المتأخِّرين، وقد يكون الصوت الذي يسمعه خارجًا عن نفسه من جهة الحق تعالى على لسان ملك من ملائكته، أو غير ملك وهو الذي أدركته الجهمية من المعتزلة ونحوهم واعتقدوا أنه ليس لله تكليم إلا ذلك وهو لا يخرج عن قسم الوحي الذي هو أحد أقسام التكليم أو قسيم التكليم بالرسول.
وهو (القسم الثاني) حيث قال تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١)، فهذا إيحاء الرَّسول، وهو غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام، وإيحاء الرَّسول أيضًا (أنواع) ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنَّ الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّه عليَّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثَّل لي الملك رجلًا فيكلِّمني فأعي ما يقول»، قالت عائشة ﵂: ولقد رأيتُه نزل عليه في اليوم الشَّديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عرقًا (٢).
فأخبر ﷺ أنَّ نزول الملك عليه تارةً يكون في الباطن بصوتٍ مثل صلصلة الجرس، وتارةً يكون متمثِّلًا بصورة رجلٍ يكلِّمه ... وقد سَمَّى الله كلا النوعين -إلقاء الملك وخطابه- وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء؛ فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت.
و (القسم الثالث) التكليم من وراء حجاب كما كلَّم موسى ﵇ ولهذا سمى الله هذا (نداءً) و (نجاءً) فقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٣)، قال
стр. 492
تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (١)، وهذا التكليم مختصٌّ ببعض الرُّسل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٣)، وقال بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٤)
فمن جعل هذا من جنس الوحي الأول -كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ومن تكلَّم في التصوف على طريقهم- فضلاله ومخالفته للكتاب والسُّنَّة والإجماع بل وصريح المعقول من أبين الأمور، وكذلك من زعم أنَّ تكليم الله لموسى إنما هو من جنس الإلهام والوحي، وأنَّ الواحد منَّا قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى - كما يوجد مثل ذلك في كلام طائفة من فروخ الجهمية الكلابية (٥) ونحوهم- فهذا أيضًا من أعظم الناس ضلالًا" (٦)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٧).
стр. 493
وقال القاضي عياض ﵀: "من ادَّعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، وأنه يصعد إلى السَّماء ويدخل الجنَّة ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين، فهؤلاء كلُّهم كفَّار مكذِّبون للنَّبي ﷺ ؛ لأنه أخبر النبي ﷺ أنه خاتم النَّبيين" (١).
стр. 494
المبحث الثالث:
عقيدته في الرسول محمد ﷺ -
أولًا: رأيه فيما يسمَّى بالحقيقة المحمَّدية
تعد الحقيقة المحمَّدية عند المتصوفة هي العماد الذي قام عليه الكون، وهي أول ما خلق الله ، وذكر ابن عجيبة بعضًا من مسمياتها: منها العقل الأكبر (١) فهو: أول نور أظهره الله للوجود، ويقال له: الروح الأعظم، ويسمى أيضًا القبضة المحمَّدية (٢)(٣).
ويعبَّر عنها ابن عجيبة في داليته بقوله:
وصَلِّ إلهَ العرشِ في كلِّ لمحةٍ ... على عنصر الوجود سر محمَّد
تقدَّم كلَّ الكونِ نورُ بهائِهِ ... فكان إلى الرحمنِ أولَّ عابد
قد انشقت الأسرارُ من سرِّ سرِّهِ ... فأبدى لنا سرَّ الإلهِ الممجَّد
ومن نوره الأسنى قد انفلقت لنا ... معاني صفات الذَّاتِ من نورِ أحمد
تلاشت فهومُ الخلقِ في بحرِ سرِّهِ ... فلا سابقٌ يَدري حقيقةَ أحمد
ولا لاحقٌ كلٌّ تضاءلَ فهمُهُ ... وكيف ينالُ الشَّمسَ من هو عن بُعْدِ (٤)
وكان متأثرًا بعبد السلام بن مشيش الذي اعتقد بأنَّ محمَّدًا أصل الوجود في
стр. 495
تصليته فلقد فسر (انشقاق الأسرار وانفلاق الأنوار الواردين) في التصلية بقوله: "ويحتمل أنه يريد (أي ابن مشيش) بقوله: منه انشقت الأسرار، أي أسرار الجبروت، ومنه انفلقت الأنوار، أي أنوار الملكوت، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار، أي أسرار الحقيقة، وانفلقت الأنوار أي أنوار الإيمان والإسلام، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار: أسرار عالم الغيب، وانفلقت الأنوار أنوار عالم الشَّهادة، أو تقول: منه انشقَّت الأسرار: أسرار القدرة، وانفلقت الأنوار: أنوار الحكمة" (١).
ويقصد ابن عجيبة بأسرار الجبروت: البحر المحيط الذي تدفَّق عنه الحسُّ والمعنى، والحاصل أنَّ القبضة التي ظهرت أوَّلًا من فضاء العماء (٢) حسها الظاهر ملك، ومعناها الباطن ملكوت، والبحر واللطيف المحيط الذي تدفَّقت منه جبروت، فأسرار المعاني رياض العارفين؛ لأنها محلُّ نزهة أرواحهم، ولا شكَّ أنَّ المعاني لطيفة، لا تظهر بهجتها إلا في الحسِّ الذي هو الملك، والحس من حيث هو مضافٌ إلى نبيِّنا ﷺ ؛ لأنَّه ما ظهر إلا له، وما انشقَّت أسرار الذات إلا من نوره" (٣).
