← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الأدلة على التفريق بينهما: ١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول ﷺ الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشَّعر، لا يُرى عليه أثر السَّفر، ولا يعرفه منَّا أحد، حتى جلس إلى النَّبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال: رسول الله ﷺ «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: فأخبرني عن السَّاعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: «أن تلد الأَمَةُ ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» قال: ثم انطلقَ فلبثتُ مليًّا ثم قال لي: «يا عمرُ أتدري من السائل؟» قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم» (١). ٢ - عن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أعطى رهطًا وسعدٌ جالس، فترك رسول الله ﷺ رجلًا هو أعجبهم إليَّ فقلتُ: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: «أو مسلمًا»، فسكتُ قليلًا ثم غلبني ما أعلم منه فعدتُ لمقالتي فقلتُ: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: «أو مسلمًا»، ثم غلبني ما أعلم منه فعدتُ لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ثم قال: «يا سعدُ إنِّي لأعطي الرَّجل

стр. 632

وغيره أَحَبُّ إليَّ منه خشية أن يكبَّه الله في النَّار» (١). قال ابن رجب ﵀: "وكذلك قول النَّبي ﷺ لسعد ﵁ لما قال له: «لم تعط فلانًا وهو مؤمن»، فقال النَّبي ﷺ : «أو مسلم» يشير إلى أنه لم يتحقق مقام الإيمان فإنما هو مقام الإسلام الظاهر، ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا" (٢). ٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من النَّار من كان في قلبه مثقال حَبَّةٍ من خردلٍ من إيمان ... » (٣). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وقوله في الحديث: «أخرجوا من النار من في قلبه ... » إلخ، يوافق ما ذكرناه -من التفريق بين الإسلام والإيمان-، فإنَّ الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه، وإن كان ناقصًا" (٤).

стр. 633

المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه أولًا: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ((٢). قال ابن كثير ﵀: "وهذه الآية من أكبر الدلائل على أنَّ الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السَّلف والخلف من أئمَّة العلماء" ((٣). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ((٤). وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥) (. قال الكرماني ﵀: "فإن قلتَ: هذه الآيات دلَّت على الزيادة فقط، والمقصود بيان الزيادة والنقصان كليهما قلت: كلُّ ما قبل الزيادة لا بدَّ وأن يكون قابلًا للنُّقصان ضرورة" (٦).

стр. 634

وقال ابن بطال ﵀: "وبيان ذلك أنه من لم تحصل له بذلك الزيادة، فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له" (١). وقال البغوي ﵀: "وقالوا: -أي أهل السُّنَّة والجماعة- إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنُّقصان في وصف النِّساء (٢) " (٣). وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). قال ابن بطال ﵀: "هذه الآية حُجَّة في زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّ هذه الآية نزلت يوم عرفة في حَجَّة الوداع يوم كملت الفرائض والسُّنَن واستقرَّ الدِّين، وأراد الله قبض نبيِّه، فدلَّت هذه الآية أنَّ كمال الدين إنما حصل بتمام الشريعة، فمن حافظ على التزامها فإيمانه أكمل من إيمان من قَصَرَّ في ذلك وضيَّع" (٥). ثانيًا: أدلَّة زيادة الإيمان ونقصانه من السُّنَّة ١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمَرهُم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنَّا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إنَّ الله قد غفر لك ما

стр. 635

تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: «إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» (١). قال ابن حجر ﵀: "وفيه دليلٌ على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّ قوله ﷺ : (أنا أعلمكم بالله) ظاهر في أنَّ العلم بالله درجات، وأنَّ بعض النَّاس فيه أفضل من بعض، وأنَّ النَّبي ﷺ منه أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلَّق بذلك فهذا هو الإيمان الحقيقي" (٢). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد» (٣). قال ابن عبد البر ﵀ معلِّقًا على هذا الحديث: "وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر، ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلّوا للقبلة، وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أنَّ الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إنَّ مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر كما زعمت الخوارج في

стр. 636

تكفيرهم المذنبين، وقد جعل الله في ارتكاب الكبائر حدودًا جعلها كَفَّارةً وتطهيرًا" (١). قال النووي في بيان معنى الحديث: "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أنَّ معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تُطلق على نفي الشَّيء ويُراد نفي الكمال" (٢). ٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال، قال: رسول الله ﷺ : «من اقتنى كلبًا إلا كلبَ ماشيةٍ أو ضاريًا (٣) نقص من عمله كل يوم قيراطان» (٤). قال ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "وفي الحديث الحثُّ على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل بما ينقصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها؛ لتجتنب أو ترتكب، وبيان لطف الله تعالى بخلقه في إباحة ما لهم به نفع وتبليغ نبيِّهم ﷺ لهم أمور معاشهم ومعادهم، وفيه ترجيح المصلحة الراجحة على المفسدة؛ لوقوع استثناء ما يُنتفع به مما حُرِّم اتخاذه" (٥). ٤ - عن عمران بن حصين ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يدخل الجنَّة من أُمِّتي سبعون ألفًا بغير حساب»، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرَّون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكَّلون» (٦).

