← Акыда

Акыда · id 543

آراء ابن عجيبة العقدية عرضا ونقدا

عبد الهادي العمري

Полный текст (870 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بَصِيرٌ﴾ (١) , ومع ذلك طالبهم بطاعته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢). وقول الصوفية بأن المحبة تنال هبة بدون عمل وطاعة، مصادمٌ لنصوص الشرع التي جعلت الطاعات سببًا لمحبة الله للعبد. قال النَّبيُّ ﷺ في الحديث القدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه» (٣). والغاية التي يسعى لها ابن عجيبة من لهج اللسان بالذكر هي الوصول إلى وحدة الوجود، ويتضح ذلك من قوله في دوام ذكر الاسم المفرد: "فكُلَّما فني فيه ذابت بشريته، وقويت روحانيته، حتى تستولي على بشريته فحينئذ يكون الحكم لها" (٤)، وهذا هو الذي صرَّح به بقوله: "شراب المحبة هو خمرة الفناء، والغيبة في الله" (٥). وأما التقسيمات التي ذكرها في المحبة، فباطلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودًا في حال أحد وإن ارتقى مقامه ... وهي حسنة محبوبة في حق كل أحد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن قال إنَّ هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها فإنَّ هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وإنما

стр. 772

يخرج عنها كافر أو منافق" (١). وقال أيضًا: "وكثيرٌ من السَّالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعًا من أمور الجهل بالدين، إمَّا من تعدي حدود الله ، وإمَّا من تضييع حقوق الله، وإمَّا من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها" (٢). وقد بيَّن ابن القيم ﵀ مسألة عظيمة لمدعي المحبة فقال: "ههنا مسألة يغلط فيها كثيرٌ من المدِّعين للمحبة، وهي أنَّ موافقة المحبوب في مراده ليس المعنى بها مراده الخلقي الكوني، فإنَّ كل الكون مراده، وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته في هذا المراد هي محبته لم يكن له عدوًّا أصلًا، وكانت الشياطين والكُفَّار والمشركون عُبَّاد الأوثان والشمس والقمر أولياءه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا" (٣).

стр. 773

المبحث الثالث: الصلة بين الأحوال والمقامات هناك تداخل بين الأحوال والمقامات، فمن تحقق بالمقام فإنه قد ترد عليه الأحوال، وصاحب الحال قد يترقى منها على المقامات (١). قال ابن عجيبة: "الأعمالُ حركة الجسم بالمجاهدة، والأحوالُ حركة القلب بالمكابدة، والمقاماتُ سكون القلب بالطمأنينة، مثال ذلك: مقام الزهد مثلًا: فإنه يكون أولًا عمله مجاهدة بترك الدنيا وأسبابها، ثم يكون مكابدة بالصبر على الفاقة حتى يصير حالًا، ثم يسكن القلب ويذوق حلاوته فيصير مقامًا" (٢). ويقول أيضًا: "المقامات تكون أحوالًا حيث لم يتمكَّن المريد منها؛ لأنها تتحوَّل ثم تصير مقامات بعد التمكين، كالتوبة مثلًا: تحصل ثم تنقص، حتى تصير مقامًا، وهي التوبة النصوح، وهكذا بقية المقامات" (٣). وعلة التداخل بينهما يكمن في أنَّ المقام قبل كونه مقامًا كان حالًا، لكن بعد المكابدة والمجاهدة تحوَّل إلى مقام. فيقول ابن عجيبة: "التوبة، والورع، والزهد، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، تكون أحوالًا، ثم تصير مقامات، فما دامت مجاهدة فهي أحوال، فإذا كانت ذوقًا فهي مقامات" (٤).

стр. 774

وكذلك يرى الصلة بين الأحوال والمقامات، بأنَّ لكلِّ واحد منهما علمًا وعملًا. فيقول: "اعلم أنَّ المقام والحال لكلِّ واحد: علم وعمل، فالمقام يتعلَّق به العلم أولًا، ثم يسعى في عمله حتى يكون حالًا، ثم يصير مقامًا، وكذلك الحال يتعلَّق به العلم أولًا، ثم العمل، ثم يصير مقامًا وحالًا" (١).

стр. 775

الفصل الخامس: موقفه من أعلام الصوفية وطرقها وأثره على من بعده وفيه ثلاث مباحث: المبحث الأول: موقفه من أعلام الصوفية المبحث الثاني: موقفه من طرقها المبحث الثالث: أثره على من بعده

стр. 776

المبحث الأول: موقفه من أعلام الصوفية مدح ابن عجيبة أعلام الصوفية، ونافح عنهم، وبالغ في تعظيمهم، فيقول عن ابن الفارض: "هو الوليُّ الكبير، والمحبُّ الشهير، إمام العُشَّاق" (١). ومدح ابن عربي بقوله: "العارف الربَّاني، والقطب الصمداني، بحر زمانه، وفريد عصره وأوانه، محيي الدين ابن العربي الحاتمي، المتوفى في حدود القرن السَّادس" (٢). وكذلك مدح ابن مشيش صاحب الصلاة المشيشية (٣) التي مطلعها: "اللهم صلِّ على مَن منه انشقَّت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتفعت الحقائق، وتنزَّلت علوم آدم فأعجز الخلائق ... وزج بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد ... " (٤). فقال مادحًا: "هو الشيخ الإمام، العارف الواصل، الوليُّ الكبير، والقطب الشهير، شمس زمانه، وفريد عصره وأوانه، سيدنا ومولانا عبد السلام بن مشيش ... " (٥).