وإنَّك لتجد أنَّ بعض شعراء المغاربة ممَّن تأثَّر بالصُّوفية يرون رأي ابن عجيبة: أنَّ النوُّر المحمَّدي أصلُ الخلق لكلِّ شيء، وهذا ما عبَّر عنه حمدون الحاج (٤)، المتوفى
стр. 496
سنة ١٢٣٢ هـ، الذي قال:
زينُ البريةِ بذرةُ الخليقة ... زهرةُ الحقيقةِ أزكاها وأذكاها
أصلُ الوجودِ وبهجةُ الصدور ... إنسانُ العيون ومبناها ومعناها
نورُ السَّماواتِ ونورُ الأرضِ كوكبُها ... مصباحُ مشكاتها سراجُ مجلاها
لولاه لم تَبْدُ أزهارُ السِّماءِ ومَا ... جرى بها ابنُ غزالة ليرعاها
لولاه ما نسجت أرضٌ قطائفَ من ... نورٍ ولم تَرَ ماءَها ومرعاها
لولاه لا عرشٌ لا كرسي لا قلمٌ ... لا لوح لا فرش لا جبال أرساها (١)
ويرى ابن عجيبة أنَّ معرفة الحقيقة المحمَّدية، ليست لكلِّ أحد، بل هي لمن سلك طريق القوم، فقال: "فلم يدركه منَّا سابقٌ ولا لاحق, بل كَلَّت فهومهم، وتقاصرت علومُهم عن الإحاطة المحمَّدية" (٢).
ولذلك جعل نورَ محمَّدٍ متوسط الكون, ولولا توسط النور لكان الوجود متجهِّمًا، يطبعه الجفاء.
ويرى أيضًا أنَّ محمَّدًا ﷺ هو الأساس الذي قام عليه ولأجله الوجود، يتضح ذلك في صلاته على النبي ﷺ قال: "الصَّلاة والسَّلام على من امتدَّت من سرِّ ناسوتهِ (٣) الأكوان، وأشرقت من نور لاهوته (٤) حقائق العرفان" (٥).
وقال: "والصَّلاة والسَّلام على قطب دائرة الأكوان وسيد الأسياد، الذي من
стр. 497
نور فيضه الأول ظهرت نعمة الإيجاد والإمداد، سيدنا ومولانا محمد المبعوث بالعزِّ الدائم والشَّرف الفاخر رحمة للعباد " (١).
ويقول أيضًا: "نوره ﷺ هو بذرةُ الوجود، والسَّببُ في كلِّ موجود ... من أجله لاحت وظهرت أسرار الذات العالية، وقد كانت قبل ظهور نوره محجوبة باطنية، تجلَّى فيها الحقُّ تعالى باسمه الباطن، فلما أراد أن يتجلَّى باسمه الظاهر، أظهر قبضة من نوره، فقال: كوني محمَّدًا، فمن تلك القبضة المحمَّدية تكونت الأكوان من العرش إلى الفرش، فما ظهرت أسرار الذات إلا من تلك القبضة النورانية فظاهرها ذات، وباطنها صفات" (٢).
وهذا الرأي مخالفٌ لما نصَّت عليه النصوص الصريحة التي بيَّنت بداية الخلق، وأول مخلوق خلقه الله هو العرش كما ثبت ذلك في الحديث، قال رسول الله ﷺ : «كان الله ولم يكن شيءٌ قبله, وكان عرشه على الماء, ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء» (٣).
وتأثَّر ابن عجيبة بكتاب دلائل الخيرات (٤)، الذي قال عنه: "فبقيت في الصَّلاة على رسول الله مدة حتى حفظتُ دلائل الخيرات" (٥).
وحفظه له واهتمامه به يدلُّ على أنه يقر بكلِّ ما فيه من مخالفات في طريقة
стр. 498
الصَّلاة على النبي ﷺ ومن هذه الصلوات "اللهم صلِّ على سيدنا محمد بحر أنوارك ... إنسان عين الوجود، والسَّبب في كلِّ موجود، عين أعيان خلقك، المتقدِّم من نور ضيائك" (١).
وما أسماه ابن عجيبة وغيره بالحقيقة المحمَّدية لاشك أنَّ له ارتباطًا كبيرًا جدًّا بوحدة الوجود (٢).
قال علي اليشرطي (٣): "قبض الله قبضة من نوره هي الحقيقة المحمَّدية، وظهرت بالصورة المكرَّمة، وجعل منها ما كان وما يكون" (٤).
وهذا من الغلو الذي يجعل النَّبي له التصرُّف في الكون، قال ابن تيمية ﵀: "حدَّثني الثقة من أعيانهم أنهم يقولون: إنَّ محمَّدًا هو الله" (٥).
وهذه الاعتقادات السَّابقة الذكر ترتَّب عليها مفاسد عظيمة:
أولها: إنَّ إثبات هذا المعنى الذي يزعمه نفيًا لبشرية الرسول ﷺ التي ورد النص عليها من الوحيين أنَّ النبي ﷺ خُلق من ذرية آدم ﵇ كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٦).
стр. 499
قال ابن جرير في تفسيره لهذه الآية: "قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشرٌ مثلكم من بني آدم، لا علمَ لي إلا ما علَّمني الله، وإنَّ الله يوحي إليَّ أنَّ معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا: معبودٌ واحد، لا ثانيَ له، ولا شريكَ له" (١).
وكونه ﷺ بشرًا، فإنه يصيبه ما يصيب البشر من أعراض، ولهذا قال الله تعالى رادًّا على المشركين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٢)، ولقد ذكر الله في كتابه العزيز الأصل الذي خُلق منه البشر قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٣).
قال الشيخ السعدي ﵀: "وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم من آثار قدرته وبديع صنعته، أنْ خَلَقَ أبا الإنس وهو آدم ﵇ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ أي: من طينٍ مبلول، قد أحكم بله وأتقن، حتى جفّ، فصار له صلصلة وصوت يشبه صوت الفخَّار الذي طبخ على النار.
