وقال ابن القيم ﵀: "وأمَّا التحريف فقد أخبر الله عنه في مواضع متعدِّدة، وكذلك لَيُّ اللِّسان بالكتاب ليحسبه السَّامع منه وما هو منه.
فهذه خمسة أمور:
أحدها: لبس الحق بالباطل، وهو خلطه به بحيث لا يتميَّز الحق من الباطل.
الثاني: كتمان الحق.
الثالث: إخفاؤه، وهو قريبٌ من كتمانه.
الرابع: تحريف الكلم عن مواضعه، وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه.
الخامس: لَيُّ اللِّسان به ليلتبس على السَّامع اللَّفظ المنزل بغيره.
وهذه الأمور إنما ارتكبوها لأغراضٍ لهم دعتهم إلى ذلك" (١).
стр. 457
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالرسل والأنبياء عموما
المبحث الثاني: الفرق بين النبي والولي
المبحث الثالث: عقيدته في الرسول محمد ﷺ -
стр. 458
المبحث الأول:
الإيمان بالرسل والأنبياء عمومًا
أولًا: تعريف النَّبي والرَّسول في اللغة
يرجع معنى النبأ في اللغة إلى الخبر، قال الخليل: "النَّبأُ مهموزٌ: الخَبَرُ، وإنَّ لفُلانٍ نبأً، أي: خَبَرًا، والفِعلُ نبَّأته وأنبأته واستنبأته، والجميع الأنباء، والنَّبأَةُ: النَّغْيةُ، وهو صوتٌ يُشَكُّ فيه ولا يُتَيَقَّنُ .. والنَّبأة، والبَغمةُ، والطَّغْية، والعَضْرةُ، والنَّغْيةُ بمعنًى واحد، والنُّبوَّة، لولا ما جاء في الحديث لَهُمِزَ، والنَّبيُّ ﷺ يُنباء الأنباء عن الله ، والنَّبيُّ، يقال: الطَّريق الواضحُ يأخُذُكَ إلى حيثُ تُريد" (١).
ويرجع معنى الرَّسول في اللُّغة إلى الاسترسال، واللِّين، قال الخليل: "الرَّسْلُ: الذي فيه استرسالٌ ولين، وناقةٌ رَسْلةُ القوائم أي: سَلِسَةٌ لَيِّنَةُ المَفاصِل ... والرَّسَلُ: جماعاتُ الإِبِل، والرَّسَلُ: القَطيعُ من كلِّ شيءٍ، وجمعه إرسال، والرَّسَلُ يُذَكَّر ويؤنَّث، والرِّسلُ: الهَيْئةُ والسُّكُون، يقال: تَكَلَّمْ على رِسْلِكَ ... والرُّسُل: جمع الرَّسُولِ، وفي لغةٍ: هي رسولٌ وهُنَّ رَسُولٌ، والرسائل جمع الرِّسالة" (٢).
أمَّا النُّبوة فهي خبرٌ خاصٌّ يكرِّم الله به من يصطفيه من عباده ليطلعه على شريعته بما فيها من الأوامر والنواهي، والوعظ، والإرشاد، والوعد، والوعيد (٣).
والرِّسالة هي: سفارة العبد بين الله وبين ذوي الألباب من خلقه ليصلح بها مناحي حياتهم، ومصالحهم الدنيوية، والأخروية (٤).
стр. 459
ثانيًا: تعريف النَّبي والرَّسول في الشَّرع والفرق بينهما
اختلف العلماءُ في تعريف كلٍّ منهما، قال القاضي عياض ﵀: "واختلف العلماء هل النَّبي والرَّسول بمعنى أو بمعنيين فقيل: هما سواءٌ، وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (١) فقد أثبت لهما معًا الإرسال قال: ولا يكون النَّبي إلا رسولًا، ولا الرَّسول إلا نبيًّا.
وقيل: هما مفترقان من وجه .. إذ قد اجتمعا في النُّبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو الرِّفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها.
وافترقا في زيادة الرِّسالة للرَّسول، وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئًا واحدًا لما حَسُن تكرارهما في الكلام البليغ.
قالوا والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلى أُمَّة، أو نَبيٍّ وليس بمرسلٍ إلى أحد.
وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ الرَّسول قد جاء بشرعٍ مبتدأ، ومن لم يأت به نبيٌّ غير رسول، وإن أُمر بالإبلاغ والإنذار.
والصحيح والذي عليه الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَنَّ كُلَّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍ رسولًا" (٢).
قال الشوكاني ﵀: "والنَّبيُّ في لسان الشَّرع: من بعث إليه بشرع، فإن أُمر بتبليغه فرسول، وقيل: هو المبعوث إلى الخلق بالوحي لتبليغ ما أُوحاه، والرَّسول قد يكون مرادفًا له، وقد يختصُّ بمن هو صاحب كتاب، وقيل: هو المبعوث لتجديد شرع أو تقريره، والرَّسول هو: المبعوث للتجديد فقط، وعلى الأقوال: النَّبي أعمُّ من الرَّسول" (٣).
стр. 460
ويرى ابن عجيبة أنَّ هناك فرقًا بينهما حيث قال عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١): "الرَّسولُ يُوحى إليه بشرعٍ ويُؤمر بالتبليغ، والنَّبيُّ يُوحى إليه ولم يُؤمر بالتبليغ، فالرَّسول مكلَّفٌ بغيرِه، والنَّبيُّ مقتصرٌ على نفسه" (٢).
وقد ردَّ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ هذا التفريق فقال: "وآية الحج هذه تبيِّن أنَّ ما اشتهر على ألسِنة أهل العلم من أنَّ النَّبيَّ هو من أُوحيَ إليه وحيٌ ولم يُؤمر بتبليغه، وأنَّ الرسول هو النَّبيُّ الذي أُوحيَ إليه وأُمِرَ بتبليغِ ما أُوحي إليه غيرُ صحيح؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (٣)، يدلُّ على أنَّ كُلَّا منهما مُرْسَل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير، واستظهر بعضهم أنَّ النبي الذي هو رسول أُنزل إليه كتابٌ وشرعٌ مستقلٌّ مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأنَّ النبي المرسل الذي هو غير الرَّسول، هو من لم ينزل عليه كتابٌ وإنما أُوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يُرسلون ويُؤمرون بالعمل بما في التوراة; كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٤) ", (٥).
ووضَّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الفرق بين النَّبيِّ والرَّسول فقال: "فالنَّبي
стр. 461
هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به؛ فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالةً من الله إليه فهو رسول، وأمَّا إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرسل هو إلى أحدٍ يُبلغه عن الله رسالة فهو نبيٌّ وليس برسول؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾؛ فذكر إرسالًا يعمُّ النَّوعين، وقد خصَّ أحدهما بأنَّه رسول؛ فإنَّ هذا هو الرَّسول المطلق، الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنّه أوَّلُ رسولٍ بُعث إلى أهل الأرض، وقد كان قبله أنبياء؛ كشيث، وإدريس ﵉، وقبلهما آدم كان نبيًّا مُكلَّمًا، قال ابن عباس ﵄: كان بين آدم ونوح، عشرة قرون كلهم على الإسلام (١)، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم، كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلِّغه العلماء عن الرَّسول، وكذلك أنبياء إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة، وقد يُوحى إلى أحدهم وحيٌ خاصٌّ في قصَّةٍ معيَّنة ...
فالأنبياء ينبئهم الله؛ فيُخبرهم بأمره، ونهيه، وخبره، وهم يُنبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر، والأمر، والنهي، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ دليلٌ على أن النَّبيَّ مرسل، ولا يُسمَّى رسولًا عند الإطلاق؛ لأنَّه لم يُرسل إلى قومٍ بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنَّه حقّ؛ كالعالِم، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء» (٢)، وليس من
стр. 462
شرط الرَّسول أن يأتي بشريعة جديدة؛ فإنَّ يوسف كان على ملَّة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين، وكانا على شريعة التوراة، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٢)(٣).
ثالثًا: رأيه فيما يجب ويستحيل في حَقِّ الرُّسل والأنبياء ﵈ وبِمَ تحصل النُّبُوَّة
بيَّن ابن عجيبة ما يجب ويستحيل في حقِّهم ﵈، فقال: "وأمَّا بحقِّهم ﵈ فيجب عليه أن يَعتقد أنه يجب لهم الصدق، والأمانة، والتبليغ، وعصمهم الله من المعصية، وصبَّرهم على الطاعة، ويستحيل في حقِّهم الكذب، والخيانة، والكتمان، ويجوز بحقِّهم الأعراض البشرية، كالمرض الخفيف الذي لا يؤدِّي إلى نقصٍ في مراتبهم العليَّة, وكالأكل والشُّرب، والنَّوم، والنِّكاح، والمشي في الأسواق، وكذلك يجب تصديقهم فيما أخبروا عنه من البعث، والحشر، والحساب، والحوض، والميزان، والصراط، والجنَّة, والنَّار ... " (٤).
стр. 463
ورأي ابن عجيبة في حقِّ الرُّسل والأنبياء ﵈ هو الصواب، فقد ثبت عن النِّبيِّ ﷺ أنه كان يقول: «أنا النَّبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب»، قال رجل للبراء بن عازب ﵄: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ قال: لكنَّ رسول الله ﷺ لم يَفر، إنَّ هوازن كانوا قومًا رُمَاةً وإنَّا لمَّا لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسِّهام، فأمَّا رسول الله ﷺ فلم يَفر فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء وإن أبا سفيان آخذٌ بلجامها والنَّبيُّ ﷺ يقول: «أنا النَّبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب» (١).
ومعنى قوله ﷺ : «أنا النبي لا كذب»: أي حقًّا، ويرجع مراده في ذلك إلى وجوده هناك حقًّا؛ ليعلمهم بنفسه فيثبتوا بثباته، أو يكون ثبتًا حقًّا، ومن صفات الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: أنهم لا يفرون، أو أنه لا كذب في حديثه، وما أخبرهم من غلبتهم وظهورهم على عدوهم، وليذكرهم بنبوته؛ لتقوى بصائرهم بوفاء عهده وظهور أمره" (٢).
والأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأُمَّة (٣)، ولهذا كان الذي عليه سلف الأُمَّة وأئمَّتها أنَّ الأنبياء إنما هم معصومون من الإقرار على الذنوب.
والقول بأنَّ الأنبياء عُصموا عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف ... حتى إنَّ هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقه، بل لم ينقل عن السَّلف والأئمة والصحابة والتابعين
стр. 464
وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول، أمَّا الصَّغائر فعامَّة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال (١).
وقال القاضي عياض ﵀: "أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر والموبقات" (٢).
وقال ابن تيمية ﵀: "فإنهم متفقون -أي المسلمين- على أنَّ الأنبياء معصومون فيما يبلِّغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرِّسالة؛ فإنَّ الرَّسول هو الذي يبلِّغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرِّسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيءٌ من الخطأ" (٣).
ويقول أيضًا: "هم متفقون على أنهم لَا يُقَرُّونَ على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق، ولا كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه، وعامة الجمهور الذين يجوِّزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم" (٤).
وبهذه النقول عن أئمة السَّلف يتضح أنَّ ابن عجيبة وافق الصواب في رأيه عمَّا يجوز ويستحيل في حقهم.
وأما رأيه في كيفية إدراك النبوة وتحصيلها فيرى أنَّ النبوة لا تدرك بالنَّسب والمال، حيث قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى
стр. 465
مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (١)، "فإنَّ النبوة ليست بمجرَّد النَّسب والمال، وإنما هي بفضائل نفسانية يَخُصُّ الله بها من يشاء من عباده، بل بمحض الفضل والكرم، فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها" (٢).
وهو بهذا الرأي يوافق معتقد الفلاسفة والصوفية, ويُخالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأمَّا المتفلسفة القائلون بقدم العالم وصدوره عن علَّة موجبة، مع إنكارهم أنَّ الله -تعالى- يفعل بقدرته ومشيئته، وأنَّه يعلم الجزئيَّات، فالنُّبوة عندهم فيضٌ يفيضُ على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم.
ومن كان متميِّزًا في قوته العلمية بحيث يستغني عن التعليم، وشُكِّل في نفسه خطاب يسمعه كما يسمع النائم، وشخص يُخاطبه كما يخاطب النائم، -وفي العملية- بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا- كان نبيًّا عندهم، وهم لا يُثبتون ملكًا مفضَّلًا يأتي بالوحي من الله تعالى ولا ملائكة، بل ولا جنًّا يخرق الله بهم العادات للأنبياء إلا قوى النفس، وقول هؤلاء وإن كان شرًّا من أقوال كُفَّار اليهود والنَّصارى، وهو أبعد الأقوال عمَّا جاءت به الرُّسل، فقد وقع فيه كثيرٌ من المتأخرين الذين لم يُشرق عليهم نور النبوة من المدِّعين للنَّظر العقليّ، والكشف الخيالي الصوفي، وإن كان غاية هؤلاء الأقيسة الفاسدة، والشكِّ، وغاية هؤلاء الخيالات
стр. 466
الفاسدة والشطح" (١).
