Полный текст (254 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)
قال الزمخشرى: (ثم ذكرمن بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضاداته للماء وانتفائها به وهى الزناد التي توارى بها الأعراب وأكثرهم من (المرخ والعفار) وفى أمثالهم في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار , يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضرا وأن يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بإذن الله)
وقال الطبري: بين سبحانه أن من قدر على أن يجعل من الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نار حامية مع مضادت النار للرطوبة قادر على الإعادة والبعث. (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ)
جعل لنا نار الدنيا تذكرة للعقلاء بنار الآخرة.
روى الإمام مالك عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم وضربت في البحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد"
وفى رواية البخاري ومسلم أن الصحابة سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله: إن كانت لتكفى أي نار الدنيا فقال ﷺ : "والذى نفسه بيده لقد فضلت عليها بتسع وستين جزء كلهن مثل حرها".
(وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ)
للمقوين: للمسافرين في القواء وهو المكان الخالى والمنزل
стр. 142
القواء هو المنزل الذي لا ساكن فيه.
والمعدة القواء هى الخالية من الطعام.
قال الشاعر:
وإنى لأختار القوى طاوي الحشى ... محافظة من أن يقال لئيم
والنار في الدنيا متاع لمن ينزل في الصحراء حيث لا مأوى وهى متاع لأصحاب البطون الخاوية تعوضهم عن الدفء الداخلى كما تساعد على صنع الطعام.
وقد خص القرآن المقوين بالذكر مع حاجة الجميع إليها لفرض حاجتهم.
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) .
بعد أن ناقش القرآن الكريم العقل البشرى التفت إلى الفطرة وأمرها بالتسبيح على معنى: دع الجدل وسبح باسم ربك العظيم والمقصود هنا تنزيه ذاته تعالى عن كل ما لا يليق بها من أوهام الجاهليات القديمة والحديثة.
وقد فهم النبي ﷺ من هذا الأمر أن المراد تسبيح ذاته , فكان يقول: سبحان ربى العظيم سبحان ربى الأعلى , ولم يقل الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله.
وسر نسبة التسبيح إلى اسم الله هنا أن الذكر والتسبيح في الحقيقة عملية قلبية فطلب القرآن تسبيح اسم الله وذكر اسم الله ليشترك اللسان مع القلب في هذه العبادة.
قال ابن القيم في تفسيره للآية الكريمة: فصار معنى الآيتين سبح ربك بقلبك ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى حتى لا يخلوا الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله لأن اللفظ لا يراد بنفسه.
وأنقل قول ابن تيمية رضى الله عنهما قال: أي سبح ناطقاً باسم ربك متكلما به , وكذا سبح ربك ذاكرا اسمه
стр. 143
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
الكون كله يسبح بحمد الله، فالذى لا يسبح من البشر كالمصباح المنطفئ في وسط المصابيح المشتعلة.
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)
فتسبيح البشر انسجام مع الكون وإرضاء لخالقه.
عن أبى هريرة رضى الله عنه. أن رسول الله ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" رواه البخاري ومسلم.
عن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأحب الكلام إلى الله"؟
قلت: أخبرنى يا رسول الله.
قال: "إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده" رواه مسلم.
وقد دخل الرسول ﷺ المسجد فوجد حلقة من أصحابه فقال: (ما أجلسكم؟
قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا.
قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟
قالوا: والله ما أجلسنا غير ذلك ,
قال: أما إني لا استحلفكم تهمة لكم , ولكنه أتانى جبريل ﵇ فأخبرني أن الله يباهى بكم ملآئكته".
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
لأن التسبيح ينجي صاحبه في الشدائد , إن رصيد الناس من الخير لا يضيع عند الله وقد أَكَّدَ القرآن هذه الحقيقة عندما تكلم عن سبب نجاة يونس ﵇ من بطن الحوت.
قال تعالى: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
стр. 144
فيونس ﵇ قد نجاه الله ببركة رصيده من التسبيح والخير. وبهذا ينتهى الحديث عن الفصل الثانى من السورة الكريمة لنبدأ الفصل الثالث..
стр. 145
الفصل الثالث
وفيه دراسة علمية وعقلية حول نزول القرآن من عند الله.
* من الكون إلى القرآن.
* كتاب واحد ملأ حياة الأمة كلها في عصر الجمل وعصر الفضاء.
* إذا تكلم القرآن عن الماضي صدقه التاريخ. وإذا تكلم عن الكون صدقه العلم الحديث. وإذا تكلم عن الغيب صدقته الليالى والأيام.
* لماذا تركت قريش معرقة الجدل ولجأت إلى معركة السيف؟ مع أنها صاحبة البيان.
* لماذا نزل وعيد في أبي لهب وامرأته ولم ينزل وعيد في أبي سفيان وامرأته؟
* إذا كنت تعرف الكثير عن الخلايا المخلقة فماذا تعرف عن الخلايا غير المخلقة.
* منهج السيدة خديجة , وهرقل عظيم الروم في الاستدلال على نبوة محمد ﷺ .
وبهذا الفصل دراسات أخرى.
стр. 146
قال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
بعد أن ساق القرآن الأدلة الأربعة من الجنين والنبات، والمطر، والنار
قدم دليلاً آخر على صدق البعث وهو القسم على أن هذا القرآن كريم وأنه منزل من عند الله. لأن نزول القرآن يلزم عنه صدق البعث.
وآيات القسم في القرآن كثيرة.
وقد أفردتها بالدراسة في الجزء الرابع من كتابى (حتى لا نخطئ فهم القرآن) ولا يفوتنا هنا أن نوجز القول عن آيات القسم التي تتعلق بموضوع السورة الكريمة.
القسم خطاب للفطرة:
وقع القسم على النفس كبير. خصوصا إذا كان هذا القسم قد صدر من عظيم.
والعرب بفطرتهم حتى المشركين منهم كانوا يؤمنون بعظمة الخالق وإن أخطأ بعضهم تصورها , بنسبة الشركاء له سبحانه لذلك تعجب أعرابيٌّ عندما سمع قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)
تعجب الأعرابب وقال: من أغضب رب العرش حتى جعله يقسم؟
فالقسم يؤكد المعنى المقسم عليه في نفوس المخاطبين.
وقد أقسم سبحانه على صدق البعث.
قال تعالى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) (١)
- - - - - - - - - -
(١) قال المرحوم الشيخ رشيد الخطيب الموصلى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) العرف ضد النكر , وهو قسم بآيات الله الهادية إلى العرف الذي لا نكرة فيه (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا) الآيات المنذرة للمنكرين (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا)
الآيات الناشرة للنور والهداية (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا) القرآن الذي أنزله الله ليفرق بين الحق والباطل (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) عذرا أو نذراً آيات الوعد والوعيد والعذر الفوز والنجاح , ومن المفسرين من فسر القسم بالرياح المرسلة ومنهم من فسره بالملآئكة والله أعلم
стр. 147
وأقسم سبحانه بمظاهر القيامة (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)
(وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ)
كما أقسم بالقيامة نفسها (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)
وقد أقسم الله سبحانه على حتيمية مجيء القيامة ليؤكد أمرها.
قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)
كل هذا ليؤكد عقيدة الجزاء ويوصلها إلى النفس بشتى الطرق وهذا بعض أغراض القسم في القرآن. (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)
هنا يقسم الله بالكون على نزول القرآن من عند الله. لأن القرآن عند ما تستقر قضية نزوله من عند الله في القلب والعقل فإن النفس تطمأن للبعث.
وقد تكرر القسم بالكون على نزول القرآن من عند الله.
قال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)
والرسول الكريم في هذه الآيات هو ملك الوحي.
أما سورة الحاقة (٣٨ إلى ٤٣) فقد جائت فيها
آية جامعة لكل ما أقسم الله به في القرآن. لأن كل شيء أقسم الله سبحانه به إما مادى من شأنه أن تدركه الأبصار كالنجم والتين والزيتون والخيل العاديات في الجهاد , وإما غير مادى لا تدركه الأبصار.
