وهذا الذي حملني على تقييد هذا التأليف، فلا عبرة بعلم الأوراق إذا لم يؤيده الوجدان والأذواق" (١).
وهذ الكتاب كان مخطوطًا حققته الباحثة: فاتحة مجدوني بتاريخ ١٥/ ١١/ ١٩٩٦ م لنيل دبلوم في العقائد والفلسفة (٢).
٢١ - شرح صلاة ابن عربي
وهو كتاب مطبوع ضمن سلسلة نورانية مفيدة (٣) جمع وتقديم: عبد السلام العُمراني الخالدي، ومضمون الكتاب في مدح النبي ﷺ والغلو فيه (٤)، وهو تقييد على تصلية ابن العربي، فلقد استأذن ابن عجيبة شيخه البوزيدي عند ما طُلب منه أن يضع تقييدًا على صلاة ابن عربي (٥).
٢٢ - كشف النقاب عن سر الألباب
وهو كتاب مطبوع, عبارة عن رسالة صغيرة، تحدَّث فيها ابن عجيبة بنفس صوفي عن التوحيد فهو يرى أن فعل العبد كله من الله، بل لا فاعل في الوجود سواه، فهو يقرر عقيدة الجبر (٦)، ثم شرع بعد ذلك في بيان المصطلحات الصوفية مثل: الحقيقة، المجاهدة، علم اليقين، عين اليقين، وحق اليقين، والحال (٧)، والمقام ... (٨).
стр. 37
٢٣ - معراج التشوف إلى حقائق التصوف
وهو كتاب مطبوع، قال عنه ابن عجيبة: "ثم ألفت كتابًا في حقائق التصوف فيه ثلاثة كراريس" (١)، واشتمل الكتاب على حقائق غريبة، وعبارات دقيقة، اصطلح القوم على استعمالها ... (٢)، وقد جُمع في هذا الكتاب مائة حقيقة من حقائق التصوف، ويعتبر الكتاب كشافًا للمصطلحات الصوفية، والذي يظهر أن مصدر ابن عجيبة في تأليفه لهذا الكتاب هو كتاب الرسالة للقشيري (٣).
٢٤ - شرح نونية الششتري (٤)
هو كتاب مطبوع، يدور حول بث الآراء الصوفية، قال عنه ابن عجيبة: "ثم شرحت نونية الششتري في أربعة كراريس صغار" (٥) ولقد استعمل الكثير من المصطلحات الصوفية، كالحلول، والاتحاد، والكرامات، والفناء، وذبح النفس، ثم أفاض في تحليل وشرح قيمة العقل، وآفاته، ثم أخذ يثني على رموز الصوفية كابن سبعين، وابن عربي، وابن الفارض، وتبرأتهم من رميهم بالحلول والاتحاد.
стр. 38
٢٥ - حاشية ابن عجيبة على الجامع الصغير للسيوطي
مخطوط لم يحقق, يوجد في الخزانة العامة للمكتبة الوطنية في مدينة الرباط بالمغرب، تحت رقم ١٨٣١ ويقع في ٢٨٣، لوحًا، قال ابن عجيبة: "ثم وضعتُ حاشية مختصرة على الجامع الصغير للسيوطي" (١).
٢٦ - الفهرسة
كتاب مطبوع (٢) , جمع فيه سيرته منذ ولادته حتى "ظهر التاسع من شهر ربيع للعام الثاني وعشرين ومائتين وألف" (٣) وتكون الكتاب من ثلاثة فصول، اشتمل الفصل الأول على نسبه وما يتعلق بأسلافه، والفصل الثاني ذكر فيه النشأة والتربية، والفصل الثالث ذكر فيه ابتداءَه في طلب العلم، وكيفية دخوله في علم التصوف، وكذلك الإجازات التي حصل عليها من شيوخه وضمَّن آخر الكتاب قصائد في بعض آداب الصوفية.
٢٧ - شرح الفتوحات القدسية في شرح المقدمة الآجرومية (٤)
نحا في شرحه بالجمع بين النحو والتصوف، فعندما يذكر عبارة المؤلف يشرحها شرحًا نحويًا، ثم يتبعها بالمعنى الإشاري، يقول في مقدمة الشرح: "وقد أردت بعون الله أن أضع عليها شرحًا متوسطًا، متوشحًا بنكت عجيبة قلَّ أن توجد في غيره من المطولات، وإشارات صوفية غريبة، قل أن يغوص إليها من له شأن في علم الأذواق والإشارات" (٥).
стр. 39
وهو كتاب مطبوع ضمن سلسات نورانية فريدة من كتب ابن عجيبة أخرجه العمراني الخالدي عبد السلام.
٢٨ - شرح الأبيات الثلاثة للجنيد (١)
كتاب مطبوع، عبارة عن رسالة صغيرة الحجم لا تتجاوز الست صفحات (٢) تضمَّنت شرح الأبيات الثلاثة شرحًا صوفيًا (٣).
وأولها:
توضَّأ بماءِ الغيبِ إن كنتَ ذا سرِّ ... وإلا تيمَّمْ بالصَّعيدِ أو الصَّخْر
٢٩ - البحر المديد في تفسير البحر المديد
وهو كتاب مطبوع في تفسير القرآن، مطول من ثمان مجلدات، جمع بين التفسير الظاهر والتفسير الباطن كما قال في مقدمته: "وقد ندبني شيخي محمد البوزيدي أن أضع تفسيرًا يكون جامعًا بين تفسير أهل الظاهر، وإشارة أهل الباطن" (٤).
٣٠ - شرح أسماء الله الحسنى
هذا الكتاب ذكره ابن عجيبة في الفهرسة، فقد أفرد لكل اسم بابًا، ولكن هذا الكتاب يُعد من الكتب المفقودة (٥).
стр. 40
٣١ - رسالة في ذم الغيبة ومدح العزلة والصمت
توجد منها نسخة مخطوطة بالهيئة العامة للكتاب بمصر، تحت رقم ٣٢٩٩، فرغ من تأليفها سنة ١١٩٨ هـ.
