فهذه نصوصٌ دالَّةٌ على عظمتهم وقوَّة خَلْقِهم، وأنَّهم أجسامٌ حقيقيَّة، لا كما يقول ابن عجيبة من أنهم أجسامٌ لطيفة.
وتسمية صاحب الأرواح عزرائيل لم تَثبت لا في كتابٍ ولا سُنَّة، والذي ورد في النُّصوص أنَّه مَلَكُ الموت، قال الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١)، وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : قال: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أجبْ ربَّك، قال: فلطم موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى» (٢).
قال ابن كثير: "وأمَّا مَلَك الموت فليس بمصرَّحٍ باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم" (٣).
وبهذا يتضح أنَّ هذا الاسم لم يصحّ بدلالة النصوص الشرعية.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وقد اشتهر أنَّ اسمه (عزرائيل)، لكنَّه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمِّي من وُكِّل بالموت بـ (ملك الموت) كما سمَّاه الله بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٤)، (٥).
وقال أيضًا: "وتسميته (عزرائيل) لم تثبت عن النبي ﷺ ، إنما هي من أخبار بني إسرائيل، ولم يثبت من أسماء الملائكة إلا خمسة أسماء، وهي: جبرائيل، وميكائيل،
стр. 422
وإسرافيل، ومالك، ورضوان، ومنكرٌ ونكير، فهذه هي الأسماء الثابتة فيمن يتولَّون أعمال العباد ...
وملك الموت لا يُسمى عزرائيل؛ لأنه لم يثبت عن الرسول ﷺ ، وهذا من الأمور الغيبية التي يتوقَّف إثباتُها ونفيها على ما ورد به الشرع.
ثم إنَّ مَلَك الموت له أعوان يعينونه على إخراج الرُّوح من الجسد حتى يوصلوها إلى الحلقوم، فإذا أوصلوها إلى الحلقوم قبضها مَلَك الموت، وقد أضاف الله تعالى الوفاة إلى نفسه، وإلى رسله أي: الملائكة، وإلى مَلَك واحد، فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وأضافها إلى ملك واحد في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
وإلى الملائكة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٣).
ولا معارضة بين هذه الآيات، فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه واقعٌ بأمره، وأضافه إلى الملائكة؛ لأنهم أعوانٌ لملك الموت، وأضافه إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي تولَّى قبضها من البدن" (٤).
وقال ابن حبان ﵀: "إنَّ الله أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: أجب ربك أمر اختبار وابتلاء لا أمرًا يريد الله إمضاءه كما أمر خليله صلى الله على نبيِّنا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار
стр. 423
وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه وتلَّه للجبين فداه بالذبح العظيم.
وقد بعث الله الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ﵇ ولم يعرفهم حتى أوجس منهم خيفة وكمجيء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام فلم يعرفه المصطفى ﷺ حتى ولَّى.
فكان مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇ على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلًا لم يعرفه فشال يده (١) فلطمه فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصُّورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها.
ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله ولا حرج على مرتكبه ... كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمَّن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله.
فلمَّا رجع مَلَك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيًا بأمرٍ آخر أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل، إذ قال الله له: قل له: إن شئتَ فضع يدك على متن ثور فلك بكلِّ ما غطَّت يدك بكلِّ شعرةٍ سَنَة، فلمَّا علم موسى كليم الله صلى الله على نبيِّنا وعليه أنه مَلَك الموت وأنه جاءه بالرِّسالة من عند الله طابت نفسُه بالموت ولم يستمهل وقال: فالآن.
فلو كانت المرَّة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت لاستعمل ما استعمل في المرَّة الأخرى عند تيقُّنه وعلمه به" (٢).
стр. 424
المبحث الثاني: خلق الملائكة
قال ابن عجيبة: "اعلم أنَّ الخمرةَ الأزليَّةَ حين تجلَّت في مرائي جمالها تلوَّنت في تجلياتها، فتجلَّت نورانيَّة، وناريَّة، ومائيَّة، وترابيَّة وسماويَّة، وهوائيَّة، إلى غير ذلك من أنوار تجلياتها، فكانت الملائكة من النُّور، والجنُّ من النَّار، والآدميُّ من التراب" (١).
وقد تأثَّر ابن عجيبة في قوله بالفلاسفة القائلين بأزلية المادَّة، وجعل مواد الخلق كله واحدة تعود لأصلٍ أزليٍّ واحد، وهذا من تعطيل الله عن خلقه وقدرته وجحد لربوبية الله تعالى عن خلقه، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ويبدو أنه متأثر أيضًا بآراء المبتدعة في بدعة وحدة الوجود في القول بأزلية المادة.
فالخمرة الأزلية هي الحبُّ الإلهي، فيبين حقيقتها بقوله: "وهذه الخمرة ... هي اختمار القلوب بأنوار المحبوب، فيحتجب عن الأغيار برؤية الواحد القهَّار، وقد كانت هذه الخمرة في القدر الأوَّل ظاهرة أنوارها، بادية أسرارها على أربابها، فيتداولونها بينهم، ويتكلَّمون عليها بألطاف العبارات، وأنواع الإشارات، ثم اندرست، وقلَّت فخفيت أنوارها وبطنت أسرارها ... وحجب ذلك السر في قلوب أوليائه" (٢).
ثم يشرع في وصف هذه الخمرة، فيقول: "والحاصل: أنَّ الحقَّ ﷻ كان في سابق أزله ذاتًا مقدَّسة، لطيفةً خفيَّةً عن العقول، نورانيةً متصفةً بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحقُّ تعالى قبضة من نوره حسيَّةً معنوية؛ إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال: كوني محمَّدًا، فمن جهة حسِّها
стр. 425
محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسِّها إلا كخردلةٍ في الهواء ... " (١).
ثم يقول في موضع آخر: "فالأشياء كلها قامت بالخمرة الأزلية، ولا وجود لها بدونها، بل لا نسبة لها معها ... قال بعض المحققين: لو كُلِّفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا شيء معه حتى أشهده" (٢).
