وهذا كله وأمثاله مما رأيته وسمعته منهم، فضلالهم عظيم، وإفكهم كبير، وتلبيسهم شديد، والله تعالى يظهر ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، والله أعلم" (١).
وهذا التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة -هو وحدة الوجود- أمر ممتنع في نفسه لا يتصور تحققه في الخارج؛ فإن الوحدة العينية الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان وهذا الجسم ليس هو ذاك وهذا الإنسان ليس هو ذاك وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك (٢).
رابعًا: شبهات ابن عجيبة للدلالة على وحدة الوجود
قال ابن عجيبة: "وفي القرآن تلويحات وإشارات إلى هذه المعاني اللطيفة، والأنوار الربانية، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (٣)، ولا يفهم هذه الأسرار إلا من خاض مقام الفناء والبقاء" (٤).
وهذا من الباطل، قال ابن تيمية ﵀: "لم يرد به إنك أنت الله، وإنما أراد: أنك أنت رسول الله ومبلِّغ أمره ونهيه، فمن بايعك فقد بايع الله كما أنَّ من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أنَّ الرسول هو الله؛ ولكن الرسول أمر بما أمر الله به، فمن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال النبي ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله،
стр. 737
ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» (١) ومعلومٌ أنَّ أميره ليس هو إيَّاه.
ومن ظنَّ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (٢) أنَّ المراد به أنَّ فعلك هو فعل الله، أو المراد أنَّ الله حالٌّ فيك ونحو ذلك فهو -مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده- قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره.
وذلك أنه لو كان المراد به كون الله فاعلًا لفعلك لكان هذا قدرًا مشتركًا بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة الكذَّاب فقد بايع الله، ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضًا، فيكون الله قد بايع الله؛ إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا، فيكون الله قد بايع الله، وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية، حتى إنَّ أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم، وبينَّا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة" (٣).
ويستدل ابن عجيبة أيضًا بقوله الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤)(٥).
وهذا الاستدلال باطل، قال ابن تيمية ﵀: "لم يرد به أن فعل العبد هو فعل
стр. 738
الله تعالى -كما تظنُّه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحًا لكان ينبغي أن يقال لكلِّ أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلِّم: ما تكلمت إذ تكلَّمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلِّي ونحو ذلك، وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر: ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر ويقال: للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب، ومن قال مثل هذا فهو كافرٌ ملحدٌ خارجٌ عن العقل والدين.
ولكن معنى الآية أنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذ رماهم بالتراب وقال: «شاهت الوجوه» (١) لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم كلهم بقدرته، يقول: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه؛ فإنَّ هذا مستلزم للجمع بين النقيضين بل نفى عنه الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء، وكذلك إذا رمى سهمًا فأوصله الله إلى العدو إيصالًا خارقًا للعادة كان الله هو الذي أوصله بقدرته ... فالقول بأنَّ الله خالق أفعال العباد حقٌّ والقول بأنَّ الخلق حالٌّ في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل، وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد" (٢).
وكذلك استدل بما يذكرونه عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «كان الله ولا شيء معه،
стр. 739
وهو الآن على ما عليه كان» (١).
وهذا كذبٌ مفترى على رسول الله ﷺ ، اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوعٌ مختلقٌ وليس هو في شيءٍ من دواوين الحديث لا كبارها، ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسنادٍ لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة: بعض متأخري متكلمة الجهمية وقصدوا بها نفي الصفات عن الله فتلقَّاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهُّم بنفي وجود السوي (٢).
وهكذا ديدن أهل البدع يعتقدون ثم يستدلون، فاعتقدوا الباطل ثم استدلوا بالباطل.
أما الحديث الثابت الصحيح فهو قول النبي ﷺ : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء» (٣).
وذكر في رواية أخرى: «كان الله ولم يكن شيء غيره» (٤).
خامسًا: حكم من اعتقد وحدة الوجود
بعد بيان آراء ابن عجيبة في وحدة الوجود، أصبح لزامًا بيان أقوال العلماء بحكمهم على من اعتقد بوحدة الوجود.
стр. 740
فقد حكى القاضي عياض ﵀ إجماع المسلمين على كفر "من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة والباطنية والنصارى والقرامطة " (١).
ويقول عز الدين بن عبد السلام ﵀ (٢): "من زعم أنَّ الإله يحلُّ في شيءٍ من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر" (٣).
"وسئل والد الشيخ محمد الرملي (٤) عن القائل بوحدة الوجود، فقال: يقتل هذا المرتد وترمى جيفته للكلاب؛ لأن قوله هذا لا يقبل تأويلًا، وكفره أشدُّ من كفر اليهود والنصارى" (٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفرٌ صريحٌ باتفاق المسلمين ... ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلَّى؛ فإنَّ اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة" (٦).
وقال الذهبي ﵀: "من طالع كتب هؤلاء علم علمًا ضروريًّا بأنهم اتحادية
стр. 741
مارقة من الدين" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "أعظم الخلق كفرًا وضلالًا من زعم أن ربه نفس وجود هذه الموجودات، وأن عين وجوده فاض عليها فاكتسبت عين وجوده، فاتخذت حجابًا من أعيانها، واكتسبت جلبابًا من وجوده، ولبَّس عليهم ما لبَّسوه على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفرقة بين وجود الحق سبحانه وإيجاده، وأن إيجاده هو الذي فاض عليها، وهو الذي اكتسته، وأمَّا وجوده فمختصٌّ به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختصٌّ بماهيته وصفاته، فهو بائن عن خلقه، والخلق بائنون عنه، فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، حاصل بإيجاده له، فهو الذي أعطى كلَّ شيءٍ خلق، ووجوده المختص به، وبان بذاته وصفاته ووجوده عن خلقه" (٢).
стр. 742
الفصل الرابع: الأحوال والمقامات
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: الأحوال
المبحث الثاني: المقامات
المبحث الثالث: الصلة بين الأحوال والمقامات
стр. 743
المبحث الأول: الأحوال
أولًا: تعريف الحال في اللغة والاصطلاح
لغة: "حلَّ المكان، وبه يحل ... نزل به، كاحتلَّه، وبه فهو حالٌّ" (١)، والحال: "نهاية الماضي وبداية المستقبل" (٢).
اصطلاحًا: "معنى يرد على القلب من غير تصنُّعٍ ولا اجتلابٍ ولا اكتساب" (٣).