٣٢ - شرح الحزب الكبير للشاذلي (١)
توجد منه نسخة مخطوطة في تطوان، ضمن مجموعة برقم ٣٠١، ويقع في مائة وخمس وأربعين صفحة، فرغ منه عام ١٢٠٠ هـ، ويوجد ضمن مجموع مع كتاب الأسرار للمعسكري (٢) تحت رقم ٢٨٤١ ك، في خزانة المكتبة الوطنية في الرباط.
٣٣ - حاشية على مختصر خليل (٣)
ذكر أنه ابتدأ حاشية على مختصر خليل لم يتمه (٤).
٣٤ - شرح الحصن الحصين
وهو شرح لابن الجزري (٥)، ولكنه لم يتمه.
стр. 41
٣٥ - شرح تائية البوزيدي (١) في الخمرة الأزلية
مخطوط يوجد في الخزانة العامة بالرباط ضمن مجموع ورقة (١١٢/ب ١٥٩/ب).
وأعاد شرحها بقوله: ولقد أعددت شرحًا آخر عليها في اثنى عشر كراسًا ونصف (٢).
ومطلع القصيدة:
أيا مَن تجلَّى في بهاءِ جمالِهِ ... وسرِّ كمالِهِ وعِزٍّ ورفعة
٣٦ - شرح قصيدة البوزيدي في السلوك
هي قصيدة رائية عدد أبياتها تسع وعشرون بيتًا، وهذا مطلعها.
عليك بتقوى اللهِ حيثُ توجهت ... وكن كريمَ الأخلاقِ في السرِّ والجهر
والشرح يوجد عند بعض الخواص بفاس وتطوان (٣)، وذكر ابن عجيبة أنه لما أتم الشرح أرسله لشيخه ففرح بالشرح فرحًا شديدًا (٤).
стр. 42
ثامنًا: وفاته
توفي ابن عجيبة عام ١٢٢٤ هـ، في دار شيخه محمد البوزيدي، ولكنه أُدرج في كفنه وبقي مدة لم يدفن حتى قدم أخوه عبد الله، فلما وصل إليهم مرض أخوه ومات أيضًا ودفنا جميعًا بزاويته المسماه بالزَّميج (١).
وضريح ابن عجيبة مغلق طول السَّنة، ولا يفتح إلا مرة في السَّنة تقام فيه العمارة (٢)، وهو ما يعرف بالموسم عند المغاربة حيث يحصل فيه بدع عظيمة ومنها ما يزعمونه من التقرب إلى الله ببركة ابن عجيبة بالقربات، ولقد ترك ابن عجيبة طريقته الدرقاوية لأولاده الثلاثة، وقبورهم موجودة بجانبه، وعليها قبة، وهم: عبد السلام، وعبد القادر، أما الثالث فهو الصادق، وقيل لي أنه دفين تطوان، والله أعلم.
ولما دخلت الضريح وجدت قبر ابن عجيبة مرتفع قدر متر، كما هو واضح في الصور التي أخذتها له، ويقع في الزاوية التي عليها القبة الخضراء بالأعلى، ويوجد بجانبه مكتبة صغيرة فيها مصاحف، وكتب ابن عجيبة المطبوعة، وبعض الكتب المهتمة بالأوراد.
ولقد غلت الطريقة الدرقاوية في ضريحه، فهي تحتفل في اليوم الرابع من شهر سبتمبر من كل عام بموسم أحمد بن عجيبة (٣).
ولقد تم حوار بيني وبين مقدم الزاوية فظهر لي أنه لا يعرف الكثير عن أتباع الطريقة الدرقاوية وعددهم، وهل هم في زيادة أم لا، فقد اكتفى بفتح الباب وأخذ الأجرة على ذلك، وظن أنني أريد التبرك بضريح ابن عجيبة.
стр. 43
وعمومًا فهذه الرحلة الميدانية رغم كلفتها وبعد الشقة قصدت منها البحث العلمي؛ وذلك من أجل إحقاق الحق، وبيان ما عليه القوم من باطل.
стр. 44
التعريف بالطرق الصوفية إجمالًا (١)
السير إلى الله وإلى تحقيق رضوانه يكون بطريق واحد وهو الأخذ بكتاب الله واتباع هدي النبي محمد ﷺ وفق فهم السلف الصالح من الأمة وعلمائها، لا ما عليه القوم من تعدد في طرقهم، واختلاف أحوالهم.
وإذا أمعنت النظر في تعدُّد طرق القوم، واختلاف أحوالهم، وتباين بعضهم بعضًا، تيقَّنت أن السبب يكمن في تأخر القوم عن عهد سلفنا الصالح وتقوُّلهم عليهم مالم يقولوا به فأضحت كل طريقة من طرق القوم كأنها شريعة أخرى غير ما أتى به وبيَّنه لنا نبيُّنا محمد ﷺ (٢).
ولكن الله سدَّ جميع الطرق على خلقه إلا طريقًا واحدًا بيَّنه ونصبه على ألسن رسله وجعله موصلًا لعباده إليه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله ﷺ بالطاعة فلا يشرك به أحدًا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدًا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول ﷺ (٣).
قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤).
стр. 45
وقال نبيُّنا محمد ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسي محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله من هم: قال: الجماعة» (١).
وكما هو معلوم بأنَّ الطرق الصوفية كثيرة جدًا ومن الصعب حصرها؛ لكن سأذكر طرقها الكبار وما يتفرَّع منها، وفيما يلي التعريف بها إجمالًا.
١ - الطريقة القادرية
من الطرق الواسعة الانتشار في المغرب، ومؤسِّسها أبو محمد عبد القادر الجيلاني، المولود في جيلان وراء طبرستان عام ٤٧١ هـ، ثم انتقل إلى بغداد إلى أن توفي عام ٥٦١ هـ، ويؤكد مؤسس الطريقة على أن واجب السالك في الطريقة أن يتمسَّك بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، وما كان عليه سلف الأمة، فيقول: "فالذي
стр. 46
يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح" (١).
