وهذا الأمر يفرض علينا أن نذكر أهم شبههم ثم نذكر ردود القرآن عليها.
إنَّ أدلة القرآن نقلية من جهة الثبوت , عقلية من ناحية الدلالة , فهى تجمع بين نوعى الدليل العقلى والنقلى.
شبهات الملاحدة ورد القرآن عليها:
لكل عصر فكر ولكن شبهة الملاحدة واحدة في كل عصر.
قد تشابه منطقهم , لتشابه قلوبهم.
قالوا الأجسام تفنى بعد الموت فالبعث يستلزم الايجاد من العدم.
فرد عليهم القرآن بذكر النشأة الأولى قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
والخلق الأول (خلق إبداع)
والخلق الثانى (خلق إرجاع)
وخلق الإرجاع أهون من خلق الإبداع في تصور العقل البشرى لذلك قال تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)
أما بالنسبة لحقيقة قدرته تعالى فكل شيء عنده سواء لأنه يقول للشئ كن فيكون.
لذلك ختمت الآية بقوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
من النطفة إلى البعث:
إن القرآن الكريم يربط دائما بين الحديث عن الأجنَّة والحديث عن البعث لأن تكوين الجنين في بطن الأم صورة من تكوين أجسادنا في رحم الأرض.
قال تعالى: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)
(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ)
стр. 72
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)
وفى كل مرة يتحدث القرآن فيها عن الأجنَّة، فإنه يربط بينها وبين البعث، لأن خلق الإبداع هو أقوى دليل على خلق الإرجاع.
بين الطعام والبعث:
وقد لاحظنا أن القرآن الكريم يربط بين الحديث عن الطعام وبين البعث.
قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)
(كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) : انتقال من الطعام إلى البعث ونرى هذا في سورة النبأ (آية ١٤) وما بعدها.
قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا)
ثم قال بعدها: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)
وبعدها في ترتيب المصحف سورة النازعات.
قال تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا)
ثم قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى)
ذكر القيامة بعد ذكر الماء والمرعى.
وتليها سورة عبس.
قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)
ثم عدد أنواع الطعام: (حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ)
فى كل هذه السور يتحدث القرآن عن الطعام , ثم ينتقل إلى الحديث عن البعث.
والعلاقة بينهما هامة جليلة.
فالطعام الذي نأكله لا حياة فيه فإذا تمَّ هضمه تحول إلى خلايا حيَّةً يتكون منها الجسم وهذه صورة ملموسة لتحويل الكائنات الميتة إلى خلايا تنبض بالحياة. وهو معنى قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)
стр. 73
فأيُّ صعوبة في الإيمان بالبعث والشواهد تتكرر في داخلنا كل لحظة لتؤكد هذا الاعتقاد.
شبهة تداخل الأجسام:
قالوا: إن الأجسام تتحلل وتتداخل في بعضها وتختلط بالأرض ويصعب فرزها لإعادتها. فكيف تبعث الأجسام؟
والقرآن قد حكى شبهتهم في سورة السجدة ثم رد عليها.
قال تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)
وختام الآية بقوله: (هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)
يؤكد أن هذا التشكيك سببه عمى بصيرتهم عن إدراك قوة الله.
على أنَّ الإمامَ أبا حامد الغزالي، لا يرى مانعا من القول بأن الله سيخلق أجسام جديدة. يخلقها الله يوم القيامة ليضع فيها النفس التي عاشت في الدنيا والنفس هى مجال الإدراك وبها الشعور.
ولكن القرآن دفع الشبهة من أصلها عندما روى لنا قصة إبراهيم والطير , قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)
(قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)
(قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)
(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
فالطيور ذبحها إبراهيم ﵇ ثم خلط لحمها بعظمها ووزعها على الجبال ثم دعاهن إليه فأتين سعيا لم تختلط ريشة من ريش نوع بنوع آخر ولا منقار نوع بمنقار نوع آخر.
стр. 74
واختار سبحانه الطيور بالذات لشدة نفورها عادة من الإنسان , فحضورها إليه طائعة أبلغ في الدلالة (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)
هذا المقطع القرآني لم يتكرر في القرآن.
فهو لم يرد في كل القرآن سوى مرة واحدة وذلك عندما جاء رجل مشرك إلى رسول الله ﷺ وقدم قطعة عظام إلى النبي ﷺ وقال له هل يستطيع ربك أن يحيى هذه بعد موتها؟ مستكثراً على الله أن يعيد الأجسام , بعد اختلاطها بالأرض.
فنزل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)
فيعلم ما تنقص الأرض منه ويعلم مصير كل جزئية من الكون.
يعلم ذرات من يحرق بالنار ويجمعه.
ويعلم ما يأكله السمك من أجسام الغرقى ويجمعه.
ويعلم مصير كل عنصر تحلل , وأصبح غذاء للنبات. لأن كل ذرة خلق.
وهو بكل خلق عليم.
فالقرآن الكريم قد تتبع كل شبهة أثارها خصوم العقيدة وأجاب عنها. لينفض عن عقيدة البعث أدران المبطلين.
وفى سورة الواقعة سجل القرآن ما يدور في نفوس المعارضين , الذين استكثروا على الله إحياء آبائهم الذين طال عهدهم بالتراب وإحيائهم بعد موتهم. فرد عليهم القرآن بأن إحياء الأولين والآخرين أمام قدرة الله سواء.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ)
стр. 75
قدم القرآن بعث آبائهم على بعثهم لتحقير شبهتهم ثم أثبت سبحانه أن الأولين والآخرين سيجمعهم الله في يوم مقدر معلوم.
وإذا كان جمع الناس في مكان واحد لا تتسع له عقول المنكرين فقد أَكَّدَ القرآن ذلك.
قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ)
إنَّ الله لا ينسى أحداً من خلقه لأنه بكل خلق عليم وإحياء الناس جميعا عند الله كإحياء النفس الواحدة..
(مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)
وقد عالجت القصة القرآنية موضوع البعث عندما ذكرت قصة الرجل الذي قتله بنى اسرآئيل واختلفوا في قاتله، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، ويضربوه ببعضها، فأحياه الله.. والقصة بتمامها في سورة البقرة (آية ٦٧ وما بعدها) . وقصة الرجل الذي مرَّ على قرية وهى خاوية على عروشها. سورة البقرة (آية ٢٥٩) .
وتحويل عصا موسى إلى حيَّة تسعى صورة لإحياء الموتى.
بل لخلق الحياة في الجماد.
وقد أسهبت في هذا الموضوع في كتابى (تريبة القرآن يا ولدى) بما يغنى عن الإعادة.
ثم واصلت السورة الكريمة الحديث عن عذابهم بعد أن أكدت عودتهم.
قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ
الدِّينِ)
(لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ)
وشجر الزقوم ليس معروفاً في الدنيا..
стр. 76
ولكن التسمية شاقة على الحنجرة عند النطق بها فتوحى هذه المشقة بصورة الشجرة في النفس.
والتزقم، هو البلع بصعوبة، لكره المبلوع..
وقد جاءت آيات أخرى في مواضع مختلفة في القرآن توضح الأمر.
قال تعالى في سورة الصافات: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ)
ويجب أن نقف قليلا عند هذه الآية الكريمة، لنسجل بعض المعانى..
شجرة الزقوم فتنة للظالمين.. (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ)
وقد أكدت سورة الإسراء هذا المعنى في قوله تعالى:
(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)
فالرؤيا هى الإسراء والمعراج , والشجرة الملعونة في القرآن هى شجرة الزقوم , ووجه الفتنة فيهما أن الأمرين لا يصدق بهما إلا عقل مؤمن.
أما أصحاب العقول الصغيرة من الملاحدة فيصعب عليهم الإيمان بإسراء النبي ﷺ كما يصعب عليهم التصديق بوجود شجرة في قاع جهنم.
وقد ذكرت في كتابى (حتى لا نخطئ فهم القرآن) الجزء الثالث: أن بعض الكائنات الدقيقة يمكنها أن تعيش في جو شديد الحرارة يصل إلى (١٥٠) درجة وهذه الدرجة أعلى من درجة انصهار بعض المعادن , كالرصاص والقصدير , وفى الوقت نفسه يمكنها أن تحافظ على حياتها في درجة برودة (الصفر المطلق) أي في حوالى (٢٧٣) درجة تحت الصفر فهى تتحمل فرق مناخ:
= ١٥٠+٢٧٣= ٤٢٣ درجة.