قال ابن عجيبة: "الحال: معنى يرد على القلب من غير تعمُّدٍ ولا اجتلاب، ولا تسبُّبٍ ولا اكتساب" (٤).
ثم ذكر أنه قد يكون متسببًا في حصول الحال فقال: "وقد يكتسب الحال بنوع تعمُّل، كحضور حلق الذكر، واستعمال السَّماع، وقد يطلب اكتسابه بخرق عوائد النفس حين يعتريها برودة وفتور، وفرق وكسل" (٥).
وهذه الأحوال لا بدَّ من عرضها على الشرع فإن كانت موافقة له أُخذت وإلا طرحت.
فالأحوال تنقسم إلى: حال رحماني، وحال شيطاني، وما يكون لهؤلاء من خرق عادة بمكاشفة وتصرُّف عجيب، فتارة يكون من جنس ما يكون للسَّحرة والكُهَّان، وتارة يكون من الرَّحمن من جنس ما يكون من أهل التقوى والإيمان من وجل القلب،
стр. 744
ودمع العين، واقشعرار الجسوم فهذه أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسُّنَّة (١).
ومراد القوم من الواردات بيَّنه ابن عجيبة بقوله: "الوارد نور إلهي، يقذفه الله في قلب من أحبَّ من عباده، وهي على ثلاثة أقسام: على حسب البداية، والوسط، والنهاية، أو تقول على حسب الطالبين، والسائرين، والواصلين.
القسم الأول: وارد الانتباه، وهو نور يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، وهو لأهل البداية من الطالبين، فإذا تيقَّظ من نومه وانتبه من غفلته استوى على قدمه طالبًا لربِّه، فيقبل عليه بقلبه وبقالبه، وينجمع عليه بكليته.
والقسم الثاني: وارد الإقبال، وهو نور يقذفه الله في قلب عبده، فيحركه لذكر مولاه، ويغيبه عمَّا سواه، فلا يزال مشتغلًا بذكره، غائبًا عن غيره، حتى يمتلئ القلب بالنور ويغيب عمَّا سوى المذكور، فلا يرى إلا النور، فيخرج من سجن الأغيار، ويتحرَّر من رقِّ الآثار.
والقسم الثالث: وارد الوصال، وهو نورٌ يستولي على قلب العبد ثم يستولي على ظاهره وباطنه، فيخرجه من سجن نفسه، ويغيب عن شهود حسِّه" (٢).
بعد ذلك شرح القسم الثالث فقال: "أي إنما أورد عليك وارد الوصال بعد أن أهب عليك نفحات الإقبال، ليخرجك من سجن رؤية وجودك إلى فضاء، أي اتساع شهودك لربك، فرؤيتك وجودك مانعة لك من شهود ربك، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه، وجودك ذنب لا يقاس به" (٣).
стр. 745
وعند التأمُّل في هذه الواردات، نجد أنها بعينها درجات الفناء، فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة السوى (١).
"فالأول: هو فناء أهل الوحدة الملاحدة كما فسَّروا به كلام الحلاج، وهو أن يجعل الوجود وجودًا واحدًا.
وأما الثاني: -وهو الفناء عن شهود السوى-، فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين ... وهو مقام الاصطلام (٢)، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده وبمعبوده عن عبادته وبمشهوده عن شهادته وبمذكوره عن ذكره فيفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ... " (٣).
ولهذا صارت الأحوال تتصف بالتحول وعدم الثبات؛ يقول ابن عجيبة: "الفرق بين الحال والمقام: أن الحال يتحول فيذهب ويجيء، بخلاف المقام، فإنه رسوخ وتمكين" (٤).
وبسبب الواردات التي ترد على السَّالك تجد القوم يكثر عندهم الشطح والمخالفات العقدية سواء بالجوارح أو اللسان.
كما قال ابن عجيبة عن الأحوال: "ويظهر آثاره على الجوارح قبل
стр. 746
التمكين (١)، من شطح ورقص، وسير وهيام، وهو أثر المحبة؛ لأنها تحرك الساكن أوَّلًا ثم تسكن وتطمئن، ولذا قيل فيها: أولها جنون، ووسطها فنون، وآخرها سكون" (٢).
وإضافة إلى غموض رموز ومصطلحات الأحوال والمقامات إلا أن ابن عجيبة يرى بسرية الواردات التي ترد على السالك ولا يرى الإفصاح عنها.
فيقول: "إن هذه الواردات الإلهية والمواهب الاختصاصية أسرار من الكريم الغفَّار، لا يمنحها إلا لأهل الصيانة والأمانة، لا لأهل الإفشاء والخيانة" (٣).
ثم يقول أيضًا: "إن هذه الأمور أذواق باطنية، وأسرار ربَّانية، لا يفهمها إلا أربابها، فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها، وأيضًا هي أماناتٌ وسرٌّ من أسرار الملك، وسرُّ الملك لا يحلُّ إفشاؤه، فمن أفشاه كان خائنًا، واستحق الطرد والعقوبة، ولا يصلح أن يكون أمينًا بعد ذلك، فكتم الأسرار من شأن الأخيار، وهتك الأسرار من شأن الأشرار" (٤).
وسبب هذه الرموز والمصطلحات التي يستخدمها الصوفية في تعبيرهم عن الأحوال والمقامات خوفهم من أن تنكشف لغيرهم، وهذا تأويل منهم لتمرير الباطل والتلبيس على الناس، ولذلك يقال عن التصوف "إنه علم الإشارة؛ لأن شاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن التعبير عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحلَّ تلك المقامات" (٥).
стр. 747
ولذلك تجدهم أصحاب تصوف ظاهر، وتصوف باطن، وهذا قولهم بأنفسهم، فالبوزيدي عدَّ صفات ابن عجيبة أمام أصحابه فقال: "أحمد متصفٌ بالزُّهد والورع والتوكل والصبر والحلم والرضا والتسليم والشفقة والرحمة والسخاء والكرم، حتى عد اثني عشر مقامًا، فقال ابن عجيبة: يا سيدي هذا التصوف؟، فقال: هذا تصوف الظاهر وبقي تصوف الباطن، ستعرفه إن شاء الله ... ثم جعلت (١) أزوره ببني زروال (٢) حتى فتح الله علينا بالفتح الكبير" (٣).
فهذه المقامات والأحوال ليست الهدف الأسمى الذي يسعى له الصوفية، بل هي وسيلة لمقصودهم للوصول إلى وحدة الوجود؛ لذلك اعتبروا الوقوف عند هذا الحد حجابًا وشغلًا عن الوصول إلى مقام الوحدة، ونصوص ابن عجيبة في هذا كثيرة، منها:
قوله: "شأن أهل الحجاب يُحبسون في المقامات والأحوال، تشغلهم حلاوة ذلك عن الله تعالى، فإذا فقدوا ذلك الحال أو المقام سلبوا وأفلسوا، وأهل الغنى بالله لا يقفون مع حال ولا مقام هم مع مولاهم" (٤)، ويقول أيضًا: "وبقي حجابان آخران، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلِّم دون واسطة، أولهما: حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة، والوقوف مع المقامات أو الكرامات فإنها عند العارفين سموم قاتلة" (٥).
стр. 748
وقال أيضًا: "فإن حلاوة الطاعة سموم قاتلة، يمنع الوقوف معها من الترقِّي إلى حلاوة الشُّهود ولذة المعرفة ... " (١).
فعندما يتكلمون بالتصوف الظاهر فهم يريدون التلبيس على الناس؛ لكي يُظن بهم أنهم على حقٍّ وأنهم موافقون لعموم المسلمين من تفسيرهم للأحوال التي تعرف عند المسلمين بأعمال القلوب، ومثال قول ابن عجيبة عن مفهوم الصبر، يتبين مراد القوم، فعندما عرفه قال بأنه: "حبس القلب على حكم الرب" (٢).
وهذا جيِّدٌ؛ إذ هو يوافق معنى الصبر المتعارف عليه بأنه حبس النفس عن الجزع (٣).
والصبر على المصائب واجب (٤).
وعند تقسيمه للصبر يظهر مدى تأثره بعقيدة وحدة الوجود.
فقال: "صبر العامة: حبس القلب على مشاق الطاعات ورفض المخالفات، وصبر الخاصة: حبس النفس على الرياضات، والمجاهدات، وارتكاب الأهوال في سلوك طريقة الأحوال، مع مراقبة القلب في دوام الحضور، وطلب رفع الستور، وصبر خاصة الخاصة: حبس الروح أو السر في المشاهدات والمعاينات، أو دوام النظر والعكوف في الحضرة" (٥).
أمَّا الصبر على طاعة الله، والصبر على امتحان الله، والصبر عن معصية الله فعند الصوفية تقسيم العوام.
стр. 749
ثانيًا: أمثلة على الأحوال
أ- القبض والبسط.
قال ابن عجيبة: "البسط: فرحٌ يعتري القلوب أو الأرواح، إمَّا بسبب قرب شهود الحبيب، أو شهود جماله، أو بكشف الحجاب عن أوصاف كماله، وتجلِّي ذاته، أو بغير سبب" (١).
وقال عن القبض: "حزنٌ وضيقٌ يعتري القلب، إمَّا بسبب فوات مرغوب، أو عدم حصول مطلوب، أو بغير سبب" (٢).
ثم يذكر بعد ذلك من ثمرات القبض والبسط: "يفتح لك الباب ويرفع بينك وبينه الحجاب، فتتنزه في كمال الذات، وشهود الصفات، فتغيب عن أثر الجلال والجمال بشهود الكبير المتعال، فلا جلاله يحجبك عن جماله، ولا جماله يحجبك عن جلاله، ولا ذاته تحبسك عن صفاته، ولا صفاته تحبسك عن ذاته، تشهد جماله في جلاله، وجلاله في جماله، وتشهد ذاته في صفاته، وصفاته في ذاته" (٣).
لقد أدخل ابن عجيبة عبارات ومعانيَ محدثة لأعمال القلوب وسيلتها الوصول إلى المكاشفة، ومعرفة الغيب، ووحدة الوجود، والحلول والاتحاد، ثم يعتذر لأصحاب الشطحات بأنهم فنوا (٤) وغابوا في شهود الجلال والجمال، واعتبروا العوام دون الخاصة في الأعمال الباطنة، قال ابن تيمية ﵀: "وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله
стр. 750
والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودًا في حال أحد وإن ارتقى مقامه ... وهي حسنة محبوبة في حق كل أحد من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها، فإن هذه لا يخرج عنها مؤمنٌ قط وإنما يخرج عنها كافر أو منافق" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "إنَّ دعوى المدعى أَنَّها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من وجهين:
أحدهما: أَنَّ أعلى المقامات مقرون بأدناها مصاحب له كما تقدَّم، متضمِّن له تضمن الكل لجزئه، أو مستلزم له استلزام الملزوم للازمه لا ينفك عنه أبدًا، ولكن لاندراجه فيه وانطواءِ حكمه تحته يصير المشهد والحكم للعالي.
الوجه الثاني: أن تلك المقامات والمنازل إِنما تكون في منازل العوام وتعرض لها العلل بحسب متعلقاتها وغاياتها، فإِن كان متعلقها وغاياتها بريئًا من شوائب العلل وهو أجلُّ متعلّق وأَعظمه، فلا علة فيها بحال، وهي من منازل الخواص من جهة تعلقها بحظه ... " (٢).
وزعم هؤلاء القوم بإسقاط التدبير (٣) عن الخواص الذين فنوا في أفعال الله، وغابوا عن كل شيء، واستوى عندهم كل شيء، "فلا تغيرهم واردات الأحوال؛ لأنهم بالله ولله لا لشيءٍ سواه" (٤)، فلم يقفوا مع حال ولا مقام.
стр. 751
وفنَّد ابن تيمية هذه الشبهة بقوله: "وبعض من تكلَّم في علل المقامات، جعل الحب، والرضا، والخوف، والرجاء من مقامات العامة، بناءً على مشاهدة القدر، وأنَّ من شهد القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني من لم يكن، وبقي من لم يزل، يخرج عن هذه الأمور وهذا كلام مستدرك حقيقة وشرعًا، أمَّا الحقيقة فإنَّ الحي لا يتصور أن لا يكون حساسًا محبًّا لما يلائمه مبغضًا لما ينافره، ومن قال إنَّ الحي يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين: إمَّا أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل، وإمَّا أنه مكابر معاند، ولو قدر أنَّ الإنسان حصل له حال أزال عقله -سواء سمي اصطلامًا أو محوًا أو فناءً أو غشيًا أو ضعفًا- فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية بل له إحساس بما يلائمه وما ينافره وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم يسقط بجميعها، فمن زعم أنَّ المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقًا فإنه غالط بل لا بدَّ من الفرق فإنه أمر ضروري لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي فيبقى متبعًا لهواه لا مطيعًا لمولاه" (١).
فليس لهم عذر في أحوالهم التي غلبت عليهم فظهرت منهم شطحات وأقوال، وأفعال منكرات، فظنَّ المخدوعون بهم أنهم أولياء.
قال ابن تيمية ﵀: "وليس لله وليٌّ إلا من اتبعه باطنًا وظاهرًا فصدَّقه فيما أخبر به من الغيوب والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات، فمن لم يكن له مصدقًا فيما أخبر ملتزمًا طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمنًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله, ولو حصل له من خوارق العادات ماذا عسى أن
стр. 752
يحصل ... لكن من ليس بمكلَّف من الأطفال والمجانين قد رفع القلم عنهم فلا يعاقبون وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطنًا وظاهرًا ما يكونون به من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين" (١).
وبهذا خالفوا أهل السُّنَّة والجماعة وما عليه سلف الأُمَّة "فكلُّ هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السَّلف، وعن عمق علومهم، وقلِّة تكلُّفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلُّف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمِّرة إلى المطالب العالية في كلِّ شيء، فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن" (٢).
ب- حال الوقت:
قال ابن عجيبة: "الوقت قد يطلقونه على ما يكون العبد عليه في الحال من قبضٍ وبسطٍ أو حزنٍ أو سرور" (٣).
ثم شرحه بقوله: "وهو إقامته حيث أقامه الله ... فإذا أقامه الله في حالة من الأحوال فلا يستحقرها، ويطلب الخروج منها إلى حالة أخرى، فلو أراد الحق أن يخرجه من تلك الحالة ويستعمله فيما سواها لاستعمله من غير أن يطلب منه أن يخرجه، بل يمكث على ما أقامه فيه الحق تعالى، حتى يكون هو الذي يتولى إخراجه، كما تولى إدخاله" (٤).
وضرب أمثَّله على ذلك فقال: "إذا كان أعزب لا يتمنَّى التزويج، وإذا كان
стр. 753
ذليلًا لا يتمنَّى العز، وإذا كان فقيرًا لا يتمنَّى الغنى، ... وإذا كان قويًّا لا يتمنَّى الضعف، وهكذا باقي الأحوال ينظر الله ما يفعل الله به، ولا ينظر ما يفعل بنفسه لتحقق زواله، بل يكون كالميت بين يدي الغاسل، أو كالقلم بين الأصابع" (١).
وهذا كله باطل، فنحن مأمورون بالتحاكم لكتاب الله ، لا إلى الوقت، ومراد القوم من هذا ألا يكون للعبد إرادة أبدًا، بل هو خاضعٌ لحكم الوقت، وترتب عليه لو عمل أحدهم طاعة سواء واجبة أو مندوبة لا يقتضيها حكم الوقت الذي هو فيه فقد خرج عن دائرة العبادة وفعل فعلًا اتباعًا لما أملت عليه نفسه.
ولذلك نبذوا اتخاذ الأسباب وراء ظهورهم، وظنُّوا أنهم مؤمنون بالقدر على الوجه المقصود.
قال ابن تيمية ﵀: "آمنوا بالقدر، وظنُّوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود، فأعرضوا عن الأسباب الشرعية، والأعمال الصالحة، وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه" (٢).
ولهذا لا بدَّ من معرفة الموقف الشرعي للتعامل مع الأسباب، قال ابن تيمية ﵀: "فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ناظرًا إلى القدر فقد ضلَّ، ومن طلب القيام بالأمر والنهي معرضًا عن القدر فقد ضل، بل المؤمن كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) فنعبده اتباعًا للأمر ونستعينه إيمانًا بالقدر، وفي الحديث الصحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من
стр. 754
المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان» (١)، فأمره النَّبيُّ ﷺ بشيئين: أن يحرص على ما ينفعه وهو امتثال الأمر وهو العبادة وهو طاعة الله ورسوله وأن يستعين بالله وهو يتضمَّن الإيمان بالقدر، أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (٢).
ومن زعم أن ليس له إرادة بل هو في حكم الوقت فهو كاذبٌ ومخالفٌ لشرع الله .
قال ابن تيمية ﵀: "أما خلو الإنسان عن الإرادة مطلقًا فممتنع؛ فإنه مفطورٌ على إرادة ما لا بدَّ له منه وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه، والزاهد الناسك إذا كان مسلمًا فلا بدَّ أن يريد أشياء يحبها الله، مثل أداء الفرائض، وترك المحارم، بل وكذلك عموم المؤمنين لا بدَّ أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله، وإلا فمن لم يحب الله ولا أحب شيئًا لله فلم يحب شيئًا من الطاعات لا الشهادتين ولا غيرهما، ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنًا فلا بدَّ لكلِّ مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله ...
وأما الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين:
الوجه الأول: مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد يعلم كثيرًا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها، وإذا
стр. 755
اقتتل المسلمون والكفَّار لم يكن مريدًا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله.
والوجه الثاني: يقع من كثير من الزُّهَّاد العُبَّاد الممتثلين لما يعلمون أن الله أمر به، المجتنبين لما يعلمون أنَّ الله نهى عنه، وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها، ولا منهي عنها، فلا يريدونها ولا يكرهونها؛ لعدم العلم، وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدَّرة، وقد يعاونون عليها ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرضا بكلِّ حادث، بل والمعاونة عليه، وهذا موضعٌ يقع فيه الغلط، فإنَّ ما أحبَّه الله ورسوله علينا أن نحبَّ ما أحبه الله ورسوله، وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله، وأمَّا ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال التي لا تكليف فيها، مثل أفعال النائم والمجنون فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضًا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها.
وأمَّا كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختصُّ بها بل هو شاملٌ لجميع المخلوقات، والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته، وقد أحسن كل شيءٍ خلقه ... وقول من قال: (إنَّ العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل) لا يصح ولا يسوغ على الإطلاق عن أحد من المسلمين وإنما يقال ذلك في بعض المواضع، ومع هذا فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبه فلا بدَّ أن يحب ما أحبَّه الله ويبغض ما أبغضه" (١).
وكل من نظر بعين الإنصاف في تلك الأمثلة التي ضربها ابن عجيبة تعجَّب من تركهم لسنن المرسلين بحجة حكم الوقت الذي فيه المريد.
стр. 756
قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١).
وقال ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي» (٢).
ولقد أوضح الفقهاء حكم النكاح، قال ابن قدامة المقدسي ﵀: "والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامَّة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.
الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى من التخلِّي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة ﵃ وفعلهم، قال ابن مسعود: لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أنِّي أموت في آخرها يومًا، ولي طول النكاح فيهن، لتزوجت مخافة الفتنة.
والثالث: من لا شهوة له، إمَّا لأنه لم يخلق له شهوة كالعنِّين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه، ففيه وجهان، أحدهما: يستحب له النكاح؛ لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلِّي له أفضل؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضرُّ بها، ويحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه، والأخبار تحمل على من له شهوة؛ لما فيها من القرائن الدالة عليها" (٣).
стр. 757
ويقول ابن تيمية ﵀: "وهذا هو الذي أدخل كثيرًا منهم في الرهبانية والخروج عن الشريعة حتى تركوا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به ... فلازموا من الجوع والسَّهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق ما أوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل مكروهات ومحرَّمات" (١).
стр. 758
المبحث الثاني: المقامات
أولًا: تعريف المقام
لغة: "الإقامة والمقام بالفتح: مصدر قام يقوم مقامًا، والمقام أيضًا موضع القيام" (١)، "وأقام الشيء: أي أدامه، من قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٢)، والمُقامة بالضم: الإقامة، والمَقامة بالفتح: المجلس، والجماعة من النَّاس، وأمَّا المَقام والمُقام فقد يكون كلُّ واحدٍ منهما بمعنى الإقامة وقد يكون بمعنى موضع القيام" (٣).
اصطلاحًا: "عبارة عمَّا يُتوصَّل إليه بنوع تصرُّف، ويتحقق به بضرب تطلُّب، ومقاساة تكلُّف، فمقام كلِّ واحدٍ موضع إقامته عند ذلك" (٤).
وعرَّفه ابن عجيبة بقوله: "وأمَّا المقام، فهو ما يتحقق العبد بمنازلته واجتهاد من الأدب، وما يتمكَّن فيه من مقامات اليقين بتكسُّبٍ وتطلُّب، فمقام كلِّ أحدٍ موضعُ إقامته" (٥).
ووضع ابن عجيبة فروقًا للمقامات والأحوال، فقال: "الأحوال مواهب، والمقامات مكاسب" (٦)، ويقول أيضًا: "الفرق بين الحال والمقام أنَّ الحال يتحوَّل فيذهب ويجيء، بخلاف المقام فإنَّه رسوخٌ وتمكين" (٧).
стр. 759
ومقصود الصوفية من المقامات هي المراحل التي يسلكها السالك في العبادات.
قال ابن عجيبة: "فمقامات اليقين ينزل فيها الفقير أوَّلًا بالحال، ثم تصير مقامًا ... فلا بدَّ أن يكون سلك مقام الزهد حالًا، ثم مقامًا، وكذلك الورع والرضا، والتسليم، والمراقبة والمشاهدة" (١).
"فإن قيل ما معنى المقامات؟ يقال: معناه مقام العبد بين يدي الله فيما يقام فيه من العبادات والمجاهدات والرياضات والانقطاع إلى الله " (٢).
ثانيًا: تعيين المقامات والأحوال
رغم شهرة الأحوال والمقامات عند القوم إلا أنهم لم يتفقوا على تعيينها، فظهر الاختلاف في تعيين المقامات والأحوال، قال ابن عجيبة: "وقد يطلق الحال على المقام، فيقال فلان صار عند الشهود مثلًا حالًا" (٣).
وعدَّ ابن عجيبة خمسة عشر مقامًا منها: "التوبة، والتقوى، والاستقامة، والزهد، والورع، والخوف، والرجاء، ... " (٤).
وقيل هي تسعة: "التوبة، والزهد، والصبر، والشكر، والخوف، والرضا، والرجاء، والتوكل، والمحبة" (٥).
وقد بيَّن ابن القيم ﵀ اختلاف القوم في تعيين المقامات فقال: "ولأرباب
стр. 760
السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها، كلٌّ يصف منازل سيره، وحال سلوكه، ولهم اختلاف في بعض منازل السير هل هي من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أنَّ المقامات كسبية، والأحوال وهبية، ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات، والمقامات نتائج الأعمال، فكلُّ من كان أصلح عملًا كان أعلى مقاما، وكلُّ من كان أعلى مقامًا كان أعظم حالًا ... والصحيح في هذا أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها، كما يلمع البارق ويلوح عن بعد، فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال، فإذا تمكَّنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي مقامات، وهي لوامع ولوائح في أولها، وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها، فالذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والذي كان حالًا هو بعينه المقام، وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه، وقد ينسلخ السَّالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب، وينزل إلى ما دونه، ثم قد يعود إليه، وقد لا يعود" (١).
وكذلك ردَّ عليهم ابن القيم في دعوى وجوب ترتيب المقامات فقال: "على أنَّ الترتيب الذي يشير إليه كلُّ مرتب للمنازل لا يخلو عن تحكُّم، ودعوى من غير مطابقة، فإنَّ العبد إذا التزم عقد الإسلام، ودخل فيه كله، فقد التزم لوازمه الظاهرة والباطنة، ومقاماته وأحواله، وله في كل عقد من عقوده وواجب من واجباته أحوال ومقامات، لا يكون موفيًا لذلك العقد والواجب إلا بها، وكُلَّما وفى واجبًا أشرف على واجب آخر بعده، وكلما قطع منزلة استقبل أخرى، وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية سيره، فينفتح عليه من حال المحبة والرضا والأنس
стр. 761
والطمأنينة ما لم يحصل بعد لسالك في نهايته، ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور من البصيرة، والتوبة، والمحاسبة أعظم من حاجة صاحب البداية إليها، فليس في ذلك ترتيب كُليٌّ لازم للسلوك" (١).
وأوضح ﵀ أنَّ المتأخرين من المتصوفة خالفوا المتقدمين في الطريقة يقول: "فالأولى الكلام في هذه المقامات على طريق المتقدمين من أئمة القوم كلامًا مطلقًا في كلِّ مقام مقام، ببيان حقيقته وموجبه، وآفته المانعة من حصوله، والقاطع عنه، وذكر عامه وخاصه، فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج ... فإنهم تكلموا على أعمال القلوب، وعلى الأحوال كلامًا مفصلًا جامعًا مبيّنًا مطلقًا من غير ترتيب، ولا حصر للمقامات بعدد معلوم، فإنهم كانوا أجلَّ من هذا، وهمهم أعلى وأشرف، إنما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة، وطهارة القلوب، وزكاة النفوس، وتصحيح المعاملة، ولهذا كلامهم قليل، فيه البركة، وكلام المتأخرين كثير طويل قليل البركة" (٢).
أما عقيدة أهل السُّنَّة فتوجب الجمع بين المقامات، ليس كما قال ابن عجيبة: "ألا يترقى مقامًا حتى يستوفي أحكامه" (٣).
قال ابن القيم ﵀: "كلُّ مقام مع الذى فوقه، كالتوكل مع الرضا، وكالخوف والرجاء مع الحب، فإِنَّ المقام لا ينعدم بالترقي إلى الآخر ولو عدم لخلفه ضده؛ وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة، وإِنما يندرج حكمه في المقام الذى أعلى منه، فيصير الحكم له كما يندرج مقام المتوكل في مقام المحبة والرضا، وليس هذا كمنازل سير الأبدان الذى إذا قطع منها منزلًا خلَّفه وراءَ ظهره واستقبل المنزل الآخر معرضًا عن الأَول بارتحاله" (٤).
стр. 762
ثالثًا: أمثلة على المقامات
أ- الشُّكر:
قسَّمه ابن عجيبة إلى ثلاثة أقسام فيقول: "واعلم أنَّ الناس في الشُّكر على ثلاث درجات: عوام، وخواص، وخواص الخواص، فشكر العوام على النعم فقط، وشكر الخواص على النعم والنقم، وشكر خواص الخواص: الغيبة (١) في المنعم عن شهود النعم والنقم" (٢).
وهذا انحراف عن المفهوم الصحيح للشكر والذي بيَّنه العلماء المحققون.
قال ابن القيم ﵀: "منزلة الشكر وهي من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة الرضا وزيادة، فالرضا مندرج في الشكر، إذ يستحيل وجود الشكر بدونه، وهو نصف الإيمان ... والإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر، وقد أمر الله به، ونهى عن ضده، وأثنى على أهله، ووصف به خواص خلقه، وجعله غاية خلقه وأمره، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا وحافظًا لنعمته" (٣).
وابن عجيبة يعتبره من مقام العوام، بل جعل مقام الفناء فوقه، فيا عجبًا! "أي مقام أرفع من الشكر، الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان، حتى المحبة والرضا والتوكل وغيرها، فإنَّ الشكر لا يصح إلا بعد حصولها، وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر، ولا أعلى" (٤).
стр. 763
"ولكن أصحاب الفناء كلهم يرون أن فوق هذا مقامًا أجل منه وأعلى؛ لأنَّ الشكر عندهم يتضمَّن نوع دعوى، وأنه شكر الحق على إنعامه، ففي الشاكر بقية من بقايا رسمه لم يتخلص عنها ويفرغ منها، فلو فني عنها بتحقيقه أن الحق سبحانه هو الذي شكر نفسه بنفسه، وأن من لم يكن كيف يشكر من لم يزل، علم أن الشكر من منازل العامة" (١).
وردَّ عليهم ابن القيم بقوله: "فأمَّا تضمن الشكر لنوع دعوى فإن أريد بهذه الدعوى إضافة العبد الفعل إلى نفسه، وأنه كان به وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوته، ومنَّته على عبده فلعمر الله هذه علة مؤثِّرة ودعوى باطلة كاذبة.
وإن أريد: أن شهوده لشكره شهوده لنعمة الله عليه به وتوفيقه له فيه وإذنه له به ومشيئته عليه ومنَّته، فشهد عبوديته وقيامه بها، وكونها بالله، فأي دعوى في هذا؟ وأي علة؟ نعم غايته أنه لا يجامع الفناء، ولا يخوض تياره فكان ماذا؟ فأنتم جعلتم الفناء غاية، فأوجب لكم ما أوجب، وقدمتموه على ما قدمه الله ورسوله، فتضمَّن ذلك تقديم ما أخّر، وتأخير ما قدّم، وإلغاء ما اعتبر، واعتبار ما ألغى" (٢).
ب- الزهد.
قال ابن عجيبة: "الزهد في الشَّيء هو خروج محبته من القلب، وبرودته منه، وعند القوم بغض كل ما يشغل عن الله، ويحبس عن حضرة الله" (٣).
ثم ذكر تقسيمًا صوفيًّا للزهد فقال: "أولًا: الزهد في المال، وعلامته أن يستوي
стр. 764
الذهب والتراب، والفضَّة والحجر، والغنى والفقر، والمنع والعطاء، وثانيًا: الزهد في الجاه والمراتب، وعلامته أن يستوي عنده العز والذل، والظهور والخمول، والمدح والذم، والرفعة والسقوط، وثالثًا: ويكون ثالثًا في المقامات، والكرامات، والخصوصيات، وعلامته أن يستوي عنده الخوف والرجاء، والقوة والضعف، والبسط والقبض، يسير بهذا كما يسير بهذا، أو يعرف في هذا كما يعرف في هذا، ثم يكون الزهد في الكون بأسره بشهود المكون وأمره، فإذا تحقق المريد بهذا المقامات في الزهد أو جلها كان عمله كله عظيمًا كبيرًا في المعنى عند الله، وإن كان قليلًا في الحس عند الناس" (١).
ولا ريب أنَّ الزهد مقام شريف يحرص عليه المؤمن، لكن وفق الكتاب والسُّنَّة وما عليه سلف الأُمَّة، فمن رغب عن شيءٍ نافع مشروع لا يُسمَّى زاهدًا، بل هو جهلٌ وضلال.
وكُلَّما ابتعد الزاهد عن المفهوم الشرعي للزهد ظهرت البدع والخرافات.
قال ابن الجوزي ﵀: "دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها الرسول ﷺ ، ولا أصحابه ﵃ من إظهار التخشُّع الزائد في الحد والتنوق (٢) في تخشين الملبس ... " (٣).
وقال أيضًا: "قد يسمع العامي ذم الدنيا في القرآن المجيد والأحاديث فيرى أنَّ النَّجاة تركها ولا يدري ما الدنيا المذمومة فيلبِّس عليه إبليس بأنك لا تنجو في الآخرة إلا بترك الدنيا، فيخرج على وجهه إلى الجبال، فيبعد عن الجمعة والجماعة والعلم ويصير كالوحش، ويُخيَّل إليه أنَّ هذا هو الزهد الحقيقي" (٤).
стр. 765
وديننا أمرنا بالاعتدال في كلِّ شؤوننا، فلا يكلف الإنسان نفسه بما لا يستطيع، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (٢).
وعن عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال: «مه عليكم بما تطيقون, فوالله لا يملّ الله حتى تملوا, وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه» (٣).
ولا شكَّ أنَّ ابن عجيبة جانب الصواب بمحاربة النفس وقهرها، وترك الدنيا بالكُليَّة والتجرُّد من المال.
يقول ابن قدامة المقدسي ﵀: "والزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن الشَّيء إلى ما هو خير منه، وشرط المرغوب عنه أن يكون مرغوبًا فيه بوجه من الوجوه، فمن رغب عن شيءٍ ليس مرغوبًا فيه ولا مطلوبًا في نفسه لم يُسمَّ زاهدًا، كمن ترك التراب لا يُسمى زاهدًا.
وقد جرت العادة بتخصيص اسم الزاهد بمن ترك الدنيا، ومن زهد في كلِّ شيءٍ سوى الله تعالى، فهو الزاهد الكامل، ومن زهد في الدنيا مع رغبته في الجنَّة ونعيمها فهو أيضًا زاهد، ولكنه دون الأول، واعلم أنه ليس من الزهد ترك المال،
стр. 766
وبذله على سبيل السَّخاء والقوَّة، واستمالة القلوب، وإنما الزهد أن يترك الدنيا للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة" (١).
ويبيِّن ابن القيم المعنى الحقيقي للزهد فيقول: "وليس المراد تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكُليَّة، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهى في يدك، وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذى يضرب بزهده المثل مع أنَّ خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيِّد ولد آدم ﷺ حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زُهدًا فيها" (٢).
ج- الرجاء:
قال ابن عجيبة: "الرجاءُ: تمنِّي الشَّيء مع السَّعي في أسبابه، وإلا فهو أمنية" (٣).
ويرى أنَّ عدم الخوف من الذنب من مظاهر الاعتدال في باب المقامات، والطاعة والمعصية سواء.
وهذا؛ لأنه متأثِّرٌ ببدعة وحدة الوجود، فهو يصفهم بأهل الخصوص الواصلين؛ لأنه يرى أنَّ أفعال العباد ليست فعلًا لهم، وإنما هي لله تعالى، وهذه المسألة مرتبطة بعقيدته في الجبر كما مر معنا.
فقال: "وأمَّا الواصلون فلا يرون لأنفسهم فعلًا ولا تركًا، فهم ينظرون إلى
стр. 767
تصريف الحق، وما يجري به سابق القدر، فيتلقونه بالقبول والرضا، فإن كان طاعة شكروا وشهدوا منَّة الله، وإن كان معصية اعتذروا وتأدَّبوا، ولم يقفوا مع أنفسهم، إذ لاوجود لها عندهم، وإنما ينظرون إلى ما يبرز من عنصر القدرة" (١).
ويقول أيضًا: "ومن جملة ذلك الخوف والرجاء بحيث إذا صدرت منهم طاعة لا يزيد رجاؤهم، وإذا وقعت منهم زلَّة لا يعظم خوفهم، ولا تنقص استقامتهم" (٢).
وهذا مصادمٌ للنصوص الشرعية التي أمرت بعبادة الله خوفًا، وطمعًا، ورجاءً.
والتوحيد والإيمان لا يتم إلا بالمحبة، والخوف، والرجاء؛ لذلك أثنى الله على عباده؛ لأنهم يعبدونه بالخوف والرجاء، قال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٤) والطمع هو الرجاء، ولما ذكر الله تعالى الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل واليسع وهود، قال بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٥) الرَّغبُ: الرجاء، والرَّهبُ: الخوف، فإذا فُقد الخوف والرجاء والمحبَّة لم يكن هناك إيمانٌ ولا توحيد (٦).
стр. 768
ويقول ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية:
وعبادةُ الرحمنِ غايةُ حُبِّهِ ... مع ذُلِّ عابدِهِ هما قطبان
وعليهما فَلَكُ العبادةِ دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبان
ومدارُهُ بالأمرِ أمر رسولِهِ ... لا بالهوى والنَّفس والشيطان
فقيامُ دينِ اللهِ بالإخلاص والإ ... حسان إنهما له أصلانِ (١)
وبهذا يتضح مخالفة ابن عجيبة لأهل السُّنَّة والجماعة وموافقته للمرجئة بتغليبه جانب الرجاء، فمن فعل طاعة لا يَعْظُم رجاؤه، ومن فعل معصية لا يَعْظُم خوفه ولا تنقص استقامته.
والواصلون -حسب ما وصفهم- يسقط عنهم التدبير والاختيار، وأمَّا العوام فهم يبقون في هذه المقامات.
قال ابن تيمية ﵀: "وبعض من تكلَّم في علل المقامات، جعل الخوف والرجاء والحبَّ والرضا من مقامات العامة، بناءً على مشاهدة القدر، وأنَّ من شهد القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني من لم يكن، وبقي من لم يزل، يخرج عن هذه الأمور، وهذا كلام مستدرك حقيقةً وشرعًا، أمَّا الحقيقة فإنَّ الحيَّ لا يتصور أن لا يكون حساسًا محبًا لما يلائمه مبغضًا لما ينافره، ومن قال إنَّ الحيَّ يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين إمَّا أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل، وإمَّا أنه مكابر معاند ولو قدر أنَّ الإنسان حصل له حال أزال عقله -سواء سمي اصطلامًا أو محوًا أو فناءً أو غشيًا أو ضعفًا- فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية بل له إحساس بما يلائمه وما ينافره وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم يسقط بجميعها،
стр. 769
فمن زعم أنَّ المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقًا فإنه غالط بل لا بدَّ من الفرق فإنه أمر ضروري، لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي فيبقى متبعًا لهواه لا مطيعًا لمولاه" (١).
د- المحبة:
قال ابن عجيبة: "المحبة لها بداية، ووسط، ونهاية، فأول المحبة وبدايتها: ملازمة امتثال أمر الله ، واجتناب النهي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، ووسطها: لهج اللسان بالذكر، وتعلُّق القلب بشهود المحبوب، ونهايتها: لا تُدرك بالعبارة، ولا تلحقها الإشارة، وفي هذا المعنى قيل:
فلم يبق إلا الله لا رب غيره ... حبيبٌ لقلبٍ غاب عن كلِّ مقصد
فهذه المعاني لا تدركها العامة ولا الخاصة، وإنما يذوقها خاصة الخاصة" (٣).
وقال أيضًا: "المحبة الحقيقية والمعرفة الكامنة لا تكون على أيدي الوسائط، والأولياء وسائطهم خلفاء الأنبياء، وهم أهل العلم بالله الذوقي العياني ... وتوسيط الأنبياء للعموم في مطلق المحبة، وتعليم ما يقرب إليها، وأمَّا المحبة الحقيقية فهي خاصة بالأولياء للأولياء" (٤).
وقول ابن عجيبة في المحبة امتثال أمر الله واجتناب ما نهى عنه، هذا ما يعبر عنه الصوفية بالحب العام، "الحبُّ حبان: حبٌّ عام، وحبٌّ خاص، فالحبُّ
стр. 770
العام يفسر بامتثال الأمر، ومن شرط المحب أن يكون مطيعًا، وهذا الذي عناه بعض شيوخ الطريق حين وضع الحب في المقامات لا في الأحوال، فيكون الحبُّ هنا منظورًا إليه بعين الكسب بالأعمال، وهو أيضًا صحيح، ولكنه حبٌّ عامٌّ يدخل فيه كل أهل طاعة الله كسبًا بطاعتهم، والحب الخاص الذي هو من أعلى وأرقى المقامات الموهوبة -عند الصوفية- هو حب الذات للذات هبة من الله وفضلًا، وينشأ عن مطالعة الروح، وهو من نور الله إلى تجلي نور الله على الكائنات والعوالم، وهو من اصطفاء الله ومنَّته على عبده كما قلنا، وهذا الحبُّ ليس للكسب فيه دخل، ولذلك كان من أشرف الأحوال وأجلِّ المذاهب الإلهية" (١).
بل يزعمون أنَّ المحبة الخاصة محبة وهبية، واصطفاء من الله .
يقول الكلاباذي (٢) في وصف هذه المحبة: "المحبة على وجهين: محبة الإقرار، وهي للخاص والعام، ومحبة الوجد من طريق الإصابة فلا يكون فيه رؤية النفس والخلق، ولا رؤية الأسباب والأحوال بل يكون مستغرقًا في رؤية ما لله وما منه" (٣).
وهذا القول خطير؛ فالصوفي ليس بحاجة -كما يزعمون- إلى صلاة ولا صيام ولا طاعة، بل ينتظر اصطفاء الله له، عند ما تتجلَّى الأنوار إلى قلبه.
وإن تعجب فعجبٌ قولهم، فالله ذكر في كتابه الاصطفاء، أي اصطفاء الملائكة، والرسل ومع ذلك أمرهم بطاعته.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
стр. 771
بَصِيرٌ﴾ (١) , ومع ذلك طالبهم بطاعته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢).
وقول الصوفية بأن المحبة تنال هبة بدون عمل وطاعة، مصادمٌ لنصوص الشرع التي جعلت الطاعات سببًا لمحبة الله للعبد.
قال النَّبيُّ ﷺ في الحديث القدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه» (٣).
والغاية التي يسعى لها ابن عجيبة من لهج اللسان بالذكر هي الوصول إلى وحدة الوجود، ويتضح ذلك من قوله في دوام ذكر الاسم المفرد: "فكُلَّما فني فيه ذابت بشريته، وقويت روحانيته، حتى تستولي على بشريته فحينئذ يكون الحكم لها" (٤)، وهذا هو الذي صرَّح به بقوله: "شراب المحبة هو خمرة الفناء، والغيبة في الله" (٥).
وأما التقسيمات التي ذكرها في المحبة، فباطلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودًا في حال أحد وإن ارتقى مقامه ... وهي حسنة محبوبة في حق كل أحد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن قال إنَّ هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها فإنَّ هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وإنما
стр. 772
يخرج عنها كافر أو منافق" (١).
وقال أيضًا: "وكثيرٌ من السَّالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعًا من أمور الجهل بالدين، إمَّا من تعدي حدود الله ، وإمَّا من تضييع حقوق الله، وإمَّا من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها" (٢).
وقد بيَّن ابن القيم ﵀ مسألة عظيمة لمدعي المحبة فقال:
"ههنا مسألة يغلط فيها كثيرٌ من المدِّعين للمحبة، وهي أنَّ موافقة المحبوب في مراده ليس المعنى بها مراده الخلقي الكوني، فإنَّ كل الكون مراده، وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته في هذا المراد هي محبته لم يكن له عدوًّا أصلًا، وكانت الشياطين والكُفَّار والمشركون عُبَّاد الأوثان والشمس والقمر أولياءه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" (٣).
стр. 773
المبحث الثالث:
الصلة بين الأحوال والمقامات
هناك تداخل بين الأحوال والمقامات، فمن تحقق بالمقام فإنه قد ترد عليه الأحوال، وصاحب الحال قد يترقى منها على المقامات (١).
قال ابن عجيبة: "الأعمالُ حركة الجسم بالمجاهدة، والأحوالُ حركة القلب بالمكابدة، والمقاماتُ سكون القلب بالطمأنينة، مثال ذلك: مقام الزهد مثلًا: فإنه يكون أولًا عمله مجاهدة بترك الدنيا وأسبابها، ثم يكون مكابدة بالصبر على الفاقة حتى يصير حالًا، ثم يسكن القلب ويذوق حلاوته فيصير مقامًا" (٢).
ويقول أيضًا: "المقامات تكون أحوالًا حيث لم يتمكَّن المريد منها؛ لأنها تتحوَّل ثم تصير مقامات بعد التمكين، كالتوبة مثلًا: تحصل ثم تنقص، حتى تصير مقامًا، وهي التوبة النصوح، وهكذا بقية المقامات" (٣).
وعلة التداخل بينهما يكمن في أنَّ المقام قبل كونه مقامًا كان حالًا، لكن بعد المكابدة والمجاهدة تحوَّل إلى مقام.
فيقول ابن عجيبة: "التوبة، والورع، والزهد، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، تكون أحوالًا، ثم تصير مقامات، فما دامت مجاهدة فهي أحوال، فإذا كانت ذوقًا فهي مقامات" (٤).
стр. 774
وكذلك يرى الصلة بين الأحوال والمقامات، بأنَّ لكلِّ واحد منهما علمًا وعملًا.
فيقول: "اعلم أنَّ المقام والحال لكلِّ واحد: علم وعمل، فالمقام يتعلَّق به العلم أولًا، ثم يسعى في عمله حتى يكون حالًا، ثم يصير مقامًا، وكذلك الحال يتعلَّق به العلم أولًا، ثم العمل، ثم يصير مقامًا وحالًا" (١).
стр. 775
الفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: موقفه من أعلام الصوفية
المبحث الثاني: موقفه من طرقها
المبحث الثالث: أثره على من بعده