← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال ابن القيم ﵀: "وأمَّا دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال: فليس بصحيح، فإن الله ربط التعريفات بأسبابها، كما ربط الكائنات بأسبابها، ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه، وقد أيد الله رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلَّتهم على أنَّ ما جاءهم هو من عند الله، ودلَّت أممهم على ذلك، وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على أنَّ ما جاءهم هو من عند الله ... فكلُّ علمٍ لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها، وحكم لا برهان عند قائله، وما كان كذلك لم يكن علمًا، فضلًا عن أن يكون لَدُنِّيًّا. فالعلم اللَّدُنِّي: ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله على لسان رسله، وما عداه فلدُنِّيٌّ من لدن نفس الإنسان، منه بدأ وإليه يعود، وقد انبثق سد العلم اللَّدُنِّي، ورخص سعره، حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدُنِّي، وصار من تكلَّم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ويلقيه شيطانه في قلبه: يزعم أنَّ علمه لدُنِّي، فملاحدة الاتحادية، وزنادقة المنتسبين إلى السلوك يقولون: إنَّ علمهم لدُنِّي، وقد صنَّف في العلم اللدُنِّي متهوكو المتكلمين، وزنادقة المتصوفين، وجهلة المتفلسفين، وكلٌّ يزعم أنَّ علمه لدُنِّي، وصدقوا وكذبوا فإنَّ اللدني منسوب إلى (لدن) بمعنى عند، فكأنهم قالوا: العلم العندي، ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه، وقد ذمَّ الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ

стр. 107

عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١) فكلُّ من قال: هذا العلم من عند الله -وهو كاذب في هذه النسبة- فله نصيبٌ وافر من هذا الذم، وهذا في القرآن كثير، يذم الله من أضاف إليه ما لا علم له به، ومن قال عليه ما لا يعلم، ولهذا رتَّب المحرمات أربع مراتب، وجعل أشدها: القول عليه بلا علم، فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال، بل هي محرَّمة في كلِّ ملَّة، وعلى لسان كلِّ رسول، فالقائل: إن هذا علمٌ لدُنِّي لما لا يعلم أنه من عند الله، ولا قام عليه برهان من الله أنَّه من عنده: كاذبٌ مفترٍ على الله، وهو من أظلم الظالمين، وأكذب الكاذبين" (٢). كما يرى ابن عجيبة بأنَّ الكشف حقٌّ لا مرية فيه، وهذا ظاهر في أقواله: "ما أدركته الروح أو السر من المعاني اللطيفة والأسرار القديمة فإنَّ ذلك أذواق وكشوفات ومشاهدات، لا يبقى معها وهمٌ ولا ظنٌّ ولا خاطر" (٣). وفي قوله أيضًا: "إذا وعدك الحق تعالى بشيءٍ على لسان الوحي أو الإلهام من نبيٍّ أو وليٍّ أو تجلِّي قوي، فلا تشك أيها المريد في ذلك الوعد" (٤). وقال في موضع آخر: "يقال للعارف (٥) إذا أعرض الخلق عنه، ولم ينفع قلوبهم تذكيره ووعظه: اتبع ما يوحى إليك من وراء الإلهام، فإنَّه حقٌّ في حق الخصوص، إذ لا يتجلَّى في قلوبهم إلا ما هو حق" (٦).

стр. 108

وأنزل ابن عجيبة كشف الولي مكانة ومرتبة عظيمة، بل ذهب إلى أنه محفوظٌ من الشياطين، ويستدل بقول الله ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ (١)، قال: "وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار كوحي الأحكام ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون؛ لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين؛ لما احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار" (٢). ويصف ابن عجيبة الولي المكاشف بقوله: "أدركت أنوار الملكوت متصلة ببحر الجبروت، وصرت أنت قطب الوجود، تدوِّره بيدك كيف شئت، خليفة الله في أرضه، نقطة دائرة كونه" (٣). ويوجب ابن عجيبة طاعة الوارد الإلهي، والعقوبة لمن يخالف ذلك، قال: "الوارد الإلهي تجب طاعته؛ لأنه يتجلَّى من حضرة الحق، وهو أمينٌ على ما يأتي به من العلوم" (٤)، وقال: "فإذا تجلَّى فيه شيءٌ بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدَّبه الحقُّ على ذلك إما في ظاهره وهو أخف، وإما في باطنه بالحجبة أو الفرقة، ولقد سمعت شيخ شيخنا العربي الدرقاوي يقول: لي ثلاثون سنة ما خالفت قلبي في شيءٍ إلا أدَّبني الحقُّ تعالى" (٥). ومن إغراقه فيما يعتقده في الكشف أنه يزعم أنَّ العلم الشرعي حجاب عن الكشف؛ وعلَّل بأنَّ العلماء لم يصلوا لعلم المعاني؛ لأنهم "اشتغلوا بعلم المنقول،

стр. 109

والاطلاع على الأقوال الغريبة، وتحرير المسائل الفرعية والتغلل فيها، وهو سببُ حجاب علماء الظاهر" (١). وقال: "كان للشبلي (٢) تلميذ، فكساه رجلٌ يومًا جُبَّة، وكان على رأس الشبلي قلنسوة، فخطر على قلب التلميذ محبَّة القلنسوة ليجمعها مع الجُبَّة، فكاشفه الشيخ، فأزال له الجُبَّة، وجمعهما مع القلنسوة، ورمى بهما في النار، وقال له: لا تبق في قلبك التفاتًا لغير الله" (٣). وغير ذلك من الأقوال التي ملئت بها كتبه. وهذه الأقوال التي ذكرها ابن عجيبة عن الكشف حوت الكثير من المآخذ العقدية: ومنها: زعمه الوصول عن طريق الكشف لعلم الغيب. ولا شكَّ في بطلان هذا القول فعلم الغيب لله وحده لم يُطلع عليه أحدًا من عباده إلا من ارتضى من رسول قال الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (٤). قالت عائشة ﵂ في حق النبي ﷺ : «ومن حدَّثك أنَّه يعلم الغيب فقد كذب» (٥).

