← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الأدلة من القرآن: النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرَّف منه، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣). النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا وأنه أمر بكذا لكذا, كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٥). النوع الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل, كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٦) فعلَّل سبحانه تسمية الفيء بين هذه الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء والأقوياء دون الضعفاء. النوع الرابع: ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلَّل به, كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٧).

стр. 597

النوع الخامس: الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١). النوع السادس: ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل، كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢). النوع السابع: ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له وتارة يذكر بأن وتارة يقرن بالفاء وتارة يذكر مجردًا، فالأوَّل كقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٣) (٤). الأدلة من السُّنَّة: عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجَّد قال: «اللَّهم لك الحمد، أنت ربُّ السَّموات والأرض، لك الحمد أنتَ قيِّم السَّموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السَّموات والأرض ومن فيهنّ، لك الحمد، أنت نور السَّموات والأرض قولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنَّة حق، والنَّار حق، والسَّاعة حق، اللَّهم لك أسلمت، وبك آمنت, وعليك توكَّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرت, وما أسررتُ وما أعلنت، أنت إلهي لا إله لي غيرك» (٥).

стр. 598

قال ابن الوزير ﵀ (١): فيه إشارة من البخاري إلى مذهب أهل السُّنَّة في إثبات الحكمة (٢). وذلك أن البخاري ﵀ بوَّب على هذا الحديث، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (٣) (٤). وقال الرَّاغب الأصفهاني: "والحقُّ يقال على أوجه: الأول: يقال لموجد الشَّيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق، قال الله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥)، وقيل بعيد ذلك: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (٦). والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (٧)، إلى قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٨)، وقال في القيامة:

стр. 599

﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (١)، وقوله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٢) " (٣). وقال ابن القيم ﵀: "وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفى للغايات وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم لنفى الوسيلة، فنفي الوسيلة وهي: الفعل لازم لنفى الغاية وهى الحكمة، ونفى قيام الفعل والحكمة به نفى لهما في الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته (٤). الإجماع: وممن حكى الإجماع كثير من العلماء المحققين فمنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: "وكذلك الحكمة وشرع الأحكام للحكم مما اتفق عليه الفقهاء مع السَّلف" (٥)، ويقول أيضًا: "ومن وافق جهم بن صفوان من المثبتين للقدر على أنَّ الله لا يفعل شيئًا لحكمة ولا لسبب، وأنه لا فرق بالنسبة إلى الله بين المأمور والمحظور، ولا يحب بعض الأفعال ويبغض بعضها، فقوله فاسد مخالف للكتاب والسُّنَّة واتفاق السَّلف" (٦). وقال ابن القيم ﵀: "وجمهور الأُمَّة يثبت حكمته سبحانه، والغايات

стр. 600

المحمودة في أفعاله، فليس مع النُّفاة سمعٌ ولا عقلٌ ولا إجماع، بل السَّمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم" (١). وبهذا يتضح أنَّ من أنكر الحكمة والتعليل قد خالف الكتاب والسُّنَّة وصريح المعقول، ووافق الفلاسفة في أصل نفيهم للحكمة والتعليل "وهو البحث عن حكمة الإرادة، ولم فعل ما فعل؛ وهي مسألة القدر، ظهر بها ما كان السَّلف يقولونه: إنَّ الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة، وعلم بذلك حكمة نهيه ﷺ لما رآهم يتنازعون في القدر عن مثل ما هلك به الأمم، قال لهم: بهذا هلكت الأمم قبلكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وعن هذا نشأ مذهب المجوس القدرية، مجوس هذه الأُمَّة، حيث خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة، كما أن التجهُّم من فروع تلك الحجة" (٢).

стр. 601

المبحث الثاني: أفعال العباد قال ابن عجيبة: "قد جعل الله بحكمته الباهرة في العبد كسبًا فيما يظهر له، يقصد به الخير والشر، وفي الحقيقة: هو مجرور بسلسلة، لكن الشريعة تنسب الفعل إليه، بسبب ذلك الكسب، فتقوم الحُجَّة عليه" (١). ويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (٢): "كما استخرج الحق ﷻ من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشَّاربين استخرج مذهب أهل السُّنَّة القائلين بالكسب من بين مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة، بين قومٍ أفرطوا وقومٍ فرَّطوا" (٣). وقال في موضعٍ آخر: "قد تقرَّر عند أهل الحقِّ أنَّ العبدَ مجبورٌ في قالب مختار، فليس له فعل، ولا اختيار، وإنما الفعل هو الواحد القهَّار" (٤). ويقول أيضًا: "فالتحقيق أنَّ العبد مجبور، لكن في قالب الاختيار، فمن نظر للجبر الباطني سمَّاه حقيقة، ومن نظر لقالب الاختيار سمَّاه شريعة" (٥). أولًا: مفهوم الكسب عند الأشاعرة، ومقصود ابن عجيبة من قوله: (لا فاعل إلا الله) عرَّف الأشاعرة الكسب بتعريفاتٍ متنوِّعة, منها:

стр. 602

١ - تعريف الباجوري: "هو تعلُّق القدرة الحادثة، وقيل: هو الإرادة الحادثة" (١). ٢ - تعريف السنوسي: "عبارة عن إيجاد الله تعالى المقدور فيه" (٢) أي: في العبد. ٣ - تعريف الآمدي (٣): "الفعل خلقًا من الله تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد لوقوعه مقارنًا للقدرة" (٤). ٤ - تعريف الشهرستاني (٥): "المكتسب: هو المقدور بالقدرة الحاصلة والحاصل تحت القدرة الحادثة" (٦). وبالرغم من التعريفات المختلفة للأشاعرة إلا أن حقيقة قولهم هو القول بالجبر، ولا فكاك عنه مهما تلوَّنت تعريفاتهم، وصرَّح بذلك بعضهم. قال الباجوري: "وبالجملة فليس للعبد تأثيرٌ ما، فهو مجبورٌ باطنًا مختارٌ ظاهرًا" (٧).