فالخمرة الأزليُّة هي الحُبُّ الإلهي عند ابن عجيبة، وهي أساس الوجود للكون -كما يزعم- هو وغيره من الصوفية، فهذا عبد الرحمن جامي (٣) يقول: "في تلك الخلوة، التي لم يكن فيها للوجود علامة، وكان العالم محتجبًا في زاوية العدم، كان وجودًا منزَّهًا عن الشريك، بعيدًا عن أقاويلنا وأقاويلك، فهو جمالٌ مُبرَّأٌ من قيد المظاهر، يتجلَّى بنوره على ذاته، وتجلَّى على الآفاق والأنفس، فأظهر وجهه في كل مرآة، وانتشر منه في كل مكان حديث، إذ جعل من ذرَّات الدنيا مرايا، وألقى بوجهه في كلِّ مكانٍ منها ... وتجلَّى جماله في كل مكان، وتخفَّى في معشوقيَّ الكون، فهو المحتجب وراء كل ستار تراه، وعشقه محرِّك كلّ قلب، فالقلب يحيا بعشقه، وتسعد الروح شوقًا إليه" (٤).
стр. 426
وزعم ابن الفارض أنَّ الحُبَّ الإلهي (١) هو أساس كلِّ شيءٍ ولولاه لما كان هناك وجودٌ للكون أصلًا.
وكلُّ ذلك بأسلوبٍ رمزيٍّ أثناء وصفه للخمرة الأزلية، فيقول:
تَقَدَّمَ كلَّ الكائناتِ حديثُها ... قديمًا ولا شَكلٌ هناك ولا رسمُ
وقامت بها الأشياءُ ثم لحكمةٍ ... بها احتجبت عن كلِّ من لا له فهمُ
وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتـ ... ـحادًا، ولا جِرْمٌ تخلَّلهُ جِرْمُ
ولذلك تجد من القوم من يحفظ قصيدة ابن الفارض وينشدها ظانًّا أنها من الدين.
وهذا لاشك في بطلانه، يقول ابن تيمية ﵀: "ومن قال: إنَّ لقول هؤلاء سرًّا خفيًّا وباطنَ حقٍّ وإنَّه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق، فهو أحد رجلين -إمَّا أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإمَّا أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال، فالزنديق يجب قتله، والجاهل يُعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله.
ولكن لقولهم سرٌّ خفيٌّ وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السرُّ هو أشدُّ كفرًا وإلحادًا من ظاهره؛ فإنَّ مذهبهم فيه دقَّةٌ وغموضٌ وخفاءٌ قد لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمِّها ظانًّا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها؛ وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته، فإمَّا أن يتوقَّفوا عنه أو يعبِّروا عن مذهبهم بعبارة
стр. 427
من لم يفهم حقيقة، وإمَّا أن ينكروه إنكارًا مجملًا من غير معرفة بحقيقته ونحو ذلك، وهذا حال أكثر الخلق معهم، وأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه وقالوا: هذا من علماء الرُّسوم وأهل الظاهر وأهل القشر، وقالوا: علمنا هذا لا يُعرف إلا بالكشف والمشاهدة وهذا يحتاج إلى شروط، وقالوا: ليس هذا عشّك فادرج عنه ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه وتجهيل لمن لم يصل إليه، وإن رأوه عارفًا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم وقالوا: هو من كبار العارفين، وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار لتكميل المراتب والمجالي، وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام، وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم، فضلالهم عظيم وإفكهم كبير وتلبيسهم شديد، والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، والله أعلم" (١).
وغاية ما يريد الصوفية أن يصلوا إليه بهذه الخمرة الأزلية هي الاتحاد بالله، "وأن تصير ذات المحبوب عين ذات المحب، وذات المحب عين ذات المحبوب" (٢).
قال الدباغ (٣): "واعلم أنَّ المحب مالم يصل إلى مقام الاتحاد لا تنقطع الحجب التي بينه وبين محبوبه، فإنها كثيرة لكن بعضها ألطف وأشد نورانية من بعض، وكلما كشفت له منها حجاب تاقت النفس إلى كشف ما بعده حتى تزول جميعها عند الاتحاد" (٤).
стр. 428
ومن ثم يزعم الصوفية أن الله تجلَّى في مخلوقاته، فكلُّ ما يراه الإنسان في هذا الكون هو محبوب حتى وإن كان قبيحًا؛ لأنَّ الكلَّ تجليات الحق، وهذه هي فكرة وحدة الوجود (١).
стр. 429
المبحث الثالث:
المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر
هذه المسألةُ مسألةٌ أثريَّةٌ سلفيَّةٌ صحابيَّة، قال ابن تيمية ﵀: "وقد كنتُ أحسب أنَّ القول فيها مُحدثٌ حتى رأيتها أثريَّةً سلفيَّةً صحابيَّة فانبعثت الهمَّة إلى تحقيق القول فيها ... " (١).
ويقول ابن عجيبة: في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، "والكلام: إنما هو مع الخواص، فخواص الآدمي، أعني الأنبياء أعظم من خواص الملائكة، وخواص الملائكة -أعني من المقرَّبين- أعظم من خواص الآدمي -أعني العارفين-، والعارفون أعظم من عوام الملائكة، وعوام الملائكة أعظم من عوام بني آدم، والله تعالى أعلم" (٣).
لقد كثر الخوض في هذه المسألة، وتعدَّدت الأقوال فيها، قال البيهقي ﵀ (٤): "وقد تكلَّم الناس قديمًا وحديثًا في المفاضلة بين الملائكة والبشر.
فذهب ذاهبون إلى أنَّ الرُّسل من البشر أفضلُ من الرُّسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضلُ من الأولياء من الملائكة.
стр. 430
وذهب آخرون إلى أنَّ الملأ الأعلى مفضَّلون على سُكَّان الأرض.
ولكلِّ واحدٍ من القولين وجه" (١).