والقول الحق في ذلك أنَّ النبوة اصطفاء، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢).
قال ابن كثير ﵀: "يُخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رُسُلًا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن النَّاس لإبلاغ رسالاته" (٣).
وقال ابن جرير الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رُسَلًا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم، ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن النَّاس أيضًا رُسُلًا" (٤).
ويقول الشيخ السعدي ﵀: "أي يختار ويجتبي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس رسلًا يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرُّسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم ليس جاهلًا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئًا دون شيء، وإنما المصطفي لهم السميع، البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم عن علمٍ منه أنهم أهل لذلك، وأنَّ الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٥) ", (٦).
стр. 467
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والله سبحانه قد أخبر أنه يصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن النَّاس، والاصطفاء: افتعال من التصفية، كما أن الاختيار: افتعال من الخيرة، فيختار من يكون مصطفى ... والله سبحانه اتخذ رَسُولًا فضَّله بصفاتٍ أُخرى لم تُكن موجودةً فيه من قبل إرساله، كما كان يُظهر لكلِّ من رأى موسى وعيسى ومحمَّدًا من أحوالهم وصفاتهم بعد النُّبُوَّة" (١).
رابعًا: الإيمان بالنَّبيِّ محمَّد ﷺ وذكر ما جاء في خصائصه
ذكر ابن عجيبة بعضًا من الأمور التي يتضمَّنها الإيمان بنبيِّنا محمَّد ﷺ وخصائصه وهي:
١ - أنَّ رسالتَه عامَّةٌ للثقلين.
قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢): "وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي: جميعًا، إنسهم وجِنّهم، عَربيّهم وعجميّهم، أحمرهم وأسودهم، وقدَّم الحال للاهتمام" (٣).
قال الطبري ﵀: "يقول -تعالى ذكره-: وما أرسلناك يا محمَّدُ إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصَّة، ولكنَّا أرسلناك كافة للنَّاس أجمعين، العرب منهم، والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا من أطاعك، ونذيرًا من كذَّبك ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر" (٤).
стр. 468
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: "وهذا خطابٌ للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنَّه خاتمُ النبيين، وأنَّه مبعوثٌ إلى النَّاس كافة" (٢).
قال الطحاوي ﵀: "فهو المبعوث إلى عامَّة الجنِّ وكافَّة الورى، بالحقِّ والهُدَى وبالنُّور والضياء" (٣).
فنبيُّنا محمَّدٌ ﷺ مبعوثٌ للنَّاس عامَّة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤).
قال القرطبي ﵀: "والمراد بالعالمين هنا، الإنس والجن؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان رسولًا إليهما جميعًا" (٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومحمَّدٌ ﷺ مبعوثٌ إلى الثقلين باتفاق المسلمين" (٦).
وقال ابن القيم ﵀: "فأجمع المسلمون على أنَّ محمَّدًا ﷺ بُعث إلى الجنِّ والإنس، وأنَّه يجب على الجنِّ طاعته، كما يجب على الإنس" (٧).
стр. 469
قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
قال الشنقيطي ﵀: " ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ منطوق هذه الآية أنَّ من أجاب داعي الله محمَّدًا ﷺ وآمن به، وبما جاء به من الحق غفر الله له ذنوبه، وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها المعروف بدليل الخطاب، أنَّ من لم يجب داعي الله من الجن، ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرَّحًا به مبيَّنًا في آياتٍ أُخر، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣) ... " (٤).
وبهذا يتبيَّن أنَّ غيره من الأنبياء رسالتهم خاصَّة لأقوامهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).
стр. 470
قال ابن كثير ﵀: "وقد كانت هذه سُنَّة الله في خلقه، أنه ما بعث نبيًّا في أُمَّةٍ إلا أن يكون بلغتهم، فاختصَّ كلَّ نبيٍّ بإبلاغ رسالته إلى أُمَّته دون غيرهم، واختصَّ محمَّد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس" (١).
والأحاديث كثيرة تشهد لهذا المعنى، قال ﷺ : «وكان النَّبيُّ يبعث إلى قومه خاصَّة وبُعثت إلى النَّاس عامَّة» (٢).
وأيضًا قوله ﷺ : «والذي نفس محمَّدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمَّة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار» (٣).
قال سعيد بن جبير (٤): "ما بلغني حديثٌ عن رسول الله ﷺ على وَجهه إلا وجدتُ مصداقَه في كتاب الله تعالى، حتى قال «لا يَسمَعُ بي أحدٌ من هذه الأُمَّة، ولا يهودي ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمن بما أُرسلت به إلا دخل النار» قال سعيد، فقلتُ: أين هذا في كتاب الله؟ حتى أتيت على هذه الآية:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
стр. 471
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) قال: من أهل الملل كُلِّها" (٢).
٢ - أنَّه خاتم النَّبيين.
قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٣):
"كان أيضًا ﷺ خاتَمَ النَّبِيِّينَ أي: آخرهم الذي ختمهم، أو ختموا به على قراءة عاصم، بفتح التاء، بمعنى: الطابع، كأنه طبع وختم على مقامات النُّبوة، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيءٌ، فلا نبيَّ بعده، وعيسى ممَّن نُبِّأ قبله، وحين ينزل عاملًا على شريعته ﷺ ، كأنَّه بعض أُمَّته، ومَن قرأ بكسر التاء، فمعناه فاعل الختم" (٤).
قال السفاريني ﵀ (٥): "ومعناه أنه لا تبدأ نبوةٌ، ولا تُشرع شريعةٌ بعد نُبوَّته وشريعته" (٦).
وقال ابن كثير: "فهذه الآيةُ نصٌّ في أنه لا نبيَّ بعده، وإذا كان لا نبيَّ بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى والأحرى؛ لأنَّ مقام الرِّسالة أخصُّ من مقام النُّبوة، فإن كلَّ رسولٍ نبيٌّ، ولا ينعكس" (٧).
стр. 472
وقال ابن جرير: " ... ولكن رسول الله وخاتم النَّبيين، ختم النبوة فطبع عليها فلا تُفتح لأحدٍ بعده إلى قيام الساعة" (١).
ولقد بيَّن النبي ﷺ أنَّ رسالته خاتمة الرِّسالات، فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون ويعجبون ويقولون: هلا وُضعت هذه اللِّبنة؟ قال: فأنا اللِّبنة، وأنا خاتم النَّبيين» (٢).
يقول ابن حجر ﵀: "وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام، وفضل النَّبيِّ ﷺ على سائر النَّبيين، وأنَّ الله ختم به المرسلين، وأكمل به الشرائع" (٣).