стр. 77
فكيف يصدقون هذا؟.. ويصدقون من أخبار العلم أعجب من هذا , ثم يتطاولون على الله؟ (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)
فى القبح , وهذا تشبيه بالتخيل , لأن القارئ لم يشهد رؤوس الشياطين ولكن النفس تشبه الشيء القبيح برؤوس الشياطين , والشيء الجميل بالملاك مع أنهم لم يروا الملآئكة.
وقد وصف النسوة يوسف ﵇ بأنه ملك كريم , قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)
(فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ)
امتلاء البطن من هذا الطعام لون جديد من العذاب. لأنه طعام تفرض عليهم الخزنة أن يأكلوه كما يفرض عليهم الجوع ذلك. فإذا وصل هذا الطعام إلى معدتهم , فسورة الدخان توضح ما يحدث فيها.. (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ)
أما سورة الحاقة فتخبر عن طعام أسمته (غسلين) .
(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ)
والغسلين حفظنا الله جميعا منه هو ما يسيل من غسل الجروح من قيح وصديد فهو على وزن فعلين من الغسل. كما قال الآلوسى.
وسورة الغاشية ذكرت (الضريع) قال تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ)
والضريع شوك ترعاه الإبل رطبا وتعلفه يابساً , وما أشد يبوسته في النار. فالأطعمة في النار ثلاثة.
ولكل فريق ما يستحقه من طعام , فمنهم آكل الزقوم , ومنهم آكل الغسلين، ومنهم آكل الضريع
стр. 78
قال تعالى: (لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)
ومع هذه الأوصاف الشديدة للطعام فإنهم يأكلون فيملؤن بطونهم مما يلجئهم إلى شرب الماء , يلتمسون فيه إطفاء النار , فإذا هو حميم.
ومع ذلك فهم يشربون شرب الهيم.
والهيم مرض يصيب الجمال فتشرب ولا تشبع وتظل تشرب حتى تنفجر وتموت.
قال تعالى: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ)
والهيم: أيضاً الأرض ذات الرمال لا تحتفظ بالماء ولو سكب فوقها. ومع كل هذا البلاء فالملآئكة تسخر منهم من تضاعف آلامهم. (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)
فما قيمة كل متاع الدنيا بجوار هذا العذاب؟
لا خير في لذة يعقبها نار.
حقيقة الجزاء بين الدين والفلسفة
اتفقت الأديان جميعا على عقيدة الجزاء. وإن اختلفت في تفصيل هذا الإيمان. لأن الترغيب بالجنة , والترهيب من العذاب هو الضابط الصحيح لسلوك كل المتدينين.
ومن قبل الأديان ومن بعدها , آمن الفلاسفة بعقيدة الجزاء وحتميته.
لأن الفلاسفة يؤمنون بحتمية العدل المطلق , ولم يجدوه في الدنيا , فآمنوا بمرحلة يتحقق فيها هذا اللون من الكمال. ولأنهم آمنوا بالنفس واعتبرها أفلاطون جوهراً بسيطاً غير مركب , فهى لا تقبل التجزئة , ولا الفساد.
ومن هنا آمن الفلاسفة القدامى بخلود النفس.
وامتد الإيمان بخلود النفس إلى الفلاسفة المحدثين عندما آمن (كانت) بخلود النفس , بناء على مذهبه في فلسفة الأخلاق , فالواجب عنده فطرة.
والله الذي غرس هذا الواجب في الفطرة البشرية , لا يسوى بين من أدى تكاليف هذا الواجب ومن قصَّر فيه
стр. 79
خصوصاً وأنهم آمنوا بحتمية العدل المطلق.
فمسألة الحياة بعد الموت مسألة عقلية، وليست مجرد اعتقاد متوارث.
ومع اتفاق الفلاسفة وأتباع الأديان في الإيمان بالجزاء إلا أن صورة الإيمان تختلف فأصحاب الديانات السماوية جميعا يؤمنون بالجزاء المحسوس، مع إيمانهم بالجزاء المعنوى، وقد توهم بعض المستشرقين عندما ادعى أن القرآن وحده هو الذي جسد النعيم والعذاب. واعتبر هذا الجزاء من نبع التصور البدوى. لينفى نزول القرآن من عند الله.
وقد تصدى لهذه الدعوة الباطلة المرحوم عباس محمود العقاد، وأثبت أن كل الديانات السماوية تؤمن بالجزاء المحسوس. ونقل ﵀ عديد من نصوص العهد القديم، والجديد تثبت مادية الجزاء.
قال ﵀:
فالأنبياء والقديسون، في جميع الأديان الكتابية، قد تمثلوا النعيم المحسوس , في رضوان الله ووضعوه على هذه الصفة في كتب العهد القديم والعهد الجديد , وفى كتب التراتيل , والدعوات.
ففى العهد القديم يصف (أشعياء) يوم الرضوان في الإصحاح الخامس والعشرين من سفر (أشعياء) فيقول
(يضع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن.
وليمة خمر على دردى سمائن , ودردى مصفى , ويفنى من هذا الجبل وجه النقاب , النقاب الذي على كل الشعوب , والغطاء المغطى به كل الأمم يبلغ الموت إلى الأبد , ويمسح السيد الرب الدموع من كل الوجود) .
فالعهد القديم يؤمن بالجزاء المحسوس. كما صور لنا هذا النص.
ثم ساق ﵀ نصوصا أخرى من العهد الجديد تثبت الجزاء المحسوس.
يقول يوحنا الإلهي - في الإصحاح العشرين: متى تمت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه , ويخرج ليضل الأمم , الذين في جميع زوايا الأرض , (يأجوج ومأجوج) وعددهم مثل البحر.. فنزلت
стр. 80
نار من عند الله من السماء وأكلتهم.. وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت.. وكل من لم يجد مكتوبا في سفر الحياة. طرح في بحيرة النار.
وكانت آمال النعيم المحسوس تساور القدسين في صدر المسيحية , فضلا عن عامة العباد بين غمار الدهماء ومن أشهر هؤلاء الأقطاب المعدودين رجل عاش في سوريا في القرن الرابع الميلادى وترك بعده تراتيل مقروءة يتغنى بها طلاب النعيم.
وهو القديس (أفريم) الذي يقول في أحد هذه التراتيل (ورأيت مساكن الصالحين رأيتهم يقطر منهم العطر , ويفوح منهم العبير. تزينهم صفائر الفاكهة والريحان , وكل من عف عن خمر الدنيا تعطشت إليه خمور الفردوس، وكل من عف عن الشهوات تلقته الحسان. في صور طهور)
فأتباع الأديان السماوية جميعا يؤمنون بالنعيم المحسوس.
فليس بدعا من القول ما سجل القرآن من نعيم وعقاب محسوس. ولم ينفرد القرآن بذلك كما ادعى المستشرقون.
إنَّ التعبير بالمحسوسات كما جاء في القرآن تعبير يفهمه الخواص والعوام.
أما التعبير بالمعانى المجردة والحقائق المثالية , فلغة يفهمها الخواص فقط.
ومعلوم أن كل الناس ليسوا فلاسفة.
الجانب المعنوى من الجزاء:
اهتم القرآن الكريم بالجانب المعنوى من الجزاء كما اهتم بالجانب الحسى منه.
وذلك لأن القرآن يخاطب العامة والخاصة بالآية الواحدة.
ولكل من الجماعتين تصوره الخاص به.
وسوف نوجز بعض أنواع النعيم الغير محسوس. أو النعيم المعنوى في القرآن الكريم.
стр. 81
رضوان الله:
الشعور برضوان الله عليهم يتضائل أمامه كل شعور بالنعيم , لأنهم أدركوا حقيقة القرب. وزال عنهم حجاب الغفلة.
(وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
إنَّ من عرف ربه. وعاش في معيته يدرك الأبعاد النفسية لرضوان الله عليه. ويدرك كيف يصغر كل نعيم محسوس أمام هذا الرضوان.
لقد قضى المؤمنون حياتهم ينشدون هذا الرضوان. وتسابق الأنبياء لنيله. فموسى ﵇ تعجل في ترك قومه حتى عاتبه الله على عجلته. من أجل الحصول على رضوان ربه: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)
وسليمان ﵇ عندما أدرك حديث النملة تبسم ضاحكا من قولها.
ثم استدار يطلب من الله أن يوفقه لعمل يرضيه سبحانه شكرا له على موفور نعمه: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)
وإذا كان كثير من الناس يسعى في كل اتجاه لأرضاء من يملكون كلمة مسموعة , أو جاها نافعا لدنياهم. ففقير يعتز بفقير. (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ)
أما الذين أدركوا حقيقة التوحيد، وآمنوا بالقدرة الكبيرة المدبرة للكون، وتوكلوا على الله حق التوكل، فقد أيقنوا أن كل شيء يصدر عن الله يصدر لحكمة. وإن غابت عنا.
أيقنوا أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه.
وأن ما نضيق به من صنوف القدر ما هو إلا وجه لعملة الوجه الثانى لها
стр. 82
هو الخير وأنهم لو علموا الغيب لاختاروا الواقع فبلاء يوسف ﵇ أوصله لرئاسة خزائن الأرض..
آمنوا بالله مدبر الأمر , فسرهم كل ما يأتيهم
من عند الله.. وهذا معنى رضاهم عن الله
أما رضى الله عنهم فهو أعلى درجات العطاء كما أسلفنا
. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)
هذا.. وليس بعد الرضى درجة. إذ لوكان بعده درجة أعلى منه ما وقف وعد الله لنبيه عند حد قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)
الأمن والسكينة:
كل نعيم يخلوا من الأمن فهو سراب. لأن النفس لا تجمع شعورين متناقضين في لحظة واحدة أبدا، وكلما زاد النعيم مع فقد الشعور بالأمن زاد الخوف فمالك الملايين يكبر خوفه بمقدار ما يملك , لذلك من الله على المؤمنين بنعمة الأمن في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)
ويتجلى هذا الأمن في دار النعيم , حيث تتسع الملكية لكل مرغوب فيه , وكلما اتسعت الملكية زادت الحاجة إلى الأمن.. كما قلنا.
(إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)
(يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ)
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
стр. 83
فالأمن النفسى , ورضوان الله. أكبر من كل نعيم محسوس.
ذهاب الأحزان:
نعيم الجنة مصحوب بالشعور النفسى بدوام هذا النعيم..
وسبق أن قلت: إنَّ اتساع الملكية في الدنيا يولد الخوف من زوالها.
وهذا الشعور ينقص الإحساس بالسعادة.
أما في الآخرة فسعة الملكية مصحوبة بالأمان على دوامها. فهم لا يحزنون بفقد ما يملكون. ولا يحزنون لموت عزيز عليهم، لأنه لا موت في الآخرة..
ولا يحزنون ببعد حبيب عنهم: (عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) ولا يحزنون فيها لأن مصائب الدنيا كانت فتنة لهم. والجنة لا امتحان فيها..
(ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)
(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)
(فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
(وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
وقد أدركوا عظم نعمه سبحانه وشكروا له إحسانه..
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)
فالشعور بالرضوان , والأمن النفسى , والنظر إلى وجهه سبحانه وشكر الله لهم , وتحية ملآئكته.
كل هذا يمثل بعض النعيم المعنوى. وناهيك بإصلاح بالهم: (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)
стр. 84
الحسنى وزيادة:
ومن النعيم المعنوى ما يرمز إليه قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
فقرة العين نعيم معنوى.. وكل ما نعلم من أخبار الجنة واقعها خير منه فقد أعدَّ الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت , ولا أذن سمعت , ولا خطر على قلب بشر , كما جاء , في الحديث القدسى وعندما نتابع دراستنا لسور القرآن الكريم يتجلى لنا بعض مشاهد الحسنى والزيادة التي وعد الله بها عباده..
سورة النجم (آية ٣١) : (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)
سورة الرحمن (آية ٦٠) : (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)
أما سورة النساء (آية ١٧٢) , فتؤكد الجزاء بالحسنى ثم تبين الزيادة.
قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)
وسورة يونس (آية ٢٦) تؤكد هذه الزيادة في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
ولعل الزيادة هنا هى مضاعفة الأجر عشر مرات إلى سبعمائة ضعف كما توضح هذا مجموعة السور والأحاديث..
وإن كانت الأحاديث الصحيحة تفسر هذه الزيادة بأنها رؤية الله سبحانه..
يقول صاحب المنار: وقد وردت أحاديث صحيحة بطرق عديدة أن هذه الزيادة هى النظر إلى وجهه سبحانه.
وهو أعلى مراتب الكمال الروحانى الذي يصل إليه المتقون المحسنون العارفون في الآخرة
стр. 85
وفى سورة القيامة قال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
وفى سورة المطففين جاء قوله سبحانه: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ)
كما جاء في السورة الكريمة أيضا: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ)
وقد وردت أحاديث صحيحة تثبت الرؤيا لله سبحانه في الآخرة.
من ذلك ما رواه البخاري في كتاب التفسير عن أبى موسى: أن رسول الله ﷺ قال:
"جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب أنيتهما ومن فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن".
كما روى البخاري عن أبى هريرة رضى الله عنه أن الناس قالوا: يا رسول الله.. هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟
قالوا: لا يا رسول الله.
قال: (فإنكم ترون ربكم كذلك)
وقد رويت أحاديث صحيحة السند تؤكد رؤية الله سبحانه منها قوله ﷺ إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة التمام (١) .
стр. 86
.....................
- - - - - - - - - -
= وعليه فالخلاف حول جواز الرؤية أو منعها بدأ قبل نشأة المذاهب والطوائف.
ويلزم من هذا أن يعلم أصحاب كل رأى أن المخالفين لهم في هذه المسألة لهم عذرهم. وذلك حتى لا يتاجر بعض الناس بالخلافات ليفرق الأمة ويمزق ما بقى من نسيج وحدتها.
هذا النسيج الذي يذكرنى بقول الشاعر:
المرأ يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق
إنَّ موضوع رؤية الله سبحانه ليس من أصول الاعتقاد.
فلم نسمع أن أحد من الصحابة دعى غيره للإسلام وبين له ضرورة الإيمان بالتوحيد وبنبوة محمد ﷺ - وبأن المؤمن سيرى ربه في الجنة.
ولو كانت الرؤية من أصول الاعتقاد لأنزل الله فيها آية لا تحتمل التأويل كما جاء في التوحيد وأركان العقيدة الأخرى.
لكل من المؤيدين للرؤية والمعارضين لها أدلة لا يصعب على المخالفين تأويلها. وتأويل آية من القرآن تأويل تقبله اللغة العربية أمر جائز شرعا وارد عن سلف الأمة. بل إن بعض العلماء جعل من أدلة مخالفيه أدلة لدعواه. (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)
من أدلة المانعين لرؤية الله سبحانه قوله جل ذكره: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
كما استدلوا بقوله تعالى لموسى ﵇ عندما طلب رؤية الله سبحانه: (قَالَ لَنْ تَرَانِي)
ولم يكتف المنكرون بصريح آيات النفى , بل حاولوا تأويل أدلة المخالفين لهم.
ففى قوله تعالى: (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) , قالوا (ينظرون) من الإنتظار , وليست من النظر. وفسروا الآية بأنهم ينتظرون ثواب الله سبحانه. ولم يقف المثبتون للرؤية مكتوفى الأيدى.. فقد حاولوا تأويل آيات المخالفين لهم. حتى الآيات الصريحة في النفى , فقد حاولوا تأويلها. يقول صاحب تفسير المنار جـ ٩ صـ ١٣٦ في قوله تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
стр. 87
.........................
- - - - - - - - - -
= يقول الإدراك معناه الإحاطة. ونفى الإدراك يستلزم إثبات نوع من الرؤية لا إدراك فيه.
أقول: إن الإدراك وهو الإحاطة أعم من مجرد الرؤية.
فقد تحدث الرؤية ولا يحدث الإدراك.
وقد حكى القرآن أن بنى إسرائيل عندما تبعهم فرعون وأصبح في دائرة نظرهم: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) .
فأنت ترى أن الرؤية قد حدثت: (تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) . ولكن الإدراك قد امتنع.
فالرؤية كالأكل. والإدراك كالشبع. فقد يحدث الأكل ولا يحدث الشبع. وعلى هذا فنفى الإدراك لا يلزم منه نفى الرؤية. أما قولهم أن كلمة (ناظرة) من الانتظار وليست من النظر. فكلام لا يصدق بهذا الإطلاق.
فقد جاء في القرآن الكريم: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) , (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ)
وواضح من الآيتين أن كلمة (ينظرون) بمعنى ينتظرون.
أما قوله تعالى في سورة المطففين: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) .
