إذا عرفنا هذين الأصلين تبيَّن لنا أنه ليس لأولياء الله عددٌ محصور تتساوى فيه الأزمنة، ولا لهم مكانٌ مُعيَّن من الأمكنة، بل هم يزدادون وينقصون بحسب زيادة أهل الإيمان والتقوى ونقصانهم، وقد بعث الله رسوله بالحق، وآمن معه بمكة نفرٌ قليلٌ كانوا أقلَّ من سبعة، ثم أقلَّ من أربعين، ثم أقلَّ من سبعين، ثم أقلَّ من ثلاث مائة، فأين كان أولئك الأبدال وغيرهم ممن يذكرهم الصوفية بالعدد والترتيب والطبقات؟ هل كانوا في الكفَّار.
ثم هاجر النبي ﷺ وأصحابه ﵃ إلى المدينة، وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين، ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم، فمن كان هو الغوث الذي يدِّعي الصوفية وجوده بمكة بعد الهجرة.
ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين عدد لا يُحصَى، ولا يحصرون بثلاث مائة ولا بثلاثة آلاف، فكلُّ من جعل لهم عددًا محصورًا فهو من المبطلين عمدًا أو خطًا.
ونسألهم مَن كان القطب والأبدال وغيرهم من زمن آدم ونوح وإبراهيم وقبل محمد -عليهم الصَّلاة والسَّلام- في الفترة حين كان عامة الناس كفرة؟ وإن زعموا أنهم كانوا بعد رسولنا ففي أيِّ زمانٍ كانوا؟ ومَن أوَّلُ هؤلاء؟ وبأيِّ آيةٍ وبأيِّ حديثٍ مشهورٍ وبأيِّ إجماعٍ متواترٍ من القرون الثلاثة ثبتَ وجودُ هؤلاء بهذه الأعداد حتى نعتقده؟ لأن العقائد لا تعتقد إلَّا من هذه الأدلة الثلاثة ومن البرهان العقلي، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) فإن لم يأتوا به فهم الكاذبون بلا ريب، فلا نعتقد أكاذيبهم (٢).
стр. 702
الوجه الثاني: الصوفية أخرجوا القطب بما يختص به البشر، وحلقوا به في عالم الربوبية، وقد ذكروا له خمس عشرة علامة، منها أنه يُكشَف له عن حقيقة الذات الإلهية، ويحيط علمًا بصفات الله تعالى، وأن علم القطب لا حدود له، فلا يخفى عليه شيءٌ من الدنيا والآخرة، ويحيط بمعرفة أحكام الشريعة ولو كان أُميًّا، يقول ابن عجيبة: "كم من وليٍّ يكون أُمِّيًّا، وتجده عنده من العلوم والحكم والتوحيد ما لا يوجد عند نحارير العلماء" (١)(٢).
قال ابن تيمية ﵀: "هذه الأمور وغيرها مما ذكره الصوفية لا يخفى ما في الاعتقاد بها من خطورة على عقيدة التوحيد، فهي محاولة خبيثة لتجريد الإله الحق من اختصاصاته التي لا يشاركه فيها مخْلوق، وجعلها مشاعًا بين الخالق والمخلوق على حدٍّ سواء، وهذا هو الشِّرك في الربوبية -والعياذ بالله-، وهو أقبح أنواع الشرك، فقد كان المشركون القُدامى على علمٍ بربوبية الله وخصوصيته في الخلق، والرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، وغيرها من أمور الربوبية كما حكى عنهم القرآن، فالذي يعتقد ذلك في الأولياء هو أجهل من أولئك المشركين وأضلّ.
وبهذا نعرف ما نتج عن فكرة القطب هذه من مخاطر جسيمة في باب العقيدة لدى عامَّة الناس، الذين تعلقوا بها واعتقدوها ونشأوا عليها في البيئات الصوفية، ولُقِّنوها منذ الصغر، ولا زلنا نرى في البلاد الإسلامية من ينادي (الغوث) للمدد، ويعتقد في الأولياء بما لا يجوز اعتقاده إلاّ في الله فإنَّا لله وإنا إليه راجعون" (٣).
стр. 703
الوجه الثالث: فأمَّا لفظ الغوث والغياث "فلا يستحقه إلا الله فهو غياث المستغيثين فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرَّب ولا نبيٍّ مرسل، ومن زعم أنَّ أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضرِّ عنهم ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة إلى السبعين، والسبعين إلى الأربعين، والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث فهو كاذبٌ ضالٌّ مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (١).
وقال النبي ﷺ لأصحابه ﵃ لما رفعوا أصواتهم بالذكر: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا وإنما تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٢)(٣).
الوجه الرابع: "وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام البعض أنه يقول: فلان من الأوتاد يعني بذلك أنَّ الله تعالى يثبِّت به الإيمان والدين في قلوب من يهديهم الله به كما يثبِّت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابتٌ لكلِّ من كان بهذه الصفة من العلماء فكلُّ من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة ومن كان بدونه كان بحسبه وليس ذلك محصورًا في أربعة ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين في أوتاد الأرض.
وأمَّا القطب فيوجد أيضًا في كلامهم فلان من الأقطاب أو فلان قطب فكل
стр. 704
من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنًا أو ظاهرًا فهو قطب ذلك الأمر ومداره سواء كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته أمر دينها أو دنياها باطنًا أو ظاهرا، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر؛ لكن الممدوح من ذلك من كان مدارًا لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا، فهذا هو القطب في عرفهم فقد يتفق في بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره وقد يتفق في عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله سواء ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقًا" (١).
"ولفظ (النقباء) ذكر في الكتاب والسُّنَّة بالمعنى الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٢)، وجعل النبي ﷺ للأنصار اثني عشر نقيبًا على عدد نقباء موسى، وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يُعرِّفون العُرَفاء وينقِّبون النُّقباء، ليُعرِّفوهم بأخبار الناس وينقِّبوا عن أحوالهم، فهؤلاء هم النُّقباء المعروفون في الكتاب والسُّنَّة، وإطلاق هذا اللَّفظ على أولياء الله ليس له أصل في كلام السَّلف" (٣).
الوجه الخامس: قد يقول قائل وردت هذه الأسماء على لسان السلف أو أهل العلم المتأخرين بقولهم: فلان من الأبدال، فعند ترجمة فروة بن مجالد (٤)، قيل عنه: "وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال" (٥).
