إلى أن قال: ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد صلاح قلبه بالإيمان ودفع النفاق كان منافقًا إن أظهر الإسلام؛ فإن الإسلام يظهره المؤمن والمنافق وهو علانية والإيمان في القلب" (١).
وقال أيضًا: "ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلا بدَّ له من ظاهر وباطن فظاهر القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر العمل حركات الأبدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان، فالمنافق لما أتى بظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان لم ينفعه ذلك وكان من أهل الخسران؛ بل كان في الدرك الأسفل من النار" (٢).
ويزيد تأكيد ما سبق فيقول: "والمقصود هنا أن الظاهر لا بدَّ له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق ومن ادعى باطنًا يخالف ظاهرًا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه، فكما أنَّ الإنسان لا بدَّ له من روح وبدن وهما متفقان فلا بدَّ لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من الإنسان والظاهر للظاهر منه" (٣).
وقال ابن عقيل (٤): "جعلت الصوفية الشريعة اسمًا وقالوا المراد منها الحقيقة، وهذا قبيح؛ لأنَّ الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا
стр. 72
سوى شيءٌ واقعٌ في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرورٌ مخدوع" (١).
وقال ابن الجوزي: "وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة، وهذا جهلٌ من قائله؛ لأن الشريعة كلُّها حقائق" (٢)، وقال أيضًا: "وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر، وسموا هواجيس النفس علم الباطن" (٣)، وقال ابن رجب ﵀ (٤): "وكثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله ويقول: هم محجوبون وأصحاب قشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرُّسل بالحثِّ عليها والاعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأمَّا من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد-سيد الطائفة عندهم- وغيره من العارفين: وصلوا ولكن إلى سقر، وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسُّنَّة!، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات! فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة، حيث ظنُّوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع، الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب! وأوجب ذلك لهم الإعراض عمَّا جاء به الرسول ﷺ في هذا الباب بالكلية والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلُّوا وأضلُّوا" (٥).
стр. 73
وممن ردّ هذا التقسيم ابن القيم حيث قال: "ومن كيد الشيطان: ما ألقاه إلى جُهَّال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسُّنَّة والقرآن، فحسَّن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافي عمَّا عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعدٌ له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفًا وعيانًا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرُّسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب، فلما تمكَّن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسُّنَّة والآثار كما ينسلخ الليل عن النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها عن الآيات البيِّنات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات فلا تعرض على السُّنَّة والقرآن، ولا تُعامل إلا بالقبول والإذعان، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، وأنواع لهذيان، وكلما ازدادوا بعدًا وإعراضًا عن القرآن وما جاء به الرَّسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم" (١).
ومما يجب أن يلاحظ هنا أن فكرة الظاهر والباطن عند الصوفية جذورها شيعية كما رأى الشيخ إحسان إلهي ظهير (٢) يقول: "وأمَّا الفكرة الأخرى التي
стр. 74
تسربت إلى التصوف من التشيع، واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن، والعام والخاص، ومنها تدرجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي، وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة، فإن الشيعة بجميع فرقها، وخاصة الإسماعيلية (١) منهم من يعتقدون أن لكل ظاهر باطنًا، وقد اختص بمعرفة الباطن علي ﵁ وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم، فسموا الموالين لهم بالخاصة، وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة ... ثم قالوا: إن الظاهر هو الشريعة، والباطن هو الحقيقة، وصاحب الشريعة هو الرسول محمد ﷺ وصاحب الحقيقة هو الوصي علي بن أبي طالب ﵁ (٢).
واستدل بقصة الخضر ﵇ فقال: "إن جماعة من العوام أنكروا علم الباطن، وقالوا ليس إلا علم الشريعة الذي هو العلم الظاهر، وأما علم الباطن فلم ينزل به كتابٌ ولا سُنَّة.
قلنا (٣): يُرَدُّ عليهم بقول الله في قصة موسى ﵇ مع الخضر ﵇: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (٤) "، (٥).
стр. 75
فهو يرى أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ هو علم الحقيقة إذ قال في تفسيره:
"وعلَّمناه من لدنا علما خاصًا، لا يُكتنه كنهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة" (١).
فيجاب عن ذلك أن هذه القصة باطلة بكلام العلماء المحققين، قال ابن حجر (٢): "قوله: يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه أي جميعه وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه أي: جميعه وتقدير ذلك متعين؛ لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى بالمكلَّف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي" (٣).
وقال القاضي عياض ﵀ (٤): "وقيل مراد موسى ﵇ بقوله (أنا أعلمُ) أي بوظائف النبوة وأمور الشريعة وسياسة الأمر والخضر أعلم منه بأمورٍ أُخر من علوم غيبية كما ذكر من خبرهما، وكان موسى ﵇ أعلم على الجملة والعموم مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيءٍ منه، والخضر أعلم على الخصوص بما أعلم من محنات الغيب وحوادث القدر، وقصص الناس مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أعلموا به مما استأثر الله به من غيبه، وما قدره وسبق في علمه مما كان، ويكون في خلقه؛ ولذلك قال
стр. 76
الخضر في الحديث: «إنَّك على علم من علم الله علَّمك لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه» (١)، ألا تراه لم يعرف موسى بني إسرائيل حتى عرفه بنفسه إذا لم يعرفه الله به" (٢).
ثانيًا: زعمه أن النبي ﷺ هو واضع علم الحقيقة والشريعة
قال ابن عجيبة: "وأما واضع هذا العلم فهو النبي ﷺ علَّمه الله بالوحي والإلهام فنزل جبريل بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانيًا بالحقيقة، فخص بها بعضًا دون بعض، وأول من تكلم فيه وأظهره علي ﵁، وأخذه الحسن البصري" (٣).
وهذا الاستدلال من ابن عجيبة لا يثبت ما ساقه لأجله، والنبي ﷺ توفى ولم يترك خيرًا إلا ودلَّ الأُمَّة عليه، ولم يخص أحدًا بعلم دون سائر الأُمَّة بل استوى ظاهره وباطنه.