стр. 777

ثم شرع بشرحها فقال: "فهذا شرحٌ لطيفٌ على تصلية القطب الجامع، سيدي عبد السلام ابن مشيش نفعنا الله بذكره، وأفاض علينا من صيِّب فيضه آمين، ندبني إليه شيخنا العارف الرباني، قدوة السائرين، ومربي الواصلين، سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني، فأجبته إلى ذلك، رجاء التحقيق بمحبته، والشرب من فيض مدده" (١). ويقول في موضع آخر منافحًا عنهم: "قد رُمي كثيرٌ من الأولياء المحققين بالاتحاد والحلول كابن العربي الحاتمي، وابن الفارض، وابن سبعين (٢)، والششتري والحلاج، وغيرهم وهم بُرَآء منه؛ وسبب ذلك أنهم لما خاضوا بحار التوحيد، وكوشفوا بأسرار التفريد، أو أسرار المعاني قائمة بالأواني، سارية في كل شيء، ماحية لكل شيء، ... فأرادوا أن يعبروا عن تلك المعاني فضاقت عبارتهم عنها؛ لأنها خارجة عن مدارك العقول، لا تدرك بالسطور ولا بالنقول، وإنما هي أذواق ووجدان، فمن عبر عنها بعبارة اللسان كفر وزندق، وهذه المعاني هي الخمرة الأزلية التي كانت خفيَّة لطيفة، ثم ظهرت محاسنها، وأبدت أنوارها وأسرارها، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات، فمن عرفها وكوشف بها اتحد عنده الوجود، وأفضى إلى مقام الشُّهود، وهي منزَّهة عن الحلول والاتحاد، إذ لا ثاني لها حتى تحل فيه أو تتحد معه" (٣). ولذلك يرى أن من أفشى سرَّ الربوبية -ويقصد به وحدة الوجود- قُتل.

стр. 778

فيقول: "كل من أفشى سرَّ الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة، فيباح دمه، ويهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره ... والمراد بسرِّ الربوبية: التوحيد الخاص الذي هو الشُّهود والعيان المخصوص بأهل العرفان" (١). وكيف يمدح من طفحت مقالاتهم بوحدة الوجود التي آلت بهم إلى الإيمان بوحدة الأديان، وأنَّ جميع الخلق على صراطٍ مستقيم، وأنَّ الخلق هو الحق، وتصويب كل كفر، ومنهم من زعم أنه يلاقي الله مرَّة كل شهر عند ادعائه للولاية (٢) (٣). ولقد أُولع من انتموا للتصوف بتعظيم هؤلاء القوم، ودافعوا عنهم، وغضبوا لغضبهم، وكان الواجب عليهم أن يكون غضبهم لربهم إذا انتهكت حُرماته لا لبشر غير معصوم من الزلل، فهؤلاء شرٌّ من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسله، ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث. ومع ذلك فلا يشهد على أعيانهم بكفر (٤)، ولا إيمان لجواز توبتهم قبل الموت، وأمرهم مُشكل وحسابهم على الله، أمَّا مقالاتهم فلا ريب أنها شرٌّ من الشرك (٥). ولا ريب أنَّ المطالع لكتب ابن عربي بعين الإنصاف يجدها مشحونة بصريح الكفر، فمن أردأ تواليفه كتاب فصوص الحكم الذي إن لم يكن فيه كفر فما في

стр. 779

الدنيا كفر، والله أعلم بما مات عليه (١). ولقد بيَّن القاري (٢) نتيجة الرياضة عند ابن عربي في كتابه الفصوص وأنها القول بالحلول والاتحاد: "وقد صرَّح في الفصوص بأنَّ الرياضة إذا كملت اختلط ناسوت صاحبها بلاهوت الله، وهذا هو عين مذهب النصارى، حيث قالوا: امتزجت الكلمة بعيسى امتزاج الماء باللبن، فاختلط ناسوته بلاهوت الله سبحانه، حتى ادعوا أنه ابن الله, تعالى شأنه وتعظَّم سلطانه" (٣). وصرَّح ابن سبعين كذلك بكلام كفري، مفاده أنَّ الكائنات الدنسة هي الله، -تعالى الله عمَّا يقول علوًّا كبيرًا- فقال: "اختلط الله في الإحاطة الزوج مع الفرد، واتحد النَّجو (٤) مع الورد" (٥). ولا ريب أنَّ هذه المواقف من أعلامهم تسبَّبت بظهور بدع شنيعة في بلاد المغرب وغيرها منذ أعصار متطاولة لا سيَّما في المائة العاشرة وما بعدها، فقدَّسوا أضرحة الشيوخ (٦)، وجعلوها أوثانًا تُعبد من دون الله، فمن بدعهم الشنيعة محاكاتهم

