على الله ما لا يعلم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وليس في الكتاب والسُّنَّة أنَّ المسلمين نهوا أن يتكلَّموا في الروح بما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة لا في ذاتها ولا في صفاتها, وأمَّا الكلام بغير علم فذلك محرَّمٌ في كلِّ شيء" (٣).
قال ابن تيمية ﵀: "ومذهب الصَّحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأُمَّة وأئمة السُّنَّة أنَّ الروح عينٌ قائمةٌ بنفسها تفارق البدن وتُنعَّم وتُعذَّب ليست هي البدن، ولا جزءًا من أجزائه كالنَّفس المذكور، ولما كان الإمام أحمد ﵀ ممَّن نصَّ على ذلك كما نص عليه غيره من الأئمة لم يختلف أصحابه في ذلك ... " (٤).
وقال في موضعٍ آخر: "والصَّواب أنها ليست مركَّبة من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، وليست من جنس الأجسام المتحيِّزات المشهودة المعهودة، وأمَّا الإشارة إليها فإنه يُشار إليها، وتصعد، وتنزل، وتخرج من البدن، وتُسَلُّ منه، كما جاءت بذلك النصوص ودَلَّت عليه الشواهد العقلية، وأمَّا قول القائل أين مسكنها من الجسد؟ فلا اختصاص للروح بشيءٍ من الجسد بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإنَّ الحياة مشروطة بالروح فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح فارقته الحياة" (٥).
стр. 562
وبيَّن ابن القيم حقيقة الروح فقال: "إنَّه جسمٌ مخالفٌ بالماهية لهذا الجسم المحسوس, وهو جسمٌ نورانيٌّ، علويٌّ، خفيفٌ، حيٌّ، متحرِّك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدُّهن في الزيتون، والنَّار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللَّطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحسِّ والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة هو الذي لا يصح غيره وكل الأقوال سواه باطلة وعليه دلَّ الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة" (١).
وذكر ابن تيمية ﵀ أصناف القائلين بقدم الروح فقال: "واعلم أنَّ القائلين بقدم الروح صنفان:
صنفٌ من الصابئة (٢) الفلاسفة يقولون: هي قديمة أزلية لكن ليست من ذات الرب، كما يقولون ذلك في العقول، والنفوس الفلكية، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة.
وصنفٌ من زنادقة هذه الأُمَّة وضُلَّالها -من المتصوفة والمتكلِّمة والمحدثة- يزعمون أنها من ذات الله, وهؤلاء أشرُّ قولًا من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت، وهو روحه، ونصف ناسوت، وهو جسده نصفه رب ونصفه عبد، وقد كفَّر الله النصارى بنحو من هذا القول في المسيح فكيف بمن يعم
стр. 563
ذلك في كلِّ أحد؟ حتى في فرعون: وهامان وقارون" (١).
وقال في موضعٍ آخر: "من قال إنَّ أرواح بني آدم قديمة غير مخلوقة فهو من أعظم أهل البدع الحلولية الذين يجر قولهم إلى التعطيل، بجعل العبد هو الرب، وغير ذلك من البدع الكاذبة المضلة" (٢).
وذكر في موضعٍ آخر أيضًا الأدلة على أنَّ الروح مخلوقة فقال: "وكل ما دلَّ على أنَّ الإنسان عبدٌ مخلوقٌ مربوب، وأنَّ الله ربه وخالقه ومالكه وإلهه فهو يدلُّ على أنَّ روحه مخلوقة، فإنَّ الإنسان عبارة عن البدن والروح معًا بل هو بالروح أخصُّ منه بالبدن وإنما البدن مطيَّة للرُّوح" (٣).
وذكر تلميذه ابن القيم اثني عشر وجهًا تدلُّ على أنَّ الروح مخلوقة، فقال: "فصلٌ، والذي يدلُّ على خلقها وجوه منها:
الوجه الأول: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٤)، فهذا اللَّفظُ عامٌّ لا تخصيص فيه بوجهٍ ما، ولا يدخل في ذلك صفاته فإنها داخلة في مُسمَّى اسمه، فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وسائر صفاته داخل في مُسمَّى اسمه ليس داخلًا في الأشياء المخلوقة كما لم تدخل ذاته فيها، فهو سبحانه وصفاته الخالق وما سواه مخلوق، ومعلومٌ قطعًا أنَّ الروح ليست هي الله ولا صفة من صفاته وإنما هي مصنوعٌ من مصنوعاته فوقوع الخلق عليها كوقوعه على الملائكة والجنِّ والإنس.
стр. 564
الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (١) وهذا الخطاب لروحه وبدنه ليس لبدنه فقط؛ فإنَّ البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح.
الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (٣)، وهذا الإخبار إنما يتناول أرواحنا وأجسادنا كما يقوله الجمهور، وأمَّا أن يكون واقعًا على الأرواح قبل خلق الأجساد كما يقوله من يزعم ذلك وعلى التقدير فهو صريحٌ في خلق الأرواح.
الوجه الخامس: النصوص الدالة على أنه سبحانه ربنا ورب آبائنا الأولين ورب كل شيء، وهذه الربوبية شاملة لأرواحنا وأبداننا، فالأرواح مربوبة له مملوكة كما أنَّ الأجسام كذلك، وكل مربوب مملوك فهو مخلوق.
الوجه السادس: أول سورة في القرآن وهي الفاتحة، تدلُّ على أنَّ الأرواح مخلوقة من عدة أوجه:
أحدها: قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) والأرواح من جملة العالم فهو ربها.
الثاني: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) فالأرواح عابدة له
стр. 565
مستعينة، ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودةً مستعانًا بها.
الثالث: أنها فقيرة إلى هداية فاطرها وربها تسأله أن يهديها صراطه المستقيم.
الرابع: أنها منعم عليها مرحومة ومغضوب عليها وضالة شقية، وهذا شأن المربوب والمملوك لا شأن القديم غير المخلوق" (١).