ولكن أتباع الطريقة القادرية نسبوا له أمورًا مبتدعة لا يقدر عليها إلا الله من علوم الغيب، والتصرُّف في الكون، وإحياء الموتى (٢).
ولعل أول من نشر تعاليم هذه الطريقة في المغرب العربي هو أبو مدين دفين تلمسان المتوفى سنة ٥٩٨ هـ (٣)، وتقوم هذه الطريقة على الذكر الجهري، والرياضة الشاقة، وتقليل الأكل، ويأتي في أصول الطريقة القادرية بوجوب طاعة المريد لشيخه ولا يخالفه في ما يوجهه إليه (٤).
٢ - الطريقة الشاذلية
نشأت بتونس، ومؤسسها هو المغربي أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم الحسن الشهير بالشاذلي، نسبةً إلى شاذلة وهي قرية على بعد عشرين كلم من مدينة تونس شمالًا، ولد في المغرب سنة ٥٩٣ هـ (٥)، ومنهجه الصوفي قائم على تقديس المريد لشيخه، وإيثار أقواله وأفعاله (٦)، ولقد زعم أنه مستجاب الدعوة، فهو يقول: "سألت الله أن يكون القطب الغوث من بيتي إلى يوم القيامة، فسمعت النداء: يا علي قد استجيب لك" (٧)، وهو يزعم أنه يعلم الغيب -
стр. 47
نسأل الله العافية-، بقصة سطرها بقوله: جاءت امرأة بولدها ليدعوا له، فأخذ ينظر فيه ويتفرَّس فيه ساعة، ولم تسمع أم ذلك الصبي بشيء، فقالت: لم يا سيدي لم أسمعك تخاطبه بكلمة، فقال الشاذلي: لما جلس بين يدي أطلعني الله على عواقب أمره، فما وجدت في عمله شيئًا أوصيه عليه، فاستحييت من الله (١) ولقد قدَّسه أتباعه وتبركوا بآثاره، حتى أوصلوه إلى مرتبة الألوهية والنبوة -نسأل الله العافية- (٢).
٣ - الطريقة النقشبندية
تنسب إلى بهاء الدين محمد بن محمد البخاري الملقب بشاه نقشبند مات سنة ٧١٩ هـ، ولقد انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية (٣)، وطريقة الدخول في النقشبندية، بالتوبة، ثم اتخاذ شيخ لسلك الطريقة، يليها الذكر، ثم المراقبة ولا تختلف عقيدتهم في الولي عن بقية الطرق الصوفية بزعمهم أن الولي يقول: للشيء كن فيكون، وفي عقائدهم وبدعهم شرك في توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية (٤).
٤ - الطريقة الرفاعية
تنسب الرفاعية إلى أحمد بن علي الرفاعي المغربي، وكانت وفاته عام ٥٧٨ هـ (٥)، وهي منتشرة في العراق، وسوريا ولبنان، ومصر، وليبيا، وغرب آسيا (٦).
"وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة مبتدعة الرفاعية، فلا
стр. 48
تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها، وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله وعبادة مشائخهم، وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات والعقارب ونحو ذلك" (١).
وهذه الطريقة لا تنفك عن محدثات متنوعة، كاتخاذ الخرقة والأذكار المحدثة، وخوارق شيطانية (٢)، ولقد ناظرهم ابن تيمية وأبطل مكرهم وبدعهم (٣).
وطريقتهم مبناها على الجهر بالذكر، والتواجد عند سماعه، والخلوة مرة كل سنة، سبعة أيام تبدأ في اليوم الثاني من عاشوراء، إلى مساء اليوم السابع عشر، ولا تشاركه في خلوته زوجه، ويخلو طعامه من كل روح (٤).
٥ - الطريقة البكتاشية
تنسب إلى بكتاش ولي، انتشرت في تركيا، وكردستان، وآسيا الصغرى، وألبانيا، وهي طريقة صوفية شيعية الحقيقة والمنشأ، ولكنها مع ذلك تربَّت وترعرعت في بلاد تركيا ومصر، ومن معتقداتهم أنهم يغلون في علي بن أبي طالب ﵁، والاعتراف بالخطأ لشيخهم؛ لأنهم يعتقدون أنه يغفر لهم، واستباحوا المحرمات كشرب الخمر، ولهم عيد يحتفلون به هو يوم ١٦ آب (٥) ويلبسون الألبسة الزاهية ويطوفون حول القبر المقدَّس -عندهم-، وهي مزيج كامل من عقيدة وحدة الوجود، وعبادة المشايخ وتأليههم، وعقيدة الشيعة في الأئمة (٦).
стр. 49
٦ - الطريقة التجانية
تُنسب إلى التجاني، واسمه أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد بن سالم التجاني، ولد سنة ١١٥٠ هـ وتوفي يوم الخميس السابع عشر من شهر شوال سنة ١٢٢٠ هـ وعمره ثمانون سنة (١).
وعقائدهم مخالفة لما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، فهم يؤمنون بوحدة الوجود ويعتبرون القائل بها من أولي الذوق الصحيح، والكشف الصريح (٢)، ويعتقدون أن صلاة الفاتح لما أغلق هي أفضل من القرآن (٣)، ويعتقدون رؤية النبي يقظة بعد موته، وبجواز التوسل بذات النبي ﷺ وتنتشر الطريقة في شمال أفريقيا وغربها (٤).