كيف نفسرها بقولنا: على الأرائك ينتظرون؟
إنهم في وسط هذا النعيم الذي يحيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف , فماذا ينتظرون؟
وإن قال أحد المفسرين للآية الكريمة: إنهم ينتظرون ثواب الله.
قلت له: إن الجنة كلها ثواب من الله.
قال تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) .
إنَّ الجنة كلها ثواب من الله - كما وضحت الآية الكريمة.
وإنَّ فضل الله يغمرهم من كل جانب. فماذا ينتظرون؟
стр. 88
وبعد أن الله حدد كل جزئية من أصول العقيدة بما يحفظ على الأمة وحدتها.
وموضوع الرؤية إثباتا أو نفيا ليس من أصول العقيدة.
ولن نُسأل عنه أمام الله. فعلينا أن نعطيه قدرة فقط وغدا إن شاء الله سيجمع الله المنكرين والمثبتين في جنته. ونتركهم هناك.. (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ)
حتمية الثنائية:
على أن التصور الإسلامى لعقيدة البعث والجزاء لا يتم إلا بالتصور المحسوس والمعنوى معا وذلك لأن تغليب جانب من الجانبين المادى والروحانى ينحدر بالحقيقة الإيمانية عن قمتها..
إنَّ تصور النعيم المحسوس وحده يحول بين أصحاب الهمم الكبيرة وبين الاقتناع بالعقيدة.
وقد روى عن رابعة العدوية قولها: نحن إذاً صغار حتى نفرح بالفاكهة ولحم الطير , قالت هذا عندما سمعت قوله تعالى: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ)
والشبلي من المتصوفة عندما سمع قوله تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) عندما سمعها صاح وقال: فأين الذين يريدون وجه الله؟..
وكان يقول عندما يسمع قوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا)
ظاهرها الإنعام وباطنها الامتحان لينظر سبحانه من يعش لله ومن يعش لحظ نفسه.
стр. 89
عقيدة الفلاسفة:
أما الفلاسفة فقد بالغوا في الجانب المعنوى , مبالغة أوصلتهم إلى أنكار بعث الأجسام , وتأويل آياته. فالنعيم عندهم عقلى فقط , والذى ينعم أو يعذب هو النفس.
قالوا: إن تلذذ النفس بعد مفارقة البدن ليس من نوع تلذذها قبل مفارقته. لأن النفس قبل مفارقة البدن مشغولة بالعوائق البدنية والموانع الدنيوية , وقد زالت الموانع بعد المفارقة , وغير خاف أن التلذذ بالشئ بعد زوال المانع يكون أشد منه عند وجود المانع. وشبهوا العلاقة بين اللذتين بشم رائحة الطعام وأكله , بل أشد.
موقفهم من العبادات:
على أنهم لم ينكروا دور العبادات والنسك في تطهير النفس وترفعها عن الرزائل.
وجعلوا جزاء ذلك أن تتصل النفس بعد مفارقتها للبدن ببعض الأجرام الفلكية , فتتلذذ لذة تشبه لذةَ النائم إذا أكل أو نكح في منامه - لأن ذلك في منامه يفوق لذته في اليقظة. هذا بالنسبة للنعيم.
أما النفس التي انكبت على الاعتقادات الفاسدة فإنها تجد من الألم ما يزيد ويربوا على حالها الأول , لاستحكام نقيض الحق في جوهرها.
أما نفوس الأطفال والمجانين , فيعتقد الفلاسفة , حرمانها من النعيم , لأنها لا تدرك اللذة العقلية.
فالفلاسفة بالغوا في الجانب العقلى وأهملوا الحساب البدنى.
حشر الأبدان:
أما حشر الأبدان فإنهم قضوا باستحالته , وعللوا ذلك بعلل واهية , نذكرها ثم نرد عليها.
стр. 90
أولاً: قالوا إن ذلك يفضى إلى القول بوجود أبعاد وامتدادات لا نهاية لها وذلك إذا قلنا أن الأجسام لا تتناهى.
أقول: وهذا الزعم باطل:
لأن الفلاسفة يقولون بقدم العالم أي بعدم وجود أول لهذا الكون:
ومعنى ذلك أنهم يؤمنون بوجود أبعاد زمانية لا تتناهى في القدم.
كما يؤمنون بأن المادة لا تفنى. فهم يؤمنون بوجود أجسام لا تتناهى , ومع أن عقيدتهم في قدم العالم وبقائه عقيدة فاسدة إلا أن مسلَّمات الخصم وهى لازم قولهم تبطل دعواهم.
ثانيا: قالوا أن التراب لا يقبل تدبير النفس ما بقى ترابا. بل لا بد أن تمتزج العناصر امتزاجا يضاهى النطفة. فالخشب والحديد لا يكونان إنسان إلا إذا تحولت إلى لحم وعظم. ومهما استعد البدن لقبول النفس فلا بد من محاكاة الجسد الأصل.
رد الإمام الغزالي عليهم:
وقد رد الإمام الغزالي ﵀ على هذا القول بأن النفس باقية بجوهرها , بعد فناء الجسد دلت على ذلك نصص القرآن الكثيرة , قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
فالنفس باقية.
ومادامت النفس قائمة فيمكن أن ترد إلى أي بدن. سواء أكان هذا البدن من مادة البدن الأول أم من غير مادته. أم من مادة جديدة استأنف الله خلقها. لأن الإنسان إنسان بالنفس , لا بالبدن , فأجزاء البدن تتبدل من صغر إلى كبر ومع تغير الجسم فهو ذلك الإنسان بعينه.
أقول: وكلامهم مردود لخلق آدم من طين. وتحويل هذا الطين إلى خلق آخر يقبل تدبير النفس.
وقد صرح القرآن بأن قدرة الله على إعادتهم لا علاقة لها بنوع المادة التي صاروا إليها , ما دام الخلق يتم بمجرد تعلق قدرة الله في الإيجاد.
стр. 91
قال تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا)
بل أكثر من هذا دلالة على قدرة الله , أن الله أَكَّدَ في القرآن قدرته على إعادة بصمات الأصابع على ما كانت عليه في الدنيا مع أن كل إنسان تختلف بصماته عن بصمات كل الناس في الدنيا.
قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) .
ابن رشد يعترف:
اعترف ابن رشد الفيلسوف - بأن الشرائع في الأصل مبدأ للسلوك الحسن في الحياة , وللعمل الصالح , وأن أسلوب المعاد في كل الشرائع أفضل من الفلسفة , في حث جمهور الناس على ذلك. ثم قال ابن رشد: أن جعل المعاد روحانيا وجسمانيا معاً كما جاء في الإسلام أفضل , وإن كان ذلك مخالفاًَ لرأى الفلاسفة لأنه أكثر حث لجمهور الناس على التمسك بالفضائل , وعلى العمل الصالح.
فابن رشد يهتم في حديثه عن المعاد بالغاية القصوى , وهى عامل التهذيب , وهو لم يتعرض فلسفيا ً للمعاد نفسه , بل العجيب أنه ادعى أن الفلاسفة لم يثبت عنهم إنكار بعث الأجسام , وهذا مجرد دفاع لا يؤيده الواقع , ودعوى لا يؤيدها الدليل
стр. 92
الفصل الثانى
أولاً:
* الحيوان المنوى معجزة.
* لماذا السائل القلوى؟
* عروس تتنتظر.
* من خلية إلى إنسان.
* الغدة النخامية تكفى.
* لا تقتلوا هذا الضيف.
* لماذا نموت؟
* هذا أو الدمار.
ثانيا:
* مقاصد القرآن في النبات.
* (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا)
* دورة النتروجين.
* الوسيط السحرى.
* (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)
* صيدلية نباتية.
* قشر البصل أعظم دليل.
* رسالة إلى مرضى السكر.
* الثوم طبيب.
* بعض الطعام حساب.
* تسول الغنى جريمة
стр. 93
القرآن يستدل بالطبيعة على البعث
استخدم القرآن مظاهر الطبيعة المحسوسة في مقام الدليل على البعث لأن مشاهد الطبيعة يمكن إدراكها في كل البيئات، وارطبات الإنسان بها دائم، مع كل تطور حضارى. وجانب الاستدلال في هذا المقام مرتبط بقاعدة خلق الإبداع، وخلق الإرجاع التي سبق ذكرها وقد قدم القرآن لهذا الاستدلال بثلاثة أصول:
الأصل الأول: هو إيمان المشركين بالخالقية. مع إنكارهم التوحيد فقط.
قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)
والآيات الكريمات تليت على المشركين , ولم ينكروا مضمونها.