فالإيمان بالنَّبيِّ ﷺ "واجبٌ متعيِّنٌ لا يتمُّ إيمانٌ إلَّا به، ولا يصحُّ إسلامٌ إلا معه" (٤)، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمَّة يهوديٌّ ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٥).
ولهذا كانت رسالة النَّبيِّ ﷺ عامَّةً وشاملةً لجميع النَّاس، ونسخ الملل كلّها.
قال ابن القيم ﵀: "وعموم رسالته ﷺ بالنِّسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أُمَّته إلى أحدٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى
стр. 473
من يبلِّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرَّق إليهما تخصيص، عموم بالنِّسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنِّسبة إلى كلِّ ما يُحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه؛ فرسالته كافية شافية عامَّة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلِّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عمَّا جاء به" (١).
٣ - أنَّه سيِّد ولد آدم.
قال: "فإنه خُصَّ بالدعوة العامَّة، والحُجَجِ المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدَّهر، والفضائل العلميَّة والعمليَّة الفائتة للحصر، ولقد صرَّح النَّبيُّ ﷺ بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنا سيِّدُ ولد آدم ولا فخر» (٢) " (٣).
وقد فضَّل الله تعالى نبيَّنا محمَّدًا ﷺ بأنَّه ساد الكُل، فقال ﷺ : «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر»، والسَّيِّد من اتصف بالصفات العليَّة والأخلاق السنيَّة، وهذا مُشْعرٌ بأنَّه أفضل منهم في الدارين، أمَّا في الدنيا فلما اتصف به من الأخلاق المذكورة، وأمَّا في الآخرة فلأنَّ جزاء الآخرة مرتَّبٌ على الأوصاف والأخلاق، فإذا فضَّلهم في الدنيا في المناقب والصفات، فضَّلهم في الآخرة في المراتب والدرجات.
стр. 474
وإنما قال ﷺ : «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر» ليُعرِّف أُمَّته منزلته من ربه ، ولما كان من ذكر مناقب نفسه إنما يذكرها افتخارًا في الغالب، أراد ﷺ أن يقطع وَهم من يتوهَّم من الجهلة أنه ذكر ذلك افتخارًا، فقال: «ولا فخر» (١).
٤ - النَّصر بالرُّعْب، وحلُّ الغنائم، وجعل الأرض مسجدًا طهورًا له، والشفاعة, وجوامع الكلِم.
قال ﷺ : «أُعطيتُ خمسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطهُورًا، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وخُصصتُ بِجَوَامعِ الكلمِ» (٢)(٣).
قال ابن حجر ﵀: "وظاهرُ الحديث يقتضي أنَّ كلَّ واحدةٍ من الخمس المذكورات لم تكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك" (٤).
وكلامه صلوات ربي وسلامه عليه يحمل معاني جامعة مانعه، فألفاظه موجزة مع تناولها للمعاني الكثيرة جدًّا بخواتمها أي: كان يختم على المعاني الكثيرة التي تضمَّنها اللَّفظ اليسير فلا يخرج منها شيءٌ عن طالبه ومستنبطه لعذوبة لفظه وجزالته (٥)، والشواهد على ذلك كثيرة فمنها قوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (٦).
стр. 475
وهذا توجيهٌ نبويٌّ؛ لِأَنْ يترك الإنسان ما لا يعنيه، وأن يشتغل بنفسه وإصلاحها وتهذيبها، ولكن لا يعني هذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ضوابط الشرع دون أن يترتب عليه مفسدة أكبر فهذا مما يعني الإنسان امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
٥ - أنُزل عليه القرآن (٢).
عدَّ ابن القيم خصائص كثيرة للنَّبيِّ ﷺ فقال: "فمن ذلك أنه بُعث إلى الخلق عامَّة، وخُتم به ديوان الأنبياء، ونزل عليه القرآن الذي لم ينزل من السَّماء كتابٌ يشبهه، ولا يقاربه، وأنزل على قلبه محفوظًا متلوًّا، وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره، وأُوتي جوامع الكلم، ونُصر بالرُّعب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر، وجُعلت صفوف أُمَّته في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السَّماء، وجُعلت له ولأمته الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُسري به إلى أن جاوز السَّماوات السَّبع ورأى ما لم يره بشرٌ قبله، ورُفع على سائر النَّبيين، وجُعل سيِّد ولد آدم، وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، واتبعه على دينه أتباع أكثر من أتباع سائر النَّبيين من عهد نوحٍ إلى المسيح، فأُمَّته ثلثا أهل الجنَّة، وخصَّه بالوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنَّة، وبالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وبالشَّفاعة العُظمى التي يتأخَّر عنها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأعزَّ الله به الحقَّ وأهله عزًّا لم يعزه بأحدٍ من قبله، وأذلَّ به الباطل وحزبه ذلًّا لم يحصل بأحدٍ قبله، وآتاه من العلم والشَّجاعة
стр. 476
والسَّماحة والصَّبر والزُّهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية والمعارف الإلهية مالم يؤته نبيٌّ قبله، وجُعلت الحسنة منه ومن أُمَّته بعشر حسنات مثلها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وتجاوز له عن أُمَّته الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وصلى الله عليه هو وجميع ملائكته، وأمر عباده المؤمنين كلهم أن يصلوا عليه ويسلموا تسليمًا، وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر الله ذكر معه، كما في الخطبة والتشهُّد والأذان، فلا يصحُّ لأحدٍ أذانٌ ولا خُطبةٌ ولا صلاةٌ حتى يشهد أنه عبده ورسوله، ولم يجعل معه أمرًا يطاع، لا ممَّن قبله ولا ممَّن هو كائن بعده إلى أن تُطوى الدنيا ومن عليها، وأغلق أبواب الجنَّة إلا عمَّن سلك خلفه،
واقتدى به، وجعل لواء الحمد بيده، فآدم وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وجعله أول من تنشقُّ عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفَّع، وأول من يقرع باب الجنَّة، وأول من يدخلها، فلا يدخلها أحدٌ من الأولين والآخرين إلا بشفاعته ﷺ ، وأعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله تعالى، والعزيمة على تنفيذ أوامره، والرضا عنه، والشكر له، والتنوع في مرضاته، وطاعته ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية، في نفسه وفي الخلق، ما لم يعطه نبي غيره، ومن عرف أحوال العالم، وسير الأنبياء وأممهم، تبيَّن له أنَّ الأمر فوق ذلك، فإذا كان يوم القيامة ظهر للخلائق كلهم من ذلك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر أنه يكون أبدًا" (١).
٦ - الإسراء والمعراج.