стр. 705
فيجاب عليه ليس مقصود السَّلف على الوجه الذي يتصوره الصوفية، بل بالمعنى المناسب الذي لا يعارض أصول الدين (١)، قال ابن تيمية ﵀: "وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم (الأبدال)؛ لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه: هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة والحال وهذا في الأمرين جميعا" (٢).
الوجه السادس:
ما يراه ابن عجيبة بأنَّ الولي يتصرف في الكون منازعة لله في خصائصه، قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٣).
قال ابن سعدي ﵀: "وذلك أنَّ الله تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيءٍ من ذلك بكهانة، أو عرافة، أو غيرهما، أو صدَّق من ادعى ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذَّب الله ورسوله" (٤).
فمن ادَّعى الولاية ويستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن (٥).
стр. 706
المبحث الثاني: الكرامة وأقسامها
أولًا: تعريف الكرامة في اللغة
قال ابن فارس: "الكاف والراء والميم أصلٌ صحيحٌ له بابان، أحدهما: شرفٌ في الشَّيء في نفسه أو شرف في خلُقٍ من الأخلاق ... والكرم في الخلق يقال: هو الصفح عن ذنب المذنب، قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة:: الكريم الصفوح والله تعالى هو الكريم الصفوح عن ذنوب عباده المؤمنين" (١).
وقال ابن منظور: "الكريم من صفات الله وأسمائه وهو: الكثير الخير الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه" (٢).
ثانيًا: تعريف الكرامة في الاصطلاح
عرَّفها السَّفاريني بقوله: "هي أمرٌ خارقٌ للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة، يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبيٍّ كُلِّف بشريعته مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، علم بها ذلك العبد الصالح أو لم يعلم" (٣).
وقال ابن أبي العز: "إنما الكرامة لزوم الاستقامة، وإن الله لم يكرم عبدًا بكرامة أعظم من موافقته فيما يُحبّه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله" (٤).
стр. 707
ثالثًا: تعريف الكرامة عند الصوفية
عرَّفها ابن عجيبة بقوله: "هي الاستقامة وكشف الحجاب بين الله وعبده حتى تشاهده عيانًا ويذهب الأوهام والشكوك" (١).
وعرفها القشيري: " ... الكرامة فعل ناقص للعادة في أيام التكليف ظاهرًا على موصوف بالولاية في معنى تصديقه في حاله" (٢).
ومن خلال التعريفين السابقين يتضح أنَّ الكرامة عند الصوفية هي المحور والمرتكز الأول في بيان فضل الولي؛ وللدلالة على صدقه، فهم يهتمون بالولاية الصوفية والتي تثبت عندهم بالطرق الصوفية، ويأتي إثباتها عن طريق الكرامة، يقول المناوي: "وتكون للدلالة على صدقه وفضله، أو لقوة يقين صاحبها أو غيره" (٣).
ولذلك سلك ابن عجيبة طرقًا للحصول على الكرامة فاتخذ مجاهدة النفس وفطمها عن المألوفات سببًا للوصول للكرامة بنوعيها الحسِّي والمعنوي، فقال: فمن مجاهدة البدن تظهر الكرامات الحسيَّة، كالمشي على الماء، والطيران في الهواء، وطي الأرض، ومن مجاهدة النفس تظهر الكرامات المعنوية، من فهم العلوم، واتساع الفهوم، وشهود رب العالمين، والاطلاع على الغيب (٤).
وبهذا تجدهم متسرعين بالحكم على الشخص بأنه صاحب كرامة، بمجرد رؤية هذه الأمور التي صدرت منه سواء ظاهره الصلاح أو لا، متجاهلين أنَّ الشيطان يغوي بني آدم بتخرُّصات وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 708
قال ابن الجوزي ﵀: "من العباد من يرى ضوءًا أو نورًا في السَّماء فإن كان في رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره قال: قد فُتحت لي أبواب السَّماء، وقد يتفق له الشَّيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة، وربما كان اتفاقًا" (١).
واتفق أهل العلم على أنَّ الرجل لو طار في الهواء، ومشى على الماء، لم تثبت له ولاية، بل ولا إسلام حتى يُنظر في أمره، ومدى استقامته على شرع الله (٢)، قيل للشَّافعي: إنَّ الليث بن سعد (٣) يقول: لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قَبِلته، قال: "أمَا إنه قصَّر، لو رأيته يمشي في الهواء ما قبلته" (٤).
ويرى ابن عجيبة أنَّ خرق العوائد دليلٌ لظهور الكرامة، وطريقته في خرق العوائد إبدالها بضدِّها، فيستبدل كثرة الأكل والنوم بالجوع والسهر، وتبديل كثرة اللباس بالتقلُّل منه، أو لبس المرقعات، وتبديل الخلطة بالعزلة، وهكذا (٥).
ولا يُسلَّم له أنَّ خرق العادات دليلٌ على الكرامة بإطلاق؛ إذ لا بدَّ من معرفة طريقة حصولها وغاياتها، فمن جعلها غاية له، وعبد الله لأجلها لعبت به الشياطين، وأظهرت له خوارق من جنس خوارق الكهَّان والسَّحرة (٦).
стр. 709
قال ابن أبي العز ﵀: "يَعدُّون مجرَّد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة ... وأمَّا ما يبتلي الله به عبده من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه" (١).
وقال الشوكاني ﵀: "وإذا عرفت أنه لا بدَّ للولي من أن يكون مقتديًا في أقواله وأفعاله بالكتاب والسُّنَّة، وأنَّ ذلك هو المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، فمن ظهر منه شيء مما يخالف هذا المعيار فهو ردٌّ عليه، ولا يجوز لأحد أن يعتقد فيه أنه وليُّ الله، فإنَّ أمثال هذه الأمور تكون من أفعال الشياطين، كما نشاهده في الذين لهم تابع من الجنِّ فإنه قد يظهر على يده ما يظن من لم يستحضر هذا المعيار أنه كرامة، وهو في الحقيقة مخاريق شيطانية وتلبيسات إبليسية.
ولهذا تراه يظهر من أهل البدع، بل من أهل الكفر وممن يترك فرائض الله سبحانه ويتلوَّث بمعاصيه؛ لأنَّ الشيطان أميل إليهم للاشتراك بينه وبينهم في مخالفة ما شرعه الله سبحانه لعباده.
وقد يظهر شيءٌ مما يظن أنه كرامة من أهل الرياضة وترك الاستكثار من الطعام والشراب على ترتيب معلوم، وقانون معروف حتى ينتهي حاله إلى أن لا يأكل إلا في أيام ذوات العدد، ويتناول بعد مضي أيام شيئًا يسيرًا، فيكون له بسبب ذلك بعض صفاء من الكدورات البشرية، فيدرك ما لا يدركه غيره، وليس هذا من الكرامات في شيء" (٢).
стр. 710
وقعَّد الشاطبيُّ ضابطًا هامًّا لصحَّة هذا الكرامات وقبولها فقال: "وذلك أنَّ هذه الأمور لا يصح أن ترُاعى وتعتبر إلا بشرط أن لا تخرم حكمًا شرعيًّا ولا قاعدةً دينيَّة، فإنَّ ما يخرم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًّا ليس بحقٍّ في نفسه، بل هو إمَّا خيالٌ أو وهم، وإمَّا من إلقاء الشيطان ... وذلك أنَّ التشريع الذي أتى به رسول الله ﷺ عامٌّ لا خاص ... وأصله لا ينخرم، ولا ينكسر له اطراد، ولا يحاشى من الدخول تحت حكمه مكلَّف، وإذا كان كذل فكلُّ ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادًّا لما في الشريعة فهو فاسدٌ باطل" (١).
وقال أيضًا: "ليس القصد بالكرامات والخوارق أن تخرق أمرًا شرعيًّا، ولا أن تعود على شيءٍ منه بالنقض، كيف وهي نتائج عن اتباعه؟ فمحالٌ أن ينتج المشروع ما ليس بمشروع، أو يعود الفرع على أصله بالنقض، هذا لا يكون البته" (٢).
وبيَّن الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ الفرق بين الكرامة واستدراج الشيطان بقوله: "إذا كان الشخص مخالفًا للشرع فما يجري له من هذه الأمور ليس بكرامة، بل هي إمَّا استدراج، وإمَّا من عمل الشياطين، ويكون سببها هو ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ، فإنَّ المعاصي لا تكون سببًا لكرامة الله ، ولا يستعان بالكرامات عليها" (٣).
ولذلك من ادعى أو زعم أنَّ لدية القدرة على معرفة الغيب فإنه كاذب، فالغيب لله .
ولقد تلاعب الشيطان بالصوفية في مسألة الخوارق، حتى إنَّك لتجدهم كثيرًا
стр. 711
ما يذكرون أخبارًا في قضاء حاجاتهم، ومن ذلك إيراد ابن عجيبة كرامة لجدته -حسب زعمه- فقال: "وجدتنا للأب والأم الوليَّة الشهيرة المكاشفة الكبيرة فاطمة بنت الولي الصالح سيدي إبراهيم بن عجيبة، كانت من أهل الإغاثة في البر والبحر ولها كرامات، منها: أن بعض البحرية طلعت عليهم سفينة النصارى وأرادوا أخذهم واستغلبوا عليهم، وقال رئيس السفينة من كان يعرف وليًّا في بلده فليستغث به، فقال رجلٌ من طنجة (١) اللا فاطمة العجيبية كان يسمع بها فظهرت معهم في المركب وهي تدفع المركب إلى البر وتقول الله الله الرجال فسلموا" (٢).
وكثيرًا ما يورد الصوفية أخبارًا مثل هذه في تراجم شيوخهم (٣)، فيتصور الشيطان بصورة ذلك الرجل أو المرأة المستغاثة ويأتي إليهم ويقضي حاجتهم، وهذا ديدن كل من يتعلَّق بغير الله .
قال ابن تيمية ﵀: "وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته، ومنهم من قال: رأيتك راكبًا بلباسك وصورتك، ومنهم من قال: رأيتك على جبل، ومنهم من قال غير ذلك،
стр. 712
فأخبرتهم أنِّي لم أغثهم وإنما ذلك شيطانٌ تصوَّر بصورتي ليضلَّهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله " (١).
بينما لو قال أحدهم: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم" (٢)، لفرج الله عليهم الكرب والشدائد.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له» (٣).
قال ابن القيم عن هذه الدعوات: "وأمَّا دعوة ذي النون فإنَّ فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرَّب تعالى، واعتراف العبد بظلمه وذنبه، ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم، وأبلغ الوسائل إلى الله في قضاء الحوائج، فإنَّ التوحيد والتنزيه يتضمَّنان إثبات كل كمال الله، وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه، والاعتراف بالظلم يتضمَّن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة أمور قد وقع التوسُّل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف" (٤).
стр. 713
ويقول ابن القيم في قول الله : ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (١)، "فتأمَّل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلَّق بغيره، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران:
أحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركَّبًا، ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يُرجى معه نجاة، فصور بصورة حال من خرِّ من السَّماء فاختطفته الطير في الهوي فتمزَّق مزقًا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وعلى هذا لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.
والثاني: أن يكون من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسَّماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها، وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي تخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله عليه وتؤزُّه أزًّا وتزعجه وتقلقه إلى مظانِّ هلاكه؛ فكلُّ شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أنَّ لكلِّ طير مزعة من لحمه وأعضائه، والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه الذي حمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السَّماء" (٢).
وزعم ابن عجيبة أن له كرامات خاصَّة به، فمنها أنه التقى بالخضر ﵇ في
стр. 714
مقصورة جامع الجعيدي (١)، ورآه رجلًا ضخمًا كبير اللِّحية، واقترب منه حتى مسَّت شعر لحيته وجهه، وتكلَّم معه بكلام غاب عنه -أي نسيه- لطول العهد به (٢).
ولو عرض ابن عجيبة قوله هذا على الكتاب والسُّنَّة لعلم أنه مخدوع ممكورٌ به قد طمع الشيطان به، فالخضر لم يدرك الإسلام، قال ابن تيمية ﵀: "والصواب الذي عليه المحققون أنه ميِّت، ولم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النَّبيِّ ﷺ لوجب عليه أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره عند قوم كُفَّار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أُمَّة أُخرجت للناس، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنه" (٣).
وطريقة الصوفية ومن سار على نهجهم أنهم يعتمدون على الكشف في معرفة الكرامة، فهذا ابن عجيبة يزعم أن من كراماته أنه يُكشف له عن حقيقة ما يريد استعماله من الطعام، فيعرف حرامه من حلاله (٤).
ولكن هذه الأمة ولله الحمد لا يزال فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده (٥).
стр. 715
يقول الشاطبي ﵀: "إنهم يعتمدون في كثيرٍ من الأحكام على الكشف والمعاينة، وخرق العادة فيحكمون بالحل والحرمة ويثبتون على ذلك الإقدام والإحجام" (١).
ويقول الصنعاني ﵀: "إن أكثر الكرامات التي شاعت بين العوام وحازت على عقول الخواص كذب من العوام الذين هم فتنة دين الإسلام أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم وهم الهمج الرعاع" (٢).
رابعًا: أقسام الكرامات
١ - الكرامة الحسيَّة، وعرَّفها ابن عجيبة بقوله: "هي خرق الحسِّ العادي، كالمشي على الماء، والطيران في الهواء، وطي الأرض، ونبع الماء، وجلب الطعام، والاطلاع على المغيَّبات، وغير ذلك من خوارق العادات" (٣).
٢ - الكرامة المعنويَّة، وعرَّفها بـ: "استقامة العبد مع ربه في الظاهر والباطن، وكشف الحجاب عن قلبه، حتى عرف مولاه، والظفر بنفسه، ومخالفة هواه، وقوة يقينه، وسكونه وطمأنينته بالله" (٤).
وذكر نماذج للكرامات الحسيَّة فقال: "فمنها وضع البركة في الطعام وغيره، حتى يكثر القليل، ويكفي اليسير، وهذا مشاهد لأولياء الله كثيرًا" (٥).
ومنها: "تيسير دراهم أو دنانير أو كليهما مما تدعو إليه الحاجة، وقد كان
стр. 716
بعض المشايخ في أول أمره جزَّارًا فتعذر عليه شغل الجزارة تعذُّرًا شرعيًّا، فكان إذا قضى وظيفته ذكره يرفع رأسه فيجد في حجره درهمًا يشتري به قوت ذلك اليوم" (١).
ومنها: الاطلاع على المغيَّبات فيقول: " ... وقد يخرق له العادة فيطلعه الله على جميع اللُّغات" (٢).
ولا غرابة بأن يحتار العقل في الكرامات الحسيَّة؛ إذ هي خرقٌ لما اعتاد عليه البشر ولما ألفوه، يقول ابن تيمية ﵀: "والرُّسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقًّا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدَّقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضَّل الله به بني آدم على غيرهم" (٣).
ولهذا فإنَّ العُبَّاد والزُّهَّاد الذين لا يتَّبعون الكتاب والسُّنَّة تقترن بهم الشياطين، فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، ولكن خوارق هؤلاء يعارض بعضها بعضًا، وإذا حصل من له تمكُّن من أولياء الله أبطلها عليهم، ولا بدَّ أن يكون في أحدهم الكذب جهلًا أو عمدًا، ومن الإثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم؛ ليفرِّق الله بذلك بين أوليائه المتقين وبين المتشبِّهين بهم من أولياء الشياطين (٤).
ولقد ضرب ابن تيمية ﵀ أمثلةً على تلبيس الشياطين على هؤلاء القوم وهي من مخاطبة الشيطان لهم، فقال: " فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع
стр. 717
وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الحجر والشَّجر وتقول: هنيئًا لك يا وليَّ الله فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك، وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بذلك، ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة، أو تمر به أنوار أو تحضر عنده من يطلبه ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله، وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له: أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي بشَّر به النَّبي ﷺ ويظهر له الخوارق" (١).
وهذه الكرامات الحسيَّة ليست معتبرة لحصول الولاية، فإنها قد تظهر على شخص متلبِّس بالمعاصي، وظهورها عليه لا يعني كمال صاحبها، ولكن القوم عمدتهم فيما اعتقدوا فيه الولاية أنه قد صدر منه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرُّفات الخارقة للعادة كأن يملأ إبريقًا من الهواء، أو أن يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته، وليس في شيءٍ من هذه الأمور ما يدلُّ على أنَّ صاحبها وليُّ لله، بل قد اتفق أولياء الله على أنَّ الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله ﷺ وموافقته لأمره ونهيه، فإن هذه الخوارق قد تكون لكثير من الكُفَّار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيءٌ من هذه الأمور أنه وليُّ
стр. 718
لله، فكرامات أولياء الله سببها الإيمان والتقوى، فمن كانت خوارقه تحصل عند الشرك بالله، مثل دعاء الميت، أو الاطلاع على المغيَّبات فهذه من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء الله (١).
قال ابن حجر ﵀: "إنَّ الذي استقرَّ عند العامَّة أنَّ خرق العادة يدلُّ على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى، وهو غلطٌ ممن يقوله؛ فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدلُّ بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسِّكًا بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا" (٢)، ومع ذلك فإن أهل العلم بيَّنوا أنَّ الوليَّ ليس بمعصوم بل يجوز عليه ما يجوز على سائر عباد الله المؤمنين، وكرامات الصالحين دلَّت على صحة الدين الذي جاء به الرسول لا على أنَّ الوليَّ معصومٌ وتجب طاعته (٣).
وقد ذهب ابن عجيبة إلى أنَّ الكرامة الحسيَّة ليست معتبرة، فهي تظهر على يد من لم تكمل استقامته، وهذا حقٌّ كما بيَّنه أهل العلم، ثم بعد ذلك يذهب إلى أنَّ الكرامة المعتبرة: الفهم عن الله، والرضا بقضاء الله، وترك التدبير، وهي المعتبرة عند المحققين -يقصد الكرامة المعنوية - أمَّا الحسيَّة فلا يطلبونها ولا يلتفتون إليها (٤).
ويريد ابن عجيبة أن يصل إلى أبعد من هذا عند ذمِّه للكرامة الحسيَّة؛ لأنها حسب زعمه مانعة له من مشاهدة الوحدة، وكشف الحجاب بينه وبين الله - تعالى
стр. 719
عمَّا يقول علوًا كبيرًا-، فهو يبيِّن أنَّ من وقف مع هذه الكرامات الحسيَّة فهو محجوبٌ عن رؤية النُّور الأصلي، فالكرامة عنده هي الرُّسوخ والتمكين في معرفة الله، أي زوال الحجاب (١).
فهو يرى مشاهدة الحق أعظم كرامة، فيقول في موضع آخر: "وأي كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقًّا ووجود السوي محالًا ضروريًّا" (٢).
ولا ريب أن ما عناه هنا هي وحدة الوجود، فالذي لا يشهد السوي مطلقًا هو قول الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وهؤلاء قد يبلغ بهم الأمر إلى أن يروا أنَّ شهود الذات مجردة عين الصفات هو أعلى مقامات الشهود، وهذا من جهلهم؛ فإنَّ الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها في الخارج، وليس ذاك رب العالمين، ولكنَّهم في أنفسهم جردوها عن الصفات وشهدوا مجرد الذات كما يشهد الإنسان تارة علم الرب وتارة قدرته، فهؤلاء شهدوا مجرد ذات مجردة، فهذا في غاية النقص في معرفة الله والإيمان به فكيف يكون هذا غاية؟ ومنهم من ينظر هذا شرطًا في السُّلوك وليس كذلك بل السابقون الأولون أكمل الناس ولم يكن مثل هذا يخطر بقلوبهم ولو ذكره أحد عندهم لذمُّوه وعابوه (٣).
стр. 720
الفصل الثالث: الحلول والاتحاد ووحدة الوجود
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الحلول والاتحاد
المبحث الثاني: وحدة الوجود
стр. 721
المبحث الأول: الحلول والاتحاد
تعتبر عقيدة الحلول والاتحاد من العقائد التي سرت إلى بعض غلاة الصوفية ممن ينتسب للإسلام، وهي عقيدة قديمة ظهرت في الأديان الوثنية القديمة، ثم سرت إلى النصرانية، ثم إلى بعض من انتسب للإسلام وخصوصًا المتقدِّمين من غلاة الشيعة (١)، وسيتضح إن شاء الله من خلال سبر أقوال ابن عجيبة موقفه من قضية الحلول والاتحاد.
أولًا: تعريف الحلول والاتحاد .
الحلول هو: "عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، فيسمَّى الساري حالًا، والمسري فيه محلًّا" (٢).
وكذلك يراد به -عند من يعتقده- أن تحل الذات الإلهية في الذات البشرية، ويصبح المخلوق ظرفًا، لخالقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا (٣).
وينقسم إلى قسمين:
حلول خاص: كالنَّصارى والغالية من هذه الأمة الذين يقولون بالحلول إمَّا في علي ﵁ أو غيره.
حلول عام: كالذين يقولون في جميع المخلوقات نحوًا مما قالته النصارى في المسيح ﵇ أو ما هو شرٌّ منه (٤).
стр. 722
والاتحاد هو: "شهود الوجود الحق المطلق الذي الكل به موجود بالحق فيتحد به الكل من حيث كون كل شيءٍ موجودًا به معدومًا بنفسه لا من حيث إنَّ له وجودًا خاصًّا به" (١).
وكذلك يراد به "اختلاط الذات الإلهية بالذات البشرية لتصبحا ذاتًا واحدة" (٢).
ثانيًا: موقفه من الحلول والاتحاد
قال: "فلا وجود للأشياء مع وجوده، فانتفى القول بالحلول، إذا الحلول يقتضي وجود السوي حتى يحل فيه معنى الربوبية، والفرض أنَّ السوي عدم محض فلا يتصور الحلول ... وتقرر أنَّ الأشياء كلها في حيِّز العدم، إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم، فانتفى القول بالاتحاد، إذ معنى الاتحاد هو اقتران القديم مع الحادث، فيتحدان حتى يكون شيئًا واحدًا وهو محال، إذ هو مبنيٌّ أيضًا على وجود السوي ولا سوي" (٣).
وقال أيضًا: "الاتحاد يطلق على معنيين: أحدهما: اختلاط جرمين حتى يصير جرمًا واحدًا، وهذا محال في حقِّه تعالى، وهو كفرٌ لمن اعتقده، ويطلق على الوحدة الحقيقية، يقال: اتحد الشَّيء إذا صار واحدًا" (٤).
وقال في موضع آخر: "وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة" (٥).
стр. 723
ويقول: "إذا قال الفقير -أي الصوفي-:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا (١)
قبل تحقق فنائه فما أبعده عن الصواب، وإذا تحقق فناؤه فلا يقوله إلا مع من يُصدِّقه في حاله، وإلا تعرض لقتله" (٢).
وردَّ ابن عجيبة على من يتهم الصوفية بالحلول والاتحاد (٣)، فقال: "وسبب انتقاد أهل الظاهر على أهل الباطن: أنَّ أهل الباطن لما استشرفوا على بحار زواخر من التوحيد الخاص رام بعضهم للتعبير عن تلك الأسرار فضاقت عبارتهم عن ذلك، ففهموا منه غير ما أرادوه فرموا بالحلول والاتحاد، وليس ثم حلول ولا اتحاد" (٤).
ولذلك يرى سبب مقتل الحلاج أنه أفشى هذا السِّر، فقال: "كلُّ من أفشى سرَّ الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة فيباح دمه ويهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره ... والمراد بسرِّ الربوبية التوحيد الخاص، الذي هو الشهود والعيان المخصوص بأهل العرفان" (٥).
وفسَّر قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦)، "أي أفلا يرجعون عن تلك العقائد الزائفة والأقوال الفاسدة، ويستغفرونه بالتوحيد والتوبة عن الاتحاد والحلول" (٧).
стр. 724
وذكر حديثًا يوهم بالحلول والاتحاد، فقال: يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن» (١).
وهذا حديثٌ باطلٌ لا أصل له، قال السَّخاوي (٢): "ذكره الغزالي في الإحياء بلفظ (قال الله: لم يسعني) وذكره بلفظ (ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع) وقال مخرجه العراقي (٣):لم أر له أصلًا" (٤).
وقال السَّخاوي: "ورأيت بخط الزركشي (٥) بعض أهل العلم يقول: هذا باطل وهو من وضع بعض الملاحدة، وأكثر ما يرويه المتكلِّم على رؤوس العوام علي بن وفا (٦) لمقاصد يقصدها، ويقول عند الوجد والرقص: طوفوا ببيت ربكم" (٧).
وسئل ابن تيمية ﵀ عمَّا يروى عن النبي ﷺ عن الله قال: «ما وسعني لا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»، فأجاب: الحمد لله،
стр. 725
هذا ما ذكروه في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبي ﷺ ، ومعناه وسع قلبه محبتي ومعرفتي، وما يروى: «القلبُ بيتُ الرَّب» هذا من جنس الأول؛ فإنَّ القلب بيت الإيمان بالله ومعرفته ومحبته" (١).
ويقول ﵀ رادًّا على من يختلق الأحاديث المكذوبة: "وكذلك مما حرَّمه الله تعالى أن يقول الرَّجل على الله ما لا يعلم مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحَّتها، أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسول الله ﷺ ، سواء كانت من صفات النفي والتعطيل ... أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل، مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض، أو يجالس الخلق ... أو أنه سار في مخلوقاته إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله " (٢).
وقال في موضع آخر: "وهؤلاء أقوالهم فيها تناقضٌ وفساد، وهي لا تخرج عن وحدة الوجود والحلول أو الاتحاد، وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق؛ بخلاف من يقول بالمعيَّن كالنصارى والغالية من الشيعة، ولهذا يقولون: إنَّ النصارى إنما كان خطؤهم في التخصيص، وكذلك يقولون في المشركين عُبَّاد الأصنام إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقًا على وجه الإطلاق والعموم، ولا ريب أنَّ في قول هؤلاء من الكفر والضلال ما هو أعظم من كفر اليهود والنصارى" (٣).
ويقول أيضًا عنهم: "وهؤلاء يفرون من لفظ الحلول؛ لأنه يقتضي حالًا ومحلًّا، ومن لفظ الاتحاد؛ لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحد
стр. 726
ويقولون: النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمَّموا لما كفروا.
وكذلك يقولون في عباد الأصنام: إنما أخطأوا لما عبدوا بعض الظاهر دون بعض، فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا عندهم، والعارف المحقق عندهم لا يضرُّه عبادة الأصنام" (١).
ثم وضَّح مباينة الحلول والاتحاد بقوله: "حقيقة قول هؤلاء: إن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتة، ولهذا من سماهم حلولية أو قال هم قائلون بالحلول رأوه محجوبًا عن معرفة قولهم خارجًا عن الدخول إلى باطن أمرهم؛ لأن من قال: إنَّ الله يحل في المخلوقات فقد قال بأن المحل غير الحال وهذا تثنية عندهم وإثبات لوجودين، أحدهما وجود الحق الحال، والثاني وجود المخلوق المحل وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة" (٢).
وقال أيضًا: "وأمَّا وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان، أحدهما: لا يرضونه؛ لأن الاتحاد على وزن الاقتران، والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون بوجودين أبدًا، والطريق الثاني: صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة" (٣).
ولهذا قال ابن عجيبة: "وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة" (٤).
ورأى ابن تيمية ﵀: "أنَّ كلَّ واحدٍ من الاتحاد والحلول إمَّا معيَّن في شخص وإمَّا مطلق، فالمعيَّن كقول النصارى والغالية من الأئمة من الرافضة، وفي المشايخ من جهال الصوفية فإنهم يقولون بالتعيين كاتحاد الله بالماء كاليعقوبية (٥) من النَّصارى أو
стр. 727
بالحلول وهو قول النسطورية (١)، وبالاتحاد من وجه دون وجه وهو قو الملكانية (٢) " (٣).
وتلحظ أنَّ أهل الحلول والاتحاد يثبتون الاثنينية؛ أمَّا أهل وحدة الوجود فلا تعترف إلا بالوحدة.
وعرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الاتحاد بالاختلاط والامتزاج بين الخالق والمخلوق، ثم قال: "وهذا حقيقة الاتحاد، لا يُعقل الاتحاد إلا هكذا" (٤).
ويتبيَّن مما سبق أن ابن عجيبة يرى كفر من يعتقد بالحلول والاتحاد، فنهاية الحلول والاتحاد وحدة الوجود.
تقول الدكتور سارة آل جلوي: "ويرى معظم الباحثين: أنَّ فكرة وحدة الوجود تطوُّرٌ طبيعيٌّ لفكرة الحلول والاتحاد التي قال بها بعض الصوفية، وذلك لأن الذات الإلهية إذا كانت تقبل الحلول في أجساد طائفة من الخلق، أو الاتحاد معها فلا يوجد ما يمنع أن يصحب هذا الحلول أو الاتحاد عامًّا يشمل جميع المخلوقات حيّها وجمادها، بحيث لا يكون في الكون شيءٌ إلا الله" (٥).
стр. 728
المبحث الثاني: وحدة الوجود
أولًا: معنى وحدة الوجود في اللغة
قال ابن فارس: "الواو والحاء والدالُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانفراد، من ذلك الوَحْدة" (١)، ووحد الشَّيء: جعله واحدًا، والواحد: المنفرد بذاته في عدم المثل والنظر (٢).
والوجود: الثبوت والحصول، ويطلق على الوصف الذي تشترك فيه الكائنات، فيميزها عن المعدومات، فيقال: "ووجد الشيء عن عدم فهو موجود" (٣).
ثانيًا: معنى وحدة الوجود اصطلاحًا
عقيدة الصوفية في وحدة الوجود تكمن في قولهم إنَّ الله والعالم شيءٌ واحد (٤).
قال الكاشاني: "وجود مقام يضمحل رسم الوجود فيه بالكلية بحصول الواجد في عين الأزلية، والمراد: وجود الحق عينه بعينه، حيث لا رسم، ولا اسم" (٥).
وقال ابن عربي: "العارف من يرى الحقَّ في كلِّ شيء، بل يراه عين كلِّ شيء" (٦).
فهم يعتقدون أنَّ الله كل ما يرى.
стр. 729
ويقول ابن سبعين: "الله فقط هو الكلُّ بالمطابقة" (١).
قال ابن عجيبة: "ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكوّن" (٢).
وقال أيضًا: "إنَّ ما سوى الحق خيالٌ وهمي، لا حقيقة لوجوده" (٣).
وعند شرحه لوحدة الوجود قال: "الحق تعالى محالٌ في حقه الحجاب، فلا يحجبه شيء؛ لأنه ظهر بكلِّ شيءٍ وقبل كلِّ شيء وبعد كلِّ شيء، فلا ظاهر معه، ولا موجود سواه" (٤).
تلك بعض التعريفات والشروح التي بيَّنت المقصود من وحدة الوجود.
ولقد أبان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أقوال الصوفية في وحدة الوجود، وأنها وإن تعددت "إلا أنَّ حقيقة أمرهم أنهم يرون أنَّ عين وجود الحق هو عين وجود الخلق، وأنَّ وجود ذات الله خالق السَّموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات" (٥).
وذكر ﵀ أنهم تفرَّقوا إلى ثلاثة طرق:
الأُولى: القائلون: بثبوت الذوات كلها في العدم (٦).
стр. 730
فذكر ﵀ قولهم: "إنَّ الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم، ذاتها أبدية أزلية، حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن، والحركات والسَّكنات، وأنَّ وجود الحق فاض على تلك الذوات، فوجودها وجود الحق، وذواتها ليست ذوات الحق، ويفرِّقون بين الوجود والثبوت، فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك.
ويقولون: إنَّ الله سبحانه لم يُعط أحدًا شيئًا، ولا أغنى أحدًا، ولا أسعده ولا أشقاه، وإنما وجوده فاض على الذوات، فلا تحمد إلا نفسك، ولا تذم إلا نفسك" (١).
ثم ذكر ﵀ أنَّ هذا القول هو قول صاحب فصوص الحكم (٢)(٣).
ويقول عنهم: "وكنتُ أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين، وأقول: إنَّ حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع؛ حتى حدَّثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون: نحن على قول فرعون" (٤).
الثانية: القائلون بأنَّ وجود الله هو الوجود المطلق والمعيَّن .
ذكر عنهم القول: "إنَّ الله تعالى هو الوجود المطلق والمعيَّن، كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعيَّن، والجسم المطلق، والجسم المعيَّن؛ والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقًا، لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة، فحقيقة قوله إنه ليس لله سبحانه وجود أصلًا ولا حقيقة، ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات" (٥).
стр. 731
ثم قال عنهم بأنهم يقولون: "إنَّ الله تعالى لا يرى أصلًا وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرِّحون بأنَّ ذات الكلب والخنزير والبول والعذرة عين وجوده، تعالى الله عمَّا يقولون" (١).
وقال: إنَّ هذا قول (٢) الصدر القونوي الرومي (٣).
الثالثة: القائلون ما ثَمَّ غير الله، ولا سوى بأيِّ وجه
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قولهم: "ما ثَمَّ غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وأنَّ العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوبًا فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثَمَّ غير يبين له الأمر" (٤).
ثم ذكر ﵀ أنَّ هذا القول، هو رأي التلمساني (٥).
وقال شيخ الإسلام عنه: فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر؛ لأنه لا يفرِّق بين الوجود والثبوت ولا يفرِّق بين المطلق والمعيَّن (٦).
стр. 732
يقول التلمساني:
شَهِدْتَ نفْسَكَ فينا وهي واحدة ... كثيرةٌ ذاتُ أوصافٍ وأسماء
ونحن فيك شهِدْنا بعد كثْرَتنا ... عينًا بها اتَّحد المرئيُّ والرائي
فأوَّلٌ أنت من قبل الظُّهُورِ لنا ... وآخِرٌ أنت عند النَّازحِ النَّائي
وباطنٌ في شهود العين واحِدُهُ ... وظاهرٌ لامتيازاتٍ بأسماء
أنت المُلَقِّنُ سرًّا لا أفوُهُ بهِ ... وأنت نُطْقيَ والمُصْغي لنجوائي (١)
وبعد ذلك بيَّن ابن تيمية ﵀ الفرق بين الطرق الثلاث بقوله:
الفريق الأول يفرِّق بين الوجود والثبوت، ويفرِّق الثاني بين المطلق والمعيَّن، أمَّا الثالث والذي أعده من أخبثهم وأعمقهم كفرًا فإنه لا يفرِّق بين شيء، ولهذا كان يستحلُّ جميع المحرَّمات؛ حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول: البنت والأم والأجنبية شيءٌ واحدٌ ليس في ذلك حرام علينا وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم، وكان يقول (٢): القرآنُ كلُّه شركٌ ليس فيه توحيدٌ وإنما التوحيد في كلامنا (٣).
ثالثًا: أسماء وحدة الوجود كما بيَّنها ابن عجيبة
١ - الفردانية، هي: "انفراد الحق بالوجود، بانطباق بحر الأحدية على الكل، بحيث لم يبق وجود لغيره فقط" (٤).
стр. 733
وهذا مفاده إنكار صفة الربوبية، قال ابن تيمية ﵀: "إن عندهم أن الله ليس رب العالمين، ولا مالك الملك، إذ ليس إلا وجوده، وهو لا يكون رب نفسه، ولا يكون الملك المملوك هو الملك المالك، وقد صرَّحوا بهذا الكفر مع تناقضه، وقالوا: إنه هو ملك الملك، بناءً على أنَّ وجوده مفتقر إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده، فالأشياء مالكة لوجوده، فهو ملك الملك" (١).
٢ - الفناء، "وهو محو الرسوم والأشكال بشهود الكبير المتعال" (٢).
ومراد القوم بهذا المصطلح وحدة الوجود، وهو الفناء عن وجود السوي (٣)، قال ابن عجيبة: "إذا قال الفقير -أي الصوفي- أنا من أهوى ... ومن أهو ى أنا (٤)، قبل تحقق فنائه، فما أبعده عن الصواب، وإذا تحقق فناؤه فلا يقوله إلا مع يُصدِّقه في حاله، وإلا تعرض لقتله" (٥).
يقول ابن القيم ﵀: "فأمَّا الفناء عن وجود السوي، فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثَمَّ غير، وأنَّ غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة، ونفي التكثُّر، والتعدد عن الوجود بكلِّ اعتبار، فلا يشهد غيرًا أصلًا، بل يشهد وجود العبد عين وجود الرَّب، بل ليس عندهم في الحقيقة ربٌّ وعبد" (٦).
стр. 734
٣ - توحيد خاصة الخاصة، وهو "إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد" (١).
٤ - ويقول أيضًا: "نهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين توحيد الذات فلا يشهدون إلا الله، ولا يرون معه سواه" (٢).
ولهذا فإنَّ وحدة الوجود هي الغاية الحقيقية من التصوف، يقول ابن عجيبة: "الحقيقة شهود الحق في تجلِّيات المظاهر" (٣).
ويرى ابن عجيبة أنَّ وحدة الوجود لا يشهدها إلا خاصة الخاصة، فقال: "تجلِّي الذات لا يدركه إلا الخواص، أو خواص الخواص، ومن شأن السر ألا يدركه إلا الأفراد" (٤).
وهذه الأقوال متناقضة وباطلة فهذا الكلام ينقض بعضه بعضًا؛ فإنه إن كان الوجود واحدًا لم يكن أحد الشاهدين غير الآخر ولم يكن الشاهد غير المشهود، ولهذا قال بعض شيوخ هؤلاء: من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له آخر: فمن الذي كذب؟ فأفحمه، وهذا لأنه إذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه، كان هو الذي يكذب ويظلم ويأكل ويشرب، وهذا يصرح به أئمة هؤلاء كما يقول صاحب الفصوص وغيره: إنه موصوف بجميع صفات الذم وإنه هو الذي يمرض ويضرب وتصيبه الآفات ويوصف بالمعايب والنقائص كما أنه هو الذي يوصف بنعوت المدح والذم (٥).
стр. 735
ويقول ابن تيمية ﵀: "ومن قال: إن لقول هؤلاء سرًّا خفيًّا وباطن حق وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق فهو أحد رجلين -إمَّا أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال، فالزنديق يجب قتله، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله.
ولكن لقولهم سرٌّ خفيٌّ وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السرُّ هو أشدُّ كفرًا وإلحادًا من ظاهره؛ فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء، قد لا يفهمه كثير من الناس، ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض، ويتواجد عليها ويعظمها، ظانًّا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة، وهو لا يفهمها ولا يفهم مراد قائلها؛ وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين فلا يفهمون حقيقته فإمَّا أن يتوقفوا عنه أو يعبروا عن مذهبهم بعبارة من لم يفهم حقيقة، وإمَّا أن ينكروه إنكارًا مجملًا من غير معرفة بحقيقته ونحو ذلك، وهذا حال أكثر الخلق معهم.
وأئمتهم إذا رأوا من لم يفهم حقيقة قولهم طمعوا فيه، وقالوا: هذا من علماء الرسوم، وأهل الظاهر، وأهل القشر، وقالوا: علمنا هذا لا يعرف إلا بالكشف والمشاهدة، وهذا يحتاج إلى شروط، وقالوا: ليس هذا عشك فادرج عنه، ونحو ذلك مما فيه تعظيم له وتشويق إليه، وتجهيل لمن لم يصل إليه، وإن رأوه عارفًا بقولهم نسبوه إلى أنه منهم، وقالوا: هو من كبار العارفين، وإذا أظهر الإنكار عليهم والتكفير قالوا: هذا قام بوصف الإنكار لتكميل المراتب والمجالي، وهكذا يقولون في الأنبياء ونهيهم عن عبادة الأصنام.
стр. 736
وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم، فضلالهم عظيم، وإفكهم كبير، وتلبيسهم شديد، والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، والله أعلم" (١).
وهذا التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة -هو وحدة الوجود- أمر ممتنع في نفسه لا يتصور تحققه في الخارج؛ فإن الوحدة العينية الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان وهذا الجسم ليس هو ذاك وهذا الإنسان ليس هو ذاك وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك (٢).
رابعًا: شبهات ابن عجيبة للدلالة على وحدة الوجود
قال ابن عجيبة: "وفي القرآن تلويحات وإشارات إلى هذه المعاني اللطيفة، والأنوار الربانية، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (٣)، ولا يفهم هذه الأسرار إلا من خاض مقام الفناء والبقاء" (٤).
وهذا من الباطل، قال ابن تيمية ﵀: "لم يرد به إنك أنت الله، وإنما أراد: أنك أنت رسول الله ومبلِّغ أمره ونهيه، فمن بايعك فقد بايع الله كما أنَّ من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أنَّ الرسول هو الله؛ ولكن الرسول أمر بما أمر الله به، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال النبي ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله،
стр. 737
ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» (١) ومعلومٌ أنَّ أميره ليس هو إيَّاه.
ومن ظنَّ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (٢) أنَّ المراد به أنَّ فعلك هو فعل الله، أو المراد أنَّ الله حالٌّ فيك ونحو ذلك فهو -مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده- قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره.
وذلك أنه لو كان المراد به كون الله فاعلًا لفعلك لكان هذا قدرًا مشتركًا بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة الكذَّاب فقد بايع الله، ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضًا، فيكون الله قد بايع الله؛ إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا، فيكون الله قد بايع الله، وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية، حتى إنَّ أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم، وبينَّا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة" (٣).
ويستدل ابن عجيبة أيضًا بقوله الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤)(٥).
وهذا الاستدلال باطل، قال ابن تيمية ﵀: "لم يرد به أن فعل العبد هو فعل
стр. 738
الله تعالى -كما تظنُّه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحًا لكان ينبغي أن يقال لكلِّ أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلِّم: ما تكلمت إذ تكلَّمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلِّي ونحو ذلك، وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر: ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر ويقال: للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب، ومن قال مثل هذا فهو كافرٌ ملحدٌ خارجٌ عن العقل والدين.
ولكن معنى الآية أنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذ رماهم بالتراب وقال: «شاهت الوجوه» (١) لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم كلهم بقدرته، يقول: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه؛ فإنَّ هذا مستلزم للجمع بين النقيضين بل نفى عنه الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء، وكذلك إذا رمى سهمًا فأوصله الله إلى العدو إيصالًا خارقًا للعادة كان الله هو الذي أوصله بقدرته ... فالقول بأنَّ الله خالق أفعال العباد حقٌّ والقول بأنَّ الخلق حالٌّ في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل، وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد" (٢).
وكذلك استدل بما يذكرونه عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «كان الله ولا شيء معه،
стр. 739
وهو الآن على ما عليه كان» (١).
وهذا كذبٌ مفترى على رسول الله ﷺ ، اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوعٌ مختلقٌ وليس هو في شيءٍ من دواوين الحديث لا كبارها، ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسنادٍ لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة: بعض متأخري متكلمة الجهمية وقصدوا بها نفي الصفات عن الله فتلقَّاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهُّم بنفي وجود السوي (٢).
وهكذا ديدن أهل البدع يعتقدون ثم يستدلون، فاعتقدوا الباطل ثم استدلوا بالباطل.
أما الحديث الثابت الصحيح فهو قول النبي ﷺ : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء» (٣).
وذكر في رواية أخرى: «كان الله ولم يكن شيء غيره» (٤).
خامسًا: حكم من اعتقد وحدة الوجود
بعد بيان آراء ابن عجيبة في وحدة الوجود، أصبح لزامًا بيان أقوال العلماء بحكمهم على من اعتقد بوحدة الوجود.
стр. 740
فقد حكى القاضي عياض ﵀ إجماع المسلمين على كفر "من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة والباطنية والنصارى والقرامطة " (١).
ويقول عز الدين بن عبد السلام ﵀ (٢): "من زعم أنَّ الإله يحلُّ في شيءٍ من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر" (٣).
"وسئل والد الشيخ محمد الرملي (٤) عن القائل بوحدة الوجود، فقال: يقتل هذا المرتد وترمى جيفته للكلاب؛ لأن قوله هذا لا يقبل تأويلًا، وكفره أشدُّ من كفر اليهود والنصارى" (٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفرٌ صريحٌ باتفاق المسلمين ... ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلَّى؛ فإنَّ اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة" (٦).
وقال الذهبي ﵀: "من طالع كتب هؤلاء علم علمًا ضروريًّا بأنهم اتحادية