى. ما كان أحد يوم نزول القرآن يتصور حياةً ما في مثل الحب والنوى. وقد عرفنا الله بنفسه بأنه فالق الحب والنوى قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) خامساً: استخدم القرآن النبات لتأكيد التقدير في صنع الله سبحانه وأطلق القرآن على ذلك التقدير كلمة (موزون) أي مقدر بقدر ما ينفع الناس: قال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) قال الفخر الرازى: اختلفوا في المراد بالموزون وفيه وجوه: أولها بالقول أن المراد به أنه مقدر بقدر الحاجة لأنه تعالى يعلم المقدار الذي يحتاج الناس إليه وينتفعون به فينبت سبحانه في الأرض ذلك المقدار ولذلك أتبعه سبحانه بقوله: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) لأن ذلك بحسب الانتفاع بعينه. سادساً: ساق القرآن الحديث عن النبات في مقام التمهيد لإقناع العقل بالبعث والتدليل عليه وهذا الجانب هو الذي يرتبط بموضوع السورة الكريمة

стр. 122

قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) والدارس لا يكاد يرى فارقا كبيرا بين عملية تكوين الجنين في الرحم التي سبق أن تكلمنا عنها وبين تكوين النبات في بطن الأرض فكلاهما دليل على عظمة الله. فالخليَّةُ الحيَّة حيوانية كانت أو نباتية يتجلى فيها الإعجاز الإلهى. إنَّ غذاء النبات في الأرض يحكى سر غذاء الجنين في رحم الأم. ولا مانع من سوق كلمة سريعة عن تكوين النبات وغذائه تاركاً التفصيل لكتب التخصص ورجاله. يد الله: إن التربة غنية بعناصر الغذاء اللازم للنبات والشمس لازمة له أيضاً والغلاف الجوى يجود للنبات ولا يبخل. ولكن عملية التغذية تتم بطريقة معقدة جداً فالتربة بها الأملاح المعدنية كالكلسيوم والبوتسيوم والمغنسيوم وغيرها. ولكن هذه العناصر لا يستطيع النبات أن يستفيد منها مباشرة لذلك خلقا الله سبحانه مصانع معقدة تحول هذه العناصر إلى غذاء للنبات سهل الهضم. هذه المصانع الحيَّة يبلغ حجم كل مليون مصنع ١ سم متر مكعب إنها (البكتريا) بأنواعها المتعددة وعطاءاتها المختلفة وسوف أشير إلى بعضها ورسالته. بكتريا التحلل موجودة في التربة وتقوم بتحليل المركبات العضوية المعقدة لتجعلها عناصر غذائية سهلة الهضم للنبات. بكتريا التأزت: وتتعامل مع النتروجين الموجود في الهواء بصورة غازية وتحوله إلى مركب عضوى يتغذى منه النبات فعنصر النتروجين الموجود في الهواء يشارك في غذاء النبات في التربة بواسطة بكتريا الأزوت

стр. 123

ثم يخرج هذا النتورجين مرة ثانية في الهواء الجوى فى (العملية العكسية للتأزت) ثم يرجع إلى النبات. وهكذا.. بكتريا التكافلية: وهى هامة جداً في إيجاد عملية توازن بين دورة النتروجين الجوى الذي يتحول إلى مركبات نتروجينية معقدة داخل التربة وبين الأنواع الأخرى من البكتريا. وليس هذا مجال التفصيل في هذا الموضوع ويمكن للدارس أن يرجع إلى كتب التخصص أمثال كتاب خصوبة الأراضى والتسميد للدكتور عبد المنعم بلبع. (الباب الرابع) وإذا كانت البركتريا بأنواعها تتعاون في إيجاد حل لمشكلة الغذاء المعقد الموجود داخل التربة فإن الطاقة الضوئية الصادرة من الشمس يستغلها النبات الأخضر في تكوين مركبات عضوية يستخدمها في الحصول على الطاقة اللازمة للعمليات الحيوية التي تدور بداخل جسم النبات ويتوقف ما ينتجه النبات من محصول ثمرى إلى حد كبير على مقدار ما يقوم به من عملية (التمثيل الضوئى) الذي تتكون منه المواد (الكربوهيدراتية) وهى أساس تكوين السكر فيما بعد بالنبات. وضوء الشمس خلقه الله بمقدار فلو قل الضوء ينقص المحصول , ولو زاد الضوء يدمر مادة (الكلوروفيل) الأخضر بالورقة هذه المادة التي تتحكم في عملية التمثيل الضوئى وبالتالى يقل إنتاج المواد الكربوهيدراتية كما أن شدة الإضاءة تقفل الثغور التنفسية الموجودة على سطح الورقة , وذلك يمنع دخول ثانى أكسيد الكربون إلى داخل الورقة فينشأ عن ذلك أن يقل إنتاج المواد (الكربو هيدراتية) وصدق الله العظيم إذ يقول: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) إن غذاء النبات في بطن الأرض كغذاء الجنين في بطن الأم , الأب والزارع يضعان بذرة الجنين والنبات والله يتولى الرعاية والغذاء والإنماء، وبعد هذا الإيجاز العلمي لغذاء النبات يسأل كل عاقل نفسه

