المتعبِّدون في اتخاذها: نوعًا وكيفيةً، وزمانًا ومكانًا، وعددًا، ثم تطورت إلى آلةٍ حديدية مصنَّعة، إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون، فعلى كل عبدٍ ناصحٍ لنفسه أن يتجرَّد من الإِحداث في الدين، وأن يقصر نفسه على التأسِّي بخاتم الأنبياء والمرسلين، وصحابته ﵃ " (١).
٤ - صلاة التسابيح
أ كيفيتها عند ابن عجيبة
قال: "أربع ركعات تقرأ فيها الفاتحة والكافرون والعصر ( .... ) (٢) والإخلاص، وبعد ذلك سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسة عشر مرة، وفي القيام وفي الركوع والاعتدال والسجود، والجلوس بينهما، والاستراحة بينهما والتشهد وبعدها قبل السلام يدعو ... " (٣).
ب ما يستند عليه في مشروعيتها
ومستند المجيزين لها ما رواه أهل السُّنن عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال للعبَّاس بن عبد المطلب: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ أَلَا أُعْطِيكَ أَلَا أَمْنَحُكَ أَلَا أَحْبُوكَ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ، أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ في أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ
стр. 387
عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِى سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ في كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ في أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ففي عُمُرِكَ مَرَّةً» (١).
وهذه الصلاة التي تعرف عند أهل العلم بصلاة التسابيح قد اختلف فيها أهل العلم: فمنهم من ينكرها ولا يرى مشروعيتها كالإمام أحمد (٢)، ومنهم من يقول بمشروعيتها كالحنفيَّة والشافعيَّة، وسبب ذلك اختلافهم في صحة الحديث الوارد فيها، فمنهم من صحَّحه، ومنهم من حسَّنه، ومنهم من ضعَّفه، ومنهم من جعله في الموضوعات كابن الجوزي فقد عدَّه من الأحاديث الموضوعة التي لا تثبت وذكر له ثمان طرق كلها حكم عليها بعدم الثبوت (٣).
والذي رجَّحه بعض أهل العلم عدم مشروعيتها وأنَّ الحديث الوارد فيها ضعيفٌ ولا يصحُّ، قال العقيلي: "ليس في صلاةِ التسبيح حديثٌ يثبت" (٤).
стр. 388
"وقال أبو بكر بن العربي (١): ليس فيها حديثٌ صحيحٌ ولا حَسَن" (٢).
وضعَّف هذه الصلاة الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي (٣).
وضعَّفه الهيثمي (٤) في مجمع الزوائد (٥).
وقال ابن تيمية ﵀: "كلُّ صلاةٍ فيها الأمر بتقدير عدد الآيات أو السُّور أو التسبيح، فهي كذبٌ باتفاق أهلِ المعرفة بالحديث، إلا صلاة التسبيح فإنَّ فيها قولين لهم، وأظهر القولين أنها كذب، وإن كان قد اعتقد صدقها طائفة من أهل العلم، ولهذا لم يأخذها أحدٌ من أئمة المسلمين، بل أحمد بن حنبل وأئمة أصحابه كرهوها وطعنوا في حديثها، وأمَّا مالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم فلم يسمعوها بالكليَّة،
стр. 389
ومن يستحبها من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما فإنما هو اختيارٌ منهم، لا نقلٌ عن الأئمة" (١).
وقال في موضع آخر: "وأجود ما يروى من هذه الصلوات حديث صلاة التسبيح، وقد رواه أبو داود (٢) والترمذي (٣)، ومع هذا فلم يَقُل به أحدٌ من الأئمة الأربعة، بل أحمد ضعَّف الحديث ولم يستحب هذه الصلوات، وأمَّا ابن المبارك (٤) فالمنقول عنه ليس مثل الصلاة المرفوعة إلى النبي ﷺ فإنَّ الصلاة المرفوعة إلى النبي ﷺ ليس فيها قعدة طويلة بعد السَّجدة الثانية، وهذا يخالف الأصول فلا يجوز أن تثبت بمثل هذا الحديث، ومن تدبَّر الأصول علم أنه موضوع" (٥).
стр. 390
ونقل المباركفوري (١) كلام المنذري (٢) في المسألة "قال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس المذكور: وقد روي هذا الحديث من طُرُقٍ كثيرة وعن جماعة من الصحابة وأمثلها حديث عكرمة هذا وقد صححه جماعة منهم الحافظ أبو بكر الآجري ... وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي (٣)،
وقال أبو بكر بن أبي داود (٤) سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديثٌ صحيحٌ غير هذا" (٥).
وأمَّا ذكره المنذري في تصحيحه لهذا الحديث فقد تعقَّبه الحافظ ابن حجر
стр. 391
بقوله: "والحق أنَّ طرقه كلَّها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن؛ إلا أنَّه شاذٌّ؛ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات ... " (١).
عاشرًا: الشرك في الألوهية
* تعريف الشرك لغةً:
يعود إلى المخالطة والمقارنة، "قال الخليل: الشِّرْكُ: ظُلْمٌ عظيمٌ، والشِّرْكةُ: مخالطةُ الشَّريكين، واشتركا بمعنى تشاركا، وجمع شريك: شركاء وأشراك ... " (٢).
وقال ابن فارس: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما: يدلُّ على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدلُّ على امتدادٍ واستقامة.
فالأول: الشَّركة، وهو أن يكون الشيءُ بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشَّيء: إذا صرتُ شريكه، وأشركت فلانًا: إذا جعلته شريكًا لك، قال الله -جلَّ ثناؤه- في قِصَّة موسى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٣)، ويقال في الدُّعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين، أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك، وشركت الرَّجُلَ في الأمر أشركه.
وأما الأصل الآخر: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبَّهٌ بهذا، ومنه شرك الصائد، سمي بذلك لامتداده" (٤).