стр. 148
كالقسم بذاته سبحانه وملآئكته. ولكنه في سورة الحاقة أقسم الله بما نبصر وبما لا نبصر.
فهو أشمل قسم في القرآن لأنه مع إيجازه جمع كل ما أقسم الله به قال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
والرسول الكريم هنا هو محمد ﷺ كما تدل على ذلك بقية الآيات.
وعلى هذا فيمكن أن نفهم الآية الكريمة فهماً آخر.
إنَّ كفار مكة كانوا ينظرون إلى الرسول ﷺ فيرون فيه يتيم قريش ولا يرون فيه النبوة.
فأقسم سبحانه بما يبصرون من اليتيم الأمي وبما لا يبصرون من النبوة والوحى. تكريما لمنبته ونبوته , والله سبحانه عندما يقسم بالكون على نزول القرآن فإن ذلك يؤكد حقيقة كبيرة من حقائق العقيدة الإسلامية وهى أنه لا خلاف أبداً بين حقيقة كونية وآية قرآنية.
وأى خلاف بين حقيقة كونية وآية قرآنية سببه خطأنا في فهم القرآن.
لأن الذي خلق الكون هو الذي أنزل القرآن وكلام الله وخلقه لا يختلفان. (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
هذا بالنسبة للحقائق الكونية:
أما النظريات المفسرة للكون والحياة فإن اختلفت مع القرآن فسبب ذلك هو قصور البشر في فهم أسرار الكون , وما نجهله من أسرار الكون أضعاف ما نعرف.
إنَّ معجزة القرآن العلمية يمكن أن أوجزها في كلمة واحدة وهى: أنَّ العلم الحديث استطاع أن يخطأ أو يصوب كل تفسير
стр. 149
للكون قاله العلماء قديما ولكنه لم يستطع أن يخطأ تفسير واحداً للكون والحياة قاله القرآن: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)
(فَلَا أُقْسِمُ) كلمة لا في اللغة العربية تزاد وتحذف.
تزاد لتقوية الكلام وتوكيده. نحو قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ)
(مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)
(لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) : أى ليعلم.
وجاءت في الشعر العربى:
وتلحينى في اللهو أن لا أحبه ... وللهوى داع دائب غير غافل
فاللام تزاد للتوكيد. فهل (لا) في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)
هل هى زائدة للتوكيد؟ أم نافية؟
وإذا كانت نافية فأي شيء نفته؟
قيل: هى نافية ومنفيها شيء تقدم الحديث عنه كثيراً في القرآن.
وهو عكس المقسم عليه. وإنما صح ذلك لأن القرآن كالسورة الواحدة. بمعنى أن المنفى بها هنا هو إنكار نزول القرآن من عند الله.
والمنفى بها في أول سورة القيامة (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)
هو مجموع شبه المنكرين للبعث فكأن الله يقول لكل شبه المنكرين: (لا) ثم يقول أقسم بيوم القيامة.
وذكر ابن هاشم أن منفيها (أقسم) .
وذلك على أن يكون أخباراً لا إنشاء.
قال واختاره الزمخشرى. قال: والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له.
стр. 150
بدليل قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)
فكأنه قال: إن تعظيمه بالإقسام به كلا إعظام.
أي أنه يستحق إعظام فوق الإعظام.
وقيل إنها زائدة لمجرد التوكيد كقوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)
والمعنى: ليعلم. ولا زائدة للإمعان في التوكيد
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)
(بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) : التي أقسم بها لفْتَةٌ قرآنية لسرٍّ جديد من أسرار الكون , لم تكن الدنيا تعرف عنه أي شيء , عندما نزل هذا القرآن من عند الله.
لذلك قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)
لكن الناس يومها لم تكن تعلم عنه أي شيء.
لأن دراسة مواقع النجوم لم تبدأ إلا في القرن الخامس عشر الميلادى.
وقد ذكر الشيخ نديم الجسر. في كتابه القيم (قصة الإيمان) : أن هناك علاقة رياضية ثابتة بين أبعاد النجوم هذه العلاقة تهدم كل قول بالمصادفة , فالمتواليات الهندسية للأرقام.. صفر - ٣ - ٦ - ١٢ - ٢٤ - ٤٨ - ٩٦ - وهكذا.
لو أضفنا لكل عدد منها الرقم ٤ ثم ضربنا حاصل الجمع في ٩ مليون. فسوف نحصل على الأبعاد التي بين الشمس وكواكب المجموعة الشمسية مع فروق قليلة.
فمثلا: صفر + ٤ = ٤ × ٩ مليون = ٣٦ مليون.
وهذه هى المسافة بين الشمس وعطارد.
٣+٤= ٧×٩مليون =٦٣ مليون وهذه هى المسافة بين الشمس والزهرة.
٦+٤=١٠×٩مليون =٩٠ مليون
стр. 151
المسافة بين الشمس والأرض
١٢+٤ =١٦ × ٩ مليون = ١٤٤ مليون وهذه هى المسافة بين الشمس والمريخ.
٢٤+ ٤ = ٢٨ × ٩ مليون = ٢٥٢
وجدوا مجموعة كويكبات صغيرة تدور في الفراغ
٤٨ +٤ = ٥٢ × ٩ مليون = ٤٦٨ مليون
متوسط المسافة بين الشمس والمشترى
٩٦ + ٤ = ١٠٠ × ٩ مليون = ٩٠٠ مليون
متوسط المسافة بين الشمس وزحل
١٩٢ + ٤ = ١٩٦ × ٩ مليون = ١٧٦٤ مليون
متوسط المسافة بين الشمس وأورانوس
٣٨٤ + ٤ = ٣٨٨ × ٩ مليون = ٣٤٩٢ مليون
وهى متوسط المسافة بين نبتون والشمس
إنَّ العلاقة الثابتة بين مواقع النجوم تؤكد عظمة القرآن في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)
ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يقول الأستاذ على عبد العظيم في مقال نشر بمجلة
(الوعي الإسلامي) : ونحن نعلم أن المجموعة الشمسية بكواكبها التسع وأقمارها العديدة وما تضمه من مذنبات مثل مذنب (هالي) هى جزء من المجرة , وأن المجرة تضم نحو مائة ألف مليون مجموعة شمسية في كل منها كواكب عديدة وأقمار كثيرة ومذنبات وغبار كوني , وأن الكون الفسيح يضم نحو ألف مليون مجرة , وأقرب المجرات إلينا تبعد نحو سبعمائة ألف سنة ضوئية , والسنة الضوئية تقدر بما يقطعه الضوء من مسافات مقدارها ثلاث مائة ألف كيلوا في الثانية الواحدة.
стр. 152
وأقرب شمس إلينا هى (الفيا سينتيورى) وتبعد عنا نحو أربع سنوات ضوئية. فالكون مشحون بالمجرات والكواكب , وكل كوكب له مجاله الذي يسبح فيه. والعلماء يذكرون أمراً عجيبا في حركة الكوكب يذكرون أن المجرات بملاين الكواكب التابعة لها يتداخل بعضها في بعض وترقص الكواكب حول نفسها وحول كواكب المجرة الأصل وتظل هكذا حتى تخرج هذه المجرة من مجال جارتها تخرج ومعها كل كواكبها.
كل هذا ولا يصطدم كوكب بكوكب..
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)
(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ، لأن الذي تفضل به على عباده لهدايتهم اله كريم ورسول الوحي الذي أوصله إلى النبي ملك كريم. والنبي الذي تلقاه وبلغه للناس نبى كريم. والخلق الذي دعى إليه القرآن خلق كريم. ثم القرآن بعد كل هذا كتاب كريم لأنه يجود على كل دارس في ميدان تخصصه بعطاء , يبدأ من حيث ينتهى تخصص العلماء.
(فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
فى كتاب مكنون في الملأ الاعلى , قبل نزوله على النبي ﷺ وقد أشار القرآن إلى هذه المرحلة بقوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ
مَحْفُوظٍ)
ظل القرآن في لوح محفوظ لا يصل إليه علم البشر ولا يسعد بالنظر إليه سوى الملآئكة المقربون. وقد أكدت سورة عبس هذا المعنى.