стр. 637

قال ابن تيمية ﵀: " ... وفي حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب كفاية فإنه من أعظم الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّه وصفهم بقوة الإيمان وزيادته في تلك الخصال التي تدلُّ على قوة إيمانهم، وتوكُّلهم على الله في أمورهم كلِّها" (١). ثالثًا: رأي ابن عجيبة في زيادة الإيمان ونقصانه يقول ابن عجيبة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢) "وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرُّغ مما سواه، وينقص بحسب التوجُّه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضًا بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار" (٣). ولكن هذا النص سرعان ما ينقضه بتنزيله على المريدين، أمَّا الزيادة والنقص فهي لعوام المسلمين، أمَّا المريدين فهم الذين يزدادون يقينًا وإيمانًا عندما يؤذون فيتحققون أنهم على المنهج السليم لينقلبوا لمرحلة الشهود والمعاينة فيتحقق مقام الإحسان الذي هو مقام الشهود والعيان (٤)، ولا تحقق الزيادة إلا بصحبة أهل العرفان -أي أهل المعرفة- (٥) وهم أهل وحدة الوجود فمن لم يصحبهم بقي إيمانه ناقصًا (٦).

стр. 638

ونقل عن زروق في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١) قوله: "اعلم أنَّ الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص، وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامَّة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرُّسُل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلَّق بهم من المريدين السائرين، فهؤلاء إيمانهم دائمًا في الزيادة، وأرواحهم دائمًا في الترقِّي في المعرفة، يزيدون بالطاعة والمعصية لتيقُّظهم وكمال توحيدهم" (٢). وقد احتوى هذا النص على مخالفات عقديَّة منها: ١ - الخوض في مالم يرد دليلٌ عليه في إيمان الملائكة. ٢ - التسوية بين إيمان الأنبياء ﵈ وإيمان العارفين الروحانيين الذين وصلوا -كما يزعم- لدرجة الاتصال بالله عن طريق المجاهدة والجوع وتحريم الطيبات من الرزق، وهذا لا شكَّ في بطلانه، ويتضح ذلك عند بيان مذهب أصحاب الروحانيات الذين يزعمون "أنَّ للعالم صانعًا، فاطرًا، حكيمًا، مقدَّسًا عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يُتقرَّب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون، المطهرون، المقدسون جوهرًا، وفعلًا، وحالةً ... فالواجب علينا أن نطهِّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعيَّة، ونهذِّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات، فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع

стр. 639

أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم، ورازقنا ورازقهم، وهذا التطهير والتهذيب ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيَّات الشهوات، باستمداد من جهة الروحانيات، والاستمداد هو التضرُّع والابتهال بالدعوات، وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات، وتعزيم العزائم، فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة، بل يكون حكمنا وحكم من يدعي الوحي على وتيرة واحدة" (١). ٣ - عدم النَّظر لحقيقة الإيمان من حيث إنه يزيد وينقص بل نظر لمتعلقه من الأشخاص، والأولى أن يقرر ما قرَّره أئمَّة أهل السُّنَّة والجماعة في زيادة الإيمان ونقصانه. ٤ - لا يُسلَّم له قوله: (لتيقُّظهم وكمال توحيدهم)؛ لأنهم ليسوا معصومين بل تقع منهم المعصية ولا يكونون مع هذا في كمال توحيدهم، وإن كانوا من أولياء الله الصالحين، فلا عصمة مكفولة لهم من ربِّ العالمين، فالخطأ والميل إلى الهوى عليهم وارد. ثم إنه جعل الأولياء أفضل من الأنبياء، والمقرَّر عند سلف الأُمَّة وخَلَفِها من أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الأنبياء أفضل من الأولياء، وأنه لا يجوز تفضيل أحدٌ من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء (٢). قال الطحاوي ﵀: "ولا نُفضِّل أحدًا من الأولياء على أَحَدٍ من الأنبياء ﵈ ونقول: نبيٌّ واحدٌ أفضلُ من جميع الأولياء" (٣).

стр. 640

المبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة أولًا: تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر ذهب الجماهير من السَّلف والخلف إلى تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر, وتظاهر على ذلك دلائل الكتاب والسُّنَّة واستعمال سلف الأُمَّة وخلفه (١). قال ابن القيم ﵀: "وقد دلَّ القرآنُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الصَّحابة والتابعين بعدهم والأَئمَّة على أنَّ من الذنوب كبائر وصغائر" (٢). ثانيًا: أدلة الكتاب والسُّنَّة على ذلك أ من القرآن: قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٤). ب من السُّنَّة: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر» (٥).

стр. 641

وعن عائشة ﵂ قالت قال: ﷺ : «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشَّوكة يشاكها» (١). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» (٢). وذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الأعمال الصالحة تُكفِّر صغائر الذنوب وأمَّا الكبائر فلا تُكَفَّر بمجرَّد فعل الأعمال الصالحة بل لا بدَّ من التوبة بشروطها حتى تُكَفَّر (٣). ويقول القاضي عياض: "هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة وأنَّ الكبائر إنما تكفِّرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله" (٤). ثالثًا: حد الكبيرة وحصرها ورد الاختلاف في حدِّ الكبيرة والصغيرة على أقوال، وملخصها على ضربين: الضرب الأول: من حصر الكبيرة في عددٍ معيَّن. قال ابن عجيبة: "واختلف في الكبائر، هل تعرف بالعدِّ أو بالحد؟ فقيل: سبع (٥)، وقيل ثلاث، وقيل أربع (٦)، وقيل: سبعون (٧)، وقيل: كل معصية فهي

стр. 642

كبيرة (١)، وقيل: "كلُّ ما نهى من أوّل السُّورة (٢) إلى ههنا (٣) من الكبائر" (٤). وهذا التحديد ليس له دليل ولا وجه له؛ لأن هناك نصوص صحيحة ذكرها النبي ﷺ وعدَّها من الكبائر، مثل: حديث السبع الموبقات عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله وما هنَّ"، قال: «الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٥). قال ابن كثير ﵀: "فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن، إلا عند من يقول بمفهوم اللقب (٦)، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيِّما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم" (٧). وسبب حصر هذه السبع والتنصيص عليها؛ لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيِّما فيما كانت عليه الجاهلية (٨).