وقال ابن أبي العز ﵀: "وقد تكلَّم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السُّنَّة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة مطلقًا (٢)، وأتباع الأشعري (٣) على قولين: منهم من يُفضِّل الأولياء والأنبياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولًا، وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السُّنَّة وبعض الصوفية" (٤).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أنَّ صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإنَّ الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزَّهون عمَّا يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرَّب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأمَّا يوم القيامة بعد دخول الجنة، فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة" (٥).
وعلَّق ابن القيم ﵀ على هذا القول بقوله: "ولهذا كان أكثر الناس على
стр. 431
تفضيلهم -أي: صالحي البشر-؛ لأنَّ الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب ودواعي النفوس والشهوات البشرية، فهي صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق، وهي كالنَّفس للحي، وأَمَّا عبادات البشر فمع منازعات النفوس وقمع الشهوات ومخالفة دواعي الطبع، فكانت أكمل" (١).
стр. 432
الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الكتب
المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالكتب من الإيمان
стр. 433
المبحث الأول: تعريف الكتب
أولًا: الكتب لغةً
جمع كتاب، بمعنى مكتوب، ومعناه يدور على الجمعِ والضَّم.
قال ابن فارس: "الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على جمعِ شيءٍ إلى شيء، من ذلك الكِتَابُ والكتابة، يقال: كتبتُ الكتابَ أكْتبُه كَتْبًا" (١).
وقد أشار إلى هذا المعنى ابن عجيبة بقوله: "الكتاب فهو مصدرٌ: من كتب إذا جمع، ومنه قيل: كتيبة لاجتماعها" (٢).
ثانيًا: الكتب شرعًا
هي الكتب المتضمِّنة لكلام الله المنزلة على رُسُله.
والكتب التي يجب الإيمان بها: "هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رُسُلِه، رحمةً للخلق، وهدايةً لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة" (٣).
قال ابن كثير: "والكُتُب: اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى خُتِمت بأشرفها، وهو: القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب" (٤).
وقال ابن عجيبة: "الْكِتاب أي: جنس الكتب، فيشمل الكتب السماوية كلها" (٥)، وأشار لبعضها بقوله: "القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، كتبه المنزلة على رسله" (٦).
стр. 434
المبحث الثاني:
منزلة الإيمان بالكتب من الإيمان
الإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان، ولا يتمُّ إيمانُ العبد الَّا به، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١).
وحكم الله بالكفر على من كفر بها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (٢).
قال ابن كثير: "أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبَعُد عن القصد كلَّ البعد" (٣).
وسمى الله من آمن بهذه الجملة مؤمنين، وحكم بالكفر لمن كفر بهذه الجملة (٤).
ويتضمَّن الإيمان بالكتب أمرين هما: التصديق بها، ووجوب طاعتها فيما أمرت.
стр. 435
قال ابن تيمية ﵀: "فإنَّ الكتب تضمَّنت أصلين: الإخبار، والأمر، والإيمان بها لا يتم إلا بتصديقها فيما أخبرت، وإيجاب طاعتها فيما أوجبت" (١).
فيجب الإيمان بجميع الكتب من غير تفريقٍ ولا تبعيض.
وقال ﵀: "التفريق والتبعيض قد يكون في القدر تارة، وقد يكون في الوصف" (٢).
وتوضيح ذلك يكون: إمَّا في الكمّ، وإمَّا في الكيف كما قد يكون في التنزيل تارة وفي التأويل أخرى؛ فإن الموجود له حقيقة موصوفة وله مقدار محدود فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق والتبعيض في قدره، وقد يقع في وصفه.
وهذا مثل اليهود يقولون: نؤمن بما أنزل على موسى ﵇ دون ما أنزل على عيسى ﵇ ومحمد ﷺ ، وهكذا النصارى في إيمانهم بالمسيح دون محمَّد.
فمن آمن ببعض الرُّسل والكتب دون بعض فقد دخل في هذا؛ فإنه لم يؤمن بجميع المنزل، وكذلك من كان من المنتسبين إلى هذه الأُمَّة يؤمن ببعض نصوص الكتاب والسُّنَّة دون بعض (٣).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤).
стр. 436
يقول ابن جرير في تفسيره لهذه الآية: "فقال جلَّ ثناؤه لعباده، مُنبِّهًا لهم على ضلالتهم وكفرهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، يقول: أيها النَّاس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا، فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرُّسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ.
وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل، هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن.
فأمَّا من صدَّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذَّب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مُكذِّب.
وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مُكذِّبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذِّبون كافرون" (١).
وهكذا قرَّر ابن القيم ﵀ حيث قال: "وهكذا الحكم في كلِّ من فرق الحق فآمن ببعضه وكفر ببعضه، كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وكمن آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعض، لم ينفعه إيمانه بما كفر به حتى يؤمن بالجميع.
ونظير هذا التفريق من يردّ آيات الصفات وأخبارها ويقبل آيات الأوامر والنواهي، فإن ذلك لا ينفعه لأنه آمن ببعض الرسالة وكفر ببعض، فإن كانت الشبهة التي عرضت لمن كفر ببعض الأنبياء غير نافعة له، فالشبهة التي عرضت لمن
стр. 437
ردَّ بعض ما جاء به النبي ﷺ أولى أن لا تكون نافعة وإن كانت هذه عذرًا له فشبهة من كذَّب بعض الأنبياء مثلها، وكما أنه لا يكون مؤمنًا حتى يؤمن بجميع الأنبياء، ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميعهم، فكذلك لا يكون مؤمنًا حتى يؤمن بجميع ما جاء به الرسول، فإذا آمن ببعضه فهو كمن كفر به كله" (١).
أولًا: رأي ابن عجيبة في الكتب المتقدِّمة
قال: "إنَّ الإيمان بالكتب المتقدِّمة دون معرفة أعيان المنزل عليهم كافٍ، إلَّا من ورد تعيينُه في الكتاب والسُّنَّة فلا بدَّ من الإيمان به" (٢).