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ أي: أبا الجن، وهو إبليس اللَّعين ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ أي: من لهب النَّار الصافي، أو الذي قد خالطه الدخان، وهذا يدلُّ على شرف عنصر الآدمي المخلوق من الطين والتراب، الذي هو محل الرزانة والثقل والمنافع، بخلاف عنصر الجان وهو النار، التي هي محلُّ الخفَّة والطيش والشَّر والفساد" (٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٥).
стр. 500
يقول ابن جرير في تفسيره: "يقول: هل أنا إلا عبدٌ من عبيده من بني آدم، فكيف أقدر أن أفعل ما سألتموني من هذه الأمور، وإنما يقدر عليها خالقي وخالقكم، وإنما أنا رسولٌ أبلِّغكم ما أُرسلتُ به إليكم، والذي سألتموني أن أفعله بيد الله الذي أنا وأنتم عبيدٌ له، لا يقدر على ذلك غيره" (١).
وأتت النصوص الصريحة مبيِّنة أنَّ أول مخلوق خلقه الله هو العرش (٢) كما ثبت ذلك في الحديث، قال رسول الله ﷺ : «كان الله ولم يكن شيء قبله, وكان عرشه على الماء, ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء» (٣).
وقد يقول قائلٌ: أتنكرون أنَّ النبي ﷺ نور، وتعارضون نصوص القرآن؟، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٥).
فيجاب عليه بأنَّ بعض المفسِّرين ذكر أنَّ المراد بالنور: هو وصفٌ للقرآن (٦)، وبعضهم قال: "يقول جلَّ شأنُه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نورٌ يعني بالنُّور محمَّدًا، الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشِّرك" (٧).
стр. 501
فلا حجَّةَ لكم بهذه الآية بل استدلال لا صلة له بقولكم.
وقال الشاطبي ﵀: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضمِّ أطرافه بعضها لبعض، فإنَّ مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتَّب على خاصَّها ومطلقها المحمول على مقيَّدها ومجملها المفسَّر ببيِّنها إلى ما سوى ذلك من مناحيها ... فشأن الراسخين تصوّر الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضًا كأعضاء الإنسان إذا صُوِّرت صورة مثمرة وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ ما أي دليل كان عفوًا وأخذًا أوليًّا وإن كان ثم ما يعارضه من كُلِّىٍّ أو جزئيٍّ فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكمًا حقيقيًّا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (١)، (٢).
"ووصف النَّبي بأنَّه نورٌ من نور الله إن أُريد به أنَّه نورٌ ذاتيٌّ من نور الله فهو مخالفٌ للقرآن الدال على بشريته، وإن أُريد بأنه نورٌ باعتبار ما جاء به من الوحي الذي صار سببًا لهداية من شاء من الخلق فهذا صحيح، ولا شكَّ أنَّ نور الرسالة والهداية من الله قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).
стр. 502
وليس هذا النور مكتسبًا من خاتم الأولياء كما يزعمه بعض الملاحدة، أمَّا جسمه ﷺ فهو دمٌ ولحمٌ وعظم ... خُلِقِ من أبٍ وأُمٍّ ولم يسبق له خلقٌ قبل ولادته" (١).
"وليس بدنه نورًا، وليس هو نور الله الذي هو وصفه، وأما قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٢) فالمراد بالنُّور في ذلك ما بعثه الله به من الوحي، من عطف الخاصِّ على العام، ولم يثبت في القرآن ولا في السُّنَّة الصحيحة أنه نور عرش الله، فمن زعم ذلك فهو كاذب؛ لأن ذلك يتنافى مع كمال الله " (٣).
وقال ابن تيمية ﵀: "وكذلك ما ذُكر من «أنَّ الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرقت ودلقت، فخلق من كلِّ قطرةٍ نبيًّا، وأنَّ القبضة كانت هي النَّبيُّ ﷺ ، وأنَّه بقي كوكبٌ دري» فهذا أيضًا كذبٌ باتفاق أهل المعرفة بحديثه" (٤).
وقال أيضًا: "والنَّبي ﷺ خُلق مما يُخلق منه البشر، ولم يُخلق أحدٌ من البشر من نور، بل قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ الله خلق الملائكة من نور؛ وخلق إبليس من مارج من نار؛ وخلق آدم مما وصف لكم» (٥)، وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خُلقت منه فقط، بل قد يخلق المؤمن من كافر؛ والكافر من مؤمن، كابن نوح منه وكإبراهيم من آزر، وآدم خلقه الله من طين: فلمَّا
стр. 503
سوَّاه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة، وفضَّله عليهم بتعليمه أسماء كلِّ شيءٍ وبأن خلقه بيديه؛ وبغير ذلك، فهو وصالحو ذريته أفضل من الملائكة؛ وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين، وهؤلاء من نور" (١).
ثانيًا: رأْيُ ابن عجيبة أنَّ الكون خُلِقَ من أجل محمَّد ﷺ -
يرى ابن عجيبة أنَّ جميع ما في الكون خُلِقَ من أجل النِّبي محمَّدٍ ﷺ ، ويَسْتَدلُّ كغيره من الصوفية بشبهاتٍ أتوا بها من عند أنفسهم، وهي:
١ - حديث: "لولاك ما خُلِقَت الكونُ، أو ما خُلِقَتِ الأفلاك" (٢).
وقال في شرحه لبيتٍ من أبيات البُردة:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةَ مَن ... لولاه لم تَخرج الدُّنيا من العَدَم
"وكيف تدعو إلى طلب الدنيا والميل إليها ضرورة مخلوق عظيم لولاه لم تخرج هي من العدم، من كان سببًا في خلق الدنيا كيف يحتاج إليها وإنما خلقت من أجله" (٣)، وشرحه لهذا البيت مستنبطٌ من الحديث الموضوع: «لولاك ما خلقت الدنيا» (٤).
٢ - حديث: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحقِّ محمَّدٍ لما غفرتَ
стр. 504
لي؟ قال: وكيف عرفتَ محمَّدًا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائم العرش مكتوبًا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فعلمتُ أنَّك لم تضف إلى اسمك إلا أحبَّ الخلق إليك، قال: صدقتَ يا آدم ولولا محمَّدٌ ما خلقتُك» (١).