стр. 643

كذلك وردت أحاديث صحيحة ونصَّت على أنَّ من يفعل هذا الفعل فقد فعل كبيرة، ومنها: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور» (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الكبائرُ: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النَّفس، واليمين الغموس» (٢). ويُلاحظ زيادة (عقوق الوالدين، وشهادة الزور) في الحديث الأول، و (اليمين الغموس) في هذا الحديث، فهذه نصوصٌ صحيحةٌ دلَّت على أنَّ هذه الأفعال من الكبائر. الضرب الثاني: وهو تعريف الكبيرة -بضابط- دون ذكر عددٍ معيَّن مع اختلافهم في التعريف. عرَّفها ابن عجيبة بقوله: "ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه" (٣). ونقل قول ابن عطيه ﵀ (٤): "وتحرير القول في الكبائر: أنها كل معصية يوجد

стр. 644

فيها حدٌّ في الدنيا، أو توعّد عليها بنارٍ في الآخرة، أو بلعنةٍ ونحوها" (١). وقال أيضًا: "وقيل: كلُّ ما فيه حق الغير فهو كبائر، وما كان بينك وبين الله تعالى صغائر" (٢). وقيل في تعريفها: "كل ما اتفقت عليه الشرائع بتحريمها" (٣). وقيل أيضًا هي: كل ذنب يترتَّب عليه حدٌّ أو توعّد عليه بالنار، أو اللعنة، أو غضب الله (٤). وقال المباركفوري ﵀: "والراجح: أنَّ كلَّ ذنبٍ نُصَّ على كِبَره، أو عظمه أو توعَّد عليه بالعقاب في الآخرة، أو خُتم بالغضب، أو اللَّعنة، أو عُلِّق عليه حدٌّ، أو شُدِّد النكير عليه، أو وصِف فاعلها بالفسق فهو كبيرة" (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنَّ هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط لعدة وجوه: أحدها: أنه المأثور عن السَّلف، بخلاف تلك الضوابط؛ فإنها لا تعرف عن أحدٍ من الصحابة والتابعين والأئمَّة. الثاني: أنَّ الله قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٦) فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق

стр. 645

الوعد الكريم، وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنَّة أو ما يقتضي ذلك فإنه خارج عن هذا الوعد. الثالث: أنَّ هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب، فهو حَدُّ يُتلقَّى من خطاب الشارع، وما سوى ذلك ليس متلقّى من كلام الله وكلام رسوله ﷺ . الرابع: أنَّ هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأمَّا تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر. الخامس: أنَّ تلك الأقوال فاسدة: فقول من قال: إنها ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه؛ يوجب أن تكون الحَبَّة من مال اليتيم ومن السرقة والخيانة والكذبة الواحدة وبعض الإساءات الخفيَّة ونحو ذلك كبيرة، وأن يكون الفرار من الزحف ليس من الكبائر؛ إذ الجهاد لم يجب في كل شريعة، وكذلك يقتضي أن يكون التزوُّج بالمحرمات بالرضاعة والصهر وغيرهما ليس من الكبائر؛ لأنه مما لم تتفق عليه الشرائع، وكذلك إمساك المرأة بعد الطلاق الثلاث ووطئها بعد ذلك مع اعتقاد التحريم. وكذلك من قال: إنها ما تسدُّ باب المعرفة أو ذهاب النفوس والأموال؛ يوجب أن يكون القليل من الغضب والخيانة كبيرة، وأن يكون عقوق الوالدين وقطيعة الرَّحم وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ونحو ذلك ليس من الكبائر. ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها وأنَّ ما عُصي الله به فهو كبيرة؛ فإنه يوجب أن لا تكون الذنوب في نفسها تنقسم إلى كبائر وصغائر،

стр. 646

وهذا خلاف القرآن فإنَّ الله قال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٣)، وقال: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤)، وقال: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٥)، والأحاديث كثيرة في الذنوب الكبائر. ومن قال: هي سبعة عشر، فهو قولٌ بلا دليل. ومن قال: إنها مبهمة أو غير معلومة، فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها. ومن قال: إنه ما تُوعِّد عليه بالنار قد يقال: إنَّ فيه تقصيرًا؛ إذ الوعيد قد يكون بالنار وقد يكون بغيرها، وقد يقال: إنَّ كل وعيد فلا بدَّ أن يستلزم الوعيد بالنار. وأمَّا من قال: إنها كلُّ ذنب فيه وعيد، فهذا يندرج فيما ذكره السَّلف؛ فإنَّ كلَّ ذنب فيه حَدُّ في الدنيا ففيه وعيدٌ من غير عكس، فإن الزِّنا والسرقة، وشرب الخمر، وقذف المحصنات ونحو ذلك فيها وعيد، كمن قال: إن الكبيرة ما فيها وعيد" (٦).