стр. 110

إنَّ ما يزعمه من هذه المكاشفات التي يختصُّ بها الأولياء هي في الحقيقة منازعة لله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والله هو المتصرِّف في هذا الكون لا يشاركه ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١). وكذلك أقرَّ بما يُسمَّى بالمعرفة الاستشراقية (٢)، وهي التي عبّر عنها بالنور الذي يشرق على القلب نتيجة تصفيته من الأغيار عن طريق المجاهدة والرياضة وخرق العوائد، وما هي إلا خيالات فاسدة وأحوال شيطانية ومن تلاعب الشيطان بهم. قال ابن تيمية ﵀: "فإنهم يدخلون في أنواع من الخيالات الفاسدة، والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم ... وكثيرًا ما تتخيَّل له أمور يظنُّها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه، فيسمع خطابًا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنُّه من الله تعالى، حتى إنَّ أحدهم يظنُّ أنه يرى الله بعينه، وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران، ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم وهو يظنُّه من كرامات الأولياء" (٣). رابعًا: ذكره للعلوم الغيبية التي تحصل عن طريق الكشف يقول: "ويكاشف له (٤) عن حقيقة الذات، وهذا من خصائص القطبانية، إذ

стр. 111

القطب لا يكون إلا عارفًا راسخًا متمكنًا، فقد كُشف له عن الحجاب ... وإحاطة الصفات، أي ويكشف له عن إحاطة الصفات بالكائنات" (١). وقال في موضع آخر: "يكشف له عن قلوبهم السَّرائر، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء" (٢). وهذا كلامٌ باطلٌ ولا يصح؛ لأنَّ "لفظ الغوث والقطب في حق البشر كما تقدَّم لم ينطق به كتاب ولا سُنَّة، ولا تكلَّم به أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان في هذا المعني، بل غياث المستغيثين على الإطلاق هو الله -تعالى- كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٣)، ولم يجعل الله أحدًا من الخلق غوثًا يغيث الخلق في كلِّ ما يستغيثون فيه، لا ملكًا ولا نبيًّا ولا غيرهما، بل في الصحيحين أنَّ النبي ﷺ قال: «لا أُلفِيَنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاءُ فيقول: يا رسول الله أغثني أغثني، فأقول: لا أملك من الله شيئًا، يا عباس عمِّ قد أبلغتك» (٤)، وهذا كقوله: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عباس عم رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، سلوني ما شئتم» (٥)،

стр. 112

وهذا من تأويل قوله تعالى: " ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، وقد يكون بعض الناس سببًا لشرٍّ يندفع في بعض الأمور فيقال: فلانٌ يستغيث بفلان، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) هذا كلفظ النصر والرزق والهدى، فالله الهادي النصير الرزاق وليس هذا النعت على الإطلاق لأحد إلا الله وحده، لا ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، لكن من الخلق من يكون سببًا في رزق أو هدىً أو نصر يحصل لغيره وهو في ذلك سبب لا يستقل بالحكم، بل لا بدَّ معه من أسباب أُخر، ولا بدَّ من موانع يدفعها الله وإلَاّ لم يحصل المطلوب ... وأمَّا لفظ القطب فما دار عليه أمرٌ من الأمور قيل: إنه قطبه، كقطب الرَّحا وقطب الفلك، فمن كانت له مرتبة من إمارة أو علم أو دين فهو قطب تلك الأمور التي دارت عليه، فالملك قطب الملك، والوالي قطب الولاية ونحو ذلك، وقطب الدين الذي يؤخذ عنه ولا يزاحمه أحد هو محمد ﷺ ، ومن الصالحين من يُجرى الله على يديه من الخير ما يكون قطب أمته، وأمَّا أن يكون للوجود قُطب يدور عليه به ينزل المطر مطلقًا، وبه يحصل الهدى مطلقًا، وبه يحصل النصر مطلقًا، فهذا لا يكون لمخلوق ألبته، ولكن قد يكون من المخلوقين من يحصل به ما يحصل من نصر ورزق وهدى كما قال النبي ﷺ : «وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم وإخلاصهم وصلاتهم» (٣) ".

стр. 113

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يكون في الزمان رجلٌ هو أفضل أهل الأرض، كما قد يكون رجلان وثلاثة وأربعة، ولكن ليس في الوجود رجلٌ هو أفضل أهل الأرضِ، وفيه ما يَقتضي أنه بوجودِه يَحصُلُ للناسِ الرزقُ، ويَنتَصِرونَ على الأعداء، وتهتدي قلوبهم مع كونهم مُعرِضين عن طاعة الله ورسوله، بل كان نوح أفضلَ أهل الأرضِ، وقد مَكثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وقد قال نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ (١)، ثم إن الله أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وكذلك غيره من الرُّسل كهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم، نعم قد يحصل بدعائه وعبادته من الخير ويندفع من الشر ما لا يحصل بدون ذلك كما في قوله: «بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم». وقال تعالى لنبيه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: " ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣) يقول: لولا أن تطأوا أولئك المؤمنين والمؤمنات الذين لم تعلموهم إذا دخلتم مكة بالسيف، لسلَّطكم على أهل مكة، ولو تميَّز المؤمنون من الكفار لعذَّبنا الكفار عذابًا أليمًا، فهذا ونحوه مما يوافق دين المسلمين" (٤).

стр. 114

وما يزعمه ابن عجيبة في القطب هو من جنس غلو النصارى (١) والرافضة (٢)، وهذا من قوادح توحيد الربوبية، إذ أنه منازعة للربوبية، ومضاهاة لها، وتسوية بين الله وبين المخلوقين، وكل من جعل مخلوقًا مثلًا للخالق في شيءٍ من الأشياء فأحبَّه مثل ما يحب الخالق، أو وصفه بمثل ما يوصف به الخالق فهو مشرك (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك ما يدَّعيه بعضهم من أن الواحد من هؤلاء قد يعلم كل ولي لله كان، ويكون، واسمه، واسم أبيه، ومنزلته من الله، ونحو ذلك من المقالات الباطلة التي تتضمَّن أنَّ الواحد من البشر يشارك الله في بعض خصائصه مثل أنه بكل شيءٍ عليم، أو على كلِّ شيءٍ قدير، ونحو ذلك، كما يقول بعضهم في النبي ﷺ ، وفي شيوخه: إن علم أحدهم ينطبق على علم الله وقدرته منطبقة على قدرة الله فيعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر الله عليه، فهذه المقالات وما يشبهها من جنس قول النصارى، والغالية في علي ﵁، وهي باطلة بإجماع علماء المسلمين" (٤). وقال أيضًا: "وتارة يدَّعي أحدهم المهدية أو القطبية ويقول: أنا القطب

стр. 115

الغوث الفرد الجامع ويدخل في هذه الأسماء ما هو من خصائص الربوبية مثل كونه يعطي الولاية من يشاء ويصرفها عمَّن يشاء" (١). خامسًا: طريق حصول الكشف عند ابن عجيبة أوضح ابن عجيبة أنَّ طريق حصول الكشف يكون بالمجاهدة، وتطهير القلب من حظوظه وشهواته، وأورد أسبابًا للكشف، منها: ١ - التزام الذكر، "والذكر الذي يحصل به الكشف هو الذكر الصوفي المتلقَّى عن شيوخ الطريقة، ويكون بطريقة خاصَّة يتعلمها من شيوخ الطريقة" (٢). وقال أيضًا: "هو ركنٌ قويٌّ في طريق الوصول" (٣)، وقال: "وأعظم الأعمال التي توجد ثمرتها عاجلًا وآجلًا هو ذكر الله، وثمرته هو النور الذي يشرق في القلب" (٤)، وقال أيضًا: "الذكر الحقيقي هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسِّه، حتى يكون الحقُّ تعالى هو المتكلِّم على لسانه" (٥). وقسَّم ابن عجيبة أقسام الذكر، واختلاف الناس فيه، قال: "أقسام الذكر: ذكر العامة (٦) باللسان، وذكر الخاصة بالجنان، وذكر خاصة الخاصة بالروح والسر" (٧)، وقال في نصٍّ آخر مبيِّنًا اختلاف الناس بحسب غاياتهم: "الناس في