٧ - الطريقة الجزولية
تُنسب إلى محمد بن سليمان بن داود الجزولي (٥) ويرتبط اسمه بكتاب دلائل الخيرات الذي قام بتأليفه، وهو المؤسِّس للطريقة الجزولية، وهي طريقة صوفية تربوية تقوم على تربية النفس وتهذيبها للوصول إلى الفناء عن طريق المجاهدة وطريقة الصحبة -أي شيوخ التربية-، ولا بدَّ في الشيخ أن يكون ملمًا بعلم الظاهر وعلم الباطن-، وأخذ العهد بأن لا ينتسب لشيخ آخر، والذكر عندهم بترديد الهيللة (لا إله إلا الله) (٦).
стр. 50
٨ - الطريقة العيساوية
نسبة إلى محمد بن عيسى، دفين مكناس بالمغرب سنة ٩٩٣ هـ، وينتمي لهذه الطريقة الطبقة الشعبية، ولقد تأثرت هذه الطريقة بالطريقة الرفاعية (١)، ومن المناكير الشنيعة التي يقوم بها أصحاب هذه الطريقة، والتي يتبرأ منها الإسلام أكل الجيف ويتلطخون بدمها المسفوح، ويسمون هذا الفعل الشيطاني بالحال، ولقد جعلوا لأصابع أيديهم حلقًا من الحديد لها رؤوس حادة بحيث يمكن الذبح بها، وموسمهم هو اليوم الثالث عشر من شهر ربيع النبوي، وينتشرون في فاس (٢)، ومكناس (٣)، وآسفي (٤)،
ومراكش (٥)، والصويرة (٦).
стр. 51
وغيرها من مدن المغرب (١)، وطريقتهم لإحياء موسمهم "الطواف بالشوارع من الصباح إلى المساء، يطبلون ويزمرون، ويرقصون بدون فتور ولا راحة، ويفترسون لحوم الغنم والمعز قبل موتها بعد أن يبقروا بطونها، ويمزقوا أحشاءها، فتتلوث أبدانهم، وثيابهم بالدماء، ويأكلون تلك اللحوم الملوثة" (٢).
"وقد اشتهرت الطريقة العيساوية باستعمالها للمدائح بصوت عال، وتعرف هذه المدائح بحزب سبحان الدائم الذي هو في الأصل لمحمد بن سليمان الجزولي، ولكن الحزب في ليبيا أضيف إليه حزب الفلاح، وأضحى التوسل بالأولياء من ضمن هذا الورد الذي لم يكن فيه أصلًا، ومن ملامح هذه الطريقة الجمع بين الذكر والمدح والحضرة، واستخدام الموسيقى الأندلسية" (٣).
٩ - الطريقة التباغية
تُنسب لمؤسسها عبد العزيز بن عبد الحق الحرّار المعروف بالتباغ، المتوفى سنة أربع عشرة وتسعمائة، من مواليد مراكش، وكان يلزم أتباعه بأوراد الجزولي، ولكن لم يبق لهذه الطائفة اليوم أثر، إلا أن الذي يعمر زاويتها اليوم النساء عشية الجمعة (٤).
١٠ - الطريقة الغزوانية
تُنسب لمؤسسها محمد بن عبد الله بن أحمد الغزواني، المتوفى سنة خمس وثلاثين وتسعمائة، وهو تلميذ عبد العزيز التباغ الذي أذن له بفتح زاوية له، وبعد وفاة شيخه أنشأ طريقته التي سمَّاها على اسمه، ولهذه الطائفة اصطلاحات وأعمال غريبة، ومن قبيح مثالبهم قولهم: الفاتحة في نظير ما يوهب لهم من الناس، وذلك عند
стр. 52
جلوسهم للراحة، فكلما أُعطي أحدٌ من الناس شيئًا قالوا: الفاتحة، ومن هذه الطائفة قوم يعرفون بأصحاب الناقة، وهي الناقة التي تضرب في كل سنة على أصحاب الحرف، وهم الدبّاغة، وقد جعلوا هذه الضريبة لأجلها فرضًا محتمًا حتى على الفقير والمسكين، وكل من أبى عن دفع ذلك القدر المرتب عليه من قبلها قوبل بأنواع من العذاب؛ وذلك لأجل النفع الحاصل لرؤساء الحرف (١).
١١ - الطائفة الناصرية
مؤسسها محمد بن ناصر الدرعي الناصري، وانتشرت هذه الطريقة في كافة أرجاء المغرب والجزائر، ولقد كثرت البدع التي حدثت في هذه الطريقة، ومنها: ضيافة الجان التي تفعل بمواضع ملاصقة للزاوية، أو بالمقابر من بيض، وورد، وريحان، وبخور (٢)، وكذلك إذا ذبحت الأضاحي بالمصلى بادروا في ضجيج وضوضاء لما هيأوا من البغال الفارهة المسرعة المعدات لذلك، ويحملونها عليها راكبين خلفها من غير غسل المذبوح منها، والدماء تسيل على الراكب والمركوب، والطرقات، والمار بها في إسراع وزحمة عظيمة والعامة يتبركون بها، ويزعمون في خرافاتهم أن من وصلت وبها رمق مكان سلخها فذلك دليل على طول عمر المتقرِّب بها، ويتنافسون فيمن يوصلها على تلك الحالة (٣).
وكذلك من البدع التي عليها هذه الطريقة قلب النعش بحيث يجعل وجهه إلى الأرض عندما يشرع في دفن الميت؛ لأنهم يزعمون أن بقاءه على هيئته ووجه إلى السماء أنه ينادي بزيادة الموت (٤).
стр. 53
الباب الأول: مصادر التلقي عند ابن عجيبة
وفيه فصلان:
الفصل الأول: الكتاب والسنة
الفصل الثاني: المصادر الصوفية في التلقي
стр. 54
الفصل الأول: الكتاب والسنة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الكتاب
المبحث الثاني: السنة
стр. 55
المبحث الأول: الكتاب
لا ريب أنَّ الاستدلال بالقرآن محلُّ إجماع المسلمين، لكن الاختلاف في تناول نصوص الكتاب وفهمها وتطبيقها، والموفَّق من صحَّ فهمه وحسن قصده عند الاستدلال بها، "وصحة الفهم وحُسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده بل ما أُعطي عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم" (١).