стр. 647

رابعًا: حكم مرتكب الكبيرة تدلُّ نصوص الوحيين دلالةً واضحةً على أنَّ مرتكب الكبيرة لا يخرج من الملَّة، بل ينقص إيمانه بقدر ما اقترف من الكبائر، ويطلق عليه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يسلب عنه الإيمان، ومع ذلك لا يستحق أن يطلق عليه اسم مؤمن بإطلاق، بل يبقى معه مطلق الإيمان. أ أدلة الكتاب على ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١). قال ابن جرير ﵀: "وقد أبانت هذه الآية أنَّ كلَّ صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها مالم تكن الكبيرة شركًا" (٢). وقال النووي ﵀: "وفي هذه دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السَّلف أنه لا يخلد في النار أحدٌ مات على التوحيد، والله أعلم" (٣). ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). قال ابن أبي العز ﵀: "فلم يُخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لوليِّ القصاص، والمراد أُخوَّة الدين بلا ريب" (٥).

стр. 648

٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١). قال السَّعدي ﵀: "وإنَّ الإيمان، والأخوَّة الإيمانية، لا تزول مع وجود القتال كغيره من الذنوب الكبار، التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السُّنَّة والجماعة" (٢). ب أدلة السُّنَّة على ذلك: ٤ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كُفَّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك» (٣). ٥ - وقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ الله يدني من المؤمن فيضعُ عليه كنفهُ (٤) ويستُرُه فيقول: أتعرفُ ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ حتى إذا قرَّرهُ

стр. 649

بذنوبه ورأى في نفسه أنه هالكٌ قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأمَّا الكافر والمنافق، فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١)»، (٢). هذه هي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة قاطبة في مرتكب الكبيرة. يقول الصابوني ﵀: "ويعتقد أهل السُّنَّة أنَّ المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يَكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإنَّ أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنَّة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذَّبه مدةً بعذاب النار، وإذا عذَّبه لم يخلِّده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (٣). وذهب ابن عجيبة إلى هذا بقوله: "ومذهب أهل السُّنَّة أنَّ مرتكب الكبيرة لا يُخلَّد في النَّار، وأنه في حكم المشيئة، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين بتخليد عصاة المؤمنين في النار" (٤).

стр. 650

الباب الثالث: آراء ابن عجيبة الصوفية وفيه ستة فصول: الفصل الأول: المريد والشيخ الفصل الثاني: الولاية والكرامة الفصل الثالث: الحلول والاتحاد ووحدة الوجود الفصل الرابع: الأحوال والمقامات الفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده الفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية، ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السنة منها

стр. 651

الفصل الأول: المريد والشيخ وفيه مبحثان: المبحث الأول: مفهوم المريد والشيخ المبحث الثاني: الصلة بين المريد والشيخ

стр. 652

المبحث الأول: مفهوم المريد والشيخ أولًا: مفهوم المريد والشيخ عرَّف ابن عربي المريد بأنه: "الذي صحَّ له الأسماء ودخل في جملة المنقطعين إلى الله بالاسم" (١). وقال الجرجاني: "هو المجرَّد عن الإرادة" (٢). وقيل: هو "من عزفت نفسُه عن طيِّبات الدنيا، وأعرض عن لذَّاتها لتلذُّذه بوظائف العبادات" (٣). وعرَّفه ابن عجيبة بقوله: "هو الذي فعله حميد، ورأيه سديد، وبصره حديد، وبحره مديد، يستفيد ويفيد" (٤). وقال أيضًا: "فهو الذي تعلَّقت إرادته بمعرفة الحق، ودخل تحت تربية المشايخ" (٥). وقسَّم ابن عجيبة المريد إلى ثلاث مراتب، فقال: "وهي ثلاثة مراتب: إرادة التبرُّك والحرمة، وهي لمن ضعفت هِمَّته وكثرت علاقته، وإرادة الوصول إلى الحضرة، وهي لأهل التجريد (٦) وقُوَّة العزم، وإرادة الخلافة وكمال المعرفة، وهي لمن ظهرت

стр. 653

نجابته وكملت أهليَّته وصُرِّح له بالخلافة من شيخٍ كاملٍ أو هاتفٍ صادق" (١). فطريق التبرك يكفي فيه تعلُّم الفقه والتوحيد، وأن يكون المريد مُحبًّا لشيخه وإخوانه، وطريق الإرادة أن يلقي التلميذ بنفسه بين يدي الشيخ، فيكون كالميت بين يدي الغاسل يفعل به ما يشاء، ويُقلِّبه كيف يشاء، فمريد الإرادة يسلب إرادته لشيخه، فهو يتلقَّى الطريق من شيخه أقوالًا وأفعالًا، وإن لم يفعل ذلك فهو منازع للشيخ فيما يريد (٢). أمَّا مفهوم الشيخ فعرَّفه القاشاني (٣) بقوله: "الإنسان الكامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، البالغ إلى حدِّ التمكين فيها لعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها، ومعرفته بدوائها، وقدرته على شفائها، والقيام بهداها إن استعدت ووفقت لاهتدائها" (٤). وقيل: "هو الذي سلك طريق الحق، وعرف المخاوف والمهالك، فيرشد المريد ويشير إليه بما ينفعه وما يضرُّه" (٥).