стр. 124

(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) ؟ والآن نتابع الموضوع وننتقل إلى سورة يس. أما سورة يس فتؤكد هذا المعنى عندما تخبر أن يد الله الكريمة هى التي تنبت الزرع وترعاه ويد الإنسان عاجزة عن الإنبات عجز الوالدين عن تخلق الجنين فال تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) أجل ما عملته أيديهم: ولكن عملته يد الله والذى أختارُ أن (ما) في قوله تعالى: (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) ما هنا نافية. حتى عندما نعتبر (ما) اسم موصول لن نذهب بعيدا ً عما قلناه لأن الله هو الخالق للزرع والزارع. قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) إن الله ينبت ونحن نحصد وواجبنا شكر النعمة وتعظيم الخالق. وتؤكد سورة النمل هذا الموضوع أيضاً. قال تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) فما كان لأي قوة من قوى البشر أن تنبت الشجر ولا حتى النواة. حفظ الله للنبات: ولا يقف فضله سبحانه على الإنبات بل يتعدى ذلك إلى نعمة الحفظ. قال تعالى في سورة الوواقعة: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) إن صراع العلم مع الآفات الزراعية يحدد قدرة الإنسان. لقد دخل العلم صراعاً طويلا مع الذباب فلم يستطع العلم أن يقتل آخر ذبابة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)

стр. 125

إن حفظ النبات آية أخرى من آيات الله. فلو أهلك الله نباتهم لظلوا يتفكهون بالحديث عن مصابهم باكين. على ما أنفقوا من أموالهم على هذه الزروع: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) فهم مغرمون بما أنفقوا أي يلازمهم الحزن ملازمة الغريم لغريمه، ومحرومون من ثمار طالما انتظروها. (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) ... الماديون والنبات: حارت المادية الحديثة في تفسير نشأة النبات، وتنوعه، حيرتها في تفسير نشأة الإنسان. ولكن القرآن يخاطب العقل السليم بما يثبت التكامل في عالم النبات ويؤكد تهافت الملاحدة في قولهم بالمصادفة , وأكتفى هنا بذكر دليلين فقط على إثبات القصد وعدم المصادفة في عالم النبات.. الدليل الأول - التكامل: الدارس لعطاء المملكة النباتية، وما تقدمه للإنسان، يرى أن النبات يقدم للإنسان الغذاء والكساء والدواء، حتى اللحم الحيوانى، الذي نأكله فأصله النبات، لأن الله حرم علينا أكل الحيوانات التي تتغذى على غير النبات، وحسبك من عطاء النبات أنه يقدم للإنسان السكر. وإذا نقص السكر في دم الإنسان عن ٥٠ ميللجرام في كل ١٠٠سم٣ فإن المرءَ يشعر باضطراب ذهنى، وانزعاج , وإذا هبط أكثر إلى ٤٠ ميللجرام أصيب المرءُ بالارتعاشات العضلية وإغفاء متزايد , فإذا زاد نقصان السكر تحدث عملية (الثبات السكرى) وهو حالة الغيبوبة

стр. 126

الكاملة وذلك لأن السكر هو الغذاء الأول للخلايا العصبية , بل هو الغذاء المفضل لها. والنبات أهم مصادر الإنسان للسكر، ويمكن أن نعتبره المصدر الوحيد , لأن سكر اللبن أصله غذاء نباتى. فالنبات يقدم لنا الغذاء كاملا، كما أن النبات يقدم لنا الكساء , فالقطن والكتان نبات , والحرير أصله من ورق التوت , والصوف والوبر نبت من غذاء نباتى. قشر البصل: واخترت من عطاء النبات " قشر البصل " وهل نعرف شيء أهون علينا من قشر البصل؟.. إنَّ عطاءه للإنسان عطاء كريم. لقد أكدت الدراسة التي قام بها صديقنا الكريم الدكتور محمد عاطف سرحان. على قشر البصل. أثبتت أن هذا القشر غنى بمادة " البكتين " إذ تصل نسبة هذه المادة إلى ٤٠ % من وزن القشرة. وهذه المادة فضلا عن دخولها في الصناعات الغذائية , فهى مادة علاجية عجيبة. أولا: تؤثر على الدم في حالات النزيف الخارجى وتسبب تخسر الدم وإيقاف النزيف. ثانيا: يمكن أن تتدخل في علاج " استطلاق البطن " ووقفه. والعجيب في مادة " البكتين " كما يقول الدكتور محمد عاطف: أن المعدة إذا كانت مصابة بالتسمم فإن مادة (البكتين) يمكنها أن تقبض على السم فإذا حاولت المعدة أن تفرز أحماضها لتهضم هذه المادة , فإنها لا تهضم , وتظل قابضة على السم حتى تخرجه من المعدة , وينجوا الإنسان من التسمم. يا سبحان الله.. هذا عطاء قشر البصل , فأي شيء في الكون أهون علينا منه؟ وهل يمكن لعاقل إذا غابت عنه هذه الحكمة من خلق شيء في الكون أن يدعى أنه خلق عبثا؟ تعالى الله عن لغوهم علوا ً كبيراً: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)

