الشبهة الرابعة: زعمه أنَّ الدعاء فيه سوء أدبٍ مع الله ، واتهام لله بعدم إعطاء العبد ما يستحق
حيث قال: "طلبك منه فلوجود تهمتك له، وربما دلَّهم الأدب على ترك الطلب" (١).
والصحيح أنَّ ترك الدعاء هو من سوء الأدب مع الله ، ولقد كان أفضل البشر وأكملهم هو نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ يدعو الله ولم يُغفل الدعاء، والأحاديث مستفيضةٌ بذلك، منها:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم» (٢).
٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة ذي النُّون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنتُ من الظالمين، فإنَّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له» (٣).
قال ابن القيم: "فإنَّ فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرَّبِّ تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه، ما هو من أبلغ أدوية الكربِ والهمِّ والغمِّ، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج؛ فإنَّ التوحيد والتنزيه يتضمَّنان إثبات كلِّ كمالٍ لله، وسلب كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه، والاعتراف بالظلم يتضمَّن إيمان العبد بالشَّرع
стр. 352
والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة أمور قد وقع التوسُّل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف" (١).
٣ - وكان أكثر دعاء النبي ﷺ : «اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار» (٢).
٤ - وكان يأمر الرَّجُلَ الذي أسلم بعد أن يعلِّمه الصلاة أن يدعو بهذه الكلمات «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني» (٣).
وسؤال الله هو حقيقة العبادة، قال ابن رجب: "اعلم أنَّ سؤال الله دون خلقه هو المتعين؛ لأنَّ السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا إلى الله وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة" (٤).
الشبهة الخامسة: زعمه أنَّ ترك الدعاء من مقام الخواص
حيث قال: "وترك الدعاء مقام أهل النهايات أي الخواص، وأمَّا أهل البدايات فيُرخَّص لهم في طلب الحاجات، وفي كثرة الدعاء والتضرُّعات، فالدُّعاء في حقِّهم واجب" (٥).
стр. 353
أمَّا التفريق بين الخاص والعام وأهل البداية والنهاية، فلم يرد فيه نصٌّ من الكتاب والسُّنَّة بل هو من عند ابن عجيبة وقومه، وتمييز بين الخاصَّة والعامَّة دعوى معلولة، فهذه الأعمال يستوي فيها الصدِّيقون والشهداء والصالحون، ومن أراد خروج الخاصَّة عنها فقد غلط، فإنَّه لا يخرج عنها مؤمن قط، وإنما يخرج عنها كافر أو منافق (١).
وأفضل الخلق بعد الأنبياء أبو بكر الصديق ﵁ لم يدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبي ﷺ أن يعلِّمه دعاء يدعو به في صلاته، ففي الصحيحين أنَّه قال لرسول الله ﷺ : علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنَّك أنت الغفور الرحيم» (٢).
ولقد أبان ابن تيمية أهمية الدعاء بتفسيره لسورتي الإخلاص والمعوذتين، فقال: "وأمَّا سورة الإخلاص والمعوذتان، ففي الإخلاص الثناء على اللَّه، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه، والثناء مقرون بالدعاء، كما قرن بينهما في أمِّ القرآن المقسومة بين الرَّبِّ والعبد نصفها ثناءٌ للرَّب، ونصفها دعاءٌ للعبد، والمناسبة في ذلك ظاهرة؛ فإنَّ أول الإيمان بالرسول الإيمان بما جاء به من الرسالة وهو القرآن، ثم الإيمان بمقصود ذلك وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه من النعيم والعذاب، وهو الجزاء، ثم معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال، خيرها ليفعل، وشرها ليترك ثم ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر اللَّه ودعاؤه، كما بنيت عليه أمُّ القرآن، فإنَّ حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق،
стр. 354
والمنطق قسمان: خبرٌ وإنشاء، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن اللَّه كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وأنفعه وأوجبه ما كان طلبًا من اللَّه، كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين" (١).
فكيف حال من لم يلتزم الكتاب والسُّنَّة في دعائه، لا شكَّ أنه سيتخبَّط في أودية الباطل؛ لأنَّ لزوم السُّنَّة هو الذي يحفظ من شر النفس والشيطان بدون اختلاق طرق مبتدعة.
الأوراد والأحزاب التي ذكرها ابن عجيبة:
تعريف الأوراد:
قال ابن عجيبة هي: "ما يرتبه العبد على نفسه، أو الشيخ على تلميذه من الأذكار" (٢).
وقسَّم ابن عجيبة الورد إلى ثلاثة أقسام، وهي:
١ - ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين.
٢ - ورد أهل السُّلوك من السَّائرين.
٣ - ورد أهل الوصول من العارفين.
إذ قال: "الورد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ورد العُبَّاد والزُّهَّاد من المجتهدين، وورد أهل السُّلوك من السَّائرين، وورد أهل الوصول من العارفين، فأمَّا ورد المجتهدين فهو استغراق الأوقات في أنواع العبادات، وعباداتهم بين ذكر ودعاء وصلاة وصيام، وقد ذكر في كتاب الإحياء والقوت أوراد النهار وأوراد الليل، وعيَّن لكلِّ وقتٍ وردًا
стр. 355
معلومًا، أمَّا ورد السائرين فهو: الخروج من الشواغل والشواغب، وترك العلائق والعوائق، وتطهير القلوب من المساوي والعيوب، وتحليتها بالفضائل بعد تخليتها من الرذائل، وعبادتهم ذكر واحد، وهو ما يعيِّنه له الشيخ، لا يزيد عليه مع جمع القلب وحضوره مع الرَّبِّ، وأمَّا ورد الواصلين فهو إسقاط الهوى، ومحبَّة المولى، وعبادتهم فكرة أو نظرة مع العكوف في الحضرة فكلُّ من أقامه موالاه في ورد فليلتزمه ولا يتعدَّى طوره" (١).
أمثلة للأوراد التي ذكرها ابن عجيبة:
*حزب الحفظ والتحصُّن
قال: "اللهم احفظنا من القواطع والعلائق ومكِّن أسرارنا من أنوار الحقائق حتى ننخرط في سلك المقرَّبين السوابق".
"اللهم احفظ أرواحنا من خوض الأغيار وصن أسرارنا من لوث الآثار ومن الوقوف مع الأنوار حتى لا نشهد إلا إيَّاك في السِّرِّ والإجهار".
إلهنا قد علمنا أنَّ قضاءك النافذ في العبيد لا ترده همة عارف ولا مريد، لكن لطفك الخفي وتأييدك الوفي يجريان مع كلِّ قضاء عند كل عارف وولي، فأشهدنا ذلك اللُّطف الخفي في جميع الأقدار، وارزقنا ذلك التأييد الوفي عند هجوم الأكدار يا كريم يا حليم يا غفَّار".
اللهم اكفنا شر العدا ... اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، ألف بسم الله الرحمن الرحيم عن يميني، وألف بسم الله الرحمن الرحيم عن شمالي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من أمامي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من
стр. 356
خلفي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من تحتي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم من فوقي، وألف بسم الله الرحمن الرحيم محيطة بي (١).
*حزب العز والنصر
"اللهم افتح أبصارنا لشهود عظمتك، حتى نراك بك لا بغيرك، وافتح أسماعنا لسماع كلامك، حتى نسمع بك منك، وافتح قلوبنا لورود مواهب غيبك، حتى تمتلئ بأنوار محبتك إنك ذو الفضل العظيم.
اللهم افتح لنا من فيض أسرار العلوم، ومكنَّا من خزائن الفهوم، واكشف عن قلوبنا أكنَّة الحجب يا حيُّ يا قيوم.
اللهم يا فتاح يا رزاق ارزقنا من قوت أشباحنا ما تسد به عنَّا باب الفقر إلى خلقك، ومن قوت أرواحنا ما تغنينا به عن شهود غيرك، ومن قوت أسرارنا ما تجمعنا به دائمًا في حضرة قدسك، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير" (٢).
هذه الأوراد التي ذكرها ابن عجيبة مع ما تضمَّنته من عقائد الصوفية الباطلة كبدعة وحدة الوجود، والكشف، جميعها تكشف حقيقة الصوفية وأنهم قد وقعوا في كيد الشيطان وحبائله، فابتدعوا في دين الله مالم يشرعه الله ولم يسنّه رسوله ﷺ ، لذا فإنَّ كل من اتخذ شيئًا من الأذكار غير المشروعة وداوم عليها وجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله، وعمله مردودٌ عليه، قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣).
стр. 357
ولقد انبرى العلماء للردِّ على كلِّ من ابتدع شيئًا من هذه الأوراد.
فحذَّر القاضي عياض من الأدعية المنسوبة للأنبياء ﵈ بقوله: "أذن الله في دعائه، وعلَّم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلَّم النبي ﷺ الدعاء لأُمَّته، واجتمعت فيه ثلاث أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأُمَّة، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعدل عن دعائه، وقد احتال الشيطان للناس في هذا المقام، فقيَّض لهم قومَ سوءٍ يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ ، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم ولا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح" (١).
وقال الخطابي: "ولقد أولع بعضٌ من المسلمين بأدعية وأذكار منكرة مخترعة، ما أنزل الله بها من سلطان، صنَّفها لهم بعض المتكلِّفين من أهل الجهل والجرأة على الله، وأكثرها زورٌ وافتراءٌ على الله " (٢).
وحذَّر ابن العربي من هذه الأدعية المختلقة فقال: "فحذار منها، ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة، وهي كتاب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، فهذه الكتب هي بدء الإسلام ... ولا يقولنَّ أحدٌ: أختار دعاء كذا; فإنَّ الله قد اختار له، وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله" (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت، قال: رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد» (٤).
стр. 358
وعلَّم نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ البراء بن عازب ﵁ دعاءً وأمره بالتزام النص بدون زيادة أو نقصان، فقال له النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به»، قال: فرددتُها على النبي ﷺ فلما بلغتُ (اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت) قلتُ (ورسولك)، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (١).
وهذا لأنَّ العبادات توقيفية، فلا زيادة ولا نقصان، رغم أنَّ المعنى صحيح، ويستقيم الكلام.
وقال ابن حجر: "وأولى ما قيل في الحكمة في ردِّه ﷺ على من قال: (الرسول) بدل (النَّبي) أنَّ ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللَّفْظ الذي وردت به ... فيقتصر فيه على اللَّفْظ الوارد بحروفه، وقد يتعلَّق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فتعيَّن أداؤها بحروفها" (٢).
قال ابن تيمية: "العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع؛ فإنَّ الإسلام مبنيٌّ على أصلين، أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
стр. 359
وقال في موضعٍ آخر: "وليس لأحدٍ أن يَسنَّ للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادةً راتبةً يواظب الناس عليها، كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سُنَّة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمَّن معنى محرَّمًا لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أنَّ الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب، وأما اتخاذ وردٍ غير شرعيٍّ واستنان ذكرٍ غير شرعي فهذا مما يُنهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العليَّة، ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهلٌ أو مفرِّط أو متعد" (١).
وممَّا قرَّره أهل العلم أنَّ من ندب إلى شيءٍ يتقرَّب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين مالم يأذن به الله (٢)، ويجدر التنبيه على أمرٍ هامٍّ بأنَّ المؤمن ينبغي له أن ينوِّع في الأذكار المشروعة اتباعًا للسُّنَّة، ولزوال الفرقة والاختلاف.
قال ابن تيمية: "التنوع في ذلك متابعة للنبي ﷺ فإنَّ في هذا اتباعًا للسُّنَّة والجماعة، وإحياء لسُنَّته، وجمعًا بين قلوب الأُمَّة، وأخذًا بما في كلِّ واحدٍ من الخاصة، أفضل من المداومة على نوع معيَّنٍ لم يداوم عليه النبي ﷺ لوجوه:
أحدها: أنَّ هذا هو اتباع السُّنَّة والشريعة فإنَّ النبي ﷺ إذا كان قد فعل هذا
стр. 360
تارة وهذا تارة ولم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسِّي والاتباع المشروع وهو أن يفعل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنَّه فعله.
الثاني: أنَّ ذلك يوجب اجتماع قلوب الأُمَّة وائتلافها وزوال كثرة التفرُّق والاختلاف والأهواء بينها، وهذه مصلحة عظيمة ودفع مفسدة عظيمة ندب الكتاب والسُّنَّة إلى جلب هذه ودرء هذه، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣).
الثالث: أنَّ ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبَّه بالواجب، فإنَّ المداومة على المستحب أو الجائز مشبَّهة بالواجب ولهذا أكثر هؤلاء المداومين على بعض الأنواع الجائزة أو المستحبة لو انتقل عنه لنفر عنه قلبه وقلب غيره أكثر مما ينفر عن ترك كثير من الواجبات؛ لأجل العادة التي جعلت الجائز كالواجب.
الرابع: أنَّ في ذلك تحصيل مصلحة كلِّ واحد من تلك الأنواع؛ فإنَّ كلَّ نوعٍ لا بدَّ له من خاصة وإن كان مرجوحًا فكيف إذا كان مساويًا، وقد قدَّمنا أنَّ المرجوح يكون راجحًا في مواضع.
الخامس: أنَّ في ذلك وضعًا لكثيرٍ من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأُمَّة بلا كتابٍ من الله ولا أثارةٍ من علم؛ فإنَّ مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحًا له على غيره ترجيحًا يحب من يوافقه عليه ولا يحب من لم يوافقه
стр. 361
عليه، بل ربما أبغضه بحيث ينكر عليه تركه له ويكون ذلك سببًا لترك حقوق له وعليه يوجب أن ذلك يصير إصرًا عليه لا يمكنه تركه، وغلًّا في عنقه يمنعه أن يفعل بعض ما أُمر به، وقد يوقعه في بعض ما نهي عنه، وهذا القدر الذي قد ذكرته واقع كثيرًا، فإنَّ مبدأ المداومة على ذلك يورث اعتقادًا ومحبَّةً غير مشروعين، ثم يخرج إلى المدح والذم والأمر والنهي بغير حق، ثم يخرج ذلك إلى نوع من الموالاة والمعاداة غير المشروعين من جنس أخلاق الجاهلية كأخلاق الأوس والخزرج في الجاهلية.
ثم يخرج من ذلك إلى العطاء والمنع فيبذل ماله على ذلك عطيةً ودفعًا وغير ذلك من غير استحقاقٍ شرعيٍّ، ويمنع من أمر الشارع بإعطائه إيجابًا أو استحبابًا، ثم يخرج من ذلك إلى الحرب والقتال كما وقع في بعض أرض المشرق، ومبدأ ذلك تفضيل ما لم تفضله الشريعة، والمداومة عليه وإن لم يعتقد فضله سبب لاتخاذه فاضلًا اعتقادًا وإرادة، فتكون المداومة على ذلك إمَّا منهيًّا عنها وإمَّا مفضولة، والتنوع في المشروع بحسب ما تنوع فيه الرسول ﷺ أفضل وأكمل.
السادس: أنَّ في المداومة على نوعٍ دون غيره هجرانًا لبعض المشروع وذلك سببٌ لنسيانه والإعراض عنه، حتى يعتقد أنَّه ليس من الدين بحيث يصير في نفوس كثيرٍ من العامَّة أنه ليس من الدين وفي نفوس خاصة هذه العامة عملهم مخالف علمهم، فإنَّ علماءهم يعلمون أنه من الدين ثم يتركون بيان ذلك إما خشيةً من الخلق وإمَّا اشتراءً بآيات الله ثمنًا قليلًا من الرئاسة والمال كما كان عليه أهل الكتاب، كما قد رأينا من تعود ألا يسمع إقامة إلا موترة أو مشفوعة فإذا سمع الإقامة الأخرى نفر عنها وأنكرها ويصير كأنه سمع أذانًا ليس أذان المسلمين، وكذلك من اعتاد القنوت قبل الركوع أو بعده، وهجران بعض المشروع سبب لوقوع العداوة
стр. 362
والبغضاء بين الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) فأخبر سبحانه أنَّ نسيانهم حظًّا مما ذُكِّروا به سبب لإغراء العداوة والبغضاء بينهم، فإذا اتبع الرَّجلُ جميعَ المشروع المسنون واستعمل الأنواع المشروعة هذا تارة وهذا تارة كان قد حفظت السُّنَّة علمًا وعملًا وزالت المفسدة المخوفة من ترك ذلك، ونكتة هذا الوجه أنه وإن جاز الاقتصار على فعل نوع لكن حفظ النوع الآخر من الدين ليعلم أنه جائز مشروع وفي العمل به تارة حفظ للشريعة وترك ذلك قد يكون سببًا لإضاعته ونسيانه.
السابع: أنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان والعدل التسوية بين المتماثلين وحرَّم الظلم على نفسه وجعله محرَّمًا بين عباده، ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينيَّة، فإنَّ العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال كالقصاص والمواريث وإن كان واجبًا وتركه ظلم فالعدل في أمر الدين أعظم منه وهو العدل بين شرائع الدين وبين أهله، فإذا كان الشارع قد سوَّى بين عملين أو عاملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك والتفضيل أو التسوية بالظن وهوى النفوس من جنس دين الكفَّار، فإنَّ جميع أهل الملل والنحل يفضل أحدهم دينه إمَّا ظنًّا وإمَّا هوى إمَّا اعتقادًا وإمَّا اقتصادًا وهو سبب التمسُّك به وذم غيره" (٢).
والأفضل والأتم والأكمل هو التمسُّك بالأدعية التي سنَّها لنا النبي ﷺ "فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض
стр. 363
الشيوخ- فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك، ومن أشدِّ الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثورٍ عن النبي ﷺ وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، وَيدَع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيِّد بني آدم وإمام الخلق، وحجة الله على عباده" (١).
بل وصل عند القوم أن يقال للداعي: استحضر صورة شيخك أثناء الدعاء، ولا شكَّ أنَّ في اعتقاد هذا الاستحضار ما فيه من التعلُّق بغير الله، فهو شركٌ صريحٌ والعياذ بالله.
فواجبٌ على أهل العلم إنكار البدع، قال أبو عمرو الداني (٢) "ومن الواجب على السلاطين والعلماء إنكار البدع والضلالات، وإظهار الحجج وبيان الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة وحجية العقل؛ حتى يُقْطَع عُذْرُهُم، وتَبْطُل شُبَهُهم وتمويهاتُهم" (٣).
سادسًا: موقف ابن عجيبة من بدع الصوفية في توحيد العبادة
تعريف البدعة في اللغة:
قال الخليل: "البَدْعُ: إحداثُ شيءٍ لم يكن له من قبلُ خلقٌ، ولا ذكرٌ ولا معرفةٌ، والله بديعُ السموات والأرض: ابتدعهما، ولم يكونا قبل ذلك شيئًا يتوهّمهما متوهِّم، وبدع الخلق، والبِدْعُ: الشَّيء الذي يكون أوَّلًا في كلِّ أمر كما قال الله : ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٤)، أي: لستُ بأوَّل مُرْسَل.
стр. 364
ونقول: لقد جئت بأمرٍ بديع، أي: مبتدعٌ عجيب، وابتدعت: جئت بأمرٍ مختلفٍ لم يعرف ذلك" (١).
وقال الجوهري: "بدع: أبدعتُ الشيء: اخترعتُه لا على مثال، والله تعالى بديع السموات والأرض، والبديع: المبتدع، والبديع: المبتدَع أيضًا.
وشيءٌ بِدع بالكسر، أي: مبتدع، وفلانٌ بدع في هذا الأمر، أي: بديع، وقوم أبداع ... ، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ والبدعة: الحدَثُ في الدين بعد الإكمال.
واستبدعه: عدَّه بديعًا، وبدَّعه: نسبه إلى البدعة، وأبدعت الراحلة، أي: كلَّت، وقد أبدع بالرَّجل، أي: كلَّت راحلته" (٢).
البدعة في الاصطلاح:
قال الشاطبي: "فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبُّد لله سبحانه.
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأمَّا على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة طريقةٌ في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
ولا بدَّ من بيان ألفاظ هذا الحدِّ فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه.
стр. 365
وإنما قيدت بالدين؛ لأنَّها فيه تخترع، وإليه يضيفها صاحبها.
وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة، كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها، خص منها ما هو المقصود بالحد، وهو القسم المخترع، أي: طريقة ابتدعت على غير مثالٍ تقدَّمها من الشارع؛ إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عمَّا رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كلِّ ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع، مما هو متعلِّق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنَّها وإن لم توجد في الزمان الأُول فأصولها موجودة في الشرع" (١).
وأما موقف ابن عجيبة من بدع الصوفية فإنَّه يقرر كثيرًا منها، ومن البدع التي قرَّرها:
١ - الصلاة عند الأضرحة
قال: "كنتُ أخرج إلى قُبَّة سيدي طلحة أتعبَّد فيها، ومرةً أخرج إلى قُبَّة سيدي عبد الله الفخار فأتعبد فيها ... فكنتُ أصلِّي في الضحى خمسة عشر حزبًا من القرآن، وفي الليل كذلك، ولا أفتر من ذكر الله ليلًا ولا نهارًا فبقيت كذلك أيامًا، فرأيت سيدي طلحة في النوم وأنا عند ضريحه فانحنى عليَّ حتى مسَّ شعر لحيته وجهي" (٢).
стр. 366
وكل من تقرَّب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمَر إيجاب ولا استحباب فهو متبعٌ لهواه والشيطان قائده، وسبيله من سبيل الشيطان كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خطَّ لنا رسول الله ﷺ خطًّا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل ... على كلِّ سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه (١)، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾» (٢).
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: "البدع والشبهات" (٣).
ولهذا لا بدَّ من معرفة الزيارة الشرعية لقبور المسلمين من الزيارة البدعية.
قال ابن تيمية: "فالزيارة الشرعية أن يكون مقصود الزائر الدُّعاء للميِّت؛ كما يُقصد بالصَّلاة على جنازته الدعاء له.
فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤) فنهى نبيَّه عن الصَّلاة عليهم والقيام على قبورهم؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون، فلمَّا نهى عن هذا، وهذا لأجل هذه العلة وهي الكفر دلَّ ذلك على انتفاء
стр. 367
هذا النهي عند انتفاء هذه العلة، ودلَّ تخصيصهم بالنهي على أنَّ غيرهم يُصلَّى عليه ويُقام على قبره إذ لو كان هذا غير مشروع في حقِّ أحدٍ لم يخصوا بالنهي، ولم يعلل ذلك بكفرهم؛ ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السُّنَّة المتواترة، فإنَّ النبي ﷺ يُصلِّي على موتى المسلمين وشرع ذلك لأُمَّته وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول: «سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (١)، وكان يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأُحُدٍ ويعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: «السَّلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منَّا والمستأخرين وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: «السَّلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون» (٣)، فهذه الزيارة لقبور المؤمنين مقصودها الدعاء لهم، وهذه غير الزيارة المشتركة التي تجوز في قبور الكُفَّار كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: أتى رسول الله ﷺ قبر أُمِّه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: «استأذنتُ ربِّي أن أستغفر لأُمِّي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (٤).
فهذه الزيارة التي تنفع في تذكير الموت تشرع، ولو كان المقبور كافرًا بخلاف
стр. 368
الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين.
وأمَّا الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يُطلب من الميت الحوائج أو يُطلب منه الدعاء والشفاعة أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أنَّ ذلك أجوب للدعاء.
فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي ﷺ ولا فعلها الصحابة ﵃ لا عند قبر النبي ﷺ ولا عند غيره وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.
ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرَّمًا منهيًّا عنه ولكان صاحبه متعرضًا لغضب الله ولعنته، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : أنَّه قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا»، قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنِّي أخشى أن يُتخذ مسجدًا (١).
وقال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) يحذر ما صنعوا.
فإذا كان هذا محرَّمًا وهو سببٌ لسخط الرَّبِّ ولعنته فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه، واعتقد أنَّ ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء الحاجات؟ وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان" (٣).
ونقل ابن القيم كلام شيخه ابن تيمية فقال: "وهذه الأمور المبتدعة عند القبور
стр. 369
مراتب، أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثيرٌ من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، ولهذا قد يتمثَّل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثَّل لعُبَّاد الأصنام، وهذا يحصل للكُفَّار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظِّمه فيتمثَّل له الشيطان أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر، والتمسُّح به وتقبيله.
والمرتبة الثانية: أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثيرٌ من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين.
الثالثة: أن يسأله نفسه.
الرابعة: أن يظن أنَّ الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضًا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهى محرَّمة، وما علمت في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين" (١).
وهذه البدع آنفة الذكر تقدح في العقيدة، إمَّا أن تنافيها أو تنقضها، " ... لهذا ينبغي أن يُشهر في الناس فسادها وعيبها، ليحذرها الناس فلا يقعوا فيها" (٢).
ولقد أجمع العلماء على بيان فساد أهل البدع، يقول ابن تيمية ﵀: "ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسُّنَّة أو العبادات المخالفة للكتاب والسُّنَّة، فإنَّ بيان حالهم وتحذير الأُمَّة منهم واجبٌ باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرَّجُلُ يصوم ويصلِّي ويعتكف أحبُّ إليك أو يتكلَّم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلَّى واعتكف فإنَّما هو لنفسه، وإذا تكلَّم في أهل البدع فإنما
стр. 370
هو للمسلمين هذا أفضل، فبيَّن أنَّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإنَّ هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا وأمَّا أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً" (١).
وفي منهج ابن عجيبة تأثُّرٌ واضحٌ بآراء الفلاسفة.
قال ابن تيمية في ردِّه على الفلاسفة الدهرية: "وقد أحدث قومٌ من ملاحدة الفلاسفة الدهرية للشرك شيئًا آخر ذكروه في زيارة القبور كما ذكر ذلك ابن سينا، ومن أخذ عنه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره ذكروا معنى الشفاعة على أصلهم فإنَّهم لا يقرون بأنَّ الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ولا أنَّه يعلم الجزئيات ويسمع أصوات عباده ويجيب دعاءهم، فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرَّجُل الصالح فيستجيب الله دعاءه، كما أنَّ ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم، بل هم يزعمون أن المؤثِّر في حوادث العالم هو قوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون: إنَّ الإنسان إذا أحبَّ رجلًا صالحًا قد مات لا سيَّما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعَّال عندهم، أو النفس الفلكية يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيءٍ من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك، ومثَّلوا ذلك بالشمس إذا
стр. 371
قابلها مرآة فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائطٌ أو ماءٌ فاض عليه من شعاع تلك المرآة فهكذا الشفاعة عندهم وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم.
وفي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبَّره، ولا ريب أنَّ الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك.
ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن والشياطين مثل أن يرى القبر قد انشقَّ وخرج منه الميت وكلَّمه وعانقه، وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم وإنما هو شيطان فإنَّ الشيطان يتصور بصور الإنس ويدعي أحدهم أنه النبي فلان، أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك.
وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره, وهي كثيرة جدًّا، والجاهل يظنُّ أنَّ ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلَّمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما" (١).
وقال ابن تيمية: "وما أحفظ -لا عن صحابيٍّ ولا تابعيٍّ ولا عن إمامٍ معروف- أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحدٌ في ذلك شيئًا، لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن أحدٍ من الأئمة المعروفين، وقد صنَّف النَّاس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، وذكروا فيه الآثار، فما ذكر أحدٌ منهم في فضل
стр. 372
الدعاء عند شيءٍ من القبور حَرْفًا واحدًا -فيما أعلم-، فكيف يجوز -والحال هذه- أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسَّلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه ولا تأمر به.
نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرِّقًا في كلام بعض الناس: فلانٌ تُرجى الإجابة عند قبره وفلانٌ يُدعى عند قبره، ونحو ذلك كما وجد الإنكار على من يقول ويأمر به، كائنًا من كان ... " (١).
وقال في موضعٍ آخر: "وأمَّا ما حُكي عن بعض المشايخ من قوله: إذا نزل بك حادثٌ، أو أمرٌ تخافه فاستوحني فيكشف ما بك من الشدَّة حيًّا كنتَ أو ميِّتًا.
فهذا الكلام ونحوه إمَّا أن يكون كذبًا من الناقل أو خطأً من القائل؛ فإنَّه نقلٌ لا يُعرف صدقه عن قائل غير معصوم، ومن ترك النقل المصدّق عن القائل المعصوم واتبع نقلًا غير مصدّق عن قائل غير معصوم فقد ضلَّ ضلالًا بعيدا" (٢).
"فعُلم أنَّ هذا من الضلال، وإن كان بعض الشيوخ قال ذلك فهو خطأ منه والله يغفر له إن كان مجتهدًا مخطئًا، وليس هو بنبيٍّ يجب اتباع قوله ولا معصوم فيما يأمر به وينهى عنه، وقد قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣)(٤).
"وهذه البدع إنما يحدثها أهل الغلو والشرك المشبهين للنصارى من أهل البدع الرافضة الغالية في الأئمة ومن أشبههم من الغلاة في المشايخ" (٥).
стр. 373
٢ - الذكر بالاسم المفرد
قال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (١) "واذكر اسم ربك، أي: استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم، وهو الاسم المفرد؛ الله الله" (٢).
وقال أيضًا: "والنار التي تحرق البشرية هي مخالفة الهوى، وتحمل النفس ما يثقل عليها، كالذُّل والفقر، ونحوهما مع دوام ذكر الاسم المفرد، فكلَّما فني فيه ذابت بشريته، وقويت روحانيته حتى تستولي على بشريته، فحينئذٍ يكون الحكم لها" (٣).
وابن عجيبة في قوله في الاسم المفرد يسير على عقيدة المتصوفة وابتداعهم للأذكار الباطلة، ولا ريب أنَّ هذا من الآثار السيئة المترتبة على ترك ما جاء في الوحيين، فليتأمل العاقل الحصيف كيف جرَّ هذا المنكر في الاستغراق في الاسم المفرد إلى ما هو أقبح منه في الانحراف العقدي.
قال ابن تيمية في ردِّه على الصوفية: "والذكر بالاسم المفرد مظهرًا ومضمرًا بدعةٌ في الشرع، وخطأٌ في القول واللُّغة، فإنَّ الاسم المجرَّد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا (٤).
وقال في موضعٍ آخر: "وأمَّا الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فليس بكلامٍ تام، ولا جملة مفيدة، ولا يتعلَّق به إيمان، ولا كفر، ولا أمر، ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحدٌ من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول اللّه ﷺ ، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة
стр. 374
مفيدة، ولا حالًا نافعًا، وإنما يعطيه تصورًا مطلقًا، لا يحكم عليه بنفيٍ ولا إثبات، فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه، لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره، وقد وقع من واظب على هذا الذكر بالاسم المفرد وبـ (هو) في فنون الإلحاد وأنواع من الاتحاد ... والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السُّنَّة، وأدخل في البدعة، وأقرب إلى إضلال الشيطان، فإن من قال: يا هو يا هو، أو: هو هو، ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدًا إلا إلى ما يصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل" (١).
وهذا الذكر بالاسم المفرد لا أصل له، ولا يدلُّ على مدحٍ ولا تعظيم، وكل ذلك من البدع والمحدثات المخالفة لطريقة رسول الله ﷺ وطريقة أصحابه ﵃ والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، ولم يعمل به سلف الأُمَّة، فالخير كلُّ الخير في اقتفاء أثرهم واتباع هديهم.
قال ابن تيمية: "وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له فضلًا عن أن يكون من ذكر الخاصَّة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد" (٢).
وقال ابن القيم: "فإنَّ الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا، ولا مفيد شيئًا، ولا هو كلام أصلًا، ولا يدلُّ على مدحٍ ولا تعظيم، ولا يتعلَّق به إيمانٌ ولا ثواب، ولا يدخل به الذاكر في عقد الإسلام جملة.
стр. 375
فلو قال الكافر: (الله، الله) من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلمًا فضلًا عن أن يكون من جملة الذكر، أو يكون أفضل الأذكار، وبالغ بعضهم في ذلك حتى قال: الذكر بالاسم المضمر أفضل من الذكر بالاسم الظاهر، أو الذكر بقوله: (هو، هو) أفضل من الذكر بقولهم: (الله، الله)، وكل هذا من أنواع الهوس والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات" (١).
وإذا كان حال أحدهم ذاكرًا مختليًا في الاسم المفرد -كما زعموا- فمتى سيتدبر آيات الله ويدرك معاني الأحاديث النبوية، ويعمل بها على هدي سنَّة النبي ﷺ "فإنَّ طريق السُّنَّة علمٌ وعدلٌ وهدى، وفي البدعة جهلٌ وظلمٌ، وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس" (٢).
ولا شكَّ أنَّ ترديد هذا الاسم إلى جانب ما فيه من البدع، فهو تعدٍّ في الدعاء بجهر الصوت الجماعي، ولا يوجد لا في الكتاب ولا في السُّنَّة ما يدل على الاجتماع على الذكر جهرًا ولا علانية.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣).
قال الشيخ السعدي: "ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكلُّ هذا داخلٌ في الاعتداء المنهي عنه" (٤).
ولقد نهى نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ الذين رفعوا صوتهم بالتكبير، رغم أنهم لم يرفعوه
стр. 376
بصوتٍ واحد، ولكن امتثالًا للآية.
عن أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ فكنَّا إذا علونا كبَّرنا، فقال النبي ﷺ : «أيُّها النَّاس، اربعوا على أنفسكم فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا ولكن تدعون سميعًا بصيرًا» (١).
ومن حيث الكيفية فإنَّ الشارع إذا ندب لأمرٍ لا بدَّ أن يؤتى بالكيفية التي شرعها، ولا يزاد عليها ولا ينقص، قال الشاطبي: "إنَّ الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرًا في الجملة مما يتعلَّق بالعبادات مثلًا، فأتى المكلَّف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص، أو مقارنًا لعبادة مخصوصة والتزم ذلك بحيث صار متخيلًا أنَّ الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعًا من غير أن يدلَّ الدليل عليه، كان الدليل بمعزلٍ عن ذلك المعنى المستدل عليه.
فإذا ندب الشرع إلى ذكر الله، فالتزم قومٌ الاجتماع عليه على لسانٍ واحدٍ وبصوتٍ واحد، أو في وقتٍ معلومٍ مخصوصٍ عن سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدلُّ على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدلُّ على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعًا شأنها أن تُفهم التشريع، وخصوصًا مع من يُقتدى به في مجامع الناس كالمساجد، فإنَّها إذا ظهرت هذا الإظهار ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله ﷺ في المساجد وما أشبهها كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف فُهم منها بلا شكٍّ أنها سُنن، إذا لم تفهم منه الفرضية فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به فصارت من هذه الجهة بدعًا محدثةً بذلك.
وعلى ذلك ترك التزام السلف الصالح لتلك الأشياء أو عدم العمل بها وهم
стр. 377
كانوا أحق بها وأهلها لو كانت مشروعة على مقتضى القواعد؛ لأنَّ الذكر قد ندب إليه الشرع في مواضع كثيرة حتى إنه لم يطلب في تكثير عبادة من العبادات ما طلب من التكثير من الذكر، بخلاف سائر العبادات كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، ومثل هذا الدعاء فإنه ذكر الله ومع ذلك فلم يلتزموا فيه كيفيات ولا قيدوه بأوقات مخصوصة بحيث تشعر باختصاص التعبد بتلك الأوقات إلا ما عيَّنه الدليل كالغداة والعشي، ولا أظهروا منه إلا ما نصَّ الشارع على إظهاره كالذكر في العيدين وشبهه، وما سوى ذلك فكانوا مثابرين على إخفائه وسرِّه، ولذلك قال لهم حين رفعوا اصواتهم: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا» وأشباهه ولم يظهروه في الجماعات.
فكلُّ من خالف هذا الأصل فقد خالف إطلاق الدليل أولًا؛ لأنَّه قيّد فيه بالرأي، وخالف من كان أعرف منه بالشريعة وهم السلف الصالح ﵃، بل كان رسول الله ﷺ يترك العمل وهو يحب أن يعمل به خوفًا أن يعمل به الناس فيفرض عليهم" (٢).
والغاية من ترديد الاسم المفرد عند الصوفية ما يلي:
أ الوصول إلى وحدة الوجود
قال ابن عجيبة: "فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عمَّا سوى المذكور، لما يعمر قلبك من النور، وربما قرب يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور حتى يغيب عمَّا سوى المذكور، حتى يصير الذاكر مذكورًا، والطالب مطلوبًا،
стр. 378
والواصل موصولًا ... وهنا يسكت اللسان، وينتقل الذاكر للجنان، فيصير ذكر اللسان غفلة في حق أهل هذا المقام ... ؛ لأنَّ ذكره باللِّسان وتكلفه يقتضي وجود النفس، وهو شرك، والشرك أقبح من الغفلة ... والفرض أنَّ الذكر محو في مقام العيان" (١).
وقال أيضًا: "وهو ركنٌ قويٌّ في طريق الوصول" (٢).
وعلّق ابن عجيبة على تكرار ابن مشيش للفظ الجلالة بقوله: "كرره ثلاثًا على عدد العوالم الثلاثة: الملك والملكوت والجبروت، فكلُّ مرَّةٍ يعني بها عالَمًا ويترقى إلى عالمٍ آخر حتى يتقرر بالثلاثة في عالم الجبروت" (٣).
ب الكشف (٤)
قال ابن عجيبة: "النَّاس في الذكر على ثلاثة أقسام: قسم يطلبون الأجور، وقسم يطلبون الحضور، وقسم وصلوا ورفعوا الستور" (٥).
ج- الاستغراق
قال ابن عجيبة: لا يكون الفتح على تحقيق العبد بمقام الرضا إلا بعد تحققه بثلاثة أمور: الاستغراق في الاسم المفرد، صحبته للصالحين، مسكه بالعمل الصالح الذي لم يتصل به شيءٌ من العلل وهو التمسُّك بالشريعة المحمدية" (٦).
وهذه الشطحات الصوفية التي يريدون أن يصلوا إليها سبق بيانها والرد عليها في مباحث سابقة.
стр. 379
٣ - شعائر التصوف (لبس المرقعة، التلقين، تعليق التسابيح)
قال ابن عجيبة: لما فتح الله علينا في علم الحقيقة أذن لي الشيخ في الخروج إلى تذكير عباد الله وتلقين الأوراد، فتاب الناس وعلَّقوا التسابيح في أعناقهم ثم استأذنت الشيخ في لبس المرقعة (١).
ويقول أيضًا: "ولما لقنني (٢) الورد قلتُ له: أنا بين يديك افعل بي ما شئت، فقال: تبارك الله عليك، ثم التفت إلى بعض أصحابه فقال لهم: سيدي أحمد متصفٌ بالزُّهد والورع والتوكُّل والصبر والحلم والرضى والتسليم والشفقة والرحمة والسخاء ... حتى عد اثني عشر مقامًا فقلت له: يا سيدي هذا هو التصوُّف، فقال: هذا تصوُّف الظاهر وبقي تصوف الباطن ستعرفه إن شاء الله" (٣).
وقال: ثم علَّقتُ السُّبحة الغليظة في عنقي، ولبستُ المرقعة ففرَّ الناس منِّي، وتفرَّغتُ لسلوك الطريق (٤).
وهذه الأقوال التي ذكرها ابن عجيبة تبيِّن أنَّ بعض الصوفية اتخذوا لهم شعائر ما أنزل الله بها من سلطان، ولم تعرف في عهد الصحابة ﵃ ولا التابعين.
يقول ابن تيمية: "قد عُقل بالنَّقل المتواتر أنَّ الصحابة لم يكونوا يُلبسون مريديهم (٥) خرقة، ولا يقصُّون شعورهم، ولا التابعون، ولكن هذا فعله بعض مشايخ المشرق من المتأخرين ... وقد علم كلُّ من له علمٌ بأحوال الصحابة والتابعين أنه لم يكن فيهم أحدٌ يلبس سراويل، ولا يُسْقَى ملحًا، ولا يختصُّ أحدٌ بطريقة تسمى
стр. 380
الفتوة" (١).
وللأسف فالبعض لا زالت عنده لوثة التصوف إمَّا تقليدًا للآباء، أو جهلًا بالعلم الشرعي، فتراهم يلبسون الخرقة زاعمين أنَّها لبس النبي ﷺ .
قال ابن تيمية: "وأما لباس الخرقة التي يلبسها بعض المشايخ المريدين فهذه ليس لها أصل يدلُّ عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسُّنَّة ولا كان المشايخ المتقدمون وأكثر المتأخرين يلبسونها المريدين ... وأمَّا جعل ذلك سُنَّةً وطريقًا إلى الله فليس الأمر كذلك" (٢).
أمَّا القول الحق في ذلك فيتضح بموقف السلف من علمائهم ومشايخهم.
قال ابن تيمية: "لكن كانوا قد اجتمع بهم التابعون، وتعلَّموا منهم، وتأدَّبوا بهم، واستفادوا منهم، وتخرَّجوا على أيديهم، وصحبوا من صحبوه منهم، وكانوا يستفيدون من جميع الصحابة ... وقد انتفع بكلٍّ منهم من نفعه الله، وكلهم متفقون على دين واحد، وطريق واحدة، وسبيل واحدة، يعبدون الله ويطيعون الله ورسوله ﷺ ومن بلَّغهم من الصادقين عن النبي ﷺ شيئًا قبلوه، ومن فهم من القرآن والسُّنَّة ما دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة استفادوه، ومن دعاهم إلى الخير الذي يحبه الله ورسوله أجابوه، فإنَّ هذا ونحوه دين النصارى الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣).
стр. 381
ولم يكن أحدٌ منهم يجعل شيخه ربًّا يستغيث به، كالإله الذي يسأله ويرغب إليه، ويعبده ويتوكل عليه، ويستغيث به حيًّا وميتًا، ولا كالنبي الذي تجب طاعته في كلِّ ما أمر، فالحلال ما حلَّله والحرام ما حرَّمه، وكانوا متعاونين على البرِّ والتقوى، لا على الإثم والعدوان، متواصين بالحق، متواصين بالصبر" (١).
وقال ابن الجوزي: "وقد قرَّروا أنَّ هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ وجعلوا لها إسنادًا متصلًا كله كذبٌ ومحال ... انظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من تلبيس إبليس إلى تلاعب هؤلاء الجهلة بالشريعة وإجماع مشايخهم الذي لا يساوي إجماعهم بعرة" (٢).
وفعل الصوفية هذا فيه مصادمة لنصوص الوحي التي جاءت مستفيضة بالحثِّ على التزين واللِّباس الحسن، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤).
واستحسن النبي ﷺ إظهار الزينة في غير إسراف ولا مخيلة، فقد قال ﷺ للرَّجُل الذي قال يا رسول: الرَّجُلُ يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال الرسول ﷺ : «إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال» (٥).
وإنَّك لو سبرت كتب السُّنَّة لوجدت فيها أبوابًا كثيرةً خاصَّةً بالتجمُّل والزينة،
стр. 382
ولوجدتَ مؤلفيها يدعون إلى مجانبة الغلو، ويحذرون من أهل الأهواء في اعتقاداتهم الباطلة في لباسهم، وشعائرهم البدعية، ويعدون ذلك من ضعف الإيمان، ومتابعة الأمم السابقة.
وفي ذلك قال الآجري (١): "من تصفَّح أمر هذه الأُمَّة من عالم عاقل، علم أنَّ أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي ﷺ ، وعلى سنن كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العُمَّال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السُّنَّة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي ﷺ ، والله المستعان، ما أقلَّ من يتخلَّص من البلاء الذي قد عمَّ الناس، ولن يميِّز هذا إلا عاقلٌ عالمٌ قد أدَّبه العلم" (٢).
واتخاذ الصوفية المرقعات شعارًا للزُّهد والتقشُّف مخالفة للشرع، بل الواجب على العبد أن يظهر أثر نعمة الله عليه، وهذا هو الذي أمرنا به نبيُّنا محمَّد ﷺ .
قال رجل: دخلت على رسول الله ﷺ فرآني سيء الهيئة، فقال النبي ﷺ : «هل لك من شيء؟» قال: نعم من كلِّ المال قد آتاني الله، فقال: «إذا كان لك مال فليُرَ عليك» (٣).
стр. 383
وقال ابن بطة (١): "ومن البدع ... لبس الحرير والديباج وتخريق الثياب" (٢).
ويقول أيضًا: "فلو أنَّ رجلًا عاقلًا أمعن النظر اليوم في الإسلام وأهله لعلم أنَّ أمور الناس تمضي كلها على سنن أهل الكتابين ... ومتى فكَّرت في ذلك وجدت الأمر كما أخبرتك في المصائب والأفراح وفي الزي واللباس ... كل ذلك يجري بخلاف الكتاب والسُّنَّة" (٣).
ولعلَّ في هذا الردِّ غُنية، حتى يراجع المبتدع نفسه، ويعود إلى طريق الصواب؛ لأنَّ المبتدع كما هو معلوم معاندٌ للشرع، فهو يزداد من الله بُعْدًا والعياذ بالله، إن لم يتداركه الله بتوبةٍ قبل الموت.
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).
وأمَّا تعليق السُّبحة في العنق فهي من المحدثات، يقول ابن تيمية ﵀: "وأمَّا اتخاذه -أي التسبيح بالمسبحة- من غير حاجة، أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك: فهذا إمَّا رياءٌ للناس، أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة، الأولُ محرَّم، والثاني أقلُّ أحواله الكراهة؛ فإنَّ مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذِّكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب" (٥).
стр. 384
ويقول المناوي: "أمَّا ما أَلِفَه الغَفَلَةُ البطلةُ من إمساك سبحة يغلب على حباتها الزينة وغلو الثمن ويمسكها من غير حضور في ذلك ولا فكر ويتحدث ويسمع الأخبار ويحكيها وهو يحرِّك حبَّاتها بيده مع اشتغال قلبه ولسانه بالأمور الدنيوية فهو مذمومٌ مكروهٌ من أقبح القبائح" (١).
وقال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ (٢): "وإنَّه إذا انضاف إلى السُّبْحةِ أمرٌ زائدٌ غير مشروع، مثل جعلها في الأعناق تعبُّدًا، والتغالي فيها من أنها حبل الوصل إلى الله، ودخول أي معتقد نفعًا وضرًّا، وإظهار التنسُّك والزهادة، إلى غير ذلك مما يأباه الشرع المطهَّر، فإنَّه يحرم اتخاذها، بوجهٍ أشد ...
ومن وقف على تاريخ اتخاذ السُّبحة، وأنَّها من شعائر الكُفَّار من البوذيين والهندوس والنصارى وغيرهم، وأنَّها تسرَّبت إلى المسلمين من معابدهم، علم أنَّها من خصوصيات معابد الكفرة، وأنَّ اتخاذ المسلم لها وسيلة للعبادة بدعة ضلالة، وهذا ظاهرٌ بحمد الله تعالى، وهذا أهمُّ مَدْرَكٍ لِلْحُكْم على السُّبْحَة بالبدعة، ... وتحقق مناط المنع فيها: التشبُّه" (٣).
стр. 385
شبهة من اتخذ السُّبحة شعارًا والرَّد عليه:
قال البناني (١): "إنَّ العقد بالأنامل إنما يتيسر في الأذكار القليلة من (المائة) فَدُوْن، أمَّا أهل الأوراد الكثيرة، والأذكار المتصلة، فلو عدَّوا بأصابعهم لدخلهم الغلط، واستولى عليهم الشغل بالأصابع، وهذه حكمة اتخاذ السُبْحة" (٢).
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: "ليس في الشرع المطهَّر أكثر من المائة في عدد الذكر المقيَّد بحال أو زمان أو مكان، وما سوى المقيَّد فهو من الذكر المطلق، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٣)، وتوظيف الإِنسان على نفسه ذكرًا مقيَّدًا بعددٍ لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ هو زيادة على المشروع، ونفس المؤمن لا تشبع من الخير، وكثرة الدعاء والذكر، وهذا الأمر المطلق من فضل الله على عباده في حدود ما شرعه الله من الأدعية والأذكار المطلقة، بلا عددٍ معيَّن، كلٌّ حسب طاقته ووُسعِه، وفَرَاغه، وهذا من تيسير الله على عباده، ورحمته بهم.
وانظر لَمَّا ألزم الطرقية أنفسهم بأعدادٍ لا دليل على تحديدها؛ وَلَّدَ لَهُمْ هذا الإِحداث بِدَعًا من اتخاذ السُّبَح، وإلزام أنفسهم بها، واتخاذها شعارًا وتعليقها في الأعناق، واعتقادات متنوعة فيها رغبًا، ورهبًا، والغلو في اتخاذها، حتى ناءت بحملها الأبدان، فَعُلِّقَتْ بالسُّقوف والجدران، وَوُقِّفَت الوقوف على العَادِّين بها، وانْقَسَمَ
стр. 386
المتعبِّدون في اتخاذها: نوعًا وكيفيةً، وزمانًا ومكانًا، وعددًا، ثم تطورت إلى آلةٍ حديدية مصنَّعة، إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون، فعلى كل عبدٍ ناصحٍ لنفسه أن يتجرَّد من الإِحداث في الدين، وأن يقصر نفسه على التأسِّي بخاتم الأنبياء والمرسلين، وصحابته ﵃ " (١).
٤ - صلاة التسابيح
أ كيفيتها عند ابن عجيبة
قال: "أربع ركعات تقرأ فيها الفاتحة والكافرون والعصر ( .... ) (٢) والإخلاص، وبعد ذلك سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسة عشر مرة، وفي القيام وفي الركوع والاعتدال والسجود، والجلوس بينهما، والاستراحة بينهما والتشهد وبعدها قبل السلام يدعو ... " (٣).
ب ما يستند عليه في مشروعيتها
ومستند المجيزين لها ما رواه أهل السُّنن عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال للعبَّاس بن عبد المطلب: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ أَلَا أُعْطِيكَ أَلَا أَمْنَحُكَ أَلَا أَحْبُوكَ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ، أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ في أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ
стр. 387
عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِى سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ في كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ في أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي عُمُرِكَ مَرَّةً» (١).
وهذه الصلاة التي تعرف عند أهل العلم بصلاة التسابيح قد اختلف فيها أهل العلم: فمنهم من ينكرها ولا يرى مشروعيتها كالإمام أحمد (٢)، ومنهم من يقول بمشروعيتها كالحنفيَّة والشافعيَّة، وسبب ذلك اختلافهم في صحة الحديث الوارد فيها، فمنهم من صحَّحه، ومنهم من حسَّنه، ومنهم من ضعَّفه، ومنهم من جعله في الموضوعات كابن الجوزي فقد عدَّه من الأحاديث الموضوعة التي لا تثبت وذكر له ثمان طرق كلها حكم عليها بعدم الثبوت (٣).
والذي رجَّحه بعض أهل العلم عدم مشروعيتها وأنَّ الحديث الوارد فيها ضعيفٌ ولا يصحُّ، قال العقيلي: "ليس في صلاةِ التسبيح حديثٌ يثبت" (٤).
стр. 388
"وقال أبو بكر بن العربي (١): ليس فيها حديثٌ صحيحٌ ولا حَسَن" (٢).
وضعَّف هذه الصلاة الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي (٣).
وضعَّفه الهيثمي (٤) في مجمع الزوائد (٥).
وقال ابن تيمية ﵀: "كلُّ صلاةٍ فيها الأمر بتقدير عدد الآيات أو السُّور أو التسبيح، فهي كذبٌ باتفاق أهلِ المعرفة بالحديث، إلا صلاة التسبيح فإنَّ فيها قولين لهم، وأظهر القولين أنها كذب، وإن كان قد اعتقد صدقها طائفة من أهل العلم، ولهذا لم يأخذها أحدٌ من أئمة المسلمين، بل أحمد بن حنبل وأئمة أصحابه كرهوها وطعنوا في حديثها، وأمَّا مالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم فلم يسمعوها بالكليَّة،
стр. 389
ومن يستحبها من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما فإنما هو اختيارٌ منهم، لا نقلٌ عن الأئمة" (١).
وقال في موضع آخر: "وأجود ما يروى من هذه الصلوات حديث صلاة التسبيح، وقد رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣)، ومع هذا فلم يَقُل به أحدٌ من الأئمة الأربعة، بل أحمد ضعَّف الحديث ولم يستحب هذه الصلوات، وأمَّا ابن المبارك (٤) فالمنقول عنه ليس مثل الصلاة المرفوعة إلى النبي ﷺ فإنَّ الصلاة المرفوعة إلى النبي ﷺ ليس فيها قعدة طويلة بعد السَّجدة الثانية، وهذا يخالف الأصول فلا يجوز أن تثبت بمثل هذا الحديث، ومن تدبَّر الأصول علم أنه موضوع" (٥).
стр. 390
ونقل المباركفوري (١) كلام المنذري (٢) في المسألة "قال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس المذكور: وقد روي هذا الحديث من طُرُقٍ كثيرة وعن جماعة من الصحابة وأمثلها حديث عكرمة هذا وقد صححه جماعة منهم الحافظ أبو بكر الآجري ... وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي (٣)،
وقال أبو بكر بن أبي داود (٤) سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديثٌ صحيحٌ غير هذا" (٥).
وأمَّا ذكره المنذري في تصحيحه لهذا الحديث فقد تعقَّبه الحافظ ابن حجر