стр. 654

ثانيًا: أمور يجب على المريد أن يسلكها من جملة الأمور التي يسلكها المريد وبدونها لا يصل لمقام الولاية -حسب زعمهم- المجاهدة والعزلة، والصوم، والجوع، وتسليط النَّاس، والتجرُّد من الدنيا وملذَّاتها (١). قال ابن عجيبة: "وأعظم ما يشتغل عنه المريد ويغيب عنه حُبُّ الدنيا، فإنه سُمٌّ قاطع، ولا يمكن السير إلى الله بصفاء القلوب مع بقاء شيءٍ منها، وقليلها ككثيرها" (٢). وقال في موضعٍ آخر: "فإن أضاف المريد إلى العزلة (٣) الصمت والجوع والسَّهر فقد كملت ولايته، وظهرت عنايته، وأشرقت عليه الأنوار، وانمحت من مرآة قلبه صور الأغيار" (٤). ويقسِّم الصوفية العزلة إلى قسمين: عزلة المريد بالجسم عن مخالطة الأغيار، وهو في هذا المقام لم يصل إلى وحدة الشُّهود، والقسم الثاني: عزلة المحققين وتكون بالقلب عن الكون، فهؤلاء وصلوا -بزعمهم- لوحدة الشُّهود والعيان، فكملت ولايتهم، وهم بذلك يتحقق فيهم المقولة الكفرية وحدة الوجود. وهذا ليس ممدوحًا، فالممدوح من العزلة اعتزال ما يؤذي، ومن الخلطة ما ينفعُ، فلا ينبغي أن تقطع العزلةُ عن العلم والجماعات ومجالس الذكر والاحتراف للعائلة، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى (٥).

стр. 655

ولقد فسَّر ابن عجيبة قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (١) بقوله: "الحرم الآمن في هذه الدار هو التبتُّل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها، والتجرُّد من أسبابها" (٢). وهذا التفسير مخالفٌ لتفسير العلماء المحققين، قال ابن كثير ﵀: "يقول تعالى ممتنًّا على قريش فيما أحلَّهم من حرمه الذي جعله للنَّاس سواءً العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمنا فهم في أمنٍ عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٣) " (٤). وتفسير ابن عجيبة المخالف للآية جاء نتيجة المجاهدة والرياضة التي كان عليها ابن عجيبة فقد "كان قليل اللحم، يابس الجلد على العظم؛ من كثرة المجاهدة والزهد والورع، ويلبس جلابة مرتقعة" (٥)، فهو يصف نفسه عندما تكون تلك حالته بقوله: "ولقد كنتُ في حال الرياضة والمجاهدة إذا أردت أن أتكلَّم في التفسير، أو غيره أشرع في الكلام، ثم أغيب (٦)، فكنت أحس بالكلام يخرج مني من غير اختيار كأنه السَّحاب، فتصدر مني علومٌ وحِكَم، فإذا سكت لم يبق منه إلا القليل" (٧).

стр. 656

قال ابن تيمية ﵀: "الرياضة تستعمل في ثلاثة أنواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي كما يذكر الأطباء وغيرهم، وفي رياضة النُّفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة، وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة" (١). وما توهَّمه ابن عجيبة هو في الحقيقة خطاباتٌ شيطانية، نتيجة الرياضات والمجاهدات الشاقَّة على النَّفس. قال ابن القيم ﵀: "فمن أين للمخاطب أن هذا الخطاب رحماني، أو ملكي؟ بأيِّ برهان؟ أو بأيِّ دليل؟ والشيطان يقذف في النفس وحيه، ويلقي في السمع خطابه، فيقول المغرور المخدوع: قيل لي وخوطبت، صدقت لكن الشأن في القائل لك والمخاطب ... خطاب حالي، تكون بدايته من النفس، وعوده إليها، فيتوهمه من خارج، وإنما هو من نفسه، منها بدأ وإليها يعود، وهذا كثيرًا ما يعرض للسَّالك، فيغلط فيه، ويعتقد أنه خطاب من الله، كلَّمه به منه إليه، وسبب غلطه أنَّ اللطيفة المدركة من الإنسان إذا صفت بالرياضة، وانقطعت علقها عن الشواغل الكثيفة صار الحكم لها بحكم استيلاء الروح والقلب على البدن، ومصير الحكم لهما، فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متصلة بهما، وتشتد عناية الروح بها، وتصير في محل تلك العلائق والشواغل، فتملأ القلب، فتنصرف تلك المعاني إلى المنطق والخطاب القلبي الروحي بحكم العادة، ويتفق تجرد الروح، فتشكل تلك المعاني للقوة السامعة بشكل الأصوات المسموعة، وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية، فيرى صورها، ويسمع الخطاب، وكله في نفسه ليس في

стр. 657

الخارج منه شيء، ويحلف أنه رأى وسمع، وصدق، لكن رأى وسمع في الخارج، أو في نفسه؟ ويتفق ضعف التمييز، وقلة العلم، واستيلاء تلك المعاني على الروح، وتجردها من الشواغل" (١). وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ خطر هذه الرياضات والمجاهدات وما ينتج عنها من اعتقادات فاسدة فقال: "وكذلك أصحاب الرياضة والتجرُّد ... قد تنعقد في قلبه مقاييس فاسدة ومواجيد فاسدة يحكم بمقتضاها في الربوبية أحكامًا فاسدة مثل: ... اعتقاد أنَّ الرَّب هو الوجود المطلق الذي لا يتميَّز، وأنَّ عين الوجود هو عين الخالق وأنه ليس وراء السموات والأرض شيءٌ آخر، وإنما هذه الأشياء كلها مراتب للصفات وأنَّ الربوبية والإلهية مراتب ذهنية شكوكية، وأمَّا في الحقيقة فليس إلا عين ذاته فالمحجوبون يرون المراتب والمكاشف ما ترى إلا عين الحق" (٢). وهذه المجاهدات المبتدعة ليست من الدين، فالمشقة لا تقصد لذاتها، أمَّا المشقة التي يثاب عليها المؤمن فهي التي تلحقه أثناء التكليف، وأمَّا أن تقصد لذاتها وتجتنب رخص الله فلا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) (٤). قال الشاطبي ﵀ وهو يبيِّن البدع التي عليها المتصوفة: "ومن ذلك أنهم يبنون طريقهم على اجتناب الرخص جملة ... فالتزام العزائم مع وجود مضار الرخص التي