стр. 780

أضرحة الشيوخ لبيت الله الحرام، من جعل الكسوة لها، وتحديد الحرم على مسافة معلومة بحيث يكون من دخل تلك البقعة من أهل الجرائم أصبح آمنًا، وسوق الذبائح إليها على هيئة الهدي، واتخاذ المواسم كل عام، وهذا وأمثاله لم يشرع إلا في حق الكعبة، ومن المناكير التي يجب أن تغير اجتماع القوم كل سنة للوقوف يوم عرفة بضريح عبد السلام ابن مشيش، ويسمون ذلك بحج المسكين، فانظر إلى هذه الطامة التي اخترعها هؤلاء العامة ((١). فمن كانت هذه مقالاته فهل يستحق مدحًا أو منافحة؟ وإنك لتعجب من ابن عجيبة كيف يمدح الحلاج الذي اعتقد أن إبليس موحِّد، بقوله: "وما كان موحِّد في أهل السَّماء مثل إبليس" (٢). وابن عجيبة امتدادٌ لأولئك فلايستغرب منه ذلك، فالمعدن واحد، وكما قيل: الصوفية أهل بيت واحد وإن اختلفت عباراتهم. فهؤلاء القوم تأثروا بفلسفات وأفكار إلحادية -والعياذ بالله- فجعلوا مقصودهم التشبه بصفات الله بحلولهم فيه -تعالى الله عمَّا يقولون- فزعموا أنَّ من أوليائهم من يتصرَّف في الكون (٣)، أو ينطق بكن (٤) قبل أن تكون

стр. 781

الأشياء (١)؛ فقدسوا مشايخهم وأطاعوهم في غير طاعة الله ورسوله، فتفرقت بههم السبل، ولاذوا للطواف على قبورهم ومناجاتهم لكشف الكرب عنهم، فالحذر الحذر من هؤلاء القوم الذين لعب الشيطان بهم، وأخرجهم عن طريق أهل العلم، بزعمهم أنَّ الله حالٌّ في كلِّ شيء، والأرض لا تخلو منه لكنه يظهرُ لخلقه في صور مختلفة في كل زمان غير الصورة التي ظهر بها في الزمان الذي قبله وفي الزمان الذي بعده، فلم يقدروا الله حق قدره، وتكلموا فيه بكلام لا يوافق كتابًا ولا سنة، ولا قول الصحابة ﵃، ولا قول أئمَّة المسلمين، فلا حُجَّة لهم فيما يدعون، ولا إمام من العلماء يتبعون فيما يفعلون (٢). وفي المقابل نجد أنَّ ابن عجيبة ذمَّ العلماء الذين يأخذون بظاهر النص مع وجوب العمل به، وهو بهذا يخالف أهل السُّنَّة وطريقتهم، بل ويحذِّر من الجلوس معهم فيقول: "والجلوس مع علماء الظاهر أقبح في حق الفقير ... والله ما رأيت فقيرًا صحبهم فأفلح في طريق القوم أبدًا، فلا قاطع أعظم منهم، إلا من عرف بالتسليم لأهل النسبة، وقليلٌ ما هم" (٣). ويقول: "الجلوس معهم اليوم أقبح من سبعين عاميًا غافلًا، وفقيرًا جاهلًا؛ لأنهم لا يعرفون إلا ظاهر الشريعة، ويرون من خالفهم في هذا الظاهر خاطئ أو ضال، فيجهدون في رد من خالفهم، يعتقدون أنهم ينصحون، وهم يغشون، فليحذر المريد من صحبتهم والقرب منهم، ما استطاع، فإن توقف في مسألة ولم يجد من

стр. 782

يسأل عنها من أهل الباطن فليسأله على حذر، ويكون معه كالجالس مع العقرب والحيَّة، والله ما رأيت أحدًا قط من الفقراء قرب منهم، وصحبهم فأفلح أبدًا في طريق الخصوص" (١). أمَّا بالنسبة للكتب فلقد زعم أنها سبب لتبديع الصوفية ورميهم بالكفر. فيقول: "النظر في الكتب يضعف المسالك؛ لتشعبها وكثرتها عند اختلاف الهمم، لا سيَّما من جبلت طبيعته على علم الظاهر، فإنه أبعد الناس عن الطريق ما لم يتداركه الله بفتح منه؛ لأن التشريع كل حكمة تحتها حكم من لم يفهمها فبستانه مزهر غير مثمر، ومن هنا وقع الإنكار، حتى امتحن الله كثيرًا من الصوفية على أيدي علماء الظاهر، عندما نسبوهم للكفر والزندقة والبدعة والضلال، وسر الخصوصية يقتضي ذلك لا محالة" (٢). وهذا الذي سطره ابن عجيبة هو ديدن الصوفية الذين لقنوه لمريديهم منذ بداية سلوكهم في الطريق، فصوَّروا لهم علماء الشريعة بأنهم أعداء لهم حتى اعتقدوا أنه لا يصح منهم الاسترشاد ولا يقبل منهم نصيحة (٣). ولذا أعرضوا عن الكتاب، ونبذوا السُّنَّة وراء ظهورهم، وزهَّدوا الناس فيها، وانسلخ أقوام من حفظها ومعرفتها، فطعنوا في أهلها، ورموهم بالقبيح من القول والفعل، فكيف لمن لم يكن عالمًا بمعاني القرآن خبيرًا بسُنَّة رسول الله ﷺ وآثار الصحابة ﵃ فقيهًا في ذلك عاملًا به أن يكون على صراط مستقيم!! (٤).

