فمن أشرك مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: (لا إله إلا الله) ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك" (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢): "فاعلم أنَّ معنى الإله هو المعبود؛ هذا هو تفسير هذه اللَّفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئًا فقد اتخذه إلهًا من دون الله، وجميع ذلك باطلٌ إلا إله واحد، وهو الله وحده، ﵎ علوًّا كبيرًا" (٣).
ثانيًا: معنى الإله عند ابن عجيبة
قال ابن عجيبة: "حقيقة الإله هو: الواجب الوجود، المستحق للعبادة" (٤).
وقال في موضع آخر: "والإله لا بدَّ أن يكون واجب الوجود" (٥).
وعند سبر أقواله في حقيقة الإله نجد فيه حقًّا وباطلًا، فأمَّا الحقُّ فهو ذكره بأنَّ الإله هو المستحق للعبادة، وهذا بلا شكٍّ حقٌّ وصدق، فقد وافق ما عليه القرآن العظيم وما دعت إليه رسل الله عليهم الصلاة والسلام وما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.
стр. 317
وأمَّا الباطل فهو تفسيره للإله بأنَّه واجب الوجود، خلافًا للمعنى الصحيح الذي دلَّت عليه النصوص وقرَّره علماء أهل السُّنَّة والجماعة، وهو أنَّ الإله بمعنى المعبود، يقال: أله يأله إلهةً وألوهيةً: بمعنى عبد عبادة (١).
ولا يُسلَّم له هذا التفسير؛ لتضمُّنه ما هو حقٌّ وباطل.
قال الشيخ البرَّاك: "الإخبار عن الله تعالى بأنَّه واجب الوجود يراد به أنَّ وجوده سبحانه لذاته، فيستحيل عليه العدم أزلًا وأبدًا، بخلاف المخلوق فإنه ممكن الوجود أو جائز الوجود، أي يجوز عليه الوجود والعدم، ووجوده لا لذاته، بل بإيجاد الله تعالى.
فالوجود نوعان: واجبٌ وممكن، فالأول: وجود الله تعالى، والثاني: وجود كل مخلوق سوى الله تعالى؛ لأنَّ كلَّ مخلوق مسبوق بالعدم، ويجوز أن يلحقه فناء "فالأشياء في حكم العقل ثلاثة: واجبٌ وممكنٌ وممتنع، فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم، والممكن ما يقبل الوجود والعدم، والممتنع: ما لا يقبل الوجود" (٢).
ولفظ (واجب الوجود) لم يرد في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله ﷺ ، وقد استحدثه الفلاسفة (٣) المتأخرون.
يقول شيخ الإسلام ﵀: وأمَّا الكلام بلفظ (الواجب الوجود)، و (ممكن
стр. 318
الوجود): فهذا من كلام ابن سينا (١) وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلِّمين، فإنَّهم قسموا الوجود إلى قديمٍ ومحدث، وقسَّمه هو إلى واجبٍ وممكن، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول (٢).
وقصد شيخ الإسلام أنَّ هؤلاء المعطِّلة يحاولون أن يثبتوا أنَّ الله تعالى واجبٌ وجوده، ولكنَّهم لأجل تعطيلهم جعلوا الله تعالى ممتنع الوجود؛ لأنَّهم وصفوه بصفات المعدوم والممتنع.
فدليلهم الذي أقاموه على إثبات كون الله تعالى واجب الوجود هو في الحقيقة دليلٌ على كون الله تعالى ممتنع الوجود، فقد هدموا بنيانهم بأيديهم.
وعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة هي وصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله ﷺ ، أمَّا ما لم يرد ذكره في الكتاب والسُّنَّة فيجوز الأخبار عنه إذا كان المعنى صحيحًا.
ثالثًا: معنى توحيد الألوهية
الذي دلَّت عليه أقوال ابن عجيبة عند ذكره لمعنى الألوهية أنَّه يفسِّرها بتوحيد الربوبية سائرًا على مذهب أهل الكلام، إذ قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٣)، فقول صالح ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
стр. 319
"هذا إفراد الحق بالربوبية" (١).
وابن عجيبة خالف المعنى المقصود لكلمة التوحيد، وفسَّرها بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية ليس له ذكر في معتقده، فعندما فسَّر قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) قال: "يعني: أنَّ التوحيد مما أجمعت عليه الرُّسل والكتب السماوية، والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلِّم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله ذوقًا ووجدًا وعقدًا ... أي: في مقام الفناء والبقاء انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين" (٣).
وبهذا التعريف للتوحيد لم يذكر شيئًا عن توحيد الألوهية، بل هذا التقسيم يقرر فيه نفي الأسباب وهي عقيدة الجبر (٤)، رغم أنَّه أثبت الوحدانية في أفعال الله ، ولكن لا يلبس علينا هذا الأمر فعند سبر أقواله التي مرَّت معنا ظهر تصريحه بأنَّ الأولياء لهم التصرُّف في الكون، وهذا شركٌ في الربوبيَّة.
وقد ظهر من خلال تقريرات ابن عجيبة لمعنى (لا إله إلا الله) التناقض والاضطراب، وكثرة الخطأ كما يلي:
فسَّرها بتفسير الأشاعرة، بقوله: المستغني عمَّا سواه، المفتقر إليه كلُّ من عاداه،
стр. 320
ومن أبرز القائلين بهذا التفسير من الأشاعرة السَّنوسي (١) في أمِّ البراهين (٢).
وفسَّرها بتفسير أهل الحلول والاتحاد.
وفسَّرها بلا موجود إلا الله.
وفسَّرها بالمعنى الظاهر.
وبيَّن ابن عجيبة معنى (لا إله إلا الله) الظاهر الذي التزم على نفسه بأن يفسره، وقرَّر أنَّ لها تفسيران، تفسيرٌ لأهل الظاهر وآخر لأهل الباطن، وهو لا يعتقد بأنَّ هناك عابدًا ومعبودًا ولو اعتقد ذلك لفسد الذي قرره بأنه لا يرى موجودًا إلا الله، فمن عبد الشجر أو غيرها من المعبودات الباطلة فقد عبدَ اللهَ عنده، تعالى الله عمَّا يقول، قال ابن تيمية: "وهذا ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أنه ما ثم موجود إلا الله ويقولون: ليس إلا الله أي ليس موجود إلا الله، ويقولون: إنَّ وجود المخلوقات هو وجود الخالق والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق والعبد هو الرَّبُّ والرَّبُّ هو العبد ونحو ذلك من معاني الاتحادية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق ولا يثبتون المباينة بين الرَّبِّ والعبد" (٣).
وقال أيضًا: "لا موجود إلا الله وأنَّ وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرَّب والعبد فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد" (٤).