تاسعًا: علاقتها بوحدة الوجود
زعم ابن عجيبة أنَّ الروح جزءٌ من ذات الله، ولكن انفصلت عنه، وحُبست في البدن فحنَّت لنصفها اللاهوتي فتجلَّى الله لها -تعالى الله عمَّا يقول- فالروح عبارة عن محلِّ التجليات الإلهية وكشف الأنوار الملكوتية، والسر: عبارة عن محل التجليات الإلهية، وكشف الأنوار الملكوتية للخواص، والسر لخواص الخواص (٢).
ووصول الروح إلى مرتبة السر الفانية في شهود ذات الله غاية كبرى -عنده- موصلة إلى عقيدة وحدة الوجود، فلذلك قال: "وأمَّا السرُّ فهو الأمر الخفي الذي لا يُدرك، فلذلك قالوا في الخمرة الأزلية والمعاني القديمة أسرار، وسمَّوا الأرواح بعد التصفية أسرارًا؛ لأنها لما تصفَّت رجعت لأصلها، وهي قطعةٌ من السر الجبروتي القديم، فإذا استولت على الأشباح رجع الجميع قديمًا" (٣).
وهذه التصفية للروح تكون عن طريق شيخ التربية (٤) -كما يزعم- الذي أرجعها إلى أصلها حتى يصل إلى الغيبة عن الخلق بشهود الملك الحق (٥) "ثم تكون
стр. 566
مطمئنة حين تطمئنُّ بشهود الحقِّ بلا واسطة، بل تستدلُّ بالله على غيره، فلا ترى سواه، فحينئذٍ ترجع إلى أصلها، وترُجع الأشياء كلها إلى أصولها، وهو القدم والأبد، فيتلاشى الحادث ويبقى القديم وحده، كما كان وحده" (١).
وقوله: إنَّ الروح جزءٌ من ذات الله، ثم انفصلت عنه هو في الحقيقة عقيدة فلسفية أفلاطونية، تأثَّر بها ابن عجيبة وغيره من الصوفية (٢)، وهي كما قال التفتازاني (٣): "ونحن نجد فكرتهم هذه تشبه فكرة الفيلسوف اليوناني أفلاطون (٤) في أنَّ النفس الإنسانية كانت موجودة من قبل عالم آخر غير هذا العالم، وذلك قبل أن تهبط إلى البدن، حيث كانت في صحبة الآلهة، ومتحققة بمعرفة المثل، وأنَّ معرفتها بالمثل بعد حلولها في البدن عبارة عن تذكُّر للمعرفة السابقة لها في صحبة الآلهة" (٥).
стр. 567
المبحث الثالث: الجَنَّة والنَّار
أولًا: الجَنَّة والنار مخلوقتان موجودتان
يعتقد ابن عجيبة أنَّ الجنة والنار مخلوقتان، يقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١): ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هُيِّئت للمتقين، وفيه: "دليلٌ على أنَّ الجنَّة مخلوقة، وأنَّها خارجةٌ عن هذا العالم" (٢).
وقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣)، "وفيه إشعارٌ بأنَّ النَّار موجودة إذ لا يُعَدُّ المعدوم، وأنَّها بالذات مُعَدَّة للكافرين، وبالعرض للعاصين" (٤).
وما ذهب إليه ابن عجيبة في تفسيره للآيات السابقة هو حقٌ دلَّت عليه النصوص الشرعية وأقوال المفسرين.
قال القرطبي ﵀: "وعامَّة العلماء على أنَّ الجنّة مخلوقةٌ موجودة ... " (٥).
وقال ابن كثير ﵀: الأظهر أنَّ الضمير في ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ عائدٌ إلى النَّار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده على الحجارة، ... وقد استدلَّ كثيرٌ من أئمة السُّنَّة
стр. 568
بهذه الآية على أنَّ النَّار موجودة الآن؛؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: أُرْصِدت وهُيِّئت" (١).
والأحاديثُ مستفيضةٌ بذلك.
أمَّا أقوال العلماء في صِحَّة هذا القول فهي مقرَّرةٌ في كتبهم.
قال الطحاوي ﵀: "والجنَّة والنَّار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإنَّ الله تعالى خلق الجنَّة والنَّار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنَّة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النَّار عدلًا منه، وكلٌّ يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدَّران على العباد" (٢).
وقال الآجري ﵀: "كتاب الإيمان والتصديق بأنَّ الجنَّة والنار مخلوقتان، وأنَّ نعيم الجنَّة لا ينقطع عن أهلها أبدًا، وأنَّ عذاب النَّار لا ينقطع عن أهلها أبدًا" (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٤): "وهما مخلوقتان الآن؛ لقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، والإعداد التهيئة، ولقوله، ﷺ حين صلَّى صلاة الكسوف: «إنِّي رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النَّار، فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع» (٥)، (٦).
стр. 569
ثانيًا: الجنة والنار لا تفنيان
يذهب ابن عجيبة إلى أنَّ الجنة والنار لا تفنيان، يقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (١): "إنَّ الله لعن الكافرين أبعدهم عن رحمته، وأعد لهم سعيرًا نارًا شديدة التسعير، أي: الإيقاد، خالدين فيها أبدًا، وهذا يرد مذهب الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و (خالدين): حال مقدرة من ضمير «لهم». لا يجدون وليا يحفظهم، ولا نصيرا يمنعهم ويدفع العذاب عنهم" (٢).
وهو يوافق ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة، ولا غرابة في ذلك فإنَّ ابن عجيبة أشعريُّ المعتقد، والأشاعرة مطبقون على ذلك (٣).
قال ابن أبي زمنين ﵀: "وأهل السُّنَّة يؤمنون بأنَّ الجنَّة والنَّار لا يفنيان ولا يموت أهلها ... " (٤).
وقال أبو حاتم وأبو زرعه (٥): "والجنَّة حقٌّ, والنَّار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدًا، والجنَّة ثوابٌ لأوليائه، والنَّارُ عقابٌ لأهل معصيته إلا من رحم الله " (٦).