قال تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ)
стр. 153
ولعل هذا سر قول الرسول ﷺ (الذى يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة , والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه
أما قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
فقد كاد فقهاء المسلمين أن يجمعوا على أن مس المصحف لا يجوز إلا للمتوضئ.
ومن أجاز ذلك بغير وضوء أجازه للتعليم فقط.
أما للتعبد بتلاوته فلابد من الوضوء. لأن دراسة القرآن عند المسلمين أوجبت هذا الحكم.
ولكن الخلاف بين الفقهاء , يدور حول النقاط الآتية:
أولا: هل قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
هو مصدر الحكم في وجوب التطهر. أم هناك مصدر آخر أخذ منه الحكم؟
من استدل بالآية الكريمة على وجوب الوضوء اعترض عليه بأن لفظ الآية خبرى. وأن (لا) في قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
نافية وليست ناهية. لأنها لو كانت ناهية لجزم الفعل بعدها.
وأجاب أصحاب هذا الرأي بأن الآية الكريمة وإن كانت خبرية لفظاً إلا أنها إنشائية معنى.
فلفظها الخبر ومعناها النهى، وهذا النوع من الآيات موجود كثيرا في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ)
فاللفظ خبرى والمعنى طلبى.
فمعنى الآية لا تنفقوا إلا ابتغاء مرضات الله.
ومنه أيضا قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)
والمعنى لا تسفكوا دمائكم فالمعنى نهى عن سفك الدماء وإن كان اللفظ خبرياً (١)
- - - - - - - - - -
(١) قصد بالتعبير بالجمل الخبرية عن المعانى الإنشائية هو الإشعار بسرعة استجابة المأمورين بالأمر. فكأن الله سبحانه قال لهم لا تنفقوا إلا ابتغاء مرضات الله , فاستجاب المؤمنون لأمره سبحانه فأخبر عن حالهم بعد الاستجابة بأنهم فعلا أصبحوا لا ينفقون إلا ابتغاء وجه الله.
وقد ورد هذا التعبير في السنة المطهرة في قول الرسول ﷺ "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" فاللفظ خبرى والمعنى النهى.
стр. 154
ولكن هذا الرد مع وجاهته لم يسلم من الاعتراض.
فقد اعترض بأن نقل الآية من معناها الخبرى إلى المعنى الإنشائى لا يجوز إلا لضرورةٍ مانعةٍ من إرادة المعنى الأصلي ولا ضرورة هنا.
ثانيا: أن سورة الواقعة مكية وموضوعها هو تقرير عقيدة البعث وإثبات نزول القرآن من عند الله , فلا يجوز صرفها عن موضوعها إلى حكم فرعى وهو مس المصحف.
وقد استدل ابن تيمية ﵀ على الحكم الشرعي من وجه لطيف. فقال: إن الآية الكريمة تدل على الحكم من باب (الإشارة) فإذا كان الله ﵎ يخبر أن المصحف المطهر في السماء لا يمسه إلا المطهرون فالمصحف الذي بين أيدينا كذلك ينبغى أن لا يمسه إلا طاهر.
وفى كتاب مدارج السالكين مناقشة لرأي ابن تيمية فقد نفى ابن القيم - غفر الله له - وجود أي علاقة بين الآية الكريمة وبين الحكم الشرعي , والرأي الذي عليه الجمهور أن الحكم الشرعي مستفاد من السنن وليس للآية دخل فيه.
لأن الآية الكريمة تتكلم عن (الكتاب المكنون) والقرآن جزء منه.
قال تعالى: (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ)
قال الإمام مالك في الموطأ أحسن ما سمعت في تفسير الآية الكريمة: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
أنها مثل آية عبس التي ذكرتها , وعلى هذا فالحكم الشرعي مصدره السنة المطهرة.
فقد ذكر أصحاب السنن أن النبي ﷺ أرسل رسالة إلى أهل اليمن وجاء فيها:.. وألا يمس القرآن إلا طاهر
стр. 155
وقصة إسلام عمر بن الخطاب. يستأنس بها فقد منعته أخته من لمس المصحف حتى يتوضأ فالحكم ثابت بالسنة.
والآية لا علاقة لها بهذا الحكم , إلا بمقدار الإشارة كما قال ابن تيمية والمطهرون هم الملآئكة أما المؤمنون فمتطهرون قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا)
فالآية تتحدث عن اللوح المحفوظ لأنه أقرب مذكور (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
وفى قراءة الجنب للقرآن خلاف بين العلماء.
بقي أن نعرف شيء من الأحكام الفقهية التي تتعلق بالآية الكريمة.
قراءة القرآن للجنب والحائض:
لا أعرف خلاف بين المذاهب الأربعة في تحريم قرآءة القرآن الكريم على الحائض والجنب إلا ما ذكره الإمام الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن بأن الإمام الشافعى أجاز قراءة القرآن الكريم للحائض إن خافت النسيان ثم قال الإمام الزركشي ما يفيد بأن هذا رأي قديم للشافعي رضى الله عنهما، وقد أجاز الأئمة رضوان الله عليهم للجنب أن يقراء من القرآن ما يجري على لسانه كالبسملة مع أنها من القرآن. ودعاء ركوب الدابة:
(سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)
وأجاز المالكي أن يقراء الجنب آية أو أكثر ليستدل بها عن حكم شرعي أو يحصن نفسه من عدو.
وقد ذهب ابن عباس رضى الله عنهما إلى جواز قراءة القرآن الكريم للجنب. وقد ذكر ابن حجر أن ابن عباس ﵄ كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنب
стр. 156
وذكر ابن حجر أن الحديث المنسوب إلى ابن عمر ﵄ والذى يروى فيه عن النبي ﷺ "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن" ذكر ابن حجر أن هذا الحديث ضعيف من كل طرقه وتتبع الشوكاني في كتابه نيل الأوطار الأحاديث والآثار المروية في تحريم قراءة القرآن الكريم على الجنب وأخبر بضعفها , وأنها لا تصلح لتكون دليلا على تحريم شيء هو من أعظم العبادات يعنى قراءة القرآن وذلك كحديث على ابن أبي طالب كرم الله وجهه والذى يقول فيه: كان رسول الله ﷺ يقرأنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً.
فبعد أن ذكر الشوكاني أن هذا الحديث صححه الترمذى وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطنى والبيهقى وابن السكن بعد ذلك عاد الشوكانى ونقل عن الإمام الشافعى أن هذا الحديث لا يثبت عند المحققين من علماء الحديث وأن الإمام أحمد يوهن هذا الحديث.
وذكر الشوكانى حديث جابر عن النبي ﷺ قال: (لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيء) رواه الدارقطنى.
ثم قال الشوكاني في رد سند هذا الحديث أن فيه محمد ابن الفضل وهو متروك ومنسوب إلى الوضع.
وقال البيهقى: هذا الأثر ليس بالقوى.
ولعلك أيها القارئ الكريم قد أدركت شيء من أسباب اختلاف الأئمة ﵃ وهو الطريق الذي وصلنا بها الحديث.
فقد يصل الإمام بطريق يثق في رجاله وقد يصل امام آخر بطريق لا يثق في رجاله.
المهم أن الأئمة لم يتعمدوا الاختلافات
стр. 157
مس المصحف:
لا أعرف خلاف في موضوع كراهية مس المصحف للحائض والجنب إلا بغلاف وقد ذكر فضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد في كتابه (أسئلة طال حولها الجدل) إن مس المصحف للجنب يكرهه كراهية هى أقرب إلى التحريم منها للتنزيه لقوله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهرا".
ثم يقول: ويمنعني من القول بالتحريم ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبى هريرة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْخَنَسْ مِنْهُ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ) والذى منعني من القول بالتحريم أن عامة أهل العلم تسامح لأولاد الكُتَّاب بتشديد التاء بمس المصحف , والقراءة فيه على غير طهارة فلو كان التحريم جازماً لما تسامحوا بذلك , كما لم يتسامحوا معهم بالصلاة بغير وضوء. (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
لا تعرف الدنيا كتابا يحمل بين كل آية منه دليلا على نزوله من عند الله إلا القرآن.