стр. 127

والمسلم إذا غاب عنه شيء من حكمة الله في الخلق أو في الأمر سلم لله , واتهم نفسه بقصور النظر , يقيناً منه أن أفعال الله لا تخلوا من الحكمة. ... ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن ما يقدمه لنا النبات من دواء وغذاء أن نتحدث عن بعض فوائد (البصل) بعد أن تحدثنا عن (قشر البصل) .. لقد ذكر الأطباء: أن أكْلَ بصلة متوسطة الحجم كل يوم , يخفض كمية السكر في الدم عند المصابين بالبول السكرى , فالبصل يعمل عمل (الأنسولين) ويقلل عند مرضى السكر الشعور بجفاف الحلق , والشعور الدائم بالعطش. كما أن أكل البصل الغض، يساعد على تطهير الجسم من أملاح الطعام , ويعيق نمو الجراثيم بجميع أنواعها , مثل جراثيم (التقيح في الدمامل) , وجراثيم (التيفوئيد في الأمعاء) . وجراثيم (الجهاز التناسلى) . بل إن الأمر أعظم من ذلك وأخطر. فبعض الأطباء يوصى مرضى (السرطان) بأكل بصلة مع كل وجبة من وجبات الطعام. الثوم طبيب ماهر: وذكر البصل يحتم علينا ذكر الثوم، كما أن الحديث عن عطاء النبات في مجال الدواء يحتم هذا، والثوم له استعملان , استعمال من الخارج لتسكين الآلام التي لا يعرف سببها مثل آلام (الروماتيزم) كما يستعمل أحيانا لتسكين آلام الأسنان , بوضع فص ثوم مهروس فوق الألم. ويمكن علاج (الجرب) بدهن الجلد كله بمزيج من الثوم والشحم , عدة أيام , يعقبها حمَّام ساخن. أما استعماله من الداخل فالثوم (مضاد حيوى نباتى) يقوِّي مناعة الجسم ويكسبه نشاطاً لذلك يوصى بأكله للوقاية من الأوبئة (كالتيفوس والكوليرا) ومن الثابت طبياً أنه يعوق نمو خلايا السرطان. كما دلت التجارب الطبية أيضا أن الثوم يقى إلى حد كبير من الإصابة بشلل الأطفال. وللثوم فوائد علاجية أخرى. فهو يفيد مرضى البول السكرى

стр. 128

كثيرا في وقايتهم من مضاعفات المرض. كضعف الذاكرة أو فقدان الحس في الأطراف. نتيجة لإصابة الأوعية الدموية باختلال الدورة الدموية فيها. والثوم يحفظ ضغط الدم المتزايد في مرضى تصلب الشرايين والأعراض المرافقة له. كالدخوة والإمساك. أما الذين يدمنون التدخين. فمادة (النيكوتين) تسبب عملية تسمم مزمن في الدم , والثوم يعالج الاضطرابات الناتجة عن هذا التسمم، والثوم يعالج مرض تقيح اللثة , والذى يسبب سقوط الأسنان في سن مبكرة. والثوم يعالج جميع أنواع الإسهال المنتن مهما كانت أسبابه , يأكل المريض الثوم فيزيل العفونة ويتحسن الإسهال إلى أن يعود الخارج إلى حالته الطبيعية. ومن تجربتى الخاصة أن الثوم يفيد كثيرا في حالات التهاب الأحبال الصوتية , وقد سافرت من بغداد إلى القاهرة للعلاج من هذا المرض ثم قرأت بحثا طويلا عن الثوم كمضاد حيوى نباتى فنفعنى الله (بزيت الثوم) ونفع كل ما أعرفهم به (المؤلف) . إنَّ كلَّ نبات خلقه الله لحكمة. وعطاء النبات للإنسان يؤكد القصد وعدم المصادفة فأي عاقل يمكن له أن يمسخ عقله ويقول: إن هذا العطاء المتنوع الشامل لكل أمراض الإنسان وقاية وعلاجاً يمكن أن يأتي عن طريق المصادفة العمياء , إن التكامل دليل القصد. ومن الطريف في هذا المجال أن بعض النباتات خلقها الله على صورة العضو الذي تعالجه في جسم الإنسان كنبات الخلة. الدليل الثانى - الجمال: استخدم القرآن عنصر الجمال في النبات ليلفت النظر إلى الجانب المعنوى من منافعه. قال تعالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) (١) - - - - - - - - - - (١) قال الزمخشرى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) أي إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلا لا يكاد ينتفع به وانظروا إلى حالة ينعه ونضجة كيف يعود شيئاً جامعاً للمنافع والملاذ. انظروا نظر اعتبار واستبصار واستدلال على قدرة مقدرة ومدبرة وناقلة من حال إلى حال. وقال الواحدى: نبه على هاتين الحالتين (الثمر والينع) وإن كان بينهما أحوال يقع بها الاعتبار لأنهما أغرب في الوقوع وأظهر في الاستدلال