قال ابن تيمية: "هذا كما في الصحيح أنه قيل لعلي ﵁: هل ترك عندكم رسول الله ﷺ شيئًا؟ وفي لفظ: هل عهد إليكم رسول الله ﷺ شيئًا لما يعهده إلى الناس؟ فقال: «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه وما في هذه الصحيفة» (٤)، (٥) وهذا خروج في الاستدلال عن طريق العلماء، قال الشاطبي مبيِّنًا حال أهل البدع في الاستدلال: "وحاصلها الخروج في الاستدلال عن الطريق
стр. 77
الذي أوضحه العلماء وبيَّنه الأئمة، وحصر أنواعه الراسخون في العلم، ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سيالة لا تقف عند حد وعلى كل وجه يصح لك زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره، حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة فقد رأينا وسمعنا عن بعض الكفَّار أنه استدل على كفره بآيات القرآن ... وكذلك كل من اتبع المتشابهات، أو حرف المناطات، أو حمل الآيات ما لا تحمله عند السلف الصالح، أو تمسَّك بالأحاديث الواهية، أو أخذ الأدلة بباديَ الرأي له أن يستدل على كل فعل أو قول، أو اعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث لا يفوز بذلك أصلًا والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو حديث من غير توقف" (١).
ثالثًا: استدلاله بالقول المنسوب إلى عمر ﵁ -
وهو: «كنتُ أدخل على النبي ﷺ وهو وأبو بكر ﵁ يتكلَّمان في علم التوحيد فأجلس بينهما كأني زنجي لا أعلم ما يقولان».
قال ابن عجيبة: "فهذا التوحيد الذي يتكلَّم فيه النبي ﷺ مع الصدِّيق ﵁ هو التوحيد الخاص، وهو غوامضه وأسراره التي لا تفشى إلا لأهله، وهو المسمَّى عندنا بعلم الباطن، ويُسمى -أيضًا- بعلم الحقيقة" (٢).
وهذا الأثر كذَّبه ابن تيمية فقال: "وما قال عمر بن الخطاب ﵁ ما ذكر عنه قط، ولا روى هذا أحد بإسناد صحيح ولا ضعيف، وهو كلام باطل؛ فإن من كان دون عمر ﵁ كان يسمع كلام النبي ﷺ ويفهم ما ينفعه الله به، فكيف
стр. 78
بعمر؟! وعمر أفضل الخلق بعد أبي بكر، فكيف يكون كلام النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ بمنزلة كلام الزنجي، ثم الذين يذكرون هذا الحديث من ملاحدة الباطنية؛ يدعون أنهم علموا ذلك السر الذى لم يفهمه عمر ﵁ وحمله كل قوم على رأيهم الفاسد ... فهل يقول عاقل: إن عمر ﵁ وهو شاهد لم يفهم ما قالا، وإن هؤلاء الجهال الضُّلَّال أهل الزندقة والإلحاد والمحال علموا معنى ذلك الخطاب، ولم ينقل أحد لفظه، وإنما وضع مثل هذا الكذب ملاحدة الباطنية، حتى يقول الناس: إن ما أظهره الرُّسل من القرآن والإيمان والشريعة له باطن يخالف ظاهره؛ وكان أبو بكر ﵁ يعلم ذلك الباطن دون عمر، ويجعلون هذا ذريعة عند الجُهَّال إلى أن يسلخوهم من دين الإسلام" (١).
رابعًا: استدلاله بالآيات على مسألة التفسير الحرفي الإشاري لدى الصوفية، والتفسير الباطني
فسَّر ابن عجيبة قول الله : ﴿الم﴾ (٢) تفسيرًا حرفيًا، قال ابن عجيبة: يقول أهل الإشارة: يقول الحق ﷻ : ألف أفرد سرَّك إليَّ، انفراد الألف عن سائر الحروف، واللام: ليِّن جوارحك لعبادتي، والميم أقم معي بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفاء الأنس والقرب مني (٣)، وفسَّر الآيات بالتفسير الإشاري (٤)،
стр. 79
والأمثلة على ذلك كثيرة منها: عند قول الله ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (١)، يقول: "يشير إلى بحر علم الشريعة، وبحر علم الحقيقة يلتقيان في الإنسان الكامل ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ (٢)، وهو العقل فإنه يحجز الشريعة أن تعدوا محلها والحقيقة أن تجاوز محلها، فالشريعة محلها الظواهر، والحقيقة محلها البواطن، والعقل برزخ بينهما (٣).
فكيف لابن عجيبة أن يقول بهذا مع أنه يشار إليه بالبنان في علوم شتى، فسبحان من له الأمر وإليه الحكم ﷻ ، وهذه الطريقة التي سلكها في تفسيره آي القرآن مردودة إن لم يأتِ بشروطها.
يقول ابن تيمية ﵀: "فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس، وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس؛ الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام؛ لكن هذا يستعمل في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فإن كانت (الإشارة اعتبارية) من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة، وإن كانت كالقياس الضعيف كان لها حكمه وإن كان تحريفًا للكلام عن مواضعه وتأويلًا للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية" (٤)،
وقال أيضًا: "إن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب
стр. 80
دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا هو الذي تسميه الصوفية إشارة وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك فمن سمع قول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف فقال: كما أنَّ اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة وهي قلوب المتقين كان هذا معنى صحيحًا واعتبارًا صحيحًا ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف، قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) "، (٣).
ولو قال أحد المنافحين عن ابن عجيبة: استنبط هذا التفسير بسبب تدبره للقرآن، فهو عالم بتوجيه القراءات واللغة، لكان هذا مردودًا بكلام أهل التحقيق من العلماء.
стр. 81
قال الشاطبي: "الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الظاهرة للبصائر إذا صحَّت على كمال شروطها فهي على ضربين:
أحدهما: ما يكون أصل انفجاره من القرآن، ويتبعه سائر الموجودات؛ فإن الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق نور البصيرة فيه حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح أو غير كامل، حسبما بيَّنه أهل التحقيق بالسلوك.