وسوف أذكر بعض الأدلة العقلية التي تثبت نزول القرآن من عند الله.
مع مراعاة العمق والإيجاز.
وسوف أقسم الأدلة إلى قسمين.
أدلة تتعلق بشخص النبي ﷺ , وأدلة تتعلق بالقرآن الكريم نفسه.
وإلى القارئ الكريم نبذة عن كل جانب.
فمن الأدلة التي تتعلق بشخصية الرسول ﷺ -
стр. 158
استدلال السيدة خديجة:
ذكرت في كتابى (هذا نبيك يا ولدي) أن السيدة خديجة ﵂ أول من استدل بأخلاق النبي ﷺ على نبوته.
فعندما عاد النبي ﷺ بعد نزول الوحي للمرة الأولى قال للسيدة خديجة زملينى.. دثرينى.
فلما ذهب عنه الروع وجائته البشرى من ورقة ابن نوفل قال للسيدة خديجة لقد خفت على نفسى.
عند ذلك دار في ذهن السيدة خديجة صورة سريعة لأخلاقه الفاضلة خلال خمسة عشر عاماً فقالت له: إنك لتصل الرحم , وتصدق الحديث , وتحمل الكل , وتكسب المعدوم , وتقري الضيف , وتعين على نوائب الدهر.
ثم جعلت من هذه المقدمات نتيجة خالدة وهى قولها والله لن يخزيك الله أبداً.
وأعدت نفسها للإيمان به.
وقدمت النتيجة على المقدمات لتعجيل البشرى.
فالسيدة خديجة هى أول من استدل بأخلاق النبي ﷺ على نبوته.
ومن الذين اتبعوا هذا المنهج العظيم في الاستدلال , وإنْ لم يؤمن هرقل عندما استضاف أبا سفيان ابن حرب قبل إسلامه وسأله عن النبي ﷺ
وهذا نص الحديث في البخاري:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ".
стр. 159
وقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)
دليل على النبوة. نزلت لتسجل أخلاق النبي قبل البعثة لأن سورة القلم نزلت بعد سورة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)
فلا يتصور أن القرآن يعني بها أخلاق النبي ﷺ بعد البعثة وإذا كانت أخلاقه قبل البعثة كما وصف القرآن فإن هذه الأخلاق قد رشحته للنبوة ولا شك أن أخلاقه بعد النبوة أكمل.
...
فالسيدة خديجة - رضى الله عنها - وهرقل ملك الروم كلاهما استدل بأخلاق النبي ﷺ على نبوته.
وعلى هذا المنهج فقوله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)
ترسم دليلا من أخلاق النبي ﷺ على صدق دعوته.
ومعلوم أن الآية الكريمة تتكلم عن أخلاق النبي ﷺ قبل بعثته.
لأن سورة القلم نزلت بعد سورة اقرأ بأيام قلائل لا يمكن أن نتصور فيها حدوث تغير في أخلاق النبي ﷺ .
فالله سبحانه يمدح أخلاق النبي ﷺ قبل بعثته وهو الجانب الذي أهله للنبوة (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)
وإذا كان النبي ﷺ قبل النبوة على خلق عظيم فإنه بعد النبوة تمم مكارم الأخلاق.
والذى يعنينى هنا أن أخلاق النبي ﷺ امتدحها القرآن ليقيم بذلك دليلا عقليا على نبوته.
فأول مبادئ الأخلاق هو الصدق، والصادق لا يكذب أهله.
стр. 160
الأميُّ الذي علم الدنيا:
أمية النبي ﷺ لا تحتاج إلى دليل..
ولولا افتراء المستشرقين على النبي ﷺ وعلى دعوته لما كان لهذا الموضوع من البحث مكان.
فقد وصف القرآن النبي ﷺ بالأمية وصفاً صريحاً. وسمعه أهل الكتاب في عصره فلم يطعنوا في ذلك.
قال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ)
وقد أثبت القرآن أن أمية الرسول من شأنها أن تقطع كل قول للمبطلين لأن الأُمِّيّ لا يتحول وحده إلى معلم للدنيا.
قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)
ونحن لا ندعي أن النبي ﷺ لم يلق أحداً من العلماء بالأديان فقد لقي راهبين هما بحيرى وورقة ابن نوفل. ولكن النبي ﷺ لم يكن في اللقائين وحده.
فيوم أن لقي بحيرى كان النبي صبياً وكان معه عمه وقال له بحيرى بعد أن تعرف على أوصاف النبوة في محمد ﷺ قال له: ارجع بابن أخيك فإنى أخاف عليه يهود الشام أن يقتلوه.
والقصة إن قبلتها فهي دليل على نبوة محمد ﷺ لأن فيها بشارة بنبوته منذ صباه.
وإن رفضتها فرفضها دليل على نبوة محمد ﷺ لأنه تسليم بأميته.
стр. 161
أما الراهب الثانى فهو ورقة بن نوفل. وعندما لقيه النبي ﷺ كان الوحي قد نزل عليه بالفعل وانضم ورقة إلى أتباع النبي ﷺ لولا أنَّ أجلَه عاجله.
وكانت خديجة - رضى الله عنها - شاهدة لهذا اللقاء فكلا الراهبين بشر النبي بالرسالة. عندما تيقن كل منهما أن بشارات الكتب السابقة تنطبق عليه ﷺ فلقائهما شهادة على نبوته وليس مغمزاً فيها.
وأي البراهين يمكن أن ينصب نفسه معلماً لرجل توسم فيه أن الله سيعلمه ويجعله نبياً.
والذى أعجب له أن المكذبين بسيدنا محمد ﷺ يكثرون الصياح بأنه التقى براهب في مكة يمت له بقرابة نسب فلابد أنه تعلم منه. ومع يقيننا تاريخياً بعدم جلوس النبي تلميذاً أمام أحد ومع افتقار رهبان الدنيا كلها لحقائق الوحي المحمدى. مع كل هذا نسألهم ألم تؤمنوا بأنبياء ولدوا في بيوت أنبياء وتعلموا من آبائهم ومع ذلك تتفقون معنا على نبوتهم.
إننا جميعاً نؤمن باسحاق وقد ولد وتربى في بيت إبراهيم ﵉ ونؤمن بيعقوب وقد تربى في بيت إسحاق وسليمان ولد وتربى في بيت داود ولم يقف البيت الذي ولدوا فيه مانعاً من الإيمان بهم صلى الله عليهم وسلم وأي البيئتين كان من الممكن أن تُعِدَّ بتشديد الدال رجلاً لزعامة قومه وقيادة أمته ووضع التشريعات لها.
البيئة التي تربى فيها موسى ﵇ أم البيئة التي تربى فيها محمد ﷺ ؟
ومع ذلك فنحن معكم نؤمن بأن شريعة موسى وحيٌ من الله
стр. 162
وليست اكتسابا من التربية في بيت الملك ولا شعورا عكسياً للمظالم التي عاناها شعب إسرائيل.
إذا لم تخش عاقبة الليالى ... ولم تستح فاصنع ما تشاء
...
وللمستشرقين فنون في حملات التشريق , تكلمت عنها في كتابى (هذا نبيك يا ولدي) وأكتفى هنا بنموذج واحد من كتاب (تاريخ الشعوب الإسلامية) لأنه واسع الانتشار ماكر المقاصد مترجم إلى اللغه العربية يقول كارل بروكلمان: إنَّ محمداً تعلم الدين الجديد من جماعة من أهل الكتاب كانت معارفهم محدودة بالكتاب المقدس.
من أي المصادر التاريخية استقى هذا الرأي؟
وما هى أسماء هذه الجماعة؟
وأي مصلحة لهم في أن يعلِّموا بتشديد اللام محمداً ويختبئوا وراء شخصه؟
ولماذا لم يقل أهل الكتاب عندما جادلهم محمد ﷺ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا؟
القرآن والكتب السابقة:
موقف القرآن من الكتب السابقة: هو موقف الأستاذ المصحح سواء في ذلك مجال الاعتقاد أو التشريع. ولست هنا بمتحدث عن الاختلافات العقائدية والتشريعية بين القرآن والكتب السابقة لأن مجال ذلك في كتب التخصص. ولكننى سوف أسوق نموذجين فقط لهذا التصحيح.