стр. 783

المبحث الثاني: موقفه من طرقها يرى ابن عجيبة أنَّ الصوفية وإن اختلفت مسالكها فأتباعها متفقون في الأصول والفروع، يقول: "كانت مذاهب القرَّاء خمسة وعشرين رواية، ثم تقررت في عشرة، وكانت مذاهب النُّحاة على مذهبين، بصري وكوفي، بخلاف مذهب الصوفية فهي متفقة في المقصد والعمل وإن اختلفت المسالك، فمرجع كلام القوم في كل باب لأحوالهم، وإلا فلا تنافي بين أقوالهم لمن تأمَّلها، وذلك بخلاف مذهب غيرهم، والوجه فيه أنَّ الحقَّ واحد، وطريقه وإن اختلفت مسالكها فالنهاية واحدة، والذوق واحد ... ومذهب الصوفية هو الاتفاق في الأصول والفروع، أمَّا الأصول فنهايتهم الشهود (١) والعيان، وهم متفقون فيه؛ لأنه أمرٌ ذوقي لا يختلف" (٢). وقد تابع ابنُ عجيبة الهجويري (٣) وهو من الأقطاب -عند الصوفية- فيقول: "ومهما كانوا -أي الصوفية- مختلفين في المعاملات والمجاهدات والمشاهدات والرياضات، فإنهم موافقون ومتفقون في أصول وفروع الشرع والتوحيد" (٤). وكلُّ من انتسب إلى الصوفية فقد وقع في البدعة؛ فانتسابه في حدِّ ذاته بدعة، فلا يوجد زهدٌ عند الصوفية بالمعنى الممدوح، وما يسمونه زهدًا بدعةٌ وانحراف، قال

стр. 784

ابن تيمية ﵀: "فإنَّ المذاهب قد ظهرت بعد القرون المفضَّلة رويدًا رويدًا، وكان أصحابها الأولون قد انفردوا بما أتوا من الزهد والورع، الذي لم يكن عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ومن تبعهم بإحسان، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (١) " (٢). وقال ابن أبي العز: "والرهبانُ وهم جُهَّال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمِّنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه ﷺ والتعوض عن حقائق الإيمان بخُدع الشيطان وحظوظ النَّفس" (٣). ويقول أيضًا: "وأكثر المنحرفين من العبَّاد من المتصوفة ونحوهم فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد" (٤). وقد مال ابن عجيبة إلى الطريقة الشاذلية وزعم أنها تسير بين الحقيقة والشريعة حتى يقع التمكين والاعتدال، بل قال زورًا وبهتانًا أنها هي التي تقوم عليها السَّاعة، وينزل عيسى ابن مريم ويجد منها خلقًا من حواريه (٥). فهو الداعي إلى الطريقة الدرقاوية (٦) الشاذلية، وهو المتحدث باسم الدرقاوية، والمدافع عن مبادئها قولًا وفعلًا، وكتابة (٧).

стр. 785

فقد قال عن نفسه: "ولقد كنتُ حين دخلتُ في طريق القوم، وحصل لي الإذن من الشيخ في تذكير الناس نطوف عليهم في المداشر والقبائل نعلمهم الدين، وندلهم عليه، فعلت ذلك ثلاث سنين أو أكثر، وها نحن ما زلنا على ذلك ... فنحن والحمد لله نُعلِّم الناس التوحيد الخاص في المداشر (١)، والقبائل، والمساجد، والجوامع لمن قدر عليه، ومن لم يقدر علمناه ما يقدر من توحيد الدليل، حتى يفتح الله سبحانه عليه في توحيد العيان" (٢). ولهذا كان من المهتمين بالطريقة الدرقاوية والداعين إليها وبلغ اهتمامه بها أنه كان يُنشئ مع كل دار له زاوية معمورة بالفقراء، ويخرج لهم الطعام في كل الفترات، ويجعل في كل زاوية فقيهًا، ومؤذِّنًا مرتاحًا (٣). وكان ابن عجيبة في الغالب موافقًا للانتقادات التي أبداها ابن البنا في منظومته في التصوف، والذي يعتبر ابن عجيبة أشهر شراحها. فهذه طريقة قد درست ... وشجر أغصانها قد يبست كانت إذن مواردًا شريفة ... فاستبدلت مذاهبًا سخيفة قد أُسِّست على صحيحِ العقل ... وأسُّها الآن بمحض الجهل كانت تضاهي الكوكب المنيرا ... والآن أضحت حائطًا قصيرا (٤). فلقد شرح ابن عجيبة البيت الأخير بقوله: "كانت طريقة القوم رفيعة القدر عالية الشأن تضاهي أي تشابه أو تحاكي الكوكب المضيء في الرفعة ... والآن صار