стр. 658

قال فيها رسول الله ﷺ : «إنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (١) فيه ما فيه، وظاهره أنه بدعة استحسنوها قمعًا للنفس عن الاسترسال في الميل إلى الراحة وإيثارًا إلى ما يبنى عليه من المجاهدة" (٢). ثالثًا: تجرُّد المريد عن المال لا بدَّ للمريد أن يفتح على نفسه أربعة؛ ليدخل في طريق القوم: "يفتح باب الذُّل، ويغلق باب العز، ويفتح باب المجاهدة، ويغلق باب الرَّاحة، ويفتح باب السَّهر، ويغلق باب النُّوم، ويفتح باب الفقر، ويغلق باب الغنى" (٣). وقصد القوم من المجاهدة الوصول للإلهام والكشف، قال الغزالي: "فبالمجاهدة والجلوس مع الله في الخلوة مع تطهير القلب عن شواغل الدنيا تنكشف دقائق علوم الدين، وتنفجر ينابيع الحكمة من القلب من غير عَدٍّ ولا حصر، فتصفية القلب والجلوس في الخلوة مع الله تعالى هو مفتاح الإلهام ومنبع الكشف" (٤). "وكل مريد اشتغل بإصلاح حاله وبنظافة ثيابه، ولبس الأصواف الرفيعة وغيرها لا يفلح في طريق القوم، ولو كان شيخه من أكبر الأولياء" (٥).

стр. 659

وابن عجيبة سلك هذا المسلك إذ يقول: "وقد كنتُ قبل أن أدخل في طريق القوم متلبِّسًا بشيءٍ من الدنيا، كان عندي بستان وعرصتان من اللشين (١)، من قبل الحبس وبقرة تحلب وملاح الملح وخزانة من كتب العلم، فلما دخلت في الطريق ذهب ذلك كلُّه وبقيت كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ (٢)، وبعت كتب العلم الظاهر، وأنفقت جلَّ ذلك على الشيخ (٣) في بنيان داره وفي تزويجه" (٤). والخروج عن المال بأن يصبح العبد ذليلًا، فارغ اليد، ليس من الدين في شيء، ولم يفعله النبي ﷺ مع أصحابه، "ولم يأمر أحدًا بالخروج عن ماله، ولا أمر صاحب صنعة بالخروج عن صنعته، ولا صاحب تجارة بالخروج عن ماله، ولا صاحب تجارة بترك تجارته، وهم كانوا أولياء الله حقًّا، والطالبون لسلوك طريق الحق صدقًا، وإن سلك من بعدهم ألف سنة لم يبلغ شأنهم ولم يبلغ هداهم، ثم إنه كما يكون المال شاغلًا في الطريق عن بلوغ المراد، فكذلك يكون فراغ اليد منه جملة شاغلًا عنه، وليس أحد العارضين أولى بالاعتبار من الآخر" (٥). وترك ما يستعين به العبد على طاعة الله ليس من الزهد المشروع (٦). قال ابن القيم ﵀: "الزهد في الدنيا جملة، وليس المراد تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكُليَّة، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك

стр. 660

وهي في قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز (١) الذى يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم ﷺ حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدًا فيها" (٢). ورأي ابن عجيبة وغيره (٣) بعيد عن دين الوسطية والاعتدال، فالنفس لها إقبال وإدبار في ما تقوم به من أعمال، ولهذا بيَّن لنا النبي ﷺ المنهج الصحيح فقال: «لكلِّ عملٍ شرة، ولكلِّ شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سُنَّتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (٤)، ومن لم تخرجه فترته من تضيع فرض أو تدخله في فعل محرَّم يُرجى له أن يعود أفضل مما كان عليه (٥). ويقول ابن تيمية ﵀: "ومن عظَّم مطلق السهر والجوع، وأمر بهما مطلقًا فهو مخطئ، بل المحمود السَّهر الشرعي، والجوع الشرعي، فالسَّهر الشرعي كما تقدَّم

стр. 661

من صلاة، أو ذكر، أو قراءة، أو كتابة علم، أو نظر فيه، أو درسه، أو غير ذلك من العبادات" (١). وقال أيضًا: "وهذا هو الذي أدخل كثيرًا منهم في الرهبانية، والخروج عن الشرعية، حتى تركوا من الأكل والشرب، واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه، وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به ... فلازموا الجوع والسَّهر، والخلوة والصَّمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق" (٢). وقال الذهبي ﵀: "ثم قلَّ من عمل هذه الخلوات المبتدعة إلا واضطرب، وفسد عقله، وجفَّ دماغه، ورأى مرأى وسمع خطابًا لاوجود له في الخارج" (٣). ويقول ابن تيمية ﵀: "وليس لأولياء الله شيء يتميَّزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميَّزون بلباس دون لباس إذا كان مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفر إذا كان مباحًا، كما قيل كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد ﷺ إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التُّجَّار والصُّنَّاع والزُّرَّاع" (٤). ويجب على المؤمن أن يسلك ما جاءت به النصوص الشرعية بتسديد العبد وتوفيقه من الله . قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ

стр. 662

يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: "أي: لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه، ويزكِّي النفوس من شركها وفجورها ودسِّها وما فيها من أخلاقٍ رديئة، كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرًا" (٢). ولن تنعم هذه النفس في أنواع العبادات إلا إذا تزكَّت بتحقيق التوحيد العلمي الخبري والإرادي الطلبي، فالله خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسَّلوا بشكرها إلى زيادة كرامته (٣). ومن تأمَّل هدي النبي ﷺ وجده أفضل الهدي في مطعمه ومشربه وملبسه، "يأكل ما تيسَّر إذا اشتهاه، ولا يردُّ موجودًا، ولا يتكلَّف مفقودًا، فكان إن حضر خبزٌ ولحمٌ أكله، وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله، وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله، وإن حضر حلو أو عسل طعمه أيضًا، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان يأكل القثَّاء بالرطب، فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة، وكان أحيانًا يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولا يأكلون إلا التمر والماء، وأحيانًا يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان لا يعيب طعامًا فإن اشتهاه أكله، وإلا تركه ... وكذلك اللباس كان يلبس القميص والعمامة، ويلبس الإزار والرداء ويلبس الجُبَّة (٤) والفروج (٥)، وكان يلبس من القطن والصوف وغير ذلك ... وكان يلبس مما يُجلب

стр. 663

من اليمن وغيرها، وغالب ذلك مصنوعٌ من القطن، وكانوا يلبسون من قباطي مصر، وهي منسوجة من الكتان، فسُنَّتُه في ذلك تقتضي أن يلبس الرَّجل ويطعم مما يسَّره الله ببلده من الطعام واللباس، وهذا يتنوع بتنوع الأمصار. وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل اللحم ونحوه، وعلى الامتناع من تزوج النساء، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١). وفي الصحيحين عنه أنه بلغه أنَّ رجالًا قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال: «لكنِّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوَّج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢). وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣)، فأمر بأكل الطيبات والشكر لله فمن حرم الطيبات كان معتديًا، ومن لم يشكر كان مفرطًا مضيعًا لحق الله. وثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «إنَّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» (٤) ... فهذه هي الطريقة التي كان عليها النبي ﷺ وانحرف عنها قوم ابتدعوا

стр. 664

رهبانية لم يشرعها الإسلام، وأحدثوا مجاهدات مبتدعة موهومة لتحقيق التقوى ... وأمَّا مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعًا لنا بل أمرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا" (١). والتقوى إذا كان صاحبها معتصمًا بالكتاب والسُّنَّة كان في خير، وبمنأى عن قياس فلسفي أو خيال صوفي نتيجة رياضة النفس، قال ابن تيمية ﵀: "الحق أنَّ التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم، لكن لا بدَّ من الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة في العلم والعمل، ولا يمكن أنَّ أحدًا بعد الرسول يعلم ما أخبر به الرسول من الغيب بنفسه بلا واسطة الرسول، ولا يستغني أحد في معرفة الغيب عمَّا جاء به الرسول، وكلام الرسول مبيِّن للحق بنفسه، ليس كشف أحد ولا قياسه عيارًا عليه، فما وافق كشف الإنسان وقياسه وافقه، وما لم يكن كذلك خالفه، بل ما يسمى كشفًا وقياسًا هو مخالف للرسول فهذا قياس فاسد وخيال فاسد" (٢). فغاية الإنسان أن يجعل عبادته وأعماله لوجه الله ، متبعًا في ذلك سُنَّة نبيِّنا محمَّد ﷺ ، مبتعدًا عن كلِّ مشقَّة مؤذية للنَّفس والبدن، قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣).

стр. 665

المبحث الثاني: الصلة بين المريد والشيخ أولًا: الطاعة التامَّة والتعظيم المفرط الصلة بين المريد والشيخ قائمة على الطاعة التامَّة لكلِّ ما يأمر به الشيخ ظاهرًا وباطنًا، "ولو اعترض المريد على الشيخ باطنًا فذلك يوجب التوبة وتجديد العهد" (١). ولا بدَّ من تعظيم المريد لشيخه، يقول ابن عجيبة: "ينبغي للمريد الذي تحقق بخصوصية شيخه أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كلَّ البعد، ولا يهين له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع؛ فإنَّ هذا من التعظيم الذي هو سببٌ في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين، قلتُ: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلتُ له: لو اتفق أهل السَّماوات السبع والأرضين السبع على أنه من أهل البدعة لقلتُ أنا: إنه من أهل السُّنَّة؛ لأني تحقَّقت بخصوصيته، كالشَّمس في أفق السَّماء ليس دونها سحاب" (٢). وقال أيضًا: "ما زال الفقراء يعظمِّون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يُقبِّلون أرجلهم والتراب بين أيديهم ويجتهدون في خدمتهم ... " (٣). بل عدَّ بعض المتصوفة أنَّ مجرَّد الاعتراض على الشيخ "سمٌّ قاتلٌ وداءٌ عاضل" (٤).

стр. 666

وليس للمريد أن يعترض على شيخه ولو رأى منه القبيح بل عدَّه ابن عجيبة "من أقبح كل قبيح، وأشنع من كل شنيع، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة" (١). بل بلغ من التعظيم أنَّ ابن عجيبة يقرر الخضوع للشيخ، ولكن على هيئة تقبيل القدم أو الأرض بين يدي الشيخ حيث يقول: "الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، سواء كان على وجه الواسطة والتقريب، أو على وجه الاستقلال؛ لذلك حَرُم السجود لغير الله، وأمَّا الخضوع للأولياء العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالخضوع للرُّسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم والأرض" (٢). والحقيقة بيَّنها أهل الحق من علماء السُّنَّة والجماعة، قال ابن القيم ﵀: "فالشِّرك والكفر هو "شركٌ وكفر؛ لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجودٍ له، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة، أو هذا إكرام، لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله " (٣). فالسُّجود لغير الله لا شكَّ في تحريمه دلَّ على ذلك إنكار رسول الله ﷺ على فعل معاذ ﵁، عندما رجع من الشام فسجد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا معاذ؟» فقال: يا رسول الله رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: «كذبوا يا معاذ، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت

стр. 667

المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حِقِّه عليها، يا معاذ أرأيت إذا مررت بقبري أكنت ساجدًا؟»، قال: لا، قال: «فلا تفعل»، أو كما قال رسول الله ﷺ (١). والقيام والركوع، والسجود حق للواحد الأحد، المعبود خالق السَّموات والأرض، وما كان حقًّا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب (٢). وإنك لتلحظ أنَّ الصوفية يستقون من منبع واحد بل يلتمسون العذر لشيوخهم، فهذا الدباَّغ يقول: "من شروط المريد أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه، وبيِّنة منه، ولا يزن أحواله بميزانه، فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن والحقيقة، فيجب التسليم، وكم من رجل بيده خمر ورفعه إلى فيه وقلب الله فيه عسلًا، والناظر يراه شرب خمرًا وهو ما شرب إلا عسلًا" (٣). وما هذه الأفعال إلا حيل باطلة لفَّقها الصوفية على مريديهم، فالشريعة أمرت بسدِّ الذرائع المفضية إلى المفاسد، فكيف بهؤلاء يتحايلون على مريديهم. قال ابن القيم ﵀ في كيفية سدَّ الذرائع: "لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرَّمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها،

стр. 668

ووسائل الطاعات والقربات في محبَّتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرَّب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تُفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنُّفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإنَّ أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمَّل مصادرها ومواردها علم أنَّ الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها ونهى عنها ... " (١). ولكن الغلو في مشايخهم قادهم إلى إلحاقهم بما لا يستحقونه قال الشاطبي ﵀: "ومنها رأيُ قومٍ تغالوا في تعظيم شيوخهم، حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه، فالمقتصد فيهم يزعم أنه لا وليَّ لله أعظم من فلان، وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور، وهو باطلٌ محض، وبدعة فاحشة" (٢). ويصف عبد الرحمن الوكيل غلو المريد مع شيخه فيقول: "ما ألحفت الصوفية في شيءٍ إلحافها في الدعوة إلى اتخاذ شيوخها أربابًا من دون الله، ففرضت على

стр. 669

الدرويش (١) أن يكون وطاءً ذليلًا لشيخه مستعبد الفكر سليب الإرادة كجُثَّة الميت في يد الغاسل، وجعلت هذه العبودية الممتهنة أولى الدلائل على طاعة المريد لشيخه، وعلى حبه له، وعلى أن يرقى معارج الوصول إلى حضائر القدس" (٢). وإذا كان الأنبياء قد عُصموا فيما يبلغونه عن الله ولا يجوز إقرارهم عن خطأ يصدر منهم في شيءٍ يبلِّغونه عن الله، فهل هؤلاء الشيوخ بلغوا مرتبتهم فلا يُسألون ولا يُعارضون؟ كما يقول ابن عجيبة: "من قال لشيخه: لا، لا يفلح أبدًا" (٣). قال ابن تيمية ﵀: "اتفق المسلمون على أنهم -يعني الأنبياء- معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيءٍ مما يبلغونه عنه، وبهذا يحصل المقصود من البعثة، وأمَّا وجوب كونه معصومًا قبل أن يبعث نبيًّا لا يخطئ أو يذنب فليس في النُّبوة ما يستلزم هذا" (٤). وقال ابن عقيل ﵀ وهو يصف حال المريد مع شيخه: "ويسلِّمون أنفسهم إلى شيوخهم، فإن عوَّلوا إلى مرتبة شيخه قيل: الشيخ لا يعترض عليه، فحدُّ من حلَّ رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمِّنة للكفر والضلال المسمَّى شطحًا وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقًا، فإن قبل أمردًا قيل رحمة، وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة (٥)، وإن قسم ثوبًا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل حكم الخرقة" (٦).

стр. 670

ولقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مآل من عظمَّ شيخه، فقال: "من ادعى أنَّ شيخًا من المشايخ يخلص مريديه يوم القيامة من العذاب، فقد ادعى أن شيخه أفضل من محمد بن عبد الله ﷺ ، ومن قال هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عبَّاس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا سلوني ما شئتم من مالي» (١) ... فإذا كان رسول الله ﷺ يقول مثل هذا لأهل بيته وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه؛ من المهاجرين والأنصار -يقول: إنه ليس يغني عنهم من الله شيئًا- فكيف يقال في شيخ غايته أن يكون من التابعين لهم بإحسان؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣)، وأمثال ذلك من نصوص القرآن والسُّنَّة" (٤). وتعظيم المريد لشيخه آل به إلى تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تطابق على وجوبها الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة. قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٥).
следующие страницы →