стр. 116

الذكر على ثلاثة أقسام: قسم يطلبون الأجور، وقسم يطلبون الحضور، وقسم وصلوا ورفعوا الستور" (١). والذي عليه أهل العلم أنَّ الذكر عبادة من العبادات التي بيَّنت الأدلة أنه يترتب عليه فضائل وأجور لم يذكر فيها الوصول بما يسمّونه بالكشف، إنما فيه تقوية الإيمان بالله وطمأنينة القلوب ورفع الدرجات، وتكفير السيئات، ومن أمثال ذلك ما ورد في الكتاب والسُّنَّة. ٢ - خرق العوائد: قال: "المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه ... بتخريب ظاهره، حتى لا يقبله أحد، ولا يقبل عليه أحد ... وأمَّا ما دام ظاهرًا متزيِّنًا بلباس العوائد فلا يطمع في ورود المواهب والفوائد" (٢). وقال ابن عجيبة في تفسيره لسورة العصر ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣). أي: "عصر الذاكرين ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤)، حيث احتجب عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) إلا الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص، وهو خرق العوائد واكتساب الفوائد، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب" (٦). وهذه السبل التي سلكها فهي مثل سابقتها لا تدلُّ عليها الأدلة بل خرق العوائد من الأمور الخطيرة التي سلكها المتصوفة.

стр. 117

قال ابن تيمية ﵀: "فإنه إن سلك طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه، وإن سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية ... فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته وأشقى نفسه شقاءً لا مزيد عليه، وعرَّض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرَّمات" (١). والشيطان يتسلَّط على الإنسان إن لم يدفعه بالعلم والتقوى، فيوهمه بخرق العادات وأنها من الله وقد أوضح ذلك ابن تيمية فقال: "وهؤلاء العُبَّاد والزُّهَّاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسُّنَّة تقترن بهم الشياطين فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، لكن خوارق هؤلاء يعارض بعضُها بعضًا، وإذا حصل من له تمكُّن من أولياء الله تعالى أبطلها عليهم، ولا بدَّ أن يكون في أحدهم من الكذب جهلًا أو عمدًا, ومن الإثم ما يناسب حال الشياطين" (٢). أمَّا تفسيره لسورة العصر فهو تفسير إشاري لأهل الباطن، وهو مخالف لما عليه المفسرون قال الشيخ السعدي ﵀ (٣) في تفسيره لهذه السورة: "أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم أنَّ كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح، والخسار مراتب متعددة متفاوتة: قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من

стр. 118

خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم. وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمَّم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات: أ الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرعٌ عنه لا يتم إلا به. ب والعمل الصالح، وهذا شاملٌ لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة. ج والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضُهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه. د والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم" (١). وبهذا يظهر أنه لا دليل على ما ذهب إليه ابن عجيبة لا من قريب ولا من بعيد. ٣ - العزلة: قال ابن عجيبة: "كل من اعتزل عن الخلق وانفرد بالملك الحق، طلبًا في الوصول إلى مشاهدة الحق، لا بدَّ أن تفيض عليه المواهب القدسية والأسرار الوهبية والعلوم اللدنية، وهي نتائج فكرة القلوب الصافية" (٢).

стр. 119

وقال أيضًا: "الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس، وإقبالك على الحق إدبارك عن الخلق، وإقبالك على الخلق إدبارك عن الحق، وقد عدوا من أصول الطريق الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار" (١). وقال في موضع آخر: "اتخاذ الأماكن للعبادة والعزلة مطلوب عند القوم" (٢). والمتأمل لهذا الدين الإسلامي يجد أنه مبنيٌّ على التعاون بين المسلمين، ومخالطتهم والصبر على أذاهم، ونفعهم قدر الوسع، ورغم أنَّ السلف كانوا يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس اشتغالًا بالعلم والتعبُّد فإنَّ ذلك لم يقطعهم عن الجمعة والجماعات، ولم يُعرف عنهم أنهم التزموا أماكن مظلمة للعبادة، أو ترهبنوا في الجبال قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤). ولقد قال نبيُّنا محمد ﷺ في أفضل العبادات: «صلاة الرَّجُل مع الرَّجُل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرَّجُلين أزكى من صلاته مع الرَّجُل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله » (٥).

стр. 120

وقال ﷺ : «الذي يخالطُ النَّاسَ ويصبرُ على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالطهم ولا يصبرُ على أذاهم» (١). وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من استطاع أن ينفعَ أخاه فلينفعه» (٢). والذي يفعله المتصوفة هو من تلبيس الشيطان عليهم، يقول ابن الجوزي: "وقد لبَّس إبليس على جماعة من المتصوفة فمنهم من اعتزل في جبل كالرُّهبان يبيت وحده ويصبح وحده، ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم، وعمومهم اعتزل في الأربطة ففاتهم السعي إلى المساجد وتوطَّنوا على فراش الراحة وتركوا الكسب" (٣). وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّ الخلوة والعزلة المشروعة نوعان: واجبة، ومستحبة: الواجب اعتزال الناس في الأمور المحرمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ (٥). فإن أولئك لم يكونوا في مكان فيه جمعة ولا جماعة ولا من يأمر بشرع نبي فلهذا أووا إلى الكهف، والمستحب هو اعتزال الناس في فضول المباحات، أو أراد

стр. 121

الإنسان تحقيق علم أو عمل فتخلَّى في بعض الأماكن مع محافظته على الجمعة والجماعة فهذا حق (١). احتجاج ابن عجيبة على مشروعية الخلوة: أ تحنث النبي ﷺ في غار حراء في مبدأ الوحي، فالخلوة للمريد لا بدَّ منها في ابتداء أمره، فإذا قوي نوره ودخل مقام الفناء صلح له حينئذٍ الخلطة مع الناس، بحيث يكون جسده مع الخلق وقلبه مع الحق، فإن لله رجالًا أشباحُهم مع الخلق تسعى وأرواحهم في الملكوت ترعى (٢). ب احتج بأنَّ الله واعد موسى أربعين ليلة ثم حصلت له المناجاة والمكالمة، وقاس النبيَّ على الولي (٣). وهذه الأدلة التي استدل بها؛ ليصحح ما يراه حق، لا يسلم له بها؛ لأن النبي ﷺ فعله قبل النبوة ثم لم يفعلها بعد ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والاعتكاف الشرعي في المساجد كما كان النبي ﷺ يفعله هو وأصحابه ﵃ من العبادات الشرعية، وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي وهذا خطأ؛ فإن ما فعله النبي ﷺ قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه وإلا فلا، وهو من حين نبَّأه الله لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون ﵃ وقد أقام ﷺ بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح أقام بها قريبًا من عشرين ليلة, وأتاها في حجة الوداع وأقام بها أربع ليال وغار حراء قريب منه ولم يقصده" (٤).