فهم يعترفون بالخالقية لله , لأن أحد من شركائهم لم يتصور العقل مهما كان انحطاطه أنه خلق الكون..
لقد كان المشركون يقولون في تلبيتهم حول البيت. لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك , تملكه وما ملك.
وقد وصف الله أكثرهم بعدم العقل , لأنهم يعترفون بأن الله يحيي الأرض بعد موتها ,ثم يشكون في قدرته على البعث. مع أن الخلق الأول , دليل على الخلق الثانى.
الأصل الثانى: أن الله سبحانه خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
стр. 94
إنَّ كل عمل يحدثه الخلق يتم بجهودهم ,أما أفعال الله , فتتم بمجرد تعلق ارادته بالإيجاد. لأنه تعالى يقول للشيء كن فيكون.
فالله سبحانه لم يعيه خلق الكون. ولم تعجزه النشأة الآخرة.
وقد صحح القرآن بهذه الآية الكريمة , وأمثالها. ما جاء في التوراة التي بين أيدينا من أن الله تعب من خلق السموات في ستة أيام. فاستراح في اليوم السابع.
جاء في سفر التكوين (٢ - ١ - ٣) فأكملت السموات والأرض وكل جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمله فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله , وبارك اليوم السابع وقدسه لأن فيه استراح.
الأصل الثالث: أَكَّدَ القرآن الكريم أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس.
قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
ثم ذكر بعدها ما يؤكد حتمية قانون (العدل المطلق) الذي لم يتحقق في الدنيا فلابد أن يتحقق في الآخرة.
قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)
إنَّ الذي خلق السموات والأرض لم يعى بخلقهن. قادر على أن يخلق مثلهن وأن يبعث من في القبور. لأن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس.
قال تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا)
إن خلق الإبدع أعظم دليل على خلق الإرجاع..
стр. 95
لأنَّ جمع الجزئيات المتفرقة من جسم الإنسان , أهون من تحويل العدم إلى وجود فسبحان من أوجدنا من العدم.
والآن مع سورة الواقعة في مسيرتها:
(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ)
ما سر هذا التقرير؟
إن المشركين في مكة لم ينكروا الخلق الأول. فما سر تقرير الإنسانية بعقيدة الخالقية؟.. كأن القرآن يخاطب البشرية الحائرة اليوم , بين أوهام النظريات , وضلال التفسيرات المادية المعاصرة.
وللموضوع قصة طويلة بدأت في القرن السابع عشر ولم يسدل الستار عليها حتى الآن ويحسن أن أوجزها حفاظاً على عقيدة الشباب المسلم.
بداية الصراع:
آمنت الكنيسة الأوربية بفلسفة أرسطو في تفسير الكون واعتبرتها ديناً.
لذلك فزع رجال الكنيسة عندما اكتشف العالم (كوبر نيكس) مركز الأرض ودورنها حول الشمس لأن الأرض لم تصبح مركز الكون كما كانت عقيدتهم.
والخطب يسير. وكان يمكن للمسألة أن تمر خصوصاً وأنها لم تصطدم مع قاعدة دينية ولا مع نص إنجيلى بل العكس صحيح.
فكان يمكن لرجال الكنيسة أن يعتبروا هذا الكشف العلمي آية من آيات الله. ولكن الجمود الفكرى عند رجال الكنيسة أوجد هذا الصراع.
وإذا كان رجال الكنيسة قد جانبهم الصواب فإن العلماء أيضاً قد ضلوا الطريق إلى الرشاد. عندما نظروا إلى عقائد الدين نظرة تجارية.
لقد تصوروا أن رجال الدين وحدهم هم الذين يجنون ثمرة العقائد الدينية فأعلنوا الإلحاد باسم العلم حتى لا تجنى الكنيسة ثمار
стр. 96
إيمان الشعوب. وهذه حماقة فحقائق الأشياء ثابتة , والعلم بها متحقق , وستار الإلحاد كثوب النفاق يشف دائماً عما تحته.
إنَّ العلم ليس كافرا ولكن ورثة الأحقاد عمتهم.
فلما جاء عصر الحقائق المجردة بدأ العلماء يشكون في الإلحاد ويقتربون من الإيمان.
كما أخطأ العلماء عندما حملوا الدين أخطاء رجال الكنيسة مع أنهم لو عقلوا الأمر لعلموا أن الدين كمال مطلق يأخذ كل إنسان منه على قدر استطاعته ومن يغمض عينيه دون النور يضير بعينيه ولا يضير النور.
والخطأ الثالث الذي وقع فيه العلماء أنهم أعطوا لأنفسهم الحق في أن يفسروا النشأة الأولى تفسير لا يسانده دليل معتمدين على الأيام أن تقيم الدليل وتنتهى حيرتهم. فكانت النظريات المتعددة والمتلاحقة , تلك النظريات التي انتهت (بالدارونية) . ومنذ أكثر من قرن والعلماء يسبحون في الأرض وينحتون الجبال باحثين عن (المستحاثات) التي تؤيد نظريتهم. ولا نسبق الأحداث فسوف نعيش مع النظرية.
الدارونية في الميزان:
لم يكن من مقاصد هذا الكتاب مناقشة مثل هذه النظريات وليس من تخصصى , ولكن هذا لا يمنع من إلقاء الضوء على هذا الموضوع بمقدار ما يتعارض مع عقيدة الخلق الذاتى للإنسان , فحماية هذا الدين فريضة. وإذا كانت نظرية داروين هى النظرية القائمة الآن فإن ما قبلها من النظريات قد مات في مهده. حتى نظرية دارون فقد ولدت ميتة ولكن إصرار العلماء على بقائها ومصلحة الغرب في نشرها قد أدخلها معمل التحنيط.
إنَّ إصرار العلماء عليها سببه أن البديل الوحيد عنها هو الإيمان بالله وهم كما قلت يكرهون الإيمان بالله
стр. 97
الوليد الميت:
الدارس لكتاب أصل الأنواع لدارون يدرك أن صاحب النظرية نفسه لم يثق بها.. يقول (دارون) : إنى لأشك بأن اعتراضات كثيرة قد خطرت ببال القراء , وبعض هذه الاعتراضات خطيرة إلى حد أنى حتى اليوم لا أفكر فيها إلى واعترضتنى هزة.
وأعلن أن الأدلة سوف توجد في يوم من الأيام , فالأدلة على نظريته في علم الغيب.. وهذا يكفى لنقل النظرية من تفسير علمى إلى فلسفة. لأن العلم العملى لا يؤمن بالمغيبات.
وقد جمع أحد العلماء العبارات التي تفيد الريب وعدم الثقة من كتاب (دارون) نفسه مثل قوله: قد نستطيع أن نقول , قد يمكن القول , المرء يبحث ليفهم لا ليثبت.
جمع هذه العبارات فوجدها أكثر من ثمان مائة جملة , حتى قال العالم (كلوتز) رئيس فرع العلوم بإحدى جامعات لندن: إنَّ الاعتقاد بالتطور يحتاج إلى كثير من السذاجة.
مناقشة أصول النظرية:
قامت النظرية على أساس محاولة وضع تفسير للحياة أي تفسير بشرط استبعاد عقيدة الخلق الذاتى.
وقد حاول بعض المثقفين في بلاد الإسلام أن يجمع بين عقيدة الخالقية والتطور. وهذا نوع من النفاق الحديث أو الجهل بأحد الأمرين - الدين أو التطور - إنْ أحسنَّا الظنَّ.
فالأصل الأول لهذه النظريات هو قيام الحياة في المادة الجامدة وتكوين خلية حيَّة بعوامل المصادفة العمياء. ثم بدأت هذه الخليَّة في التطور بـ (قانون الاصتفاء الطبيعى)
كما قال دارون , أو بقانون (توريث الصفات المكتسبة) كما قال مَن قبله. فالدافع للنظرية والفكرة التي قامت عليها فكرة إلحاديَّة.
ويجب على شبابنا أن يقف طويلا عند هذه النقطة إذا أراد الحكم على هذه النظريات
стр. 98
أو مناقشة أصحابها. فالقنص فنون ومعرفة نقاط الضعف في فكر الخصم أقرب طريق للوصول إلى الحقيقة.
إننا لا نبتغى الجدل. ولكن إذا تحتم أي سلاح للزود عن الإسلام ففى العرين أسود. صدق فيهم قول الشاعر:
كم أبرزوا للعالمين حقيقة ... كانت لها حجب الخديعة ساتره
ولأنهم يوم النضال غضافر ... ورؤوسهم حملت عقول عباقره.