والثاني: ما يكون أصل انفجاره من الموجودات جزئيها أو كليها، ويتبعه الاعتبار في القرآن.
فإن كان الأول؛ فذلك الاعتبار صحيح، وهو معتبر في فهم باطن القرآن من غير إشكال؛ لأن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن وهو الهداية التامة على ما يليق بكلِّ واحدٍ من المكلَّفين وبحسب التكاليف وأحوالها، لا بإطلاق، وإذا كانت كذلك؛ فالمشي على طريقها مشي على الصراط المستقيم، ولأن الاعتبار القرآني قلَّما يجده إلا من كان من أهله عملًا به على تقليد أو اجتهاد؛ فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا في العمل به والتخلق بأخلاقه عن حدوده، بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازي أحكامه، ويلزم من ذلك أن يكون معتدًّا به لجريانه على مجاريه، والشاهد على ذلك ما نقل من فهم السلف الصالح فيه؛ فإنه كله جارٍ على ما تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية حسبما تبين قبل.
وإن كان الثاني؛ فالتوقف عن اعتباره في فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على إطلاقه ممتنع؛ لأنه خلاف الأولى" (١).
стр. 82
وحتى يكون استنباطًا صحيحًا لا بدَّ له من شروط، قال ابن القيم ﵀: "وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون، وتفسير على المعنى: وهو الذي يذكره السلف، وتفسير على الإشارة: وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لابأس به بأربعة شروط:
١ - ألا يناقض معنى الآية.
٢ - وأن يكون معنىً صحيحًا في نفسه.
٣ - وأن يكون في اللفظ إشعار به.
٤ - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا (١).
ومن تأمل أقوال أئمة السُّنَّة علم أنهم أدق النَّاس نظرًا، وأعلمهم بصحيح المنقول، وصريح المعقول، فأتت أقوالهم موافقة للمنصوص والمعقول؛ ولهذا ائتلفت ولم تختلف، وتوافقت، ولم تتناقض، أمَّا الذين خالفوهم فلم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعَّبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من فسَّر القرآن أو الحديث وتأوَّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة ﵃ والتابعين فهو مفتر على اللّه ، ملحد في آيات اللّه، محرِّف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام" (٣).
стр. 83
ولهذا من لم يأخذ العلم عن العلماء النقاد الذين امتن الله عليهم بفهم الكتاب والسُّنَّة وفق فهم السلف الصالح حتمًا سيقع في أودية الجهل والضلال متخذًا رؤساء جهلاء يسألهم.
قال نبيُّنا محمَّد ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وَأضَلُّوا» (١).
وما فعله ابن عجيبة -من لي أعناق النصوص- غايته أن يبرهن لقوله، ويشهد لذلك قول المستشرق نيكلسون -وهو باحث متخصص في التصوف (٢) -: "ولا يمكن أن يكون القرآن أساسًا لأيِّ مذهبٍ صوفي، ومع ذلك استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة أن يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسُّنَّة تأويلًا يلائم أغراضهم، على أن كل كلمة في القرآن وراءها معنى باطنًا لا يكشفه الله تعالى إلا للخاصة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات وجدهم، ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصوفية بعد أن سلَّموا بهذا المبدأ أن يجدوا دليلًا من القرآن لكل قولٍ من أقوالهم، ولأي نظرية من نظرياتهم أيًّا كانت، وأن يقولوا: إن التصوف ليس في الحقيقة إلا العلم الباطن الذي ورثه علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ " (٣).
стр. 84
كما أنَّ القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، وكل معنى يستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن من شيء، و"للقرآن عرف ومعان معهودة لا يناسبه تفسيرها بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه، والمعهود من معانيه، فإنَّ نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، كما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأوضحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي تعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيرها بغيرها من المعاني التي لا تليق به" (١).
ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ الذين نقلوا إلينا القرآن والسُّنَّة لفظًا ومعنى وكانوا معه ﷺ والوحي ينزل عليه.
قال الشافعي ﵀: "أدوا إلينا سنن رسول الله ﷺ وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا وعزمًا وإرشادًا وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كلِّ علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمدُ وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ومن أدركنا ممن يرضى، أو حكي لنا عنه ببلدنا" (٢).
وقد أخرج ابن عجيبة ألفاظ الوحي إلى معانٍ خاصَّة لا يعلمها إلا أصحاب الذوق -بزعمه-، "وقد علم بالاضطرار أن ما يفسرون به كلام الله وكلام رسوله ﷺ بل وكلام غيرهما ليس داخلًا في مرادهم فضلًا عن أن يكون هو المراد، بل غالب تفاسيرهم منافية لما أراد الله ، إمَّا من ذلك اللفظ وإما من غيره، وإن
стр. 85
كان طوائف من المشهورين بالفقه والتصوف يطلقون هذه العبارات الإسلامية بالتفاسير الفلسفية القرمطية" (١)، وبهذا حادوا عن متابعة السابقين الأولين.
قال ابن تيمية ﵀: "وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة ﵃ والتابعين في ذلك من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف، فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عمَّا يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف البتة أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها" (٢).
وبهذا يظهر أن تأويل ابن عجيبة في ألفاظ القرآن لا أصلَ له.
قال الشاطبي ﵀: "ولا يعرفه العرب، لا من آمن منهم ولا من كفر، والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفًا لنقل؛ لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأُمَّة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، ولا أيضًا ثَّم دليل يدل على صحة هذا التفسير، لا من مساق الآية؛ فإنه ينافيه، ولا من خارج؛ إذ لا دليل عليه كذلك، بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية ومن أشبههم" (٣).