وهذا باطلٌ، فالمقرَّر في نصوص الشريعة أنَّ الله لم يخلق آدمَ ولا غيره من أجل أحد، بل خلق الكلَّ لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢).
قال الشيخ السعدي ﵀: "هذه الغاية، التي خلق الله الجنَّ والإنس لها، وبعث جميع الرُّسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمِّنة لمعرفته ومحبَّته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه، وذلك يتضمَّن معرفة الله تعالى، فإنَّ تمام العبادة متوقِّفٌ على المعرفة بالله، بل كُلَّما ازداد العبدُ معرفةً لربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خَلَق اللهُ المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجةٍ منه إليهم" (٣).
أمَّا الحديث الذي ذكره الحاكم فقال عنه ابنُ تيمية ﵀: " ... وأمَّا تصحيح الحاكم لهذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمَّة العلم بالحديث، وقالوا: إنَّ الحاكم يُصحِّح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث ... ؛ ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرَّد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر
стр. 505
غلطه، وإنَّ الصواب أغلب عليه وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه ... ومثل هذا لا يجوز أن تُبنى عليه الشريعة، ولا يُحتج به في الدين باتفاق المسلمين؛ فإنَّ هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها، التي لا تُعلم صحَّتُها إلا بنقلٍ ثابتٍ عن النبي ﷺ ... ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحدٌ من ثقات علماء المسلمين الذي يعتمد على نقلهم" (١).
وأمَّا حديث: "لولاك لما خلقت الأفلاك" فقال عنه: الشيخ الألباني: "إنه حديثٌ موضوع"، وتعقَّب قول القاري (٢) فقال: "وأمَّا قول الشيخ القاري: لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي (٣) عن ابن عباس مرفوعًا: «أتاني جبريل فقال: يا محمَّد لولاك لما خُلقت الجنة، ولولاك ما خُلقت النار» وفي رواية ابن عساكر (٤): «لولاك ما خلقت الدنيا» فأقول: الجزمُ بصحَّة معناه لا يَليقُ إلا بعد ثبوت ما نقله عن الديلمي، وهذا مما لم أرَ أحدًا تعرَّض لبيانه، وأنا وإن كنتُ لم أقف على سنده،
стр. 506
فإنِّي لا أتردَّد في ضعفه، وحسبنا في التدليل على ذلك تَفرُّد الديلمي به ...
" (١).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهل الحديث الذي يذكره بعض الناس: «لولاك ما خلق الله عرشًا ولا كرسيًّا ولا أرضًا ولا سماءً ولا شمسًا ولا قمرًا»؟ , فأجابَ: محمَّدٌ سيِّد ولد آدم، وأفضل الخلق وأكرمهم عليه، ومن هنا قال من قال: إنَّ الله خلق من أجله العالم أو إنَّه لولا هو لما خلق عرشًا، ولا كرسيًّا، ولا سماءً، ولا أرضًا, ولا شمسًا, ولا قمرًا، لكن ليس هذا حديثًا عن النبي ﷺ لا صحيحًا ولا ضعيفًا، ولم ينقله أحدٌ من أهل العلم بالحديث عن النبي ﷺ ، بل ولا يُعرف عن الصَّحابة ﵃، بل هو كلامٌ لا يُدْرى قائله" (٢).
ويقول أيضًا: "هذا الحديث لم ينقله أحدٌ عن النَّبي ﷺ لا بإسنادٍ حسنٍ ولا صحيح بل ولا ضعيف يستأنس به، ويعتضد به، وإنما نُقل هذا وأمثاله كما تُنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب، وتُنقل عن مثل كعب (٣)، ووهب (٤) ... ومسلمة أهل الكتاب، أو غير مسلمتهم أو عن كتبهم ... ويكفيك أنَّ هذا الحديث ليس في شيءٍ من دواوين الحديث التي يُعتمد عليها" (٥).
стр. 507
"والسموات والأرض خُلقت لما ذكره الله في قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، أمَّا الحديث المذكور فهو مكذوبٌ على النَّبي ﷺ لا أساسَ له من الصِّحَّة" (٢).
ثالثًا: تقسيم ابن عجيبة للنَّاس في طريقة صلاتهم على النبي ﷺ -
قال: "قسمٌ يُصلَّون على صورته البشريَّة: وهم أهل الدليل والبرهان، فهم يشخصونها في قلوبهم في حال الصَّلاة عليه، فإذا أكثروا من الصَّلاة بالحضور ثبتت الصورة الكريمة في قلوبهم، فيرونه في المنام كثيرًا، وربما تشكل روحه الكريمة على صورة جسده الطيب فيرونه يقظة.
وقسمٌ يُصلَّون على روحه النورانية، وهم أهل الشهود من السائرين؛ فهم يصلون على نوره الفائض من الجبروت، فيشاهدونه في غالب أوقاتهم على قدر حضورهم وشهودهم.
وقِسمٌ يُصلَّون على نوره الأصلي، الذي هو نور الأنوار، وهم أهل الرسوخ والتمكين من أهل الشهود والعيان، وهؤلاء لا يغيب عنهم النبي ﷺ طرفة عين" (٣).
ويقول أيضًا: "فمنهم من يدرك شيئًا من سره ﵇، ومنهم من يدرك روحه، ومنهم من يدرك عقله، ومنهم من يدرك نفسه ﵊، فأهل الرسوخ والتمكين يدركون سرَّه ﵊، ولا يغيب عنهم طرفة عين ... " (٤).