стр. 122

وأما احتجاجه على الخلوة بأن الله واعد موسى أربعين ليلة فيرد عليه بما يلي: - أنَّ هذه ليست من شريعة محمد ﷺ بل شُرعت لموسى ﵇. - قاس الولي على النبي متأثرًا بالفلاسفة فالنبوة عندهم: فيضٌ يفيض على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم، ومن كان متميزًا -في قوته العلمية، بحيث يستغني عن التعليم، وشُكِّلَ في نفسِهِ خطابٌ يَسمعه كما يَسْمَعُ النائمُ، وشخصٌ يُخاطبه كما يُخاطَبُ النائمُ، وفي العملية بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا- كان نبيًّا عندهم ... وهم لا يثبتون ملكًا مفضلًا يأتي بالوحي من الله تعالى، ولا ملائكة، بل ولا جنًّا يخرق الله بهم العادات للأنبياء، إلا قوى النفس ... وقول هؤلاء، وإن كان شرًّا من أقوال كفَّار اليهود والنصارى وهو أبعد الأقوال عمَّا جاءت به الرُّسُل، فقد وقع فيه كثيرٌ من المتأخرين الذين لم يشرق عليهم نور النبوة من المدعين للنظر العقلي والكشف الخيالي الصوفي وإن كان غاية هؤلاء الأقيسة الفاسدة والشك، وغاية هؤلاء الخيالات الفاسدة والشطح (١). ج- أن الله لم يجعل الرياضات والمجاهدة والخلوات شرطًا، لكي يطلع رسله على الغيب، بل ارتضى لهم ذلك ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٢). والنبوة كما هو مقرَّرٌ عند أهل السُّنَّة والجماعة اصطفاء من الله قال : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣).

стр. 123

قال ابن جرير الطبري: "الله يختار من الملائكة رسلًا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم، ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس أيضًا رسلًا" (١). قال ابن تيمية: "فمن أين يحصل لغير الأنبياء نورٌ إلهيٌّ تدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما هي عليه، بحيث يصير بنفسه مدركًا لصفات الرَّبِّ وملائكته، وهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية، الذين يجعلون النبوة فيضًا من العقل الفعَّال على نفس النبي، ويجعلون ما يقع في نفسه من الصور هي ملائكة الله، وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله، ولهذا يجعلون النبوة مكتسبة، فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما فاض على نفوس الأنبياء، وعندهم هذا الكلام باطلٌ باتفاق المسلمين واليهود والنصارى" (٢). وقال في موضعٍ آخر: "ولا يزال الأولياء مع الأنبياء في إيمان الغيب، ولا يتصور أن يُعطى الولي ما أعطيه النَّبيُّ من المشاهدة والمخاطبة، وأفضل الأولياء أبو بكر ﵁ وعمر وعثمان وعلي ﵃ ونحوهم، وليس في هؤلاء من شاهد ما شاهده النبي ﷺ ليلة المعراج، ولا شاهد الملائكة الذين كانوا ينزلون بالوحي على النبي ﷺ ولا سمع أحد منهم كلام الله الذي كلَّم به نبيَّه ليلة المعراج، ولا سمع عامة الأنبياء فضلًا عن الأولياء كلام الله كما سمعه موسى بن عمران، ولا كلَّم الله

стр. 124

تكليمًا لداود وسليمان ولا إبراهيم ولا عيسى فضلًا عن أن يكون ذلك يحصل لأحدٍ من الأولياء، والإيمان بكلِّ ما جاء به الأنبياء واجب، فإنهم معصومون، ولا يجب الإيمان بكلِّ ما يقوله الوليُّ بل ولا يجوز، فإنه ما من أحد من الناس إلا ويؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، ومن سبَّ نبيًّا من الأنبياء قُتِل وكان كافرًا مرتدًّا بخلاف الولي" (١). وابن عجيبة يوجب على من كان في عزلته أن يلتزم بأوراد مبتدعة للوصول لدرجة الكشف، وهو يسير على منهج الصوفية في ذلك مثل: - ترديد اسم الله الله الله الله (٢). - ثم ذكر لا إله إلا الله، حتى يمتحى صور الأشياء من قلوبهم، وتحصل لهم الطمأنينة بالله أو بذكره ثم ينتقلون إلى الاسم المفرد ... حتى ينكشف لهم من معناه أنوار الحقائق (٣). وهذا الترديد كما يزعمون أن آثاره هي الوصول إلى الاتحاد والحلول (٤)، فأحدهم قد يذكر الله حتى يغلب على قلبه ذكر الله ويستغرق في ذلك فلا يبقى له مذكورٌ مشهودٌ لقلبه إلا الله، ويفنى ذكره وشهوده لما سواه، فيتوهم أنَّ الأشياء قد فنيت وأنَّ نفسه فنيت حتى يتوهَّم أنه هو الله -تعالى الله عمَّا يقول علوًا كبيرًا- وأن الوجود هو الله (٥).

стр. 125

قال ابن تيمية ﵀: "وهذه طريقة أهل التصوف، فهم ظنوا أن توحيد الربوبية هو الغاية, والفناء (١) فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد ... ومجرد شهود الربوبية من غير فعل ما يحبه الله ويرضاه ليس بإيمان ينجي من عذاب الله فضلًا عن أن يكون غاية العارفين" (٢). ولو تأمل ابن عجيبة النصوص النبوية، وعرف ما كان يأمر به رسول الله ﷺ ويفعله الصحابة ﵃ للزم طريق الحق ولم يَحِد عنه. كان النبي ﷺ يأمر بقول: لا إله إلا الله بعد دبر كلِّ صلاة لما لها من الفضل العظيم، ولم يأمر الناس باختصارها، وفي الصحيحين عنه ﷺ : «أنه كان يقول في دبر كلِّ صلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (٣). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنَّ الجنة حقٌّ والنار حقٌّ، أدخله الله الجنَّة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" (٤). ولقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أن الذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السُّنَّة وأقرب إلى ضلال الشيطان، "والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله هو

стр. 126

ذكره بجملة تامة وهو المسمى بالكلام والواحد منه بالكلمة، وهو الذي ينفع القلوب ويحصل به الثواب والأجر والقرب إلى الله ، ومعرفته ومحبته وخشيته وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية، وأمَّا الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له، فضلًا عن أن يكون ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد" (١). وقال أيضًا: "ولا يجوز أن يقال إنَّ هذا مستحبٌّ أو مشروعٌ إلا بدليل شرعيٍّ، ولا يجوز أن يثبت شريعة بحديث ضعيف، لكن إذا ثبت أنَّ العمل مستحبٌّ بدليلٍ شرعيٍّ وروي له فضائل بأسانيد ضعيفة جاز أن تروى إذا لم يُعلم أنها كذب، وذلك أنَّ مقادير الثواب غير معلومة فإذا روي في مقدار الثواب حديثٌ لا يعرف أنه كذب لم يجز أن يُكذَّب به، وهذا هو الذي كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره يرخِّصون فيه وفي روايات أحاديث الفضائل، وأمَّا أن يثبتوا أنَّ هذا عملٌ مستحبٌّ مشروعٌ بحديثٍ ضعيفٍ فحاشا لله، كما أنَّهم إذا عرفوا أنَّ الحديث كذب فإنهم لم يكونوا يستحلون روايته إلا أن يبيِّنوا أنَّه كذب؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (٢) " (٣).