وهذا حقٌّ، فما ذكر الله منها تفصيلًا وجب علينا الإيمان به تفصيلًا، وما ذكر منها إجمالًا وجب علينا الإيمان به إجمالًا (٣)، ونؤمن به كما أمرنا الله ورسوله ﷺ : ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ (٤).
ولتقرير الإيمان بالكتب كلها أمر الله عباده المؤمنين أن يخاطبوا أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٥) "فتضمَّنت الآية إيمان المؤمنين بما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله ﷺ ، وما أنزل على أعيان الرُّسل المذكورين في الآية، وما أنزل على بقية الأنبياء في الجملة وأنهم لا يُفرِّقون بين الرُّسل في الإيمان ببعضهم دون بعض، فانتظم ذلك الإيمان بجميع الرُّسل وكل ما أنزل الله عليهم من الكتب" (٦).
стр. 438
ثانيًا: استدلال ابن عجيبة على الإيمان بالكتب
قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١)، ... وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ أي: جنس الكتاب، فتدخل الكتب المتقدِّمة كلها، ومن يكفر بشيءٍ من ذلك فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا" (٢).
ويستدل ابن عجيبة على منزلة الإيمان بالكتب بحديث جبريل ﵇: ... قال: فأخبرني عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ... » (٣)(٤).
وقد ورد في نصوص الوحيين ذكر بعض أسماء الكتب التي أنزلها الله على رسله وهي:
١ - القرآن الكريم: وهو الكتاب الذي أُنزل على نبيِّنا محمَّد ﷺ .
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ (٥).
والقرآن له عِدَّة أسماء منها: (الفرقان) قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٦).
стр. 439
والكتاب، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١).
والذكر، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، (٣).
قال ابن جرير الطبري: "ولكلِّ اسمٍ من أسمائه الأربعة في كلام العرب معنًى ووجهٌ غيرُ معنى الآخر ووجهه.
فأمَّا (القرآن)، فإنَّ المفسرين اختلفوا في تأويله، والواجبُ أن يكون تأويله على قول ابن عباس ﵄ من التلاوة والقراءة، وأن يكون مصدرًا من قول القائل: قرأت، كقولك: (الخُسران) من (خَسِرت) ..
وأما تأويل اسمه الذي هو (فُرْقان)، فإن تفسيرَ أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة، هي في المعاني مؤتلفة ... وأصل (الفُرْقان) عندنا: الفرقُ بين الشيئين والفصل بينهما, وقد يكون ذلك بقضاءٍ، واستنقاذٍ، وإظهارِ حُجَّةٍ، ونَصْرٍ، وغير ذلك من المعاني المفرِّقة بين المحقِّ والمبطِل.
فقد تبيَّن بذلك أنَّ القرآن سُمِّي (فرقانًا)، لفصله -بحججه وأدلَّته وحدود فرائضه وسائر معاني حُكمه- بين المحق والمبطل، وفرقانُه بينهما: بنصره المحقِّ، وتخذيله المبطل، حُكمًا وقضاءً.
وأما تأويل اسمه الذي هو (كتابٌ)، فهو مصدرٌ من قولك (كتبتُ كتابًا) كما تقولُ: قمتُ قيامًا، وحسبتُ الشَّيءَ حسابًا.
والكتابُ هو خطُّ الكاتب حروفَ المعجم مجموعةً ومفترقة، وسُمي (كتابًا)، وإنما هو مكتوب ... يعني به مكتوبًا.
стр. 440
وأما تأويل اسمه الذي هو (ذِكْرٌ)، فإنه محتمل معنيين أحدهما: أنه ذكرٌ من الله جلَّ ذكره، ذكَّر به عباده، فعرَّفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائرَ ما أودعه من حُكمه.
والآخر: أنه ذكرٌ وشرفٌ وفخرٌ لمن آمن به وصدَّق بما فيه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (١)، يعني به أنه شرفٌ له ولقومه" (٢).
٢ - التوراة: وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵇، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (٣).
٣ - الإنجيل: وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
٤ - الزبور: وهو الكتاب الذي أنزله على داود ﵇، قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٥)، قال سعيد بن جبير ومجاهد: الزبور جميع الكتب المنزلة، والذكر أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ" (٦)، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٧).
٥ - صحف إبراهيم وموسى: قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٨).
стр. 441
وما أشار إليه ابن عجيبة من أنَّ هذه الكتب يُراد بها الكتب المعيَّنة تارة، ويراد بها الجنس تارة، فهو صحيح.
قال ابن القيم ﵀: "فإنَّ لفظ التوراة والإنجيل والزبور والقرآن يُراد به الكتب المعنيَّة تارة، ويُراد به الجنس تارة، فيُعبَّر بلفظ القرآن عن الزَّبور، وبلفظ التوراة عن الإنجيل، وعن القرآن أيضًا" (١).
ثالثًا: الإيمان بالقرآن الكريم ومنزلته
قال ابن عجيبة: "أما القرآن العظيم فلا بدَّ من الإيمان أنه مُنَزَّلٌ على نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ " (٢).
ويقول أيضًا: "إنَّ القرآن مقروءٌ بالألسن مكتوبٌ في المصاحف، محفوظٌ في القلوب، وأنه مع ذلك قديمٌ قائمٌ بذاته تعالى" (٣).
قد يتبادر إلى الذهن أنَّ قول ابن عجيبة هذا صحيح موافق لاعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، خاصَّة أنَّ هذا ما قرره أبو الحسن الأشعري فقال: "والقرآنُ مكتوبُ في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظٌ في صدورنا في الحقيقة، متلوٌّ بألسنتنا في الحقيقة، مسموعٌ لنا في الحقيقة" (٤).
ولكنَّ هذا الكلام ليس على حقيقته، بل هذه عبارات عن الكلام القديم، وهي معانٍ مخلوقةٌ عند الأشاعرة، قال ابن فُورَك: "كلامُ الله تعالى محفوظٌ في القلوب متلوٌّ بالألسِنَة مكتوبٌ في المصاحف كما أنَّ الله جلَّ ذكره مذكورٌ بالألسِنَة معبودٌ
стр. 442
بالجوارح، ولا يجوز أن يكون في شيءٍ من ذلك حالًا، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).