стр. 508
وهذا كلُّه باطل؛ إذ المعتقد الصحيح المستمد من الوحيين والمقرر في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ النبي ﷺ قد مات، ولا يمكن لأحدٍ مهما بلغت منزلته أن يراه يقظة، بل حدثت بعد وفاته مصائب عظام وكان الصحابة ﵃ في حاجته، منها حرب صفِّين، وموقعة الجَمَل، ولا يعقل أن يغفلوا عن الأسباب التي تجعلهم يرونه يقظةً.
قال القرطبي معلِّقًا على قول الصوفية الذين جوَّزوا رؤية النبي ﷺ يقظةً: "وهذا قولٌ يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحدٌ إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آنٍ واحدٍ في مكانين، وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء، فيزار مجرَّد القبر ويُسلَّم على غائب؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل" (١).
وقال ابن تيمية ﵀: "والنَّبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل في صورتي» قال ابن عباس: في صورته التي كان عليها في حياته، وهذه رؤية في المنام، وأمَّا في اليقظة فمن ظنَّ أنَّ أحدًا من الموتى يجيء بنفسه للناس عيانًا قبل يوم القيامة فمن جهله" (٢).
ويقول أيضًا: "وكثيرٌ من هؤلاء يظنُّ أنَّ النَّبي ﷺ نفسه أو غيره من الأنبياء أو الصالحين يأتيه في اليقظة، ومن يرى ذلك ثم قبر النبي ﷺ أو الشيخ وهو صادق في
стр. 509
أنه إياه من قال: إنه النبي، أو الشيخ، أو قيل له ذلك فيه، لكن غلط حيث ظن صدق أولئك.
والذي له عقل وعلم يعلم أنَّ هذا ليس هو النبي ﷺ تارة لما يراه منهم من مخالفة الشرع، مثل أن يأمروه بما يخالف أمر الله ورسوله، وتارة يعلم أنَّ النبي ﷺ ما كان يأتي أحدًا من أصحابه بعد موته في اليقظة، ولا كان يخاطبهم من قبره، فكيف يكون هذا لي، وتارة يعلم أنَّ الميت لم يقم من قبره، وأنَّ روحه في الجنَّة لا تصير في الدنيا هكذا" (١).
وقال الصنعاني ﵀: "والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمعلوم من الضرورة الدينية، أنَّ من وَارَاهُ القبر لا يخرج منه إلا في المحشر، قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (٢)، ولم يقل: تَارَاتٍ أُخَرَ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٣) , وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٤)، وأمَّا الأحاديث النبوية فإنها متواترة: أنَّ من أُدْخِلَ قبره لا يخرج منه إلا عند النفخة الثانية في الصور ... وبالجملة، فالقول بخروج الميت من قبره، وبروزه بشخصه لقضاء أغراض الأحياء قولٌ مخالف للعقل والنقل" (٥).
стр. 510
الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: أشراط الساعة
المبحث الثاني: أحوال اليوم الآخر
المبحث الثالث: الجنة والنار
стр. 511
المبحث الأول: أشراط الساعة
أولًا: تعريف الأشراط في اللغة
الأشراط جمع شَرَط، -بالتحريك- وهو العلامة (١).
قال الرَّاغب: الشَّرْطُ: كلُّ حكمٍ معلومٍ متعلِّق بأمر يقع بوقوعه، وذلك الأمر كالعلامة له ... وأشراط السَّاعة علاماتها (٢).
وقال الخليل: "الشَّرْطُ: معروف في البيع، والفعلُ: شارَطه فشَرَطَ له على كذا وكذا، يَشْرِطُ له، والشَّرْطُ: بَزْغُ الحجَّام بالمِشْرَط، والفعلُ: شَرَط يَشْرِط، والبزغُ: الشَّرْطُ الضَّعيف, والشَّريطُ: شبه خُيُوطٍ تفتل من الخُوص، والجميعُ: الشُّرُط، فإذا كان مثلُها من اللِّيف فهي دُسُر، والواحد دِسَار، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (٣) ودُسُرُها: شُرُطُها، والشَّرَطان: كوكبان، يقالُ إنهما قَرْنا الحمل، وهو أوَّلُ نَجْمٍ من الرَّبيع، ... ومن ذلك صار أوائلُ كلِّ أمرٍ أشراطَه، وأشراطُ السَّاعة: علاماتها، الواحد شَرَط ... " (٤).
وذكر ابن عجيبة المعنى اللُّغوي لأشراط السَّاعة فقال: "جمع شَرَط -بالتحريك- بمعنى العلامة" (٥)، وقال أيضًا: "إنما سُمِّيت القيامة ساعة لسرعة حسابها، أو وقوعها (٦)، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٧).
стр. 512
ثانيًا: تعريفها في الشَّرع
هي الوقتُ الذي تقوم فيه القيامة، وسُمِّيت بذلك؛ لسُّرعة الحساب فيها، أو لأنَّها تفجأ النَّاس في ساعةٍ فيموت الخلق كلُّهم بصيحةٍ واحدة (١).
قال ابن حجر ﵀: "والمراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام السَّاعة" (٢).
ثالثًا: تقسيم العلماء لأشراط السَّاعة
قسَّم العلماء أشرا ط السَّاعة وفق ثلاثة اعتبارات:
١ - زمن خروج الأشراط، وهذه قُسِّمت إلى ثلاثة أقسام:
أ- ظهر وانقضى وفق ما أخبر به رسول الله ﷺ ، ومنها: بعثته ﵊ وموته، وفتح بيت المقدس، وظهور نار الحجاز، وغيرها من الأشراط التي وقعت وانقضت، قال السفاريني ﵀: "اعلم أنَّ أشراط السَّاعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ظهر وانقضى، وهي الأمارات البعيدة، وقسم ظهر ولم ينقض، بل لايزال في زيادة حتى إذ ابلغ الغاية ظهر القسم الثالث وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها السَّاعة، وأنها تتابع كنظام خرزات انقطع سلكها" (٣).