شاهد من أهلها:
إن الداروينية بكل أجهزتها لم تستطع أن تبين علميا كيف بدأت الحياة في الخليَّة الأولى فضلا عن إثبات ذلك. ومعنى هذا أن كل ما بنى على خيال علمى فهو خيال.
جاء في الموسوعة العالمية لعام ١٩٦٦ ما يلى: (يجب ألا ينخدع أحد إلى حد يؤكد فيه بأن التطور ظاهرة مفهومة
(ويقول الأستاذ) كلارك: (من المؤسف أن تكون كل الأجوبة التي طرحت لمعرفة أصل الإنسان تقوم على دلائل غير مباشرة وأكثرها يقوم على فرضيات) .
ووصل الأمر بالعالم الفسيولوجى (تهميسيان) بعد أن تفرغ سنوات طوال لدراسة التطور أن يقول: (إن العلماء الذين يؤكدون على أن التطور واقع علمى هم منافقون وأن ما يرونه من أحداث إنما هو من الشعوذات التي ابتدعت ولا تحتوى على نقطة واحدة من الحقيقة لأن النظرية كما يقول خليط من الأحاجى وشعوذة الارقام) .
هل تأتى الحياة من الجماد ؟
الدارس للخلية الحيَّة وأسرارها يرى البون بين الجماد والأحياء وكل معامل الدنيا لم تستطع أن تصنع نواة تمر أو بذرة برتقال: من التي نلقيها في مزابلنا
стр. 99
ولأمر ما عرفنا الله بنفسة بأنه فالق الحب والنوى وهو أهون شيء علينا لم تصل معامل الأرض جميعا إلى صنع مثله , فضلا عن أن تصنع خلية عصبية معقدة.
جاء في كتاب السفرة الواسعة أن العالم الألمانى (فون برتالانفى) قال: (إن الإلمام بتفصيل النظام الفيزيائى الكيماوى لأبسط خلية يفوق طاقتنا) ..
هذه لغة الحقائق العلمية بعد أكثر من قرن فكيف يتصور عقل علمى حدوث هذه الكائنات الحيَّة بالمصادفة العمياء.
مع الخليَّة من قريب:
الخلية هى سرُّ الحياة المعجز والمحير , ومع صغرها المتناهى تتكون من جدار يشبه الغرفة وبداخله سائل تستقر فيه النواة، والنواة هى سُّر حياة الخليَّة وداخل النواة نواة أخرى تسمى (النوية) تصغير نواة - والغرفة والسائل والنواة والنوية يبلغ وزنها واحد من مليار من الجرام وللغرفة باب وعليه بواب يدخل في الخليَّة ما يشاء مما تحتاج إليه الخليَّة ويرفض السماح لمن يضرها أو لا تحتاج إليه ولا يخضع هذا الاختيار لحجم الذرات التي ترغب في الدخول فهو يسمح من دون استأذان لذرة (البوتاس) بينما يمنع بكل إصرار أن يفتح الباب لذرات معدن (الصديوم والكلور) مع أن ذرة البوتاس أكبر من الذرات الممنوعة ولا يسمح بدخول المواد (البروتينية) بينما يسمح بدخول المواد السكرية ويرحب بها.
فتركيب الخليَّة ونظام دخولها وسر نواتها نظام معجز بديع يتهافت أمام عظمته كل قول بالمصادفة العمياء.. التي بنى علماء التطور عليها مدار فلسفتهم.
стр. 100
مع الخليَّة مرة أخرى:
والخلية تتكون من مجموعة عناصر خمسة هى:
الكربون , والهيدروجين , والنيتروجين , والأكسجين , والكبريت. وهذه الخمسة أساسية في جميع الخلايا وهناك عناصر أخرى.
واختيار هذه العناصر من مجموع العناصر الموجودة في الكون وهى تزيد عن المائة تمَّ بعلم واسع واختيار دقيق.
وقول الداروينية.. أن الخليَّة الحيَّة الأولى وجدت بالمصادفة يقتله قانون المصادفة نفسه وقد درس العالم الرياضى (تتشار بوجين جواى) محاولة استفاء العناصر الخمسة من مجموع العناصر في قانون الصدفة ووجد أن الأمر يحتاج إلى إجراء عدة تجارب يبلغ عدها (١٠×١٠) وحاصل الضرب يضرب في نفسه ٦٠ مرة ليصير الناتج (١٠) بجوارها مائة وستون صفر , وهذا رقم لا يوصف ولا يمكن النطق به فأيُّ عقل يُسوِّغ هذا الهراء.
هذا من ناحية اختيار العناصر الخمسة من بين مجموع العناصر.
إنَّ أي خلل في ترتيب العناصر يقلبها سماً بدلاً من أن تصبح مادة للحياة (راجع الإسلام يتحدى) .
ولا يفوتنا أن العلماء قدروا عمر الأرض وذلك بحساب المدة اللازمة لمادة اليورنيوم لتفقد إشعاعها وتصير نوعاً من الرصاص فوجدوا أن هذا العمر لا يكفى لتحويل العناصر الخمسة الميتة إلى مادة حيَّة عن طريق المصادفة فقد قدروا المدة اللازمة لتكوين مادة البرروتين بحسب فعل المصادفة إلى سنوات يبلغ عددها الرقم ١٠ أمامه ٢٤٣ صفر من بلايين السنين.
وهذا الرقم الخيالى يكبر عمر الأرض آلاف المرات.
لقد أراحنا الإيمان من هذه الأوهام عندما آمنا بالله خالقاً لكل شيء.. (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ)
стр. 101
بعد هذه العجالة عن الخليَّة الحيَّة نتابع رحلتها وهى تتكاثر لتصبح إنساناً سوياً وسوف نعرف ذلك عند دراستنا لقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) إن شاء الله..
وإذا ثبت تهافت الداروينية في تصور الطريقة التي تكونت بها الخليَّة الأولى فتهافتها في إثبات دعوى التطور من باب أولى.
فالانتخاب يقتضى القدرة على المقارنة ثم الاختيار والطبيعة بمجموعها غير عاقلة حتى المخ البشرى وهو أرقى أنواع المادة فقد ثبت علميا أنه شيء , والعقل البشرى شيء آخر.
فالتفكير والتخيل والتصور ليس عملاً مادياً. فكيف تتخير المادة وهى غير عاقلة؟
قانون الاصطفاء الطبيعى:
يدعى علماء التطور أن الطبيعة تلجأُ إلى الانتخاب وتحتفظ بالانتقال النافع وتنفى الانتقلات الضارة وبهذه الصورة يتحول الكائن الحى إلى نوع رفيع واعتبروا هذا القانون هو الدليل الوحيد على آليَّة التطور مع أنه افتراض وليس بدليل.
وقد قام عالم التطور المتعصب (سير جيمس غرى) في كتابه (العلم اليوم)
قال: فعلينا إما أن نقبل الاصطفاء الطبيعى كدليل وحيد على آليَّة التطور وأن نقبل بأن فيه قسطاً كبيراً من الخيال , وإما أن نعترف بأن الاصطفاء الطبيعى يقوم على أساس الانتقال العرضى الذي يأتي اتفاقاً وأن نعطى للمصادفة دوراً أكثر أهمية في هذا الميدان.
ونعتبر التطورالعضوى نوعاً من (اليناصيب الطبيعى) فإنه يبدوا من الغرابة بمكان أن تكون أوراق هذا اليناصيب الرابحة بهذا القدر من الكثرة ومع هذا فإني أقول: أنْ ليس هناك ما يثبت أن رأيي خير من غيره من الآراء.
وقد أعجبنى وأنا أكتب هذا الفصل، قول (جان روستان) فى
стр. 102
رفض تأثير الوراثة على التطور , قال: (إني لا أستطيع أن أفكر فقط بأن هفوات الوراثة هذه قد استطاعت حتى مع مساعدة (الاصطفاء الطبيعى) وحتى بفضل المدة الطويلة التي احتاجها تطور الحياة بأن نصنع هذا العالم الحيَّ. مع كل ما فيه من ثراء ولطافة في التكوين ومؤهلات عجيبة) .
فعلماء التطور أنفسهم يشكون في دليلهم الوحيد. وقانون الاصطفاء الطبيعى يمكن هدمه عقليا بسهولة.