فى فترة التيه التي أصابت اليهود تكونت جماعة من أحبارهم أطلقوا على أنفسهم (الربانين) أحلوا ما شاءوا وحرموا ما أرادوا.
وادعوا أن الله يراقب ما يصدر عنهم من فتوى ويصحح لهم وأطلقوا على عملية المراقبة المزعومة (بث قول) هذه الجماعة أصدرت كتاب في الذبائح أطلقت عليه (هلكت شحيطا) أي علم الذبائح.
حرموا فيه لحم الذبيحة إذا وجدوا قلبها ملتصق بالظهر أو بأحد الجانبين. كما حرموا لحمها لو كانت رئتها بها ثقب
стр. 163
جاء القرآن الكريم في العهد المكي وبين المحرمات من الذبائح على بنى إسرائيل بينها من غير أن يدخل في جدال مع اليهود لأن العهد المكي خلا من الجدال معهم.
بينها لمجرد بيان سبب التحريم وهو ظلم اليهود لكن القرآن لم يتعرض لافتراء الربانيين ومزاعمهم فيما أحلُّوه وما حرَّموه.
وما دام القرآن المكي قد تحدث بأسلوب الحصر فإن ما ادَّعته (الجماعة الربانية) لا أصل له.
قال تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
هذا بيان عام ثم بين القرآن ما حرم على اليهود وحدهم من الطيبات عقوبة لهم , قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ)
فاليهود يشتركون مع المسلمين في تحريم الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح للأصنام , وتنفرد اليهود بتحريم (كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) أي كل حيوان قدمه غير مشقوق كالإبل والنعام والأوز والبط كما حرم عليهم شحم البقر والغنم إلا ما كان منه حول الأمعاء وما كان في الظهر وأما ما اختلط بعظم فحلال.
القرآنُ مصححٌ لقصص الأنبياء:
حاكمية القرآن على الكتب السابقة وهيمنته عليها تتجلى في موضوع له دور كبير في موكب الهداية.
ومعلوم للجميع أن عصر النبوات قد انتهى. ولكن حاجة الناس للهدى مستمرة , فمن أي مصدر يستقى الناس هدايتهم؟
الذى لا شك فيه أن سيرة الأنبياء والمرشدين تحكي لهم القدوة وترسم الطريق إلى الله.
وقد أمر القرآن أتباعه أن يقتدوا بأنبيائهم
стр. 164
(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)
فبقاء سيرة الأنبياء عدم انقتاع الرسالات كأنه نبى لا يموت ولكن.. هل يفوت هذا الأمر الجليل على قيادات اليهود؟
إنَّ قيادة الشعوب المنحلة الهابطة أمر سهل وما دامت اليهود تخطط لقيادة العالم فلابد من خطة متكاملة لعزله عن الفضيلة وما دامت سيرة الأنبياء تمثل صورة المرشد الذي لا يموت فلا بد من طمس صورتهم وإخفاء جمالها.
إنَّ العالم الأعمى تسهل قيادته إلى الضياع.
من أجل ذلك كانت عملية تحريف قصص الأنبياء في التوراة التي بين أيدينا عملية مقصودة ليعيش العالم بلا قدوة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ليجترأ الناس على الفاحشة وهم آمنون من ثورة الضمير ما دام الأنبياء هم أسبق الناس إلى الفاحشة (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا)
والآن مع التوراة في اتهاماتها الصاخبة للأنبياء، ثم مع القرآن وهو يصحح المسيرة وينصف الأنبياء
* نوح: والإصحاح رقم ٩ إلى ١٨ من سفر التكوين "وابتدأ نوح فلاحاً في الأرض وغرس الكرم. وشرب من الخمر وسكر وانكشف في وسط مضربه. فنظر حام أبو كنعان سوأة أبيه"
* لوط: الإصحاح رقم ١٩ من سفر التكوين: "قالت ابنته الكبيرة لأختها تعالى نسقى أبانا خمرا وننضجع معه ونقي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة وأتت الكبرى وانضجعت مع أبيها وهكذا فعلت الصغرى فحملتا من أبيهما"
* هارون: الإصحاح ٣٢ من سفر الخروج: "واجتمع القوم
стр. 165
إلى هارون وقالوا له قم فاصنع لنا آلهة تسير بين أيدينا: فقال لهم هارون: فكوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم واحضروها إليَّ"
ثم تقول التوراة: "فأخذه من أيديهم وجمعه في قالب وصنعه عجلاً حيًّا.
وقال هذه آلهتكم يا إسرائيل"
وتذكر التوراة أن موسى عندما حضر أمرهم أن يقتل كل منهم أخاه وصاحبه وقريبه فسقط منهم في ذلك اليوم ثلاثة آلاف رجل.
هذه بعض افتراءات التوراة على أنبياء الله سبحانه وقد صحح القرآن سيرتهم ووضعهم حيث يستحقون من الصدارة وحسن الذكر إبقاءً لدورهم في الهدى ونصرة للحق والآن مع القرآن الكريم:
(وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ)
وفى سورة الأنبياء خمسة أوصاف وصف القرآن بها هذا النبي الكريم (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)
وفى سورة الصافات ١٣٣ (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)
هذا وقد نسب القرآن صنع العجل إلى السامري وحكى القرآن استنكار هارون لما انحدر إليه قومه (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)
إن القرآن مصحح لما وقع في التوراة من أخطاء سافرة في حق الأنبياء وفى غير هذا من الموضوعات التي لا بد من تصحيحها.
أما الأخطاء التي لا تضر مسيرة النور وعلاجها يحدث جدلا بلا ثمرة كالتواريخ والأرقام وتحديد الجهات التي بينتها التوراة، فالقرآن لا يجادل فيها اليهود.
قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)
стр. 166
فالرسول يبين ما لا بد من بيانه لتصحيح مسيرة الحق كأمور الاعتقاد والتشريع ويعف عما لا يفيد من الخلافات التي لا يتبعها عمل فهذا خلاف لا يتبعه، فالخوض فيه ضرب من عبادة الهوى التي نهينا عنها.
ومرة ثانية أقول: هل يمكن لحقائق القرآن التاريخية أن تكون مستمدة من أباطيل أهل الكتاب وأساطيرهم؟
إنَّ كتبهم بين أيدينا والحق أبلج.
وأهل الكتاب استمعوا إلى النبي ﷺ
فما قال منصفهم سوى أن ما جاء به محمد وما جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة "النجاشى"
فمن أين استقى (كارل بروكلمان) صاحب تاريخ الشعوب الإسلامية والحداد اللبنانى افتراءاتهما؟
إن ادعاء المستشرقين والمبشرين وتلاميذهم: أن القرآن له أصل من الكتاب المقدس , هذا الادعاء يعنى شيئاً واحداً يعنى أنهم فتنوا بروعة القرآن فحاولوا أن يخلقوا نسباً بين كتبهم وبين هذا القرآن.
فكل يدَّعي وصلا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
ولو كان القرآن بحقائقه العلمية وأسلوبه المعجز من عند محمد ﷺ وكتبهم التي بين أيدينا من عند الله للزم على هذا الزعم أن كتاب محمد أهدى من كتاب الله وأثبت أمام تحديات الزمن.
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
موقف النبي من المغيبات:
تؤكد سيرة النبي ﷺ وأحاديثه الصحيحة أن النبي ﷺ تبرأ من نسبة الغيب لنفسه.
روى الإمام البخاري أن جويريات كن يضربن بالدف يذكرن آبائهن من شهداء بدر حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ
стр. 167
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ.
وهذا الحديث مصداق لقوله تعالى:
(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)
وقوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ)
والنبي عندما يتبرأ من نسبة الغيب إلى نفسه ثم يأتي القرآن ويكشف عن غيب الماضي فيصدقه التاريخ ويكشف عن غيب الحاضر فيصدقه الواقع ويكشف عن غيب المستقبل فتصدقه الليالى والأيام , فإن مغيبات القرآن تثبت أنه من عند الله (١)
- - - - - - - - - -
(١) غيب الماضى. تكلم القرآن الكريم عن غيب الماضي البعيد عندما تكلم عن قصص الأولين.