ب- ظهرت ولا تزال تتابع باستمرار مثل كثرة الزلازل، وتضييع الأمانة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، واتخاذ المساجد طُرُقًا، ورفع العلم، وكثرة الجهل، وغيرها من الأشراط الكثيرة.
стр. 513
ج- لم تظهر بعد مثل: الدجَّال، ونزول عيسى ﵇، وهي أشراط السَّاعة الكبرى ويعقبها قيام السَّاعة.
٢ - مكان وقوع الأشراط.
أ- سماوية: مثل: انشقاق القمر، وطلوع الشَّمس من مغربها.
ب- أرضيَّة: خروج المسيح الدجَّال، والدابَّة، وخروج النَّار، والريح التي تقبض أرواح المؤمنين.
٣ - في نفس الشرط، أهو معتاد أم لا.
قال ابن كثير ﵀: "فأمَّا خروج الدابَّة على شكلٍ غريبٍ غير مألوف، ومخاطبتها النَّاس، ووسمها إيَّاهم بالإيمان أو الكفر، فأمر خارج عن مجاري العادات وذلك أول الآيات الأرضيَّة" (١).
ومنهم من قسَّمها إلى قسمين:
١ - أشراط صغرى: وهي التي تتقدَّم السَّاعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد، مثل: قبض العلم، وظهور الجهل، والتطاول في البنيان.
٢ - أشراط كبرى: وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام الساعة، وتكون غير معتادة، مثل: ظهور الدجَّال، ونزول المسيح، وخروج الدابَّة (٢).
رابعًا: وقت قيام الساعة
بيَّنت النصوص الشرعية أنَّ معرفة موعد قيام الساعة من الأمور الغيبية التي لم يطلع عليها مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل، بل اختصَّ الله بها نفسه، وذكر ابن
стр. 514
عجيبة ذلك فقال: "ومن جملة الغيب: قيام السَّاعة" (١).
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (٢).
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمَّد ﷺ : (قُلْ) يا محمَّد لسائليك من المشركين عن السَّاعة متى هي قائمة؟: (لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ) الذي قد استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه غيره، والساعة من ذلك" (٣).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
قال ابن سعدي ﵀: يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : يسألونك: أي المكذبون لك، عن السَّاعة، أي متى وقتها الذي تجيء به، ومتى تحل بالخلق؟.
فقل لهم: إنَّ الله مختصٌّ بعلمها، ولا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو، وخفي علمها على أهل السَّماوات والأرض، واشتدَّ أمرها أيضًا عليهم، فهم من الساعة مشفقون، وهي تأتي فجأة فلم يستعدوا ويتهيؤوا لقيامها وهم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحفٌّ عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك -لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه- غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفُّون عن الاستحفاء عن هذا السؤال
стр. 515
الخالي من المصلحة المتعذِّر علمه، فإنه لا يعلمها نبيُّ مرسل، ولا مَلَكٌ مقرَّب، وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه (١).
وقال ابن عجيبة في تفسيره للآية السابقة: "يقول الحقُّ ﷻ : يسألونك أي: قريش، عن السَّاعة أي: قيام النَّاس من قبورهم للحساب، أيَّان مرساها أي: متى إرساؤها؟، أي: ثبوتها ووقوعها، قل: إنما علمها عند ربي استأثر بعلمها، لم يُطْلِع عليها ملكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجلِّيها لوقتها أي: لا يظهرها عند وقت وقوعها، إلا هو، والمعنى إنَّ إخفاءها يستمرُّ إلى وقت وقوعها، ثقلت في السَّماوات والأرض: عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنَّه إشارة إلى الحكمة في إخفائها، أو ثقلت على السموات والأرض أنفسهما لتبدلهما وتغير حالهما، لا تأتيكم إلا بغتة فجأة على غفلة" (٢).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : قال: «خمس من الغيب لا يعلمهنَّ إلا الله»، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤)، (٥).
стр. 516
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ بارزًا (١) يومًا للنَّاس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث» قال: ما الإسلام؟» قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصَّلاة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: متى الساعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السَّائل» (٢).
ورَأْيُ ابن عجيبة في هذه المسألة لا يختلف عن تقريرات أهل السُّنَّة والجماعة.
رابعًا [*]: رأيه فيما قيل في تحديد عمر الدنيا
نقل ابن عجيبة في تفسير قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٣)، قول ابن عطية: "وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى من التحديد في عمر الدنيا فضعيف، وعليه الجمهور، يعني عدم التعيين" (٤).
وقد وُفِّق بهذا النَّقل، الذي لا يشك عاقل أنَّ تحديد عمر الدنيا لم يأتِ عن رسول الله ﷺ فيه لفظةٌ تصح، قال ابن حزم: "فإنَّ اليهود يقولون: للدنيا أربعة آلاف سنة ونيف، والنصارى يقولون: للدنيا خمسة آلاف سنة، وأما نحن فلا نقطع على عدد معروف عندنا، وأما من ادعى في ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر أو أقل فقد كذب وقال ما لم يأت قط عن رسول الله ﷺ فيه لفظة تصح، بل صح عنه
стр. 517
- ﵇ خلافه بل نقطع على أنَّ للدنيا أمرًا لا يعلمه إلا الله قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (١) "، (٢).
ويقول محمد رشيد رضا (٣): "وما جاء في الآثار من أنَّ عمر الدنيا سبعة آلاف سنة مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يبثها زنادقة اليهود والفرس في المسلمين" (٤).
وذكر العلماء أنَّ أيَّ حديثٍ يخالف صريح القرآن فهو موضوع (٥).
خامسًا: أشراط الساعة الصغرى
عدَّ ابن عجيبة بعضًا من أشراط الساعة الصغرى ومنها:
١ - بعثة النبي ﷺ .
٢ - انشقاق القمر.
وذكر هذا عند تفسيره لقول الله : ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (٦).