стр. 786

ينتسب إليها الأشرار والفُجَّار فتجد فيها هذا قائد وهذا باشا وغير ذلك، فمنهم من يتخذها حصنًا يتحصَّن بها من عواقب ظلمة يظن ذلك ينفعه بزعمه، ومنهم من يتخذها حرفة فصارت كالحائط القصير يتخطاه القوي والضعيف، وسبب ذلك عدم سقوطهم على شيخ التربية" (١). ولكن ابن عجيبة لم يكن ليرتضي سحب هذا التعميم الذي قال به ابن البنا على سائر الطوائف الصوفية، فهو يقول: "لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّته، وشيخ التربية لا يخلو الزمان منه أبدًا؛ إذ لا يمكن أن يكون القطب إلا بعد التربية وهو لا تخلو الأرض منه كما هو مقرَّرٌ عند أهل الفن ... " (٢)، وتعتبر الطريقتان العيساوية والحمدوشية من الطرق الصوفية في عهد ابن عجيبة والتي ظهرت فيها بدعٌ أوضحت عن سذاجتها، فالطريقة العيساوية التي تنسب لمحمد بن عيسى الفهدي المكناسي، كان معظم اتباعها من العوام الذين كانوا يقومون بأعمال قبيحة، من افتراس لحوم الغنم والبقر قبل موتها بعد أن يبقروا بطونها ويمزقوا أحشاءها، فتتلوث أبدانهم وثيابهم بالدماء، ويأكلون تلك اللحوم الملوثة بها وبغيرها من الفضلات (٣)، وكذلك طائفة الحمادشة التي تنسب إلى علي بن محمد حمدوش الشريف، والذي عرف بالجذب إلى حدِّ فقدان الوعي حيث يصير أحيانًا كالأسد يضرب الناس بكلِّ ما يقع بين يديه من حجارة أو آنية (٤)، وانتسب إليه جماعة عرفوا بحمادشة مارسوا أعمالًا بدعية قبيحة فهم "يجلبون على رؤوسهم بالمعاول والفؤوس، فتسيل دماء رؤوسهم على وجوهم وثيابهم، وأرعبوا

стр. 787

النَّساء والأطفال، واعتقدوا بأنهم عابدون لله بهذه الأفعال" (١). ولهذا يرى ابن عجيبة أنَّ هذه الطرق لا تتماشى مع أسس طريقته الدرقاوية، لأحياء أسس وأصول التصوف، كارتباط المريد بشيخ التربية، فيقول: "وقد ظهروا (أي شيوخ التربية) في زماننا هذا بعد اندراس (٢) أنوار الطريقة، وخمود أسرار الحقيقة، فجدَّد الله بهم الطريقة، وأحيا بهم أسرار الحقيقة ... " (٣). والحقيقة أنَّ الطرق الصوفية لا تخلو من الشرك، كعبادة بعض شيوخهم، والاستغاثة بهم، وعدم الاعتراف بالشَّرع الذي جاء به نبيُّنا محمد ﷺ ، إلى غير هذا من بدعهم الكثيرة، وكفعل بعضهم مع المريدين، حيث يقول: عليك أن تُسلِّم للشيخ حاله ومراده، وألا تعترض عليه، وأن تكون معه كالميت بين يدي الغاسل، فهذه كلُّها طرقٌ فاسدة، وكُلُّها ضالة (٤).

стр. 788

المبحث الثالث: أثره على من بعده أ أثره على من خلفه في الطريقة خلف ابن عجيبة بعد وفاته في إكمال المهمة محمد الحراق (١) الذي شرع بإلقاء دروسه في تطوان في أحضان الزاوية الدرقاوية، وظنَّ الناس أنَّ بدايته ستكون في شرح التفسير، والفقه، لكن البداية كانت بتدريس الحكم العطائية، فانتعشت الطريقة الدرقاوية من جديد في تطوان، ودخل فيها كثيرٌ من الناس، بعد أن أعاد تأسيسها على أربع قواعد: ذكر، ومذاكرة، وعلمٌ، ومحبَّة، وينهى عن التجرد وخرق العوائد، وينصح طلابه ألا يدخلوا في طريق التصوف إلا بعد التبحُّر في علم الظاهر. وهكذا خلف الحراق ابن عجيبة في نشر التصوف، فلم يجد صعوبة في جلب الأتباع إليه بالإضافة إلى الدرقاويين المتبقين بتطوان، فقد تحوَّل كثيرٌ من المعجبين بعلمه وفصاحته إلى أنصار له في التلقين والتجربة الصوفية. ولقد ذاع صيته وأصبحت له زاوية يجتمع عليه خلقٌ كثير، ثم توسَّعت زاويته سنة ١٢٢٤ هـ، وأنشأ زاويتين رسميتين في فاس سنة ١٢٤٦ هـ، وفي طنجة سنة ١٢٥٤ هـ (٢). وممن تأثر بابن عجيبة أيضًا المَكُّودي (٣) الذي رد على منكري الطريقة