وقد أَكَّدَ القرآن أن إعلام النبي ﷺ بهذا القصص بشأنه أن يثبت للعقلاء أنَّ هذا القرآن منزل من عند الله.
فبعد قصة نوح قال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا)
فمن علَّم الأُميَّ؟
وبعد قصة يوسف جاء قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)
وبعد قصة موسى قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) , (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)
وبعد قصة مريم قال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)
والقرآن عندما يؤكد هذا المعنى في نفس النبي ﷺ فإنه يسوق من غيب الماضي دليلا على نزول القرآن من عند الله.
على أن هناك ملاحظة أخرى وهى أن معظم السور التي تضمنت قصصاً قرآنياً نراها تشير في مطلعها إلى هذا القرآن العظيم.
البقرة: فيها عديد من القصص.
مطلعها (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ)
آل عمران: فيها قصة المسيح وأمه , مطلعها: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)
الأعراف: فيها عديد من القصص مطلعها: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)
يونس: فيها عديد من القصص مطلعها: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)
هود: فيها عديد من القصص مطلعها: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)
يوسف: قصة يوسف مطلعها: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
وهكذا يمكنك أن تتابع سور القرآن الكريم.
стр. 168
حديث الإفك
وقد التزم النبي ﷺ بالتحفظ من دخول الغيب , إلا بإذن من صاحب الغيب حتى فيما يمس أسرته وحسبك من ذلك
(حادث الإفك) المفترَى على السيدة عائشة ﵂
لقد كان النبي ﷺ يمكنه أن يعلن براءة زوجته في أول لحظة ذكر فيها حديث الإفك.
وكلام النبي ﷺ مقدس عند المسلمين , وموضع قبولهم جميعا.
ومع ذلك فقد التزم النبي ﷺ بالصمت , واستشار المقربين من أصحابه والملتصقات بها فذكروا جميعا في شأنها خيراً وهذا تصرف توحيه بشريته الكريمة.
ظل النبي هكذا حتى نزلت براءتها من السماء.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)
فلو كان القرآن من عند محمد لبرأ محمد زوجته من أول لحظة ذكر فيها حديث الإفك.
стр. 169
ثقة النبي ﷺ في وعد ربِّه:
لا يستطيع رئيس دولة مهما كان تقدمها أن يصرف حرَّاسَه عنه ويعلن أنه لن يموت إلا على فراشه.
والسنوات القليلة الماضية شهدت مصرع اثنين من رؤساء الدول وهما يسيران في حراسة غير عادية.
بل إن أحدهما قتل وهو يستعرض قواته في البر والجو وحراسه يحيطون به من بين يديه ومن خلفه. فكيف أعلن النبي ﷺ استغنائه عن الحراس ثقة منه في وعد الله سبحانه؟
كان النبي يحرص وهو في بيته بالمدينة حتى نزل عليه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
عند ذلك أخرج النبي ﷺ رأسه من القبة وجمع حراسه , وأمرهم أن ينصرفوا لأن الله تولى حراسته.
روى الترمذى والحاكم وابن أبي حاتم عن السيدة عائشة - رضى الله عنها - كان النبي ﷺ يحرس ليلا حتى نزل عليه قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة فقال لهم
أيها الناس انصرفوا فقد عصمنى الله.
لم ينتظر النبي ﷺ حتى الصباح بل سرح حراسه بمجرد أن انفصل الوحي عنه.
كيف يبيت ليلة في حراسة البشر وقد تولى الله حراسته؟
لقد عاشت هذه الثقة في قلبه حتى لقي ربه على فراشة.
وروى الإمام أحمد في مسنده، أن النبي ﷺ
قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ فَرَأَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ اللَّهُ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ قَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ قَالَ فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ أَوْ الْعَصْرُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ".
стр. 170
وفى بعض الروايات أن النبي ﷺ قال للرجل ضع السيف فوضعه في مكانه وعفى النبي ﷺ عنه. والعجيب أن هذه الحادثة كانت في الغزوة التي شرع الله فيها صلاة الخوف.
إنَّ قادة الأمم الحديثة والقديمة لا يستطيع أحدهم أن يصرح بأنه لن يموت إلا على فراشه أو يستطيع أن يصرف حراسه.
وقد لقي بعضهم مصرعه وهو في وسط قواته ومخابراته فأي ثقة هذه في وعد الله جعلت النبي يصرف الحراس حتى في أشد الغزوات خوفاً.
وقد صدقه الله وعده فأنطق له الشاة المسمومة:
ونص الحديث عند الدارميِّ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلاَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، فَأَهْدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، ثُمَّ رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ تُخْبِرُنِى أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ» .
أرأيت لو كان القرآن من عند محمد فكيف يثق به ويطلق حراسه ويموت كما أعلن على فراشه هذا هو غيب المستقبل ورب الكعبة.
والنبى إذا تحدث عن المستقبل صدقته الليالى والأيام.
(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
بعد أن ذكرت الأدلة العقلية المتعلقة بشخص النبي ﷺ والتي تثبت نزول القرآن من عند الله..
نأتي إلى بيان بعض الأدلة المتعلقة بالقرآن الكريم وآياته.
ودراسة هذا الجانب تحتاج إلى كتب التخصص وسوف أذكر بعضها في نهاية البحث.
أسلوب القرآن
تحدى الله الدنيا أن تأتي بمثل هذا القرآن
ومع أن القرآن لم ينصب حاكما بينه وبين ما يمكن للدنيا أن
стр. 171
تتجه وتتركهم لضمائرهم إلا أن الدنيا لم تسطع أن تحاكى آية واحدة من القرآن.
وأعظم دليل على عجزهم هو لجوؤهم إلى الحرب التي أنفقوا فيها النفس والنفيس..
ولو استطاعوا خوض معركة كلامية متكافأة ما أشعلوا الحروب.
وإذا كان التحدى ممكنا بين الناس فإن تحدى القرآن من طراز آخر.
فالتاريخ لا يعرف رجلا يستطيع أن يتحدى بفنه كلَّ المتخصصين في الدنيا تحدياً يشمل عرض الأرض وطول الزمان إلى يوم القيامة ومع ذلك تعجز الدنيا عن محاكاة فَنِّه وتلجأ إلى حربه بالسلاح إنَّ ذلك لا يقدر عليه إلا الله ,
أما سرُّ الإعجاز القرآني فهو كَسِرِّ الرُّوح.
حاول العلماء القدامى والمحدثون أن يقفوا على سره فكانوا كمن انشغل بالجمال عن وضع تفسير له.
وقد حاولت أن اتتبع بالدراسة الجادة جهود العلماء في موضوع إعجاز القرآن فرأيت أن جهودهم كبيرة ولكن سر الإعجاز كان أكبر.. وأعجبنى قول سهل بن عبد الله قال: (كما أن الله لا نهاية له فكذلك كلام الله لا نهاية لفهمه , الله قديم فلا تبلغ إلى نهاية فهمه فهوم البشر)
وقد أعلن كبار العلماء قديما وحديثا ما يؤكد عجزهم عن إدراك هذا السر.
قال الباقلانى صاحب أول كتاب (فى إعجاز القرآن) إننى أهم بالآيات فيفتننى جمالها عن أسرار إعجازها.
ومن العلماء المعاصرين الذين كتبوا في إعجاز القرآن المرحوم مصطفى صادق الرافعي قال:
стр. 172
ولسنا ندعى أننا أشرفنا على الأمد ووافينا على معجزة الأبد لأن هذا الأمر ضيق كثير الالتواء لمن تلمس جوانبه واقتحم مصاعبه وما أشبه القرآن في تركيب إعجازه وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة وأخلقوا جوانبه بحثاً وتفتيشاً , ثم هو بعد ذلك لم يزل عندهم خلق جديداً , ومراماً بعيدا وصعباً شديداً.
ولفضيلة الأستاذ محمد الغزالي في هذا الموضوع:
"كنت كثير الطواف حول هذا الجمال البياني للقرآن الكريم لكننى كنت كالذي شغله الإعجاز بالجمال عن وضع تفسير له".