стр. 129

(فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) إن عنصر الجمال وحده قادر على إبطال كل تفسير قاله علماء النشوء والارتقاء من أن الطبيعة تصارع من أجل البقاء كما سبق وأن أوضحت، لأنها إنْ صارعت من أجل البقاء فما سر الجمال في الورد؟ وهل تهب الطبيعة الجمال وهى لا تتذوقه؟ * * * القرآن يربط بين طعامنا والبعث: القارئ للقرآن الكريم يلاحظ أن القرآن يربط بين الطعام الذي نأكله وبين الحديث عن البعث. فهو يتحدث عن الطعام ثم ينتقل إلى الحديث عن القيامة. قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ثم ينتقل بلا فواصل إلى الحديث عن القيامة: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وفى سورة ق جاء قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)

стр. 130

وفى سورة النبأ: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) وفى سورة النازعآت: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى) وفى سورة عبس: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) وهكذا في سور كثيرة من القرآن يأتي الحديث عن البعث عقب الحديث عن الطعام فما سر ذلك وأي علاقة بين الطعام والقيامة؟ أولا: تكوين النبات داخل الأرض ثم انشقاقها لخروجه صورة مصغرة لتكوين أجسامنا في الأرض تمهيداً لخروجها لفصل الحساب. ثانياً: من الناحية النفسية: يهدف القرآن إلى إنشاء عملية (المنعكس الشرطى) كما يسميه علماء النفس , بين مشاهدة النبات وتذكر الآخرة لأن هذا الارتباط الذهنى يقوم السلوك البشرى ويهذبه. فكلما رأينا النعيم تذكرنا الآخرة. إن الإنسان عندما يدخل محل للطعام ويعرض عليه صاحب المحل أنواع الطعام فإن الإنسان يتخير الأنواع التي يمكنه أن يدفع ثمنها لأنه يعلم أن عقب الطعام سيدفع الحساب. وهذا هو المعنى الذي يهدف القرآن إليه. إنَّ القرآنَ يريد أن يربي المسلم على أن بعد الطعام في الدنيا حساب في الآخرة: (وأيما لحم نبت من حرام فالنار أولى به) ثالثا: يربط القرآن بين النبات والبعث لأن الطعام الذي نأكل ليس فيه حياة عند أكله فإذا تمَّ هضمُه تحول هذا الطعام الميت

стр. 131

إلى خلايا حيَّة وهذا بعض ما عناه القرآن بقوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) فالذى حول الطعام الميت إلى خلايا حيَّة هو الذي سيحول الأجسام الميتة إلى أحياء ينتشرون. إنَّ القرآن يريد لهذه الأمة أن تظل في مقام الزيادة وهو يجاهد العقل البشرى ليكون محمديَّ السلوك ولا يترك القرآن فرصه لا يذكرنا فيها بلقاء الله والوقوف بين يديه فهو عندما نشرب يذكرنا بالله وعند الطعام يذكرنا بالله وعند النوم واليقظة يذكرنا بالله لقد استطاع لقرآن بهذا المنهج أن يربى أمة على حراسة الحق وصيانة الفضيلة. ولست أدرى كيف سمحت أمة القرآن لنفسها أن تستورد مبادئ للتربية ومناهج لها من هنا وهناك. وقد نسيت هذه الأمة أن تسول الغنى جريمة. وأن الله أعطانا من القرآن ما يكفى لهداية العالمين , وقد ضرب لذلك مثلا: إن سفينة نفد ما عندها من الماء العذب فأرسلت إشارة لسفينة أخرى تسير بجوارها تطلب منها الماء العذب لإنقاذ من فيها. فردت عليها جارتها وقالت لها: أنت تسبحين في ماء عذب؟!!. هذه أمة القرآن تطلب الهدى من الشرق والغرب وكتابها يهدى العالمين للتى هى أقوم. فمتى تعود هذه الأمة إلى كتاب ربها وهديِ نبيها؟ إن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها. وبعد: فقد أثبتت دراستنا لمجموع آيات النبات في القرآن الكريم أن هذه الآيات تهدف إلى مقاصد متعددة منها ما يثبت العقيدة ومنها ما يهذب السلوك.. فآيات النبات في القرآن تهدف لعديد من المعانى: * تصور قدرة الله على إنبات النبات والشجر. مؤكدة أن كل الدنيا , مهما بلغت من تقدم علمى , لن تقدر على صنع نواة من التمر , فضلا عن إنبات نخلة. * تكوين النبات في الأرض صورة لتكوين الأجسام فيها إيذاناً بالبعث.