стр. 603

وقال الدسوقي: "ولما أضيفت الأفعال للعبد من جهة الكسب أُثيبَ وعوقبَ عليها؛ نظرًا لما عنده من الاختيار الذي هو سببٌ عاديٌّ في إيجاد الله الفعل والقدرة عليه، ثم إنَّ العبدَ مختارٌ بحسب الظاهر وإلا فمآله للجبر؛ لأنَّ اختياره بخلق الله، فالعبد مختارٌ ظاهرًا مجبورٌ باطنًا، فهو مجبورٌ في صورة مختار خلافًا للمعتزلة القائلين إنه مختار ظاهرًا وباطنًا، وللجبرية القائلين إنه مجبور ظاهرًا وباطنًا ... والحاصل أنَّ الجبر هو الحقُّ فمدعيه ظافرٌ بالدليل، فمن زاد عليه حتى نفى الكسب نُسب إلى الإفراط، والمعتزلة لم يظفروا بالمطلوب الذي هو الجبر، بل وقفوا دونه وجعلوا العبد مخترعًا، فلذا نسبهم إلى التفريط" (١). قال ابن عجيبة: "هو حُجَّتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد"؛ لأنَّ المعتزلة يقولون إنَّ العبد خالق لفعله (٢)، وهو يوافق الأشاعرة في قولهم (الله خالق أفعال العباد)، ولكن مراده من ذلك غير ما يقر به الأشاعرة، بل ينسحب على ما يعتقده بوحدة الوجود. ويقول ابن عجيبة "فالشريعة تنسب العمل للعبد باعتبار ما جعل فيه من الاختيار في الظاهر، الذي هو الكسب، والحقيقة تنفيه باعتبار ما في نفس الأمر، وهكذا يسير العبد بين حقيقةٍ وشريعة، فالحقيقة اعتقاده في الباطن والشريعة عملٌ في الظاهر" (٣). فهو يسير مع الأشاعرة في عقيدة الجبر المتوسطة التي تذهب إلى أنَّ للعبد كسبًا في فعله، وله قدرة ومشيئة على فعله -كما قال اختيار- ولكنها غير مؤثرة،

стр. 604

قال ابن القيم ﵀: "والذي استقرَّ عليه قول الأشعري أنَّ القدرة الحادثة لا تؤثِّر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بها، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه، وتابعه على ذلك عامَّة أصحابه" (١). ولكن هل وقف ابن عجيبة عند هذا الأمر على عقيدة الأشاعرة في الجبر؟ الحقيقة التي اتضحت من أقواله الصريحة، أنه بنى عليه معتقده في وحدة الوجود (٢)، فقال: "اعلم أنَّ فعل العبد كله من الله، بأن لا فاعل في الوجود سواه" (٣)، وبهذا وافق الجهمية في عقيدة الجبر، واختلف عنهم بجعلها أصلًا في وحدة الوجود، أمَّا الجهمية فجعلوا عقيدتهم في الجبر أصلًا لإثبات الوحدانية وعدم الإشراك به -كما زعموا- فلوا أثبتوا إرادة وقدرةً واختيارًا للبشر للزم -كما زعموا- أن يكون الإنسان خالقًا وفاعلًا مع الله ، وهذا هو الشرك الذي يزعمون (٤). وردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على القائلين بوحدة الوجود فقال: " ... ويجعلون المراتب ثلاثة، يقولون: العبد يشهد أولًا طاعةً ومعصية، ثم طاعةً بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية، والشُّهود الأول هو الشُّهود الصحيح، وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي، وأمَّا الشهود الثاني فيريدون به شهود القدر ... وأمَّا المرتبة الثالثة: أن لا يشهد طاعة ولا معصية، فإنه يرى أن الوجود واحد، وعندهم أنَّ هذا غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد في أسماء الله وآياته، وغاية العداوة لله، فإنَّ صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكُفَّار أولياء" (٥).