قال: "إنَّ الإسراء بالجَسَد مخصوصٌ به ﷺ وقيل مرَّة أو مرتين، وأمَّا الإسراء بالرُّوح فيقع للأولياء على قدر تصفية الرُّوح ... " (٢).
стр. 477
وما ذكره ابن عجيبة في ما يتضمنه الإيمان بالنبي محمد ﷺ من خصائصه موافقٌ لما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ولكنه -عفا الله عنه- لم يوفق للصواب في مسألة الإسراء والمعراج، وخالف ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة وفق منهج السلف الصالح وهو أنَّ نبيَّنا محمَّد ﷺ أُسري بروحه وجسده مرة واحدةً يقظةً لا منامًا، وما ذهب إليه في مسألة الإسراء بروح الولي وافق فيه الصوفيه في غلوهم في الأولياء ورفعهم فوق منزلة النبيين والمرسلين، ولا يشكُّ عاقلٌ في خطأهم وعدم صوابهم، لكونهم خالفوا ما دلَّت عليه النصوص في مسألة الإسراء والمعراج، وأنها خاصَّةٌ بالنَّبيِّ محمد ﷺ ، وهي من المعجزات العظيمة الدالة على صدقه وأنه مرسل من الله تعالى.
قال الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ (١): "وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أنَّ رسول الله ﷺ أُسري به إلى فوق سبع سماوات ثم إلى سدرة المنتهى، أُسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عُرِج به إلى السَّماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح" (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "ثم أُسري بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى فوق السماوات بجسده وروحه إلى الله ، فخاطبه وفرض عليه الصلوات، وكان ذلك مرَّةً واحدة، هذا أصحُّ الأقوال" (٣).
стр. 478
المبحث الثاني:
الفرق بين النبي والولي (١)
أولًا: تعريف الولي في اللُّغة والاصطلاح
الوَلْيُ بمعنى: القُرْب، والدُّنُو، والمطرُ بعد المطر، والوَليُّ: الاسم منه، ومعناه: المُحِبُّ، والنَّصير، والصَّاحب، والرَّب، والنَّاصر ... (٢).
وأمَّا تعريفه الاصطلاحي فقد عرَّفه ابن تيمية ﵀ بقوله: "وقد قيل إن الولي سُمِّي وليًّا من موالاته للطاعات أي متابعته لها، ويقابل الولي العدو على أساس من القرب والبعد" (٣).
أما ابن عجيبة فيعرِّف الوليَّ بقوله: "هو العارفُ الصُّوفي الذي ارتفع عنه الحجاب حتى دخل مقام الشهود والعيان وفتحت له ميادين الغيوب فلم يحجبه عن الله شيء" (٤).
ثانيًا: رأي ابن عجيبة في الوليِّ والنَّبي
١ - الوليُّ مساوٍ للنَّبي، يقول: "ما قيلَ في النَّبيِّ يُقَالُ في الوَليِّ" (٥).
٢ - الوليُّ يرثُ النَّبيَّ ويزاحمه في جُلِّ المراتب، يقول: "أولياء هذه الأُمَّة أي: العارفون بالله يزاحمون الأنبياء والرُّسل في جُلِّ المراتب" (٦).
стр. 479
٣ - حُرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، يقول: "فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فمن فرَّق بينهم حُرم بركة جميعهم" (١).
٤ - الوليُّ معصومٌ، يقول: "وأمَّا الأوصاف التي هي مذمومة ... فهذه لا بدَّ من التطهير منها في خصوصية النُّبوة والولاية ... أمَّا في حقِّ النَّبي فتطهيره منها واجب؛ لأنَّه معصومٌ من جميع النقائص، وأمَّا في حقِّ الوليِّ فليس بواجبٍ لكنَّه محفوظ" (٢).
ويقول أيضًا عند وصفه للقُطب: "أن يمد بمدد العصمة، وهي الحفظ الإلهي والعصمة الربَّانية، كما كان موروثه ﷺ غير أنَّها في الأنبياء واجبة، وفي الأولياء جائزة، ويقال لها الحفظ، فلا يتجاوز حدًّا ولا ينقض عهدًا" (٣).
والصوفية يطلقون الحفظ على العصمة، وبعضهم يُصرِّح بأنَّ العصمة للأنبياء، والحفظ للأولياء، قال ابن تيمية ﵀: "طائفة من النُّسَّاك والعُبَّاد يزعمون في بعض المشايخ أو فيمن يقولون: " (إنه وليُّ الله) أنه لا يذنب، وربما عيَّنوا بعض المشايخ وزعموا أنه لم يكن لأحدهم ذنب، وربما قال بعضهم: النَّبيُّ معصومٌ والوليُّ محفوظ ... " (٤).
وممن قرَّر هذا اللَّفظ، وأوضح أنَّ الفرق في اللَّفظ فقط لا في المعنى عبد الوهاب الشعراني، بقوله: "متى صحَّ للعبد سجود القلب لله استحقَّ العصمة إن كان نبيًّا، والحفظ إن كان وليًّا، وإنما خص العلماء لفظ العصمة بالأنبياء من أجل فعلهم المباح، فإنهم لا يفعلونه إلا على جهة التشريع، فهو واجبٌ عليهم
стр. 480
فعله لوجوب التبليغ عليهم ... بخلاف غيرهم إذا فعلوا مباحًا لا يفعلونه إلا على أنه مباح، هذا هو الفرق بين العصمة والحفظ بالنظر للَّفظ لا للمعنى" (١).
وقوله بمساواة الوليِّ للنَّبي في الفضل والعصمة غير صحيح؛ لأنَّ نصوص القرآن، وأقوال العلماء دالَّةٌ على تفضيل الأنبياء على الأولياء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
قال ابن تيمية ﵀: "فالإيمان بما جاء به النَّبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به، وهذا مما اتفق عليه المسلمون: أنه يجب الإيمان بكلِّ نبي، ومن كفر بنبيٍّ واحدٍ فهو كافر، ومن سبَّه وجب قتله باتفاق العلماء، وليس كذلك من سوى الأنبياء، سواء سُمُّوا أولياء أو أئمَّة أو حكماء أو علماء أو غير ذلك، فمن جعل بعد الرسول معصومًا يجب الإيمان بكلِّ ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة، وإن لم يعطه لفظها" (٣).
ويقول أيضًا: ومما يبين الفرق بين النبيين وغيرهم أنَّ الله سبحانه أوجب الإيمان بما أوتيه كلُّ نبيٍّ من غير استثناء؛ لأنهم معصومون فيما يخبرون عن الله ورسالاته، بخلاف غير الأنبياء فإنهم ليسوا معصومين كما عصم الأنبياء ولو كانوا أولياء لله، ولهذا من سبَّ نبيًّا من الأنبياء قتل باتفاق الفقهاء، ومن سبَّ غيرهم لم يقتل، وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النُّبوة والرسالة (٤).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
стр. 481
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).