стр. 132

* يربط القرآن بين الطعام والبعث: لأن الطعام الذي نأكله لا حياة فيه. فإذا تمَّ هضمه تحول إلى خلايا حيَّة. وهذه صورة لإخراج الحي من الميت فلماذا يشككون في البعث وهو يحدث داخلهم في كل يوم. * من الناحية السلوكية فالربط بين الطعام والبعث يشعر المسلم بأن بعد الطعام حسابا شديداً بين يدى الله. فيتحرى الحلال ويتجنب الحرام من الأطعمة. * استخدم القرآن النبات كمادة للتشبيه البلاغي في مجال الترغيب في السخاء. قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) * كما استخدم في دعوة الإنسان للحرص على حسن الخاتمة وعدم ابطال عمله. قال تعالى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) إنها صورة لمن قضى حياته كلها لخدمة دنياه فقط.. ثم خسر دنياه وخسر نفسه. * وفى دعوة القرآن للبذل والجهاد استخدم صورة السنابل.. إنَّ الحبة الواحدة تصبح سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) * وناهيك بما قدمته سورة طه من تشبيه الزوجات الحسان في الدنيا بالزهرة. لبعث في نفوس تلاميذ القرآن أن متعة الدنيا كعمر الزهرة تفتن اليوم بجمالها وغداً يغزوها الذبول: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

стр. 133

هذا.. ولم تزل مقاصد القرآن في النبات تحتاج إلى مدارسة لقد أغنانا القرآن بأسلوبه السهل العميق واستخدامه لمظاهر الطبيعة الملموسة للجميع عن أساليب الفلسفة وحاول أن يوصلنا من أقرب طريق: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) الدليل الثالث - نزول الماء من السحاب: قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) ساق القرآن الدليل الثالث على البعث من عملية نزول الماء من السحاب لما يحدثه هذا الماء من حياة في الأرض وكما تعودنا سنتابع في حياء آيات الله سبحانه في الماء وأثره في حياتنا فحيثما وجدت الحياة فلا بد من وجود الماء لأن الماء سر الحياة فإذا جف الكائن الحي فقد الحياة فالماء يوجد في كل خلية حيَّة متحداً اتحاداً كيماوياً في هيولى الخليَّة كما يوجد متشربا لجزئياتها ومتدخلا في مسامها كما يتداخل في مسام الإسفنج وهو يمثل نسبة ثابتة في تكوين الخليَّة قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) ولأمرٍ ما: جعل الله عرشه على الماء قبل خلق السماء والأرض قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) وكان عرشه على الماء: وكان الماء على (لا شيء) .. لأن السموات والأرض لم تكن بعد قد خرجت عن الوجود. لقد كان الماء محمولا على قدرة الله وليس لأحد من الناس أن يدخل نفسه في الغيب بدون إذن من صاحب الغيب فليس لنا أن نتحدث عن العرش ما هو ولا كيف كان. ولكن من حقنا أن نفهم من الآية الكريمة: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) أن الماء مظهر لعظمته سبحانه وقد سبق أن فسرت آيات القرآن في موضوع الماء في كتابى (حتى لا نخطئ فهم القرآن) الجزء الثالث ويحسن أن أعيد ذكر بعضها هنا إتماماً للموضوع

стр. 134

وجانب التقدير في طبيعة الماء. يمكن للمتخصص في العلوم الكونية أن يتعرف على عظمة الله من خلال تركيب الماء من مادتين: الأولى قابلة للاشتعال والثانية تساعد عليه فكيف مزج بينهما وخلق منها ما تطفئ النار؟ كما أنه يدرك مخالفة الماء في طبيعتها لأى سائل آخر بل لأى مادة في الكون. فمن أوليات الخصائص المادية أن أي مادة تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة فأما الماء فإذا انخفضت درجة حرارته عن أربعة (فوق الصفر) فإنها تتمدد ويكبر حجمها فتقل كثافتها فيطفوا الجليد فوق سطح الماء الدافئ وهذه آية من أعظم آيات الله في الماء. يقول البستانى صاحب دائرة المعارف: إن تمدد الماء البارد يسبب طفو الجليد فوق سطح الماء فيحفظ درجة حرارة الماء التي تحت الجليد فلا تنخفض عن أربعة فوق الصفر فيستمر جريانها تبقى الثروة المائية حيَّة لأنها تستطيع أن تتحمل هذه الدرجة. فجانب التقدير في الماء جانب واضح وله دلالته فلو كانت مادة الماء كغيرها من المواد التي تنكمش بالبرودة لفقد العالم الثروة السمكية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يحدث اصطدام السفن الكبيرة بالجبال الثلجية التي تتكون تحت سطح الماء ولا يمكن رؤيتها.. (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) مرة ثانية ننظر إلى آيات الله في الماء الذي نشربه أن الماء ثقيل ومع ثقله فهو سهل الهضم وسر ذلك أن الله مزج جزءاً من الهواء في الماء الذي نشربه بنسبة تتراوح بين ٣٠ إلى ٨٠ سم في اللتر الواحد من الماء وذلك حتى تتنفس الحيونات المائية وليصبح الماء سهل الهضم في المعدة. إذ لو خلا الماء من الهواء المذاب فيه لأحدث ثقلاً عظيما في المعدة وعسر هضم لا يطاق.

