← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وليس للمريد أن يعترض على شيخه ولو رأى منه القبيح بل عدَّه ابن عجيبة "من أقبح كل قبيح، وأشنع من كل شنيع، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة" (١). بل بلغ من التعظيم أنَّ ابن عجيبة يقرر الخضوع للشيخ، ولكن على هيئة تقبيل القدم أو الأرض بين يدي الشيخ حيث يقول: "الحق سبحانه غيور، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره، سواء كان على وجه الواسطة والتقريب، أو على وجه الاستقلال؛ لذلك حَرُم السجود لغير الله، وأمَّا الخضوع للأولياء العارفين بالله، على غير وجه العبادة، فهو عين الخضوع لله؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالخضوع للرُّسل، الدالين على الله، وهم ورثتهم في الدلالة، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم والأرض" (٢). والحقيقة بيَّنها أهل الحق من علماء السُّنَّة والجماعة، قال ابن القيم ﵀: "فالشِّرك والكفر هو "شركٌ وكفر؛ لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجودٍ له، هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة، أو هذا إكرام، لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله " (٣). فالسُّجود لغير الله لا شكَّ في تحريمه دلَّ على ذلك إنكار رسول الله ﷺ على فعل معاذ ﵁، عندما رجع من الشام فسجد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا معاذ؟» فقال: يا رسول الله رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: «كذبوا يا معاذ، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت

стр. 667

المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حِقِّه عليها، يا معاذ أرأيت إذا مررت بقبري أكنت ساجدًا؟»، قال: لا، قال: «فلا تفعل»، أو كما قال رسول الله ﷺ (١). والقيام والركوع، والسجود حق للواحد الأحد، المعبود خالق السَّموات والأرض، وما كان حقًّا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب (٢). وإنك لتلحظ أنَّ الصوفية يستقون من منبع واحد بل يلتمسون العذر لشيوخهم، فهذا الدباَّغ يقول: "من شروط المريد أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه، وبيِّنة منه، ولا يزن أحواله بميزانه، فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن والحقيقة، فيجب التسليم، وكم من رجل بيده خمر ورفعه إلى فيه وقلب الله فيه عسلًا، والناظر يراه شرب خمرًا وهو ما شرب إلا عسلًا" (٣). وما هذه الأفعال إلا حيل باطلة لفَّقها الصوفية على مريديهم، فالشريعة أمرت بسدِّ الذرائع المفضية إلى المفاسد، فكيف بهؤلاء يتحايلون على مريديهم. قال ابن القيم ﵀ في كيفية سدَّ الذرائع: "لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرَّمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها،

стр. 668

ووسائل الطاعات والقربات في محبَّتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرَّب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تُفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنُّفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإنَّ أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمَّل مصادرها ومواردها علم أنَّ الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها ونهى عنها ... " (١). ولكن الغلو في مشايخهم قادهم إلى إلحاقهم بما لا يستحقونه قال الشاطبي ﵀: "ومنها رأيُ قومٍ تغالوا في تعظيم شيوخهم، حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه، فالمقتصد فيهم يزعم أنه لا وليَّ لله أعظم من فلان، وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور، وهو باطلٌ محض، وبدعة فاحشة" (٢). ويصف عبد الرحمن الوكيل غلو المريد مع شيخه فيقول: "ما ألحفت الصوفية في شيءٍ إلحافها في الدعوة إلى اتخاذ شيوخها أربابًا من دون الله، ففرضت على

стр. 669

الدرويش (١) أن يكون وطاءً ذليلًا لشيخه مستعبد الفكر سليب الإرادة كجُثَّة الميت في يد الغاسل، وجعلت هذه العبودية الممتهنة أولى الدلائل على طاعة المريد لشيخه، وعلى حبه له، وعلى أن يرقى معارج الوصول إلى حضائر القدس" (٢). وإذا كان الأنبياء قد عُصموا فيما يبلغونه عن الله ولا يجوز إقرارهم عن خطأ يصدر منهم في شيءٍ يبلِّغونه عن الله، فهل هؤلاء الشيوخ بلغوا مرتبتهم فلا يُسألون ولا يُعارضون؟ كما يقول ابن عجيبة: "من قال لشيخه: لا، لا يفلح أبدًا" (٣). قال ابن تيمية ﵀: "اتفق المسلمون على أنهم -يعني الأنبياء- معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيءٍ مما يبلغونه عنه، وبهذا يحصل المقصود من البعثة، وأمَّا وجوب كونه معصومًا قبل أن يبعث نبيًّا لا يخطئ أو يذنب فليس في النُّبوة ما يستلزم هذا" (٤). وقال ابن عقيل ﵀ وهو يصف حال المريد مع شيخه: "ويسلِّمون أنفسهم إلى شيوخهم، فإن عوَّلوا إلى مرتبة شيخه قيل: الشيخ لا يعترض عليه، فحدُّ من حلَّ رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمِّنة للكفر والضلال المسمَّى شطحًا وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقًا، فإن قبل أمردًا قيل رحمة، وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة (٥)، وإن قسم ثوبًا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل حكم الخرقة" (٦).

стр. 670

ولقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مآل من عظمَّ شيخه، فقال: "من ادعى أنَّ شيخًا من المشايخ يخلص مريديه يوم القيامة من العذاب، فقد ادعى أن شيخه أفضل من محمد بن عبد الله ﷺ ، ومن قال هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عبَّاس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا سلوني ما شئتم من مالي» (١) ... فإذا كان رسول الله ﷺ يقول مثل هذا لأهل بيته وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه؛ من المهاجرين والأنصار -يقول: إنه ليس يغني عنهم من الله شيئًا- فكيف يقال في شيخ غايته أن يكون من التابعين لهم بإحسان؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣)، وأمثال ذلك من نصوص القرآن والسُّنَّة" (٤). وتعظيم المريد لشيخه آل به إلى تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تطابق على وجوبها الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة. قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٥).

стр. 671

قال الشوكاني ﵀: "أي لعنهم الله سبحانه على لسان داود وعيسى ابن مريم أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى، ... والإشارة بذلك إلى اللعن، أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر، ... والمعنى، أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها، أو تهيَّأ لفعلها، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر؛ لأن من أخلَّ بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية" (١). ويقول الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: "كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضًا، فيشترك بذلك المباشر وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، ... وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبًا للعقوبة؛ لما فيه من المفاسد العظيمة، منها: أنَّ مجرد السكوت فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت، فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية" (٢). ويقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣).

стр. 672

وعن أمِّ المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂: أنَّ النَّبي ﷺ دخل عليها فزعًا مرعوبًا يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم (١) يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه (٢) الإبهام والتي تليها»، فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟، قال: «نعم، إذا كثر الخبث» (٣) " (٤). وعن النعمان بن بشير ﵁: عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا، وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا» (٥). والمريد غير مُهتد بعدم إنكاره على شيخه، بل هو في خُسر، يقول الشيخ الشنقيطي ﵀: "ومما يدلُّ على أنَّ تارك الأمر بالمعروف غير مهتد، أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦)، فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل" (٧). قال البربهاري ﵀: "وإذا رأيت الرَّجل من أهل السُّنَّة رديء الطريق والمذهب،

стр. 673

فاسقًا فاجرًا صاحب معاصي، ضالًّا وهو على السُّنَّة، فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرَّجل مجتهدًا في العبادة متقشِّفًا محترقًا بالعبادة صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمش معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته؛ فتهلك معه" (١). ثانيًا: طريقة تأسيس العلاقة بين المريد والشيخ "يعتبر أخذ العهد وتلقين الورد أولى علامات قبول المريد وتأسيس العلاقة بينه وبين شيخه" (٢). لهذا يقول ابن عجيبة: "فلما قبضت الورد من شيخنا البوزيدي، لبست جلابة غليظة، ... واستأذنت الشيخ في لبس المرقَّعة (٣) " (٤). هكذا تأثر الصوفية بالرهبنة المسيحية التي كان فيها الرهبان يلبسون الصوف وهم في أديرتهم كثرة كثيرة من المنقطعين لهذه الممارسة على امتداد الأرض التي حررها الإسلام بالتوحيد أعطى هو الآخر دورًا في التأثير الذي بدا على سلوك الأوائل (٥). يقول المستشرق جولد تسيهر (٦): "ومما يدلُّ أيضًا على أثر العقائد الهندية أنَّ

стр. 674

المريد عندما يتم قبوله في الجماعة الصوفية يمنح خرقة تعتبر رمزًا إلى الفقر واعتزال الدنيا، ... ولكن لا نستطيع أن نتجاهل أن الخرقة كرمز للاندماج في الجماعة الصوفية تشبه طريق الاندماج في جماعة (البيكشو) الهندية الذي يتم تسليم الثوب ومعرفة القواعد والآداب التي يتحتم على المريد اتباعها" (١). ولبس الخرقة من البدع التي اقترفها الصوفية، واهتمُّوا بتأليف الكتب فيها (٢)، ولقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن ليس لها أصل من الدين، فقال: وأما لباس الخرقة فليس لها أصل يدلُّ عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسُّنَّة ولا كان المشايخ المتقدمون وأكثر المتأخرين يلبسونها. وأمَّا ما يستدلون به على قولهم بأنَّ امرأة نسجت (٣) بردة وأعطتها النبي ﷺ ثم سألها منه أحد الصحابة ﵃ ليس فيه دليل على الوجه الذي يفعلونه، فإن إعطاء الرجل لغيره ما يلبسه كإعطائه إياه ما ينفعه وأخذ ثوب من النَّبيِّ ﷺ على وجه البركة ليس هذا كلباس الخرقة بقصد المتابعة والاقتداء، أو اتخاذ ذلك سُنَّة وطريق إلى الله (٤). وما زعموا بأنَّ لهم أصلًا في إسنادها إلى النَّبيِّ ﷺ فهذا كذب مختلق باتفاق أهل المعرفة بسُنَّته ﷺ (٥).

стр. 675

أما لبس المرقعات فليس من لبس السَّلف، بل كان السَّلف يرقعون ضرورة، وما يشتهر به المتصوفة من هذا اللباس فليس من الزهد في شيء، بل أمرنا الله بإظهار النعمة، فقال في محكم التنزيل: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١)، (٢). وقال النبي ﷺ : «البذاذة من الإيمان» (٣)، وبيَّن معناه الطحاوي بقوله: "أي: أنها من سيما أهل الإيمان، إذ معهم الزُّهد، والتواضع، وترك التكبُّر، كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم قبلهم في مثل ذلك" (٤). وكان أحب الثياب إلى النَّبي ﷺ أن يلبسها: الحِبَرَة (٥). قال ابن بطال ﵀: "حِبَرَة. البرود هي: برود اليمن تصنع من قطن، وهى الحبرات يشتمل بها، وهى كانت أشرف الثياب عندهم، ألا ترى أنه ﵇ سُجِّي بها حين تُوفِّي، ولو كان عندهم أفضل من البرود شيءٌ لسُجِّي به، وفيه جواز لباس رفيع الثياب للصالحين وذلك داخل في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٦)، (٧). قال ابن الجوزي ﵀: "ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النَّبي ﷺ لبس الصوف وبما روي في فضيلة لبس الصوف، فأمَّا لبس رسول الله ﷺ الصوف

стр. 676

فقد كان يلبسه في بعض الأوقات لم يكن لبسه شهرة عند العرب، وأمَّا ما يروى في فضل لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء" (١). ثالثًا: آداب المريد مع شيخه ذكر ابن عجيبة جملة من الآداب التي تجب على المريد مع شيخه، فقال: "وأمَّا الآداب التي تكون مع الشيخ فمرجعها إلى ثمانية أمور، أربعة ظاهرة، وأربعة باطنة، فأمَّا الظاهرة: فأولها: امتثال أمره وإن ظهر له خلافه، واجتناب نهيه وإن كان حتفه، فخطأ الشيخ أحسن من صواب المريد. وثانيها: السَّكينة والوقار في الجلوس بين يديه، فلا يضحك بين يديه، ولا يرفع صوته عليه، ولا يتكلَّم حتى يستدعيه للكلام أو يفهم عنه بقرائن الأحوال، كحال المذاكرة، بخفض صوت ورفق ولين، ولا يأكل معه، ولا بين يديه، ولا ينام معه أو قريبًا منه. وثالثهما: المبادرة إلى خدمته بقدر الإمكان، بنفسه، أو بماله، أو بقوله، فخدمة الرَّجال سبب الوصال لمولى الموالي. ورابعهما: دوام حضور مجلسه. وأما الآداب الباطنية: فأولها: اعتقاد كماله، وأنه أهلٌ للشيخوخة والتربية؛ لجمعه بين شريعةٍ وحقيقة، وبين جذبٍ وسلوك، وأنه على قدم النَّبي ﷺ .

стр. 677

وثانيها: تعظيمه، وحفظ حرمته غائبًا وحاضرًا، وتربية محبته في قلبه، وهو دليل صدقه، وبقدر التصديق يكون، فمن لا صدق له لا سير له ولو بقي مع الشيخ ألف سنة. وثالثهما: انعزاله عن عقله، ورياسته، وعلمه، وعمله إلا ما يرد عليه من قبل شيخه. ورابعهما: عدم التشوف إلى غير شيخه والانتقال عنه، وهذا عندهم من أقبح كل قبيح وأشنع كل شنيع، وهو سبب تسويس بذرة الإرادة، فتفسد شجرة الإرادة لفساد أصلها، وهذا كله مع شيوخ التربية، وأمَّا شيوخ أهل الظاهر فلا بأس أن ينتقل عنهم إلى أهل الباطن إن وجدتم، ولا يحتاج إلى إذن" (١). والمتأمِّل لقول الإمام مالك ﵀: "إنما أنا بشرٌ أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما وافق الكتاب والسُّنَّة فخذوا به، ومالم يوافق الكتاب والسُّنَّة فاتركوه" (٢)، يلحظ أن هناك توجيهًا بأن تُعرض آراء الرِّجال وأقوالهم على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقُبل، وما كان مخالفًا رُدَّ ولم يعتد به. ويبين ابن القيم ﵀ بعد تعريفه للمريد عند القوم المنهج الحق الذي يجب أن يتبع، فقال: "المريد في اصطلاحهم: هو الذي قد شرع في السير إلى الله، وهو فوق العابد ودون الواصل، وهذا اصطلاح بحسب حال السالكين، وإلا فالعابد مريد، والسالك مريد، والواصل مريد، فالإرادة لا تفارق العبد ما دام تحت حكم العبودية. وقد ذكر الشيخ للتمكن في هذه الدرجة ثلاثة أمور: صحة قصد، وصحة علم، وسعة طريق، فبصحة القصد يصح سيره، وبصحة العلم تنكشف له الطريق،

стр. 678

وبسعة الطريق يهون عليه السير، وكل طالب أمر من الأمور فلا بدَّ له من تعين مطلوبه، وهو المقصود، ومعرفة الطريق الموصل إليه، والأخذ في السلوك، فمتى فاته واحد من هذه الثلاث لم يصح طلبه ولا سيره، فالأمر دائرٌ بين مطلوب يتعين إيثاره على غيره، وطلب يقوم بقصد من يقصده، وطريق توصل إليه. فإذا تحقق العبد بطلب ربه وحده تعيَّن مطلوبه، فإذا بذل جهده في طلبه صحَّ له طلبه، فإذا تحقق باتباع أوامره، واجتناب نواهيه صحَّ له طريقه، وصحة القصد والطريق موقوفة على صحة المطلوب. فحكم القصد يُتلقَّى من حكم المقصود، فمتى كان المقصود أهلًا للإيثار كان القصد المتعلِّق به كذلك، فالقصد والطريق تابعان للمقصود. وتمام العبودية أن يوافق الرسول ﷺ في مقصوده وقصده وطريقه. فمقصوده الله وحده وقصده تنفيذ أوامره في نفسه وفي خلقه، وطريقه اتباع ما أوحي إليه، فصحبه الصحابة ﵃ على ذلك حتى لحقوا به، ثم جاء التابعون لهم بإحسان، فمضوا على آثارهم. ثم تفرَّقت الطرق بالناس، فخيار الناس من وافقه في المقصود والطريق، وأبعدهم عن الله ورسوله من خالفه في المقصود والطريق، وهم أهل الشرك بالمعبود، والبدعة في العبادة، ومنهم من وافقه في المقصود وخالفه في الطريق، ومنهم من وافقه في الطريق وخالفه في المقصود. فمن كان مراده الله والدار الآخرة فقد وافقه في المقصود، فإن عبد الله بما به أمر على لسان رسوله ﷺ فقد وافقه في الطريق، وإن عبده بغير ذلك فقد خالفه في الطريق. ومن كان مقصوده من أهل العلم، والعبادة، والزهد في الدنيا الرياسة، فقد

стр. 679

خالفه في المقصود، وإن تقيَّد بالأمر" (١). وهذه الآداب التي وضعها ابن عجيبة وغيره (٢) جعلت المريد يعيش "قالبًا حديدًا يحبسون فيه السُّلوك الإنساني ويقيِّدون من تلقائيته وانطلاقه" (٣).

стр. 680

الفصل الثاني: الولاية والكرامة وفيه مبحثان: المبحث الأول: الولاية ومراتب الأولياء المبحث الثاني: الكرامة وأقسامها

стр. 681

المبحث الأول: الولاية ومراتب الأولياء أولًا: تعريف الولاية عرفها ابن عجيبة بقوله: "الولاية: هي حصول الأنس بعد المكابدة، واعتناق الروح بعد المجاهدة، وحاصلها: تحقيق الفناء في الذات بعد ذهاب حس الكائنات، فيبقى مالم يكن ويبقى مالم يزل، فأولها التمكن من الفناء، ونهايتها تحقيق البقاء وبقاء البقاء، ويبقى الترقي والاتساع فيها أبدًا سرمدًا" (١). وقال القاشاني: "هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه، وذلك بتولي الحق إياه حتى يبلغه غاية مقام القرب والتمكن" (٢). وعرَّفها الجيلي بقوله: "عبارة عن تولي الحق عبده بظهور أسمائه وصفاته عليه علمًا وعينًا وحالًا وأثر لذة وتصرُّفًا" (٣). ثانيًا: تعريف الولي قال ابن عجيبة في تعريفه: "الوليُّ: هو من ارتفع عنه الحجاب حتى دخل مقام الشهود والعيان، وفتحت له ميادين الغيوب، فلم يحجبه عن الله شيء" (٤). وقال أيضًا: "والأولياء هم من كشف عنهم الحجاب، وأفضوا إلى الشهود والعيان" (٥).

стр. 682

أمَّا التعريفات الموافقة للكتاب والسُّنَّة فهي التي بيَّنها العلماء المحققون. قال ابن تيمية ﵀: "والولايةُ: ضدُّ العداوة، وأصل الولاية: المحبَّة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد" (١). وقال الشوكاني: "والولايةُ: ضدُّ العداوة، وأصل الولاية: المحبَّة والتقرُّب كما ذكره أهل اللغة، وأصل العداوة: البغض والبعد" (٢). وعرَّف ابن تيمية الولي بقوله: "من الوَلْيِ وهو القرب، كما أنَّ العَدُوَّ من العدو وهو البعد، فولي من والاه بالموافقة له في محبوباته، ومرضياته، وتقرب إليه بما أمر به من طاعاته" (٣). وقال أيضًا: "أولياء الله تعالى هم الذين آمنوا به ووالوه، فأحبُّوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض" (٤). وأما تعريفات ابن عجيبة وغيره فقد جعلت أعداء الإسلام يعتقدون أن هذا هو الولي عند المسلمين (٥)، ومفادها الفناء والبقاء، والوصول إلى الحلول والاتحاد. قال ابن عجيبة: "الفناء أن تبدو لك العظمة فتنسيك كلَّ شيءٍ وتغيبك عن كلِّ شيءٍ سوى الواحد الذي ليس كمثله شيء وليس معه شيء، أو تقول: هو شهود حق بلا خلق كما أنَّ البقاء هو شهود خلق بحق" (٦).

стр. 683

ففي حال الفناء يغيب عن كل شيء ولا يرى إلا الله فهذا ما يعبر عنه بوحدة الشهود. وحال البقاء فلا يغيب عنه شيء؛ لأنه يرى الله في كل شيء عمَّا يقول عُلُوًّا كبيرًا. وهذه التعريفات لا تمتُّ الإسلام بشيء، بل تدلُّ على تأثُّر الصوفية بفلسفة أفلوطين. ولقد بين ابن تيمية ﵀ أقسام الفناء بقوله: "إنَّ الفناء ثلاثة أنواع: نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء، ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين، ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين. (فأما الأول): فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا يحب إلا الله ولا يعبد الا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب غيره، وهو المعنى الذي يجب أن يقصد بقول أبي يزيد حيث قال: أريد أن لا أريد إلا ما يريد، أي المراد المحبوب المرضي، وهو المراد بالإرادة الدينية، وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبَّه وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين ... وأما النوع الثاني: فهو الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من السالكين، فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد؛ لا يخطر بقلوبهم غير الله، بل ولا يشعرون ... فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى يفنى من لم يكن

стр. 684

وهي المخلوقات المعبدة ممن سواه ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى ... وهذا الموضع زل فيه أقوام وظنُّوا أنه اتحاد وأنَّ المحب يتحد بالمحبوب حتى لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما، وهذا غلط؛ فإنَّ الخالق لا يتحد به شيءٌ أصلًا بل لا يتحد شيءٌ بشيءٍ إلا إذا استحالا وفسدا وحصل من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا ولا هذا كما إذا اتحد الماء واللبن والماء والخمر ونحو ذلك، ولكن يتحد المراد والمحبوب والمكروه ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة فيحب هذا ما يحب هذا، ويبغض هذا ما يبغض هذا ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويكره ما يكره ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي وهذا الفناء كله فيه نقص، وأكابر الأولياء كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في هذا الفناء فضلًا عمَّن هو فوقهم من الأنبياء، وإنما وقع شيءٌ من هذا بعد الصحابة ﵃. وأمَّا النوع الثالث: مما قد يسمى فناء فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد، فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد ... وهو تحقيق آل فرعون" (١). والملاحظ من تعريف ابن عجيبة للولي أنه جعل معرفة الولي تكون عمَّن صدر عنه كشفٌ، وهذا لا شك في بطلانه. قال ابن تيمية ﵀: "وتجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليًّا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة ... وليس في شيءٍ من هذه الأمور ما يدلُّ على أن صاحبها ولي لله؛ بل قد اتفق أولياء الله على أنَّ الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يُغترَّ به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه.

стр. 685

وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليًّا لله فقد يكون عدوًّا لله ؛ فإنَّ هذه الخوارق تكون لكثير من الكفَّار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أنَّ كلَّ من كان له شيءٌ من هذه الأمور أنه ولي لله؛ بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دلَّ عليها الكتاب والسُّنَّة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة" (١). وقال الشيخ النجمي ﵀ (٢): "إنَّ من يعتقد عقيدة الصوفية المارقة أصحاب وحدة الوجود الذين يجعلون للمخلوق صفات الخالق، فإنه يعتبر قد أشرك بالله شركًا أكبر، وخرج من الإسلام بإعطائه للمخلوق صفات الخالق جلَّ شأنه وعزَّ سلطانه وتعالت صفاته" (٣). ويقول أيضًا ": إنَّ من قاس الله بخلقه فقد تنقَّصه وشبَّهه، لذلك فهو جدير بأن يحبس ويضرب ويستتاب؛ لأنه لم يؤمن بهيمنة الله على عباده، وعلمه الشامل وقدرته النافذة" (٤).

стр. 686

ثالثًا: أسباب حصول الولاية ١ - المجاهدة ومحاربة النفس (١)، قال ابن عجيبة: "وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سرِّ الخصوصية وهي الولاية، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس؛ لأنَّ الحضرة لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتدريب" (٢). ٢ - الذكر (٣)، قال ابن عجيبة: "فإنَّ الذكر منشور الولاية، ولا بدَّ منه في البداية والنهاية، فمن أُعطي الذكر فقد أُعطي المنشور، ومن ترك الذكر فقد عزل" (٤). مما لا شكَّ فيه أنَّ الذكر له فوائد وثمار قرَّرها أهل السُّنَّة والجماعة (٥)، ولكن مفاد الصوفية بهذه الطريقة هو الوصول إلى وحدة الوجود، ولقد أورد ابن عجيبة نصًّا بذلك فقال: "فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عمَّا سوى المذكور، لما يغمر قلبك من النُّور، وربما يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور حتى يغيب عمَّا سوى المذكور، حتى يصير الذاكر مذكورًا، والطالب مطلوبًا، والواصل موصولًا ... وهاهنا يسكت اللسان، وينتقل الذكر للجنان، فيصير ذكر اللسان غفلةً في حق أهل هذا المقام ... لأن ذكره باللِّسان وتكلفه يقتضي وجود النفس، وهو شرك، والشرك أقبح من الغفلة ... والفرض أنَّ الذاكر محو في مقام العيان" (٦).

стр. 687

قال ابن تيمية ﵀: وكذلك أصحاب الرياضة والتجرُّد، فإنَّ صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل (لا إله إلا الله) إن لم يغلوا فيقتصروا على مجرَّد (الله الله) ويعتقدون أنَّ ذلك أفضل وأكمل، كما فعله كثير منهم، وربما اقتصر بعضهم على (هو هو)، أو على قوله: (لا هو إلا هو)؛ لأن هذا الذكر المبتدع الذي هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقًا ليس فيه بنفسه ذكر لله إلا بقصد المتكلم، فقد ينضم إلى ذلك اعتقاد صاحبه أنه لا وجود إلا هو كما يصرح به بعضهم ويقول: (لا هو إلا هو) أو (لا موجود إلا هو) وهذا عند الاتحادية أجود من قول (لا إله إلا الله)؛ لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعوني القرمطي حتى يقول بعضهم: (لا إله إلا الله) ذكر العابدين و (الله الله) ذكر العارفين وهو هو ذكر المحققين ويجعل ذكره (يا من لا هو إلا هو)، وإذا قال (الله الله) إنما يفيد مجرد ثبوته فقد ينضم إلى ذلك نفي غيره لا نفي إلهية غيره فيقع صاحبه في وحدة الوجود وربما انتفى شهود القلب للسوى إذا كان في مقام الفناء فهذا قريب، أمَّا اعتقاد أن وجود الكائنات هي هو فهذا هو الضلال، ويضمون إلى ذلك نوعًا من التصفية مثل ترك الشهوات البدنية من الطعام والشراب والرياسة والخلوة وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة والعبادة المطلقة فيصلون أيضًا إلى تألُّهٍ مطلق ومعرفة مطلقة بثبوت الرَّب ووجوده ونحو ذلك من نحو ما يصل إليه أرباب القياس (١). وطريق حصول الولاية وفق المنهج الحق باتباع الشريعة الغرَّاء وسلوك المحجة البيضاء. قال ابن تيمية ﵀: "أولياء الله هم الذين نعتهم الله في كتابه، حيث قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا

стр. 688

يَتَّقُونَ﴾ (١) فكلُّ من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت في شيءٍ أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدَّ له منه» (٢). ودين الإسلام مبنيٌّ على أصلين، على أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣). فالعمل الصالح ما أحبَّه الله ورسوله، وهو المشروع المسنون" (٤)، وقال الطبري ﵀: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: الوليُّ هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها وهو الذي آمن واتقى كما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥) "، (٦). ويقول الألوسي: "وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولاية اتباع الشريعة الغرَّاء،

стр. 689

وسلوك المحجَّة البيضاء، فمن خرج عنها قيد شبر بَعُدَ عن الولاية بمراحل، فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم الولي، ولو أتى بألف ألف خارق، فالوليُّ الشرعيُّ اليوم أعزُّ من الكبريت الأحمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١). رابعًا: زَعَم أنَّ الولي يرث النَّبي قال: "كما أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في حياته أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام" (٢). وقال أيضًا: "شيوخ التربية خلفاء الرَّسول ﷺ في القيام بالتربية النبوية، فيجب امتثال كل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهوا عنه، فُهِم معناه أو لم يُفهم" (٣). بل جعل حرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فقال: "فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فمن فرَّق بينهم حُرِم بركة جميعهم" (٤). وهذا كلُّه بعيدٌ عن قول أهل السُّنَّة والجماعة، الذين بيَّنوا "أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرُّسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى-﵈ ومحمد ﷺ ، وأفضل أولي العزم نبيُّنا محمد ﷺ ، وهو الذي أنزل الله عليه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) فجعل سبحانه صدق محبة الله متوقفة على اتباعه، وجعل

стр. 690

اتباعه سبب حصول المحبة من الله سبحانه" (١)، ولذلك "لا بدَّ للوليِّ من أن يكون مقتديًا في أقواله وأفعاله بالكتاب والسُّنَّة، وأن ذلك هو المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، فمن ظهر منه شيءٌ مما يخالف هذا المعيار فهو ردٌّ عليه، ولا يجوز لأحد أن يعتقد فيه أنه وليُّ الله، فإن أمثال هذه الأمور تكون من أفعال الشياطين، كما نشاهده في الذين لهم تابع من الجن، فإنه قد يظهر على يده ما يظن من لم يستحضر هذا المعيار أنه كرامة، وهو في الحقيقة مخاريق شيطانية وتلبيسات إبليسية. ولهذا تراه يظهر من أهل البدع، بل من أهل الكفر وممن يترك فرائض الله سبحانه ويتلوَّث بمعاصيه؛ لأنَّ الشيطان أميل إليهم للاشتراك بينه وبينهم في مخالفة ما شرعه الله سبحانه لعباده. وقد يظهر شيءٌ مما يظن أنه كرامة من أهل الرياضة، وترك الاستكثار من الطعام والشراب على ترتيب معلوم، وقانون معروف حتى ينتهي حاله إلى أن لا يأكل إلا في أيام ذوات العدد، ويتناول بعد مضي أيام شيئًا يسيرًا. فيكون له بسبب ذلك بعض صفاء من الكدورات البشرية، فيدرك ما لا يدركه غيره، وليس هذا من الكرامات في شيء، ولو كان من الكرامات الربَّانية والتفضُّلات الرحمانية لم يظهر على أيدي أعداء الله" (٢). ودحض ابن تيمية ﵀ مساواة الأنبياء بالأولياء فقال: " ... والإيمان بكلِّ ما جاء به الأنبياء واجب، فإنهم معصومون، ولا يجب الإيمان بكلِّ ما يقوله الوليُّ بل ولا يجوز، فإنه ما من أحد من الناس إلا يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، ومن سبَّ نبيًّا من الأنبياء قُتل وكان كافرًا مرتدًّا بخلاف الولي" (٣).

стр. 691

وقال أيضًا: "فإنَّ كلَّ من بلغه رسالة محمد ﷺ لا يكون وليًّا لله إلا باتباع محمد ﷺ ، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسُّط محمَّد ﷺ وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليًّا لله إلا إذا اتبع ذلك الرَّسول الذي أرسل إليه" (١). خامسًا: أقسام الولاية قال ابن عجيبة: "الولاية على قسمين: ولاية عامة، وولاية عرفية خاصَّة، فالولاية العامَّة: هي التي ذكرها الحق تعالى، فكلُّ من حقق الإيمان والتقوى فله من الولاية على قدر ما حصَّل منها، والولاية الخاصَّة: خاصة بأهل الفناء والبقاء الجامعين بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسُّلوك مع الزُّهد التام والمحبَّة الكاملة، وصحبة من تحققت ولايته" (٢). ويقول في موضعٍ آخر: "وتطلق على ثلاث مراتب، ولاية عامة: وهي لأهل الإيمان والتقوى، كما في الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٣)، وولاية خاصَّة: وهي لأهل الاستشراق (٤) على العلم بالله، وولاية خاصة الخاصة: وهي لأهل التمكُّن في معرفة الله على نعت العيان" (٥).

стр. 692

ولقد جعل الغاية الكبرى من الولاية الوصول إلى وحدة الوجود، وهي التمكُّن في المعرفة، ولذلك طريقته أن ينتقل السالك من مقام إلى مقام حتى يصل للتمكين. قال: "والمقامات هي التوبة، والتقوى، والاستقامة، والزُّهد، والورع ... وكل مقام له علم وعمل وحال، فأوَّله علم، وثانيه عمل، وثالثه حال، ثم مقام، فإذا بلغ مقام المعرفة وتمكَّن فيها انقطعت المقامات" (١). فلقد حصر الولاية في أهل التمكين الذين وصلوا إلى وحدة الوجود -كما زعم-، حتى إنه يرى أن من يصل إلى هذه المعرفة تسقط عنه التكاليف، "مادامت البشرية موجودة فلا بدَّ من التكليف ... فإذا انهدمت البشرية سقطت التكاليف" (٢). وبهذا يتضح أنَّ "الولاية لها معنى آخر تمامًا في الشَّكل والمضمون والموضوع، فوليُّ الله عند الصوفية من اختاره الله وجذبه إليه، وليس من شرط ذلك أن يكون عند هذا المختار والمجذوب أيّ مواصفات للصلاح والتقوى؛ إذ الولاية عندهم نوع من الوهب الإلهي دون سبب، وبغير حكمة، ويجعلون الولاية الكسبية هي ولاية العوام والمتنسِّكين والولاية الحقيقية عندهم هي الولاية الوهبية" (٣). وبهذا جعلوا المجاذيب والمجانين والفسقة والظلمة والملاحدة المشركين من أهل وحدة الوجود، أولياء لله بمجرَّد أن ظهر على أيديهم بعض خوارق العادات (٤). ومعتقد أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الخوارق ليست دليلًا على الولاية؛ لأنها ربما تقع من البر والفاجر.

стр. 693

قال ابن تيمية ﵀: "وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرُّب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليًّا فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه وليُّ لله؛ لا سيِّما أن تكون حجته على ذلك إمَّا مكاشفة سمعها منه أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع؛ فإنه قد علم أن الكفَّار والمنافقين -من المشركين وأهل الكتاب- لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهَّان والسَّحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرَّد ذلك على كون الشَّخص وليًّا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي ﷺ باطنًا وظاهرًا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أنَّ لأولياء الله طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء ﵈" (١). وطلب الخوارق بالمجاهدة وتعذيب النفس من الأمور الخطرة التي تفسد القلب والعقل والمزاج (٢). فكم من صوفيٍّ سلك هذا الطريق ففسد مزاجه، ومرض بدنه، واختلط عقله (٣). سادسًا: إخفاء الولاية وأن تكون سرًّا من الأسرار . قال: "فإن الولاية سرٌّ من أسرار الله أودعها قلوب أصفيائه، لا تظهر على جوارحهم، ولا تكون في الغالب إلا في أهل التجريد، وأهل الخمول، أخفاها الله في عابده، فمن ادعاها من غير تجريد ولا تخريب فهو مدَّعٍ" (٤).

стр. 694

وله طريقة في إخفاء الولاية وهي "المغالطة: وتعني إظهار الغلط، وإيقاع الغير فيه، مع إخفاء الصواب، وتُسمَّى عند الصوفية التلبيس، كإظهار الرغبة، وإخفاء الزُّهد، وإخفاء المحبَّة، وإظهار السُّلوان، يفعلون ذلك صيانةً للسر، وتخريب الظاهر، وتعمير الباطن" (١). وهذا القول باطل؛ فولاية الله مبذولة لكلِّ من سعى إليها وسار في طريقها ووفَّقه الله إلى بلوغها كما قال : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢)، وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). ولا شكَّ أنه على الرُّغم من أنَّ كلَّ مؤمنٍ هو وليُّ الله - جل وعلا - فإنَّ ولاية الله للعبد ومحبته له تتفاوت بحسب الإيمان والتقوى والعمل الصالح فكُلَّما ازداد إيمان العبد وترقَّى في درجات الكمال والصَّلاح وتحلَّى بالتقوى كان أعظم ولاية، وأقرب من ربه . وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). فجعل تقواه واتخاذ الوسيلة منه هي الطريق الموصل لرحمته فيستحيل أن تكون رحمة الله التي يختص بها من يشاء كائنة دون حكمة؛ لأنَّ الله يعلم أين يجعل رسالته وأين يضع هدايته كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ

стр. 695

يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١)، (٢). وما ادعوه في سرية الولاية جعلهم لا ينكرون المعاصي التي تظهر على الولي، بل يرونها صورية لا حقيقية، والقصد منها امتحان المشاهد لها (٣). وهو الذي يراه ابن عجيبة بأنَّ الولي معصوم فهو يمد بمدد العصمة وهو الحفظ الإلهي (٤). والصوفية يطلقون الحفظ بمعنى العصمة، ويعتقدون عصمة شيوخهم (٥)، قال ابن تيمية ﵀: "طائفة من النُّسَّاك والعُبَّاد يزعمون في بعض المشايخ أو فيمن يقولون: " (إنه ولي الله) أنه لا يذنب، وربما عيَّنوا بعض المشايخ وزعموا أنه لم يكن لأحدهم ذنب، وربما قال بعضهم: النَّبيُّ معصوم والوليُّ محفوظ" (٦). وقال أيضًا: "وكثيرٌ من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه وليُّ لله ويظنُّ أنَّ وليَّ الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسُّنَّة فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ... وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧).

стр. 696

وفي الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسير هذه الآية لما سأل النَّبيَّ ﷺ عنها فقال: ما عبدوهم؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «أحلُّوا لهم الحرام وحرَّموا عليهم الحلال فأطاعوهم وكانت هذه عبادتهم إياهم» (١)، (٢). وقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: "أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمَّد ﷺ مفصلًا وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملا" (٤). فمن جعل بعد الرَّسول ﷺ معصومًا وأوجب الإيمان بكلِّ ما قاله وفعله فقد جعله مضاهيًا للأنبياء، وأعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها (٥). وقال ابن تيمية ﵀: "فمن أوجب طاعة أحد غير رسول الله ﷺ في كل ما يأمر به، وأوجب تصديقه في كل ما يخبر به، وأثبت عصمته أو حفظه في كل ما يأمر به ويخبر من الدين فقد جعل فيه من المكافأة لرسول الله والمضاهاة له في خصائص الرسالة بحسب ذلك سواء جعل ذلك المضاهي لرسول الله ﷺ بعض الصحابة ﵃ أو بعض القرابة أو بعض الأئمة والمشايخ أو الأمراء من الملوك وغيرهم" (٦).

стр. 697

وقال أيضًا: "فقد أجمع جميع سلف المسلمين وأئمة الدين من جميع الطوائف أنه ليس بعد رسول الله ﷺ أحد معصوم ولا محفوظ لا من الذنوب ولا من الخطايا، بل من الناس من إذا أذنب استغفر وتاب وإذا أخطأ تبيَّن له الحق فرجع إليه وليس هذا واجبًا لأحد بعد رسول الله ﷺ بل يجوز أن يموت أفضل الناس بعد الأنبياء وله ذنب يغفره الله ﷺ وقد خفى عليه من دقيق العلم ما لم يعرفه، ولهذا اتفقوا على أنه ما من الناس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ " (١). سابعًا: مراتب الأولياء قال ابن عجيبة: "اعلم أنَّ دائرة الولاية مؤلفة من أولياء، ونجباء، ونقباء، وأوتاد، وبدلاء، وأقطاب، وغوث، وهو واحد" (٢). وقال عنهم: "هم أهل العلم بالله على نعت العيان" (٣). وقال عن مسكنهم: "مسكن هؤلاء الرجال لا يتعيَّن في كل زمان، وكذلك الغوث لا يلزم أن يكون دائمًا في مكة، كما هو مشاهد في بعض الأزمان، فقد يكون الغوث بالمغرب، وقد يكون بالمشرق، ولعل المراد أن يكون مركز نظره مكة، أو يخلق الله من روحانيته شخصًا يكون مقيمًا بمكة" (٤). ويرى أنَّ القطب "هو القائم بحق الكون والمكون وهو واحد ... وهو الغوث الذي يصل منه المدد الروحاني إلى دوائر الأولياء، من نجيب ونقيب وأوتاد وأبدال، وله الإمامة والإرث والخلافة الباطنة، وهو روح الكون الذي عليه مداره كما يشير إلى

стр. 698

ذلك كونه بمنزلة إنسان العين من العين، ولا يعرف ذلك إلا من له قسط ونصب من سرِّ البقاء بالله" (١). ويرى أنَّ الأولياء يتصرفون في الكون فهو يقول عن نفسه: "رأيتُ في المنام قائلًا يقول لي: الليلة أُعطي سيِّدي أحمد بن عجيبة يتصرف في الكون، أو في الوجود" (٢). وكلامه مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة، ولما قرَّره أهل السُّنَّة والجماعة في مراتب الأولياء. قال ابن تيمية ﵀: "وأولياء الله على طبقتين: سابقون مقربون. وأصحاب يمين مقتصدون. ولقد ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٣) فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين ... وقد ذكر النَّبيُّ ﷺ عمل القسمين في حديث الأولياء فقال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته».

стр. 699

فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرَّم الله عليهم ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات؛ ولا الكف عن فضول المباحات. وأمَّا السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلمَّا تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبَّهم الرَّب حُبًّا تامًّا" (١). "وقد قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢) وهذه الأربعة هي مراتب العباد: أفضلهم الأنبياء ثم الصدِّيقون، ثم الشُّهداء، ثم الصالحون ... فإن الله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) فكلُّ من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا. وهم على درجتين: السَّابقون المقرَّبون، وأصحاب اليمين المقتصدون، كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والإنسان والمطففين" (٤). "وإذا كان (أولياء الله) هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى كان أكمل ولاية لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى" (٥)، وأفضل الأولياء هم الأنبياء، وأفضلهم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم من الرُّسل

стр. 700

-﵈، قال ابن تيمية ﵀: "وأفضل الأولياء من هذه الأمة هم صالحو المؤمنين الذين صحبوا رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (١)، وأفضل هؤلاء أبو بكر وعمر ﵄ باتفاق أئمَّة السَّلف والخلف ... ومن قال من مخطئي الصوفية أنه قد يمكن أن يكون في المتأخرين من هو أفضل من أبي بكر وعمر ﵃ ... فهم مخطئون في ذلك بالكتاب والسُّنَّة والإجماع" (٢). "ولهذا كان أفضل أولياء الله هم الصديقون الآخذون عن الأنبياء ﵈، فالأولياء تبعٌ للأنبياء، وإنما يقرنهم بههم فيجعل لهم طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء ملاحدة الصوفية ونحوهم" (٣). ودعوى القطب والغوث والأبدال والنجباء والأوتاد، لا أصل لها من كتابٍ ولا سُنَّة، ولا قول أحد من الصحابة ﵃ ولا التابعين ولا أئمة المسلمين وشيوخهم الذين لهم في الأمة لسان صدق (٤). وهي باطلة من عدة أوجه، منها: الوجه الأول: عندنا أصلان ثابتان بالكتاب والسُّنَّة والإجماع الأول: أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، والثاني: أنَّ الله يجلب للنَّاس المنافعَ ويدفع عنهم المضارَّ بدعاء عبادِه المؤمنين وصلاتهم وعبادتهم، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «وهل تُنصَرون وتُرْزَقون إلَّا بضعفائكم بدعائهم وإخلاصهم» (٥).

стр. 701

إذا عرفنا هذين الأصلين تبيَّن لنا أنه ليس لأولياء الله عددٌ محصور تتساوى فيه الأزمنة، ولا لهم مكانٌ مُعيَّن من الأمكنة، بل هم يزدادون وينقصون بحسب زيادة أهل الإيمان والتقوى ونقصانهم، وقد بعث الله رسوله بالحق، وآمن معه بمكة نفرٌ قليلٌ كانوا أقلَّ من سبعة، ثم أقلَّ من أربعين، ثم أقلَّ من سبعين، ثم أقلَّ من ثلاث مائة، فأين كان أولئك الأبدال وغيرهم ممن يذكرهم الصوفية بالعدد والترتيب والطبقات؟ هل كانوا في الكفَّار. ثم هاجر النبي ﷺ وأصحابه ﵃ إلى المدينة، وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين، ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم، فمن كان هو الغوث الذي يدِّعي الصوفية وجوده بمكة بعد الهجرة. ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين عدد لا يُحصَى، ولا يحصرون بثلاث مائة ولا بثلاثة آلاف، فكلُّ من جعل لهم عددًا محصورًا فهو من المبطلين عمدًا أو خطًا. ونسألهم مَن كان القطب والأبدال وغيرهم من زمن آدم ونوح وإبراهيم وقبل محمد -عليهم الصَّلاة والسَّلام- في الفترة حين كان عامة الناس كفرة؟ وإن زعموا أنهم كانوا بعد رسولنا ففي أيِّ زمانٍ كانوا؟ ومَن أوَّلُ هؤلاء؟ وبأيِّ آيةٍ وبأيِّ حديثٍ مشهورٍ وبأيِّ إجماعٍ متواترٍ من القرون الثلاثة ثبتَ وجودُ هؤلاء بهذه الأعداد حتى نعتقده؟ لأن العقائد لا تعتقد إلَّا من هذه الأدلة الثلاثة ومن البرهان العقلي، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) فإن لم يأتوا به فهم الكاذبون بلا ريب، فلا نعتقد أكاذيبهم (٢).

стр. 702

الوجه الثاني: الصوفية أخرجوا القطب بما يختص به البشر، وحلقوا به في عالم الربوبية، وقد ذكروا له خمس عشرة علامة، منها أنه يُكشَف له عن حقيقة الذات الإلهية، ويحيط علمًا بصفات الله تعالى، وأن علم القطب لا حدود له، فلا يخفى عليه شيءٌ من الدنيا والآخرة، ويحيط بمعرفة أحكام الشريعة ولو كان أُميًّا، يقول ابن عجيبة: "كم من وليٍّ يكون أُمِّيًّا، وتجده عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء" (١) (٢). قال ابن تيمية ﵀: "هذه الأمور وغيرها مما ذكره الصوفية لا يخفى ما في الاعتقاد بها من خطورة على عقيدة التوحيد، فهي محاولة خبيثة لتجريد الإله الحق من اختصاصاته التي لا يشاركه فيها مخْلوق، وجعلها مشاعًا بين الخالق والمخلوق على حدٍّ سواء، وهذا هو الشِّرك في الربوبية -والعياذ بالله-، وهو أقبح أنواع الشرك، فقد كان المشركون القُدامى على علمٍ بربوبية الله وخصوصيته في الخلق، والرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، وغيرها من أمور الربوبية كما حكى عنهم القرآن، فالذي يعتقد ذلك في الأولياء هو أجهل من أولئك المشركين وأضلّ. وبهذا نعرف ما نتج عن فكرة القطب هذه من مخاطر جسيمة في باب العقيدة لدى عامَّة الناس، الذين تعلقوا بها واعتقدوها ونشأوا عليها في البيئات الصوفية، ولُقِّنوها منذ الصغر، ولا زلنا نرى في البلاد الإسلامية من ينادي (الغوث) للمدد، ويعتقد في الأولياء بما لا يجوز اعتقاده إلاّ في الله فإنَّا لله وإنا إليه راجعون" (٣).

стр. 703

الوجه الثالث: فأمَّا لفظ الغوث والغياث "فلا يستحقه إلا الله فهو غياث المستغيثين فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرَّب ولا نبيٍّ مرسل، ومن زعم أنَّ أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضرِّ عنهم ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة إلى السبعين، والسبعين إلى الأربعين، والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث فهو كاذبٌ ضالٌّ مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (١). وقال النبي ﷺ لأصحابه ﵃ لما رفعوا أصواتهم بالذكر: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا وإنما تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٢) (٣). الوجه الرابع: "وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام البعض أنه يقول: فلان من الأوتاد يعني بذلك أنَّ الله تعالى يثبِّت به الإيمان والدين في قلوب من يهديهم الله به كما يثبِّت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابتٌ لكلِّ من كان بهذه الصفة من العلماء فكلُّ من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة ومن كان بدونه كان بحسبه وليس ذلك محصورًا في أربعة ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين في أوتاد الأرض. وأمَّا القطب فيوجد أيضًا في كلامهم فلان من الأقطاب أو فلان قطب فكل

стр. 704

من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنًا أو ظاهرًا فهو قطب ذلك الأمر ومداره سواء كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته أمر دينها أو دنياها باطنًا أو ظاهرا، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر؛ لكن الممدوح من ذلك من كان مدارًا لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا، فهذا هو القطب في عرفهم فقد يتفق في بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره وقد يتفق في عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله سواء ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقًا" (١). "ولفظ (النقباء) ذكر في الكتاب والسُّنَّة بالمعنى الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٢)، وجعل النبي ﷺ للأنصار اثني عشر نقيبًا على عدد نقباء موسى، وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يُعرِّفون العُرَفاء وينقِّبون النُّقباء، ليُعرِّفوهم بأخبار الناس وينقِّبوا عن أحوالهم، فهؤلاء هم النُّقباء المعروفون في الكتاب والسُّنَّة، وإطلاق هذا اللَّفظ على أولياء الله ليس له أصل في كلام السَّلف" (٣). الوجه الخامس: قد يقول قائل وردت هذه الأسماء على لسان السلف أو أهل العلم المتأخرين بقولهم: فلان من الأبدال، فعند ترجمة فروة بن مجالد (٤)، قيل عنه: "وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال" (٥).

стр. 705

فيجاب عليه ليس مقصود السَّلف على الوجه الذي يتصوره الصوفية، بل بالمعنى المناسب الذي لا يعارض أصول الدين (١)، قال ابن تيمية ﵀: "وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم (الأبدال)؛ لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه: هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة والحال وهذا في الأمرين جميعا" (٢). الوجه السادس: ما يراه ابن عجيبة بأنَّ الولي يتصرف في الكون منازعة لله في خصائصه، قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٣). قال ابن سعدي ﵀: "وذلك أنَّ الله تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيءٍ من ذلك بكهانة، أو عرافة، أو غيرهما، أو صدَّق من ادعى ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذَّب الله ورسوله" (٤). فمن ادَّعى الولاية ويستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن (٥).
следующие страницы →