ومن تأمل أقوال ابن عجيبة في تفسيره يجد أن معاني القرآن تنكشف - بزعمه- على حسب الاستعداد الروحي بحثًا عن المعنى الباطن، ولقد صرَّح بذلك في
стр. 86
قوله: "ولقد كنتُ في حال الرياضة والمجاهدة إذا أردت أن أتكلم في التفسير، أو غيره أشرع في الكلام، ثم أغيب، فكنت أحس بالكلام يخرج مني من غير اختيار كأنه السحاب، فتصدر مني علوم وحكم فإذا سكتُ لم يبق إلا القليل" (١) , ولهذا تجد اضطرابات الصوفية في بحثهم عن المعنى الباطن، بل الصوفي يعزل نفسه عن وسائل فهم آيات الكتاب فيغفل عن الظاهر ويعرض عن أقوال المفسرين المحققين، وينصرف عن أحكام اللغة العربية، بل يجعل وسائل الفهم حُجب تحجب المفسِّر عن المعنى الباطن (٢).
خامسًا: استدلاله بالكتاب، وذلك عندما فسَّر الرواسي بالأبدال في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣)
يقول: "في الظاهر: الجبال، وفي الحقيقة: الأبدال، الذين هم أوتاد، بهم يقيهم، وبهم يصرف عن قريبهم وقاصيهم" (٤).
وتفسيره الرواسي بالأبدال في الحقيقة لا يُوافق عليه؛ لعدة أمور:
١ - مخالفته لما عليه المحققون من المفسرين كابن جرير الطبري، والبغوي (٥)، وابن كثير، وغيرهم (٦).
стр. 87
٢ - قضية الأبدال ووجودهم لا يدلُّ عليها كتابٌ ولا سُنَّة.
حتى إن العلماء ردوا كل حديث ورد فيها، يقول ابن القيم ﵀: "أحاديث الأبدال (١)، والأقطاب (٢) والأغواث والنقباء (٣)، والنجباء (٤) والأوتاد (٥) كلها باطلة على رسول الله ﷺ ، وأقرب ما فيها: «لا تسبوا أهل الشام، فإنَّ فيهم البدلاء، كلما مات رجلٌ منهم أبدل الله مكانه رجلًا آخر» (٦)، ولا يصح أيضًا، فإنه منقطع" (٧).
"أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثيرٍ من النسَّاك والعامَّة مثل (الغوث) الذي بمكة (والأوتاد الأربعة) و (الأقطاب السبعة) و (الأبدال الأربعين) و (النجباء
стр. 88
الثلاثمائة): فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى؛ ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي ﷺ بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف يحمل عليه ألفاظ الأبدال.
فقد روي فيهم حديثٌ شاميٌّ منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ فيهم -يعني أهل الشام- الأبدال الأربعين رجلًا كلما مات رجلٌ أبدل الله تعالى مكانه رجلًا» "ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب؛ ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا؛ وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ؛ وقد قالها إما آثرًا لها عن غيره أو ذاكرًا، وهذا الجنس ونحوه من علم الدين قد التبس عند أكثر المتأخرين حقه بباطله فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ومن الباطل ما يوجب رده وصار كثير من الناس على طرفي نقيض، قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل، وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق وإنما الصواب التصديق بالحق والتكذيب بالباطل، وهذا تحقيق لما أخبر به النبي ﷺ عن ركوب هذه الأُمَّة سنن من قبلها حذو القُذَّة بالقُذَّة، فإنَّ أهل الكتابين لبَّسوا الحق بالباطل وهذا هو التبديل والتحريف الذي وقع في دينهم؛ ولهذا يتغير الدين .... وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم مضاهاة للرافضة من بعض الوجوه، بل هذا الترتيب والأعداد تشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية (١)
ونحوهم
стр. 89
في السابق والتالي والناطق والأساس والجسد (١) وغير ذلك من الترتيب الذي ما نزَّل الله به من سلطان (٢).
وهذا الحديث ضعَّفه جمع من أهل العلم (٣)، وأما إن قال قائل لفظ الأبدال ورد في كلام السلف (٤)، فالمقصود أنهم قوم صالحون كلما مات رجل منهم أبدل الله بآخر يحُيى بهم السُّنَّة، خلاف ما اعتقده الصوفية بأنَّ الله يحفظ بهم الأقاليم السبعة، وهم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون لكل بلد إقليم فيه ولايته، فهذا لا دليل عليه من كتاب ولا سُنَّة.
قال الصنعاني (٥): "وإن سلَّمنا صحة الأحاديث في ذلك فإنه لم يجعل الله لهم علامة يعرفون بها بأعيانهم اتفاقًا فلا يعرف أن الشخص من الأبدال حتى يعتقد أنه ولي الله الولاية الخاصة التي يزعمون وإلا فالمؤمنون المتقون أولياء الله " (٦).
стр. 90
المبحث الثاني: السُّنَّة
السُّنَّة النبوية هي المصدر الثاني للاستدال عند المسلمين, وقد استدلَّ بها ابن عجيبة في جوانب كثيرة، ولكنَّه خالف أهل السُّنَّة والجماعة في الاستدلال بها من أربع جهات:
الجهة الأولى: أدلة الكتاب والسُّنَّة ليست يقينيَّة، بل ظنيَّة
قال ابن عجيبة: "إن غاية العلوم الكسبية النقلية الظن القوي، أما علوم الحقائق فهي يقين" (١).
ورأيه بأن الأدلة الكسبية ظنيَّة والحقيقة يقين، زعم باطل، وافق فيه المتكلمين وأهل البدع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... ويزعم قومٌ من غالبية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على المسائل القطعية مطلقًا، بناءً على أنَّ الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما زعموا، ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول على مسائل الصفات والقدر، ونحوهما مما يُطلب فيه القطع واليقين" (٢).