стр. 789

الدرقاوية، وأنكر على من سجن ابن عجيبة فقال: "وما ذنبه الذي استحق به السجن، والقهر على الرجوع عن حاله، والإشهاد عليه بذلك، واللَّوم والتوبيخ في مجلس أولئك العُلماء مع أنهم لو أنصفوا لجثوا على الرُّكب بين يديه طُول عمرهم ... فإن قالوا: إنهم رأوا منه ما يخالف الشريعة المطهَّرة، وأثبتوا ارتكابه لأمور من البدع المحرَّمة، فأقول: هو أعرف منهم بالشَّريعة، وأشدهم عملًا بالطريقة والحقيقة" (١). وهذا يدلُّ على تأثر المكودي بابن عجيبة مثله مثل المعسكري مؤرخ الدرقاوية وطبقاتهم الذي قال عن ابن عجيبة: "كان حُجَّة الطائفة الدرقاوية، مبيِّنًا لأحكامها، وناشرًا لأعلامها، سبر عن علومها حتى صار ينبوعًا لشموسها وأقمارها ونجومها ... وقد ألَّف نيِّفًا وثلاثين تأليفًا بيَّن فيها الشريعة والطريقة والحقيقة ... والحاصل هو أشهر من نار على علم، يبعد مثلي أن يُعرِّف به وبأمثاله" (٢). ب أثره على أسرته لقَّن أحمد بن عجيبة علم الحقيقة أخاه محمد بن محمد بن عجيبة ويكنَّى بأبي عبد الله، وأصبح له نشاطٌ صوفيٌّ في مدينة سلا (٣) وغيرها، وتاب على يديه كثير من

стр. 790

العصاة وسلكوا الطريقة الدرقاوية (١)، ولقد أُدخل السجن إثر واقعة حدثت له ذكرها أحمد بن عجيبة بقوله: ولما ظهر الطريق وانتشر ذكر الله في البلاد نقم علينا بعضٌ من العوام ادعى على أخي أنه دخل داره، ولقَّن امرأته الورد في غيبته وهو بريءٌ من ذلك، إنما لقَّنها مع بعض النساء في دار غيره، وهو لا يعرفها، فقُبض عليه وأُمِر بسجنه، فقلتُ (٢): لا أفارق أخي فسُجِنت معه (٣). أثره على أولاده: ذكر ابن عجيبة (٤) أنه في حدود عام ١٢٢٤ هـ كان متزوجًا بأربع نسوة إضافة إلى اثنتين قد تزوجهما من قبل، واحدة كان قد طلقها والأخرى ماتت بعد سبعة أشهر من البناء، وكان أول زواجه عام ١١٩٣ هـ، ومجموع ما ولد له من الأولاد واحد وثلاثون، توفي معظمهم في سنوات الوباء عام ١٢١٤ هـ (٥)، أمَّا الذين ولدوا بعد ذلك وبقوا على الحياة فتسعة: ثلاث إناث وستة ذكور: أما الذكور فهم: - محمد الصديق، ولد في العشر الأواخر من رمضان عام ١٢٢٠ هـ,

стр. 791

- أحمد الحاضر، وقد ولد يوم رابع جمادى الآخرة من عام ١٢٢٢ هـ - عبد القادر، ولد في صفر من عام ١٢٢٤ هـ. وأُمُّهم منانة بنت محمد الرحموني العلمي، وهي آخر من تزوَّج من النساء. - المهدي، ولد في ذي الحجة عام ١٢١٥ هـ. - عبد السلام، ولد ليلة الثلاثاء آخر رمضان عام ١٢٢٢ هـ. ـ وأُمُّهما رحمة بنت المقدم الزراد. - أمَّا السادس فهو عبد الباقي، وقد ولد في رمضان عام ١٢٢١ هـ وأُمُّه فاطمة بنت سيد الهاشمي. أمَّا محمَّد الصديق (١) أو الصادق فكان من العلماء، قضى معظم سنين حياته في تدريس العلم وبثّه بين الناس في البادية، وقد خلف من الذرية أربع بنات، توفي عام ١٢٩٠ هـ، وله من العمر سبعون سنة، وقد دفن قريبًا من ضريح والده. وأمَّا أحمد بن أحمد بن عجيبة فقد نزل بطنجة بعدما درَّس العلم بفاس وباشر تدريس العلم بها مع تلقين الطريقة التي كان قد أخذها عن الشيخ أحمد بن عبد المؤمن (٢)، ولما تبيَّن للناس ما يتصف به نزيل طنجة من حسن الخلق وشرف النسب ومهابة العلم أكرموه وزوجوه من زوجته بالبيت الذي كان يسكنه من دارها، ثم فصلت البيت عن الدار وتركته مزارًا يتبرك به.