стр. 605

أمَّا أهل السُّنَّة والجماعة فيفرقون بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق. قال ابن تيمية ﵀: "والتحقيق ما عليه أئمة السُّنَّة وجمهور الأمة؛ من الفرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق؛ فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أنَّ نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله وليس ذلك نفس خلقه وفعله بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله ولا يتصف بها فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته وذلك كله مخلوق لله فهي فعل العبد ومفعولة للرَّب" (١). وأمَّا ما ذكره ابن عجيبة من أنَّ الشريعة تنسب الفعل إلى العبد بسبب ذلك الكسب فتقوم عليه الحجة، والعبد مجرور بسلسلة؛ لما يعتقد (بالحقيقة والشريعة)، فيقول: "الشريعة عمل الجوارح، والحقيقة معرفة البواطن، فالشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده، فالشريعة من وظائف البشرية، والحقيقة من وظائف الروحانية، والشريعة قوت البشرية، والحقيقة قوت الروحانية" (٢). ويقول أيضًا: "فمن نظر إلى الباطن ووحَّد الله وجد كلَّ شيءٍ قائمًا بالله، ولا فاعل سواه، ومن نظر إلى ظاهر العبد وجد له اختيارًا في الجملة، يقوم إذا شاء ويجلس إذا شاء، ويفعل ويترك باختياره في الظاهر، وعلى هذا وقع في التكليف، وهو الشريعة، ويسمي الكسب عند المتكلِّمين، فالتحقيق أنَّ العبد مجبور، لكن في قالب الاختيار، فمن نظر للجبر الباطني سمَّاه حقيقة، ومن نظر لقالب الاختيار سمَّاه شريعة" (٣).

стр. 606

قال ابن تيمية ﵀: "فهذا كلامٌ باطلٌ، بل العبد هو المصلِّي الصائم الحاج المعتمر المؤمن، وهو الكافر الفاجر القاتل الزاني السَّارق حقيقة، والله تعالى لا يوصف بشيءٍ من هذه الصفات بل هو منزَّهٌ عن ذلك؛ لكنه هو الذي جعل العبد فاعلًا لهذه الأفعال، فهذه مخلوقاته ومفعولاته حقيقة وهي فعل العبد أيضًا حقيقة، ولكن طائفة من أهل الكلام -المثبتين للقدر- ظنوا أنَّ الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق؛ فلمَّا اعتقدوا أنَّ أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله قالوا: فهي فعله، فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا؛ فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله ولم يفرِّقوا بين الكسب والفعل بفرقٍ محقَّق، ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين، ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل والعبد فعل صفاته" (١). وقال أيضًا عن الكسب عند الأشعرية: "وهم وإن كانوا لا يُثبتون لقدرة العبد أثرًا في حصول المقدور، فإنَّهم يُفرِّقون بين ما كان في محلِّ القدرة فيجعلونه مقدورًا للعبد، وما كان خارجًا عن محلِّ القدرة فلا يجعلونه مقدورًا للعبد، وأكثر من نازعهم يقول: إنَّ هذا كلامٌ لا يُعقل؛ فإنَّه إذا لم يثبت للقدرة أثر، لم يكن الفرق بين ما كان في محلِّ القدرة، وبين ما كان في غير محلِّ القدرة إلا فرقًا في محلِّ الحادث، من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير، وتسمية هذا مقدورًا دون هذا تحكُّمٌ محض، وتفريق بين المتماثلين ... إذا قيل لهؤلاء: الكسب الذي أثبتموه لا تُعقل حقيقته، فإذا قالوا: الكسب ما وُجد في محلِّ القدرة المحدثة مقارنًا لها من غير أن يكون للقدرة تأثير فيه، قيل لهم: فلا فرق بين هذا الكسب، وبين سائر ما يحدث في غير محلِّها وغير مقارن لها؛ إذ اشتراك الشيئين في زمانهما ومحلهما لا يُوجب كون أحدهما له

стр. 607

قدرة على الآخر، كاشتراك العرضين الحادثين في محلٍّ واحد، في زمانٍ واحد، بل قد يُقال: ليس جعل الكسب قدرة والقدرة كسبًا بأولى من العكس إذا لم يكن إلا مجرَّد المقارنة في الزمان والمحل" (١). وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كيفية التعامل مع لفظ الجبر، والتأثير بقوله: "لفظ (الجبر) فيه إجمالٌ يُراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون رضاه كما يقال: إنَّ الأب يجبر المرأة على النِّكاح، والله تعالى أجلُّ وأعظم من أن يكون مجبرًا بهذا التفسير، فإنه يخلق للعبد الرِّضا والاختيار بما يفعله وليس ذلك جبرًا بهذا الاعتبار، ويراد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات والإرادات كقول محمد بن كعب القرظي (٢): «الجبَّار الذي جبر العباد على ما أراد»، وكما في الدعاء المأثور عن عليٍّ ﵁ «جبار القلوب على فطراتها شقيها وسعيدها» (٣)، والجبر ثابتٌ بهذا التفسير، فلمَّا كان لفظ الجبر مجملًا نهى الأئمة الأعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه ... وكذا لفظ (التأثير) فيه إجمالٌ فإنَّ القدرة مع مقدورها كالسَّبب مع المسبَّب والعلَّة مع المعلول والشَّرط مع المشروط فإن أُريد بالقدرة القدرة الشرعية المصحِّحة للفعل المتقدِّمة عليه فتلك شرطٌ للفعل وسببٌ من أسبابه وعلَّةٌ ناقصة له، وإن أُريد