والمراد حُبُّ العجل؛ لأنَّ العجل لم يحل في قلوبهم، واعلم أنَّا لا نأبى أن كلام الله تعالى محفوظٌ على الحقيقة، يُحفظ في القلوب مكتوب على الحقيقة في المصحف كتابة حالة فيها متلوٌ بالألسِنَة بتلاوة فيها مسموع في الأسماع غير حال في شيءٍ من هذه المخلوقات ولا يُجَاوَز" (٢).
وأفصح عن ذلك أيضًا عبد القاهر البغدادي حيث قال: (٣): "كلام الله في المصحف مكتوب، وفي القلب محفوظ، وباللسان متلوّ، ولا يقال: إنه في المصاحف مطلقًا، ولا نقول على التقييد: إنه مكتوبٌ في المصاحف" (٤).
وبهذا يتضح ما قصده ابن عجيبة من كلامه السابق الذي وافق فيه الأشاعرة، بأن الذي يوجد في المصحف هي كتابة كلام الله التي هي الألفاظ أو هو عبارة عن العربية، لا كونه كلام الله حقيقة.
ولقد بيَّن ابن تيمية ﵀ غلطهم من جهة تصوير مذهبهم، وغلطهم في الشريعة، فقال: "فإنَّ هؤلاء غلطوا غلطين غلطًا في مذهبهم وغلطًا في الشريعة.
أمَّا الغَلطُ في (تصوير مذهبهم) فكان الواجب أن يقولوا: إنَّ القرآن في
стр. 443
المصحف مثل ما أنَّ العلم والمعاني في الورق, فكما يُقال: العلم في هذا الكتاب يُقال: الكلام في هذا الكتاب؛ لأنَّ الكلام عندهم هو المعنى القائم بالذات فيصور له المثل بالعلم القائم بالذات لا بالذات نفسها.
وأما الغلط في (الشريعة) فيقالُ لهم: إنَّ القرآن في المصاحف مثل ما أنَّ اسم الله في المصاحف؛ فإنَّ القرآن كلام: فهو محفوظٌ بالقلوب كما يُحفظ الكلام بالقلوب وهو مذكور بالألسن، كما يذكر الكلام بالألسن وهو مكتوب في المصاحف والأوراق، كما أنَّ الكلام يُكتب في المصاحف والأوراق، والكلام الذي هو اللَّفظ يطابق المعنى، ويدلُّ عليه والمعنى يطابق الحقائق الموجودة.
فمن قال: إنَّ القرآن محفوظٌ كما أنَّ الله معلوم، وهو متلوٌّ كما أنَّ الله مذكور، ومكتوب كما أنَّ الرَّسول مكتوب، فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين: فإنه جعل وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على المعنى المطابق لها، والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (١) وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢).
فإنَّ القرآن لم ينزل على أحدٍ قبل محمَّد ﷺ لا لفظه ولا جميع معانيه ولكن أنزل الله ذكره والخبر عنه، كما أنزل ذكر محمَّد والخبر عنه.
فذكر القرآن في زبر الأولين كما أنَّ ذكر محمد في زبر الأولين، وهو مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، فالله ورسوله معلوم بالقلوب مذكور بالألسن، مكتوب في المصحف، كما أن القرآن معلوم لمن قبلنا، مذكور لهم، مكتوب عندهم، وإنما ذاك
стр. 444
ذكره والخبر عنه، وأمَّا نحن فنفس القرآن أُنزل إلينا، ونفس القرآن مكتوبٌ في مصاحفنا، كما أنَّ نفس القرآن في الكتاب المكنون، وهو في الصحف المطهرة.
ولهذا يجب التفريق بين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (١)، وبين قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٢).
فإنَّ الأعمال في الزبر كالرَّسول وكالقرآن في زبر الأولين، وأمَّا (الكتاب المسطور في الرَّقِّ المنشور) فهو كما يُكتب الكلام نفسه والصحيفة فأين هذا من هذا؟ " (٣).
وقال أيضًا: "بل إذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإنَّ الكلام إنما يُضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبلِّغًا مُؤديًا، وهو كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف" (٤).
وقال الذهبي (٥): "إنَّك تنقل من المصحف مائة مصحف، وذاك الأوَّل لا يتحوَّل في نفسه ولا يتغيَّر، وتُلقِّن القرآن ألف نفس، وما في صدرك باق بهيئته لا انفصل عنك ولا تغيَّر، وذاك لأنَّ المكتوب واحد والكتابة تعدَّدت، والذي في صدرك واحد وما في صدور المقرئين عينُ ما في صدرك سواءٌ، والمتلوُّ وإن تعدَّد التالون به
стр. 445
واحد، مع كونه سورًا وآياتٍ وأجزاءً متعدِّدةً وهو كلامُ الله ووَحْيُهُ وتنزيلُهُ وإنشاؤُهُ، ليس هو بكلامنا أصلًا، نعم، وتكلُّمُنا به وتلاوتنا له ونطقنا به أفعالنا، وكذلك كتابتنا له وأصواتنا به من أعمالنا قال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) " (٢).
وقال ابن قتيبة ﵀: "والقرآن لا يقوم بنفسه وحده، وإنما يقوم بواحدة من أربع: كتابة، أو قراءة، أو حفظ، أو استماع، فهو بالعمل في الكتابة قائم، والعمل خطٌّ وهو مخلوق، والمكتوبُ قرآنٌ وهو غير مخلوق، وهو بالعمل في القراءة قائم، والعمل تحريكُ اللِّسان واللَّهوات بالقرآن وهو مخلوق، والمقروء قرآنٌ وهو غير مخلوق، وهو بحفظ القلب قائم، والحفظ عملٌ وهو غير مخلوق، والمحفوظ قرآنٌ وهو غير مخلوق، وهو بالاستماع قائم في السَّمع، والاستماع عملٌ وهو مخلوق، والمسموعُ قرآنٌ وهو غير مخلوق" (٣).