ومن المعلوم أنَّ دلالة الأدلة اللفظية لا تختصُّ بالقرآن والسُّنَّة، بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضًا بالأدلة اللفظية والإنسان حيوان ناطق، فالنطق ذاتيٌّ له، وهو مدنيٌّ بالطبع لا يمكن أن يعيش وحده كما يعيش الوحش، بل لا يمكنه أن يعيش إلا مع بني جنسه، فلا بدَّ أن يعرف بعضهم مراد بعض، ليحصل التعاون، فعلَّمهم الحكيم العليم تعريف بعضهم بعضًا مراده بالألفاظ، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ
стр. 91
الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (١) فكانت حكمة ذلك التعليم، تعريف مراد المتكلم، فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله، وإفساد لمصالح بني آدم، وسلب الإنسان خاصيته التي ميَّزه بها على سائر الحيوان، وهذه الطريقة يستدل بها من وجوه:
١ - أن قول القائل الأدلة اللفظية التي جاء بها الرسول ﷺ لا تفيدنا علمًا ولا يقينًا من أعظم أنواع السَّفسطة (٢)، وهؤلاء شرٌّ من اللا أدرية (٣) وشرٌّ من الباطنية، فأهل العلم بالكتاب والسُّنَّة متيقنون لمراد الله ورسوله ﷺ جازمون به معتقدون لموجبه اعتقادًا لا يتطرَّق إليه شكٌّ ولا شبهة، أمَّا المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية فهم مختلفون متحيرون تناقضت أقوالهم واضطربت فهومهم (٤).
٢ - أنَّا نعلم قطعًا أن جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض بلفظه ويقطع به ويتيقنه فقول القائل: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين قدح في العلوم الضرورية التي اشترك الناس في العلم بها (٥).
٣ - أنَّ الطفل أول ما يميز يعرف مراد من يربيه بلفظه قبل أن يعرفه شيئًا من العلوم الضرورية فلا أقدم عنده ولا أسبق من تيقنه لمراد من يخاطبه بلفظه فالعلم
стр. 92
بذلك مقدَّم على سائر العلوم الضرورية فمن جعل العقليات تفيد اليقين والسمعيات لا تفيد معرفة مراد المتكلم فقد قلب الحقائق وناقض الفطرة (١).
٤ - أنَّ التعريف بالأدلة اللفظية أصلٌ للتعريف بالأدلة العقلية فمن لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول تلك بل العلم بمدلول الأدلة اللفظية أسبق فإنه يوجد في أول تمييز الإنسان وحينئذ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بمدلول الأدلة العقلية بل هي أصل العلم بها فإذا بطل الأصل بطل فرعه، يوضحه أنَّ الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي محتاج إلى معرفة مراد المخبر به الذاكر له لمن يخاطبه فإذا لم يحصل له علم بمراده من الدليل فكيف يحصل له علم بالمدلول؟
٥ - أنَّ الله سبحانه هدى البهائم والطير أن يعرِّف بعضُها بعضًا مرادَها بأصواتها، وإذا كان التفاهم والعلم بمراد الحيوان من غيره حاصلًا للحيوانات فما الظنُّ بأشرف أنواعها وهو الإنسان، فما الظنُّ بأشرف هذا النوع وهم العقلاء المعتنون بالبيان والإيضاح، فما الظنُّ بالأنبياء ﵈ المخصوصين من العلم والبيان والأفهام بما ليس مثله لسواهم، فما الظنُّ بأفضل الأنبياء محمد ﷺ أنصح الخلق للخلق، وأعلمهم وأكملهم بيانًا، وأتمهم فصاحةً، وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ولا يوهم غيره، وأحرصهم على تعليم الأُمَّة وتفهيمهم، وأصحابه ﵃ أكمل الأمم عقلًا وفهمًا وفصاحةً وحرصًا على فهم مراده فكيف لا يكونون قد تيقنوا مراده بألفاظه وكيف لا يكون التابعون لهم بإحسان قد تيقنوا مرادهم مما بلَّغوهم إياه عن نبيِّهم ونقلوه إليهم (٢).
стр. 93
٦ - أنَّ دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلِّم أقوى من دلالة الأدلة العقلية على الحقائق الثابتة، فكيف بدلالة المقدمات المشتبهة التي غايتها أن يكون فيها حقٌّ وباطل وليس مع أصحابها إلا إحسان الظن بمن قالها فإذا طولبوا بالبرهان على صحتها قالوا هكذا قال العقلاء، وهذا أمرٌ قد صقلته أذهانهم وقبلته عقولهم، فبين دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم ودلالة هذه المقدِّمات على الحقائق تفاوتٌ عظيم، فكيف تفيد هذه اليقين دون تلك؟ وهل هذا إلا قلبٌ للفطر وتعكيس للأذهان (١).
٧ - أنَّ دلالة قول الرسول ﷺ على مراده أكمل من دلالة شبهات هؤلاء العقلية على معارضته بما لا نسبة بينهما فكيف تكون شبهاتهم تفيد اليقين وكلام الله ورسوله لا يفيد اليقين (٢).
٨ - أنَّ قول القائل: (الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين) إمَّا أن يريد به نفي العموم أو عموم النفي، فإن أراد نفي العموم لم يفده شيئًا فإنَّ عاقلًا لا يدعي أنَّ كلَّ دليل لفظي يفيد اليقين حتى ينصب معه الخلاف ويحتج عليه، وإن أراد به عموم النفي كان هذا مكابرة للعيان وبهتًا ومجاهرةً بالكذب والباطل (٣).
الجهة الثانية: أخبار الآحاد تُقبل في أبواب الأعمال دون الاعتقاد
فقد قبل أخبار الآحاد في أبواب الأعمال، ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
стр. 94
نَادِمِينَ﴾ (١): "هذه الآيةُ دليلٌ على قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقفنا في خبره؛ لسوَّينا بينه وبين الفاسق" (٢).
وردَّها في أبواب الاعتقاد؛ بدليل تأويله لصفات الله ، مثل: تأويله الاستواء، بالاستيلاء (٣)، والوجه بالذات (٤) ... (٥)، وبهذا خالف ابن عجيبة ما عليه سلف الأُمَّة ووافق المتكلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن (خبر الواحد) إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به أنه يوجب العلم" (٦).
وقال أبو المظفر السمعاني: "إنَّ الخبر الواحد إذا صحَّ عن رسول ﷺ ورواة الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ وتلقته الأُمَّة بالقبول فإنَّه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السُّنَّة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بدَّ من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيءٌ اخترعته القدرية (٧) والمعتزلة (٨)، وكان
стр. 95
قصدهم منه ردَّ الأخبار، وتلقَّفه منهم بعض الفقهاء، الذين لم يكن لهم في العلم قدمٌ ثابت، ولم يقفوا على مقصدهم من هذا القول" (١).
أدلة قبول خبر الواحد منها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢)، "والطائفة في كلام العرب تقع على الواحد، والجماعة، يدلُّ على أنَّ الطائفة يجوز أن تكون واحدًا في هذه الآية، أنه إذا نَفَر واحدٌ من كلِّ قومٍ ونَفَرَ وتفقَّهَ في الدين ورجعَ إليهم وأنذرهم وأعلمهم بما فُرِض عليهم كان عليهم أن يقبلوا قوله وينتهوا إلى ما يخبرهم به، ولا يجوز لهم أن يردوا خبره؛ لأنَّ على العامي أن يقبل قول العالم" (٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ (٤)، وهذه الآية استدل بها ابن عجيبة على قبول خبر الواحد العدل (٥).
وفي القراءة الأخرى (فتثبتوا) (٦)، وهذا يدلُّ على الجزم بقبول خبر الواحد وأنه لا
стр. 96
يحتاج إلى التثبيت، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم، ومما يدلُّ عليه أيضًا أنَّ السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله ﷺ كذا وفعل كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا، وهذا معلومٌ في كلامهم بالضرورة" (١).
أدلة السُّنَّة على قبول خبر الواحد:
١ - قال النبي ﷺ : «بلِّغوا عنِّي ولو آية» (٢).
٢ - قصة العسيف (٣)، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «واغد يا أُنيس-لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (٤)، اعتمد ﷺ خبره فيما اعترفت به على نفسها (٥).
٣ - في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إنَّ النبي ﷺ قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (٦).
وقال الشافعي: "فلمَّا ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها والإمرء واحدٌ دلَّ على أنه لا يأمر أن يؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدَّى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلالٌ، وحرامٌ يُجتنب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يُؤخذ ويُعطى، ونصيحةٌ في دينٍ ودنيا" (٧).
стр. 97
وقال في موضعٍ آخر: "لم أحفظْ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيتِ خبر الواحد" (١).
وقال ابن عبد البر (٢): "أجمع أهلُ العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما- علمت على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كلِّ عصر من لدن الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا" (٣).
الجهة الثالثة: استدلاله بصحيح السُّنَّة على وحدة الوجود (٤)
استدلَّ ابن عجيبة بقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : «وما تقرَّب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولايزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرا ... » (٥)، وفي حديث آخر: «فإذا أحببته كنته» (٦)، (٧).
стр. 98
وهذا الحديث لا دليل فيه للقائلين بوحدة الوجود، بل هو حجَّةٌ عليهم.
قال ابن تيمية ﵀: "والحديثُ حجَّةٌ عليهم من وجوه كثيرة:
- منها قوله: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» فأثبت معاديًا محاربًا ووليًّا غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.
ومنها قوله: «وما تقرَّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه» فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه وربًّا افترض عليه فرائض.
ومنها قوله: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه» فأثبت متقربًا ومُتقربًا إليه ومحبًّا ومحبوبًا غيره، وهذا كلُّه ينقض قولهم: الوجود واحد.
ومنها قوله: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» إلى آخره، فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور، وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد وهو عندهم هذه الأعضاء: بطنه وفرجه وشعره وكل شيء لا تعدد عندهم ولا كثرة في الوجود، ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر؛ فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم" (١).
الجهة الرابعة: الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة
أ- قال ابن عجيبة: "ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من حفظ عن أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء»، وفي رواية «بعثه الله فقيهًا عالمًا» (٢)(٣).
стр. 99
وكذلك قوله: «إنَّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة (١) بالله» (٢)، ولقد شرح ابن عجيبة هذا الحديث المكذوب فقال: "قال بعضهم في شرح الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام (٣) أنكروها ومن جهل شيئًا عاداه" (٤).
وهذه الأحاديث التي يستدلُّ بها الصوفية على عقائدهم الفاسدة هي في حقيقتها باطلة ليس إسنادها ثابتًا باتفاق أهل المعرفة ولم يرو في أمهات كتب الحديث المعتمدة فلا يحتاج إلى الكلام في تفسيره، وإذا قُدِّر أنَّ النبي ﷺ قاله فهو كلامٌ مجملٌ ليس فيه تعيينٌ لقولِ معيَّن فحينئذٍ فما من مدعٍ يدَّعي أن المراد قوله إلا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك (٥).
ب- ذكره لأدعية مبتدعة عند الوضوء:
١ - إذا غسل وجهه قال: «اللهم بيِّض وجهي يوم تبيض وجوه» (٦).
٢ - إذا تمضمض قال: «اللهم لقِّني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة» (٧).
стр. 100
٣ - إذا غسل ذراعيه قال: «اللهم اعطني كتابي بيميني» (١).
٤ - إذا غسل رجليه قال: «اللهم ثبِّت قدمي يوم تزلُّ الأقدام» (٢).
واستدلَّ ابن عجيبة على ذلك بما روي عن علي ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «يا علي إذا قمت لوضوئك فقل: بسم الله العظيم الذي هدانا للإسلام، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإذا غسلت فرجك فقل: اللهم حصِّن فرجي، فإذا تمضمضت فقل: اللهم أعني على تلاوة ذكرك، فإذا استنشقت فقل: اللهم أرحني رائحة الجنة، فإذا غسلت وجهك فقل: اللهم بيِّض وجهي يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه، فإذا غسلت ذراعك اليمنى فقل: اللهم اعطني كتابي بيميني يوم القيامة وحاسبني حسابًا يسيرًا، فإذا غسلت ذراعك اليسرى فقل: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، فإذا مسحت برأسك فقل: اللهم تغشني برحمتك، وإذا مسحت بأذنيك فقل: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فإذا غسلت رجليك فقل: اللهم اجعل سعيي مشكورًا وذنبي مغفورًا وعملي مقبولًا» (٣).