فلم يأمرنا بالردِّ عند التنازع إلا إلى الله والرَّسول، فمن أثبت شخصًا معصومًا غير الرسول أوجب ردَّ ما تنازعوا فيه إليه؛ لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول، وهذا خلاف القرآن.
وأيضًا فإنَّ المعصوم تجب طاعته مطلقًا بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد، والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصَّة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣).
فدلَّ القرآن في غير موضع على أنَّ من أطاع الرَّسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول ﷺ هو الذي فرَّق الله به بين أهل الجنَّة وأهل النَّار، وبين الأبرار والفُجَّار، وبين الحق والباطل، وبين الغيِّ والرَّشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقيٍّ وسعيد، فمن اتبعه فهو السَّعيد، ومن خالفه فهو الشَّقي، وليست هذه المرتبة لغيره.
ولهذا اتفق أهل العلم -أهل الكتاب والسُّنَّة- على أنَّ كلَّ شخصٍ سوى
стр. 482
الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويُترك، إلا رسول الله ﷺ فإنه يجب تصديقه في كلِّ ما أخبر، وطاعته في كلِّ ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).
وهو الذي يمتحن به النَّاس في قبورهم، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ويقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبيِّنات والهدى فآمنَّا به واتبعناه، ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة، والتابعين والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يمتحن في قبره بشخص غير الرسول" (٢).
وقال الشافعي ﵀: "إنَّ الله افترض طاعة رسوله ﷺ وحتَّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يُقال لقولٍ: إنه فرض إلا لكتاب الله ثم لسُنَّة رسوله ﷺ وذلك لما وصفنا من أنَّ الله تعالى جعل الإيمان برسوله مقرونًا بالإيمان به وسنة رسوله ﷺ مبنية عن الله معنى ما أراد دليلًا على خاصَّة وعامة، ثم قرن الحكمة بكتابه فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحدٍ من خلقه غير رسول الله ﷺ " (٣).
وقال أبو جعفر الطحاوي: "ولا نُفضِّل أحدًا من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء ﵈ ونقول: نبيٌّ واحدٌ أفضلُ من جميع الأولياء" (٤).
وقال القرطبي: "النَّبيُّ أفضل من الولي، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به عقلًا ونقلًا،
стр. 483
والصائر إلى خلافه كافر، فإنه أمرٌ معلومٌ من الشرائع بالضرورة" (١).
وقال الحافظ ابن حجر أثناء كلامه على نبوة الخضر: "وينبغي اعتقاد كونه نبيًّا؛ لئلا يتذرَّع بذلك أهل الباطل في دعواهم أنَّ الوليَّ أفضلُ من النَّبي حاشا وكلا" (٢).
والواجب على من طلب النجاة من هذا المنزلق اتباع ما عليه السَّلف والاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٣)، يقول الكرماني (٤): "وهذه الترجمة مقتبسة من قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ إذ المراد بالحبل الكتاب والسُّنَّة على سبيل الاستعارة المصرَّحة والقرينة إلى الله، والجامع كونهما سببًا للمقصود الذي هو: الثواب، كما أنَّ الحبلَ سببٌ للمقصود من السقي" (٥).
وقال الشوكاني ﵀: "واعلم أنَّ أولياء الله غير الأنبياء ليسوا بمعصومين، بل يجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد الله المؤمنين، لكنهم قد صاروا في رتبة رفيعة ومنزلة علية فقلَّ أن يقع منهم ما يخالف الصواب وينافي الحق، فإذا وقع ذلك فلا يخرجهم عن كونهم أولياء لله " (٦).
стр. 484
وقال ابن تيمية ﵀: "لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله إلا أن يكون نبيًّا، ولا يجوز له أن يعتمَّد على ما يلقى إليه في قلبه ... مما يراه إلهامًا ومحادثة وخطابًا، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمَّد ﷺ فإن وافقه قبله، وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقّف فيه" (١).
ولا يتصوَّر عاقلٌ أن يُعطى الولي مثل النَّبي، قال ابن تيمية ﵀: " فمن أين يحصل لغير الأنبياء نورٌ إلهيٌّ تُدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما هي عليه، بحيث يصير بنفسه مدركًا لصفات الرَّب وملائكته، وما أعدَّه الله في الجنَّة والنَّار لأوليائه وأعدائه؟ وهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية (٢)، الذين يجعلون النبوة فيضًا من العقل الفعَّال على نفس النَّبي، ويجعلون ما يقع في نفسه من الصور هي ملائكة الله، وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله، ولهذا يجعلون النُّبوة مكتسبة، فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما فاض على نفوس الأنبياء، وعندهم هذا الكلام باطلٌ باتفاق المسلمين واليهود والنصارى" (٣).
وقال أيضًا: "ولا يتصور أنَّ الولي يُعطى ما أعطيه النَّبي من المشاهدة والمخاطبة، وأفضل الأولياء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ونحوهم.
стр. 485
وليس في هؤلاء من شاهد ما شاهده النبي ﷺ ليلة المعراج ولا شاهد الملائكة الذين كانوا ينزلون بالوحي على النبي ﷺ ولا سمع أحدٌ منهم كلام الله الذي كلَّم به نبيَّه ليلة المعراج، ولا سمع عامة الأنبياء فضلًا عن الأولياء كلام الله كما سمعه موسى بن عمران ولا كلَّم الله تكليمًا لداود وسليمان بل ولا إبراهيم ولا عيسى فضلا عن أن يكون ذلك يحصل لأحدٍ من الأولياء" (١).
فالولاية مرتبة في الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهرًا وباطنًا وفق الكتاب والسُّنَّة (٢).
والولاية في الشرع هي: الإيمان والتقوى (٣)، وتحقيقها يتعلَّق بالعبد تارة، وبالرب تارة، والذي يتعلَّق بالعبد هو قيامه بأوامر الله واجتناب نواهيه.
وجانب يتعلَّق بالرب وهو محبَّة هذا العبد ونصرته، وهدايته، وتثبيته على الهداية، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤).
وجانب يتعلَّق بالعبد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥).
ولذلك فالولي هو الذي يجمع بين الإيمان والتقوى، ولكن مهما بلغ من الصلاح والتقوى، فإنه لا يزاحم النبوة أبدًا ولا يبلغ منزلتها، قال الألوسي ﵀ (٦):
стр. 486
"وأحسن ما يُعتمد عليه في معرفة الولي اتباع الشريعة الغرَّاء، وسلوك المحجَّة البيضاء، فمن خرج عنها قيد شبر بَعُد عن الولاية بمراحل، فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم الولي، ولو أتى بألف خارق، فالوليُّ الشرعيُّ اليوم أعزُّ من الكبريت الأحمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١).