وهذا التحرج لم يمنع العلماء من محاولة التعرف على بعض أسرار الإعجاز القرآني وقسموا الإعجاز إلى أقسام ثلاثة
الإعجاز البياني
الإعجاز التشريعي
الإعجاز العلمي
وقد تخصص كثير من العلماء في دراسة كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة وحاولوا إظهار أسرارها وسوف أذكر بعض المصادر التي تفيد الدارس
...
الإعجاز البياني
ذكر المرحوم الشيخ عبد العظيم الزرقاني في كتابه (مناهل العرفان) خصائص أسلوب القرآن فقال:
للقرآن الكريم في أسلوبه العجيب المخالف لجميع الأساليب البشرية خصائص عديدة نجملها فيما يلى:
стр. 173
الخاصية الأولى: مسحة القرآن اللفظية التي تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي.
الخاصية الثانية: إرضاؤه العامة والخاصة بمعنى أن الجميع يحسون حلاوته ويشعرون بجلاله.
الخاصية الثالثة: إرضاؤه العقل والعاطفة معاً فالقرآن يخاطب العقل والقلب ويجمع الحق والجمال معاً.
الخاصية الرابعة: جودة سبك القرآن وإحكام سرده فكأنه سبيكة واحدة تلعب بالعقول وتأخذ بالأبصار.
الخاصية الخامسة: براعته في تصريف القول وتفننه في ضروب الكلام بمعنى أنه يورد المعنى الواحد بألفاظ شتى وطرق مختلفة وكلها رائعة فائقة.
الخاصية السادسة: جمع القرآن بين الإجمال والبيان.
الخاصية السابعة: الوفاء بالمعنى مع القصد في اللفظ
...
الإعجاز التشريعي
عندما ندرس هذا الجانب من إعجاز القرآن فلابد لنا من دراسة سابقة لأمرين.
أولا: للشريعة الإسلامية الغراء التي استطاعت الفصل بين الناس بالعدل المطلق في كل الأمم التي دخلت الإسلام طوال قرون تحكيم الشريعة كما وجدت الأمم ذات الحضارات القديمة فيها حلاًّ لكل مشاكلها
стр. 174
ثانيا: أن ندرس القوانين الوضعية التي يحتكم إليها العالم اليوم.
لنعرف عمق شريعة الإسلام وأصالته.
واعتقد أن أي مقارنة بين شريعة الله وبين قوانين الأرض فهى مقارنة ظالمة.
لأن الشريعة ثابتة منذ أن أنزلها الله أما القوانين فقد دخل عليها مئات التعديلات ومع ذلك فنحن نقبل المحاكمة والمقارنة.
وقد أفردت لهذا الموضوع الكتاب الرابع من (سلسلة يا ولدي) وعنوانه شريعة الله يا ولدي.
أهم خصائص شريعة القرآن:
أنها شريعة ثابتة الأحكام، ثبوت القوانين الكونية.
قال تعالى: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)
فقاونين الكون ثابتة.
قال تعالى: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ)
فشريعة الله ثابتة.
(أ) الجانب الإلهي والجانب الاجتهادي:
احتوت الشريعة الإسلامية على جانبين (جانب إلهي وجانب اجتهادي) فالجانب الإلهي: هو الذي نص عليه القرآن نص لا يقبل التأويل. كقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)
وما حرمه الرسول ﷺ كما حرمه الله.
لأننا أخذنا عن النبي ﷺ القرآن فأخذنا لفروع الشريعة منه أولى.
ولأن الله سبحانه أمرنا أن نأخذ كل ديننا عن النبي ﷺ قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)
وهذا الجانب من الشريعة يأخذ حكم العقيدة في الثبوت ويكفر جاحده كما يكفر جاحد العقيدة تماما
أما الجانب الاجتهادي. فأصله من الكتاب والسنة إلا أن الله ترك للعلماء أن يجتهدوا في استخلاص الأحكام الشرعية من هذه النصوص. فأحكامه اجتهادية وهذا الجانب يقبل الأخذ منه والرد عليه بأدلة شرعية والأصل في هذا الجانب أن المسألة إذا دخلت فى
стр. 175
باب الخلافات الفقهية خرجت من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
بمعنى أن اجتهاد إمام ليس حجة على اجتهاد إمام آخر وهذا التقسيم بين أحكام الشريعة حفظ للشريعة أصالتها ووسع عطائها بحيث وسعت جميع مشكلات الناس طوال قرون الحكم بها.
ولم يزل عطاؤها خصباً.
(ب) شريعة القرآن حاكمة ومربية:
حرصت شريعة القرآن على تربية النفوس أكثر من حرصها على تأديب العصاة.
وقد ربَّت المسلم على أخلاق من شأنها أن تدفع الجريمة عن المجتمع وتمنع
وقوعها.
ويمكن إيجاز ذلك في كلمات.
ربَّى الإسلام المسلم على الإيمان بأن قضية الرزق وقضية الأجل مرتبطان. فمن استنفذ رزقه فقد استنفذ أجله.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ".
(ابن ماجة: ٢١٣٥)
فالأجل محدود لا تستطيع كل الدنيا زيادته، والرزق كذلك وما دام الأمرُ مقدوراً فهذا يكفى لمنع المسلم من الجرائم الكبيرة. يكفى لمنعه من القتل , لأن العمر مقدور. فالقتل حماقة
يا من تدبر في الليالى مصرعا ... هل أنت ربٌّ تقطعُ الآجالَ
ومن نريد قتله إما أن يكون قد انتهى أجله فسوف يموت من غير قتل وإما أن يكون باقى الأجل فتسبب محاولتنا عداء بلا فائدة كما يمنع المسلم من السرقة أخلاقه التي تربى عليها وعقيدته التي آمن بها
стр. 176
* الرزق بيد الله: فإن عففت عنه في الحرام جاءك في الحلال.
ولن تموت قبل أن ينتهى رزقك.
* يد المسلم تعودت على دفع الصدقات طلباً لرضوان الله، ومن يعطى ما في يده لمرضات الله لا يسرق ما في يد الآخرين.
* متاع الدنيا قليل. لأنه ينتهى بأقرب الأجلين إما أن تذهب عنه وتتركه أو يذهب هو عنك ويتركك.
* نظر المسلم إلى نعمة الله التي أولاه إياها وشكرها فلا يشغله القليل المفقود عن الكثير الموجود.
والذين يسرقون هم الذين يشغلهم دائما القليل المفقود فيحاولون جمعه بأي طريق.
* ثم: وبعد كل هذه الوقايات يأتي دور الخوف من العقوبة فقطع يد السارق سوف يحوله إلى طاقة معطلة يلاحقه عارها في كل مجلس.
* هذا وكل نظام قضائي يعاقب المجرم فقط، أما شريعة الإسلام فتكافؤُ المطيع وتعاقب المجرم
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)
فالشريعة الإسلامية حاكمة ومربية، مربية للمشاعر والوجدان وهى تحكم الناس من داخلهم وهذا نوع من إعجاز القرآن التشريعى خاصة وأنت تعلم أنها نزلت على رجل أُميٍّ لم يعرف هو ولا قومه النظم التشريعية من قبل هذا القرآن.
(ج) المساوات هى أساس شريعة الإيمان.
أكد الاستقراء للنظم والتشريعات أن الشريعة الإسلامية هى أول نظام نظر للإنسان نظرة إنسانية مجردة من كل اعتبار زائد على ذلك قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)
стр. 177
وهذه الآية الكريمة هى الأصل في كل الأحكام الشرعية التي يختلف فيها إنسان عن آخر سوء بالحرية والرق أو بالذكورة والأنوثة أو باختلاف المناصب والأديان وقد وقف النبي ﷺ لجنازة.
فقيل إنها جنازة يهودي!
قال أوليست نفساً؟ (رواه البخاري)
وقد اخترت مثالاً واحداً من أمثلة الشريعة الغراء لإثبات هذا الأمر.
هذا المثال هو الدية في القتل الخطأ.