"فقد جاء أشراطها: علاماتها، جمع شرط بالتحريك، بمعنى العلامة، وهي مبعث محمد ﷺ ، وانشقاق القمر" (٧)، وهذه العلامات التي ذكرها ابن عجيبة صحيحة ودلَّت عليها النصوص الشرعية، قال ابن كثير ﵀ في تفسيره للآية
стр. 518
السَّابقة: أي أمارات اقترابها كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (١)، وكقوله جلَّت عظمته: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٢)، وكقوله : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣)، وقوله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (٤) , فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط السَّاعة؛ لأنَّه خاتم الرُّسل الذي أكمل الله تعالى به الدين، وأقام به الحُجَّة على العالمين، وقد أخبر ﷺ بأمارات السَّاعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله ... " (٥).
وقال القرطبي ﵀ وهو يتحدَّث عن أشراط الساعة-: "أوَّلُها النَّبي ﷺ ؛ لأنه نبيُّ آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي" (٦).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه, وعلا صوته, واشتدَّ غضبه، حتى كأنَّه منذرُ جيش, يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: «بُعثت أنا والسَّاعة كهاتين» ويقرن بين أصبعيه السَّبابة والوسطى ... " (٧).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذا انفلق القمر فلقتين فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه فقال لنا رسول الله ﷺ : «اشهدوا» (٨).
стр. 519
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: "وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة" (٢)، وعن أنس ﵁ أنَّ أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر" (٣).
٣ - قطع الأرحام (٤).
جاءت أدلة الكتاب والسُّنَّة محذِّرةً من قطيعة الرحم؛ لأنَّها سببٌ للَّعنة والحرمان من دخول الجنَّة، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٥).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم السَّاعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة» (٦).
стр. 520
سادسًا: أشراط الساعة الكبرى
١ - خروج الدجَّال (١) وسبب تسميته بالمسيح.
قال ابن عجيبة: "وأمَّا المسيح الدجَّال فإنَّه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة" (٢).
لقد دلَّت الأحاديث الصحيحة على فتنة المسيح الدجَّال، وأنه لا يبقى شيء إلا سيطؤه، إلا مكة والمدينة، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجَّال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقبٌ إلا عليه الملائكة صافَّين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كلُّ كافرٍ ومنافق» (٣).
وجاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أنَّ الدجَّال قال: «فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة -يعنى المدينة- فهما محرَّمتان عليَّ كلتاهما، كُلَّما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدًا -منهما- استقبلني مَلَك بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإنَّ على كلِّ نقبٍ منها ملائكة يحرسونها" (٤).
стр. 521
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «حدَّثنا رسول الله ﷺ يومًا حديثًا طويلًا عن الدجَّال فكان فيما يحدثنا به أنه قال: «يأتي الدجَّال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ (١) التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس -أو من خير الناس- فيقول له: أشهد أنك الدجَّال الذي حدَّثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجَّال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه» (٢).
وجاءت النصوص مبيِّنة أوصاف الدجَّال فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بُعِثَ نبيٌّ إلا وقد أنذر أُمَّته الأعور الكذَّاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك. ف. ر» (٣).
١ - نزول عيسى ﵇.
قال ابن عجيبة عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٤)، يقول الحقُّ ﷻ : وإن من أهل الكتاب أي ما من يهودي ولا نصراني، أي الموجودين حين نزوله إلا ليؤمننَّ بعيسى قبل موته أي عيسى، وذلك حين نزوله من السَّماء، روي أنه ينزل من السَّماء حين يخرج الدجَّال فيهلكه، ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن به، حتى تكون
стр. 522
الملَّة واحدة، وهي ملَّة الإسلام، وتقع الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنُّمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيَّات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلِّى عليه المسلمون ويدفنونه، وقيل الضمير في (به) إلى عيسى، وفي (موته) إلى الكتابي، أي: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننَّ بعيسى بأنه عبد الله ورسوله، قبل موته أي: قبل خروج نفس ذلك الكتابي إذا عاين الملك، فلا ينفعه حينئذ إيمانه؛ لأنَّ كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل، ويؤيد هذا قراءة من قرأ: ﴿ليؤمنُنَّ به قبل موتهم﴾ بضم النُّون؛ لأنَّ (أحدًا) في معنى الجمع، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإيمان به من قبل أن يضطر إليه ولم ينفعه إيمانه، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا يشهد على اليهود بالتكذيب، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله، والله تعالى أعلم" (١).
وقال في موضع آخر: "ثم يقبض عيسى، ويدفن في روضته ﷺ " (٢).
ثم قال: "ثم تخرب الكعبة، ثم ينفخ في الصُّور للصعق، واقترب الوعد الحق" (٣).
وما ذكره ابن عجيبة من نزول عيسى ﵇ حقٌّ وثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة، فقد "تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في نزول عيسى بن مريم من السَّماء إلى الأرض عند قُرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السُّنَّة" (٤).
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٥)، قال ابن جرير ﵀: "وإنَّ عيسى ظهوره عِلْمٌ يُعلم به مجيء
стр. 523
السَّاعة؛ لأنَّ ظهوره من أشراطها ونزوله إلى الأرض دليلٌ على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة" (١).
وقال القرطبي ﵀: وإنه ﴿لعَلَمٌ للسَّاعة﴾ (بفتح العين واللام) أي: أمارة، أي علامة وأمارة على قيام الساعة، وهذه القراءة مرويَّة عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة الحديث (٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٣).
قال ابن جرير الطبري ﵀: "ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به" (٤).
ويقول الشيخ السعدي ﵀: "ويحتمل أنَّ الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ راجع إلى عيسى ﵇، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح ﵇ قبل موت المسيح، وذلك يكون عند اقتراب السَّاعة وظهور علاماتها الكبار" (٥).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٦).
стр. 524
قال البغوي ﵀: "معنى الآية: "أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵉ " (١).