стр. 321
ومقصود ابن عجيبة أنَّ كل موجود في الكون له هذه الصفات التي انفصلت من الذات الإلهيَّة، وسمَّاها عالم الملكوت، والذي ينظر لباطن هذه الموجودات لا يرى إلا الله، ولا شكَّ أنَّ مجرد تصور هذه العقيدة كاف بالعلم بفسادها، لذلك قال:
"إنَّ الحق ﷻ محيطٌ بكلِّ شيء، فأسرار ذاته العليَّة أحاطت بالوجود بأسره، فما فوق العرش هو عين ما تحت الثرى، فلو صعد أحدٌ إلى ما فوق العرش لوجد الله، ولو هبط إلى ما تحت الأرض السُّفلى لوجد الله؛ إذ عظمته أحاطته بكلِّ شيء، ومحت وجود كلِّ شيء، واعلم أنَّ الحق ﷻ منفرد بالوجود، لا شيء معه، غير أنَّ عظمة الذات الخارجة عن دائرة قبضة التكوين باقية على أصلها من اللطافة والكنزية، والعظمة الداخلة في القبضة حين دخلها التكثيف، وتحسَّست ليقع بها التجلِّي، استترت وتردّت برداء الكبرياء، فظهر فيها الضدان: العبودية والربوبية، والحس والمعنى، والقدرة والحكمة، فاستترت الربوبية برداء الكبرياء، فكان من اصطلاح الوحي التنزيلي أن يُخبر عن العظمة الأصلية، وينعت أوصافها، ويسكت عن العظمة الفرعية، التي وقع بها التجلِّي، سترًا لسرِّ الربوبية أن يظهر، إذ لو ظهر لفسد نظام عالم الحكمة، ولذلك قال سهل (١): للألوهية سرٌّ لو انكشف لبطلت النبوات، وللنبوات سرٌّ لو انكشف لبطل العِلم، وللعلم سرٌّ لو انكشف لبطلت الأحكام، فَسِرُّ الألوهية هو قيامها بالأشياء، وظهورها بها، بل لا وجود للأشياء معها، فلو انكشف هذا السرُّ لجميع الناس لاستغنوا عن العبادة والعبودية، ولبطلت أحكام النبوة؛ إذ النبوة إنما هي لبيان العبادة وآداب العبودية، وعند ظهور
стр. 322
هذا السر يقع الاستغناء عن تلقي الوحي، وأيضًا ليست القلوب كلها تقدر على حمل هذا السر، فلو تجلَّى للقلوب الضعيفة لوقع لها الدهش والحيرة، وربما أدَّاها إلى التلف.
وسرُّ النبوات هو: سدل الحجاب بين الله وعباده، حتى يفتقر الناس إلى تلقِّي العلم بواسطة النبوة، فلو انكشف هذا الحجاب لوقع الاستغناء عن النبوة، لتلقِّيه حينئذٍ كشفًا بدونها من غير تكلُّف، وسر العلم هو إبهام العواقب، فلو انكشف هذا السرُّ وعرف كلُّ واحدٍ مآله للجنَّة أو النار لبطلت الأحكام؛ إذ مَن عرف أنه للجنَّة قطعًا استغنى عن العبادة، ومَن عرف أنه للنَّار قطعًا انهمك في المعاصي، فأخفى الله هذا السرَّ ليعمل كلُّ واحدٍ على الرجاء والخوف" (١).
ولذلك انحرفوا حتى في العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله ، فهذا هو قول أهل الوحدة الذين جوَّزوا أن يعبد كل شيء، قال ابن تيمية: "فإنهم أجمعوا على كلِّ شرك في العالم، وعدلوا بالله كل مخلوق، وجوَّزوا أن يعبد كل شيء، ومع كونهم يعبدون كل شيء فيقولون: ما عبدنا إلا الله، فاجتمع في قولهم أمران: كل شرك، وكل جحود وتعطيل مع ظنهم أنهم عبدوا الله" (٢).
كما أنَّ ابن عجيبة يعيب على الزُّهَّاد والعباد بأنهم لم يفهموا العبادة فحجبوا بعبادتهم وزهدهم فقال: "ولو عرفوا الله في كلِّ شيءٍ ما استوحشوا من شيء، ولأنسوا بكلِّ شيء ... " (٣)، وهذه هي عين عقيدة الحلول (٤) التي ضلَّت بسببها الصوفية قرونًا عديدة.
стр. 323
والمقصود هنا بيان ما خالف ابن عجيبة أهل السُّنَّة والجماعة في قضية من أكبر القضايا التي ما بعث الرُّسُل ﵈ إلا لأجلها وهي توحيد العبادة.
ولهذا اعتنى أهل السُّنَّة والجماعة عناية خاصَّة بتوحيد الألوهية وبيَّنوه غاية البيان، فهو الغاية التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم، ونجاتهم بتحقيق معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحقٍّ إلا الله.
قال ابن القيم: "فهو التوحيد الذي جاءت به الرُّسُل من أولهم إلى آخرهم، ونزلت به الكتب كلها، وبه أمر الله الأولين والآخرين، وذكر الآيات الواردة بذلك.
ثم قال: وقد أخبر الله عن كل رسول من الرُّسُل أنَّه قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١).
والتوحيد أوَّلُ دعوة الرُّسُل وآخرها، قال النبي ﷺ : «أمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله» (٢) وقال: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله، دخل الجنَّة» (٣) , والقرآن مملوءٌ من هذا التوحيد، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الآخرة به، وحقيقته: إخلاص الدين كله، والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء، وحقيقته: أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه، وأمرنا تعالى أن نتأسى بإمام هذا التوحيد في نفيه وإثباته، كما
стр. 324
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٢).
والخليلان هما أكمل خاصَّة الخاصة توحيدًا، ولا يجوز أن يكون في الأُمَّة من هو أكمل توحيدًا من نبيٍّ من الأنبياء، فضلًا عن الرُّسُّل، فضلًا عن أولي العزم، فضلًا عن الخليلين" (٣).
وقال أيضًا: وإنَّ هذا توحيد خاصَّة الخاصة، الذي لا شيء فوقه، ولا أخص منه، وأنَّ الخليلين أكمل الناس فيه توحيدًا، فليهن العامة نصيهم منه (٤).
وقال: "ولظهوره وجلائه أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وأمر الله به الأولين والآخرين من عباده، وأمَّا الرَّمز والإشارة والتعقيد الذي لا يكاد أن يفهمه أحدٌ من الناس إلا بجهد وكلفة فليس مما جاءت به الرُّسُل، ولا دعوا إليه، فظهور هذا التوحيد وانجلاؤه ووضوحه وشهادة الفطر والعقول به من أعظم الأدلة أنه أعلى مراتب التوحيد، وذروة سنامه، ولذلك قوي على نفي الشرك الأعظم، فإنَّ الشيء كُلَّما عظم لا يدفعه إلا العظيم، فلو كان شيء أعظم من هذا التوحيد لدفع الله به الشرك الأعظم، ولعظمته وشرفه نُصبت عليه القبلة، وأُسِّست عليه الملَّة، ووجبت به الذمة، وانفصلت به دار الكفر من دار الإسلام، وانقسم به الناس إلى سعيد وشقي، ومهتد وغوي، ونادت عليه الكتب والرُّسُل" (٥).
стр. 325
ولقد تواطأ أهل العلم المحققون في الرَّد على من فسَّر توحيد الألوهية بالربوبية.