стр. 792

وقد خلَّف تآليف كثيرة ضاع معظمها، ويذكر أحد أحفاد ابن عجيبة المعاصرين أنَّ له كتابًا في البدع تعرَّض فيه إلى لعب "الكرطة" والشطرنج وغيرهما، كما أنَّ له كتابًا آخر في النيات ضمَّنه آداب زيارة القبور وتحريم ما يرافق ذلك من ممارسات بدعية، وهم يرجعون إليه الفضل في بناء الزاوية الدرقاوية بالأنجرة، ويبدو أن أنجال ابن عجيبة وأحفاده كانوا على قدر من الجاه والمكانة في الوسط الطنجي بعد نزوح أحمد بن أحمد بن عجيبة إليها، فقد أورد جورج سالمون (١) نصًّا صدر عام ١٩٠٥ م يصف حالة الدرقاويين بطنجة قبل تأسيس الشيخ محمد بن الصديق لزاويته بها وفيه: "ويوجد بالفحص الكثير من الدرقاويين التابعين كإخوانهم بطنجة للشيخ ابن عجيبة أي أحمد بن أحمد بزاوية الأنجرة، إذ لا شيخ لدرقاويي طنجة الآن ولكن يوجد بها أولاد ابن عجيبة أنجال الشيخ الكبير بأنجرة وهم محترمون بطنجة كباقي الشرفاء بها". وقد خلف أحمد بن أحمد بن عجيبة عدة أولاد من بينهم: - محمد الساعد، وكان إمامًا بقرية الزميج وغيرها من القرى، توفي عام ١٣٤٦ هـ. - فاطمة بنت أحمد، أخذت الطريقة الدرقاوية عن عَمِّها سيدي عبد القادر بن عجيبة الآتي ذكره، تأدَّبت بأدب التصوف واشتهرت بالخير والصلاح مما جعلها عظيمة الجاه، مقبولة الشفاعة، وهي والدة محمد بن الصديق مؤسس الزاوية الدرقاوية بطنجة، وزوجها هو الصديق بن أحمد بن عبد المومن أحد تلامذة العربي الدرقاوي.

стр. 793

- عبد الحفيظ، كان صوفيًّا عالمًا، استقر بمدينة طنجة، وكان ذا وجاهة لدى الخاصة والعامة من الناس، وكثيرًا ما كان يرفع صوته بالهيللة في الطريق، اشتغل بالإمامة والتدريس طوال حياته إلى أن توفي عام ١٣٥٣ هـ/ ١٩٣٤ م، وقد زوج ابنته الزهراء لابن أخته فاطمة الشيخ محمد بن الصديق الذي علا صيته وقدره بفضل هذه المصاهرة. أمَّا عبد القادر بن أحمد بن عجيبة، فقد ولد قبل وفاة أبيه بستة أشهر، ولهذا كان بحاجة إلى من يرعاه رعاية تامة وتربية صالحة، وهو ما تحمَّله الشيخ أبو الحسن علي اللغميش القائم بوظيفة الطريقة بعد وفاة أحمد بن عجيبة، وهكذا سهر على تربية عبد القادر إلى أن بلغ سنًّا يؤهِّله للإمساك بزمام الطريقة، فأصبح عالمًا مربيًا نَهَجَ نهْجَ أبيه في العض على مبادئ الدرقاوية والالتزام بها بشدة، وقد كان له عدد لا يُحصى من الأتباع والمريدين سواء في قبيلة أنجرا أو في قبيلتي غمارة وبني سعيد، وكان محترمًا من طرف الحُكَّام والسُّلطان، حتى إنَّ الملك الحسن الأول عندما زار مدينة تطوان في موكب رسمي سأل عنه فَقُدِّم إليه ومعه اثنان من فقراء الطريقة، يحملان تفسير والده "البحر المديد في تفسير القران المجيد"، فلما مثل بين يديه سلم إليه التفسير هدية وسلم إليه السُّلطان كيسين من النُّقود الحسنيَّة، فأخذهما الشيخ عبد القادر منه وسلمهما لوليِّ العهد آنذاك مولاي عبد العزيز الذي كان حاضرًا مع أبيه، فقال له الملك الحسن الأول: "والله لم أر زاهدًا وصالحًا مثل هذا"، وقد تزوَّج عبد القادر بن عجيبة عدة مرات وخلَّف حوالي أربعين من الأبناء، من بينهم خمسة ذكور كانوا علماء منهم: - تاج الدين، وكان مقيمًا بتازة ونواحيها مدرِّسًا، وقد قضى بها أكثر من أربعين