والأحاديث في نزول عيسى ﵇ متواترة منها:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا أُنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (الحرب)، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها» ثم يقول أبو هريرة ﵁: "واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٣)، (٤).
أما قول ابن عجيبة: يقبض عيسى، ويدفن في روضته ﷺ فلا يثبت، والذي يظهر أنه استند على الحديث الذي أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن عائشة ﵂ قالت: قلتُ: يا رسول الله إني أرى أني أعيش من بعدك فتأذن لي أن أُدفن إلى جنبك؟ فقال: وأنى لك بذلك الموضع؟ ما فيه إلا موضع قبري وقبر أبي بكر وقبر عمر ﵁ وقبر عيسى ابن مريم" (٥).
стр. 525
قال ابن كثير ﵀: "وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح ﵇ في كتابه عن عائشة مرفوعًا أنه يُدفن مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر في الحجرة النبوية، ولكن لا يصح إسناده" (١).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وروي عنها في حديث لا يثبت أنها استأذنت النَّبي ﷺ إن عاشت بعده أن تُدفن إلى جانبه فقال لها: وأنى لك بذلك وليس في ذلك الموضع إلا قبري وقبر أبي بكر وعمر وعيسى ابن مريم" (٢).
أما قوله: (ثم تخرب الكعبة)، فهو صحيح، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» (٣).
وقول النبي ﷺ : «ذو السويقتين» هما: تصغير ساقي الإنسان لرقَّتهما وهي صفة سوق السودان غالبًا، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ (٤)؛ لأنَّ معناه آمنًا إلى قرب القيامة (٥).
وخرابه يكون بعد رفع القرآن من صدور الناس ومن المصاحف، وذلك بعد موت عيسى ﵇ (٦).
٢ - خروج يأجوج ومأجوج.
فقيل: هما اسمان أعجميان مُنعا من الصَّرف للعلمية والعُجمة، وعلى هذا
стр. 526
فليس لهما اشتقاق؛ لأنَّ الأعجمية لا تُشتق من العربية، وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار وهو التهابها، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجَّة بالتشديد وهي الاختلاط والاضطراب، وقرأ الجمهور: ياجوج وماجوج بدون همز، وأما قراءة عاصم فهي بالهمزة الساكنة فيهما (١).
وما ذُكر في اشتقاقهما يناسب حالهم، ويؤيد الاشتقاق من ماج بمعنى اضطرب قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (٢)، وذلك حين يخرجون من السَّد (٣).
ولقد أشار ابن عجيبة إلى هذه الأقوال.
قال عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٤) وقَّت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام السَّاعة بأن شارف قيامها" (٥).
وقرئ بالهمز فيهما؛ لأنه من أجيج النار، أي: ضوؤها وشررها، شُبِّهوا به في كثرتهم وشدَّتهم، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية" (٦).
وتعرَّض ابن عجيبة لأصلهم، ونفى أنهم من ذرية آدم فقط دون حواء فقال: "هم جيل من الترك، وما يقال: إنهم من نطفة احتلام آدم لا يصح" (٧)، وهذا
стр. 527
صواب، فهم من ذرية يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح ﵇ (١).
وهم بشرٌ من ذرية آدم وحواء، ودليل ذلك: "عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ﷺ : «يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبَّيك وسعديك والخير في يديك فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى، ولكن عذاب الله شديد» قالوا: وأينُّا ذلك الواحد؟ قال: «أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف» (٢).
وما قيل بأنهم من ذرية آدم لا من حواء؛ بسبب أنَّ آدم احتلم واختلط منيه بالتراب، لا دليل عليه بمن يُوثق بقوله (٣).
قال ابن كثير ﵀: "وهذا قولٌ غريبٌ جدًّا، لا دليل عليه لا من عقل، ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة" (٤).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من زعم أنَّ آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولَّد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله وهو قول منكرٌ جدًّا لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب" (٥).
وقد دلَّ على ظهورهم كتاب الله وسُنَّة رسول الله ﷺ .
стр. 528
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (١).
وجاء السَّياق القرآني في قصَّتهم أثناء سياقه لقصة ذي القرنين:
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٢).
وقال ابن عجيبة: "ثم يبعث الله عليهم مرضًا في رقابهم، فيموتون مرَّة واحدة، ثم يرسل الله مطرًا تغسل الأرض منهم، ثم تُوضع فيها البركة، وهذا بعد خروج الدجَّال ونزول عيسى ﵇، ثم تنقرض الدُّنيا" (٣).
ونزول عيسى ﵇ بعد خروج المسيح الدجَّال فيقتله الله على يديه -بباب لُدٍّ (٤) - ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه (٥).
وجاء في حديث النَّواس بن سمعان -الطويل- في ذكر الدجَّال، وصفاته، وهلاكه، علي يد عيسى ﵇.
فعن النواس بن سمعان ﵁ ذكر رسول الله ﷺ الدجَّال ذات غداة فخفض
стр. 529
فيه ورفع حتى ظنَّناه في طائفة النَّخل، فلمَّا رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجَّال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنَّناه في طائفة النَّخل، فقال: «غير الدجَّال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم، إنه شابٌّ قطط (١)، عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله، فاثبتوا».
قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم».
قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره».
قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السَّماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًّا وأسبغه ضروعًا وأمدَّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (٢) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول: لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (٣)، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسَّيف فيقطعه جزلتين (٤)
стр. 530
رمية الغرض (١)، ثم يدعوه فيقبل ويتهلَّل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (٢) واضعًا كفَّيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدَّر منه جمان كاللؤلؤ (٣) فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ (٤)
فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنَّة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي لا يُدان لأحدٍ بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطُّور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كلِّ حدب ينسلون فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصر نبيُّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف (٥) في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (٦) ونتنهم فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله