← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فليس لهما اشتقاق؛ لأنَّ الأعجمية لا تُشتق من العربية، وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار وهو التهابها، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجَّة بالتشديد وهي الاختلاط والاضطراب، وقرأ الجمهور: ياجوج وماجوج بدون همز، وأما قراءة عاصم فهي بالهمزة الساكنة فيهما (١). وما ذُكر في اشتقاقهما يناسب حالهم، ويؤيد الاشتقاق من ماج بمعنى اضطرب قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (٢)، وذلك حين يخرجون من السَّد (٣). ولقد أشار ابن عجيبة إلى هذه الأقوال. قال عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٤) وقَّت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام السَّاعة بأن شارف قيامها" (٥). وقرئ بالهمز فيهما؛ لأنه من أجيج النار، أي: ضوؤها وشررها، شُبِّهوا به في كثرتهم وشدَّتهم، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية" (٦). وتعرَّض ابن عجيبة لأصلهم، ونفى أنهم من ذرية آدم فقط دون حواء فقال: "هم جيل من الترك، وما يقال: إنهم من نطفة احتلام آدم لا يصح" (٧)، وهذا

стр. 527

صواب، فهم من ذرية يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح ﵇ (١). وهم بشرٌ من ذرية آدم وحواء، ودليل ذلك: "عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ﷺ : «يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبَّيك وسعديك والخير في يديك فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى، ولكن عذاب الله شديد» قالوا: وأينُّا ذلك الواحد؟ قال: «أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف» (٢). وما قيل بأنهم من ذرية آدم لا من حواء؛ بسبب أنَّ آدم احتلم واختلط منيه بالتراب، لا دليل عليه بمن يُوثق بقوله (٣). قال ابن كثير ﵀: "وهذا قولٌ غريبٌ جدًّا، لا دليل عليه لا من عقل، ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة" (٤). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من زعم أنَّ آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولَّد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله وهو قول منكرٌ جدًّا لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب" (٥). وقد دلَّ على ظهورهم كتاب الله وسُنَّة رسول الله ﷺ .

стр. 528

قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (١). وجاء السَّياق القرآني في قصَّتهم أثناء سياقه لقصة ذي القرنين: وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٢). وقال ابن عجيبة: "ثم يبعث الله عليهم مرضًا في رقابهم، فيموتون مرَّة واحدة، ثم يرسل الله مطرًا تغسل الأرض منهم، ثم تُوضع فيها البركة، وهذا بعد خروج الدجَّال ونزول عيسى ﵇، ثم تنقرض الدُّنيا" (٣). ونزول عيسى ﵇ بعد خروج المسيح الدجَّال فيقتله الله على يديه -بباب لُدٍّ (٤) - ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه (٥). وجاء في حديث النَّواس بن سمعان -الطويل- في ذكر الدجَّال، وصفاته، وهلاكه، علي يد عيسى ﵇. فعن النواس بن سمعان ﵁ ذكر رسول الله ﷺ الدجَّال ذات غداة فخفض

стр. 529

فيه ورفع حتى ظنَّناه في طائفة النَّخل، فلمَّا رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجَّال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنَّناه في طائفة النَّخل، فقال: «غير الدجَّال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم، إنه شابٌّ قطط (١)، عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله، فاثبتوا». قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم». قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره». قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السَّماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًّا وأسبغه ضروعًا وأمدَّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (٢) ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول: لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (٣)، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسَّيف فيقطعه جزلتين (٤)

стр. 530

رمية الغرض (١)، ثم يدعوه فيقبل ويتهلَّل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (٢) واضعًا كفَّيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدَّر منه جمان كاللؤلؤ (٣) فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ (٤) فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنَّة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي لا يُدان لأحدٍ بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطُّور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كلِّ حدب ينسلون فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصر نبيُّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف (٥) في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (٦) ونتنهم فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله

стр. 531

مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (١)، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرك ورُدِّي بركتك فيومئذٍ تأكل العصابة من الرُّمَّانة ويستظلون بقحفها (٢) ويبارك في الرِّسْل (٣) حتى إنَّ اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيِّبةً فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كلَّ مؤمن وكلَّ مسلم ويبقى شرار النَّاس يتهارجون فيها تهارج الحُمُر فعليهم تقوم السَّاعة" (٤). وعن أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ عن زينب بنت جحش ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليها يومًا فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلَّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها)»، قالت زينب بنت جحش: فقلتُ: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصَّالحون؟ قال: «نعم؛ إذا كثر الخبث» (٥). وعن حذيفة بن أُسيد الغفاري ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر السَّاعة قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر

стр. 532

آيات ... ويأجوج ومأجوج» (١). ٣ - طلوع الشمس من مغربها. قال ابن عجيبة عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٢)، وهو: طلوع الشَّمس من مغربها" (٣). وتفسيره لهذه الآية حقٌّ، فهي علامة من علامات السَّاعة، وهذا مقرَّرٌ عند أهل السُّنَّة والجماعة، قال ابن جرير الطبري ﵀: "وأولى الأقوال بالصَّواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ذلك حين تطلع الشمس من مغربها" (٤). وثبت ذلك في الحديث الذي رواه أبو ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال يومًا: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «إنَّ هذه الشمس تجري حتى تنتهي تحت العرش، فتخر ساجدةً فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فتصبح طالعةً من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فتخر ساجدةً ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئتِ فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرِّها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعةً من مغربك فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله ﷺ : أتدرون متى ذاكم؟