قال ابن تيمية: "الذين يقولون: (التوحيد) هو توحيد الربوبية، و (الإلهية) عندهم هي: القدرة على الاختراع، ولا يعرفون توحيد الإلهية، ولا يعلمون أنَّ الإله هو المألوه المعبود، وأنَّ مُجرَّد الإقرار بأنَّ الله رَبُّ كل شيءٍ لا يكون توحيدًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١)، قال عكرمة (٢): تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره، وهؤلاء يدَّعون التحقيق والفناء في التوحيد ويقولون إنَّ هذا نهاية المعرفة وإنَّ العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة، وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار (٣) من شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام ... فإنَّ هؤلاء المشركين كانوا مقرين بأنَّ الله خالق السموات والأرض وخالقهم وبيده ملكوت كل شيء بل كانوا مقرين بالقدر أيضًا فإنَّ العرب كانوا يثبتون القدر في الجاهلية وهو معروف عنهم في النظم والنثر ومع هذا فلما لم يكونوا يعبدون الله وحده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرًّا من اليهود والنصارى، فمن كان غاية توحيده وتحقيقه هو هذا التوحيد كان غاية توحيده توحيد المشركين.
وهذا المقام مقام وأيّ مقام زلَّت فيه أقدام، وضلَّت فيه أفهام، وبُدِّل فيه دين
стр. 326
المسلمين، والتبس فيه أهل التوحيد بعبَّاد الأصنام على كثيرٍ ممَّن يدعون نهاية التوحيد والتحقيق والمعرفة والكلام" (١).
ثالثًا: معنى لا إله إلا الله
قال ابن عجيبة: "لا إله إلا الله، لا مستحق للعبادة إلا الله الواجب الوجود، أو المستغني عن كلِّ ما سواه، والمفتقر إليه كلُّ ما عداه" (٢).
وقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣): "اللَّهُ الواجب الوجود لا يستحق العبادة غيره" (٤).
وقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٥): "أي لا معبود بحقٍّ إلا هو، ولا المستحق للعبادة إلا هو، وهو تصريح بما تضمَّنه ما قبله من اختصاص الألوهية به ، فإنَّ ما أُسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية" (٦).
وابن عجيبة لم يوفق للمعنى الصحيح لها فهو يفسِّرها بتوحيد الربوبية، فهو مطرد مع قوله السابق في بيان معنى الألوهية وقد تمَّ الرد عليه مما أغنى عن التكرار.
стр. 327
رابعًا: أعلى درجات التوحيد عند ابن عجيبة
يزعم ابن عجيبة أنَّ توحيد الخاصَّة أعلى درجات التوحيد إذ يقول: "الطريق المستقيم الذي أمرنا الحق بطلبها هي: طريق الوصول إلى الحضرة، التي هي العلم بالله على نعت الشُّهود والعيان، وهو مقام التوحيد الخاص الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد" (١).
وهذا التوحيد الذي ذكره وزعم أنه توحيد الخاصَّة هو الذي بيَّنه الهروي في منازل السائرين بقوله: "وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه، واستحقه بقدره وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته، وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثِّه، والذي يشار به على ألسُن المشيرين، أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم، على أنَّ هذا الرَّمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها ... هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق، وإن زخرفوا له نعوتًا، وفصَّلوه تفصيلًا، فإنَّ ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاءً والصفة نورًا والبسط صعوبةً، وإلى هذا التوحيد شخص أهل الرياضة وأرباب الأحوال، وإليه قصد أهل التعظيم، وإياه عني المتكلمون في عين الجمع (٢)، وعليه تصطلم (٣) الإشارات، ثم لم ينطق عنه لسان ولم تشر إليه عبارة؛ فإنَّ التوحيد وراء ما يشير إليه سكونٌ أو يتعاطاه حينٌ أو يقله سبب" (٤).
стр. 328
وردَّ عليه شيخ الإسلام فقال: "وأمَّا التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه واستحقه بقدره ... إلى آخر كلامه (١) وقد تقدَّم حكايته فهؤلاء هم الذين أنكر عليهم أئمة الطريق كالجنيد وغيره، حيث لم يفرِّقوا بين القديم والمحدث، وحقيقة قول هؤلاء: الاتحاد والحلول الخاص من جنس قول النصارى في المسيح، وهو أن يكون الموحِّد هو الموحَّد ولا يوحِّد الله إلا الله، وكل من جعل غير الله يوحِّد فهو جاحد عندهم ... وحقيقة الأمر: أنَّ كلَّ من تكلَّم بالتوحيد أو تصوره وهو يشهد غير الله فليس بموحِّد عندهم، وإذا غاب وفني عن نفسه بالكلية فتمَّ له مقام توحيد الفناء الذي يجذبه إلى توحيد أرباب الجمع، صار الحق هو الناطق المتكلِّم بالتوحيد، وكان هو الموحِّد، وهو الموحَّد، لا موحَّد غيره.
وحقيقة هذا القول لا يكون إلا بأن يصير الرَّبُّ والعبد شيئًا واحدًا، وهو الاتحاد فيتحد اللاهوت والناسوت، كما يقول النصارى: إنَّ المتكلِّم بما كان يسمع من المسيح هو الله، وعندهم أنَّ الذين سمعوا منه هم رُسل الله، وهم عندهم أفضل من إبراهيم وموسى ﵉.
ولهذا تكلَّم بلفظ اللاهوت والناسوت طائفة من الشيوخ الذين وقعوا في الاتحاد والحلول مطلقًا ومعيَّنًا، فكانوا ينشدون قصيدة ابن الفارض، ويتحلَّون بما فيها من تحقيق الاتحاد العام، ويرون كلَّ ما في الوجود هو مجلي ومظهر ظهر فيه عين الحق، وإذا رأى أحدهم منظرًا حسنًا أنشد:
يتجلَّى في كلِّ طرفةِ عينٍ ... بلباسٍ من الجَمَالِ جديدِ" (٢)
стр. 329
ويقرر ذلك في موضع آخر في شرحه للأبيات التالية:
أربٌّ، وعبدٌ، ونفي ضدِّ؟ ... قلتُ له: ليس ذاك عندي
فقال: ما عندكم؟ فقلنا: ... وجودُ فقْدٍ، وفَقْدُ وَجْد
توحيدُ حقٍّ بتركِ حقٍّ ... وليس حقٌّ سواىَ وَحْدِي
ويشرح ابن عجيبة الأبيات بقوله: "ومعناها الإنكار على من أثبت الفرق، بأن جعل للعبودية محلًّا مستقلًّا منفصلًا عن أسرار معاني الربوبية قائمًا بنفسه، ولا شكَّ أنَّ العبودية تضاد أوصاف الربوبية على هذا الفرق، وأنت تقول في توحيد الحق: لا ضدَّ له، فقد نقضت كلامك، ولذلك قال: ونفي ضدِّ؟ فالواو بمعنى مع، وهو داخل في الإنكار، أي أيوجد ربٌّ وعبدٌ مستقلٌّ مع نفي الضدِّ للربوبية، والعبودية تضاد أوصاف الربوبية، والحقُّ أنَّ الحق تعالى تجلَّى بمظاهر الجمع في قوالب الفرق، ظهر بعظمة الرُّبوبيَّة في إظهار قوالب العبودية، فلا شيءَ معه" (١).