وهذا الحديث باطل، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه علَّمه لصحابته ﵃ الذين لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة من هذا الدين إلا فهموها وعملوا بها فبارك الله لهم في العلم والعمل، ولو كانت هذه الأدعية صحيحة لعملوا بها، ولم يحفظ من سنة رسول الله ﷺ مثل هذه الأدعية.
стр. 101
وهذه الأحاديث سواء الضعيفة، أو الموضوعة، لا يجوز العمل بها ولا يعتقد ما فيها.
قال أبو محمد المقدسي ﵀ (١): "ينبغي أن يُعلم أن ... الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة (٢) ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إمَّا لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلة فيها لا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها، وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولا يجوز الاعتماد على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة" (٤).
وقال تلميذه ابن القيم ﵀: "ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق، لم يقل رسول الله ﷺ شيئًا منه، ولا علَّمه لأُمَّته ولم يثبت عنه غير التسمية في أوله" (٥)، وقال أيضًا: "وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطله، ليس فيها شيءٌ يصح" (٦).
стр. 102
والحقيقة أن مصادر التلقي عند ابن عجيبة لا تعتمد على الكتاب والسُّنَّة وفق منهج السَّلف، وإن ذكر أحاديث صحيحة فهو يذكرها اعتضادًا لا اعتمادًا، بل المصادر المعتمدة هي أذواقٌ، وكشوفاتٌ، ووجد (١)، وهذا هو حال الصوفية وأهل البدع عمومًا.
قال الشاطبي: "ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سَياَّلةٌ لا تقف عند حدٍّ وعلى كلِّ وجه يصح لك زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة، قد رأينا وسمعنا عن بعض الكفَّار أنه استدل على كفره بآيات القرآن كما استدل بعض النصارى على تشريك عيسى ﵇ في الربوبية بقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٢)، واستدلَّ على أنَّ الكفَّار من أهل الجنة بإطلاق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣)، واستدل بعض اليهود على تفضيلهم علينا بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٤) وبعض الحلولية استدلَّ على قوله بقول الله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٥)، والتناسخى استدلَّ بقول الله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٦).
стр. 103
وكذلك كل من اتبع المتشابهات، أو حرَّف المناطات أو حمَّل الآيات ما لا تحمله عند السَّلف الصالح، أو تمسَّك بالأحاديث الواهية أو أخذ الأدلة بباديَ الرأي له أن يستدل على كلِّ فعلٍ أو قولٍ أو اعتقادٍ وافق غرضه بآيةٍ أو حديثٍ لا يفوز بذلك أصلًا، والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآيةٍ أو حديثٍ من غير توقف، فمن طلب خلاص نفسه تثبَّت حتى يتضح له الطريق، ومن تساهل رمته أيدى الهوى في معاطب لا مخلص له منها إلا ما شاء الله " (١).
стр. 104
الفصل الثاني: المصادر الصوفية في التلقي
وفيه خمسة مباحث
المبحث الأول: الكشف
المبحث الثاني: الذوق
المبحث الثالث: الوجد
المبحث الرابع: الرؤى والحكايات
المبحث الخامس: دعوى التلقي عن الخضر ﵇ -
стр. 105
المبحث الأول: الكشف
أولًا: معنى الكشف في اللغة
الكاف والشين والفاء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على الإظهار ورفع شيءٍ عمَّا يواريه ويغطِّيه (١).
ثانيًا: معناه في الاصطلاح
هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الخفية وجودًا أو شهودًا (٢).
ثالثًا: تعريفه عند ابن عجيبة
يعرِّفه بـ"العلم اللدني" وهو: الذي يفيض على القلوب من غير اكتساب ولا علم" (٣)، ويقول: "إن الحق سبحانه قسم الخلق إلى قسمين وفرقهم فرقتين، قسم اختصهم بمحبته وجعلهم من أهل ولايته، ففتح لهم الباب وكشف لهم الحجاب فأشهدهم أسرار ذاته ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته، وقسم يكشف عن قلوبهم السرائر، ويريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام والمنامات الصادقة وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء" (٤).
وتعريف ابن عجيبة للكشف وتقسيمه للخلق فيهم دعوى باطلة قد بين بطلانها أهل العلم.
стр. 106
قال ابن القيم ﵀: "وأمَّا دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال: فليس بصحيح، فإن الله ربط التعريفات بأسبابها، كما ربط الكائنات بأسبابها، ولا يحصل لبشر علم إلا بدليل يدله عليه، وقد أيد الله رسله بأنواع الأدلة والبراهين التي دلَّتهم على أنَّ ما جاءهم هو من عند الله، ودلَّت أممهم على ذلك، وكان معهم أعظم الأدلة والبراهين على أنَّ ما جاءهم هو من عند الله ... فكلُّ علمٍ لا يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها، وحكم لا برهان عند قائله، وما كان كذلك لم يكن علمًا، فضلًا عن أن يكون لَدُنِّيًّا.
فالعلم اللَّدُنِّي: ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله على لسان رسله، وما عداه فلدُنِّيٌّ من لدن نفس الإنسان، منه بدأ وإليه يعود، وقد انبثق سد العلم اللَّدُنِّي، ورخص سعره، حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدُنِّي، وصار من تكلَّم في حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ويلقيه شيطانه في قلبه: يزعم أنَّ علمه لدُنِّي، فملاحدة الاتحادية، وزنادقة المنتسبين إلى السلوك يقولون: إنَّ علمهم لدُنِّي، وقد صنَّف في العلم اللدُنِّي متهوكو المتكلمين، وزنادقة المتصوفين، وجهلة المتفلسفين، وكلٌّ يزعم أنَّ علمه لدُنِّي، وصدقوا وكذبوا فإنَّ اللدني منسوب إلى (لدن) بمعنى عند، فكأنهم قالوا: العلم العندي، ولكن الشأن فيمن هذا العلم من عنده ومن لدنه، وقد ذمَّ الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ليس من عنده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
стр. 107
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١)
فكلُّ من قال: هذا العلم من عند الله -وهو كاذب في هذه النسبة- فله نصيبٌ وافر من هذا الذم، وهذا في القرآن كثير، يذم الله من أضاف إليه ما لا علم له به، ومن قال عليه ما لا يعلم، ولهذا رتَّب المحرمات أربع مراتب، وجعل أشدها: القول عليه بلا علم، فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال، بل هي محرَّمة في كلِّ ملَّة، وعلى لسان كلِّ رسول، فالقائل: إن هذا علمٌ لدُنِّي لما لا يعلم أنه من عند الله، ولا قام عليه برهان من الله أنَّه من عنده: كاذبٌ مفترٍ على الله، وهو من أظلم الظالمين، وأكذب الكاذبين" (٢).