٥ - ويعتقد ابن عجيبة أنَّ كشفَ الأولياء موروثٌ عن الأنبياء، يقول: "كان النبي ﷺ ينذر النَّاس ويذكِّرهم بالوحي التنزيلي، وبقي خلفاؤه يذكِّرون بالوحي الإلهامي موافقًا للتنزيلي" (٢).
٦ - كما يعتقد أنَّ الوليَّ مشاركٌ للنَّبي في الوحي، يقول: "الوحيُ على أربعة أقسام: وحيُ إلهامٍ، ووحيُ منام، ووحيُ إعلام، ووحيُ أحكام، فشاركت الأولياء الأنبياء في ثلاثة: وحي إلهام، ووحي منام، ووحي إعلام وهو الفهم عن الله وانفردت الأنبياء بوحي الأحكام" (٣).
وما ذكره ابن عجيبة من أنَّ الإنذار يكون بالوحي صحيحٌ دلَّ عليه القرآن، ولكن شتان بين الوحي والإلهام، فالوحيُ حجَّةٌ شرعيَّةٌ يستدل به ليس كالإلهام، قال الشيخ الشنقيطي ﵀، لقد حصر الله طرق الإنذار بالوحي، بدليل قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ (٤)، (وإنما) صيغة حصر، فإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام، فالجواب: أنَّ المقرَّر في
стр. 487
الأصول أنَّ الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء، لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل لوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به" (١).
واعتقد ابن عجيبة أنَّ الأولياء أدركوا خاصية النبوة في تلقي الوحي والإلهام (٢) مثل سائر الأنبياء، وقد ردَّ عليه هذا القول بعض الصوفية، وهذا مما يؤكِّد اضطرابهم، قال الدبَّاغ: "وقد غلط بعض الأولياء من أهل الفتح فظنَّ أنَّ الولي العارف الكبير قد يبلغ مقام النُّبوة في المعرفة، وإن كان في الدرجة لا يصله، وهذا الذي ظنوه غلطٌ مخالفٌ لما في نفس الأمر، والصواب أنَّ الولي -ولو بلغ في المعرفة ما بلغ- لا يصل إلى ما ذكروه، ولا يقرب منه أصلًا" (٣).
وقال ابن تيمية ﵀: "ولكن الوحيَ وحيان: وحيٌ من الرَّحمن ووحيٌ من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ (٦)، وقد كان المختار بن أبى عبيد (٧) من هذا الضرب
стр. 488
حتى قيل لابن عمر وابن عباس ﵄ قيل لأحدهما: إنه يقول إنه يوحى إليه فقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وقيل للآخر: إنه يقول إنه ينزل عليه فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ (١)،
فهؤلاء يحتاجون إلى الفرقان الإيماني القرآني النبوي الشرعي أعظم من حاجة غيرهم، وهؤلاء لهم حسيَّات يرونها ويسمعونها، والحسيَّات يضطر إليها الإنسان بغير اختياره كما قد يرى الإنسان أشياء ويسمع أشياء بغير اختياره, كما أنَّ النُّظّار لهم قياس ومعقول وأهل السَّمع لهم أخبار منقولات وهذه الأنواع الثلاثة هي طرق العلم: الحس والخبر والنظر وكل إنسان يستدل من هذه الثلاثة في بعض الأمور؛ لكن يكون بعض الأنواع أغلب على بعض الناس في الدين وغير الدين" (٢).
والمتقرر في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الوحي انقطع بموت النبي محمد ﷺ (٣).
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤).
قال ابن تيمية ﵀: " ... هذه الآية تعمُّ من أوحى الله إليه من البشر فكلام الله الذي كلَّم به موسى من وراء حجاب والوحي ما يوحي الله إلى النَّبي من أنبيائه ﵈؛ ليثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النَّبي ويكتبه وهو كلام الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله وبين رسله ومنه ما يتكلَّم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته ولكنهم يحدثون به الناس حديثًا ويبينونه لهم؛ لأنَّ الله
стр. 489
أمرهم أن يبيِّنوه للنَّاس ويبلغوهم إياه، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء ممَّن اصطفاه من ملائكته فيكلِّمون به أنبياءه من النَّاس، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحيه وحيًا في قلب من يشاء من رسله ... قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢)، بل قد قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظةً ومنامًا، وقد يكون بصوت هاتف أو يكون الصَّوت في نفس الإنسان ليس خارجًا عن نفسه يقظةً ومنامًا كما قد يكون النُّور الذي يراه أيضًا في نفسه، فهذه (الدرجة) من الوحي التي تكون في نفسه من غير أن يسمع صوت ملك في أدنى المراتب وآخرها وهي أولها باعتبار السالك وهي التي أدركتها عقول الإلهيين من فلاسفة (٤)
الإسلام الذين فيهم إسلام وصبوء فآمنوا ببعض صفات الأنبياء والرُّسل
стр. 490
-وهو قدر مشترك بينهم وبين غيرهم- ولكن كفروا بالبعض، فتجد بعض هؤلاء يزعم أنَّ النُّبوة مكتسبة أو أنه قد استغنى عن الرَّسول أو أن غير الرَّسول قد يكون أفضل منه، وقد يزعمون أن كلام الله لموسى كان من هذا النمط وأنه إنما كلَّمه من سماء عقله وأنَّ الصوت الذي سمعه كان في نفسه أو أنه سمع المعنى فائضا من العقل الفعَّال أو أن أحدهم قد يصل إلى مقام موسى، ومنهم من يزعم أنه يرتفع فوق موسى ويقولون: إن موسى سمع الكلام بواسطة ما في نفسه من الأصوات ونحن نسمعه مجردًا عن ذلك، ومن هؤلاء من يزعم أنَّ جبريل الذي نزل على محمَّد ﷺ هو الخيال النوراني الذي يتمثَّل في نفسه كما يتمثَّل في نفس النائم ويزعمون أنَّ القرآن أخذه محمَّدٌ عن هذا الخيال المسمى بجبريل عندهم؛ ولهذا قال ابن عربي صاحب (الفصوص) و (الفتوحات المكيَّة): إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرَّسول، وزعم أن مقام (النبوة) دون الولاية وفوق (الرسالة)، فإنَّ محمَّدًا -بزعمهم الكاذب- يأخذ عن هذا الخيال النفساني -الذي سمَّاه ملكًا- وهو يأخذ عن العقل المجرَّد الذي أخذ منه هذا الخيال.