стр. 608

بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علَّةٌ للفعل وسببٌ تامّ، ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيءٌ هو وحده علَّةٌ تامَّةٌ وسببٌ تامٌّ للحوادث بمعنى أنَّ وجوده مستلزمٌ لوجود الحوادث بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصَّة فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (١). ويقول ابن القيم ﵀: "وليس في الوجود شيءٌ مستقلٌّ بالتأثير سوى مشيئة الرَّبِّ سبحانه وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له وهو أثر قدرته ومشيئته، ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله، أو القول بوجود مخلوق لا خالق له، فإنَّ فعل العبد إن لم يكن مخلوقًا لله كان مخلوقًا للعبد إمَّا استقلالًا وإمَّا على سبيل الشركة، وإمَّا أن يقع بغير خالق، ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت قدرة الرَّب ومشيئته وخلقه، وإذا عرف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الرَّب خلقًا وتكوينًا كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سببًا ومباشرة، والله خلق الفعل والعبد فعله وباشره والقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرَّب ومشيئته" (٢). وقال أيضًا: "وعلى صحَّة هذا المذهب أكثر من ألف دليلٍ من القرآن والسُّنَّة والمعقول والفِطر" (٣).

стр. 609

ثانيًا: دلالة الكتاب والسُّنَّة وإجماع السلف على أنَّ العباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم أ من القرآن: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، فأخبر الله أنه خلق العباد وأعمالهم. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢) فدخلت أفعال العباد في عموم كل. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٣)، "فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل وهي الدروع والثياب المصنوعة ومادتها لا تسمى سرابيل إلَّا بعد أن تحيلها صنعة الآدميين وعملهم, فإذا كانت مجعولة لله فهي مخلوقة له بجملتها صورتها ومادتها وهيآتها، ونظير هذا قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ (٤)، فأخبر سبحانه أنَّ البيوت المصنوعة المستقرة والمتنقلة مجعولة له وهي إنما صارت بيوتًا بالصنعة الآدميَّة" (٥).

стр. 610

ب من السُّنَّة: الأحاديث مستفيضة ومتواترة وتلقاها أهل السُّنَّة والجماعة بإثبات فعل العبد حقيقة له. قال رسول الله ﷺ : «كلُّ شيءٍ بقدرٍ حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز» (١). وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ الله خالق كل صانع وصنعته» (٢). قال البخاري: "فأخبر أنَّ الصناعات وأهلها مخلوقة" (٣). وقال رسول الله ﷺ : «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه» (٤). وقال رسول الله ﷺ : «لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجلٍ أضلَّ راحلته بأرضٍ دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فلمَّا استيقظ إذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته» (٥). ت - الإجماع: قال ابن تيمية ﵀: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأُمَّة" (٦).

стр. 611

وقال ابن أبي عاصم ﵀ (١): "ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السُّنَّة: القول بإثبات القدر ... وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم" (٢). ويقول الصابوني ﵀ (٣): "ومن قول أهل السُّنَّة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه" (٤). ثالثًا: موقف أهل السُّنَّة والجماعة من أفعال العباد فهم يقرون بالمراتب الأربع الثابتة، والتي دلَّت عليها النصوص، وهي العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، أمَّا أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة؛ ولذلك فهم يقولون فيها: إنَّ الله خالق أفعال العباد كلها، وفعل العبد فعلٌ له حقيقة، ولكنه مخلوق لله، ومفعول لله، لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرِّقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول، وكذلك لهم قدرة وإرادة على فعل أعمالهم ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله الكونية (٥).

стр. 612

المبحث الثالث: المشيئة والإرادة من ضلَّ في هذا الباب لم يفرِّق بينهما، قال الباقلاني ﵀ (١): "واعلم أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة، والاختيار، والرِّضا، والمحبة" (٢)، وابن عجيبة يؤكد ذلك بقوله: "المشيئة والإرادة شيءٌ واحدٌ وإليهما تستند الأشياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٤)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سبق المشيئة" (٥). وهو بهذا لم يُوفَّق للصواب الذي دلَّ عليه الاستقراء الصحيح لكتاب الله بأنَّ إرادة الله تنقسم إلى قسمين، إرادة كونية قدرية، وإرادة شرعيَّة دينيَّة. قال ابن تيمية ﵀: "طريقة أئمة الفقهاء وأهل الحديث وكثير من أهل النظر وغيرهم أنَّ الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة تتعلَّق بالأمر، وإرادة تتعلَّق بالخلق ... فإرادة الأمر هي المتضمِّنة للمحبَّة والرِّضا وهي الإرادة الدينيَّة، والثانية المتعلِّقة بالخلق هي المشيئة وهي الإرادة الكونيَّة القدريَّة" (٦).

стр. 613

وقال ابن أبي العز ﵀: "والمحققون من أهل السُّنَّة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونيَّة خلقيَّة، وإرادة دينيَّة أمريَّة شرعيَّة" (١). أولاً: الإرادة الكونيَّة القدريَّة: وهي المشيئة الشَّاملة لجميع الحوادث والتي تتعلَّق بما أراد الله فعله، وتستلزم وقوع المراد، وهي كقول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (٢). الأدلة عليها: كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤). "فهذه الإرادة تعلَّقت بالإضلال والإغواء، وهذه هي المشيئة فإنَّ ما شاء الله كان" (٥). ثانيًا: الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة: وهي الإرادة المتعلِّقة بالأمر الذي يريد الله من العبد فعله، وهي المتضمِّنة للمحبَّة والرِّضا، ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلَّقت بالإرادة الكونيَّة (٦).