وابن عجيبة يغفل توحيد الألوهية، ويظهر ذلك من تقسيماته للتوحيد كما تقدم في مبحث سابق، فتوحيد الأفعال عند المتكلِّمين يقابله توحيد الرُّبوبيَّة عند أهل السُّنَّة والجماعة، وتوحيد الذات والصفات عند المتكلِّمين يقابل توحيد الأسماء والصفات عند أهل السُّنَّة والجماعة (٢).
خامسًا: العبادة
العبادة: مصدر عَبَد يعبُدُ عبادةً أي: أطاع، وهذا المصدر مأخوذٌ من مادة (ع ب د) التي تدلُّ على معنيين: الأولُ لينٌ وذلٌّ، والآخر شدَّةٌ وغِلَظٌ، ولا يُقال عَبَدَ
стр. 330
يَعْبُدُ عِبَادَةً إلَّا لِمَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، ومنه: تَعَبَّدَ يَتَعَبَّدُ تَعَبُّدًا، فالمُتَعَبِّدُ: المُتَفَرِّدُ بالعِبَادَة، ومنه أيضًا: الطريقُ المُعبَّد وهو المسلوك المذلَّل، وأصلُ العبودية الخضوعُ والذُّل (١).
وهذا التعريف اللُّغوي يوافق التعريف الشرعي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "العبادة هي غاية الذُّلِّ مع غاية الحب" (٢).
"وهي اسمٌ يجمع كمال الحُبِّ لله ونهايته وكمال الذُّلِّ لله ونهايته، فالحُبُّ الخليُّ عن ذلٍّ والذلُّ الخليُّ عن حُبٍّ لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين" (٣).
وأخذ ذلك تلميذه ابن القيم وعرَّفها في منظومته النونية بقوله:
وعبادةُ الرحمنِ غايةُ حُبِّهِ ... مع ذُلِّ عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبان
ومدارُه بالأمرِ أمر رسولِهِ ... لا بالهوى والنَّفسِ والشيطانِ (٤)
وعرَّفها ابن عجيبة بقوله: "هي غايةُ الخضوع والتذلُّل، ومنه طريقٌ مُعَبَّد أي: مُذلَّل" (٥).
وقد وافق ابنُ عجيبة أهلَ السُّنَّة والجماعة في التعريف ظاهرًا، أمَّا في التطبيق فخالف الصواب ولم يعتنِ بشروطها من الإخلاص والمتابعة، وأورد تقسيمات مبتدعة لا أصل لها في الشرع كما يظهر في النماذج التي ذكرها وهي:
стр. 331
نماذج من العبادات عند ابن عجيبة:
١ - (الإخلاص)
تعريف الإخلاص لغةً وشرعًا:
تعريف الإخلاص لغة: قال ابن فارس: "الخاء واللام والصاد أصلٌ واحدٌ مطرد، وهو تنقيةُ الشَّيءِ وتهذيبه، يقولون: خلَّصه من كذا وخلص هو، وخلاصة السَّمن: ما ألقي فيه من تمرٍ أو سويقٍ ليخلص به" (١).
وقال ابن منظور (٢): " ... وأخلصه وخلَّصه، وأخلص لله دينه: أمحضه، وأخلص الشيء: اختاره، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء ... " (٣).
تعريف الإخلاص في الشرع:
قال ابن أبي العز: "والإخلاص: خلوُّ القلبِ من تألُّه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته فخلص لله فلم يتمكَّن منه الشيطان" (٤).
وقال الشوكاني: "الإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه" (٥).
الإخلاص وأنواعه عند ابن عجيبة.
عرَّفه ابن عجيبة بقوله: "هو إخراج الخلق من معاملة الحق ومن جملة النَّفس، فلا يُطلب لها عوضًا ولا جزاء" (٦).
стр. 332
ويقول شارحًا لتعريفه: "كيف تطلب العوض عن عمل لست له فاعلًا" (١).
وكيفية تحقيق الإخلاص يكون بتخريب الظاهر، وهو بذلك يدعو لطريقة الملامتية (٢).
قال: "الإخلاص لا يتحقَّق ذوقًا إلا بإظهار ما ينافيه من الأغاليط، ومرجعها إلى تخريب الظاهر، إذ بقدر ما يخرب الظاهر يعمر الباطن، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن" (٣).
وقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤): والعمل الصالح هو الذي يصحبه الإخلاص في أوله، والإتقان في وسطه، والغيبة عنه في آخرة" (٥).
وذكر حكاية على ذلك:
فقال: "حُكي عن بعض الفضلاء أنه كان في بعض الأيام قاعدًا على الدرس، وإذا به قد أراد أن يُحوِّل ثوبه، وأومأ إليه وتحرَّك، ثم رجع عنه وجعل يستغفر الله
стр. 333
تعالى، فسئُل عن ذلك فقال: قد كانت مني التفاته إلى ثوبي فوجدتني قد لبسته مقلوبًا فعزمت على تعديله ثم فكَّرت أنِّي قد لبسته حين قمت من الفراش بنيَّة ستر العورة، فاستغفرت الله تعالى مما أردت فعله، وعلَّق ابن عجيبة على هذه الحكاية بقوله: إنما استغفر لأنَّه قد تكون لم تحصل له النية بحضرة من كان معه في الوقت (١)، أو خاف أن يشوبه بشيءٍ ما لأجل حضورهم، وهذه الطائفة تأخذ بالحزم ومهما وقع لهم بشيءٍ مما يكدر نيتهم تركوا ذلك البتَّه" (٢).
وهذا نقل عن مجهول فكيف يقبل هذا؟ ولكنَّه سمةٌ من سمات منهجة في جعل الحكايات من مصادره كما مرَّ معنا أثناء الحديث عن مصادر التلقِّي.
أنواع الإخلاص:
الإخلاص على ثلاث درجات: درجة العوام، والخواص، وخواص الخواص، فإخلاص العوام هو: إخراج الخلق من معاملة الحق، مع طلب الحظوظ الدنيوية والأخروية، كحفظ البدن والمال وسعة الرزق والقصور والحور، وإخلاص الخواص: طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية، وإخلاص خواص الخواص، إخراج الحظوظ بالكليَّة فعبادتهم تحقيق العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، أو محبة وشوقًا إلى رؤيته" (٣).
стр. 334
بل لا يتحقق الإخلاص حتى تسقط المنزلة عند الناس كما زعم بقوله: "وقال بعض العارفين: لا يتحقق الإخلاص حتى يسقط من عين الناس، ويسقط الناس من عينه، ولذلك قال آخر: كُلَّما سقطت من عين الخلق عظمت في عين الحق، وكُلَّما عظمت في عين الخلق سقطت من عين الحق، يعني ملاحظتهم ومراقبتهم، وسمعت شيخنا يقول: ما دام العبدُ يراقب الناس ويهابهم لا يتحقق إخلاصه أبدًا" (١).
وتعليق ابن عجيبة على أنه لا ينتقل من عمل هو فيه إلى عمل آخر بحجة الوقت، هو تجريد الإنسان من الإرادة الموافقة للشرع، وهذا من الباطل الذي لا يقره من معه مسكة عقل.