ثم هؤلاء لا يثبتون لله كلامًا اتصف به في الحقيقة ولا يثبتون أنه قصد إفهام أحد بعينه؛ بل قد يقولون لا يُعلِم أحدًا بعينه؛ إذ علمه وقصده عندهم إذا أثبتوه لم يثبتوه إلا كُليًّا لا يعين أحدًا بناءً على أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على وجه كلي.
وقد يقرب أو يقرب من مذهبهم من قال باسترسال علمه على أعيان الأعراض وهذا الكلام -مع أنه كفرٌ باتفاق المسلمين- فقد وقع في كثير منه من له فضلٌ في الكلام والتصوف ونحو ذلك، ولولا أني أكره التعيين في هذا الجواب لعيَّنت أكابر من
стр. 491
المتأخِّرين، وقد يكون الصوت الذي يسمعه خارجًا عن نفسه من جهة الحق تعالى على لسان ملك من ملائكته، أو غير ملك وهو الذي أدركته الجهمية من المعتزلة ونحوهم واعتقدوا أنه ليس لله تكليم إلا ذلك وهو لا يخرج عن قسم الوحي الذي هو أحد أقسام التكليم أو قسيم التكليم بالرسول.
وهو (القسم الثاني) حيث قال تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١)، فهذا إيحاء الرَّسول، وهو غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام، وإيحاء الرَّسول أيضًا (أنواع) ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنَّ الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّه عليَّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثَّل لي الملك رجلًا فيكلِّمني فأعي ما يقول»، قالت عائشة ﵂: ولقد رأيتُه نزل عليه في اليوم الشَّديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عرقًا (٢).
فأخبر ﷺ أنَّ نزول الملك عليه تارةً يكون في الباطن بصوتٍ مثل صلصلة الجرس، وتارةً يكون متمثِّلًا بصورة رجلٍ يكلِّمه ... وقد سَمَّى الله كلا النوعين -إلقاء الملك وخطابه- وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء؛ فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت.
و (القسم الثالث) التكليم من وراء حجاب كما كلَّم موسى ﵇ ولهذا سمى الله هذا (نداءً) و (نجاءً) فقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٣)، قال
стр. 492
تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (١)، وهذا التكليم مختصٌّ ببعض الرُّسل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٣)، وقال بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٤)
فمن جعل هذا من جنس الوحي الأول -كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ومن تكلَّم في التصوف على طريقهم- فضلاله ومخالفته للكتاب والسُّنَّة والإجماع بل وصريح المعقول من أبين الأمور، وكذلك من زعم أنَّ تكليم الله لموسى إنما هو من جنس الإلهام والوحي، وأنَّ الواحد منَّا قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى - كما يوجد مثل ذلك في كلام طائفة من فروخ الجهمية الكلابية (٥) ونحوهم- فهذا أيضًا من أعظم الناس ضلالًا" (٦)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٧).
стр. 493
وقال القاضي عياض ﵀: "من ادَّعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، وأنه يصعد إلى السَّماء ويدخل الجنَّة ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين، فهؤلاء كلُّهم كفَّار مكذِّبون للنَّبي ﷺ ؛ لأنه أخبر النبي ﷺ أنه خاتم النَّبيين" (١).
стр. 494
المبحث الثالث:
عقيدته في الرسول محمد ﷺ -
أولًا: رأيه فيما يسمَّى بالحقيقة المحمَّدية
تعد الحقيقة المحمَّدية عند المتصوفة هي العماد الذي قام عليه الكون، وهي أول ما خلق الله ، وذكر ابن عجيبة بعضًا من مسمياتها: منها العقل الأكبر (١) فهو: أول نور أظهره الله للوجود، ويقال له: الروح الأعظم، ويسمى أيضًا القبضة المحمَّدية (٢)(٣).
ويعبَّر عنها ابن عجيبة في داليته بقوله:
وصَلِّ إلهَ العرشِ في كلِّ لمحةٍ ... على عنصر الوجود سر محمَّد
تقدَّم كلَّ الكونِ نورُ بهائِهِ ... فكان إلى الرحمنِ أولَّ عابد
قد انشقت الأسرارُ من سرِّ سرِّهِ ... فأبدى لنا سرَّ الإلهِ الممجَّد
ومن نوره الأسنى قد انفلقت لنا ... معاني صفات الذَّاتِ من نورِ أحمد
تلاشت فهومُ الخلقِ في بحرِ سرِّهِ ... فلا سابقٌ يَدري حقيقةَ أحمد
ولا لاحقٌ كلٌّ تضاءلَ فهمُهُ ... وكيف ينالُ الشَّمسَ من هو عن بُعْدِ (٤)
وكان متأثرًا بعبد السلام بن مشيش الذي اعتقد بأنَّ محمَّدًا أصل الوجود في
стр. 495
تصليته فلقد فسر (انشقاق الأسرار وانفلاق الأنوار الواردين) في التصلية بقوله: "ويحتمل أنه يريد (أي ابن مشيش) بقوله: منه انشقت الأسرار، أي أسرار الجبروت، ومنه انفلقت الأنوار، أي أنوار الملكوت، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار، أي أسرار الحقيقة، وانفلقت الأنوار أي أنوار الإيمان والإسلام، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار: أسرار عالم الغيب، وانفلقت الأنوار أنوار عالم الشَّهادة، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار: أسرار القدرة، وانفلقت الأنوار: أنوار الحكمة" (١).
ويقصد ابن عجيبة بأسرار الجبروت: البحر المحيط الذي تدفَّق عنه الحسُّ والمعنى، والحاصل أنَّ القبضة التي ظهرت أوَّلًا من فضاء العماء (٢) حسها الظاهر ملك، ومعناها الباطن ملكوت، والبحر واللطيف المحيط الذي تدفَّقت منه جبروت، فأسرار المعاني رياض العارفين؛ لأنها محلُّ نزهة أرواحهم، ولا شكَّ أنَّ المعاني لطيفة، لا تظهر بهجتها إلا في الحسِّ الذي هو الملك، والحس من حيث هو مضافٌ إلى نبيِّنا ﷺ ؛ لأنَّه ما ظهر إلا له، وما انشقَّت أسرار الذات إلا من نوره" (٣).
وإنَّك لتجد أنَّ بعض شعراء المغاربة ممَّن تأثَّر بالصُّوفية يرون رأي ابن عجيبة: أنَّ النوُّر المحمَّدي أصلُ الخلق لكلِّ شيء، وهذا ما عبَّر عنه حمدون الحاج (٤)، المتوفى