رابعًا: وجوه إعجاز القرآن
بيَّن ابن عجيبة وجوه إعجاز القرآن، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤): "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، واتفقوا عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النَّظم، وكمال المعنى، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أبدًا لما تضمَّنه من العلوم الإلهيَّة، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحدٍ بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا
стр. 446
عن معارضته.
وقال أكثر الناس: إنما عجزوا عنه لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه، ووجوه إعجازه كثيرة، وإنما خصَّ الثقلين بالذكر؛ لأنَّ المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأنَّ غيرهما قادرٌ على المعارضة، وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل: لا يأتون به لئلا يتوهم أن له مثلًا معيَّنًا، وإيذانًا بأنَّ المراد نفي الإتيان بمثَلٍ مَّا، أي: لا يأتون بكلامٍ مماثلٍ له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان, فلا يقدرون على الإتيان بمثله وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا أي: ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا، وهو عطف على مقدَّر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، ولو كان .. إلخ, ومحله النَّصب على الحالية، أي: لا يأتون بمثله على كلِّ حالٍ مفروض، ولو على هذه الحالة" (١).
وهو معجزٌ أيضًا من جهة اللَّفظ والمعنى (٢).
وقد وافق ابنُ عجيبة العلماءَ المحققين في أنَّ القرآن معجزٌ من وجوهٍ متعددة.
قال ابن تيمية ﵀: "كون القرآن أنه معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط، بل هو آيةٌ بيِّنةٌ معجزةٌ من وجوهٍ متعدِّدة:
١ - من جهة اللَّفظ.
٢ - من جهة النَّظم.
стр. 447
٣ - من جهة البلاغة في دلالة اللَّفظ على المعنى.
٤ - من جهة معانيه التي أخبر بها عن الله وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك.
٥ - من جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب.
٦ - من جهة ما بيّن فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة.
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (١).
وقال تعالى: [﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢)(٣).]-[٠١٨:] ٠٥٤ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٤) " (٥).
وبهذا يعجز جميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله.
وقال ابن تيمية أيضًا: "فإذا كان قد تحدَّاهم بالمعارضة -مرَّة بعد مرَّة- وهي تبطل دعوته، فمعلومٌ أنهم لو كانوا قادرين عليها لفعلوها، فإنه مع وجود هذا الداعي التام المؤكد إذا كانت القدرة حاصلة، وجب وجود المقدور، ثم هكذا القول في سائر أهل الأرض.
فهذا القدر يوجب علمًا بيِّنًا لكلِّ أحدٍ بعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلةٍ، وبغير حيلة" (٦).
стр. 448
وبهذا يتبيَّن خطأ وقصور المتكلِّمين في بيان إعجاز القرآن وحصره في جانبٍ واحد، قال ابن القيم ﵀: " ... وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فردٌ من أفراد إعجازه.
فتأمّل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصورَ كثيرٍ من المتكلِّمين وتقصيرهم في بيان إعجازه وأنهم لن يوفوه عشر معشار حقِّه حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها, وبعضهم قصر الإعجاز على مجرَّد فصاحته وبلاغته, وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام, وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب، إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي، وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كلِّه" (١).
وقد خالف ابن عجيبة المعتزلة في قولهم بأنَّ وجه الإعجاز هو المنع من معارضته، والصرفة عند التحدِّي بمثله (٢).
وبهذا القول وافق الحق؛ "لأن إجماع الأُمَّة قبل حدوث المخالف أنَّ القرآن هو المعجز، فلو قلنا: إنَّ المنع والصرفة هو المعجز، لخرج القرآن عن أن يكون معجزًا، وذلك خلاف الإجماع.
وإذا كان كذلك عُلِمَ أنَّ نفس القرآن هو المعجز؛ لأن فصاحته وبلاغته أمرٌ خارقٌ للعادة؛ إذ لم يوجد قطُّ كلامٌ على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفًا معتادًا منهم، دلَّ على أنَّ المنع والصرفة لم يكن معجزًا" (٣).
стр. 449
خامسًا: القرآن معجزة النبي ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
بيَّن ابن عجيبة أنَّ القرآن معجزة للنبي ﷺ باستدلاله بقول النَّبي ﷺ الذي جاء عن أبي هريرة ﵁: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (١)، قال ابن عجيبة عن هذا الحديث: "هو صريحٌ في أنَّه لا بدَّ من الآية لكلِّ رسول" (٢).
قال ابن كثير ﵀: "وفي هذا الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآن المجيد على كلِّ معجزةٍ أعطيها نبيٌّ من الأنبياء، وعلى كلِّ كتابٍ أنزله، وذلك أنَّ معنى الحديث: ما من نبيٍّ إلا أُعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر، أي: ما كان دليلًا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم يبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عمَّا شاهده في زمانه، فأمَّا الرَّسول الخاتم للرسالة محمَّد ﷺ فإنما كان معظم ما آتاه الله وحيًا منه إليه منقولًا إلى الناس بالتواتر، ففي كلِّ حينٍ هو كما أنزل، فلهذا قال: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا»، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته ودوامها إلى قيام الساعة، واستمرار معجزته؛ ولهذا قال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣) "، (٤).
ويقرر ابن عجيبة أنَّ القرآنَ مهيمنٌ على الكتب السَّابقة شاهدٌ على صحَّتها (٥).
стр. 450
وهذه فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآن العظيم فهو مهيمنٌ على جميع الكتب السابقة، وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب (١) "يُقَالُ هَيْمَن يُهَيْمِنُ هَيْمنَةً: إِذَا كَانَ رَقِيبًا عَلَى الشَّيْء" (٢).
ولقد دلَّ على ذلك قول الله تعالى: " ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٣).
قال ابن جرير الطبري ﵀: "هذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيِّه محمَّدٍ ﷺ يقول تعالى ذكره: أنزلنا إليك، يا محمَّد ﴿الْكِتَابَ﴾ وهو القرآن الذى أنزله عليه، ويعني بقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمَّد، مصدِّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حقٌّ من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها" (٤).