стр. 135

وكما أن الماء معدٌّ لسقى الإنسان ومركب بحيث يسهل هضمه فهو أيضا معد لإحياء الأرض وغذاء النبات. لقد أَكَّدَ القرآن أن ماء المطر مبارك وربط بين بركة الماء وإنبات النبات: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) وهذه البركة فسرها التحليل الكيماوي للماء بأنها كمية العناصر التي تمتزج بماء المطر وهى كمية قليلة من النشادر والأملاح الفلزية وحامض الكربونيك. هذه النسبة ضرورة لغذاء النبات. وهى بقدر فلو قلت ضعفت التربة وضعف النبات ولو زادت لاحترق النبات. الماء الطهور: قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) الماء حياة للإنسان وللأرض والحيوان. ولكن القرآن هنا قدم إحياء الأرض وسقاية الحيوان على سقيا الإنسان لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم. ولأن الناس إذا ظفروا بما يكون سقياً لأرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقايتهم. كما أشارت الآية الكريمة إلى إحياء الله للأرض بعد موتها وذلك بنزول الماء عليها وقد تكرر هذا في القرآن أثنتا عشرة مرة. لتثبيت هذا المعنى في الاذهان قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

стр. 136

يقول الدكتور كاصر الزيدى: فالأرض الميتة الهامدة ينزل عليها الماء بأمر الله فإذا بها تستجيب لداعي الحياة فتنبت من الأصناف ما يبهج النفوس , فالماء والأرض يمثلان منظر الحياة المتجددة وسنة من سنن الله في الكون في إخراج شيء يسبب شيء، الماء كالرجل في علاقته بالأرض والأرض كالمرأة في استجابتها له وما ينبت منها أشبه بالنسل الذي يتولد من تزوج الرجل والمرأة وتشبيه الإحياء بالماء أيضا ليس بعيدا عن تكوين الإنسان الأول من التراب الذي لا حياة فيه ولكن القدرة الإلهي ة هى التي بثت فيه الحياة وخلقت فيه الروح فإذا هو بشر. وهذه الصورة في إنبات النبات بالماء وطهوره متجدداً من طور إلى طور ليست بعيدة أيضاً عن نشوء الإنسان وتدرجه من نطفة إلى علقة إلى مضغة بقدرة الله ومشيئته هذه الصورة الحيَّة تدل على ما ورائها من القدرة المحركة لذلك كله ولقد ربط القرآن بين هذه الصورة الماثلة المتكررة وبين صورة أخرى في عالم الغيب وهى صورة البعث وإحياء الإنسان لملاقات ربه وما أعد له من ثواب أو عقاب قال تعالى: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) بقدر حاجة الإنسان إلى الماء يكون التهديد من الله بزواله له وقع على النفس عظيم. لقد هدد الله سبحانه في القرآن بأمرين: أولا: بزوال الماء وتغويره في الأرض. ثانيا: بجعل غذبه ملح أجاجا ً فتفسد حياة الناس قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) إن نعم الحياة مرتبطة بالمنعم: وهذا التهديد يجعل الإنسان العاقل دائم الرجاء لله دائم الحرص على رضاه فالمعاصي تزيل النعم. قال الزمخشرى: (عَلَى ذَهَابٍ بِهِ) لمن أوقع النكرات وأحزها للمفصل والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه وفيه إذان باقتدار الله وأنه لا يتعالى عليه شيء إذا أراده وهو

стр. 137

أعمق في التهديد من قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) فعلى العباد أن يستعظموا النعمة بالماء ويقدروها بالشكر الدائم ويخافوا نفادها إذا لم تشكر. التهديد الثانى: قال تعالى: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) تحويل الماء العذب إلى ملح أجاج ليس بالأمر الصعب لأن الله على كل شيء قدير والدراسات العلمية تؤكد أن تحويل الماء النازل من المطر يمكن أن يتحول إلى سائل كيماوى يهلك الحرث والنسل. فاحتكاك السحاب سالبه بوجبه يولد شرارة كهربية هذه الشرارة ينشأُ عنها إذابة جزء من الهواء في الماء النازل فيتكون (ثانى أكسيد النيتروجين) بنسبة تذوب في ماء المطر فتغذى النبات. فلو شاء الله زيادة هذا الحامض في ماء المطر لأفسد هذا الماء حياة الناس ... وبعد: إن العلاقة بين الماء والبعث تتجلى في نزول الماء على الأرض الميتة فتهتز وتربوا والماء آية من آيات الله ونعمة من نعمه وبمقدار الإنعام بما يشتد وقع التهديد بزوالها أو تحويلها حامضاً يهلك كل شيء وقد أخبر القرآن أن الله سبحانه إن رضي عن عباده ساق سحاب الخير والبركة اليهم قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) وإن عضب على العبيد أهلكهم بالماء نفسه. قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ)