كما يرى ابن عجيبة بأنَّ الكشف حقٌّ لا مرية فيه، وهذا ظاهر في أقواله: "ما أدركته الروح أو السر من المعاني اللطيفة والأسرار القديمة فإنَّ ذلك أذواق وكشوفات ومشاهدات، لا يبقى معها وهمٌ ولا ظنٌّ ولا خاطر" (٣).
وفي قوله أيضًا: "إذا وعدك الحق تعالى بشيءٍ على لسان الوحي أو الإلهام من نبيٍّ أو وليٍّ أو تجلِّي قوي، فلا تشك أيها المريد في ذلك الوعد" (٤).
وقال في موضع آخر: "يقال للعارف (٥) إذا أعرض الخلق عنه، ولم ينفع قلوبهم تذكيره ووعظه: اتبع ما يوحى إليك من وراء الإلهام، فإنَّه حقٌّ في حق الخصوص، إذ لا يتجلَّى في قلوبهم إلا ما هو حق" (٦).
стр. 108
وأنزل ابن عجيبة كشف الولي مكانة ومرتبة عظيمة، بل ذهب إلى أنه محفوظٌ من الشياطين، ويستدل بقول الله ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ (١)، قال: "وحي الإلهام الذي يتنزل على القلوب الصافية من الأغيار كوحي الأحكام ما تتنزل به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون؛ لأنهم ممنوعون من قلوب العارفين؛ لما احتفت به من الأنوار، وما صانها من الأسرار" (٢).
ويصف ابن عجيبة الولي المكاشف بقوله: "أدركت أنوار الملكوت متصلة ببحر الجبروت، وصرت أنت قطب الوجود، تدوِّره بيدك كيف شئت، خليفة الله في أرضه، نقطة دائرة كونه" (٣).
ويوجب ابن عجيبة طاعة الوارد الإلهي، والعقوبة لمن يخالف ذلك، قال: "الوارد الإلهي تجب طاعته؛ لأنه يتجلَّى من حضرة الحق، وهو أمينٌ على ما يأتي به من العلوم" (٤)، وقال: "فإذا تجلَّى فيه شيءٌ بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدَّبه الحقُّ على ذلك إما في ظاهره وهو أخف، وإما في باطنه بالحجبة أو الفرقة، ولقد سمعت شيخ شيخنا العربي الدرقاوي يقول: لي ثلاثون سنة ما خالفت قلبي في شيءٍ إلا أدَّبني الحقُّ تعالى" (٥).
ومن إغراقه فيما يعتقده في الكشف أنه يزعم أنَّ العلم الشرعي حجاب عن الكشف؛ وعلَّل بأنَّ العلماء لم يصلوا لعلم المعاني؛ لأنهم "اشتغلوا بعلم المنقول،
стр. 109
والاطلاع على الأقوال الغريبة، وتحرير المسائل الفرعية والتغلل فيها، وهو سببُ حجاب علماء الظاهر" (١).
وقال: "كان للشبلي (٢) تلميذ، فكساه رجلٌ يومًا جُبَّة، وكان على رأس الشبلي قلنسوة، فخطر على قلب التلميذ محبَّة القلنسوة ليجمعها مع الجُبَّة، فكاشفه الشيخ، فأزال له الجُبَّة، وجمعهما مع القلنسوة، ورمى بهما في النار، وقال له: لا تبق في قلبك التفاتًا لغير الله" (٣).
وغير ذلك من الأقوال التي ملئت بها كتبه.
وهذه الأقوال التي ذكرها ابن عجيبة عن الكشف حوت الكثير من المآخذ العقدية:
ومنها: زعمه الوصول عن طريق الكشف لعلم الغيب.
ولا شكَّ في بطلان هذا القول فعلم الغيب لله وحده لم يُطلع عليه أحدًا من عباده إلا من ارتضى من رسول قال الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (٤).
قالت عائشة ﵂ في حق النبي ﷺ : «ومن حدَّثك أنَّه يعلم الغيب فقد كذب» (٥).
стр. 110
إنَّ ما يزعمه من هذه المكاشفات التي يختصُّ بها الأولياء هي في الحقيقة منازعة لله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والله هو المتصرِّف في هذا الكون لا يشاركه ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١).
وكذلك أقرَّ بما يُسمَّى بالمعرفة الاستشراقية (٢)، وهي التي عبّر عنها بالنور الذي يشرق على القلب نتيجة تصفيته من الأغيار عن طريق المجاهدة والرياضة وخرق العوائد، وما هي إلا خيالات فاسدة وأحوال شيطانية ومن تلاعب الشيطان بهم.
قال ابن تيمية ﵀: "فإنهم يدخلون في أنواع من الخيالات الفاسدة، والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم ... وكثيرًا ما تتخيَّل له أمور يظنُّها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه، فيسمع خطابًا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنُّه من الله تعالى، حتى إنَّ أحدهم يظنُّ أنه يرى الله بعينه، وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران، ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم وهو يظنُّه من كرامات الأولياء" (٣).
رابعًا: ذكره للعلوم الغيبية التي تحصل عن طريق الكشف
يقول: "ويكاشف له (٤) عن حقيقة الذات، وهذا من خصائص القطبانية، إذ