وعند سبر آراء ابن عجيبة في الكتاب والاستدلال به نجد أن لديه آراءً توافق الحق، وأخرى خالف فيها ما يدلُّ عليه الكتاب وأقوال سلف الأمة.
ومما وافق فيه الحق قوله (٢): "أما القرآن العظيم فلا بدَّ من الإيمان أنه منزَّلٌ على نبيِّنا محمد ﷺ ، فمن اعتقد أنه منزَّلٌ على غيره كالروافض (٣)
فإنه كافر بإجماع الأُمَّة"،
стр. 56
وقال: والمراد بإنزاله: إمَّا إنزاله كله إلى سماء الدنيا، أُنزل جملةً واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل نجومًا في ثلاثٍ وعشرين سنة، وإمَّا ابتداء نزوله، وهو الأظهر (١).
ومنها ذكره لبعض خصائص القرآن:
١ - حبل الله المتين وهو النور المبين والشفاء النافع.
٢ - مهيمن على الكتب (٢).
٣ - حفظه من التحريف (٣).
٤ - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٤).
ومنها قوله: "كل ما اختُلف فيه يُرد إلى كتاب الله ثم إلى سنة رسول الله ﷺ ، ثم إلى الإجماع، ثم إلى القياس، فهذه هي قواعد الشريعة وعليها بنيت الأحكام فمن خرج عنهما فهو مبطلٌ، ففي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من علم الأصول والفروع ما فيه غُنية، فإن لم يوجد نصٌّ فالإجماع أو القياس" (٥).
وعند تأمُّل ما سبق ذكره من أمثلة نجد أنه وافق فيها الحق وما دلَّت عليه النصوص من الكتاب والسُّنَّة، وقول سلف الأمة.
стр. 57
وبعد ذلك ذكر أمورًا يخالف فيها نصوص الكتاب والسُّنَّة وما عليه العلماء الربانيين.
نجد هذا في قوله: "اعلم أن للقرآن العظيم ظاهرًا لأهل الظاهر، وباطنًا لأهل الباطن، وتفسير أهل الباطن لا يذوقه إلا أهل الباطن، لا يفهمه غيرهم ولا يذوقه سواهم، ولا يصح ذكره إلا بعد تقرير الظاهر، ثم يشير إلى علم الباطن بعبارة رقيقة وإشارة دقيقة، فمن لم يبلغه فهمه لذوق تلك الأسرار فليسلِّم، ولا يبادر بالإنكار فإن علم الأذواق من وراء طور العقول، ولا يدرك بتواتر النقول" (١).
وهذا عند المحققين لا يوافق عليه؛ فإن العلماء بيَّنوا المعنى الصحيح للظاهر والباطن.
قال الطبري (٢): "ظهره الظاهر في التلاوة، وبطنه ما بطن في تأويله" (٣)، ولقد علَّق على هذا القول أحمد شاكر (٤) فقال: "الظاهر هو ما تعرفه من كلامها، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، ولم يرد الطبري على ما تفعله الصوفية في التلاعب بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والعبث بدلالات ألفاظ القرآن، وادعائهم أن لألفاظه "ظاهرًا" هو الذي يعلمه علماء المسلمين، وباطنًا يعلمه أهل الحقيقة (٥) فيما يزعمون" (٦).
стр. 58
ويؤيد هذا الشاطبي (١) بقوله: "من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار، فعن الحسن (٢) مما أرسله عن النبي ﷺ أنه قال: ما أنزل الله آية إلا ولها ظهر وبطن بمعنى ظاهر وباطن، وكل حرفٍ حد، وكل حد مطلع، وفُسِّر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة والباطن هو الفهم عن الله لمراده، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فُسِّر فصحيح ولا نزاع فيه، وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلومًا عند الصحابة ﵃ ومن بعدهم فلا بدَّ من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى؛ لأنها أصلٌ يحكم به على تفسير الكتاب فلا يكون ظنيًّا، وما استُدل به إنما غايته إذا صح سنده أن ينتظم في سلك المراسيل" (٣).
وقال ابن حزم (٤): "لو كان لكل آية ظهر وبطن لكنا لا سبيل لنا إلى علم البطن منها بظن، ولا بقول قائل، لكن ببيان النبي ﷺ الذي أمره الله بأن يُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، فإن أوجدونا بيانًا عن النبي ﷺ فليس أحد أولى بالتأويل
стр. 59
في باطن ما تحتمله تلك الآية من آخر من تأول أيضًا، ومن الباطل المحال أن يكون للآية باطن لا يبيِّنُه النبي ﷺ ؛ لأنه كان يكون حينئذ لم يبلغ كما أمر، وهذا لا يقوله مسلم فبطل ما ظنُّوه" (١).
ووصف أبو الفضل السكسي (٢) حال القائلين بالظاهر والباطن بقوله: "والصوفية يعتزون إلى أهل السُّنَّة وليسوا منهم، قد خالفوهم في الاعتقاد والأفعال، والأقوال، أما الاعتقاد فسلكوا مسلكًا للباطنية الذين قالوا: إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا فالظاهر ما عليه حملة الشريعة النبوية، والباطن ما يعتقدونه، فكذلك -أيضًا- فرق الصوفية قالت: إن للقرآن والسُّنَّة حقائق خفيَّة باطنية غير ما عليه علماء الشريعة من الأحكام الظاهرة، التي نقلوها خلفًا عن سلف، متصلًا بالنبي ﷺ بالأسانيد الصحيحة والنقلة الثقات وتلقته الأمة بالقبول وأجمع عليه السواد الأعظم" (٣).
وقال البربهاري (٤): "وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب ولا في السُّنَّة فهو بدعة وضلالة، لا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه" (٥).