وهذا متفقٌ عليه بين سلف الأُمَّة، قال ابن تيمية ﵀: "فالسَّلف كُلُّهم متفقون على أنَّ القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، ومعلومٌ أنَّ المهيمن على الشَّيءِ أعلى منه مرتبة، ومن أسماء الله (المهيمن) ويُسمَّى الحاكم على الناس القائم بأمورهم (المهيمن) " (٥).
стр. 451
سادسًا: تفاضل آيات القرآن
يرى ابن عجيبة أنَّ آيات القرآن تتفاضل فيقول: "أمُّ القرآن، لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها، وأنها أعظمُ سورةٍ في القرآن، وكذلك ما ورد في سورة البقرة، أنها أعظم سورة، وكذلك آية الكرسي، وفي سورة الإخلاص، والمعوذتين، وهذه الآيات أفضل من غيرها" (١).
والقول بأنَّ كلام الله بعضه أفضل من بعض هو قولٌ مأثورٌ عن السَّلف.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن للمتأخرين قولين مشهورين في تفاضل القرآن في نفسه، وهل يكون بعضه أفضل من بعض أم لا؟
١ - القول الأول: أنَّه لا يتفاضل في نفسه؛ لأنه كلام الله وكلام الله صفة له، وصفة الله لا تتفاضل، لا سيَّما مع القول بأنه قديمٌ فإنَّ القديم لا يتفاضل.
٢ - القول الثاني: أنَّ بعض القرآن أفضل من بعض، وهذا هو قول الأكثرين من السَّلف (٢).
وقال أيضًا: "والصَّواب الذي عليه جمهور السَّلف والأئمة أنَّ بعض كلام الله أفضل من بعض كما دلَّ على ذلك الشَّرع والعقل" (٣).
وذكر أيضًا: أنَّ القرآن كلام الله والكلام يشرفُ بشرف المُتكَلِّم به، ويشرف بشرف المتكلَّم فيه، فما أخبر الله به عن نفسه كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤) أعظم مما أخبر به عن خلقه كقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٥)،
стр. 452
وما أمر فيه بالإيمان وما نهى فيه عن الشرك أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين ونهى فيه عن الربا (١).
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
أولًا: من القرآن
قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٣).
قال ابن كثير: "جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات" (٤).
ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة
١ - قول النبي ﷺ لأُبَيِّ بن كعب ﵁: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلتُ اللهُ ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال قلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٥)، قال: فضرب في صدري، وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر» (٦).
стр. 453
قال القاضي عياض: "فيه حُجَّةٌ للقول بتفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيل القرآن على سائر كتب الله " (١).
٢ - عن أبي سعيد بن المعلَّى ﵁ قال: كنتُ أصلِّي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلتُ: يا رسول الله إني كنتُ أُصلِّي فقال: «ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢)؟» ثم قال لي: «لأعلمنَّك سورة هي أعظم السُّور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلتُ له: ألم تقل لأعلمنَّك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) هي السَّبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (٤).
سابعًا: تحريف الكتب السَّابقة
تحدَّث ابن عجيبة عن الكتب السماوية، وما اشتملت عليه من النُّور والهدى، وما طرأ عليها من التحريف الذي وقع في الكتب السَّابقة من حيث التحريف النصِّي، وتحريف الأحكام ما عدا القرآن العظيم، حيث قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥)، حيث تولى حفظه الحقُّ ربُّنا، فلا يزال محفوظًا لفظًا ومعنًى إلى قيام الساعة (٦).
стр. 454
أولًا: التحريف النصي
قال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) "يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ بالتحريف وإبراز الباطل في صورة الحق، حتى كتمتم نعت محمَّد ﷺ وحرَّفتموه، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سوَّلت لكم أنفسُكم؟ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ نبوة محمَّد ﷺ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه رسولُ الله حقًّا وأن دينه حق" (٢).
ثانيًا: تحريف الأحكام
قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣).
"يقول الحقُّ ﷻ : من اليهود قومٌ تمرَّدوا في الكفر وهم أحبارهم، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ -وهو التوراة- عَنْ مَواضِعِهِ أي: يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، بإزالة لفظه أو تأويله، أو كصفة نبيِّنا محمَّد ﷺ ، وآيةِ الرَّجم، وغير ذلك" (٤).
لقد تكفَّل الله بحفظ القرآن من كلِّ تبديلٍ وتغيير، قال ابن جرير الطبري: "وإنَّا للقرآن لحافظون من أن يُزاد فيه باطلٌ مَّا ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه، والهاء في قوله: (له) من ذكر الذكر" (٥).
стр. 455
وقال ابن القيم ﵀: "ولولا أنَّ الله تولَّى حفظ القرآن بذاته وضمن للأُمَّة ألا تجتمع على ضلالة، لأصابه ما أصاب الكتب قبله" (١).
وقال أيضًا: "فالله سبحانه حفظ محلَّه، وحفظه من الزيادة والنقصان، والتبديل، وحفظ معانيه من التحريف، كما حفظ ألفاظه من التبديل، وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان، ومعانيه من التحريف والتغيير" (٢).
وهذه الميزة لم تحصل للكتب السَّابقة، بل دلَّت الأدلة على التحريف الذي حصل بها.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
"ويعني بقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾، ثم يبدِّلون معناه وتأويله ويغيرونه، وأصله من (انحراف الشَّيءِ عن جهته)، وهو ميله عنها إلى غيرها، فكذلك قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره، فأخبر الله جلَّ ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك على علمٍ منهم بتأويل ما حرَّفوا، وأنه بخلاف ما حرَّفوه إليه، فقال: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، يعني: من بعد ما عقلوا تأويله، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون" (٤).
стр. 456
وقال ابن القيم ﵀: "وأمَّا التحريف فقد أخبر الله عنه في مواضع متعدِّدة، وكذلك لَيُّ اللِّسان بالكتاب ليحسبه السَّامع منه وما هو منه.
فهذه خمسة أمور:
أحدها: لبس الحق بالباطل، وهو خلطه به بحيث لا يتميَّز الحق من الباطل.