стр. 533

ذاك ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١)» (٢). قال القرطبي ﵀: "قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسًا إيمانها عند طلوع الشَّمس من مغربها؛ لأنَّه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كلُّ شهوة من شهوات النَّفس، وتفتر كلُّ قُوَّةٍ من قُوى البدن، فيصير الناس كلهم - لإيقانهم بدنو القيامة- في حال من حضرة الموت؛ في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تُقبل توبته؛ كما لا تُقبل توبة من حضره الموت" (٣). ويقول ابن كثير ﵀: "إذا أنشأ الكافر أيمانًا يومئذ لا يُقبل منه، فأمَّا من كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلِّطًا فأحدث توبةً حينئذ لم تُقبل منه توبه" (٤). وقال ابن أبي زمنين المالكي (٥): "وأهل السُّنَّة يؤمنون بطلوع الشَّمس من مغربها" (٦).

стр. 534

٤ - خروج الدابة. قال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) وإذا وقع القول عليهم أي: وقع مصداق القول الناطق بمجيء السَّاعة، بأن قرب إتيانها، وظهرت أشراطها، فأراد بالوقوع: دنوه واقترابه، ... و ﴿وقع﴾: عبارة عن الثُّبوت واللُّزوم، وهذا بمنزلة: حقَّ عليه كلمة العذاب، أي: وإذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمَّنه القول الأزلي، وأراد أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب أخرج لهم دابةً من الأرض" (٢). وقال في موضعٍ آخر عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣) سيريكم آياته قطعًا في الدُّنيا، التي وعدكم بها، كخروج الدابَّة وسائر الأشراط" (٤). قال ابن كثير ﵀: "هذه الدابَّةُ تخرج في آخر الزَّمان عند فساد النَّاس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابةً من الأرض فتكلِّم الناس على ذلك" (٥). وقد رود ذكر خروج الدابة في السُّنَّة, فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بادروا بالأعمال ستًّا: الدجَّال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشَّمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة (٦) أحدكم».

стр. 535

وعن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة قال: «إنها لن تقوم السَّاعة حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجَّال، والدابة، وطلوع الشَّمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد النَّاس إلى محشرهم» (١). ٥ - الدخان. هو من العلامات الكبرى لأشراط الساعة، وقد ذكر ذلك ابن عجيبة عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢). يقول الحقُّ ﷻ : "فارتقب فانتظر يوم تأتي السَّماء بدخانٍ مبين، قال عليٌّ وابن عباس وابن عمر والحسن ﵃: «هو دخان يجيء قبل يوم القيامة، يصيب المؤمن منه مثل الزكام، وينضج رؤوس المنافقين والكافرين ... »، وانكر هذا ابن مسعود ﵁، وقال: «هذا الدخان قد رأته قريش حين دعا عليهم النَّبي بسبعٍ كسبع يوسف (٣) فكان الرَّجل يرى من الجوع دُخانًا بينه وبين السَّماء» (٤). ولكنه بعد ذلك ذكر تفسيرًا صوفيًّا إشاريًّا للدُّخان بقوله: يوم يبرز من سماء الغيوب بدخان الحس، وظلمة الأسباب تغشى قلوب النَّاس، فتحجبهم عن شمس العرفان (٥).

стр. 536

وهذا التفسير الإشاري لا يُقبل منه؛ لأنَّه لم يطابق شروط قبول التفسير الإشاري الذي مرَّ معنا. وابن عجيبة أصاب في رأيه الأول ولكنه لم يثبت على ذلك. وللعلماء في هذه المسألة قولان: الأول: أنه هو الذي أصاب قريش من شِدِّة الجوع، وهذا القول ذهب إليه ابن مسعود، وجماعة من السَّلف ﵃ (١). ورجَّح هذا القول الطبري فقال: "وإنما قلتُ: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية؛ لأنَّ الله جلَّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأنَّ قوله لنبيِّه ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢) في سياق خطاب الله كفَّار قريش وتقريعه إيَّاهم بشركهم بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (٣)، ثم أتبع ذلك قوله لنبيِّه ﵊: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٤) أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه من أن يكون أخَّره عنهم لغيرهم. والقول الثاني: أن هذه العلامة من أشراط الساعة المنتظرة، وممن ذهب لهذا القول ابن عباس، وبعض الصحابة ﵃ والتابعين، روى ابن جرير الطبري عن عبد

стр. 537

الله بن أبي مليكة (١) قال: «غدوتُ على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت» (٢). قال ابن كثير ﵀: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى ابن عباس حبر الأُمَّة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة ﵃ والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما ... مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أنَّ الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٣) أي: بيِّن واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسَّر به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شِدَّة الجوع والجهد، وهكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) أي: يتغشَّاهم ويعمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصُّ أهل مكة المشركين، لما قيل فيه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ (٥). وقال ابن جرير ﵀:"وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفَّار الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدهم، ويكون محلًا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأنَّ الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأنَّ ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عن عبد الله بن مسعود