стр. 392
* تعريفه في الاصطلاح:
قال الشيخ السعدي ﵀: "فهو أن يَجعل لله ندًّا يدعوه كما يدعو الله أو يخافه أو يرجوه أو يحبه كحبِّ الله ، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة" (١).
وقال ابن تيمية: "ومن سوَّى بينه وبين غيره في أمرٍ من الأمور فهو مشرك ... قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٢).
قال السَّعدي: "أي: يعدلون به سواه، يسوونهم به في العبادة والتعظيم، مع أنهم لم يساووا الله في شيءٍ من الكمال، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كلِّ وجه" (٣).
* المخالفات العقدية عند ابن عجيبة في هذا المقام:
١ - الاعتقاد في الأولياء أنَّهم يقدِّمون الضر والنفع، فيذهبون إلى قبورهم ويتمسَّحون بها ويدعون عندها.
قال ابن عجيبة: لله در صاحب العينية (٤):
وشَمِّرْ ولُذْ بالأولياءِ فإنَّهم ... لهم من كتابِ الحقِّ تلك الوقائعُ
همُ الذُّخرُ للملهوفِ والكنز والرَّجا ... ومنهم ينال الحبَّ ما هو طامعُ
стр. 393
هم القصدُ والمطلوبُ والسُّؤل والمنى ... وأُنسهمُ للصَّبِّ في الحبِّ شافعُ
همُ النَّاسُ فالزمْ إن عرفتَ جنابَهم ... ففيهم لضرِّ العالمين منافعُ (١)
ويقول أيضًا:
حُكي عن وليٍّ أنه قصد أذيته بعضُ الحكَّام، ففرَّ إلى الغزالي، فجلس عند ضريحه مشتكيًا بلسان الحال، فمدَّ له من القبر بعود الريحان مكتوبًا فيه بمداد لم يجف مداده:
إذا ما أتاك الدهرُ يومًا بنكبةٍ ... فأفرغْ له صبرًا ووسِّع له صدرَا
فإنَّ تصاريف الزمانِ عجيبةٌ ... فيومًا ترى عسرًا ويومًا ترى يسرَا (٢)
٢ - تعظيم الشيوخ ورفعهم فوق منزلتهم
قال ابن عجيبة في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣): "ما زال الفقراء يعظِّمون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يقبِّلون أرجلهم والتراب بين أيديهم، ويجتهدون في خدمتهم، فإذا رآهم الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم ... لكنَّهم يرشدونهم إلى الحضرة، حتى يفنون عن شهود الواسطة، فيكون تعظيمهم وحطّ رأسهم إنما هو لله لا لغيره ... وكان شيخنا يقول: لا تزوروني على أنِّي شيخكم، ولكن اعرفوا فينا، وافنوا عن رؤية حسِّنا، حتى يكون التعظيم إنما هو لله ربنا" (٤).
стр. 394
ولقد ضرب ابن عجيبة مثالًا في الغلو الممدوح في الشيخ حسب ما زعم، فقال:
"ينبغي للمريد الذي تحقَّق بخصوصية شيخه أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كل البعد، ولا يهين له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع، فإنَّ هذا من التعظيم الذي هو سبب في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين، قلتُ: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلتُ له: لو اتفق أهل السَّموات السَّبع والأرضين السَّبع على أنَّه من أهل البدعة لقلتُ أنا: إنَّه من أهل السُّنَّة؛ لأنِّي تحقَّقت بخصوصيته كالشَّمس في أفق السَّماء ليس دونها سحاب" (١).
ورغم أنَّ ابن عجيبة عُرف بكونه حافظًا لكتاب لله بالقراءات العشر إلا أنَّه لم يُوفَّق لما دلَّت عليه النصوص وفق فهم سلف الأُمَّة، فأين هو من قول الله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٤).
стр. 395
وتأمَّل ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فإنَّه عامٌّ يدخل فيه كلُّ من اعتقد في الأوثان والأصنام والأولياء، فهم لا يملكون شيئًا، لا قليلًا ولا كثيرًا، حتى القطمير الذي هو أحقر الأشياء، وهذا من تنصيص النفي وعمومه، فكيف يُدْعَوْنَ وهم غير مالكين لشيءٍ من ملك السَّماوات والأرض، ومع هذا لا يسمعوكم؛ لأنَّهم ما بين جمادٍ وأمواتٍ وملائكةٍ مشغولين بطاعة ربهم، وعلى فرض أنهم سمعوا لن يستجيبوا، بل يتبرؤون منكم يوم القيامة (١).
فكيف يُدعى ميتٌ لا حراك فيه ولا حس، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).
قال السَّعدي: "يخبر تعالى أنَّه المتفرِّد بالتصرُّف بالعباد، في حال يقظتهم ونومهم، وفي حال حياتهم وموتهم" (٣).
وقال ابن القيم: "ومن المحال أن يكون دعاء الموتى، أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعًا وعملًا صالحًا، ويُصرف عنه القرون الثلاثة المفضَّلة بنصِّ رسول الله ﷺ ، ثم يُرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سُنَّة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة، ... هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسَّحوا بها، فضلًا أن
стр. 396
يصلُّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفوا على أثرٍ واحدٍ أو حرفٍ واحدٍ من ذلك، بلى، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثيرٍ من ذلك، وكلَّما تأخَّر الزَّمانُ وطال العهدُ كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرفٌ واحدٌ من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير" (١).
ومعلوم بنصوص الوحي أنَّ الإنسان إذا مات انقطع عمله، فعن أبي هريرة ﵁ قال، قال النبي ﷺ : «إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلَّا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (٢).
ومن اعتقد في الأولياء بأنَّهم يتصرفون في الكون، أو ينفعون أو يضرُّون فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا، وعليه التوبة قبل الموت، وإلا مات على الشِّرك الأكبر والعياذ بالله.