стр. 127

٤ - ترويض النَّفس بالذُّل: قال ابن عجيبة: "فالذُّلُّ والفقرُ بابان عظيمان للدخول على الله ، والوصول إلى حضرته"، وعرَّف المراد بالذُّلِّ بأنه: "الذُّلُّ بين الأقران حتى يراه الخاص والعام وكلُّ من كان يعظِّمه من الأصحاب والإخوان" (١)، وقال في موضع آخر: "المراد بالذُّلِّ هو ذلُّ النفس في طلب الحق، يظهر ذلك بين الأقران، لتموت به النفس سريعًا، فتحيا الروح بمعرفة الحق وشهوده، وذلك: كالمشي بالحفا، وتعرية الرأس في المواضع الذي يراه الناس، والسؤال في الأسواق والحوانيت، فهذا هو الذُّلُّ الذي يعقبه العزُّ بالله" (٢). وذكر ابن عجيبة تأصيلًا لأمر السؤال فقال: "كيفيته: أن يتوضأ الرَّجُل ويصلي ركعتين، ويأخذ الزنبيل (الوعاء) بيده اليمنى، ويخرج إلى السوق ومعه رجلٌ آخر يذكر الله ويذَّكر الناس، والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسَّر من الطعام، ويعُبه بين الفقراء فيأكلون طعامًا حلالًا بلا تكلُّف، ولا كلفة هذا ما تيسَّر لنا في حكم السؤال" (٣). وما ذكره ابن عجيبة من ترويض النفس وإذلالها لم يأمر به الله ولم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة ﵃ ولا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد أمر الدين الإسلامي بإكرام النفس وحفظ المال، وعدم إسقاط الجاه، قال : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٤)، ودعا النبي ﷺ لأنس بن مالك ﵁ فقال: «اللهم أكثر ماله

стр. 128

وولده وبارك له» (١). وصحَّ عن نبينا محمد ﷺ أنه قال: «نعم المالُ الصالحُ للرَّجُل الصالح» (٢)، وثبت عن النبي ﷺ أنَّه ادخر لأزواجه قوت سنة (٣)، ولاريب أنَّ بعد الصوفية عن الصواب بسبب بعدهم عن فهم كلام الله ورسوله ﷺ ولهذا عندما خرجوا من أموالهم سقطوا في أمورٍ نهى عنها الشرع، ولم يتورَّعوا عن الشبهات، أو استشراف الأموال من الظلمة. قال ﷺ : « ... فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (٤). قال ابن الجوزي: "لقد أبان هؤلاء القوم عن جهلٍ بالشرع وعدم عقل، والشرع أمر بحفظ المال وأن لا يُسلَّم إلا إلى رشيد، وجعله قوامًا للآدمي, والعقل يشهد بأنه إنما خُلق للمصالح فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمه، ومِنْ جَهْل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد؛ لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق ويظن بذلك جواز الفساد, والفساد لا يجوز في شريعة وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله" (٥). وقال ﷺ : «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه

стр. 129

مزعة لحم» (١)، وقال ﷺ : «لئن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكفُّ بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (٢). وكان فقراء الصحابة ﵃ من أهل الصفة يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يشغلهم عمَّا هو أوجب وأحبُّ إلى الله ورسوله ﷺ من الكسب (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولم يكن في الصحابة ﵃ لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس ولا الإلحاف في المسألة بالكدية والشحاذة لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة" وقال أيضًا: "وجمع المال إذا قام بالواجبات فيه ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب عليه، لكن إخراج فضول المال والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم وأفرغ للقلب وأجمع للهم وأنفع في الدنيا والآخرة" (٤). وبيَّن ابن تيمية كيفية طلب المال وأنَّها نوعان، الأُولى: ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده يستعمله في حاجته، والثانية: ما لا يحتاج العبد إليه، فهذا لا ينبغي له أن يعلِّق قلبه بها، فإذا تعلَّق قلبه بها صار مستبعدًا لها، فنقصت عبوديته وتوكله (٥). ولقد وُجِد الغنى في الأنبياء، وما زال في بعض الصالحين ولكنهم راقبوا الله فيه، يرونه وديعة في أيديهم، ابتلاهم الله به؛ لينظر هل يتصرفون فيه تصرف العبد أو تصرف الملاك الذين يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم (٦).

стр. 130

والمحتاج الذي يقدر على التكسُّب فلا يجوز له المسألة، وما يأخذه من الناس في هذه الحالة حرام عليه؛ لحديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: «تحمَّلت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» ثم قال: "يا قبيصة، إنَّ المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجلٌ تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش-، ورجلٌ أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا (٢) من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة (٣) فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش-، فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحتٌ يأكلها صاحبها سحتًا (٤)»، (٥). "والمسألة في الأصل حرام، وإنما أُبيحت للحاجة والضرورة؛ لأنها ظلمٌ في حقِّ الربوبية، وظلمٌ في حقِّ المسؤول، وظلمٌ في حقِّ السائل: أمَّا الأول: فلأنه بذل سؤاله وفقره وذلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع

стр. 131

عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه، وفقره إلى الله، وتوكله عليه ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، وذلك كلُّه يهضم من حق التوحيد، ويطفئ نوره ويضعف قوته. وأما ظلمه للمسؤول: فلأنه سأله ما ليس عنده، فأوجب له بسؤاله عليه حقًّا لم يكن له عليه, وعرضه لمشقة البذل، أو لوم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهة، وإن منعه منعه على استحياء وإغماض، هذا إذا سأله ما ليس عليه، وأما إذا سأله حقًّا هو له عنده: فلم يدخل في ذلك, ولم يظلمه بسؤاله. وأما ظلمه لنفسه: فإنه أراق ماء وجهه وذلَّ لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه، وعزَّة تعفُّفِه، وراحة قناعته، وباع صبره ورضاه وتوكله وقناعته بما قسم له واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عينُ ظلمه لنفسه، إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها، ووضع قدرها، وأذهب عزَّها، وصغَّرها وحقَّرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسؤول، ويده تحت يده، ولولا الضرورة لم يبح ذلك في الشرع" (١). وإن تعجب فعجبٌ لقول ابن عجيبة: "إذا عارض كشفك الكتاب والسُّنَّة فاعمل بالكتاب"، "ولا يلزم من عدم العمل بها انتقادها على أهلها، فإنَّ العملَ واسع، له ظاهرٌ وباطن، ومسائل الإلهامات تارة ترد على حسب العلم الظاهر، وتارة على حسب العلم الباطن، فإن لم تفهم فسلِّم، ودع ما تعرف لما لا تعرف" (٢). ثم يقول بعد ذلك: "طريق التصوف مؤسَّسة على الكتاب والسُّنَّة وإلهامات

стр. 132

العارفين، الذين تنوَّرت عقولهم، وانصقلت مرآة قلوبهم، فتجلَّى فيها ما كان حقًّا، وزهق منها ما كان باطلًا، فكانت طريقتهم مبنيَّةً على التحقيق" (١)، وقال أيضًا: "إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة رُجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السُّنَّة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية وهي: ما يتعلَّق بالعقائد التوحيدية من طريق الذوق أو العلوم يُرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلَّى فيها إلا ما هو حقٌّ وصواب" (٢). وما ذكره ابن عجيبة هو نوع تلبيس وتدليس؛ فمدار الأعمال على أصلين: الإخلاص وهو عملٌ قلبي، وقد جعله ابن عجيبة تابعًا لأذواق أرباب القلوب الصافية كما يزعم، والأصل الآخر: المتابعة، وجعل لها ظاهرًا وباطنًا فليس العبرة بفعل الظاهر كما يزعم. "فالكشفُ الصحيحُ أن يَعرفَ الحقَّ الذي بعث اللهُ به رسلَه، وأنزلَ به كتبَه، معاينةً لقلبه، ويُجرِّد إرادةَ القلبِ له، فيدورُ معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التحقيق الصحيح، وما خالفه فغرورٌ قبيح" (٣).