وممَّا يؤخذ على ابن عجيبة في تلقي القرآن أنه يزعم أن العارفين يسمعون القرآن بلا واسطة، حيث قال:
стр. 60
"العارفون بالله لا يسمعون القرآن إلا من لدن حكيم عليم، بلا واسطة، الواسطة محذوفة في نظرهم، فهم يسمعون من الله إلى الله " (١).
وقال أيضًا: "العارف لم تبق له واسطة بينه وبين الله ولا بينه وبين رسول الله ﷺ ، بل يأخذ الأشياء من معدنها، فالحقيقة يأخذها من معادنها وهي شهود الذات الأقدس بلا واسطة حس الأكوان، بل تمتحي الأكوان وتمحق في نظره، فلا يرى إلا المكون، ويأخذ الشريعة من معادنها وهي الكتاب والسُّنَّة إن كان أهلًا وإلا استفتى قلبه، ولذلك قيل الصوفي لا مذهب له، أي لا يقلد أحدًا من أهل المذهب" (٢).
وقوله هذا واعتقاده من أخطر ما يكون على عقيدة العبد وعبادته إذ إسقاط الواسطة بين الله وبين خلقة مصادم لنصوص الشرع، ولما اتفقت عليه أهل الملل.
قال ابن تيمية ﵀: "مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين، واليهود والنصارى: أنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرُّسل الذين بلَّغوا عن الله أمره وخبره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٣) ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافرٌ بإجماع أهل الملل" (٤).
وأما ما ذكره ابن عجيبة من تلقي القرآن وسماعه بلا واسطة فهذه أيضًا من تخرصات الصوفية.
стр. 61
قال ابن تيمية: "فكلُّ من كان من أهل الإلهام والخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر ﵁، فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ لا يجعل ما جاء به الرسول ﷺ تبعًا لما ورد عليه، وهؤلاء الذين أخطأوا وضلُّوا وتركوا ذلك، واستغنوا بما ورد عليهم، وظنُّوا أنَّ ذلك يغنيهم عن اتباع العلم المنقول، وصار أحدهم يقول: أخذوا علمهم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فيقال له: أما ما نقله الثقات عن المعصوم، فهو حق ولولا النقل المعصوم لكنت أنت وأمثالك إما من المشركين، وإما من اليهود والنصارى، وأما ما ورد عليك فمن أين لك أنه وحي من الله؟ ومن أين لك أنه ليس من وحي الشيطان؟ " (١).
ويقول أيضًا ﵀: "فليس في المحَدَّثين الملهمين أفضل من عمر ﵁ " (٢).
وقال ابن الجوزي (٣): "ومن قال حدَّثني قلبي عن ربي فقد صرَّح أنه غني عن الرسول، ومن صرَّح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطَّل أمر الشرع، وما يؤمن هذا القائل حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين فقد قال الله : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٤)، وهذا هو الظاهر؛ لأنه ترك الدليل المعصوم وعوَّل على ما يلقي في قلبه الذي لم يثبت حراسته
стр. 62
من الوساوس وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا" (١).
وقال ابن القيم: "ومن أحالك على غير أخبرنا وحدثنا فقد أحالك إما على خيال صوفي، أو قياس فلسفي، أو رأي نفسي، فليس بعد القرآن و (أخبرنا) و (حدثنا) إلا شبهات المتكلمين، وآراء المنحرفين، وخيالات المتصوفين، وقياس المتفلسفين، ومن فارق الدليل ضلَّ عن السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسُّنَّة، وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسُّنَّة فهي طريق الجحيم والشيطان الرجيم" (٢).
كما يؤخذ على ابن عجيبة أنه لا يستدل بنصوص الكتاب والسُّنَّة على الأمور العقدية، حيث يقول: "إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة -وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة- رُجع فيه إلى الكتاب العزيز أو السُّنَّة المحمدية، أو الإجماع أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية -وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية من طريق الأذواق أو العلوم- يُرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيه إلا ما كان هو حقٌّ وصواب" (٣).
ومثال ذلك: أن المريدين لا يعرضون أو يَزِنون أقوال شيوخهم على الكتاب والسُّنَّة، ولقد شرح ابن عجيبة قول أبي الحسن الشاذلي: "من آداب مجالسة الصِّدِّيقين أن تفارق ما تعلم لتظفر بالسر المكنون" (٤) فقال:
"يعني إن أردت أن تظفر بما عندهم من السرِّ المكنون فأسقط عنهم الميزان في
стр. 63
أقوالهم، وأفعالهم، وأحوالهم، وأمَّا ما دمت تزن عليهم بميزان علمك فلا تشم رائحة من سرِّهم" (١).
وهذا تناقض واضطراب منه؛ إذ نحن مأمورون بالإيمان بجميع الكتاب والتحاكم إليه والتسليم، لا أن نؤمن ببعضه، ونكفر بالبعض الآخر، قال : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
وقال ابن تيمية: "ومن قال: أنا محتاج إلى محمد ﷺ في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، فهو شرٌّ من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدًا رسولٌ إلى الأُمِّيين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كُفَّارًا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول إن محمدًا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر، وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة، فإذا ادعى المدعي أنَّ محمدًا ﷺ إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان؛ وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسُّنَّة فقد ادَّعى أنَّ بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول ﷺ دون البعض الآخر وهذا شرٌّ ممن يقول: أؤمن ببعض وأكفر ببعض ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين" (٣).
стр. 64
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).
قال ابن القيم في تفسير هذه الآية: "فأمر تعالى بطاعته، وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأنَّ طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أولم يكن فيه، فإنه أُوتِيَ الكتاب ومثله معه" (٢).
وعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الكتاب والسُّنَّة هما الميزان للأقوال والأفعال، لهذا وُفِّقوا لكل خير؛ لأنهم "جعلوا الكتاب والسُّنَّة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسُّنَّة، فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسُّنَّة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسُّنَّة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل" (٣).