ثالثًا: مكان الجنَّة
قال ابن عجيبة في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٧)، "يقول الحقُّ
стр. 570
جلَّ جلاله: ونادى يوم القيامة أصحاب النَّار أصحاب الجنَّة أن أفيضوا أي: صُبُّوا علينا من الماء، وفيه دليلٌ على أنَّ الجنَّة فوق النَّار" (١).
وقال: "وفي السَّماء ما تُوعدون من الثواب؛ لأنَّ الجنَّة في السَّماء السَّابعة، سقفها العرش" (٢).
ويقول أيضًا في قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ (٣)؛ مرتفعة المكان؛ لأنها في السَّماء السَّابعة (٤).
والذي قرَّره في تفسيره دلَّت عليه النُّصوص الشرعية.
فعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من آمن بالله وبرسوله, وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنَّة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها»، فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشِّر الناس؟ قال: «إنَّ في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السَّماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنَّه أوسط الجنَّة وأعلى الجنَّة، أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» (٥).
وعلَّق ابن القيم ﵀: على حديث: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» (٦) بقوله: "وهذا يدلُّ على أنها في غاية العلو والارتفاع, والله أعلم" (٧).
стр. 571
الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: معنى القدر ومراتبه
المبحث الثاني: أفعال العباد
المبحث الثالث: المشيئة والإرادة
стр. 572
المبحث الأول:
معنى القدر ومراتبه
أولًا: تعريف القدر
القَدَر في اللُّغة: القضاءُ والحُكْم، قال ابن فارس: "القاف، والدال، والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على مبلغ الشَّيءِ وكُنْهه ونهايته، فالقَدْرُ: مبلغ كلِّ شيء، يُقال: قَدْرُه كذا، أي مبلغه، وكذلك القَدَر، وقَدَرتُ الشَّيء أقْدِرُه وأقْدُرُه من التقدير، وقدَّرْته أُقَدِّره، والقَدْرُ: قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القَدَرُ أيضًا" (١)، وقال ابن سيده (٢): "القَدَرُ: القضاءُ والحكْم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣): أي الحُكْم" (٤)، وقال الفيروز آبادي: "القَدَر محرَّكة: القضاءُ والحكْمُ ومَبْلغُ الشَّيء، ويُضَمُّ كالمقدار والطاقة كالقَدْر فيهما ... والقَدْر: الغنى واليسار والقوة" (٥)، وقال الزبيدي (٦): "والقدر: التعظيم، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٧) أي ما عظَّموا الله حقَّ تعظيمه, والقدر: تدبير الأمر، يقال: قدَّره يقدِّره، بالكسر أي: دبره, والقدر: قياس الشَّيءِ بالشَّيء يقال: قدَّره به قَدْرًا،
стр. 573
وقدَّره: إذا قاسه، ويقال أيضًا: قدرت لأمر كذا أقدر له، بهذا المعنى ... والقَدْر: الشَّرف، والعظمة، والتزيين، وتحسين الصُّورة" (١).
وفي الشَّرع:
قال ابن تيمية ﵀: "هو علمُ اللهِ وكتابُه وما طابق ذلك من مشيئته وخلقه" (٢).
وقال ابن القيم ﵀: هو "علمُ الله وقدرتُه وكتابتُه ومشيئتُه" (٣).
وقال السَّفارينيُّ ﵀: "القدر عند السَّلف: ما سبق به العلم, وجرى به القلم، مما هو كائنٌ إلى الأبد، وأنه قدَّر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل" (٤).
ثانيًا: تعريف القضاء
القضاء في اللغة قال الخليل: "قضي: قضى يقضي قضاءً وقضيَّة أي: حكم، وقضى إليه عهدًا، معناه الوصية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ " (٥)(٦).
وفي الشرع:
قال ابن حجر ﵀: "هو الحكم الكُلِّي الإجمالي في الأزل، والقدر جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله" (٧).
وقال ابن عثيمين ﵀: هو ما قضى به الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير (٨).
стр. 574
ثالثًا: تعريف ابن عجيبة
أ- تعريفه للقدر: "القَدَر -بتحريك الدال المهملة وسكونها- مصدر قدَّرتُ الشَّيءَ: إذا أحطت بمقداره، وهو عبارة عن تَعَلُّق عين علم الله بالكائنات قبل وجودها، فلا يظهر في عالم الشَّهادة شيءٌ من الخلائق إلا وقد سبق علمه وقدره السَّابق، ولا يصدر من خلقه قول ولا فعل ولا حركة ولا سكون إلَّا وقد سبق في علمه وقدره كيف يكون" (١).
ب- تعريفه للقضاء: "والرضا بقضائه وقدره هو: الخروج عن تدبيره واختياره إلى حسن تدبير الله واختياره" (٢).
وقال في موضع آخر: "الرضا: تلقِّي المهالك بوجهٍ ضاحك، أو سرور يجده القلب عند حلول القضاء، أو ترك الاختيار على الله فيما دَبَّر وأمضى، أو شرح الصدر ورفع الإنكار لما يرد من الواحد القهَّار" (٣).
رابعًا: مراتب القدر
ذكر ابن عجيبة مراتب القدر، وهي:
١ - العلم:
قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (٤)، "فقد أحاط الله بذلك، علمًا وسمعًا وبصرًا، فالآية مقرِّرة لما قبلها من كمال علمه وشموله" (٥).
стр. 575
وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١): "لأنَّ علمه أحاط بكلِّ معلوم" (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (٣): "أحاط علمنا بكلِّ شيء، فنجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا" (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥): "ومن كان في علم الله أنه يموت على الضلال" (٦).
٢ - الكتابة.
قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٧): "الاستفهام للتقرير، أي: قد علمت أنَّ الله يعلم كل ما يحدث في السَّماء والأرض، ولا يخفى عليه شيءٌ من الأشياء، ومن جملتها: ما تقوله الكفرة وما يعملونه، إنَّ ذلك في كتابٍ في اللَّوح المحفوظ، إنَّ ذلك على الله يسير أي: علمه بجميع ذلك عليه يسير" (٨).