قوانين الورثة:
هل يسمح (قانون الوراثة) بإنجاب نوع جديد من نوعين آخرين مع استمرار التناسل للنوع الجديد؟
إنَّ التجارب العلمية تؤكد أن (الأبغال) وهى ما يتولد من نوعين مختلفين كالفرس والحمار تحتفط بأحسن صفات النوعين ولكنها تكون عقيمة غالبا وما كان خصيباً من الأبغال. فإنه إذا استمر بالتلاقح فإنه ينتهى إلى العقم.
(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ)
فحقيقة التطور تفسير بلا دليل. اعتقدها العلماء في عصر التشكيك في الإيمان ليجدوا فيها بديلا عن عقيده الإيمان لأنهم كارهون الإيمان بالله.
ومضى قرن من الزمن بل ما يزيد على قرن والعلماء يسيحون في الأرض وينحتون الجبال ومع ذلك فمجموع أدلتهم لا تزيد عن (لا شيء) ..
تقول المجلة العلمية الأمريكية في عدد (تموز ١٩٦٤.. إنَّ من الحكمة إلا نؤكد بأن الصلة بين الإنسان القردى وبين الإنسان تعتمد اليوم على شهادة المستحاثات بل أن ننتظر اكتشافات جديدة (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)
стр. 103
من هنا وهناك:
إصرار العلماء على وجود البديل لعقيدة الخلق الذاتى للكائنات الحيَّة أرهقهم كثيراً ومع ذلك لم يهتدوا، وألجأهم هذا الإصرار إلى التلفيق العلمي فهم يجمعون قطعة عظم من هنا وقطعة عظم من هناك ويحاولون لصقهما بأوهام واهية لا تلبس أن تتهاوى يقول (أيزلى) في مقال نشر بمجلة العلوم الأمريكية إننا لا نملك هيكلا ً عظمياً تاماً لقرد صغير ناهيك عن أن نجد هيكل لإنسان قديم ونحن عالة في معرفتنا بتاريخ تطور الإنسان الأول على قليل من العظام وعلى أسنان محطمة هذا بالاضافة إلى أن المستحاثات آتية من أماكن مختلفة متباعدة بعضها عن البعض الآخر الآف الكيلوا مترات وهى مبعثرة في طول وعرض القارات القديمة ولذلك فإننا ننتهى بهز رؤوسنا مقرين بالعجز وكأننا في تيه، وقد نسينا من أي طريق دخلنا..
أقول وكما أن هذه المستحاثات متفرقة ومتباعدة الأماكن فهي أيضاً متباينة الأزمان تبايناً واسعاً ففى المؤتمر الذي عقده علماء (الإنسان القردى) عام ١٩٦٥ جاء في النشرة التي صدرت عن المؤتمر (إن جهلنا بشجرة نسب الإنسان ما زالت حتى اليوم جهلا عجيبا فهناك ما زالت ثغرات) .
ثم قالت النشرة: (منذ ما لا يقل عن ثلانين مليون سنة بدأت تظهر الصفات التي تميز بها الإنسان عن غيره من الحيوانات) ثم وضعوا جدولاً زمانياً للمستحاثات التي عثروا عليها فبعضها قدروا عمره بلاثين مليون سنة (رجماً بالغيب) وظلت فترة أحد عشر مليون سنة لم يعثروا على شيء فيها.
وقد تأسف صاحب كتاب (الإنسان الأول) فقال (ومن المؤسف أن تظل حتى الآن المرحلةُ الأولى من التطور الإنسانى سرًّا غامضاً) .
стр. 104
هذه آراء الداروينية وهى تؤكد أن النظرية كما قلت تفسير بلا دليل أما رأيُنا نحن المسلمين في المستحاثات التي عثروا عليها وفى الشبهة بين عظام الفقرات وفى غيرها مما تمسكوا به فهو أن التشابه بين المخلوقات يؤكد وحدة الخالق لا وحدة المخلوق.
إنَّ البرغوث صورة مصغرة من الفيل فهل الفيل كان برغوثاً؟
وما هى عوامل البقاء والانقراض؟
إذا كان البقاء للأقوى فقد انقرض بعض الحيونات كانت أضخم من الجمل وأقوى من الأسد بينما بقى الفيروس وحيد الخليَّة فأي قوة فيه حتى يبقى؟ وأي ضعف في ما انقرض؟
هل البقاء للأصلح؟
إن الطبيعة في مجموعها غير عاقلة فيكف تفرق بين الكائنات لتختار الأصلح، وإن قالوا إن الطبيعة تحافظ على نفسها.
قلنا لهم: ما سر الجمال في الورد وفى جناح الفراش , إن الجمال هو سر الله في الخلق.
لأن الطبيعة مادة والمادة غير عاقله وغير العاقل لا يتذوق الجمال فكيف يجود به في أبهر صورة؟
إن الله جميل وهو واهب الجمال للكون والحياة.
(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ)
إن أي تفسير لنشأة الحياة يخالف ما أخبرنا به القرآن الكريم فهو دخول للغيب من دون إذنٍ من صاحب الغيب وإذا كان العلم التجريبى لا يؤمن بالمغيبات كما يدعون، فما سرُّ إيمانه بقضايا لم يحيطوا بها خبرا ولم تخضع لتجاربهم المعملية.
إنَّ هذا الجانب يؤكد أن نظرية التطور فلسفة شخصية وليست نظرية علمية والبون بين الفلسفة الشخصية والحقائق العلمية بون واسع.
стр. 105
وأيُّ مانع يا ترى أوقف بقية القردة عن التطور، لعلهم رفضوا ذلك بإصرار حتى يبتعدوا عن عالم الخداع والأحقاد.
إن الناس يسعهم الهزل إن فاتهم الجد.
قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟
بدأ القرآن يقيم الأدلة على البعث من عناصر الطبيعة الحيَّة لعموم هذه المظاهر في كل زمان ومكان وأسلوب القرآن هنا يفهمه العامة ويملأُ تصورهم بمظاهر قدرة الله بينما يفتح نافذة للعلماء على دراسة أسرار الله في الكون والإنسان فهو كتاب واحد يشبع العوام ويحير الخواص.. (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟
قرأها رجل البادية منذ عصر نزول القرآن فأجاب بفطرته.. أنت الخالق سبحانك ويقرؤها رجال التخصص العلمي فتفرض عليهم أن يغوصوا في بحارها الزاخرة بالأسرار.
* يدرسون السائل المنوى
* والحيوان المنوى
* وبويضة المرأة
هذا على أن الضمير في قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) ؟
أى تخلقون ما تمنون أي النطفة ويدرسون الإخصاب ومراحل تكوين الجنين في قراره المكين إذا كان الضمير في قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) ؟
يعود على الجنين الذي يتكون من النطفة وهذه الدراسة الواسعة محلها كتب الإحياء والطب أمثال كتاب
* (الإنسان ذلك المجهول) الكسيس كاريل
* (أعرف جسدك) ترجمة العقيد ماجد العظمة
* (هذا الإنسان) للدكتور حبيب صادر
* (الخليَّة وعلم الجنين) للدكتور موفق شخاشيرو
стр. 106
وأهم الكتب التي استفدت منها في هذا الفصل (الطب محراب الإيمان) للدكتور خالص جلبى كانجو. وأنصح بقراءته لكشف آيات الله في جسم الإنسان وكتاب (الطاقة الإنسانية) للأستاذ أحمد حسين.
وإتماماً للفائدة وتعميقاً لفهم قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)
فسوف أوجز القول في بعض ما يتعلق بها من الناحية العلمية.
الحيوان المنوى
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟
عندما يقرؤها رجل الطب ويعيش في رحابها يدور بخلده قدرة الله في خلق الحيوان المنوى إن حجمه متناهى في الصغر فالنطفة الواحدة تحتوى على قرابة أربع مائة مليون حيوان منوى. شعب كامل من أعظم شعوب العالم ومع ذلك لا يفوز من هذه الجموع سوى حيوان واحد وهو الأقوى والأسرع.
يصل هذا الفائز إلى الملكة المتوجة التي طال انتظارها له ليحمل لها كل خصائص الأب الوراثية فضلاً عما زود به من الهرمون الجنسى المذكر (التستومترون) والذى يحمل خصائص الرجولة العامة من نظام الشعر في جسد الرجل والذى يختلف عن توزيع الشعر في جسد المرأة ويقنع هذا الهرمون الحبال الصوتية بضرورة الغلظة حتى تغاير أصوات النساء ويؤثر على العضلات لتدخر البروتينات فيها حتى تشتد العضلات وتقسوا ويؤثر على عظام الصدر فتتسع وعظام الحوض فتضيق ثم يحدد بعد ذلك طبيعة المزاج النفسى فالحيوان المنوى مخلوق عجيب.
وزاد إعجابى بالحيوان المنوى وأنا أدرس كتاب " التنبؤ الوراثى " للدكتورين ظلت هارسنياى وريتشارد هوتن
فقد جاء فيه دراسة واسعة عن الأمراض الوراثية وكيف تنقل
стр. 107
العوامل الوراثية الأمراض عن طريق الحيوان المنوى إلى الأجيال الجديدة.
جاء فيه: فالعامل الوراثى قد يكون هو البندقية المعبأة ولكن ثمة عامل بيئي هو الذي يشد الزناد.
و (الجينا) نفسها تحوى سجل الماضي للجسم كما تحوى شفرة وخريطة لمستقبله.
وقد جاء فيه دراسة على المدمنين للكحل ومدى انتقال أمراض الإدمان إلى أبنائهم فقد ذكر أن فرصة إصابة أبناء المدمنين بالأمراض الناشأة عن الإدمان تزيد أربعة أضعاف تقريباً عن أبناء غير المدمنين.
وذكر أنه في تجربة قام بها عالمان هما شوكيت ورايزس على ٣٠٤ من الرجال بعضهم من أبناء المدمنين وبعضهم من أبناء غير المدمنين فقد أعطى كل من المجموعتين مقدار واحداً من الكحل ثم اختبرت عينات من دم المجموعتين لمعرفة مدى تأثير مادة " الايسيتالدهيد" وهذه المادة يفرزها الجسم لتكسير الكحول النقى وهى عادة سامة وتضعف الجسم.
فقد تبين أن الأشخاص الذين انحدروا من عوائل لها صلة بالكحول قد تركزت فيهم مادة "الايسيتالدهيد" في الدم ضعف المقادير التي وجدت في الأشخاص العاديين.
هذا وقد ذكر المؤلفان التجارب التي أجريت للتحقق من تأثير المواد الكحولية على أعصاب أبناء المدمنين وعللوا ذلك بنقص في أحد الإنزيمات وهو الإنزيم الناقل (للكيتوليز) .
فما سر هذا المخلوق العجيب؟!!.
إن كل شعوب الأرض قد خلقت من حيونات منوية حجمها كحجم قرص واحد من الأسبرين.
فكم حجمك في عالم الحيونات المنوية؟
وهل يعلم الذين يدمونون الخمر أي بلاء يجرونه على أبنائهم؟
стр. 108
السائل المنوى:
عندما تنبه الأعصاب الحويصلة النووية وبعض الغدد الأخرى أمثال الغدد البصلية الاحليلية فإن هذه الغدد تتسارع إلى فرز هذا السائل الذي يسبح فيه الحيوان المنوى وهذا السائل ذو طبيعة قلوية وسر هذه المادة القلوية أن تؤمن الحيوان المنوى عند مروره في الطريق البولى حتى لا تؤذيه بقايا البول فضلا عن عملية التنظيف التي تقوم بها غدة البروستاتا لمجرى البول أثناء عملية الجماع وسرعة القذف تساعد على عدم وقوف السائل في الطريق الحامضى سواء عند الرجل أو عند المرأة.
هذا ما نعرفه عن نطفة الرجل ...
أما بويضة الأنثى فلا تخلوا من مثل هذه الأسرار فهى مزودة بهرمون المحبات وهو يحمل إلى الجنين الخصائص الأنثوية ويهيئها لما خلقت له فماذا يفعل هذا الهرمون؟..
زيادة شحم بدن المرأة وكبر الحوض وضيق عظام الصدر ونمو الثديين ونعومة الجلد ورقة الصوت ولين المزاج ويبقى الأمر بيد الله وحده في تغليب أحد الجنسين وتنشأة الجنين ذكراً أم أنثى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا)
هذا بعض ما تشير إليه الآية الكريمة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)
ونكتفى بهذا القدر من الحديث عن النطفة احتراما للتخصص.
(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)
من المفسرين من قدر الضمير في قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ)
أى تخلقون الجنين الناشئ عن النطفة. وكثير من آيات القرآن تكلمت
стр. 109
عن الأجنة ومراحل تكوينها ولست طبيباً حتى أتتبع تكوين الجنين من خلية واحدة إلى مائة بليون خلية كل خلية تؤدى ما خلقت له.
ولكن بعض الخواطر العلمية يمكن أن تتسع لها هذه الصفحات مع احترامى الدائم لدقة المتخصصين.
إنَّ انقسام الخليَّة الواحدة (البويضة الملقحة) إلى ملايين الخلايا المتخصصة أمر محير حقا.
فهى تصبح مجموعة من الألياف المتراصة لتكوين العضلات. وهى تصبح بنكرياس فتقوم بإفراز الأنسولين الذي ينظم السكر في الدم وهى تكون الغدة الدرقية فتفرز الهرمونات الحاثة على تنظيم الحرارة.
وهى تكون المعدة فتفرز العصارات الهاضمة التي تهضم الطعام ولا تهضم نفسها.
وتكون الأمعاء الدقيقة التي تقوم بالامتصاص.
وتكون كرات الدم الحمراء التي تحمل الأوكسجين إلى جميع الجسد.
أما أسرار الغدة النخامية التي تعتبر بجدارة (ملكة الغدد) فتحتاج إلى دراسة واسعة إنها تقوم بإفراز عشرة هرمونات هذه الهرمونات تحث كثير من الأعضاء على أداء وظائفها وتقوم بعملية التنسيق بين الأعضاء.
إنَّ الغدة النخامية بفصوصها الثلاثة تنظم عملية النمو للجسد وإفراز اللبن اللازم للإرضاع والذى يزداد تركيزاً كلما زادت حاجة الطفل وتنظيم الحياة الجنسية وما يلزمها من تكوين النطفة والبويضة وتنظيم عملية إدرار البول بما تتجلى فيه آيات الله (١) .
- - - - - - - - - -
(١) يفرز الجسد ١٨٣ لتراً من البول في اليوم الواحد وهذا المقدار إذا خرج من الجسد فسوف يلزم الإنسان أن يشرب مثل هذا القدر من الماء ويمكن أن ندرك خطورة هذا الأمر ولكن الله سبحانه كلف الغدة النخامية أن تفرز هرمون يفرض على الكلى أن تعيد النظر في هذا القدر من البول فتحتفظ للبدن بمقدار ١٨١.٥ لتراً من الماء وتخرج لتراً ونصف فقط وبذلك تقى الإنسان شراً مستطيراً ومن السهل أن يعلم القارئ الكريم أن هذا الرقم يأتي نتيجة دوران كمية الماء الموجودة في الجسم عدة مرات في اليوم الواحد.
стр. 110
وللغدة النخامية دور كبير في عملية الولادة فضلا عما تقوم به من تحريض الغدة الدرقية على اصطياد مادة اليود من الدم وصنع هرمونات الدرق. والعجيب أن هذه الغدة لا يزيد حجمها على واحد سم مكعب.
يا سبحان الله..
إنَّ الخليَّة الأولى تنقسم إلى خلايا تكون العين في الظلام لترى عندما تخرج إلى النور وتكون أذن يتم تكوينها في صمت الرحم لتسمع عندما تخرج إلى ضجيج الحياة.
وتكون كرات الدم البيضاء التي تعمل عمل الجيوش المدافعة عن الجسد ضد الجراثيم الداخلة إليه.
أما خلايا الأعصاب وخلايا المخ فلا يتسع لها إلا كتب التخصص لشدة تعقيدها: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟
إنَّ القرآن العظيم لا يلفت عقول الناس إلا لأمر عظيم وقد يغيب سر ذلك عنا: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ؟
تذكرنا هذه الآية الكريمة بأمرين جليلين يحسن الإشارة إليهما.
أولهما: أن الجسد غيور يطرد كل غريب عنه وكرات الدم البيضاء تخوض معركتها مع الجسم الغريب فإما أن تنتصر وإما أن تنتحر والصديد هو جثث كرات الدم البيضاء المنتحرة.
فما سر أن يقبل رحم المرأة (الحيوان المنوى) ويرحب به؟
لماذا لم يقتله كما يقتل كل جسم غريب؟
إن سر ذلك عند الله وحده.
ثانيهما: عندما يتم الإخصاب تبدأ رحلة الجنين في الرحم يكون الجنين خلية واحدة وبعد مدة الحمل يصل تكاثر الخليَّة إلى مائة بليون خلية.