стр. 538

- ﵁، فكلا الخبرين اللَّذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح" (١). وبهذا يتضح صحة ما ذهب إليه ابن عجيبة من ذِكْرِه لعلامات السَّاعة الكبرى، وسأذكر بعض نقول الأئمة في معتقداتهم التي يؤكدون على وجوب الإيمان بها. قال ابن منده (٢): "ذكر وجوب الإيمان بالآيات العشر التي أخبر بها رسول الله ﷺ التي تكون قبل قيام الساعة ... ودابة الأرض ... " (٣). وقال الطحاوي ﵀: "ونؤمن بأشراط السَّاعة من خروج الدجَّال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السَّماء، ونؤمن بطلوع الشَّمس من مغربها، وخروج دابة من الأرض من موضعها" (٤). وقال ابن قدامة ﵀: "ويجب الإيمان بكلِّ ما أخبر به النبي ﷺ وصحَّ به النَّقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنَّا، نعلم أنه حقٌّ، وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه ... ومن ذلك أشراط السَّاعة، مثل خروج الدجَّال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشَّمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل" (٥).

стр. 539

المبحث الثاني: أحوال اليوم الآخِر أولًا: تعريف اليوم الآخر اليوم مفرد أيَّام، مقداره من طلوع الشَّمس إلى غروبها، أو من طلوع الفجر الصَّادق إلى غروب الشَّمس، أو انتشار ضوء البصر وافتراقه، وقد يُراد به الوقت والحين نهارًا كان أو ليلًا (١)، قال ابن فارس: "الياء والواو والميم كلمةٌ واحدة، وهي اليومُ الواحدُ من الأيام" (٢). والآخِرُ: نقيضُ المتقدِّم, قال ابن فارس: "الهمزة والخاء والراء أصلٌ واحدٌ صحيحٌ إليه ترجع فروعه وهو خلافُ التقدُّم" (٣). ويراد باليوم الآخر يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء، وإنما سُمِّى يومُ القيامة (اليومَ الآخر)؛ لأنه آخر يوم، لا يومَ بعده سواه (٤). قال الطبري ﵀: "فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء، ولا زوال؟ قيل: إنَّ اليوم عند العرب إنما سمي يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدَّم النَّهار ليل لم يسمَّ يومًا، فيوم القيامة يوم لا ليل بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام، ولذلك سماه الله جل ثناؤه

стр. 540

(اليوم الآخر)، ونعته بالعقيم، ووصفه بأنه يوم عقيم؛ لأنَّه لا ليل بعده" (١). والإيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإيمان وبه يطمئنُّ القلب إلى خبر الله . قال ابن القيم ﵀: "فهذه الطمأنينة أصل أصول الإيمان التي قام عليه بناؤه، ثم يطمئنُّ إلى خبره عمَّا بعد الموت من أمور البرزخ وما بعدها من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كلَّه عيانًا، وهذا حقيقة اليقين الذي وصف به أهل الإيمان حيث قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٢)، فلا يحصل الإيمان بالآخرة حتى يطمئنَّ القلب إلى ما أخبر الله سبحانه به عنها طمأنينته إلى الأمور التي لا يشكُّ فيها ولا يرتاب، فهذا هو المؤمن حقًّا باليوم الآخر" (٣). ثانيًا: معنى الإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بكل ما أخبر به الله في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ في سُنَّته، ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط السَّاعة وأماراتها التي تكون قبلها لا محالة، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه، ونعيمه، وبالنَّفخ في الصور، وخروج الخلائق من القبور، وما في موقف القيامة من الأهوال والأفزاع، وتفاصيل المحشر نشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط والحوض، والشفاعة وغيرها، وبالجنَّة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله ، وبالنَّار وعذابها الذي أشدُّه حجبهم عن ربهم (٤).

стр. 541

ثالثًا: فتنة القبر قال ابن عجيبة في تفسيره لقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١): "يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وهو لا إله إلا الله، أو كل ما يثبت في القلب، ويتمكن فيه من الحق، بالحُجَّة الواضحة في الحياة الدنيا مدة حياتهم، فلا يزلون إذا افتتنوا في حياتهم، أو عند موتهم، وهي حسن الخاتمة، وفي الآخرة عند السؤال، فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في القبر، وعند الموقف، فلا تدهشهم أهوال القيامة" (٢). وذكر اسم الملكين اللذين يسألان الميت فقال: وفي الخبر «إذا وضع العبد في القبر، أتاه منكر ونكير، أسودان أزرقان ... » (٣). وهذا ثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة وأقوال سلف الأُمَّة بأنَّ الميت يفتن في قبره ويسأله منكر ونكير. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤). وقد فسَّرها النبي ﷺ بفتنة القبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سُئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ

стр. 542

الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١)»، (٢). وأمَّا الأحاديث في إثبات فتنة القبر فمتواترة كما قال ابن القيم (٣)، وأورد السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور منها من رواية ستة وعشرين من الصحابة ﵃ ومنها: ١ - عن أسماء ﵂: «وإنه قد أوحي إليَّ أنَّكم تُفتنون في القبور مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجَّال» (٤). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قُبر الميت، أو قال: أحدكم، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنوَّر له فيه، ثم يقال له، نَم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَم كنومة العروس (٥) الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه (٦)، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعتُ الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال

стр. 543

للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها مُعذَّبَّا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (١). ٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «العبد إذا وضع في قبره وتُوُلِّيَ وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرَّجل محمَّد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النَّار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنَّة، قال النبي ﷺ : فيراهما جميعًا، وأمَّا الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربةً بين أذنيه فيصيح صيحةً يسمعها من يليه إلَّا الثقلين" (٢). ٤ - وعن عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ كان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر» (٣). وتسمية ابن عجيبة للملكين بمنكر ونكير موافقٌ لما قرَّره أهل العلم المحققون، قال أبو بكر الإسماعيلي: "ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ مع قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤) "، (٥).

стр. 544

وقرَّر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن بملك الموت الموكَّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربِّه ودينه ونبيِّه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة ﵃، والقبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حفر النيران" (١). وقال أبو عمر الداني: (فصل في القبر وفتنته): "ومن قولهم: إنَّ المؤمنين والكافرين يحيون في قبورهم، ويُفتنون ويسألون، وإنَّ فتَّاني القبر أسودان أزرقان وهما منكر ونكير، يسألان المؤمن والكافر كما صحَّ الخبر وثبت النَّقل بذلك عن رسول الله ﷺ ؛ وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢)، وأنَّ أرواح المؤمنين منعَّمة إلى يوم الدين، وأنَّ أرواح الكافرين في العذاب الأليم" (٣). وهذه الأخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى الله أن يثبِّتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (٤). رابعًا: النَّفخ في الصور والصعق بيَّن ابن عجيبة أنَّ النافخ في الصُّور هو إسرافيل ﵇ صاحب القرن (٥)، الذي ذكر في قول الله : ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٦)، "وهو القرن الذي ينفخ فيه

стр. 545

إسرافيل ﵇ (١). ولقد ورد تسمية الصور بالقرن، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: ما الصُّورُ؟ قال: «قرْنٌ يُنفَخ فيه» (٢). والصُّور كهيئة البوق (٣)، وقد يقول قائل: إنَّ تشبيه الصُّور بالبوق تشبيه قبيح؛ لأنَّ البوق من آلات المعازف، ويجاب عليه بأنَّه "لا يلزم من كون الشيء مذمومًا أن لا يشبه به الممدوح فقد وقع تشبيه صوت الوحي بصلصلة الجرس مع النهي عن استصحاب الجرس كما تقدم تقريره في بدء الوحي، والصُّور إنما هو قرن كما جاء في الأحاديث المرفوعة" (٤). وجاءت تسميته بصاحب القرن، فعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ» (٥). وقد أجمع العلماء على أنَّ الذي ينفخ في الصُّور هو إسرافيل، قال القرطبي ﵀: "قال علماؤنا: والأمم مجمعون على أنَّ الذي ينفخ في الصُّور إسرافيل ﵇ " (٦).

стр. 546

وقال ابن عجيبة عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (١) أي: نفخ في الصور ... واختُلف في أنَّ المراد به يوم النفخة الأولى أو الثانية، والحقُّ أنها الثانية؛ إذ هي التي يختص عسرها بالكافرين، وأمَّا النفخة الأولى فحكمها -الذي هو الإصعاق- يعمُّ البر والفاجر، على أنها مختصة بمن كان حيًّا عند وقوعها، وقد جاء في الأخبار: أنَّ في الصور ثقبًا بعدد الأرواح، وأنها تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية، فتخرج عند النفخ من كلِّ ثقبة روح، فترجع إلى الجسد الذي نزعت منه، فيعود الجسد كما كان حيًّا" (٢). ومال ابن عجيبة في عدد النفخات إلى قول القرطبي، وظاهره أنَّ النفخ مرتان فقط، واعتمده القرطبي وغيره (٣). وقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنها ثلاث نفخات، وذهب إليه جماعة من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن العربي المالكي (٤). قالوا: إنَّ هذه النفخات نفخة فزع، ونفخة صعق، ونفخة بعث. نفخة الفزع: قال الله : ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٥).

стр. 547

والنفخة الثانية نفخة الصعق، قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١). والنفخة الثالثة: نفخة البعث، قال الله : ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٢) (٣). القول الثاني: أنهما نفختان، وذهب إليه طائفة من أهل العلم، كالقرطبي، وابن حجر، والشوكاني، ﵏ (٤). واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٧). والذي يظهر أنهما نفختان فقط؛ لثبوت الاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ في كلٍّ من الآيتين، ولا يلزم من مغايرة الصعق للفزع أن لا يحصلا معًا من النفخة الأولى (٨).

стр. 548

ولم يجزم ابن عجيبة بالمستثنى من الصعق في قول الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١)، فقال: إن قلنا: المراد بها النفخة الثانية، فالمستثنى هم من سبقت لهم الحسنى، بدليل قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ (٢)، وإن قلنا: هي نفخة الصعق، فالمستثنى قيل: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وقيل: الحور وحملة العرش، وإن قلنا: المراد نفخة الفزع في الدنيا، فالمستثنى أرواح الأنبياء والأولياء والشهداء والملائكة (٣). واستضعف بعض أهل النظر أكثر هذه الأقوال؛ لأنَّ الاستثناء وقع من سكان السَّماوات والأرض وهؤلاء ليسوا من سكانها؛ لأنَّ العرش فوق السماوات فحملته ليسوا من سكانها وجبريل وميكائيل من الصافِّين حول العرش ... ويدل على أنَّ المستثنى غير الملائكة ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وصححه الحاكم من حديث لقيط بن عامر مطولًا وفيه: «يلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة (٤) فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من أحد إلا مات حتى الملائكة الذين مع ربك ... » (٥). ورجَّح الطبري والقرطبي وابن كثير والحليمي أنَّ المستثنى في الآية هم الشهداء (٦).