الثاني: كتمان الحق.
الثالث: إخفاؤه، وهو قريبٌ من كتمانه.
الرابع: تحريف الكلم عن مواضعه، وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه.
الخامس: لَيُّ اللِّسان به ليلتبس على السَّامع اللَّفظ المنزل بغيره.
وهذه الأمور إنما ارتكبوها لأغراضٍ لهم دعتهم إلى ذلك" (١).
стр. 457
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالرسل والأنبياء عموما
المبحث الثاني: الفرق بين النبي والولي
المبحث الثالث: عقيدته في الرسول محمد ﷺ -
стр. 458
المبحث الأول:
الإيمان بالرسل والأنبياء عمومًا
أولًا: تعريف النَّبي والرَّسول في اللغة
يرجع معنى النبأ في اللغة إلى الخبر، قال الخليل: "النَّبأُ مهموزٌ: الخَبَرُ، وإنَّ لفُلانٍ نبأً، أي: خَبَرًا، والفِعلُ نبَّأته وأنبأته واستنبأته، والجميع الأنباء، والنَّبأَةُ: النَّغْيةُ، وهو صوتٌ يُشَكُّ فيه ولا يُتَيَقَّنُ .. والنَّبأة، والبَغمةُ، والطَّغْية، والعَضْرةُ، والنَّغْيةُ بمعنًى واحد، والنُّبوَّة، لولا ما جاء في الحديث لَهُمِزَ، والنَّبيُّ ﷺ يُنباء الأنباء عن الله ، والنَّبيُّ، يقال: الطَّريق الواضحُ يأخُذُكَ إلى حيثُ تُريد" (١).
ويرجع معنى الرَّسول في اللُّغة إلى الاسترسال، واللِّين، قال الخليل: "الرَّسْلُ: الذي فيه استرسالٌ ولين، وناقةٌ رَسْلةُ القوائم أي: سَلِسَةٌ لَيِّنَةُ المَفاصِل ... والرَّسَلُ: جماعاتُ الإِبِل، والرَّسَلُ: القَطيعُ من كلِّ شيءٍ، وجمعه إرسال، والرَّسَلُ يُذَكَّر ويؤنَّث، والرِّسلُ: الهَيْئةُ والسُّكُون، يقال: تَكَلَّمْ على رِسْلِكَ ... والرُّسُل: جمع الرَّسُولِ، وفي لغةٍ: هي رسولٌ وهُنَّ رَسُولٌ، والرسائل جمع الرِّسالة" (٢).
أمَّا النُّبوة فهي خبرٌ خاصٌّ يكرِّم الله به من يصطفيه من عباده ليطلعه على شريعته بما فيها من الأوامر والنواهي، والوعظ، والإرشاد، والوعد، والوعيد (٣).
والرِّسالة هي: سفارة العبد بين الله وبين ذوي الألباب من خلقه ليصلح بها مناحي حياتهم، ومصالحهم الدنيوية، والأخروية (٤).
стр. 459
ثانيًا: تعريف النَّبي والرَّسول في الشَّرع والفرق بينهما
اختلف العلماءُ في تعريف كلٍّ منهما، قال القاضي عياض ﵀: "واختلف العلماء هل النَّبي والرَّسول بمعنى أو بمعنيين فقيل: هما سواءٌ، وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (١) فقد أثبت لهما معًا الإرسال قال: ولا يكون النَّبي إلا رسولًا، ولا الرَّسول إلا نبيًّا.
وقيل: هما مفترقان من وجه .. إذ قد اجتمعا في النُّبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو الرِّفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها.
وافترقا في زيادة الرِّسالة للرَّسول، وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئًا واحدًا لما حَسُن تكرارهما في الكلام البليغ.
قالوا والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلى أُمَّة، أو نَبيٍّ وليس بمرسلٍ إلى أحد.
وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ الرَّسول قد جاء بشرعٍ مبتدأ، ومن لم يأت به نبيٌّ غير رسول، وإن أُمر بالإبلاغ والإنذار.
والصحيح والذي عليه الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَنَّ كُلَّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍ رسولًا" (٢).
قال الشوكاني ﵀: "والنَّبيُّ في لسان الشَّرع: من بعث إليه بشرع، فإن أُمر بتبليغه فرسول، وقيل: هو المبعوث إلى الخلق بالوحي لتبليغ ما أُوحاه، والرَّسول قد يكون مرادفًا له، وقد يختصُّ بمن هو صاحب كتاب، وقيل: هو المبعوث لتجديد شرع أو تقريره، والرَّسول هو: المبعوث للتجديد فقط، وعلى الأقوال: النَّبي أعمُّ من الرَّسول" (٣).
стр. 460
ويرى ابن عجيبة أنَّ هناك فرقًا بينهما حيث قال عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١): "الرَّسولُ يُوحى إليه بشرعٍ ويُؤمر بالتبليغ، والنَّبيُّ يُوحى إليه ولم يُؤمر بالتبليغ، فالرَّسول مكلَّفٌ بغيرِه، والنَّبيُّ مقتصرٌ على نفسه" (٢).
وقد ردَّ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ هذا التفريق فقال: "وآية الحج هذه تبيِّن أنَّ ما اشتهر على ألسِنة أهل العلم من أنَّ النَّبيَّ هو من أُوحيَ إليه وحيٌ ولم يُؤمر بتبليغه، وأنَّ الرسول هو النَّبيُّ الذي أُوحيَ إليه وأُمِرَ بتبليغِ ما أُوحي إليه غيرُ صحيح؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (٣)، يدلُّ على أنَّ كُلَّا منهما مُرْسَل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أنَّ النبي الذي هو رسول أُنزل إليه كتابٌ وشرعٌ مستقلٌّ مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأنَّ النبي المرسل الذي هو غير الرَّسول، هو من لم ينزل عليه كتابٌ وإنما أُوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يُرسلون ويُؤمرون بالعمل بما في التوراة; كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٤) ", (٥).
ووضَّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الفرق بين النَّبيِّ والرَّسول فقال: "فالنَّبي