وهذه من نعم الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، قال ابن تيمية ﵀: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسُّنَّة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان أنه لا يُقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أنَّ الرسول جاء بالهدى ودين الحق" (٤).
стр. 65
وقال ابن قتيبة (١) مبيِّنًا طريقة استدلال أهل السُّنَّة: "فأمَّا أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته وتتبعوه من مظانَّه، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله ﷺ وطلبهم لآثاره وأخباره" (٢).
وارتبط أهل السُّنَّة بالنصوص نفيًا وإثباتًا، وقولهم هو ما دلَّت عليه النصوص، قال الإمام أحمد ﵀: "فآمركم ألا تؤثروا على القرآن شيئًا، فإنه كلام الله ... ثم بعد كتاب الله: سنة النبي ﷺ والحديث عنه وعن المهديين أصحاب النبي ﷺ " (٣) "قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤).
وتفسير الآية "أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ﷺ ما دام حيًا، وبعد وفاته إلى سنته، والرد إلى الكتاب والسُّنَّة واجب إن وجد فيهما، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد" (٥).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ﷺ «خطَّ لنا رسول الله يومًا خطًّا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبلٌ على كلِّ سبيل شيطان يدعو إليه ثم تلا قول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
стр. 66
وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)»، (٢).
ولا حلاوة للإيمان إلا باتباع هدي محمد ﷺ ومحبته وتقديم قوله على قول كل أحد، قَالَ رسول الله ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (٣).
وكل قول لا يوزن بميزان الشرع فهو مردود على صاحبه قال : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤)، قال ابن كثير (٥) في تفسير الآية: "لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك لفسدت السموات والأرض ومن فيهن" (٦).
وقال تعالى الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧)، "فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما
стр. 67
خالفه فهو مردود على قائله، وفاعله كائنًا من كان" (١).
وابن عجيبة كغيره من الصوفية (٢) الذين يعتقدون السرَّ (٣) في شيخ الطريقة، فقد وضَّح هذا بقوله في تعريف العلم المخزون الذي تدَّعيه الصوفية: هو العلم الموهوب الذي يفيض على القلوب من حضرة علام الغيوب، لا يناله بحيلة ولا اكتساب، ولا يؤخذ من دفتر ولا كتاب، وإنما من حضرة الكمال مع حكمة صحبة الرجال، أو بمحض الفضل والنوال، وهي أسرار الربوبية التي أخفاها الله عن خلقه، ولم يطلع عليها إلا خواص أوليائه، فإذا نطقوا بها مع غير أهلها ردوا عليهم، وربما أباحوا دمائهم، ومنها الاطلاع على أسرار القدر وعجائب المغيبات ... (٤).
ولقد بيَّن أئمة السُّنَّة في ردودهم هذا الانحراف في المعتقد، قال ابن تيمية ﵀: "ولكن لقولهم سرٌّ خفيٌّ وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السرُّ هو أشدُّ كفرًا وإلحادًا من ظاهره؛ فإنَّ مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء، قد لا يفهمه كثير من الناس.
стр. 68
ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض (١)، ويتواجد عليها ويعظمها ظانًّا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها.
وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين، فلا يفهمون حقيقته.
فإمَّا أن يتوقفوا عنه، أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقة؛ وإما أن ينكروه إنكارًا مجملًا من غير معرفةٍ بحقيقته، ونحو ذلك، وهذا حال أكثر الخلق معهم.
وأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه، وقالوا: هذا من علماء الرسوم، وأهل الظاهر، وأهل القشر، وقالوا: علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة، وهذا يحتاج إلى شروط، وقالوا: ليس هذا عشك فادرج عنه، ونحو ذلك مما فيه تعظيمٌ له وتشويقٌ إليه، وتجهيلٌ لمن لم يصل إليه، وإن رأوه عارفًا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم وقالوا: هو من كبار العارفين ... فضلالهم عظيم وإفكهم كبير وتلبيسهم شديد، والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" (٢).
стр. 69
وقال في موضع آخر: "ومن قال من ضُلَّال المسلمين: "إنَّ الرب يتحد أو يحل في الأنبياء والأولياء، وإنَّ هذا من السرِّ الذي لا يباح به، فقوله من جنس قول النصارى في المسيح، وهذا كثيرٌ في كلام كثير من المشايخ والمدَّعين للمعرفة والتحقيق والتوحيد، فيجعلون توحيد العارفين أن يصير الموحِّد هو الموحَّد ... ومن هؤلاء من يقول: إنَّ هذا هو السرُّ الذي باح به الحلاج (١) وغيره، وهذا عندهم من الأسرار التي يكتمها العارفون، فلا يبوحون بها إلا لخواصهم.
ومنهم من يقول: إنما قتل الحلاج ; لأنه باح بهذا السر، وينشدون:
من باح بالسرِّ كان القتلُ شيمتَهُ ... بين الرِّجالِ ولم يؤخذ له ثارُ" (٢)
وقال الشيخ ابن باز ﵀ (٣): "فمنهم من يحب شيخًا فيتزيَّا في صورته ويقول: أنا فلان، ويكون ذلك في برية ومكان قفر، فيطعم ذلك الشخص طعامًا ويسقيه شرابًا، أو يدلُّه على الطريق، أو يخبره ببعض الأمور الواقعة الغائبة، فيظن ذلك الرَّجل أنَّ نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك ... ، أو هذا ملك جاء على صورته، وإنما
стр. 70
يكون ذلك جنيًا، فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك، والإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (١)، قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء، وعزير والمسيح، فبيَّن الله تعالى أنَّ الملائكة والأنبياء عباد الله كما أنَّ الذين يعبدونهم عباد الله، وبيَّن أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين (٢).
والذي ظهر أنهم يقصدون بالسر في الشيخ، الألوهية فيه -تعالى الله عما يقولون (٣).