стр. 576
٣ - المشيئة.
قال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١): "ونكتب ما قدَّموا أي: ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها، وآثارهم ما تركوه بعدهم من آثار حسنة ... وكل شيءٍ أحصيناه: حفظناه أو عددناه وبيَّناه في إمامٍ: كتاب مبينٍ اللوح المحفوظ؛ لأنَّه أصل الكتب وإمامها" (٢).
٤ - الخلق والإيجاد.
قال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣): "قُلْ يا محمَّدُ للمشركين: من ربُّ السماوات والأرض أي: خالقهما، ومدبِّر أمرهما، قل لهم: هو الله لا خالق سواه، ولا مدبِّر غيره، أجاب عنهم بذلك، إذ لا جواب لهم سواه؛ لأنهم يقرون به، ولكنَّهم يشركون به" (٤).
وقال في موضعٍ آخر: "والله خلق الخلق وأعمالهم، وقدَّر أرزاقهم وآجالهم" (٥).
وقال أيضًا: "يعلم الخواطر وخفيَّات السرائر بعلمٍ قديمٍ أزليٍّ لم يزل موصوفًا في
стр. 577
أزل الأزل لا بعلمٍ متجدِّد" (١).
وفي الحقيقة أنَّ ابن عجيبة أثبت مراتب القدر إجمالًا، لكنَّه خالف في المسائل التفصيلية في القدر، كما هو الحال في المذهب الأشعري، قال البيجوري: "فالقضاءُ والقدرُ راجعان لما تقدَّم من العلم والإرادة وتعلُّق القدرة" (٢)، وقال الرازي في تقرير الدلائل الإخبارية على صحة القول بالقضاء والقدر: "الحجة الثلاثون: عن أبي ظبيان (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: «أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة» (٤)، فأدخل جميع أفعال العباد في هذا المكتوب" (٥)، ثم يقول إن كتابة المقادير ليست واجبة؛ "لأنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ العلم بوجود اللَّوح المحفوظ، وبأنَّ الله أحدث فيه رقومًا خاصَّةً دالةً على أحوال هذا العالم؛ ليس من شرائط الإيمان ولا من واجباته" (٦).
وهذا القول فاسدٌ؛ فالإيمان بالقدر واجبٌ وهو أحدُ أركان الإيمان الستَّة، قال النبي ﷺ حين سُئِل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٧).
стр. 578
خامسًا: المخالفات العقدية التي قرَّرها ابن عجيبة في مسائل القدر
١ - ترك التدبير والاختيار.
قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١): "في الآية تحضيضٌ على ترك التدبير والاختيار، مع تدبير الواحد القهَّار، وهو أصلٌ كبيرٌ عند أهل التصوُّف، أُفرد بالتأليف، وفي الحكم: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به أنت عن نفسك» ... فإذا علمت أيها العبدُ أنَّ الحق تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، لم يبق لك مع الله اختيار، فالحالة التي أقامك فيها هي التي تليق بك، ولذلك قيل: العارف لا يعارض ما حلَّ به، فقرًا كان أو غنى" (٢).
وقال في موضعٍ آخر: "ومن ذلك قصيدة في سلب الإرادة مع الحق وترك التدبير على ألسنة هواتف الحق.
مرادي منك رفض ما سوانا ... بقصد سيرك إلى الرَّشاد
مرادي منك الترك للحظوظ ... وما يفضي بك إلى البعاد
مرادي منك نسيان اللحوظ ... لغير حُبِّنا بلا مراد
فكل ما تبني من الأماني ... تهدمه الأقدار باستبداد" (٣)
وصرَّح به ابن عجيبة فقال: "التحقيق أنَّ العبد مجبور، لكن في قالب الاختيار، فمن نظر للجبر الباطني سمَّاه حقيقة، ومن نظر لقالب الاختيار سمَّاه شريعة" (٤).
стр. 579
وقال في موضعٍ آخر: "العبد إنما هو آلة مسخَّرة، فإذا سخَّره ربه تحرَّك، وإلا فلا، وإذا كان كذلك فلا نسبة لك في العمل إلا ظهور عليك الحكمة" (١)، ويقول أيضًا: "قد تقرَّر عند أهل الحق أنَّ العبد مجبور في قالب مختار، فليس له فعل ولا اختيار، وإنما الفاعل هو الواحد القهَّار، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ " (٢)، فإذا تقرَّر هذا فكيف يطلب العبد الأجر على عملٍ ليس هو فاعله" (٣).
فهو يقول بالجبر -باطنًا لا ظاهرًا-؛ لوقوعهم بين المقولة التي يزعمونها -الحقيقة والشريعة- وهذه العقيدة الفاسدة أجلاها علماء السَّلف وذمُّوها وبيَّنوا عورها.
قال ابن القيم ﵀: "مشهد أصحاب الجبر وهم الذين يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم، وأنها واقعة بغير قدرتهم، بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتَّة، يقولون: إنَّ أحدهم غير فاعل في الحقيقة ولا قادر، وأنَّ الفاعل فيه غيره، والمحرِّك له سواه وأنَّه آلة محضة، وحركاته بمنزلة هبوب الرياح، وحركات الأشجار، وهؤلاء إذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجُّوا بالقدر، وحملوا ذنوبهم عليه، وقد يغلون في ذلك حتى يروا أفعالهم كُلَّها طاعات خيرها وشرِّها؛ لموافقتها للمشيئة والقدر، ويقولون: كما أنَّ موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة كما حكى الله تعالى عن المشركين إخوانهم، أنهم جعلوا مشيئة الله تعالى لأفعالهم دليلًا على أمره بها ورضاه، وهؤلاء شرٌّ من القدرية النُّفاة، وأشدُّ منهم عداوة لله ومناقضةً لكتبه ورسله ودينه، حتى إنَّ من هؤلاء من يعتذر عن إبليس، ويتوجَّع له، ويقيم عذره بجهده، وينسب ربه تعالى إلى ظلمه
стр. 580
بلسان الحال والمقال ... وهؤلاء أعداء الله حقًّا وأولياء إبليس وأحباؤه وإخوانه، وإذا ناح منهم نائحٌ على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرًا عجبا، ورأيت من ظلمهم الأقدار واتهامهم الجبَّار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم، وتسمع من أحدهم من التظلُّم والتوجُّع ما تسمعه من الخصم المغلوب العاجز عن خصمه فهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته (١):
ويُدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النَّار طُرًّا (٢) معشر القدريةِ" (٣)
وكذلك في آراء ابن عجيبة السابقة تجد أنَّ تركه للتدبير والاختيار أدَّي به إلى عقيدة وحدة الوجود علم أم لم يعلم، وهذا ما يفعلونه مع السَّالك دائمًا حتى يرتقي إلى البقاء.
قال ابن القيم ﵀: "والاتحادي يقول: إنَّ السالك في أول سلوكه يرى أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله، فهذا توحيد العلم، ولا يقدر في طوره الأول على أكثر من ذلك، ثم ينتقل عن هذا إلى الدرجة الثانية، وهي شهود عود الأفعال إلى الصفات، والصفات إلى الذات، فعاد الأمر كلُّه إلى الذَّات، فيجحد وجود السوى بالكُليَّة، فهذا هو الاضمحلال جحدًا، ثم يرتقي عن هذه الدرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصفات، ولا يبقى إلا أمرٌ مطلقٌ لا يتقيَّد باسمٍ ولا فعلٍ ولا صفة، قد اضمحلَّ فيه كلُّ معنى وقيد وصفة ورسم، وهذا عندهم غاية السَّفر
стр. 581
الأول، فحينئذٍ يأخذ في السَّفر الثاني، وهو البقاء" (١).
وعند الصوفية أنَّ السَّالك لا بدَّ أن يرتقي إلى ثلاثة حقائق في باب القدر حتى يصل إلى عدم التفرقة بين الرَّبِّ والعبد فيصبح الأمر واحدًا، والعياذ بالله.
وبيَّن ابن القيم ﵀ هذه الحقائق، وهي:
حقيقة إيمانية نبوية، وهى حقيقة العبودية التي هي كمال الحُبِّ وكمال الذُّل، وسير أهل الاستقامة إنما هو إلى هذه الحقيقة، ومنازل السير التي ينزلون فيها هي منازل الإيمان الموصلة إليها، والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة ولا يقفون معها ويرونها منزلة من منازل العامَّة.
الحقيقة الثانية: (حقيقة كونية قدرية) يشاهدون فيها انفراد الرَّبِّ تعالى بالتكوين والإيجاد وحده، وأنَّ العالم كالميت يقلِّبه ويصرِّفه كيف يشاء، وهم يعظمِّون هذا المشهد ويرون الفناءَ فيه غاية ما بعدها شيء.
وهذا من أغلاطهم في المعرفة والسُّلوك، فإنَّ هذا المشهد لا يدخل صاحبه في الإيمان فضلًا عن أن يكون أفضل مشاهد أولياءِ الله المقرَّبين، فإنَّ عُبَّاد الأصنام شهدوا هذا المشهد ولم ينفعهم وحده.
قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٢).
стр. 582
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٣).
وهذا كثيرٌ في القرآن، فالفناءُ في هذا المشهد لا يُدخل العبدَ في دائرة الإسلام، فكيف يجعله هو الحقيقة التي ينتهي إليها سير السَّالكين، ويجعل حقيقة الإيمان ودعوة الرُّسل منزل من منازل العامة، وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد عن الصراط المستقيم وقلب للحقائق؟ وكم قد هلك في هذه الحقيقة من أُمم لا يحصيهم إلا الله، وكم عطَّل لأجلها الواقفون معها من الشرائع، وخرَّبوا من المنازل، وما نجا من معاطبها إلا من شملته العناية الربانية، ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية النبوية، حقيقة رُسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والحقيقة الثالثة: (حقيقة اتحادية بل واحدية) لا يفرق فيها بين الرَّب والعبد، ولا بين القديم والمحدث، ولا بين صانعٍ ومصنوع، بل الأمر كلُّه واحد، والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق.
وهذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفة الاتحادية، ويعدون من لم يكن من أهلها محجوبًا، وهذه حقيقة كفرية اتحادية، وهى مع ذلك خيالٌ فاسد، وعقلٌ منكوس، وذوقٌ من عين منتنة، وكفر أهلها أعظم من كفر كلِّ أُمَّة، فإنهم جحدوا
стр. 583
الصانع حقًّا وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كل موجود، والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسوَّوا بينه وبين غيره في العبادة مقالتهم خيرٌ من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كلِّ موجود وعين كلِّ شيءٍ تعالى الله عمَّا يقول الكاذبون المفترون علوًّا كبيرًا.
فعليك بالفرق بين السائرين إلى هذه الحقيقة، والسائرين إلى عين الحقيقة الكونية الحكمية" (١).
٢ - نفي الأسباب قلبًا وقالبًا
قال ابن عجيبة: " فإذا أراد تحصيل علم اليقين فلينقطع إلى الله انقطاعًا كُليًّا، ويتجرَّد عن الأسباب قلبًا، وقالبًا، فإنَّ الله يُؤتيه رزقه من غير سبب" (٢).
والمقرر عند أهل العلم أنَّ الله خلق الأسباب ومسبِّباتها وربطهما شرعًا وقدرًا، دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
الأدلَّة من القرآن، وهي أنواع:
- ترتيب الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبُّب.
كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (٣).
- ترتيب الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف لفيد كونه سببًا له.
كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥).
стр. 584
- ترتيب الشرط على الجزاء.
كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١)، (٢).
قال ابن القيم: "وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره صريحٌ في ترتيب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال" (٣).
- الأدلة من السُّنَّة:
- عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإنَّ الله ينورها لهم بصلاتي عليهم» (٤).
- وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجَّة الوداع من وجعٍ اشتدَّ بي فقلتُ: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» فقلت: بالشطر فقال: «لا» ثم قال: «الثلث والثلث كبير أو كثير، إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت بها حتى ما تجعلُ في فيِّ امرأتك» فقلت يا رسول الله: أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: «إنَّك لن تُخلَّف فتعمل عملًا صالحًا إلا ازددتَ به درجةً ورفعة، ثم لعلَّك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوامٌ ويضرّ بك آخرون ... » (٥).
стр. 585
- الإجماع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والعلماءُ متَّفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره، وإثبات الأسباب والقوى" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "والله سبحانه خلق الأسباب ومسبَّباتها، وجعل خلق البعض شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غنيٌّ عن الاشتراط والتسبُّب ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمةٍ تتعلَّق بالأسباب وتعود إليها، والله عزيزٌ حكيم" (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "الله ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محلَّ حكمته، في أمره الدينيِّ والشرعيِّ، وأمره الكونيِّ القدري" (٣).
وقال مرعي الكرمي ﵀ (٤): "فإنَّ الله أجرى عادته الإلهية في هذا العلم على أسبابٍ ومسبَّبات تُناط بتلك الأسباب" (٥).
وقال القرطبي ﵀: "وربط الأسباب بالمسبَّبات حِكمتُه وحُكمُه على ما سبق به علمه" (٦).
стр. 586
ويقول ابن القيم ﵀: "ولو تتبَّعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسُّنَّة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغةً بل حقيقة" (١).
وبهذا يتضح أنَّ من نفى الأسباب فقد خالف الكتاب والسُّنَّة وإجماع السَّلف والأئمة وصرائح المعقول.
٣ - الرِّضا بكلِّ مقضيٍّ كيفما كان:
قال ابن عجيبة: "فإذا علمت أيُّها الإنسان أنَّ أنفاسك قد عمَّها القدر، ولا يصدر منك ولا من غيرك إلا ما سبق به علمه، وجرى به قلمه لزمك أن ترضى بكلِّ ما يجري به القضاء، فأنفاسك معدودة، وطرفاتك ولحظاتك محصورة ... وحقيقة الرِّضا هو تلقِّي المهالك بوجهٍ ضاحك" (٢).
ولذلك لا فرق بين الطاعة والمعصية عنده، قال: "وأمَّا خاصَّة الخاصَّة فلا يطلبون شيئًا، ولا يخافون من شيء، صارت الأشياء عندهم شيئًا واحدًا، واستغنوا بشهودٍ واحدٍ عن كلِّ واحد، فهم ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيتلقَّونه بالقبول والرِّضا، فإن كان طاعة شهدوا فيها المنَّة، وإن كان معصية شهدوا فيها القهرية، وتأدَّبوا مع الله فيها بالتوبة والانكسار، قيامًا بأدب شريعة النَّبيِّ ﷺ المختار" (٣).
والأمر بالرِّضا بكلِّ مرضيٍّ فيه تفصيل، فهل علينا أن نرضى بكلِّ ما قضى الله ؟ الجوابُ: أنَّنا "غير مأمورين بالرِّضا بكلِّ ما يقضيه الله ، ويقدِّره، ولم يرد بذلك كتابٌ ولا سنة" (٤).
стр. 587
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قصيدته التائية في القدر:
وأمَّا رضانا بالقضاءِ فإنِّما ... أُمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة
كسُقْمٍ وفَقْرٍ ثم ذلٍّ وغُربةٍ ... وما كان من مؤذٍ بدون جريمة
فأمَّا الأفاعيلُ التي كُرهت لنا ... فلا نصَّ يأتي في رضاها بطاعة
وقد قال قومٌ من أولي العلم لا رضًا ... بفعلِ المعاصيْ والذنوبِ الكبيرة
فإنَّ إلهَ الخلقِ لم يرضَها فلا ... نرتضي مسخوطةً لمشيئة
وقال فريقٌ: نرتضي بقضائِهِ ... ولا نرتضي المقضيَّ أقبحَ خصلة
وقال فريقٌ: نرتضي بإضافةٍ ... إليه وما فينا فنلقى بسخطةِ (١)
وبيَّن ﵀ أقسام الرِّضا فقال: "وذلك أنَّ الرِّضا نوعان:
أحدهما: الرِّضا بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه، ويتناول ما أباحه الله من غير تعدٍّ إلى المحظور، كما قال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (٣) وهذا الرِّضا واجب؛ ولهذا ذمّ من تركه بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (٤).
والنوع الثاني: الرِّضا بالمصائب كالفقر والمرض والذُّلِّ، فهذا الرِّضا مستحبٌّ
стр. 588
في أحد قولي العلماء وليس بواجب، وقد قيل: إنه واجب، والصحيح أنَّ الواجب هو الصبر.
وأمَّا الرِّضا بالكفر والفسوق والعصيان، فالذي عليه أئمَّة الدين أنه لا يرضى بذلك؛ فإنَّ الله لا يرضاه كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨)، فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وألَّا يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه.
стр. 589
وإنما ضلَّ هنا فريقان من الناس:
قومٌ من أهل الكلام المنتسبين إلى السُّنَّة في مناظرة القدرية (١) ظنُّوا أنَّ محبَّة الحقِّ ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى إرادته، وقد علموا أنَّه مريدٌ لجميع الكائنات خلافًا للقدرية، وقالوا: هو أيضًا محبٌّ لها مريدٌ لها، ثم أخذوا يحرِّفون الكلام عن مواضعه، فقالوا: لا يحب الفساد، بمعنى لا يريد الفساد: أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر، أي لا يريده لعباده المؤمنين، وهذا غلط عظيم؛ فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال: لا يحب الإيمان ولا يرضى لعباده الإيمان، أي لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين، وقد اتفق أهل الإسلام على أنَّ ما أمر الله به فإنه يكون مستحبًّا يحبه، ثم قد يكون مع ذلك واجبًا وقد يكون مستحبًّا ليس بواجب سواءً فُعِل أو لم يفعل.
والفريق الثاني: من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين، فشهدوا أنَّ الله رب الكائنات جميعها، وعلموا أنَّه قدر على كل شيء وشاءه وظنُّوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكلِّ ما يقدِّره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى قال بعضهم: المحبَّة نارٌ تحرق من القلب كلَّ ما سوى مراد المحبوب، قالوا: والكون كلُّه مراد المحبوب، وضلَّ هؤلاء ضلالًا عظيمًا حيث لم يفرِّقوا بين الإرادة الدينية والكونية والإذن الكوني والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني، والإرسال الكوني والديني.
стр. 590
وهؤلاء يؤول الأمر بهم إلى ألَّا يُفرِّقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعدائه والأنبياء والمتقين، ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفُجَّار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا (حقيقة) , ولعمري إنه حقيقة كونية لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عُبَّاد الأصنام كما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرِّين بأنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكُه، فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعُبَّاد الأصنام، و (المؤمن) إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقدِّره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان، ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من المعائب، فهو من الذنوب يستغفر، وعلى المصائب يصبر، فهو كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٣)، فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٤) " (٥).
стр. 591
وبيَّن ابن القيم ﵀ اضطراب النَّاس في هذا الأمر فقال: "وقد اضطرب النَّاسُ في ذلك اضطرابًا عظيمًا، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل، فإنَّ لفظ الرِّضا بالقضاء لفظٌ محمودٌ مأمورٌ به، وهو من مقامات الصدِّيقين، فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل، وظنُّوا أنَّ كلَّ ما كان مخلوقًا للربِّ تعالى فهو مقضيٌّ مرضيٌّ له ينبغي له الرِّضا به، ثم انقسموا على فرقتين:
فقالت فرقةٌ: إذا كان القضاء والرِّضا متلازمين فمعلومٌ أنَّا مأمورون ببُغض المعاصي، والكفر والظلم، فلا تكون مقضية مقدرة.
وفرقةٌ قالت: قد دلَّ العقل والشَّرع على أنها واقعةٌ بقضاء الله وقدره فنحن نرضى بها.
والطائفتان منحرفتان، جائرتان عن قصد السَّبيل، فأولئك أخرجوها عن قضاء الرَّب وقدره، وهؤلاء رضوا بها ولم يسخطوها، هؤلاء خالفوا الرَّب تعالى في رضاه وسخطه، وخرجوا عن شرعه ودينه، وأولئك أنكروا تعلُّق قضائه وقدره بها.
واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين.
فقالت طائفة: لم يقم دليلٌ من الكتاب ولا السُّنَّة ولا الإجماع على جواز الرِّضا بكلِّ قضاء، فضلًا عن وجوبه واستحبابه، فأين أمر الله عباده أو رسوله أن يرضوا بكل ما قضاه الله وقدره؟.
وهذه طريقة كثير من أصحابنا وغيرهم ... فإن قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره؟ قيل له: نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه، الذي أمرنا أن نرضى به، ولا نرضى من ذلك ما نهانا عنه أن نرضى به, ولا نتقدَّم بين يدي الله تعالى، ولا نعترض على حكمه.
стр. 592
وقالت طائفةٌ أخرى: يطلق الرِّضا بالقضاء في الجملة، دون تفاصيل المقضي المقدَّر.
فنقول: نرضى بقضاء الله جملةً ولا نسخطه، ولا نطلق الرِّضا على كلِّ واحد من تفاصيل المقضي.
وقالت طائفةٌ أخرى: نرضى بها من جهة إضافتها إلى الرَّبِّ خلقًا ومشيئة، ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبًا له وقيامًا به.
وقالت طائفةٌ أخرى: بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضي، فالرِّضا والسخط لم يتعلَّقا بشيءٍ واحد" (١).
وكذلك وضَّح ابن القيم رأيه في هذه المسألة وما يدين الله به فقال: "والذي يكشف هذه الغُمَّة، ويبصِّر من هذه العماية، وينجي من هذه الورطة إنما هو التفريق بين ما فرَّق الله بينه، وهو المشيئة والمحبَّة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين، بل قد يشاء ما لا يحبه، ويحب ما لا يشاء كونه.
فالأول: كمشيئته لوجود إبليس وجنوده, ومشيئته العامَّة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه.
والثاني: كمحبَّته إيمان الكفَّار، وطاعات الفجَّار، وعدل الظالمين، وتوبة الفاسقين، ولو شاء ذلك لوجد كله وكان جميعه، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
فإذا تقرَّر هذا الأصل، وأنَّ الفعل غير المفعول، والقضاء غير المقضي، وأنَّ الله سبحانه لم يأمر عباده بالرِّضا بكلِّ ما خلقه وشاءه، زالت الشبهات، وانحلَّت الإشكالات، ولله الحمد، ولم يبق بين شرع الرَّب وقدره تناقض، بحيث يظنُّ إبطال
стр. 593
أحدهما للآخر، بل القدر ينصر الشرع، والشرع يصدِّق القدر، وكلٌّ منهما يحقق الآخر، وإذا عُرِف هذا فالرِّضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
والرِّضا بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبَّة العبد وإرادته ورضاه -من الصحة، والغنى، والعافية، واللذة- أمرٌ لازمٌ بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد، محبوب له، فليس في الرِّضا به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشُّكر، والاعتراف بالمنَّة، ووضع النِّعمة مواضعها التي يحبُّ الله أن تُوضع فيها، وأن لا يعصى المنعم بها، وأن يرى التقصير في جميع ذلك.
والرِّضا بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته -مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره- مستحبٌّ، وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان، وهذا كالمرض والفقر، وأذى الخلق له، والحر والبرد، والآلام ونحو ذلك.
والرِّضا بالقدر الجاري عليه باختياره -مما يكرهه الله ويسخطه، وينهى عنه كأنواع الظلم والفسوق والعصيان- حرامٌ يعاقب عليه، وهو مخالفة لربه تعالى، فإنَّ الله لا يرضى بذلك ولا يحبه، فكيف تتفق المحبة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟ فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرضا بالقضاء" (٢).