стр. 138

هذا ما حدث لقوم عاد وثمود كما أمطر الله مطر السوء على قوم لوط قال تعالى: (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) وقصة الطوفان معروفة فالصواعق سهم من سهام الله يوجهها إلى من يشاء إهلاكهم: قال تعالى: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) قال لى أحد الشباب: إن العلم صنع مانعات للصواعق لحماية المنشئات؟ قلت له: وهل يمكن أن نضع مانعات الصواعق على رؤوس الناس في الطرقات لحمايتهم؟!!. إن الإنسان مع ضعفه يجادل في الله قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) فالماء نعمة وإن يشأ الله يجعله سلاحاً للدمار ... مع الآية الكريمة وإطلاق المطر صناعيا: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) وفى دراسة للدكتور موريس بوكاى للقرآن الكريم والكتاب المقدس يقول: بعد أن سمحت التكنولجيا بإطلاق المطر صناعيا أيمكن معارضة دعوى القرآن بطاقة البشر على إنتاج المطر؟ ليس الأمر كذلك، إذ يبدوا أنه لابد من الأخذ في الاعتبار بحدود إمكانيات الإنسان في هذا الميدان

стр. 139

ثم يقول: وقد كتب (م. أ. فاسى) مهندس عام الإرصاد الجوية في مقال (الهواطل) بدائرة معارف (أونيفر ساليس) كتب ما يلى: لا يمكن أبداً إسقاط المطر من سحاب لا يحتوي على سمات السحابة القابلة للهطول. كما لا يمكن إنزال المطر من سحابة لم تصل إلى درجة مناسبة من التطور أو النضج وبالتالى فإن الإنسان لا يستطيع أن يعجل بعملية الهطول مستعيناً في ذلك بالوسائل التقنية الملائمة. ونزول المطر الصناعى مشروط بأن تكون الظروف الطبيعية ملائمة. ولو كان الأمر غير هذا لما وجد الجفاف، ثم يختم (فاسى) مقاله بقوله: إن التحكم في المطر والتقس الجميل لم يزل حلماً. ويفهم من كلام فاسى أن عملية المطر الصناعى كعملية (الطلق الصناعى) عند الوضع. إذ لا يمكن للجنين أن ينزل إلى الأرض حى سليماً إلا إذا تمت مدة حمله. وفنون الطب في عملية الولادة لا تنقض هذه القضية. الدليل الرابع: الاستدلال بالنار قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) بعد أن ناقش القرآن المنكرين في موضوع النطفة والنبات والسحاب. ساق التساؤل الاخير وجعل مادته هى النار. إنَّ نار الدنيا تذكرة ومع أنها سبب الحضارة وارتبطت بكل تقدم عمرانى إلا أنها تهلك كل شيء. فهى نعمة ونقمة. إنَّ الذين لا تؤلف النعمة قلوبهم ولا تهذب الشدائد سلوكهم تصلح معهم النار لأن آخر الدواء الكي , فهناك صنف من الناس لئيم الطبع , خبيث الطوية , إن جاع

стр. 140

سرق , وإن شبع زنا , صنف كنود يأكل خير الله فلا يشكر ويَعْثُ في الأرض فساداً ولا يتوب. قال عنهم القرآن: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) قال صاحب الظلال: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة والذين تنكبوا الطريق لا يفيدهم الابتلاء بالنعمة ولا الابتلاء بالنقمة. فإن أصابتهم النعمة حسبوا (أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) وإن أصابتهم النقمة لم تلن قلوبهم ولم تستيقظ ضمائرهم ولم يرجعوا إلى الله يتضرعون له ليكشف عنهم الضر. ويظلون كذلك حتى يأتيهم العذاب الشديد يوم القيامة فإذا هم حائرون يائسون. إنَّ التضرع والاستكانة عند مس الضر دليل على الرجوع إلى الله والشعور بأنه المرجع والملاذ أما حين يسدر الإنسان في غيه ويعمه في ضلاله فهو ميؤس منه لا يرجى له صلاح متروك لعذاب الله الذي يفاجئة فيسقط في يده ويبلس ويحتار وييئس من الخلاص. (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) ؟.. إنَّ إخراج النار من شجر رطب أخضر آية على عظمة الله وقدرته. وللعرب شجرتان أحدهما (المرخ) والآخرى (العفار) إذا أخذ منهما غصنان فحك أحدهما بالآخر تناثر شرر النار كأعواد الكبريت وقد جاء ذكر هذا الشجر في سورة يس في مقام مناقشة المنكرين للبعث.