стр. 614

الأدلة عليها: كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٥). ويقول ابن القيم ﵀: "والصَّواب أنَّ الأمر يستلزم الإرادة الدينيَّة ولا يستلزم الإرادة الكونيَّة، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا، كإيمان منْ أمره ولم يُوفَّق للإيمان" (٦). ولقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اجتماع هاتين الإرادتين وافتراقهما فقال: أحدها: ما تعلَّقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإنَّ الله أراده إرادة دينٍ وشرع؛ فأمر به وأحبَّه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع؛ ولولا ذلك لما كان.

стр. 615

والثاني: ما تعلَّقت به الإرادة الدينيَّة فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمر الكُفَّار والفُجَّار فتلك كلُّها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع. والثالث: ما تعلَّقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدَّره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها، كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت، ولما وجدت فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلَّق به الإرادتان، وهو ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، فإنَّ الله لم يأمر بها شرعًا ولم يردها، وهو أيضًا لم يردها كونًا، فلم تقع (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والفرق بينهما: أنَّ الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله، فإذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون. وأمَّا الشرعية: فإنه لا يلزم فيها وقوع المراد ويلزم أن يكون محبوبًا لله، ولهذا نقول: الإرادة الشرعيَّة بمعنى المحبَّة، والكونيَّة بمعنى المشيئة. فإن قيل: هل الله يريد الخير والشر كونًا أو شرعًا؟ أجيب: إنَّ الخير إذا وقع; فهو مراد لله كونًا وشرعًا، وإذا لم يقع; فهو مراد لله شرعًا فقط، وأمَّا الشرُّ فإذا وقع; فهو مراد لله كونًا لا شرعًا وإذا لم يقع; فهو غير مراد كونًا ولا شرعًا" (٢).

стр. 616

قال ابن القيم ﵀: "والذي يكشف هذه الغُمَّة، ويبصِّر من هذه العماية، وينجِّي من هذه الورطة: إنما هو التفريق بين ما فرق الله بينه، وهو المشيئة والمحبة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين، بل قد يشاء ما لا يحبه، ويحبُّ ما لا يشاء كونه" (١).

стр. 617

الفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان وفيه ثلاث مباحث: المبحث الأول: مفهوم الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه المبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة

стр. 618

المبحث الأول: مفهوم الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام أولًا: تعريف الإيمان في اللغة قال الخليل ﵀: "الأَمْنُ: ضِدُّ الخوف، والفعل منه: أمِن يأمنُ أمنًا. والمأمَنُ: موضع الأمن، والأَمَنَةُ: من الأمن، اسمٌ موضوعٌ من أمنت" (١). وقال ابن فارس: " (أمن) الهمزةُ والميمُ والنون أصلان متقاربان، أحدهما: الأمانة التي هي ضِدُّ الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخرُ: التصديق، والمعنيان كما قلنا متدانيان، قال الخليل: الأَمَنَةُ: من الأمن، والأمانُ: إعطاء الأمنة، والأمانةُ: ضِدُّ الخيانة" (٢). وكثيرٌ من أهل العلم عرَّف الإيمان لغةً بالتصديق، ولكن التحقيق أنَّ الإيمان ليس مرادفًا للتصديق من كلِّ وجه، ونبَّه على هذا الأمر الرَّاغب الأصفهاني في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (٣) "قيل: معناه، بمصدِّقٍ لنا، إلا أنَّ الإيمان هو التصديق الذي معه أمن" (٤). وقال ابن تيمية ﵀: " ... فإنَّ اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقرَّ في القلب التصديق والانقياد" (٥).

стр. 619

ثانيًا: تعريف الإيمان في الشرع أجمع السَّلف الصالح على "أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ ونيَّة، لا يجزئُ واحدٌ من الثلاثة إلا بالآخر" (١). قال الإمام أحمد ﵀: "الإيمانُ قولٌ وعمل، يزيدُ وينقص" (٢). وقال الآجرِّي ﵀: "باب القول بأنَّ الإيمان تصديقٌ بالقلب، وإقرارُ باللِّسان، وعملٌ بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث" (٣). وقال أبو عثمان الصابوني ﵀: "ومن مذهب أهل الحديث أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ ومعرفة، يزيدُ بالطاعة وينقصُ بالمعصية" (٤). وقال الإمام البخاري ﵀: "لقيتُ أكثر من ألفِ رجلٍ من أهل العلم أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشَّام، ومصر، لقيتهم كراتٍ، قرنًا بعد قرن ثم قرنًا بعد قرن ... فما رأيتُ واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أنَّ الدين قولٌ وعمل ... " (٥).

стр. 620

وقال أبو زرعة وأبو حاتم رحمهما الله: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم: الإيمان قولٌ وعملٌ يزيدُ وينقص" (١). وقال ابن تيمية ﵀ في بيان الأصول التي اتفق عليها أهل السُّنَّة والجماعة: "ومن أصول أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الدين والإيمان قولٌ وعمل، قولُ القلبِ واللِّسان، وعملُ القلب واللِّسان والجوارح، وأنَّ الإيمان يزيد بالطاعة، وينقصُ بالمعصية" (٢). ثالثًا: تعريف ابن عجيبة للإيمان، وحقيقة العمل فيه قال: "فالإيمان هو التصديقُ بالقلب" (٣). وقال في موضعٍ آخر: "والإيمان في اللُّغة: التصديقُ بالقلب بوجود الرَّب" (٤). أمَّا حقيقة العمل فيرى أنَّ العمل ليس من الإيمان، بل يخرجه عن مُسمَّى الإيمان، يقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ (٥): "وفيه دليلٌ على أنَّ العمل ليس من الإيمان" (٦).