стр. 594
وقال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ (١): "القضاءُ يراد به ثلاثة أشياء: أحدهما: الأمر والنَّهي، فهذا الرِّضا به واجب، والثاني: الكفر والمعاصي، فهذا الرِّضا به ليس بواجب، والثالث: المصائب التي تصيب العبد فهذا الرِّضا به واجبٌ أو مستحب؟ قال: ثم يقال: القضاء الذي هو صفة الله الرِّضا به واجب، وأمَّا المقضي وهو الكفر والمعاصي التي هي أفعال العباد، فالرِّضا بها ليس بواجب" (٢).
٤ - نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله :
قال ابن عجيبة: "جلّ حكم الأزل أن يضاف إلى العلل" (٣).
وقال في شرحه لقول ابن عطاء: "خير من تصحب من يطلبك لا لشيءٍ يعود منك إليه".
قال: "قلتُ: ولا يوجد هذا الوصف المجيد إلا للغنيِّ الحميد الفعَّال لما يريد، يحب من يشاء بلا علة ولا سبب، ويمقت من يشاء بلا ضررٍ يلحقه ولا تعب، يقرِّب من يشاء بلا عمل، ويبعد من يشاء بلا زلل، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤) ", (٥).
وقال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) "أي: يُضيِّق لمن يشاء بلا سببٍ ولا عِلَّة" (٧).
стр. 595
وابن عجيبة في قوله هذا لم يخرج عن عقيدة الأشاعرة في نفيهم للحكمة والتعليل (١)، وأنَّ الله يفعل الأفعال لمحض المشيئة؛ فتعمَّقوا وخاضوا في فعل الله إثباتًا ونفيًا، وفكرًا، بالأقيسة العقلية، وبذلك انحرفوا عن منهج أهل السُّنَّة والجماعة وسلف الأُمَّة، وأقوالهم شاهدة عليهم.
قال الإيجي: "المقصد الثامن في أنَّ أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، إليه ذهب الأشاعرة" (٢).
ويقول الرازي: "المسألة السادسة والعشرون: في أنَّه لا يجوز أن تكون أفعال الله تعالى وأحكامه معلَّلة بعلة البتَّه" (٣).
والقول الحق الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة: "أنَّ أفعاله صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل" (٤)، "وله الحكمة البالغة فيما فعل وترك، وقدَّر، وقضى" (٥)، "والقرآن وسُنَّة النَّبيِّ ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسُّنَّة في نحو مئة موضع أو مئتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرقٍ متنوِّعة" (٦).
стр. 596
الأدلة من القرآن:
النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرَّف منه، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣).
النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا, كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥).
النوع الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل, كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٦) فعلَّل سبحانه تسمية الفيء بين هذه الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء والأقوياء دون الضعفاء.
النوع الرابع: ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلَّل به, كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٧).
стр. 597
النوع الخامس: الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١).
النوع السادس: ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل، كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢).
النوع السابع: ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له وتارة يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردًا، فالأوَّل كقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٣)(٤).
الأدلة من السُّنَّة:
عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجَّد قال: «اللَّهم لك الحمد، أنت ربُّ السَّموات والأرض، لك الحمد أنتَ قيِّم السَّموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السَّموات والأرض ومن فيهنّ، لك الحمد، أنت نور السَّموات والأرض قولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنَّة حق، والنَّار حق، والسَّاعة حق، اللَّهم لك أسلمت، وبك آمنت, وعليك توكَّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرت, وما أسررتُ وما أعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك» (٥).
стр. 598
قال ابن الوزير ﵀ (١): فيه إشارة من البخاري إلى مذهب أهل السُّنَّة في إثبات الحكمة (٢).
وذلك أن البخاري ﵀ بوَّب على هذا الحديث، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (٣)(٤).
وقال الرَّاغب الأصفهاني: "والحقُّ يقال على أوجه:
الأول: يقال لموجد الشَّيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق، قال الله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥)، وقيل بعيد ذلك: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (٦).
والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (٧)، إلى قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٨)، وقال في القيامة:
стр. 599
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (١)، وقوله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٢) " (٣).
وقال ابن القيم ﵀: "وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفى للغايات وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم لنفى الوسيلة، فنفي الوسيلة وهي: الفعل لازم لنفى الغاية وهى الحكمة، ونفى قيام الفعل والحكمة به نفى لهما في الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته (٤).
الإجماع:
وممن حكى الإجماع كثير من العلماء المحققين فمنهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: "وكذلك الحكمة وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السَّلف" (٥)، ويقول أيضًا: "ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أنَّ الله لا يفعل شيئًا لحكمة ولا لسبب، وأنه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور، ولا يحب بعض الأفعال ويبغض بعضها، فقوله فاسد مخالف للكتاب والسُّنَّة واتفاق السَّلف" (٦).
وقال ابن القيم ﵀: "وجمهور الأُمَّة يثبت حكمته سبحانه، والغايات
стр. 600
المحمودة في أفعاله، فليس مع النُّفاة سمعٌ ولا عقلٌ ولا إجماع، بل السَّمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم" (١).
وبهذا يتضح أنَّ من أنكر الحكمة والتعليل قد خالف الكتاب والسُّنَّة وصريح المعقول، ووافق الفلاسفة في أصل نفيهم للحكمة والتعليل "وهو البحث عن حكمة الإرادة، ولم فعل ما فعل؛ وهي مسألة القدر، ظهر بها ما كان السَّلف يقولونه: إنَّ الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة، وعلم بذلك حكمة نهيه ﷺ لما رآهم يتنازعون في القدر عن مثل ما هلك به الأمم، قال لهم: بهذا هلكت الأمم قبلكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وعن هذا نشأ مذهب المجوس القدرية، مجوس هذه الأُمَّة، حيث خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة، كما أن التجهُّم من فروع تلك الحجة" (٢).