стр. 549

وذكر ابن عجيبة أنَّ مقدار ما بين النفختين أربعون سنة (١)، والصحيح أنه لم يرد في ذلك نصٌّ ثابتٌ بتقديرها، بل الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ يدلُّ على عدم علمه بها، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: بين (ما بين) النفختين أربعون قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا قال: أبَيْتُ، قال: أربعون سنة قال: أبَيْتُ، قال: أربعون شهرًا قال: أبَيْتُ ... " (٢). فقول أبي هريرة لما قيل له أربعون سنة: (أبَيْتُ) بالموحَّدة ومعناه: امتنعت من تبيينه؛ لأنِّي لا أعلمه فلا أخوض فيه بالرأي (٣)، وذكر ابن حجر ﵀ عدم صحَّة النصوص التي ورد فيها تحديد مقدار ما بين النفختين، فقال: "وقد جاء أن بين النفختين أربعين عامًا قلتُ: وقع كذلك في طريق ضعيف عن أبي هريرة في تفسير بن مردويه، وأخرج بن المبارك في الرقائق من مرسل الحسن (بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت)، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس وهو ضعيف أيضًا، وعنده أيضًا ما يدلُّ على أنَّ أبا هريرة لم يكن عنده علم بالتعيين فأخرج عنه بسندٍ جيد أنه لما قالوا: أربعون ماذا؟ قال هكذا سمعت" (٤). خامسًا: الحشر وأهل الموقف بيَّن ابن عجيبة الحشر وأهواله في كثيرٍ من الآيات، فقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٥): "و (حشرناهم):

стр. 550

عطف على (نُسيِّر) للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون" (١). وقال في تفسيره لآية أخرى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (٢): "لنجمعنَّهم بالسوق إلى المحشر بعد ما أخرجتهم من الأرض" (٣). وفسَّر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤): "وذلك يوم الحشر والناس في الموقف" (٥). وتختلف أحوال الناس في الموقف فبعضهم يكون عليه مقدار خمسين ألف سنة، وهو على الكفَّار قدر خمسين ألف سنة لهوله (٦)، أمَّا المؤمن فإنه يهون مقدار صلاة مكتوبة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، قلتُ: يا رسول الله، ما أطول هذا اليوم؟ فقال ﷺ : «والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصلِّيها في الدنيا» (٧).

стр. 551

وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة يهون ذلك على المؤمنين كتدلِّي الشَّمس للغروب إلى أن تغرب» (١). وأحوالهم متفاوتة على قدر أعمالهم فعن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، «حتى يغيب أحدهم في رشحه (٣) إلى أنصاف أذنيه» (٤). أمَّا الكافر فيحشر على وجهه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٥). وذكر ابن عجيبة حديث أنس ﵁ أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ : كيف يحشر الكافر على وجهه؟ فقال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (٦) (٧). ويحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا، وصمًّا، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (٨). ويرى ابن عجيبة أنهم حال كونهم عميًا وبكمًا وصمًّا لا يبصرون ما يقر

стр. 552

أعينهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، لما كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر، ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه، ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار، مَؤُوفي (١) القوى والحواس, وأن يحشروا كذلك، ثم تعاد إليهم قواهم وحواسهم، فإن إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما لا ريب فيه (٢). وهذه الآية الكريمة يدلُّ ظاهرها على أنَّ الكفَّار يبعثون يوم القيامة عميًا وبكمًا وصمًّا. وقد جاءت آياتٌ أُخر تدلُّ على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (٣)، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (٤). والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ هذا يكون في مبدأ الأمر ثم يَرُدُّ الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.

стр. 553

الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئًا يسرُّهم، ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه، فنزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به. الوجه الثالث: أنَّ الله إذا قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (١) وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدَّة الكرب واليأس من الفرج، قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢) وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدَّرة (٣). والراجح أنهم في أول الحشر يكونون عميًا، وصمًّا، وبكمًا، ثم ترد إليهم حواسهم (٤). وذكر ابن عجيبة أنَّ الأمم كلهم يحشرون حتى البهائم، والدواب, والطير، وهذا صواب، وهو الذي جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٥)، (٦). قال السعدي ﵀: "أي جميع الحيوانات، الأرضية والهوائية، من البهائم والوحوش والطيور، كلها أمم أمثالكم خلقناها، كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا، كما كانت نافذة فيكم، وما أهملنا ولا أغفلنا