стр. 621

وقوله: (إنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب) هو قول أكثر الأشاعرة (١)، الذين وافقوا الجهمية في مسألة الإيمان وحقيقة العمل فيه، قال ابن تيمية ﵀: "وأمَّا الأشعريُّ: فالمعروف عنه وعن أصحابه أنَّهم يُوافقون جهمًا في قوله في الإيمان، وأنَّه مجرَّد تصديق القلب، أو معرفة القلب ... " (٢). وقال في موضعٍ آخر: "وأمَّا جهمٌ فكان يقول: إنَّ الإيمان مجرَّد تصديق القلب، وإن لم يتكلَّم به" (٣). وأمَّا إطلاق لفظ التصديق في اللُّغة على مسمَّى الإيمان فمردودٌ من عدة أمور: ١ - "ينبغي أن يُعلم أنَّ الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللُّغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوعٌ يُعرف حَدُّه بالشَّرع، كالصَّلاة والزكاة، ونوعٌ يُعرف حَدُّه باللُّغة، كالشَّمس، والقمر، ونوعٌ يُعرف حَدُّه بالعُرف، كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) ... فاسم الصَّلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك (٥) قد بيَّن الرسول ﷺ ما يُراد بها في كلام اللَّه ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يُعرف معناها، فلو أراد أحَدٌ أن يفسِّرها بغير ما بيَّنه النَّبي ﷺ لم يُقبل منه، وأمَّا الكلام في اشتقاقها ووجه

стр. 622

دلالتها، فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام، هو زيادة في العلم، وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقّف على هذا. واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر، هي أعظم من هذا كله، فالنَّبي ﷺ قد بيَّن المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق؛ فلهذا يجب الرجوع في مُسمَّيات هذه الأسماء إلى بيان اللَّه ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصَّة والعامَّة، بل كلُّ من تأمَّل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرُّسول ويعلم بالاضطرار أنَّ طاعة اللَّه ورسوله من تمام الإيمان" (١). ٢ - "أنَّ لفظ الإيمان في اللُّغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللُّغة أنَّ كلَّ مخبر يُقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدَّقناه أو كذَّبناه، ولا يُقال لكلِّ مخبر: آمنَّا له أو كذَّبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذِّب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختصُّ بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط" (٢). ٣ - "وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم مستلزمٌ لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإنَّ هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليلٌ على انتفاء الملزوم، ونقول: إنَّ هذه اللوازم تدخل في مسمَّى اللَّفظ تارة، وتخرج عنه أخرى" (٣).

стр. 623

٤ - أنَّ الأفعال تُسمَّى تصديقًا كما ورد في الحديث الثابت عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزِّنا أدرك ذلك لا محالة, فزنا العين النَّظر، وزنا اللِّسان المنطق, والنَّفس تمنَّى وتشتهي, والفرج يصدِّق ذلك أو يكذّبه» (١). ٥ - يلزم من فساد هذا القول أنَّ من صدَّق بقلبه فهو مؤمن، ولو لم يركع أو يسجد لله سجدةً واحدة (٢). ٦ - أنَّ هذا القول مخالف للأدلة الشرعية التي تثبت أنَّ العملَ داخلٌ في الإيمان، ومنها: أولًا: من القرآن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣)، قال ابن تيمية ﵀: "فيقال: من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمنًا، لزم ذلك بغير قصد منه ولا تَعمُّد له، وإذا لم يوجد دلَّ على أنَّ الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٤)، فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله، فإنَّ نفس الإيمان ينافي موادته، كما ينفي أحد الضدَّين الآخر، فإذا وجد

стр. 624

الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلًا على أنَّ قلبه ليس فيه الإيمان الواجب" (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قال ابن قتيبة ﵀: "فإيمان العبد بالله: تصديقه قولًا وعملًا وعقدًا، وقد سمى الله الصلاة -في كتابه- إيمانًا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس" (٣). ثانيًا: من السُّنَّة ١ - قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضعٌ وستون شعبة، فأفضلُها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان» (٤). ٢ - قال رسول الله ﷺ لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم» (٥). ٣ - قال رسول الله ﷺ : «آيةُ الإيمان حُبُّ الأنصار، وآيةُ النفاق بغضُ الأنصار» (٦).