قال ابن تيمية: "وأمَّا خلو الإنسان عن الإرادة مطلقًا فممتنع؛ فإنه مفطورٌ على إرادة ما لا بدَّ له منه، وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه، والزاهد الناسك إذا كان مسلمًا فلا بدَّ أن يريد أشياء يحبها الله مثل أداء الفرائض وترك المحارم، بل وكذلك عموم المؤمنين لا بدَّ أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله، وإلا فمن لم يحب الله ولا أحب شيئًا لله، فلم يحبّ شيئًا من الطاعات، لا الشهادتين ولا غيرهما، ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنًا، فلا بدَّ لكلِّ مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله ... وأمَّا الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين:
(أحدهما) مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد يعلم كثيرًا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها وإذا اقتتل المسلمون والكفَّار لم يكن مريدًا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله.
стр. 335
و (الوجه الثاني) يقع من كثير من الزُّهَّاد العُبَّاد الممتثلين لما يعلمون أنَّ الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أنَّ الله نهى عنه، وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهي عنها، فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم العلم، وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدَّرة، وقد يعاونون عليها، ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرِّضا بكلِّ حادث، بل والمعاونة عليه. وهذا موضعٌ يقع فيه الغلط فإنَّ ما أحبه الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبه الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله.
وأمَّا ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال التي لا تكليف فيها مثل أفعال النائم والمجنون، فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضًا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها.
وأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها بل هو شامل لجميع المخلوقات, والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته ... وقول من قال: إنَّ العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل لا يصح ولا يسوغ على الإطلاق عن أحد من المسلمين، وإنما يقال ذلك في بعض المواضع، ومع هذا فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه، وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبَّه، فلا بدَّ أن يحب ما أحبَّه الله، ويبغض ما أبغضه الله" (١).
وتجريد الإنسان من الإرادة وقع فيه الكثير من الصوفية، قال ابن تيمية: "وهذا الموضع يلتبس على كثير من السالكين، فيظنون أنَّ الطريقة الكاملة ألا يكون للعبد إرادة أصلًا، وأن قول أبي يزيد (٢): "أريد ألا أريد" -لمَّا قيل له: ماذا تريد؟ - نقصٌ
стр. 336
وتناقض؛ لأنَّه قد أراد، ويحملون كلام المشايخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقًا، وهذا غلطٌ منهم على الشيوخ المستقيمين، وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقًا فإنَّ هذا غلطٌ ممن قاله فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور.
فإنَّ الحيَّ لا بدَّ له من إرادة، فلا يمكن حيًّا ألا تكون له إرادة، فإنَّ الإرادة التي يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو فاسق أو عاص إن كانت واجبة، وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركًا لما هو خير له" (١).
ومما لا شكَّ فيه أنَّ مبنى الأعمال على الإخلاص (٢) هو أصلٌ لكلِّ خير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنَّ الشيطان جعل لكلِّ شيءٍ من الخلق نظيرًا في الباطل، فإنَّ أصل الشرِّ هو الإشراك بالله كما أنَّ أصل الخير هو الإخلاص لله؛ فإن الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وحده لا يشركوا به شيئًا وبذلك أرسل الرُّسُل، وبه أنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤).
стр. 337
أمَّا إسقاط المنزلة بين الناس لأجل التواضع والإخلاص فمقلوبة على ابن عجيبة بكلام أهل التحقيق من العلماء.
يقول ابن رجب ﵀: "والإنسان قد يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يُرى أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء ... قال مطرّف بن عبد الله الشخِّير (١): كفى بالنَّفس إطراءً أن تذمَّها على الملأ، كأنَّك تريد بذمِّها زينتها، وذلك عند الله سفه" (٢).
وما سلكه ابن عجيبة من تخريب الظاهر ليحقق الإخلاص لا يوجد له أصلٌ في الكتاب والسُّنَّة ولا من أقوال سلف الأُمَّة، بل ناشئٌ من الجهل بأمرين: جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس وكمالها، وبه زينتها وجمالها.
وتخريب الظاهر منهيٌّ عنه في الكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، (٤).
قال المناوي (٥): " ... وقد أمر الشارع بالتوسُّط بين التفريط والإفراط حتى في
стр. 338
العبادة، وفيه ردٌّ على من تحرَّى من الصوفية لبس الصوف دائمًا ومنع نفسه من غيره وألزمها زيًّا واحدًا وعمد إلى رسوم وأوضاع وهيئات، ويرى الخروج عنها منكرًا، وقد كان المصطفى ﷺ يلبس ما وجد، فلبس الكِتَّان والصوف والقطن، وما الهدي إلا هديه، وما الأفضل إلا ما سنَّه، وهو لبس ما تيسَّر من الوسط المعتدل صوفًا تارةً وقطنًا طورًا وكتانًا أخرى ... " (١).
ولقد سمّى ابن تيمية هؤلاء بالملامية "الذين كانوا يخفون حسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ولبس العمامة فهذا قريب، وصاحبه مأجور على نيته؛ ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة، ثم زاد الأمر ففعل قومٌ المحرمات من الفواحش والمنكرات وترك الفرائض والواجبات، وزعموا أنَّ ذلك دخول منهم في (الملاميات)، ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة، وتجب عقوبتهم جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة أو فجور" (٢).
بل نجد ابن تيمية مع رده للمعنى الباطل للملامية يردهم للمعنى الصحيح الوارد في الشرع، وبهذا يحصل الفرق بين (الملامية) الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك وبين (الملامية) الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك" (٣).
وأمَّا تقسيم الإخلاص إلى درجات فلم يرد لا في كتاب الله ولا في سُنَّته، ولم يقل به أحدٌ من العلماء المشهود لهم باستنادهم على الكتاب والسُّنَّة وفق
стр. 339
فهم سلف الأُمَّة، ورحم الله القرافي (١) إذ قال: "وأصل كلِّ فسادٍ في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أنَّ أصل كلِّ خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت، والله تعالى هو المعين على الخير كله" (٢)، والعلم الصحيح هو المستند على الكتاب والسُّنَّة وفق فهم الصحابة والتابعين ﵃، ولو اتبع ابن عجيبة هديهم لما آل به هذا الحال، وقوله في موضع آخر يبيِّن أنَّ الأعمال والطاعات ليست من إرادة العبد، بل يقرر عقيدة الجبر، وليس للعبد أي تدبير، قال: "أن لا يرى لنفسه حولًا ولا قوةً لا في عمل ولا في حال ولا في مجاهدة ولا مكابدة بل ما يبرز منها الأعمال أو من الأحوال رآه منَّة من الله وهدية إليه" (٣).
وهذا من مغالطات المتصوفة الذين ردَّ عليهم ابن تيمية بقوله: "وقد يغلطون أيضًا في ظنِّهم أنهم يعبدون الله بلا حظٍّ ولا إرادة، وأنَّ كلَّ ما يطلب منه فهو حظُّ النفس، وتوهموا أنَّ البشر يعمل بلا إرادة ولا مطلوب ولا محبوب، وهو سوء معرفة بحقيقة الإيمان والدين والآخرة" (٤).
стр. 340
٢ - الدعاء
تعريف الدعاء لغةً:
الدعاء مصدر الفعل دعا، قال ابن منظور: "دعا الرَّجُلُ دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم الدعوة، ودعوت فلانًا: أصحْتُ به واستدعيته" (١)، و"دَعاهُ دُعاءً ودعوى، حكاه سيبويه (٢) في المصادر التي آخرها ألف التأنيث" (٣)، "والدعاء واحدُ الأدعية، وأصله دعاو؛ لأنه من دعوت، إلا أنَّ الواو لمَّا جاءت بعد الألف هُمِزَت" (٤).
تعريف الدعاء في الشرع:
قال ابن القيم: "هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضرُّه أو دفعه" (٥).
وقال الخطابي (٦): "ومعنى الدُّعاء: استدعاء العبد ربَّه العناية، واستمداده إيَّاه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوَّة، وهو
стр. 341
سمة العبودية، واستشعار الذلَّة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله وإضافة الجود والكرم إليه" (١).
ولأهمية الدعاء اهتمَّ العلماء المحققون ببيانه، خوفًا من أن يقع العبد في الشرك، قال ابن تيمية: "وجماع الأمر: أنَّ الشرك نوعان: شرك في ربوبيته ... وشرك في الألوهية: بأن يدعو غيره دعاء عباده، أو دعاء مسألة" (٢).
وقال الصنعاني: "فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلَاّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرَّخاء لا يكون إلَاّ لله وحده ... " (٣).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: "وأعظم نهي نهى الله عنه الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصد بغير ذلك من أنواع العبادة" (٤).
مسألة وجوب ترك الدعاء:
يرى ابن عجيبة أنَّ ترك الدعاء سعادة عظمى وولاية كبرى.
قال: "العبد إذا تعمَّر قلبه بالله استغنى به حتى عن طلبه، وربما دلهم الأدب على ترك الطلب، وهذه هي السَّعادة العظمى والولاية الكبرى" (٥).
وقال أيضًا: "وقال بعضهم: ما سألت الله تعالى بلساني شيئًا منذ خمسين سنة، ولا أريد أن أدعو، ولا أن يُدعى لي، ويذكر ابن عجيبة سبب هذا القول مؤيدًا له فيقول: "وذلك لأن الله ليس بغافل حتى يذكر، بل هو عليمٌ بخفيَّات
стр. 342
أمورك، فيأتيك ما قسم لك ... ولا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنه لا يهملك فيما هو من قسمتك" (١).
وقال في موضع آخر: " ... أمَّا طلبك منه فلوجود تهمتك له؛ لأنك إنما طلبته مخافة أن يهملك أو يغفل عنك، فإنما ينبه من يجوز عنه الإغفاء، وإنما يذكر من يمكن منه الإهمال ... فالسكوت تحت مجاري الأقدار أفضل عند العارفين من التضرع والابتهال" (٢).
ثم يذكر خلاف الصوفية في هذه المسألة ويرجِّح ترك الدعاء قال: "اختلف الصوفية أيُّ الحالين أفضل؟ هل الدعاء والابتهال، أو السكوت والرضاء؟ والمختار: أن ينظر العبد ما يتجلَّى فيه قلبه، فإن انشرح للدعاء فهو في حقِّه أفضل، وإن انقبض عنه فالسُّكوت أولى، والغالب على أهل التحقيق من العارفين الغنى بالله، والاكتفاء بعلمه، كحال الخليل ﵇، فإنهم إبراهيميون" (٣).
وابن عجيبة يذكر بأنَّ طلب الدعاء يكون لأهل البدايات واجب، قال: "إنَّ الطلب كله معلول عند ذوي الألباب ... وهذا مقام أهل النهايات، وأمَّا أهل البدايات فيرخَّص لهم في طلب الحاجات، وفي كثرة الدعاء والتضرُّعات، فالدعاء في حقِّهم واجبٌ أو مندوب، وفيهم ورد الترغيب في الدعاء، والإلحاح فيه" (٤).
وبالنَّظر فيما ذكر في تلك المسائل التي يرى فيها أنَّ الدعاء لا يجلب به منفعة، ولا يدفع به مضرَّة، وإنما هو عبادة محضة تعبديَّة غير معقولة المعنى كبعض
стр. 343
أعمال العبادات الأخرى، مثل رمي الجمار وغيره (١)، وهؤلاء يرون أنه لا أثر للدعاء في حصول المطلوب، وعندما يدعون الله فهم يريدون تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء؛ لأنَّ الدعاء ضربٌ من الخدمة، يريد أن يزين جوارحه بالخدمة، ومنهم يدعوا ائتمارًا بالدعاء لما أمره الله تعالى، وهؤلاء على ضربين:
منهم من يجعل الدعاء من حظ العامة (٢)، ومنهم من يجعله للمبتدئين في الطريق، وأمَّا مقامات الخواص ترك الدعاء نظرًا للقدر (٣).
وطائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة الذين تركوا الدعاء بزعمهم أنَّه لا فائدة فيه؛ لأنَّ المسؤول إن كان قد قدَّر ناله ولا بدَّ وإن لم يقدر لم ينله فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء (٤)، يعني أنَّ المشيئة الإلهية إذا اقتضت وجود ذلك المطلوب فسوف يحصل لا محالة سواءً دعا الله أم لم يدع، وإن لم تقتضيه فلا يمكن أن يحصل سواء دعا أم لا، وهذه من أفسد الأقوال شرعًا وعقلًا (٥).
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٧).
стр. 344
قال ابن تيمية: "والعبد هو فقيرٌ دائمًا إلى الله من كلِّ وجه، من جهة أنه معبوده، وأنه مستعانه، فلا يأتي بالنعم إلا هو، ولا يصلح حال العبد إلا بعبادته.
وهو مذنب أيضًا لا بدَّ له من الذنوب فهو دائمًا فقير مذنب، فيحتاج دائمًا إلى الغفور الرحيم، الغفور الذي يغفر ذنوبه، والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه ويحسن إليه، فهو دائمًا بين إنعام الرَّبِّ وذنوب نفسه" (١)، ويدلُّ على ذلك المعنى الشرعي للدعاء وهو: الافتقار إلى الله .
قال الخطابي: "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية، واستمداده إيَّاه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة" (٢).
فكيف يترك الدعاء!! وقد قال الرسول ﷺ في الحديث القدسي: «قول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه إذا دعاني» (٣).
وهذا الحديث صريح الدلالة على صفة المعية لله ، والله قريبٌ من عباده إذا دعوه، قال الشوكاني: "أعظم أنواع قرب العبد من الرَّبِّ ما صرَّح به في الكتاب العزيز بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤)، (٥).
قال ابن كثير: "إنَّ الله لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، وفيه ترغيبٌ في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه" (٦).
стр. 345
وقال ابن تيمية: "وهذا القرب من الداعي هو قربٌ خاصٌّ ليس قربًا عامًّا من كلِّ أحد، فهو قريبٌ من داعيه، وقريبٌ من عابديه، وأقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد" (١).
والقول بأنَّ الدعاء يخضع لحالة الفرد وما تنشرح له النَّفس بعيدٌ جدًّا؛ لأنَّ حكمه باعتبار ذاته.
قال القرافي: "اعلم أنَّ الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث هو طلب من الله تعالى، وهو الندب؛ لاشتمال ذاته على خضوع العبد لرَبِّه، وإظهار ذلَّته وافتقاره إلى مولاه، فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له من متعلَّقاته ما يوجبه، أو يحرمه، والتحريم قد ينتهي إلى الكفر، وقد لا ينتهي" (٢).
وقال ابن القيم: "وحصول الإجابة عقيب السؤال على الوجه المطلوب دليلٌ على علم الرَّبِّ تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته بهم" (٣).
وقال ابن تيمية: "والقاعدة الكلية في شرعنا: أنَّ الدعاء إن كان واجبًا أو مستحبًّا فهو حسنٌ يُثاب عليه الداعي، وإن كان محرَّمًا كالعدوان في الدعاء فهو ذنبٌ ومعصية، وإن كان مكروهًا فهو ينتقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحًا مستوي الطرفين فلا له ولا عليه" (٤).
стр. 346
ما اعتمد عليه ابن عجيبة في قوله بوجوب ترك الدعاء:
اعتمد فيما ذهب إليه على شبهات واهية ومنها:
الشبهة الأولى: احتجاجه بالمشيئة الإلهية
قال ابن عجيبة: "قد قضى الحقُّ ﷻ ما كان وما يكون في سابق علمه، فما من نَفَسٍ تُبديه إلَاّ وله قَدَرٌ فيك يُمضيه, فالواجب على العبد أن يكون ابن وقته، إذا أصبح نظر ما يفعل الله به، فأسرار القدر قد استأثر الله بعلمها" (١).
وليس فيما يقوله ابن عجيبة من تعلُّقه بأنَّ القدر سرٌّ قد استأثر الله بعلمه ما يقوِّي كون العبد لا يدع الله ويكون ابن وقته، بل هو ردٌّ للشرائع.
قال ابن الجوزي عن هذه الشبهة: "ردٌّ لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاءوا به؛ لأنه إذا قال في القرآن: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) قال القائل: لماذا إن كنتُ سعيدًا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيًّا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة؟ .... وما يفضي إلى ردِّ الكتب وتجهيل الرُّسُل محالٌ باطل" (٣).
والدعاء من الأسباب التي أُمرنا بها لكشف الضرِّ وغيره، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤).
قال ابن القيم: "ولو تتبَّعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسُّنَّة لزاد
стр. 347
على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغةً بل حقيقة، ويكفي شهادة الحسِّ والعقلِ والفطر" (١).
وإلغاء الأسباب بالكليَّة قدحٌ في الشرع، قال ابن القيم: "الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكليَّة قدحٌ في الشرع، وإنما التوكل والرَّجاء معنى يتألَّف من موجب التوحيد والعقل والشرع" (٢).
والله ربط الأسباب بمسبباتها "وأنَّ العبد فاعلٌ لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار، وقدرته مؤثِّرة في مقدورها كما تؤثِّر القوى والطبائع، وغير ذلك من الشروط والأسباب" (٣).
الشبهة الثانية: قوله بأنَّ علم الله بحال العبد يترتَّب عليه عدم الدعاء
ويظهر هذا جليًّا في قوله: "وذلك لأنَّ الله ليس بغافل حتى يُذَكَّر، بل هو عليمٌ بخفيَّات أمورك، فيأتيك ما قسم لك ... ولا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنَّه لا يهملك فيما هو من قسمتك" (٤).
وابن عجيبة حين يذكر ذلك فهو متَّبعٌ لأسلافه الصوفية في هذه المسألة إذ هذا هو ديدنهم، ويحتجون بما روي عن إبراهيم الخليل ﵇: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» (٥).
стр. 348
وهذه ضلالة كبرى، وهي كما قال ابن الجوزي: "سدٌّ لباب السؤال والدعاء، وهو جهلٌ بالعلم" (١).
وأصل شبهتهم: أنَّ الشَّيء إذا عُلم وكُتب أنه يكفي ذلك في وجوده ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله، وسائر الأسباب (٢).
وقد ردَّ ابن تيمية على أصل شبهتهم "من وجهين:
الوجه الأول: من جهة كونه جعل العلم جهلًا، فإنَّ العلم يطابق المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه، وهو سبحانه قد علم أنَّ المكونات تكون بما يخلقه من الأسباب؛ لأنَّ ذلك هو الواقع، فمن قال: إنَّه يعلم شيئًا بدون الأسباب فقد قال على الله الباطل، وهو بمنزلة من قال: إنَّ الله يعلم أنَّ هذا الولد وُلِد بلا أبوين وأنَّ هذا النبات نبت بلا ماء.
الوجه الثاني: أنَّ العلم بأنَّ الشَّيء سيكون والخبر عنه بذلك وكتابة ذلك لا يوجب استغناء ذلك عمَّا به يكون من الأسباب التي لا يتم إلا بها كالفاعل وقدرته ومشيئته؛ فإنَّ اعتقاد هذا غايةٌ في الجهل، إذ هذا العلم ليس موجبًا بنفسه لوجود المعلوم باتفاق العلماء، بل هو مطابقٌ له على ما هو عليه لا يكسبه صفةً ولا يكتسب منه صفة، بمنزلة علمنا بالأمور التي قبلنا كالموجودات التي كانت قبل وجودنا مثل علمنا بالله وأسمائه وصفاته فإنَّ هذا العلم ليس مؤثِّرًا في وجود المعلوم باتفاق العلماء، وإن كان من علومنا ما يكون له تأثير في وجود المعلوم كعلمنا بما يدعونا إلى الفعل، ويعرِّفنا صفته وقدره، فإنَّ الأفعال الاختيارية لا تصدر إلا ممَّن له
стр. 349
شعور وعلم إذ الإرادة مشروطة بوجود العلم" (١).
الشبهة الثالثة: استدلاله بحديث «حسبي من سؤالي علمه بحالي»
فقد قال معلِّقًا: "ولا شكَّ أنَّ من كان على ملة إبراهيم ﵇ اقتدى به، وقد كان بين السَّماء والأرض حين رُمي به، فاستغنى بعلم الله عن سؤاله، فكانت حالة إبراهيم ﵇ في ذلك الوقت الاستغراق في الحقيقة" (٢).
وهذا الحديث ردَّه علماء الإسلام السابقون واللاحقون، قال عنه ابن تيمية: "ليس له إسنادٌ معروفٌ وهو باطل" (٣)، وقال عنه الألباني: "لا أصلَ له" (٤).
وهذا من ناحية الإسناد، أمَّا من ناحية المعنى فالذي ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «(حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النَّار، وقالها: محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٥)» (٦).
وفي هذا أنَّ إبراهيم ﵇ لم يسأل الله بل دعا الله أثناء قيامهما برفع قواعد البيت الحرام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧)، ودعا ربَّه عندما ترك زوجه وابنه في وادٍ غير
стр. 350
ذي زرع، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١).
وبهذا يتضح أنَّ هذا الحديث الذين جعلوه عمدةً لهم خالف الأدلة القطعية من الكتاب والسُّنَّة، قال ابن الجوزي: "ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنَّه موضوع" (٢).
وهذه فريةٌ على إبراهيم ﵇ دحضها ابن تيمية بقوله: "فكيف يقول إبراهيم ﵇: حسبي من سؤالي علمه بحالي، والله بكلِّ شيءٍ عليم، وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكَّلوا عليه ويسألوه؛ لأنَّه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا لما يرتبه عليها من إثابة العابدين، وإجابة السائلين، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بأنَّ هذا محتاجٌ أو هذا مذنبٌ لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تُقضى بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته" (٣).
فيجب على كلِّ من نصح نفسه وأحبَّ نجاتها أن يتبع هدي النبي ﷺ ، إذ سعادة العبد في الدارين معلَّقة بهدية ﷺ ، وهو القائل: «الدعاء هو العبادة» (٤).
стр. 351
الشبهة الرابعة: زعمه أنَّ الدعاء فيه سوء أدبٍ مع الله ، واتهام لله بعدم إعطاء العبد ما يستحق
حيث قال: "طلبك منه فلوجود تهمتك له، وربما دلَّهم الأدب على ترك الطلب" (١).
والصحيح أنَّ ترك الدعاء هو من سوء الأدب مع الله ، ولقد كان أفضل البشر وأكملهم هو نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ يدعو الله ولم يُغفل الدعاء، والأحاديث مستفيضةٌ بذلك، منها:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم» (٢).
٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة ذي النُّون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنَّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له» (٣).
قال ابن القيم: "فإنَّ فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرَّبِّ تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه، ما هو من أبلغ أدوية الكربِ والهمِّ والغمِّ، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج؛ فإنَّ التوحيد والتنزيه يتضمَّنان إثبات كلِّ كمالٍ لله، وسلب كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه، والاعتراف بالظلم يتضمَّن إيمان العبد بالشَّرع
стр. 352
والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة أمور قد وقع التوسُّل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف" (١).
٣ - وكان أكثر دعاء النبي ﷺ : «اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار» (٢).
٤ - وكان يأمر الرَّجُلَ الذي أسلم بعد أن يعلِّمه الصلاة أن يدعو بهذه الكلمات «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني» (٣).
وسؤال الله هو حقيقة العبادة، قال ابن رجب: "اعلم أنَّ سؤال الله دون خلقه هو المتعين؛ لأنَّ السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا إلى الله وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة" (٤).
الشبهة الخامسة: زعمه أنَّ ترك الدعاء من مقام الخواص
حيث قال: "وترك الدعاء مقام أهل النهايات أي الخواص، وأمَّا أهل البدايات فيُرخَّص لهم في طلب الحاجات، وفي كثرة الدعاء والتضرُّعات، فالدُّعاء في حقِّهم واجب" (٥).
стр. 353
أمَّا التفريق بين الخاص والعام وأهل البداية والنهاية، فلم يرد فيه نصٌّ من الكتاب والسُّنَّة بل هو من عند ابن عجيبة وقومه، وتمييز بين الخاصَّة والعامَّة دعوى معلولة، فهذه الأعمال يستوي فيها الصدِّيقون والشهداء والصالحون، ومن أراد خروج الخاصَّة عنها فقد غلط، فإنَّه لا يخرج عنها مؤمن قط، وإنما يخرج عنها كافر أو منافق (١).
وأفضل الخلق بعد الأنبياء أبو بكر الصديق ﵁ لم يدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبي ﷺ أن يعلِّمه دعاء يدعو به في صلاته، ففي الصحيحين أنَّه قال لرسول الله ﷺ : علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنَّك أنت الغفور الرحيم» (٢).
ولقد أبان ابن تيمية أهمية الدعاء بتفسيره لسورتي الإخلاص والمعوذتين، فقال: "وأمَّا سورة الإخلاص والمعوذتان، ففي الإخلاص الثناء على اللَّه، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه، والثناء مقرون بالدعاء، كما قرن بينهما في أمِّ القرآن المقسومة بين الرَّبِّ والعبد نصفها ثناءٌ للرَّب، ونصفها دعاءٌ للعبد، والمناسبة في ذلك ظاهرة؛ فإنَّ أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به من الرسالة وهو القرآن، ثم الإيمان بمقصود ذلك وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه من النعيم والعذاب، وهو الجزاء، ثم معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال، خيرها ليفعل، وشرها ليترك ثم ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر اللَّه ودعاؤه، كما بنيت عليه أمُّ القرآن، فإنَّ حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق،
стр. 354
والمنطق قسمان: خبرٌ وإنشاء، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن اللَّه كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وأنفعه وأوجبه ما كان طلبًا من اللَّه، كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين" (١).
فكيف حال من لم يلتزم الكتاب والسُّنَّة في دعائه، لا شكَّ أنه سيتخبَّط في أودية الباطل؛ لأنَّ لزوم السُّنَّة هو الذي يحفظ من شر النفس والشيطان بدون اختلاق طرق مبتدعة.
الأوراد والأحزاب التي ذكرها ابن عجيبة:
تعريف الأوراد:
قال ابن عجيبة هي: "ما يرتبه العبد على نفسه، أو الشيخ على تلميذه من الأذكار" (٢).
وقسَّم ابن عجيبة الورد إلى ثلاثة أقسام، وهي:
١ - ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين.
٢ - ورد أهل السُّلوك من السَّائرين.
٣ - ورد أهل الوصول من العارفين.
إذ قال: "الورد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين، وورد أهل السُّلوك من السَّائرين، وورد أهل الوصول من العارفين، فأمَّا ورد المجتهدين فهو استغراق الأوقات في أنواع العبادات، وعباداتهم بين ذكر ودعاء وصلاة وصيام، وقد ذكر في كتاب الإحياء والقوت أوراد النهار وأوراد الليل، وعيَّن لكلِّ وقتٍ وردًا
стр. 355
معلومًا، أمَّا ورد السائرين فهو: الخروج من الشواغل والشواغب، وترك العلائق والعوائق، وتطهير القلوب من المساوي والعيوب، وتحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل، وعبادتهم ذكر واحد، وهو ما يعيِّنه له الشيخ، لا يزيد عليه مع جمع القلب وحضوره مع الرَّبِّ، وأمَّا ورد الواصلين فهو إسقاط الهوى، ومحبَّة المولى، وعبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة فكلُّ من أقامه موالاه في ورد فليلتزمه ولا يتعدَّى طوره" (١).
أمثلة للأوراد التي ذكرها ابن عجيبة:
*حزب الحفظ والتحصُّن
قال: "اللهم احفظنا من القواطع والعلائق ومكِّن أسرارنا من أنوار الحقائق حتى ننخرط في سلك المقرَّبين السوابق".
"اللهم احفظ أرواحنا من خوض الأغيار وصن أسرارنا من لوث الآثار ومن الوقوف مع الأنوار حتى لا نشهد إلا إيَّاك في السِّرِّ والإجهار".
إلهنا قد علمنا أنَّ قضاءك النافذ في العبيد لا ترده همة عارف ولا مريد، لكن لطفك الخفي وتأييدك الوفي يجريان مع كلِّ قضاء عند كل عارف وولي، فأشهدنا ذلك اللُّطف الخفي في جميع الأقدار، وارزقنا ذلك التأييد الوفي عند هجوم الأكدار يا كريم يا حليم يا غفَّار".
اللهم اكفنا شر العدا ... اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، ألف بسم الله الرحمن الرحيم عن يميني، وألف بسم الله الرحمن الرحيم عن شمالي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من أمامي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من