ولقد استدل ابن عجيبة بآيات الكتاب على عقائد الصوفية الباطلة، منها:
أولًا: مسألة: تقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة وأدلته عليها
قال: "علم الحقيقة هو علم الباطن، والشريعة تكليف الظواهر، والحقيقة شهود الحق في تجليات المظاهر، وظاهر الشرع هو: العلم الظاهر وهو العلم المنقول، والعلم الباطن هو العلم الموهوب" (٤).
لم ترد عبارة الحقيقة والشريعة والتمييز بينهما في كلام الصحابة ﵃ ولا كلام التابعين، وإنما ذلك من ألفاظ الصوفية واصطلاحاتهم (٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد شاع في كلام كثير من الناس: علم الظاهر وعلم الباطن وأهل الظاهر وأهل الباطن ودخل في هذه العبارات حق وباطل
стр. 71
إلى أن قال: ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد صلاح قلبه بالإيمان ودفع النفاق كان منافقًا إن أظهر الإسلام؛ فإن الإسلام يظهره المؤمن والمنافق وهو علانية والإيمان في القلب" (١).
وقال أيضًا: "ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلا بدَّ له من ظاهر وباطن فظاهر القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر العمل حركات الأبدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان، فالمنافق لما أتى بظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان لم ينفعه ذلك وكان من أهل الخسران؛ بل كان في الدرك الأسفل من النار" (٢).
ويزيد تأكيد ما سبق فيقول: "والمقصود هنا أن الظاهر لا بدَّ له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق ومن ادعى باطنًا يخالف ظاهرًا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه، فكما أنَّ الإنسان لا بدَّ له من روح وبدن وهما متفقان فلا بدَّ لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من الإنسان والظاهر للظاهر منه" (٣).
وقال ابن عقيل (٤): "جعلت الصوفية الشريعة اسمًا وقالوا المراد منها الحقيقة، وهذا قبيح؛ لأنَّ الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا
стр. 72
سوى شيءٌ واقعٌ في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرورٌ مخدوع" (١).
وقال ابن الجوزي: "وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة، وهذا جهلٌ من قائله؛ لأن الشريعة كلُّها حقائق" (٢)، وقال أيضًا: "وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر، وسموا هواجيس النفس علم الباطن" (٣)، وقال ابن رجب ﵀ (٤): "وكثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله ويقول: هم محجوبون وأصحاب قشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرُّسل بالحثِّ عليها والاعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأمَّا من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد-سيد الطائفة عندهم- وغيره من العارفين: وصلوا ولكن إلى سقر، وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسُّنَّة!، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات! فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة، حيث ظنُّوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع، الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب! وأوجب ذلك لهم الإعراض عمَّا جاء به الرسول ﷺ في هذا الباب بالكلية والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلُّوا وأضلُّوا" (٥).
стр. 73
وممن ردّ هذا التقسيم ابن القيم حيث قال: "ومن كيد الشيطان: ما ألقاه إلى جُهَّال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسُّنَّة والقرآن، فحسَّن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافي عمَّا عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعدٌ له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفًا وعيانًا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرُّسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب، فلما تمكَّن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسُّنَّة والآثار كما ينسلخ الليل عن النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها عن الآيات البيِّنات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات فلا تعرض على السُّنَّة والقرآن، ولا تُعامل إلا بالقبول والإذعان، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، وأنواع لهذيان، وكلما ازدادوا بعدًا وإعراضًا عن القرآن وما جاء به الرَّسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم" (١).
ومما يجب أن يلاحظ هنا أن فكرة الظاهر والباطن عند الصوفية جذورها شيعية كما رأى الشيخ إحسان إلهي ظهير (٢) يقول: "وأمَّا الفكرة الأخرى التي
стр. 74
تسربت إلى التصوف من التشيع، واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن، والعام والخاص، ومنها تدرجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي، وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة، فإن الشيعة بجميع فرقها، وخاصة الإسماعيلية (١) منهم من يعتقدون أن لكل ظاهر باطنًا، وقد اختص بمعرفة الباطن علي ﵁ وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم، فسموا الموالين لهم بالخاصة، وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة ... ثم قالوا: إن الظاهر هو الشريعة، والباطن هو الحقيقة، وصاحب الشريعة هو الرسول محمد ﷺ وصاحب الحقيقة هو الوصي علي بن أبي طالب ﵁ (٢).
واستدل بقصة الخضر ﵇ فقال: "إن جماعة من العوام أنكروا علم الباطن، وقالوا ليس إلا علم الشريعة الذي هو العلم الظاهر، وأما علم الباطن فلم ينزل به كتابٌ ولا سُنَّة.
قلنا (٣): يُرَدُّ عليهم بقول الله في قصة موسى ﵇ مع الخضر ﵇: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (٤) "، (٥).
стр. 75
فهو يرى أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ هو علم الحقيقة إذ قال في تفسيره:
"وعلَّمناه من لدنا علما خاصًا، لا يُكتنه كنهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة" (١).
فيجاب عن ذلك أن هذه القصة باطلة بكلام العلماء المحققين، قال ابن حجر (٢): "قوله: يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه أي جميعه وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه أي: جميعه وتقدير ذلك متعين؛ لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى بالمكلَّف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي" (٣).
وقال القاضي عياض ﵀ (٤): "وقيل مراد موسى ﵇ بقوله (أنا أعلمُ) أي بوظائف النبوة وأمور الشريعة وسياسة الأمر والخضر أعلم منه بأمورٍ أُخر من علوم غيبية كما ذكر من خبرهما، وكان موسى ﵇ أعلم على الجملة والعموم مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيءٍ منه، والخضر أعلم على الخصوص بما أعلم من محنات الغيب وحوادث القدر، وقصص الناس مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أعلموا به مما استأثر الله به من غيبه، وما قدره وسبق في علمه مما كان، ويكون في خلقه؛ ولذلك قال