стр. 133

المبحث الثاني: الذوق أولًا: معنى الذوق في اللغة ذاقهُ ذوقًا، ذَوَاقًا، ومذاقًا، ومذاقةً: اختبر طعمه، والذوق يكون بالفم، وبغيره، وذَاقَ الشَّيْءَ مِنْ بَابِ قَالَ، وَذَاقَ مَا عِنْدَ فُلَانٍ: أَيْ خَبَرَهُ (١). ثانيًا: في اصطلاح الصوفية عبارة عن نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه، يفرقون بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره، ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلِّي، ثم الشرب (٢) (٣). معنى الذوق عند ابن عجيبة: "الذوق يكون بعد العلم بالحقيقة، وهو عبارة عن بروق أنوار الذات القديمة على العقل، فيغيب عن رؤية الحدث في أنوار القدم، لكنه لا يدوم ذلك، بل يلمع تارة ويخفى أخرى، فصاحبه يدخل ويخرج، فإذا لمع غاب عن حسِّه، وإذا خفي رجع إلى حسِّه ورؤية نفسه، فهذا يُسمَّى عندهم ذوقًا، فإن دام له ذلك النور ساعةً أو ساعتين فهو الشرب، وإن اتصل ودام فهو السُّكر، ومرجعه إلى فناء الرُّسوم في شهود الحيِّ القيُّوم والغيبة عن الأثر في شهود المؤثّر، ويُسمَّى أيضًا الفناء، فإن رجع إلى شهود الأثر وقيامها بالله وأنها نورٌ من أنوار الله فهو الصحو، ويسمى أيضًا بالري وبالبقاء لإبقاء الأشياء بالله بعد فنائها، ويُسمَّى

стр. 134

أيضًا فناء الفناء؛ لأنه علم أنه لم يكن ثم شيءٌ يفنيه غير الوهم والجهل وهما لا حقيقة لهما" (١). ما ذكره ابن عجيبة في تعريفه للذوق حقيقته أحوال (٢) ومقامات (٣) ينتقل السالك فيها من مقام إلى مقام بعد تبحُّره بما سمّوه علم الحقيقة -أي علم الباطن- حتى يصل إلى مرحلة الفناء التي يغيب الفاني عن رؤية كلِّ شيء، والبقاء بأن يرى الله في كلِّ شيءٍ -تعالى الله- عمَّا يقول عُلوًا كبيرا، وهذا ما عُرِف بوحدة الوجود تلك العقيدة الكفرية التي عليها بعض المتصوفة. أمَّا "الشُّرب، والسُّكر (٤)، والصَّحو (٥)، والغيبة (٦) فهي مرادفات الفناء والبقاء، التي عبَّر عنها ابن عجيبة بقوله: "الفناءُ هو أن تبدو لك العظمة فتنسيك كلَّ شيء، وتغيبك عن كلِّ شيءٍ سوى الواحد الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، أو تقول هو شهود حق بلا خلق، وأما البقاء فهو شهود خلق بحق" (٧).

стр. 135

وحقيقة الأمر أنَّ الذوق يرتبط بالكشف والتجلِّي (١)، ظهر ذلك من خلال استقراء عبارات ابن عجيبة في تعريفه للذوق، ولقد ذكر ابن عجيبة أنَّ هذه الأوراد سبب الأحوال والمقامات، فعند شرحه للوارد قال: "الوارد نورٌ إلهيٌّ، يقذفه الله في قلب من أحبَّ من عباده، وهو على ثلاثة أقسام: على حسب البداية، والوسط، والنهاية، أو تقول على حسب الطالبين، والسائرين، والواصلين، القسم الأول: وارد الانتباه: وهو نورٌ يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، وهو لأهل البداية من الطالبين، فإذا تيقَّظ من نومه، وانتبه من غفلته استوى على قدمه طالبًا لربِّه، فيُقبل عليه بقلبه وبقالبه، وينجمع عليه بكلِّيته، والقسم الثاني: وارد الإقبال، وهو: نورٌ يقذفه الله في قلب عبده، فيحرِّكه لذكر مولاه، ويغيبه عما سواه، فلا يزال مشتغلًا بذكره، غائبًا عن غيره، حتى يمتلئ القلب بالنور، ويغيب عمَّا سوى المذكور، فلا يرى إلا النور، فيخرج من سجن الأغيار، ويتحرَّر من رقِّ الآثار، والقسم الثالث: وارد الوصال وهو: نورٌ يستولي على قلب العبد، ثم يستولي على ظاهره وباطنه، فيخرجه من سجن نفسه، ويغيبه عن شهود حسِّه" (٢). والمتأمِّل لما أورده ابن عجيبة في هذه التقسيمات يلحظ أنها درجات الفناء. ولقد دحضها ابن القيم ﵀ بقوله: "وهذا الاسم يطلق على ثلاثة معان: الفناء عن وجود السوى، والفناء عن شهود السوى، والفناء عن إرادة السوى. فأمَّا الفناء عن وجود السوى: فهو فناء الملاحدة، القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثمَّ غير، وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة، ونفي التكثُّر

стр. 136

والتعدد عن الوجود بكلِّ اعتبار، فلا يشهد غيرًا أصلًا، بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب، بل ليس عندهم في الحقيقة ربٌّ وعبد. وفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد، وهو الواجب بنفسه، ما ثم وجودان ممكن، وواجب، ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله ، وبين كون وجودها هو عين وجوده، وليس عندهم فرقان بين العالمين ورب العالمين، ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم، والأمر والنهي تلبيس عندهم، والمحجوب عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاصي، ما دام في مقام الفرق، فإذا ارتفعت درجته شهد أفعاله كلها طاعات لا معصية فيها، لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل موجود، فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية، بل ارتفعت الطاعات والمعاصي؛ لأنها تستلزم اثنينية وتعددًا، وتستلزم مطيعًا ومطاعًا، وعاصيًا ومعصيًّا، وهذا عندهم محض الشرك، والتوحيد المحض يأباه، فهذا فناء هذه الطائفة. وأما عن شهود السوى: الفناء فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين، ويعدونه غاية ... وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسِّهم، فحقيقته: غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته أيضًا عن شهوده ونفسه؛ لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حُبِّه، وبمشهوده عن شهوده" (١). وقال ابن القيم ﵀: "لم يرد في الكتاب، ولا في السُّنَّة، ولا في كلام الصحابة ﵃ والتابعين مدح لفظ الفناء ولا ذمُّه، ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشار إليه البتَّة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون، ولا جعلوه غايةً ولا مقامًا، وقد كان