стр. 554

في اللوح المحفوظ شيئًا من الأشياء، بل جميع الأشياء، صغيرها وكبيرها، مثبتة في اللَّوح المحفوظ، على ما هي عليه، فتقع جميع الحوادث طبق ما جرى به القلم. وفي هذه الآية دليلٌّ على أنَّ الكتاب الأول قد حوى جميع الكائنات، وهذا أحد مراتب القضاء والقدر، فإنها أربع مراتب: علم الله الشامل لجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الموجودات، ومشيئته وقدرته النافذة العامة لكل شيء، وخلقه لجميع المخلوقات، حتى أفعال العباد. ويحتمل أن المراد بالكتاب هذا القرآن، وجميع الأمم تحشر وتجمع إلى الله في موقف القيامة، في ذلك الموقف العظيم الهائل، فيجازيهم بعدله وإحسانه، ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، أهل السماء وأهل الأرض" (١). سادسًا: الميزان والحساب المِيْزَانُ في اللغة: مذكَّر, وأصله من الواو وجمعه (مَوَازِينُ) (٢). قال ابن فارس: "الواو والزاي والنون بناءٌ يدلُّ على تعديلٍ واستقامة، وزنت الشيءَ وزنًا، والزَّنة: قدرُ وزن الشَّيء" (٣). والميزان: هو الآلة التي يوزن بها الأشياء أو ما تقدَّر بها الأشياء خِفَّةً وثقلًا (٤). وقد أشار ابن عجيبة إلى هذا التعريف فقال: "وهو جمع ميزان، وهو ما يوزن به الشَّيء ليُعرف كميته، وإنما جمع الموازين لتعظيم شأنها" (٥).

стр. 555

وفي الشَّرع: "ما توزن فيه الأعمال يوم القيامة، وهو ميزانٌ حقيقيٌّ له لسان وكفَّتان ولا يعلم قدره إلا الله" (١). رأي ابن عجيبة في إثبات الميزان. يُثبت ابن عجيبة الميزان، كما في قول الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وأمَّا رأيه في الوزن هل هو للأعمال أم الصحائف، فيرى أنه لصحائف الأعمال، يقول: " ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: وزن الأعمال، على نعت الحق والعدل، حاصلٌ يوم القيامة، حين يُسأل الرَّسل والمُرسل إليهم، والجمهور على أنَّ صحائف الأعمال تُوزن بميزان له لسان وكفَّتان، ينظر إليه الخلائق؛ إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم، ويؤيده ما رُوِي: «أنَّ الرَّجل يُؤتى به إلى الميزان، فيُنشَر عليه تسعَةٌ وتِسعُونَ سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مدّ البصر، فتخرج له بطاقة فيها كلمة الشهادة، فتوضع السجلات في كفَّة، والبطاقة في كفَّة، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلَّات» (٣) , وقيل: توزن الأشخاص؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال: «إنَّه ليأتي العظيم السَّمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة» (٤)، والتحقيق: أنَّ المراد به الإهانة والتصغير، وأنه لا

стр. 556

يساوي عند الله شيئًا؛ لاتباعه الهوى. ثم فصل في الأعمال فقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: حسناته، أو الميزان الذي يوزن به حسناته، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن، فعلى الأول هو جمع موزون، وعلى الثاني جمع ميزان، فمن رجحت حسناته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ " (١). ورَأْيُ ابن عجيبة موافقٌ لأقوال أهل العلم، قال البقاعي (٢): " ﴿وَالْوَزْنُ﴾ بميزانٍ حقيقيٍّ لصحف الأعمال أو للأعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف الله في القلوب العلم به" (٣). وقال ابن حجر ﵀: "وأجمع أهل السُّنَّة على الإيمان بالميزان، وأنَّ أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأنَّ الميزان له لسانٌ وكفَّتان، ويميل بالأعمال" (٤). وقال أبو حاتم (٥) وأبو زرعة (٦): "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا

стр. 557

وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم ... أنَّ الميزان حق، له كفَّتان، توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها" (١). ومسألة وزن الأعمال أو الصحائف مسألة خلافية بين أهل العلم: فمنهم من قال: إنَّ الذي يوزن صحائف الأعمال، وهذا القول وصف بالمشهور, ونسب إلى جمهور المفسِّرين، واختاره القرطبي (٢)، وابن الجوزي (٣)، وابن عطيَّة (٤)، والشوكاني (٥)، واستدلُّوا بحديث البطاقة المشهور (٦). ومنهم من قال: إنَّ الذي يوزن الأعمال نفسها، وهذا ظاهر تبويب البخاري (٧)، وصحَّحه ابن حجر (٨)، وهو مفهوم كلام ابن تيمية (٩)، وابن رجب (١٠)، ﵏. واستدلوا بأحاديث منها: قول النبي ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرَّحمن، خفيفتان على اللِّسان، ثقيلان في الميزان ... » (١١).

стр. 558

وقول النبي ﷺ : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان ... » (١). ومنهم من قال: إنَّ الذي يوزن العامل نفسه، نقله البغوي (٢)، وابن الجوزي (٣)، وابن كثير (٤)، واستدلُّوا بالحديث الذي ذُكر فيه مناقب ابن مسعود ﵁ عند ما صعد على الشجرة ليجتني للصحابة ﵃ فهبت الرِّيح وكشفت عن ساقيه فضحكوا فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أُحُد» (٥). وقيل: إنَّ العامل يوزن مع عمله وصحيفته (٦)، وهذا الذي يظهر قال ابن كثير ﵀: "وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارةً توزن الأعمال، وتارةً توزن محلها، وتارة يوزن فاعلها" (٧)، والله أعلم. سابعًا: الصراط الصِّراطُ في اللغة: الطريق، وجسرٌ ممدودٌ على متن جهنَّم، منعوت في الحديث الصحيح، والسِّراطُ بالسِّين لغةٌ فيه (٨). وفي الشَّرع: "جسمٌ ممدودٌ على ظهر جهنَّم يرده الأوَّلون والآخرون حتى الكُفَّار والأنبياء والصدِّيقون ومن يدخل الجنَّة بغير حساب" (٩).

стр. 559

رأي ابن عجيبة في الصراط: ذكر ابن عجيبة أنَّ الصراط هو: الجسرُ المنصوبُ على متن جهنَّم، والناس يتباينون في المرور عليه بقدر أعمالهم, فمنهم من يمر عليه كالفرس والجواد، ومنهم كالريح العاصف، وهو أرقُّ من الشَّعرة، وأحدُّ من السَّيف (١)، وذكر المقصود من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٢) أنَّ الناس يمرون على الصراط والنار من تحت أقدامهم (٣). وبهذا يؤيد القول بأنَّ المرور على الصِّراط ليس المقصود منه الدخول، فعن أم مبشّر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد, الذين بايعوا تحتها» قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها، فقالت حفصة ﵂: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النَّبيُّ ﷺ قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٤)، (٥). قال ابن أبي العز ﵀: واختلف المفسِّرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٦)، ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٧)، أشار ﷺ إلى أنَّ ورود النار

стр. 560

لا يستلزم دخولها، وأنَّ النَّجاة من الشرِّ لا تستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكَّنوا منه، يقال: نجَّاه الله منهم ... كذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجِّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيَّا, فقد بيَّن ﷺ في الحديث المذكور: أنَّ الورود هو الورود على الصِّراط (١). وقال ابن تيمية ﵀: "وفسَّر النَّبيُّ ﷺ الورود بهذا، وهذا عامٌّ لجميع الخلق" (٢). ثامنًا: حقيقة الروح وعلاقتها بوحدة الوجود عند ابن عجيبة: قال ابن عجيبة: "وحقيقة الإنسان هي: روحانية، وهي لطيفة نورانية جبروتية، ثم احتجبت ببشرية كثيفة ناسوتيه" (٣)، وقال في موضعٍ آخر: " وكون الأرواح حادثة يجري على مذهب أهل الفرق، وأمَّا أهل الجمع فلا حادث عندهم لفناء الكائنات عن نظرهم ... وسألتُ بعض إخواننا العارفين: هل الأرواح حادثة أو قديمة؟ فقال: الرجال الأشباح عندهم قديمة، ويشير إلى مقام الفناء كما تقدَّم لكنه سرٌّ مكتوم" (٤). ويقول أيضًا: "وسمو الأرواح أسرارًا؛ لأنَّها لما اتصفت رجعت لأصلها وهي قطعة من السِّر الجبروتي القديم، فإذا استولت على الأشباح رجع الجميع قديمًا" (٥). وهذه الأقوال فاسدةٌ باتفاق أهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّ الكلام على الروح قد قُيِّد بقيود ثقال من الوحيين "ولا يجوز لأحدٍ أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يقول

стр. 561

على الله ما لا يعلم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وليس في الكتاب والسُّنَّة أنَّ المسلمين نهوا أن يتكلَّموا في الروح بما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة لا في ذاتها ولا في صفاتها, وأمَّا الكلام بغير علم فذلك محرَّمٌ في كلِّ شيء" (٣). قال ابن تيمية ﵀: "ومذهب الصَّحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأُمَّة وأئمة السُّنَّة أنَّ الروح عينٌ قائمةٌ بنفسها تفارق البدن وتُنعَّم وتُعذَّب ليست هي البدن، ولا جزءًا من أجزائه كالنَّفس المذكور، ولما كان الإمام أحمد ﵀ ممَّن نصَّ على ذلك كما نص عليه غيره من الأئمة لم يختلف أصحابه في ذلك ... " (٤). وقال في موضعٍ آخر: "والصَّواب أنها ليست مركَّبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيِّزات المشهودة المعهودة، وأمَّا الإشارة إليها فإنه يُشار إليها، وتصعد، وتنزل، وتخرج من البدن، وتُسَلُّ منه، كما جاءت بذلك النصوص ودَلَّت عليه الشواهد العقلية، وأمَّا قول القائل أين مسكنها من الجسد؟ فلا اختصاص للروح بشيءٍ من الجسد بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإنَّ الحياة مشروطة بالروح فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح فارقته الحياة" (٥).

стр. 562

وبيَّن ابن القيم حقيقة الروح فقال: "إنَّه جسمٌ مخالفٌ بالماهية لهذا الجسم المحسوس, وهو جسمٌ نورانيٌّ، علويٌّ، خفيفٌ، حيٌّ، متحرِّك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدُّهن في الزيتون، والنَّار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللَّطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحسِّ والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة هو الذي لا يصح غيره وكل الأقوال سواه باطلة وعليه دلَّ الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة" (١). وذكر ابن تيمية ﵀ أصناف القائلين بقدم الروح فقال: "واعلم أنَّ القائلين بقدم الروح صنفان: صنفٌ من الصابئة (٢) الفلاسفة يقولون: هي قديمة أزلية لكن ليست من ذات الرب، كما يقولون ذلك في العقول، والنفوس الفلكية، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة. وصنفٌ من زنادقة هذه الأُمَّة وضُلَّالها -من المتصوفة والمتكلِّمة والمحدثة- يزعمون أنها من ذات الله, وهؤلاء أشرُّ قولًا من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت، وهو روحه، ونصف ناسوت، وهو جسده نصفه رب ونصفه عبد، وقد كفَّر الله النصارى بنحو من هذا القول في المسيح فكيف بمن يعم

стр. 563

ذلك في كلِّ أحد؟ حتى في فرعون: وهامان وقارون" (١). وقال في موضعٍ آخر: "من قال إنَّ أرواح بني آدم قديمة غير مخلوقة فهو من أعظم أهل البدع الحلولية الذين يجر قولهم إلى التعطيل، بجعل العبد هو الرب، وغير ذلك من البدع الكاذبة المضلة" (٢). وذكر في موضعٍ آخر أيضًا الأدلة على أنَّ الروح مخلوقة فقال: "وكل ما دلَّ على أنَّ الإنسان عبدٌ مخلوقٌ مربوب، وأنَّ الله ربه وخالقه ومالكه وإلهه فهو يدلُّ على أنَّ روحه مخلوقة، فإنَّ الإنسان عبارة عن البدن والروح معًا بل هو بالروح أخصُّ منه بالبدن وإنما البدن مطيَّة للرُّوح" (٣). وذكر تلميذه ابن القيم اثني عشر وجهًا تدلُّ على أنَّ الروح مخلوقة، فقال: "فصلٌ، والذي يدلُّ على خلقها وجوه منها: الوجه الأول: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٤)، فهذا اللَّفظُ عامٌّ لا تخصيص فيه بوجهٍ ما، ولا يدخل في ذلك صفاته فإنها داخلة في مُسمَّى اسمه، فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وسائر صفاته داخل في مُسمَّى اسمه ليس داخلًا في الأشياء المخلوقة كما لم تدخل ذاته فيها، فهو سبحانه وصفاته الخالق وما سواه مخلوق، ومعلومٌ قطعًا أنَّ الروح ليست هي الله ولا صفة من صفاته وإنما هي مصنوعٌ من مصنوعاته فوقوع الخلق عليها كوقوعه على الملائكة والجنِّ والإنس.

стр. 564

الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (١) وهذا الخطاب لروحه وبدنه ليس لبدنه فقط؛ فإنَّ البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح. الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (٣)، وهذا الإخبار إنما يتناول أرواحنا وأجسادنا كما يقوله الجمهور، وأمَّا أن يكون واقعًا على الأرواح قبل خلق الأجساد كما يقوله من يزعم ذلك وعلى التقدير فهو صريحٌ في خلق الأرواح. الوجه الخامس: النصوص الدالة على أنه سبحانه ربنا ورب آبائنا الأولين ورب كل شيء، وهذه الربوبية شاملة لأرواحنا وأبداننا، فالأرواح مربوبة له مملوكة كما أنَّ الأجسام كذلك، وكل مربوب مملوك فهو مخلوق. الوجه السادس: أول سورة في القرآن وهي الفاتحة، تدلُّ على أنَّ الأرواح مخلوقة من عدة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) والأرواح من جملة العالم فهو ربها. الثاني: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) فالأرواح عابدة له

стр. 565

مستعينة، ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودةً مستعانًا بها. الثالث: أنها فقيرة إلى هداية فاطرها وربها تسأله أن يهديها صراطه المستقيم. الرابع: أنها منعم عليها مرحومة ومغضوب عليها وضالة شقية، وهذا شأن المربوب والمملوك لا شأن القديم غير المخلوق" (١). تاسعًا: علاقتها بوحدة الوجود زعم ابن عجيبة أنَّ الروح جزءٌ من ذات الله، ولكن انفصلت عنه، وحُبست في البدن فحنَّت لنصفها اللاهوتي فتجلَّى الله لها -تعالى الله عمَّا يقول- فالروح عبارة عن محلِّ التجليات الإلهية وكشف الأنوار الملكوتية، والسر: عبارة عن محل التجليات الإلهية، وكشف الأنوار الملكوتية للخواص، والسر لخواص الخواص (٢). ووصول الروح إلى مرتبة السر الفانية في شهود ذات الله غاية كبرى -عنده- موصلة إلى عقيدة وحدة الوجود، فلذلك قال: "وأمَّا السرُّ فهو الأمر الخفي الذي لا يُدرك، فلذلك قالوا في الخمرة الأزلية والمعاني القديمة أسرار، وسمَّوا الأرواح بعد التصفية أسرارًا؛ لأنها لما تصفَّت رجعت لأصلها، وهي قطعةٌ من السر الجبروتي القديم، فإذا استولت على الأشباح رجع الجميع قديمًا" (٣). وهذه التصفية للروح تكون عن طريق شيخ التربية (٤) -كما يزعم- الذي أرجعها إلى أصلها حتى يصل إلى الغيبة عن الخلق بشهود الملك الحق (٥) "ثم تكون
следующие страницы →