قال ابن تيمية ﵀: "فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم، وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
стр. 397
وعملهم هذا من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولًا ولا أنزل به كتابًا، وليس هو واجبًا ولا مستحبًّا باتفاق المسلمين، ولا فعله أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمامٌ من أئمَّة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثيرٌ من الناس ممَّن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كلُّه من الشَّيطان، وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كلُّه ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمَّة المسلمين، ومن تعبَّد بعبادةٍ ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبةً أو مستحبةً فهو ضالٌّ مبتدعٌ بدعةً سيئةً لا بدعةً حسنةً باتفاق أئمة الدين، فإنَّ الله لا يُعبد إلا بما هو واجبٌ أو مستحب، وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ويحتجون عليها بحججٍ من جهة الرأي أو الذوق، أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك، ... ولا ريب أنَّ الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم، وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك، ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلَّمه وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطانٌ فإنَّ الشيطان يتصوَّر بصور الإنس ويدعي أحدهم أنَّه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك، وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي كثيرة جدًّا، والجاهل يظنُّ أنَّ ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلَّمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان" (١).
стр. 398
وقال أيضًا: "ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصوَّر لهم في صور الآدميين فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا إبراهيم أنا المسيح أنا محمَّد أنا الخضر أنا أبو بكر أنا عمر أنا عثمان أنا عليٌّ أنا الشيخ فلان، وقد يقول بعضهم عن بعض: هذا هو النبي فلان أو هذا هو الخضر ويكون أولئك كلهم جنًّا يشهد بعضهم لبعض، والجن كالإنس فمنهم الكافر ومنهم الفاسق ومنهم العاصي وفيهم العابد الجاهل فمنهم من يحب شيخًا فيتزيَّا في صورته ويقول: أنا فلان، ويكون ذلك في بريَّة ومكان قفر فيطعم ذلك الشخص طعامًا ويسقيه شرابًا أو يدلُّه على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة فيظن ذلك الرَّجُلُ أنَّ نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك وقد يقول: هذا سرُّ الشيخ وهذه رقيقته وهذه حقيقته أو هذا ملك جاء على صورته، وإنما يكون ذلك جنيًّا؛ فإنَّ الملائكة لا تعين على الشِّرك والإفك والإثم والعدوان" (١).
قال ابن القيم: "ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم، واتخذت أوثانًا، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوِّرت صور أربابها فيها، ثم جُعلت تلك الصور أجسادًا لها ظل، ثم جُعلت أصنامًا، وعُبدت مع الله تعالى، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر الله عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٢)، ... وغرَّهم الشيطان، فقال: بل هذا تعظيمٌ لقبور المشايخ والصالحين، وكُلَّما كنتم أشدَّ لها تعظيمًا، وأشدَّ فيهم غلوًّا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.
стр. 399
ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عُبَّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة.
فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التي أنزلهم الله إيَّاها من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم.
فأمَّا المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم، وكل من شمَّ أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أنَّ من أهمِّ الأمور سد الذريعة إلى هذا المحظور، وأنَّ صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأنَّ الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته، ورأيت لأبى الوفاء بن عقيل في ذلك فصلًا حسنًا، فذكرته بلفظه، قال: "لما صعبت التكاليف على الجُهَّال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كُفَّارٌ بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها، يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبرُّكًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشدّ الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداءً بمن عبد اللات والعُزَّى ... ومن جمع بين سنة رسول الله ﵌ في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه ﵃، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له، بحيث لا يجتمعان أبدًا" (١).
стр. 400
وتعظيم ابن عجيبة للشيخ ورفعه فوق منزلته والإلزام بطاعته بحجة أنهم علماء لا يُسلَّم له.
قال البربهاري: "العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، وإنما العالم من اتبع العلم والسُّنن وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسُّنَّة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب" (١).
ويقول أيضًا: "لم تجئ بدعةٌ قط إلا من الرعاع أتباع كل ناعق ... فمن كان هكذا فلا دين له ... وهم علماء السُّوء وأصحاب البدع" (٢).
وكل من عمل عملًا أو تكلَّم بكلامٍ لا يوافق كتاب الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ وسُنَّة الخلفاء الراشدين وقول صحابته ﵃ فهو بدعة، وهو ضلالة، وهو مردودٌ على قائله أو فاعله (٣).
ولو اعتصم الصوفية ومن تبعهم بالكتاب والسُّنَّة وفهموهما وفق فهم سلف الأُمَّة لما وصلوا إلى هذه المخالفات العقدية، فعجبًا لأفعالهم!! ينهاهم النبي ﷺ عن الصَّلاة إلى القبور فهم يُصَلُّون عندها، ويدعون الأموات من دون الله، بل وصل بعض من طمس الله على بصيرته أن ألَّف مؤلفًا (٤) يحثُّ على زيارة المشاهد وتعظيمها ويهتفون باسمها عند الشدائد.
"وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ النبي ﷺ لم يأمر بما ذكروه من أمر
стр. 401
المشاهد، ولا شرع لأُمَّته مناسك عند قبور الأنبياء والصالحين، بل هذا من دين المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١) "، (٢).
وفعلهم هذا كفعل قوم نوح ﵇.
قال الصنعاني في داليته:
وكم هتفوا عندَ الشدائدِ باسمِها ... كما يهتفُ المضطرُّ بالصَّمَدِ الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرةٍ ... أُهلَّت لغير الله جهرًا على عَمْد
وكم طائفٍ حولَ القبورِ مُقَبِّلٍ ... ومستلمِ الأركانِ منهنَّ بالأيدِي (٣)
٣ - التوجه إلى الرَّسُول ﷺ بالدُّعاء والتوسُّل والاستغاثة
كثرت أشعار المتصوفة التي يقررون بها التوجه بالدعاء والتوسل والاستغاثة بالنبي ﷺ .
قال البوصيري (٤):
يا أكرمَ الخلقِ مالي من ألوذُ بِهِ ... سواك عند حلولِ الحادثِ العممِ (٥)
شرحه ابن عجيبة بقوله: لاذ به لوذًا ولياذًا: التجأ إليه، والحلول: النزول،
стр. 402
والحادثُ: ضد القديم، والعممِ: العام، والمراد هنا الموت الذي يعمُّ جميع الخلق وما بعده من أهوال الموقف والصراط والميزان وغير ذلك من الأهوال ... ثم نادى (١) مسؤوله المهم من حاجته بعد تقدُّم الوسيلة التصريح بالكرم المشعر ببراعة الاستهلال على قضاء حاجته، ومضمون هذا الكلام مؤذن بحصول الثواب" (٢).
وأقرَّ الاستغاثة به في شرحه لهذا البيت:
ومن هو الآية الكبرى لمعتبرٍ ... ومن هو النعمةُ العظمى لمغتنم
"الشرح: يقول ﵀ (٣) متمِّمًا للاستغاثة به واصفًا له بوصفين عظيمين عطفهما على ما قبله، أي: يا مَن قصده الطالبون فسعدوا بما طلبوا، ... " (٤).
وفي قوله:
يا خيرَ مَنْ يمَّمَ العافون ساحَتَهُ ... سعيًا وفوق متون الأَيْنُقِ الرُّسُمِ (٥)
٤ - التوجه إلى الأولياء بالدعاء والاستغاثة بهم
يقول ابن عجيبة: "فإن تعذَّر عليه (٦) الوصول إلى الشيخ وقد عرض له مرضٌ
стр. 403
أو أمرٌ فليشخص بين عينيه بصفته وهيئته، ويشكو له، فإنَّه يبرأ بإذن الله، وإن كان مع جماعة واستحيا فليشتك إليه في قلبه" (١).
والدعاء والاستغاثة من جملة أنواع العبادة التي لا يصلح منها شيءٌ إلا لله ، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو عابدٌ لغير الله، سواءً سمَّى دعاءه توكُّلًا أو تبرُّكًا وما إلى ذلك، فإنَّ هذه التسمية لا تغيِّر شيئًا ولو يسيرًا من حقيقة ما ذهب إليه ذلك الداعي، ولا لذة للعبد إلا أن يكون الله سبحانه هو إلهه ومستغاثه، الذي إليه مفزعه عند الشدائد وإليه مرجعه في عامَّة المطالب والمقاصد.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢).
قال الطبري: "يعني أفردوا له التوحيد، وأخلصوا له العبادة" (٣).
ومن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله ﷺ ثم يستغيث بغير الله فهذا شركٌ أكبر، ولا ينفعه هذا التوحيد مع هذه الاستغاثة.
والاستغاثة التي أرشدنا إليها النبي ﷺ ليعلم الأُمَّة هي تجريد التوحيد، قال الألوسي (٤): "فإذا قيل: تجوز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين ودعاؤهم والنذر لهم على أنهم وسائط ووسائل بين الله وبين عباده وأنَّ الله يفعل لأجلهم، انهدمت القاعدة
стр. 404
الإيمانية، وانتقضت الأصول التوحيدية، وفتح باب الشرك الأعظم، وعادت الرغباب والرهبات، والمقاصد والتوجيهات إلى سُكَّان القبور والأموات، ومن دعا مع الله من سائر المخلوقات، وهذه هي الغاية الشركية، والعبادة الوثنية، فنعوذ بالله من الضلال والشقاء والانحراف عن أسباب الفلاح والهدى ... وعلى القول بجعل الوسائط والشفعاء بين العباد وبين الله تقلع أصول هذا الأصل العظيم، الذي هو قطب رحى الإيمان، وينهدم أساسه الذي ركب عليه البنيان، فأيُّ فرحٍ وأيُّ نعيمٍ وأيُّ فاقةٍ سُدَّت، وأيُّ ضرورةٍ دُفعت، وأيُّ سعادةٍ حصلت، وأيُّ أنسٍ واطمئنانٍ إذا كان التوجُّه والدعاء والاستغاثة والذَّبح والنَّذر لغير الملك الحنَّان المنَّان" (١).
ومن عرف الشرك حق المعرفة يعلم أنَّ من قال: تجوز الاستغاثة والتوسُّل بالأنبياء والصالحين والنذر لهم والحلف وما أشبهه من التعظيم له نصيب وافر من الكذب على الله وعلى رسوله، ومن الصَّد عن سبيل الله وابتغاء العوج، والله المستعان (٢).
أمَّا الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فيجوز ذلك، ومثاله: أن يستغيث إنسانٌ مكروب بإنسانٍ قادر، والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٣).
فهذا استغاثةٌ بقادر، فهي صحيحة.
стр. 405
أمَّا إذا استغيث بمخلوقٍ في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله فهذا شركٌ أكبر، وقد أتت النصوص بالوعيد لمن فعل هذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١).
ولقد نهى النبي ﷺ من الغلو في تعظيمه، ومدحه، قال ﷺ : «لا تُطروني (٢) كما أطرت النصارى ابن مريم فإنِّما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله» (٣).
ولا شكَّ أنَّ البوصيري في البردة يوجه الدعاء واللياذ والعياذ إلى رسول الله ﷺ ، وهذا شركٌ صريح.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٤): "هذه الأبيات التي مضمونها إخلاص الدعاء واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات، وأعظم الاضطرار لغير الله فناقضوا الرَّسُول ﷺ بارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقضة، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة، وذلك أنَّ الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم في قالب محبة النبي ﷺ وتعظيمه وأظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعثه الله به في قالب تنقيصه، وهؤلاء المشركون هم المتنقِّصون الناقصون أفرطوا في تعظيمه بها نهاهم عنه أشد النهي وفرَّطوا في متابعته، فلم يعبأوا بأقواله وأفعاله ولا رضوا بحكمه ولا سلَّموا له، وإنما يحصل تعظيم الرسول ﷺ بتعظيم أمره ونهيه، والاهتداء بهديه واتباع سُنَّته، والدعوة إلى دينه
стр. 406
الذي دعا إليه ونصرته، وموالاة من عمل به، ومعاداة من خالفه.