стр. 137

القوم (١) أحق بكلِّ كمال، وأسبق إلى كلِّ غاية محمودة، ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقًا، ولا نقبله مطلقًا، ولا بدَّ فيه من التفصيل، وبيان صحيحه من معلوله، ... فنقول: حقيقة "الفناء" المشار إليه هو استهلاك الشيء في الوجود العلمي الذهني، وهاهنا تَقسَّمه أهل الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد، فزعم أهل الاتحاد -القائلون بوحدة الوجود- أنَّ الفناء هو غاية الفناء عن وجود السوى، فلا يثبت للسوى وجود البتة، لا في الشهود ولا في العيان، بل يتحقق بشهود وحدة الوجود، فيعلم حينئذ أنَّ وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحق، فما ثم وجودان، بل الموجود واحد، وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عمَّا لا حقيقة له، بل هو وهمٌ وخيال، فيفنى عمَّا هو فانٍ في نفسه، لا وجود له، فيشهد فناء وجود كل ما سواه في وجوده، وهذا تعبير محض، وإلا ففي الحقيقة ليس عند القوم "سوى" ولا "غير" وإنما السوى والغير في الوهم والخيال، فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون، وأمَّا أهل التوحيد والاستقامة: فيشيرون بالفناء إلى أمرين، أحدهما أرفع من الآخر، الأمر الأول: الفناء في شهود الربوبية والقيومية، فيشهد تفرُّد الرب تعالى بالقيومية والتدبير، والخلق والرزق، والعطاء والمنع، والضر والنفع، وأنَّ جميع الموجودات منفعلة لا فاعلة، وما له منها فعل فهو منفعل في فعله، محل محض لجريان أحكام الربوبية عليه، لا يملك شيئًا منها لنفسه ولا لغيره، فلا يملك ضرًّا ولا نفعًا، فإذا تحقق العبد بهذا المشهد؛ خمدت منه الخواطر والإرادات، نظرا إلى القيوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصًا منه إلى مشيئته وحكمته فهو ناظر منه به إليه، فان بشهوده عن شهود ما سواه، ومع هذا فهو ساع في طلب الوصول إليه، قائمًا بالواجبات والنوافل.

стр. 138

الأمر الثاني: الفناء في مشهد الإلهية، وحقيقته (الفناء) عن إرادة ما سوى الله ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجائه، فيفنى بحبِّه عن حُبِّ ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه، وحقيقة هذا الفناء إفراد الرب سبحانه بالمحبة، والخوف والرجاء، والتعظيم والإجلال ... " (١). ولا شكَّ أنَّ تحكيم الذوق أعقب الكثير من المفاسد، أخطرهما نبذ الكتاب والسُّنَّة، وعدم التحاكم إليهما وهذا خلاف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة وسلف الأُمَّة، بل هي من البدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن خرج عن الشرع الذي بعث الله به محمدًا ﷺ ظانًا أنه متبعٌ للحقيقة فإنه مضاهٍ للمشركين المكذِّبين للرسل ﵈" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا الله ، فإنَّ الأذواق مختلفة في أنفسها، كثيرة الألوان، متباينة أعظم التباين، فكلُّ طائفة لهم أذواقٌ وأحوالٌ ومواجيد، بحسب معتقداتهم وسلوكهم، فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوق وحال ووجد في معتقدهم بحسبه، والنصارى لهم ذوق في النصرانية بحسب رياضتهم وعقائدهم، وكل من اعتقد شيئًا أو سلك سلوكًا -حقًّا كان أو باطلًا- فإنه إذا ارتاض وتجرَّد لزمه، وتمكَّن من قلبه، وبقي له فيه حال وذوق ووجد، فيذوق من يزن الحقائق إذن ويعرف الحق من الباطل" (٣).

стр. 139

وعلاقة الذوق بالكشف والتجلِّي (١) تكمن في ثلاث مراتب (٢): ١ - التجلِّي الأول: هو التجلِّي الذاتي، وهو تجلِّي الذات وحدها لذاتها، وهي الحضرة الأحدية (٣)، التي عرَّفها ابن عجيبة بقوله: "الحضرة عبارة عن كشف رداء الصون عن أصل نور الكون، فتلوح أنوار القدم على صفحات العدم فيتلاشى الحادث ويبقى القديم" (٤). ٢ - التجلِّي الثاني: هو الذي تظهر به أعيان الممكنات الثانية، التي هي شؤون الذات لذاته تعالى وهو التعيين الأول بصفة العالمية والقابلية؛ لأنَّ الأعيان معلوماته الأولى الذاتية القابلة للتجلِّي الشهودي، وللحق بهذا تنزل الحضرة الأحدية إلى الحضرة الواحدية بالنسبة الأسمائية (٥). ٣ - التجلِّي الشهودي: هو ظهور الوجود المسمَّى باسم النور، وظهور الحقِّ بصور أسمائه في الأكوان التي هي صورها وهذه هي عقيدة وحدة الوجود. وعقيدة وحدة الوجود (٦) حوت الكثير من المفاسد العقدية، منها: الأول: أنَّ حقيقة قولهم: أنَّ الله لم يخلق شيئًا ولا ابتدعه ولا برأه ولا صوَّره؛ لأنَّه

стр. 140

إذا لم يكن وجود إلا وجوده فمن الممتنع أن يكون خالقًا لوجود نفسه أو بارئًا لذاته فإنَّ العلم بذلك من أبين العلوم وأبدهها للعقول، إن الشيء لا يخلق نفسه ولهذا قال : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (١) فإنهم يعلمون أنهم لم يكونوا مخلوقين من غير خالق ويعلمون أنَّ الشيء لا يخلق نفسه فتعيَّن أنَّ لهم خالقًا، وعند هؤلاء الكفَّار الملاحدة الفرعونية أنَّه ما ثمَّ شيءٌ يكون الرَّبُّ قد خلقه أو برأه أو أبدعه إلا نفسه المقدسة، ونفسه المقدسة لا تكون إلا مخلوقة مربوبة مصنوعة مبروءة؛ لامتناع ذلك في بدائه العقول، وذلك من أظهر الكفر عند جميع أهل الملل والآراء، وهذا ردٌّ للكتاب والسُّنَّة والإجماع، أين هم من قول الله ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). قال الشيخ السعدي ﵀: "أي: خالقهما ومبدعهما، في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم" (٣). وقال أيضًا: "والله خالقٌ كلَّ شيء وليس شيءٌ من المخلوقات مشابهًا لله بوجهٍ من الوجوه، ولما ذكر عموم خلقه للأشياء، ذكر إحاطة علمه بها فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي إلى ثبوت علمه، وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإنَّ في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ

стр. 141

وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١)، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدَّر ما قدر" (٣). الثاني: أنَّ عندهم أنَّ الله ليس ربُّ العالمين ولا مالك الملك، إذ ليس إلا وجوده وهو لا يكون رب نفسه ولا يكون الملك المملوك هو الملك المالك، وقد صرَّحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا: إنه هو ملك الملك بناءً على أنَّ وجوده مفتقرٌ إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده فالأشياء مالكة لوجوده فهو ملك الملك. الثالث: عندهم، أنَّ الله لم يرزق أحدًا شيئًا ولا أعطى أحدًا شيئًا ولا رحم أحدًا ولا أحسن إلى أحدٍ ولا هدى أحدًا، ولا أنعم على أحد نعمةً ولا علَّم أحدًا علمًا ولا علَّم أحدًا البيان وعندهم في الجملة: لم يصل منه إلى أحد لا خير، ولا شر، ولا نفع، ولا ضر، ولا عطاء، ولا منع، ولا هدى ولا إضلال أصلًا، وأنَّ هذه الأشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده فليس هناك غيرٌ يصل إليه ولا أحدٌ سواه ينتفع بها ولا عبد يكون مرزوقًا أو منصورًا أو مهديًّا (٤). وقول ابن عجيبة بالحضرة الأحدية يلزم عليه نفي ذات الله ووصفه بالمعدومات، بل هو تعطيل لله عمَّا يستحق ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... وكذلك كونه لا يتكلَّم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح، ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات، أو المعدومات، فهذه الصفات

стр. 142

منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات، والناقص" (١). أما الأحوال والمقامات التي ذكرها ابن عجيبة أثناء تعريفه للذوق فبيَّنها ابن القيم بقوله: "ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها، كلٌّ يصف منازل سيره، وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير، هل هي من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أنَّ المقامات كسبية والأحوال وهبية، ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات والمقامات نتائج الأعمال فكلُّ من كان أصلح عملًا كان أعلى مقامًا، وكلُّ من كان أعلى مقامًا كان أعظم حالًا ... والصحيح في هذا أنَّ الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها، كما يلمع البارق، ويلوح عن بعد فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال، فإذا تمكَّنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها، فالذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والذي كان حالًا هو بعينه المقام، وهذه الأسماء له باعتبار تعلُّقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه، وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب، وينزل إلى ما دونه، ثم قد يعود إليه، وقد لا يعود" (٢). ولا ريب أنَّ من تحاكم إلى الذوق فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد وجعله محكًّا للحق والباطل فنبذ لذلك موجب العلم والنصوص وحكَّم فيها الأذواق، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير وكان إلى الله

стр. 143

فصيَّره إلى النفوس، فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهو ومن على شاكلته يعبدون أنفسهم (١). ثالثًا: الذوق والوجدان أساسٌ لمعرفة التوحيد عند ابن عجيبة قال ابن عجيبة: "قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيِّم، الذي هدى الله إليه نبيَّه ﵊ خلاصته ولبابه، فأخذوا من عقائد التوحيد: الشهود والعيان على طريق الذوق والوجدان ولم يقنعوا بالدليل والبرهان" (٢). وابن عجيبة بكلامه هذا يصرِّح تصريحًا لا مرية فيه أنَّ القوم اعتبروا الذوق مصدر تَلقٍّ لمعرفة التوحيد، وهذا باطلٌ؛ فإن عقيدة التوحيد مبنيَّة على أصلين عظيمين هما الكتاب والسُّنَّة وفق فهم سلف الأمة، فمن حاد عنهما تخبَّط في أودية الباطل، وما قاله بأنَّ الهداية إلى الله تكون عن طريق الذوق، فهذا باطل. قال عبد الرحمن الوكيل (٣): "ويدين الصوفية ببهتان آخر يدمغها بالمروق عن الإسلام ذلك هو اعتقادها أنَّ الذوق الفردي -لا الشرع ولا العقل- هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها معرفة الله وصفاته وما يجب له فهو -أي الذوق- الذي

стр. 144

يُقَوِّم حقائق الأشياء، ويحكم عليها بالخيرية أو الشرِّية، بالحسن أو القبح، بأنها حقٌّ أو باطل، فلا جرم أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة، ولا عجب أن ترى النِّحلة منها تعبد وثنًا بغير ما تعبده به أخرى، أو تخنع لصنم يكفر به سواها من النِّحل الصوفية، لا عجب من ذلك كله، ما دامت تجعل الذوق الفردي حاكمًا وقيِّمًا على المسمَّيات وأسمائها، فيصح للشيء معناه مرة، ثم ينسخه بنقيضه مرة أخرى، هذه الحدة في توتر التناقض صبغة الصوفية دائمًا في منطقها المخبول، ولقد ضربت الصوفيين أهواء أحبارهم بالحيرة والفرقة، فحاولوا طرائق قددا، تؤلِّه كل طريقة منها ما ارتضاه كاهنها صنمًا له، وتعبده بما يفتريه هواه من خرافات" (١)، وهؤلاء عندما يطالبون بدليلٍ شرعيٍّ لما يقولون يرجعون إلى مصطلحاتهم الفاسدة من وجد، وذوق، قال ابن خلدون (٢): "وإذا كانت كلماتهم وتفاسيرهم لا تفارق الإبهام والاستغلاق فما الفائدة فيها؟ فالرجوع إذن إلى كلمات الشرع واقتباس معانيها من التفاسير المعتضدة بالأثر، ولو كانت لا تخلص من الإبهام أولى من ابهامهم الذي لا يستند إلى برهان عقل ولا قضية شرع" (٣). وابن عجيبة تابع سلفه من الصوفية بأنَّ جميع علومهم لا تُعرف إلا عن طريق الذوق.

стр. 145

ونقل الشعراني (١) قول ابن عربي (٢)، (٣)،: "جميع علومنا من علوم الذوق لا من علوم بلا ذوق؛ فإنَّ علوم الذوق لا تكون إلا عن تجلٍّ إلهيّ، والعلم قد يحصل لنا بنقل المخبر الصادق وبالنظر الصحيح" (٤). أما أهل السُّنَّة والجماعة -ولله الحمد- فهم مطبقون على أنَّ التوحيد مصدره الكتاب والسُّنَّة. ولم يثبت عن أحد من السلف أنه قال: إنه عرف الله بأسمائه وصفاته عن طريق الذوق، ولو كان خيرًا لسَبقوا ولم يُسبقوا. فمصادر المعرفة عند أهل السُّنَّة والجماعة توقيفية على الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأُمَّة، وهذه الأصول الثلاثة عندهم ميزان لأقوال الناس جميعًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... وهم يَزنِوُنَ بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلُّق بالدين" (٥). وفي ختام هذا المبحث يتضح جليًّا أنَّ ابن عجيبة يقدِّم الذوق والكشف على مصادر التلقي المعتبرة عند أهل السُّنَّة والجماعة، وهذا نصٌّ صريحٌّ لقوله بذلك، فعند
следующие страницы →