стр. 625

والقول الحق هو ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة "أنَّ الإيمان قولٌ وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح" (١)، وهذا "أتم من قول من يقول: إنَّ الإيمان اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، صحيح أنَّ هذا يرد مذهب الخوارج المرجئة، لكن ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الخمسة أتم، يعني: يستوعب كل جوانب الإيمان" (٢). رابعًا: الفرق بين الإيمان والإسلام الفرق بين الإيمان والإسلام من المسائل الهامَّة جدًّا؛ "لكثرة ذكرهما، وكثرة كلام النَّاس فيهما، والاسم كُلَّما كثر التكلُّم فيه، فتكلم به مطلقًا ومقيَّدًا بقيد، ومقيدًا بقيد آخر في موضع آخر، كان هذا سببًا لاشتباه بعض معناه، ثم كُلَّما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك، ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه مقيَّدًا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك، فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامَّة، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه، وعلم أن خير الكلام كلام اللّه، وأنه لا بيان أتم من بيانه" (٣). وذهب ابن عجيبة أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلَّ بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤). فقال: "وفيه دليلٌ على أنَّ الإسلام والإيمان واحد، أي: باعتبار الشرع فهما

стр. 626

متلازمان، فلا إسلام إلا بعد إيمان، ولا إيمان إلا بعد النطق بالشهادة إلا لعذر، وأمَّا في اللغة فمختلف، والإسلام محلُّه الظاهر، والإيمان محلُّه الباطن" (١). واستدلال ابن عجيبة بهذه الآية هو نفس قول النَّسفي إذ يقول: "وفيه دليلٌ على أنَّ الإيمان والإسلام واحد" (٢). وهذا القول مخالف ومردود بتفسير الله ورسوله ﷺ للإيمان "فإنَّ الله ورسوله قد فسَّرا الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبيَّنَا أيضًا أنَّ العمل بما أمر به يدخل في الإيمان، ولم يسم الله الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلامًا، بل إنَّما سمّى الإسلام الاستسلام له بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به؛ كالصَّلاة والزكاة خالصًا لوجهه، فهذا هو الذي سمَّاه الله إسلامًا وجعله دينًا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) ... وهذا يقتضي أنَّ كلَّ من دان بغير دين الإسلام فعمله مردود، وهو خاسر في الآخرة، فيقتضي وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه، لا يقتضي أنَّ مُسمَّي الدين هو مُسمَّى الإيمان، بل أمرنا أن نقول: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٤)، وأمرنا أن نقول: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٥) فأمرنا باثنين فكيف نجعلهما واحدًا؟ " (٦).

стр. 627

وبيّن شيخ الإسلام لفظ الإسلام والإيمان حال الاقتران والتفرد فقال: "إذا تبيَّن هذا وعُلم أنَّ الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما أنَّ القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه زالت الشبه العلمية في هذه المسألة - وهي دعوى إمكانية حصول الإيمان في القلب دون حصول أثره في الظاهر- (١) ولم يبق إلا (نزاع لفظي) في أنَّ موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل في مُسمَّاه فيكون لفظ الإيمان دالًّا عليه بالتضمُّن والعموم؟ أو هو لازم للإيمان ومعلول له وثمرة له فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم؟ وحقيقة الأمر أنَّ اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم، فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالًّا على الباطن فقط، وإن أفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر وبهذا تأتلف النصوص. فقوله: ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن والظاهر، وقوله: ﷺ في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر»، ذكره مع قوله: ﷺ «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول لله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» فلما أفرده عن اسم الإسلام ذكر ما يخصه الاسم في ذاك الحديث مجرَّدًا عن الاقتران، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام ... ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران كما في اسم الفقير والمسكين والمعروف والمنكر والبغي وغير

стр. 628

ذلك من الأسماء وكما في لغات سائر الأمم عربها وعجمها زاحت عنه الشبهة في هذا الباب" (١). وقال أيضًا: "إذا عرف أنَّ أصل الإيمان في القلب فاسم (الإيمان) تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم، ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن جعلًا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلًا في مُسمَّاه وبهذا يتبيَّن أنَّ الأعمال الظاهرة تُسمَّى إسلامًا وأنها تدخل في مُسمَّى الإيمان تارة ولا تدخل فيه تارة. وذلك أنَّ الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين إذا أفرد أحدهما تناول الآخر وإذا جمع بينهما كان لكلِّ واحد مُسمّى يخصه ... والأقوال والأعمال الظاهرة نتيجة الأعمال الباطنة ولازمها. وإذا أفرد اسم (الإيمان) فقد يتناول هذا وهذا كما في قول النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، وحينئذٍ فيكون الإسلام داخلًا في مُسمَّى الإيمان وجزءًا منه فيقال حينئذ: إنَّ الإيمان اسمٌ لجميع الطاعات الباطنة والظاهرة" (٢). وقال الخطابي ﵀: "والصَّحيح من ذلك أن يقيَّد الكلام في هذا، ولا يُطلق على أحد الوجهين، وذلك أنَّ المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكلُّ مؤمن مسلم، وليس كل

стр. 629

مسلم مؤمنًا، فإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها ولم يختلف منها شيء" (١). ويقول الحافظ ابن رجب ﵀: "فأمَّا الإسلام، فقد فسَّره النَّبي ﷺ بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل، وأول ذلك شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وهو عمل اللسان، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ... وأمَّا الإيمان، فقد فسَّره النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة ... وأمَّا وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان، وتفريق النَّبي ﷺ بينهما، وإدخاله الأعمال في مُسمَّى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أنَّ من الأسماء ما يكون شاملًا لمسمَّيات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قُرِن ذلك الاسم بغيره، صار دالًّا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر، دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات، والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان: إذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دلَّ أحدهما على بعض ما يدلُّ عليه بانفراده، ودلَّ الآخر على الباقي" (٢). ويقول الخطابي ﵀: "وهذه المسألة -يعني الفرق بين الإسلام والإيمان- مما قد أكثر الناس الكلام فيها، وصنَّفوا لها صحفًا طويلة، والمقدار الذي لا بدَّ من ذكره هنا على وجه الإيجاز والاختصار:

стр. 630

أنَّ الإيمان والإسلام قد يجتمعان في مواضع، فيقال للمسلم مؤمن، وللمؤمن مسلم، ويفترقان في مواضع، فلا يُقال لكلِّ مسلمٍ مؤمن، ويقال لكلِّ مؤمنٍ مسلم، فالموضع الذي يتفقان فيه هو أن يستوي الظاهر والباطن، والموضع الذي لا يتفقان فيه هو أن لا يستويا، ويقال له عند ذلك مسلم" (١). وقال ابن أبي العز ﵀: "وطائفة جعلوا الإسلام مرادفًا للإيمان ... مع أنهم قالوا: إنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيءٌ واحد فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحدٌ من أهل اللُّغة وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد قال النَّبي ﷺ : «اللهمَّ لك أسلمتُ وبك آمنتُ» (٢)، (٣). وأما الاستدلال بالآية السابقة "فلا حُجَّة فيه؛ لأنَّ أهل البيت المُخْرَج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادف" (٤). "والتحقيق في الفرق بينهما أنَّ الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، ومن هنا قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم، فإنَّ من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحقُّقًا تامًّا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمن الإيمان التام" (٥).

стр. 631

الأدلة على التفريق بينهما: ١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول ﷺ الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشَّعر، لا يُرى عليه أثر السَّفر، ولا يعرفه منَّا أحد، حتى جلس إلى النَّبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال: رسول الله ﷺ «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: فأخبرني عن السَّاعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: «أن تلد الأَمَةُ ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» قال: ثم انطلقَ فلبثتُ مليًّا ثم قال لي: «يا عمرُ أتدري من السائل؟» قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم» (١). ٢ - عن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعدٌ جالس، فترك رسول الله ﷺ رجلًا هو أعجبهم إليَّ فقلتُ: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: «أو مسلمًا»، فسكتُ قليلًا ثم غلبني ما أعلم منه فعدتُ لمقالتي فقلتُ: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: «أو مسلمًا»، ثم غلبني ما أعلم منه فعدتُ لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ثم قال: «يا سعدُ إنِّي لأعطي الرَّجل

стр. 632

وغيره أَحَبُّ إليَّ منه خشية أن يكبَّه الله في النَّار» (١). قال ابن رجب ﵀: "وكذلك قول النَّبي ﷺ لسعد ﵁ لما قال له: «لم تعط فلانًا وهو مؤمن»، فقال النَّبي ﷺ : «أو مسلم» يشير إلى أنه لم يتحقق مقام الإيمان فإنما هو مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا" (٢). ٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من النَّار من كان في قلبه مثقال حَبَّةٍ من خردلٍ من إيمان ... » (٣). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وقوله في الحديث: «أخرجوا من النار من في قلبه ... » إلخ، يوافق ما ذكرناه -من التفريق بين الإسلام والإيمان-، فإنَّ الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه، وإن كان ناقصًا" (٤).

стр. 633

المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه أولًا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ((٢). قال ابن كثير ﵀: "وهذه الآية من أكبر الدلائل على أنَّ الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السَّلف والخلف من أئمَّة العلماء" ((٣). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ((٤). وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥) (. قال الكرماني ﵀: "فإن قلتَ: هذه الآيات دلَّت على الزيادة فقط، والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما قلت: كلُّ ما قبل الزيادة لا بدَّ وأن يكون قابلًا للنُّقصان ضرورة" (٦).

стр. 634

وقال ابن بطال ﵀: "وبيان ذلك أنه من لم تحصل له بذلك الزيادة، فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له" (١). وقال البغوي ﵀: "وقالوا: -أي أهل السُّنَّة والجماعة- إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنُّقصان في وصف النِّساء (٢) " (٣). وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). قال ابن بطال ﵀: "هذه الآية حُجَّة في زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّ هذه الآية نزلت يوم عرفة في حَجَّة الوداع يوم كملت الفرائض والسُّنَن واستقرَّ الدِّين، وأراد الله قبض نبيِّه، فدلَّت هذه الآية أنَّ كمال الدين إنما حصل بتمام الشريعة، فمن حافظ على التزامها فإيمانه أكمل من إيمان من قَصَرَّ في ذلك وضيَّع" (٥). ثانيًا: أدلَّة زيادة الإيمان ونقصانه من السُّنَّة ١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمَرهُم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنَّا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إنَّ الله قد غفر لك ما

стр. 635

تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: «إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» (١). قال ابن حجر ﵀: "وفيه دليلٌ على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّ قوله ﷺ : (أنا أعلمكم بالله) ظاهر في أنَّ العلم بالله درجات، وأنَّ بعض النَّاس فيه أفضل من بعض، وأنَّ النَّبي ﷺ منه أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلَّق بذلك فهذا هو الإيمان الحقيقي" (٢). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد» (٣). قال ابن عبد البر ﵀ معلِّقًا على هذا الحديث: "وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر، ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلّوا للقبلة، وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أنَّ الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إنَّ مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر كما زعمت الخوارج في
следующие страницы →