فعكس أولئك المشركون ما أراد الله ورسوله علمًا وعملًا وارتكبوا ما نهى عنه ورسوله فالله المستعان" (١).
وكان رسول الله ﷺ يحذِّر من الغلو، قال رسول الله ﷺ : «إيَّاكم والغلو فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلو» (٢).
قال ابن تيمية ﵀: "هذا عامٌّ في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال" (٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "فتأمَّل ما في هذه الأبيات من الشرك.
منها: أنَّه نفى أن يكون له ملاذًا إذا حلَّت به الحوادث إلا النبي ﷺ وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذٌ إلا هو.
الثاني: أنَّه دعاه وناداه بالتضرُّع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تُطْلَبُ إلا من الله، وذلك هو الشِّرك في الإلهية.
الثالث: سؤاله منه أن يشفع له في قوله:
ولن يضيقَ -رسولَ اللهِ- جاهُكَ بي ... إذا الكريمُ تجلَّى باسمِ منتقم
وهذا هو الذي أراده المشركون ممَّن عبدوه، وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضًا فإنَّ الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره، فإنَّ الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لأنَّ الشافع يشفع ابتداء.
стр. 407
الرابع: قوله: (فإنِّ لي ذمة) إلى آخره، كذبٌ على الله وعلى رسوله ﷺ فليس بينه وبين من اسمه محمَّد ذمَّةٌ إلا بالطاعة، لا بمجرَّد الإشراك في الاسم مع الشرك.
فهذا تناقض عظيم وشرك ظاهر، فإنَّه طلب أوَّلًا أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلًا وإحسانًا، وإلا فيا هلاكه! فيقال: كيف طلبت منه أوَّلًا الشفاعة ثم طلبت منه هنا أن يتفضَّل عليك؟! فإن كنت تقول: إنَّ الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله، فكيف تدعو النبي ﷺ وترجوه وتسأله الشفاعة؟! فهلَّا سألتها مَنْ له الشفاعة جميعًا الذي له ملك السموات والأرض الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله.
وإن قلت: ما أريد إلا جاهه، وشفاعته بإذن الله قيل: فكيف سألته أن يتفضَّل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين، فهذا مضادٌّ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١)، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا؟! وإن قلت: سألته أن يأخذ بيدي، ويتفضَّل عليَّ بجاهه وشفاعته، قيل: عاد الأمر إلى طلب الشَّفاعة من غير الله، وذلك هو محضُ الشرك.
السادس: في هذه الأبيات من التبرِّي من الخالق -تعالى وتقدَّس- والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ
стр. 408
وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ (١) " (٢).
فكم ضيع على نفسه من عبادة من هتف وتغنَّى بالبردة، ولو رسخ التوحيد في قلبه لقويت علاقته بالله وقطع العلائق من دونه، وتبرَّأ من كل معبود سوى الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٣).
وحذَّر الله من مجاوزة الحد في الحق قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٤).
قال ابن كثير في تفسيره: "أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أُمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حيِّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبيٌّ من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضلَّ قديمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلال" (٥).
стр. 409
الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة
المبحث الثاني: خلق الملائكة
المبحث الثالث: المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر
стр. 410
المبحث الأول:
معنى الإيمان بالملائكة
أولًا: تعريف الملائكة لغةً
جمع مَلَك، وأصله مألك، ... وحذفت الهمزة؛ للتخفيف فأصبحت (مَلَك)، واختلف اللغويون في اشتقاقه، على قولين:
القول الأول: أنَّه جامدٌ غير مشتق.
القول الثاني: أنَّه مشتَّقُّ من الألوكة وهي الرِّسالة (١).
قال الجوهري: "والمَلَك من الملائكة واحدٌ وجمع، قال الكسائي: أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوك وهى الرسالة، ثم قُلِبت وقُدِّمت اللَّام فقيل ملاك ... ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال، فقيل مَلَك، فلما جمعوه ردوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك أيضًا" (٢).
وقال ابن عجيبة: " (والملائكة): جمعُ تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرِّجال وقامت الرِّجال، فمن قرأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣)، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: ﴿فَنَادَاهُ﴾، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردًّا على الكُفَّار" (٤).
стр. 411
ثانيًا: تعريف الملائكة شرعًا
ذواتٌ أو أرواحٌ نورانيَّةٌ قادرةٌ على التشكُّل بإذن الله (١).
أو يُقال: هم مخلوقاتٌ من نُور، قادرةٌ على التشكُّل بإذن الله ، قائمون بعبادة الله وتدبير شؤون الكون بأمره، لا يعلم عددهم إلا الله.
وعرَّفهم ابن حجر بأنهم: "أجسامٌ نورانيَّة، أُعطيت قدرةً على التشكُّل والظهور بأشكالٍ مختلفةٍ بإذن الله" (٢).
وعرَّفهم ابن عجيبة بقوله: "هي أجسامٌ لطيفةٌ نورانيَّةٌ متحيِّزة، لها مادَّةٌ نورانيَّةٌ وتشكيلٌ مخصوص" (٣).
وإطلاقُ لفظِ الجسم على الملائكة لم يأت في كتاب الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ ، بل هو بدعة، ولم يذكره أحدٌ من سلف الأُمَّة، إضافة إلى أنَّه مخالفٌ لما ثبت في النصوص الشرعية، قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٤)، ويخالف وصفه تعالى لهم بالقوة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٥).
وقوله (لطيفة) يلزم منه نفي رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇؛ لأنَّ معنى الشفافية في اللغة الرقَّة والقلَّة، من ذلك الشف: الستر الرقيق، يقولون: سُمِّي بذلك؛ لأنَّه
стр. 412
يستشف ما وراءه (١).
قال ابن تيمية: "ما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يُوجب العلم اليقيني بوجودهم في الخارج" (٢).
وقال ابن القيم: "ثم أخبر عن رؤيته لجبريل، وهذا يتضمَّن أنَّه ملكٌ موجودٌ في الخارج يُرى بالعيان ويدركه البصر، لا كما يقول المتفلسفة ومن قلَّدهم أنه العقل الفعَّال وأنه ليس مما يُدرك بالبصر، وحقيقته عندهم أنَّه خيالٌ موجودٌ في الأذهان لا في الأعيان، وهذا مما خالفوا به جميع الرُّسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا" (٣).
ثالثًا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة
يرى ابنُ عجيبة أنَّ الإيمان بالملائكة يعني: أنهم عباد الله مكرمون لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يؤمرون، ونفى أن يكونوا بنات الله ، وهم لا يتقدَّمونه بِالْقَوْلِ، ولا يتكلَّمون إلا بما يأمرهم به، وهذه صفةٌ أخرى لهم، منبِّهةٌ على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة، ولا يعلم عددهم إلا الله ، وعاب على المشركين بأن صرفوا لهم جزءًا من العبادة، ويختار منهم رسلًا يرسلهم إلى خلقه، وهم معصومون عن المخالفة، وهم موصوفون بالقوة، كما وصف الله جبريل بأنه ذو قدرة لما كُلِّف له لا يعجز عنه ولا يضعف (٤).
стр. 413
لا شكَّ أنَّ الإيمان بالملائكة أحد الأصول الستة التي هي أركان الإيمان، ولا يصح إيمان العبد حتى يحقق الإيمان بالملائكة، والنعيم والفلاح والهدي متوقِّف على الإيمان بالملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ (١).
وما اعتقده ابن عجيبة في بيان معنى الإيمان بالملائكة وافق فيه أهل السُّنَّة والجماعة إجمالًا لكونه أطلق لفظ الجسم عليهم.
قال ابن كثير: "الملائكة عباد الله مكرمون في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا، ... لا يتقدَّمون بين يديه بأمرٍ ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيطٌ بهم فلا يخفى عليه منهم خافية" (٢).
ووردت أحاديث بكثرتهم وأنه لا يعلمهم إلا الله، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها» (٣).
وقال ابن تيمية: "الإنس والجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين، فإنهم يأكلون ويشربون، وينكحون وينسلون، ويتغذَّون وينمون بالأكل والشرب، وهذه الأمور مشتركة بينهم، وهم يتميزون بها عن الملائكة، فإنَّ الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تنكح ولا تنسل" (٤).
стр. 414
وقال سعيد بن المسيب (١): "الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا، ولا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون ولا يتوالدون" (٢).
رابعًا: قدرتهم على التشكُّل، أو التمثُّل (٣)
قال ابن عجيبة: "يتشكَّلون كيف شاءوا" (٤).
أعطى الله الملائكة قدرةً على التشكُّل، ودلَّت النصوص من الوحيين على ظهور الملائكة للأنبياء وغيرهم بصورةِ بشر.
الأدلة من القرآن:
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ (٥)، وهم الذين ذهبوا إلى لوط ﵇ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (٦).
قال ابن كثير: "تبدَّى لهم الملائكة في صورة شباب حسان امتحانًا واختبارًا حتى قامت على قوم لوطٍ الحُجَّة وأخذهم الله أخذ عزيزٍ مقتدر" (٧).
стр. 415
الأدلة من السُّنَّة:
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثياب شديدُ سواد الشَّعر لا يُرى عليه أثرُ السَّفر ولا يعرفه منَّا أحد، حتَّى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفَّيه على فخذيه وقال: يا محمَّدُ أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا.
قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسألُه ويصدِّقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره».
قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».
قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: «أن تلد الأَمَةُ ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان».
قال: ثم انطلق فلبثتُ مليًّا، ثم قال لي: «يا عمر أتدرى من السائل؟» قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (١).
وتمثَّلت الملائكة بصورة بشرٍ لغير الأنبياء ﵈، فعن أبي هريرة
стр. 416
- ﵁ عن النَّبي ﷺ «أنَّ رجلًا زار أخًا له في قريةٍ أُخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلمَّا أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمةٍ تربُّها؟ قال: لا غير أنِّي أحببته في الله ، قال: فإنِّي رسول الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببته فيه» (١).
ومما يجدر التنبيه عليه أنَّ أهل السُّنَّة والجماعة، لا يخوضون في كيفية تمثيل الملائكة؛ بل يقفون بما جاء في القرآن والسُّنَّة.
قال أبو العبَّاس القُرطبي: "والبحث عن كيفية ذلك التمثيل ليس وراءه تحصيل، والواجب التصديق بما جاء من ذلك، ومن أنكر وجود الملائكة، وتمثُّلَهم في الصُّور فقد كفر" (٢).
خامسًا: عددهم
يرى ابن عجيبة أنه لا سبيل لحصرهم، حيث قال في تفسيره لقول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٣) أي: جموع خلقه، التي من جملتها الملائكة المذكورون، ﴿إِلَّا هُوَ﴾، إذ لا سبيل لأحدٍ إلى حصر مخلوقاته، والوقوف على حقائقها وصفتها، ولو إجمالًا" (٤).
وقد وافق ابن عجيبة أهلَ السُّنَّة والجماعة، في هذه المسألة، ودلَّت النصوص على ذلك.
стр. 417
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١)، وقال النَّبي ﷺ في حديث المعراج، عن مالك بن صعصعة ﵁: « ... ثم رُفِع لي البيت المعمور، فقلتُ: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم» (٢)، وقال ﷺ أيضًا: "يُؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها" (٣).
قال ابن حجر: "اُستدلَّ به على أنَّ الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنَّه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدَّد من جنسه في كلِّ يومٍ سبعون ألفًا، غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر" (٤).
سادسًا: أعمالهم
يرى ابن عجيبة أنَّ الله جعل إليهم أمورَ الخلائق، فقال: "اعلم أنَّ الله تعالى خلق من الملائكة أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، وهو ملك الموت، ﵈، وجعل إليهم أمور الخلائق وتدبيرهم، وتدبير العالم كلّه إلى يوم القيامة، جبريل صاحب الوحي والرِّسالة، وميكائيل صاحب الأمطار، وعزرائيل صاحب الأرواح، وإسرافيل صاحب القرن " (٥).
وقال في موضع آخر: " ... وأسماؤهم الروحانيون" (٦).
стр. 418
ورَأْيُ ابن عجيبة في هذه المسألة موافقٌ لأهل السُّنَّة في الجملة.
فالملائكة لهم أعمالٌ كثيرة، قال ابن القيم: "كلُّ حركةٍ في السَّماوات والأرض من حركة الأفلاك، والنُّجوم، والشَّمس، والقمر، والرياح، والسَّحاب، والنَّبات، والحيوان، فهي ناشئةٌ عن الملائكة الموكَّلين بالسَّماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (١)، وقال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ (٢).
وهى الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرُّسل ﵈، وأمَّا المكذِّبون للرُّسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هي النُّجوم ... وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة على أصناف الملائكة، وأنَّها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكَّل بالجبال ملائكة، ووكَّل بالسَّحاب والمطر ملائكة، ووكَّل بالرَّحم ملائكة تُدبِّر أمر النُّطفة حتى يتمَّ خلقها، ثم وكَّل بالعبد ملائكةً لحفظه، وملائكةً لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكَّل بالموت ملائكة، ووكَّل بالشَّمس والقمر ملائكة، ووكَّل بالنَّار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكَّل بالسُّؤال في القبر ملائكة، ووكَّل بالأفلاك ملائكة يُحرِّكونها، ووكَّل بالجنَّة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله تعالى ... ومنهم ملائكة الرَّحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وُكِّلوا بحمل العرش وملائكة قد وُكِّلوا بعمارة السَّماوات بالصَّلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى ... فجبريل مُوكَّل بالوحى الذى به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل مُوكَّل بالقطر الذى به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل مُوكَّل بالنَّفخ في الصور الذى به حياة الخلق بعد مماتهم" (٣).
стр. 419
وسَمَّى الله جبريل ﵇ بالرُّوح؛ لأنَّه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرُّسل من البشر (١).
وقد ثبت اسم جبريل وميكائيل في القرآن والسُّنَّة.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وعن سمُرة بن جندب ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «رأيت الليلة رجلين أتياني فقالا: الذي يوقد النَّار مالكٌ خازنُ النَّار، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل» (٣).
أما إسرافيل فقد ورد اسمه في السُّنَّة ولم يرد في القرآن، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من اللَّيل يُصلِّي يقول: «اللَّهمَّ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٤).
وأما ما ذكره ابن عجيبة من تسميتهم (روحانيين)؛ فإنَّ هذه التسمية لم ترد لا في الكتابِ ولا في السُّنَّة، وإنما ذكرها بعض العلماء، قال ابن الأثير (٥): "الروحانيون
стр. 420
يروى بضم الراء وفتحها كأنَّه نسبة إلى الرُّوح أو الرَّوح وهو نسيمُ الرِّيح، والألف والنون من زيادة النَّسب، ويريد به أنهم أجسامٌ لطيفةٌ لا يُدركها البصر" (١).
ووصفهم بأنهم (أجسام لطيفة روحانية)، لا يسلَّم له؛ لأنه ينفي ما ثبت بالكتاب والسُّنَّة من وصفهم بالقوَّة، وأنَّ الله خلقهم بصورةٍ عظيمةٍ تليق بما كلَّفهم الله به.
وعندما سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢)، قال: «إنَّما هو جبريل لم أره على صورته التي خلقه الله عليها إلا هاتين المرتين، رأيته مُنْهبطًا من السَّماء سادًّا عظم خلقه ما بين السَّماء والأرض» (٣)، وعن عائشة ﵂: أنَّ الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّها عليَّ، فيفصم عنِّي، وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثَّل لي الملك رجلًا فيُكلِّمني فأعي ما يقول، قالت عائشة ﵂: ولقد رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا» (٤)، وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أُذِن لي أن أُحَدِّث عن مَلَكٍ من ملائكة الله من حملة العرش، إنَّ ما بين شحمة أُذُنِه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (٥).
стр. 421
فهذه نصوصٌ دالَّةٌ على عظمتهم وقوَّة خَلْقِهم، وأنَّهم أجسامٌ حقيقيَّة، لا كما يقول ابن عجيبة من أنهم أجسامٌ لطيفة.
وتسمية صاحب الأرواح عزرائيل لم تَثبت لا في كتابٍ ولا سُنَّة، والذي ورد في النُّصوص أنَّه مَلَكُ الموت، قال الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١)، وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : قال: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أجبْ ربَّك، قال: فلطم موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى» (٢).
قال ابن كثير: "وأمَّا مَلَك الموت فليس بمصرَّحٍ باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم" (٣).
وبهذا يتضح أنَّ هذا الاسم لم يصحّ بدلالة النصوص الشرعية.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وقد اشتهر أنَّ اسمه (عزرائيل)، لكنَّه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمِّي من وُكِّل بالموت بـ (ملك الموت) كما سمَّاه الله بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٤)، (٥).
وقال أيضًا: "وتسميته (عزرائيل) لم تثبت عن النبي ﷺ ، إنما هي من أخبار بني إسرائيل، ولم يثبت من أسماء الملائكة إلا خمسة أسماء، وهي: جبرائيل، وميكائيل،
стр. 422
وإسرافيل، ومالك، ورضوان، ومنكرٌ ونكير، فهذه هي الأسماء الثابتة فيمن يتولَّون أعمال العباد ...
وملك الموت لا يُسمى عزرائيل؛ لأنه لم يثبت عن الرسول ﷺ ، وهذا من الأمور الغيبية التي يتوقَّف إثباتُها ونفيها على ما ورد به الشرع.
ثم إنَّ مَلَك الموت له أعوان يعينونه على إخراج الرُّوح من الجسد حتى يوصلوها إلى الحلقوم، فإذا أوصلوها إلى الحلقوم قبضها مَلَك الموت، وقد أضاف الله تعالى الوفاة إلى نفسه، وإلى رسله أي: الملائكة، وإلى مَلَك واحد، فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وأضافها إلى ملك واحد في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
وإلى الملائكة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٣).
ولا معارضة بين هذه الآيات، فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه واقعٌ بأمره، وأضافه إلى الملائكة؛ لأنهم أعوانٌ لملك الموت، وأضافه إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي تولَّى قبضها من البدن" (٤).
وقال ابن حبان ﵀: "إنَّ الله أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: أجب ربك أمر اختبار وابتلاء لا أمرًا يريد الله إمضاءه كما أمر خليله صلى الله على نبيِّنا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار
стр. 423
وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه وتلَّه للجبين فداه بالذبح العظيم.
وقد بعث الله الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ﵇ ولم يعرفهم حتى أوجس منهم خيفة وكمجيء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام فلم يعرفه المصطفى ﷺ حتى ولَّى.
فكان مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇ على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلًا لم يعرفه فشال يده (١) فلطمه فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصُّورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها.
ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله ولا حرج على مرتكبه ... كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمَّن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله.
فلمَّا رجع مَلَك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيًا بأمرٍ آخر أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل، إذ قال الله له: قل له: إن شئتَ فضع يدك على متن ثور فلك بكلِّ ما غطَّت يدك بكلِّ شعرةٍ سَنَة، فلمَّا علم موسى كليم الله صلى الله على نبيِّنا وعليه أنه مَلَك الموت وأنه جاءه بالرِّسالة من عند الله طابت نفسُه بالموت ولم يستمهل وقال: فالآن.
فلو كانت المرَّة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت لاستعمل ما استعمل في المرَّة الأخرى عند تيقُّنه وعلمه به" (٢).
стр. 424
المبحث الثاني: خلق الملائكة
قال ابن عجيبة: "اعلم أنَّ الخمرةَ الأزليَّةَ حين تجلَّت في مرائي جمالها تلوَّنت في تجلياتها، فتجلَّت نورانيَّة، وناريَّة، ومائيَّة، وترابيَّة وسماويَّة، وهوائيَّة، إلى غير ذلك من أنوار تجلياتها، فكانت الملائكة من النُّور، والجنُّ من النَّار، والآدميُّ من التراب" (١).
وقد تأثَّر ابن عجيبة في قوله بالفلاسفة القائلين بأزلية المادَّة، وجعل مواد الخلق كله واحدة تعود لأصلٍ أزليٍّ واحد، وهذا من تعطيل الله عن خلقه وقدرته وجحد لربوبية الله تعالى عن خلقه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ويبدو أنه متأثر أيضًا بآراء المبتدعة في بدعة وحدة الوجود في القول بأزلية المادة.
فالخمرة الأزلية هي الحبُّ الإلهي، فيبين حقيقتها بقوله: "وهذه الخمرة ... هي اختمار القلوب بأنوار المحبوب، فيحتجب عن الأغيار برؤية الواحد القهَّار، وقد كانت هذه الخمرة في القدر الأوَّل ظاهرة أنوارها، بادية أسرارها على أربابها، فيتداولونها بينهم، ويتكلَّمون عليها بألطاف العبارات، وأنواع الإشارات، ثم اندرست، وقلَّت فخفيت أنوارها وبطنت أسرارها ... وحجب ذلك السر في قلوب أوليائه" (٢).
ثم يشرع في وصف هذه الخمرة، فيقول: "والحاصل: أنَّ الحقَّ ﷻ كان في سابق أزله ذاتًا مقدَّسة، لطيفةً خفيَّةً عن العقول، نورانيةً متصفةً بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحقُّ تعالى قبضة من نوره حسيَّةً معنوية؛ إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال: كوني محمَّدًا، فمن جهة حسِّها
стр. 425
محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسِّها إلا كخردلةٍ في الهواء ... " (١).
ثم يقول في موضع آخر: "فالأشياء كلها قامت بالخمرة الأزلية، ولا وجود لها بدونها، بل لا نسبة لها معها ... قال بعض المحققين: لو كُلِّفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده" (٢).
فالخمرة الأزليُّة هي الحُبُّ الإلهي عند ابن عجيبة، وهي أساس الوجود للكون -كما يزعم- هو وغيره من الصوفية، فهذا عبد الرحمن جامي (٣) يقول: "في تلك الخلوة، التي لم يكن فيها للوجود علامة، وكان العالم محتجبًا في زاوية العدم، كان وجودًا منزَّهًا عن الشريك، بعيدًا عن أقاويلنا وأقاويلك، فهو جمالٌ مُبرَّأٌ من قيد المظاهر، يتجلَّى بنوره على ذاته، وتجلَّى على الآفاق والأنفس، فأظهر وجهه في كل مرآة، وانتشر منه في كل مكان حديث، إذ جعل من ذرَّات الدنيا مرايا، وألقى بوجهه في كلِّ مكانٍ منها ... وتجلَّى جماله في كل مكان، وتخفَّى في معشوقيَّ الكون، فهو المحتجب وراء كل ستار تراه، وعشقه محرِّك كلّ قلب، فالقلب يحيا بعشقه، وتسعد الروح شوقًا إليه" (٤).