لأن كثير من القوانين الأرضية حتى اليوم تفرق بين الناس في قيمة التعويض الذي يصرف لأصحاب الوظائف الكبيرة والتعويض الذي يصرف للعمال والفقراء بينما حاجة الأسر الفقيرة عندما يصاب عائلها أشد من حاجة الأغنياء غالباً.
أما شريعة القرآن فقد ساوت بين كل الناس الغنى والفقير , الرجل والمرأة , المسلم والكتابى لاستوائهم جميعاً في البشرية وفى حرمة الدم (١) .
(د) التدرج في التشريع:
عرفنا أن شريعة القرآن حاكمة ومربية لذلك نهجت منهج التدرج في التشريع وهذا التدرج هو سر نجاحها في تربية الأمة.
وقد لاحظنا أن التدرج قد شمل تشريعات كثيرة فالصلاة فرضت مثنى مثنى فزيدة في الحضر وبقيت في السفر كما أخبرتنا السيدة عائشة - رضى الله عنها -.
والصوم بدأت مشروعيته بصوم أيام معدودات ثم شرع صوم رمضان بعد ذلك , وفى مجال الإنفاق شرعت الصدقة ثم فرضت الزكاة بعد أن تعودت النفوس على العناء
- - - - - - - - - -
(١) الرأي الذي اخترته في مساوات المسلم بالكتابى في القصاص والدية هو رأى أبي حنيفة ﵀ وقد علل له الشيخ محمد أبو زهرة - عليه رحماتُ الله - بقوله: لأن دم غير المسلم كدم المسلم لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا فنحن ملزمون في التعويض بمثل ما نلزم به في قتلانا
стр. 178
ولكن تحريم الخمر بالتدرج الذي جاء به القرآن معجزة تشريعية , فقد اكتشف العلم الحديث منذ سنوات قلائل أن المخ يحتوى على مجموعة من الغدد تفرز مادة مهدئة للجسم بقدر حاجة الجسم إليها حتى قال العلماء سيأتى اليوم الذي لا يسمح فيه بيع المخ الحيوانى مع الرأس لأن شركات الأدوية ستحصل عليه لاستخراج هذه المادة منه وهذه الغدد تقلل من إنتاجها عندما يتعاطى الإنسان مادة مهدئة من الخارج.
ويظل الأمر هكذا كلما زادت الجرعة الخارجية يقل إفراز الغدد حتى يتوقف إنتاج الغدد تماما عند الإدمان لذلك كان علاج القرآن معجزة.
لأنه حرم الخمر على مراحل لينشط الغدد حتى يتم التوازن الداخلى فيتم الامتناع التام.
هذا ما أكده آخر الكشوف العلمية.
فهل يمكن لعاقل أن يقول إنَّ هذا القرآن من عند محمد ﷺ وإنَّ هذه الشريعة المتكاملة فاضت بها نفس رجل عاش حياته حتى الأربعين يرعى الغنم ويتاجر فيها.
إنَّ كل عاقل يحترم عقلَه لابد أن يشهد أن هذا القرآن منزل من عند الله
...
الإعجاز العلمي
إذا كان الإعجاز اللغوي هو العامل في هداية العرب أصحاب الفصاحة فإن الإعجاز العلمي هو اللغة العالمية في هذا العصر.
لأن الحقائق العلمية يسلم بها الجميع.
فالقرآن إن تحدث عن الكون صدقه العلم الحديث، ولا يمكن لعاقل أن يدَّعي أن نفس محمد ﷺ قد فاضت عليه وكشفت له أسرار الكون بهذه الدقة العجيبة.
ويمكن أن أُلخِّصَ الإعجازَ العلميَّ للقرآن الكريم في كلمة واحدة.
إنَّ العلم الحديث قد استطاع أنْ يُخَطِّأَ كلَّ تفسير للكون قاله العلماء قبل قرن واحد من الزمان
стр. 179
ولكن العلم الحديث لم يستطع أنْ يُخَطِّأَ آيةً واحدةً من القرآن الكريم.
فما سرُّ أن يقف العلم هذا الموقف من القرآن.
إنَّ الإجابة على هذا السؤال تفرض واحداً من أمرين:
إما أن يكون محمد هو الذي خلق هذا الكون وهو يتكلم عن شيء صنعه بيده وهذا رأى باطل بل مستحيل.
وإما أن يكون خالق الكون هو الذي علَّم محمداً ﷺ هذا القرآن , فالقرآن منزل من عند الله.
التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين:
مع أهمية الدور الذي يؤدية التفسير العلمي في كشف بعض أسرار القرآن فإن العلماء قد اختلفوا في قبوله ورفضه , فمنهم من رفض هذا التفسير واعتبره تكلفاً في فهم القرآن وتحميللً للآيات ما لا تحتمل وصرفاً للناس عن غاية القرآن الكريم وهدفه الكبير وهو الهداية والتشريع ومن الذين رفضوا هذا النوع من التفسير الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات.
ومن ناحية أخرى اقتنع بعض العلماء بهذا التفسير ودعوا إليه وأبلَوا فيه بلاءً حسناً.
من هؤلاء في القديم: الإمام الغزالي , وأبو فضل المرسي , والامام السيوطي (١)
- - - - - - - - - -
من الذين قبلوا التفسير العلمي الإمام الغزالي وقد عقد الفصل الخامس من كتابه (جواهرالقرآن) في الترويج لهذا النوع من التفسير.
وأكد أن القرآن يحتوي على علوم الطب والنجوم وهيئة العالم وهيئة بدن الحيوان وتشريح الأعضاء وغير ذلك من العلوم.
بل قال إن في الأماكن علوم أخرى لم تظهر إلى الوجود.
وإن كان في قوة الآدمي أن يصل إليها وهذه العلوم التي لم تظهر ليست أوائلها خارجة عن القرآن وبدأ الغزالي يعدد بعض العلوم ويذكر إشارة القرآن لها.
والإمام السيوطي نحى نخو الغزالي وقال: إن القرآن اشتمل على كل العلوم حتى قال: إن القرآن اشار إلى أن عمر النبى ثلاثة وستين سنة ودلَّل على ذلك بأن قوله تعالى:
(وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)
فى سورة المنافقون وهذه السورة هى السورة الثالثة والستون في ترتيب القرآن وهذا عمر النبي ﷺ .
أما أبو الفضل المرسي فقد توسع أكثر حتى لم يترك علم من علوم الدنيا والدين إلا واستشهد من القرآن عليه:
وهذا تكلف لا داعى له. لأن القرآن في غنى عنه
стр. 180
ومن المعاصرين
الشيخ الطنطاوي الجوهري في تفسيره العلمي الكبير. والأستاذ أحمد حنفي في كتابه (التفسير العلمي للآيات الكونية)
والأستاذ علي فكري في كتابه (القرآن ينبوع العلم والعرفان)
والأستاذ عبد الرازق نوفل في كتابه (القرآن والعلم الحديث) وغيرهم
وقد ذكرت في كتابي (حتى لا نخطئ فهم القرآن) الجزء الثالث أن الدارس للتفسير العلمي يجب أن يفرق بين النظريات العلمية والحقائق العلمية , فالنظريات العلمية إن وافقت القرآن بدون تطويع للآيات يمكن أن يستأنس بها في فهم القرآن.
أما إن خالفت القرآنَ فإن ذلك سببه هو جهل الإنسان بالكون وأسراره والذى نجهله من الكون أضعاف أضعاف ما نعرف عنه، أما الحقائق العلمية وهى الثابتة ثبوتاً يقينياً فلا مانع أبداً من استخدامها في فهم القرآن.
وإذا اختلفت حقيقة علمية مع آية قرآنية فسبب ذلك هو خطأ لدارس القرآن الكريم في فهم الآية لأن القرآن الكريم كلام الله والكون خلقه وكلام الله وخلقه لا يختلفان.
نماذج لمعطيات القرآن:
منهج العلماء في دراسة الكون (استقراء ناقص)
والاستقراء الناقص لا يعطي قوانين كلية صادقة، وهذا يجسد الدرو العظيم الذي قام به القرآن في إرشاد العلماء إلى القوانين
следующие страницы →