стр. 141

قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) قال الزمخشرى: (ثم ذكرمن بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضاداته للماء وانتفائها به وهى الزناد التي توارى بها الأعراب وأكثرهم من (المرخ والعفار) وفى أمثالهم في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار , يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضرا وأن يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بإذن الله) وقال الطبري: بين سبحانه أن من قدر على أن يجعل من الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نار حامية مع مضادت النار للرطوبة قادر على الإعادة والبعث. (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) جعل لنا نار الدنيا تذكرة للعقلاء بنار الآخرة. روى الإمام مالك عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم وضربت في البحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" وفى رواية البخاري ومسلم أن الصحابة سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله: إن كانت لتكفى أي نار الدنيا فقال ﷺ : "والذى نفسه بيده لقد فضلت عليها بتسع وستين جزء كلهن مثل حرها". (وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) للمقوين: للمسافرين في القواء وهو المكان الخالى والمنزل

стр. 142

القواء هو المنزل الذي لا ساكن فيه. والمعدة القواء هى الخالية من الطعام. قال الشاعر: وإنى لأختار القوى طاوي الحشى ... محافظة من أن يقال لئيم والنار في الدنيا متاع لمن ينزل في الصحراء حيث لا مأوى وهى متاع لأصحاب البطون الخاوية تعوضهم عن الدفء الداخلى كما تساعد على صنع الطعام. وقد خص القرآن المقوين بالذكر مع حاجة الجميع إليها لفرض حاجتهم. (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) . بعد أن ناقش القرآن الكريم العقل البشرى التفت إلى الفطرة وأمرها بالتسبيح على معنى: دع الجدل وسبح باسم ربك العظيم والمقصود هنا تنزيه ذاته تعالى عن كل ما لا يليق بها من أوهام الجاهليات القديمة والحديثة. وقد فهم النبي ﷺ من هذا الأمر أن المراد تسبيح ذاته , فكان يقول: سبحان ربى العظيم سبحان ربى الأعلى , ولم يقل الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله. وسر نسبة التسبيح إلى اسم الله هنا أن الذكر والتسبيح في الحقيقة عملية قلبية فطلب القرآن تسبيح اسم الله وذكر اسم الله ليشترك اللسان مع القلب في هذه العبادة. قال ابن القيم في تفسيره للآية الكريمة: فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلوا الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد بنفسه. وأنقل قول ابن تيمية رضى الله عنهما قال: أي سبح ناطقاً باسم ربك متكلما به , وكذا سبح ربك ذاكرا اسمه

стр. 143

(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الكون كله يسبح بحمد الله، فالذى لا يسبح من البشر كالمصباح المنطفئ في وسط المصابيح المشتعلة. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فتسبيح البشر انسجام مع الكون وإرضاء لخالقه. عن أبى هريرة رضى الله عنه. أن رسول الله ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" رواه البخاري ومسلم. عن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأحب الكلام إلى الله"؟ قلت: أخبرنى يا رسول الله. قال: "إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده" رواه مسلم. وقد دخل الرسول ﷺ المسجد فوجد حلقة من أصحابه فقال: (ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: والله ما أجلسنا غير ذلك , قال: أما إني لا استحلفكم تهمة لكم , ولكنه أتانى جبريل ﵇ فأخبرني أن الله يباهى بكم ملآئكته". (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) لأن التسبيح ينجي صاحبه في الشدائد , إن رصيد الناس من الخير لا يضيع عند الله وقد أَكَّدَ القرآن هذه الحقيقة عندما تكلم عن سبب نجاة يونس ﵇ من بطن الحوت. قال تعالى: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)

стр. 144

فيونس ﵇ قد نجاه الله ببركة رصيده من التسبيح والخير. وبهذا ينتهى الحديث عن الفصل الثانى من السورة الكريمة لنبدأ الفصل الثالث..

стр. 145

الفصل الثالث وفيه دراسة علمية وعقلية حول نزول القرآن من عند الله. * من الكون إلى القرآن. * كتاب واحد ملأ حياة الأمة كلها في عصر الجمل وعصر الفضاء. * إذا تكلم القرآن عن الماضي صدقه التاريخ. وإذا تكلم عن الكون صدقه العلم الحديث. وإذا تكلم عن الغيب صدقته الليالى والأيام. * لماذا تركت قريش معرقة الجدل ولجأت إلى معركة السيف؟ مع أنها صاحبة البيان. * لماذا نزل وعيد في أبي لهب وامرأته ولم ينزل وعيد في أبي سفيان وامرأته؟ * إذا كنت تعرف الكثير عن الخلايا المخلقة فماذا تعرف عن الخلايا غير المخلقة. * منهج السيدة خديجة , وهرقل عظيم الروم في الاستدلال على نبوة محمد ﷺ . وبهذا الفصل دراسات أخرى.
следующие страницы →