стр. 794

سنة عاد بعدها إلى قرية الزميج بعد وفاة والده، وقد اشتغل في القضاء بقبيلة أنجرة وخلَّف كتابًا في علم الوثائق، توفي عام ١٣٤٢ عن سنٍّ يناهز الخامسة والثمانين ودُفن داخل ضريح والده. - أحمد بن عبد القادر بن عجيبة، قضى حياته كلها في التدريس، سكن في الزميج ثم ارتحل إلى قبيلة غمارة حيث أخذ يعظ الناس ويرشدهم إلى معالم الطريق الصوفي، ثم ارتحل بعد ذلك إلى قبيلة بني سعيد حيث بنى زاوية هناك بقرية (أخليفاتن) عرفت بالزاوية الدرقاوية العجيبة، توفي عام ١٣٥٤ هـ عن سنٍّ يناهز التسعين سنة. ومن أبناء عبد القادر بن عجيبة أيضًا المأمون والأمين وعبد السلام. ويظهر أنَّ أحمد بن عجيبة كان في سعةٍ من الرزق ولديه ما يكفيه لكي يعول أسرته بكامل أفرادها، فقد كان يملك دارين عامرتين إحداهما ببني سعيد وأخرى بالزميج، كما بُنيت له ثالثة بالفحص إلا أنه لم يسكنها، يقول في فهرسته في معرض تحدُّثه عمَّا منَّ به الله عليه في هذا الشأن: "وعندي داران وهما قائمتان بالله في كلِّ ما نحتاج إليه من مطعم ومشرب وملبس، وأهلي والحمد لله أغنياء، كل زوجة لها كسوة بنات الأغنياء وفراش الأغنياء، كل ذلك من عند الله، إذ ليس عندي خراجٌ معلوم ولا راتبٌ مرتَّب إلا ما يفتح الله به من الغيب، ومع كلِّ دار زاوية معمورة بالفقراء ويخرج إليها الطعام في الصباح والغداء والعشاء، وفي كل زاوية فقيهٌ ومؤذِّنٌ مرتبان، فلله الحمد وله الشكر ... " (١).

стр. 795

ج- أثره على من بعده في العصر الحاضر لقد نال ابن عجيبة في العصر الحاضر تمجيدًا، تمثَّل هذا في كثرة الندوات (١)، والكتابات سواء من الأكاديميين أو المستشرقين، ومن هذه الندوات: - المذهب المالكي والتصوف -ابن عجيبة نموذجًا- قال عنه الدكتور محمود أي (٢): "هو عالمٌ مدقِّقٌ وفقيهٌ غير مقلِّد، حتى إنه يعتبر من أهل الترجيج"، ويقول عنه أيضًا: " لا شكَّ أنَّ ابن عجيبة من أهم الشخصيات المتميِّزة بين العلماء والصوفيين تحديدًا في القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري ... " (٣). وقالت عنه كريمة بن سعاد وهي باحثة مساعدة بمركز الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة: عارفٌ ربَّانيٌّ كبير، وعالمٌ صوفي، اجتمعت لديه عوارف العلوم والفنون، وانكشفت له أسرار الفهوم، قلَّ نظيره في بلاد المغرب، وعلا صنيعه ببلاد المشرق، وقد سلكت طريقه العديد من النفوس (٤). وكذلك من المتأثرين به أيضًا عبد السلام العمراني الخالدي الذي يطلق على نفسه خديم الطريقة العجيبية، فله مداخلة في ندوة إمام العلوم الكسبية والوهبية أبي العباس سيدي أحمد بن عجيبة، بعنوان: سيدي أحمد بن عجيبة تربيته النبوية، وعلومه الذوقية، فيقول عنه: سيدي أحمد بن عجيبة هو الشيخ الإمام، الحبر الهمام، العارف

стр. 796

الرباني والفرد الصمداني قدوة السالكين، ومنار الواصلين، الجامع بين الشريعة والحقيقة، والمتغلغل في علوم القوم، المترقِّي في الذوق والإلهام، ثم أخذ بعد ذلك يتحدث عن التربية النبوية عند ابن عجيبة (١). ومن المؤيدين لإخراج تراثه الصوفي الدكتور عبد المجيد الصغير الذي قال: جدير بأن يحظى تراث ابن عجيبة باهتمام الدارسين المعاصرين والعلماء المحققين الأكفاء، وإنَّ مسؤولية جامعة عبد المالك السعدي بتطوان لكبيرة بمعية النخبة المثقَّفة في هذه المدينة التي شهدت أعجب تجربة صوفية، تجربة ابن عجيبة التي شغلت الخاص والعام، وأشار إلى رفض ابن عجيبة لقضية الحلول والاتحاد بقوله: ليس بالغريب أن نجد ابن عجيبة وهو المتصوف والفقيه السُّنِّي الذي لم يفتأ يؤكد نفوره من نظرية الحلول والاتحاد (٢). د- امتداد الطريقة الدرقاوية . لقد كان ابن عجيبة أحد المتصوفة المعروفين بشمال المغرب (تطوان)، وقضى معظم حياته فيها إلا أن شفشاون (٣) قد تأثرت بطريقته؛ لأنه كان يتردد على شيخه البوزيدي في مدينة شفشاون في الشمال؛ فأُسِّست زاوية باسم ابن عجيبة في مدينة شفشاون في زمن ابنه عبد القادر المتوفى سنة ١٣١٣ هـ، ولا زالت هذه الزاوية

стр. 797

مفتوحة الأبواب، وكان من أبرز من نشر الطريقة العجيبية بشفشاون المفضَّل بن الحسن أزيات الخرشافي المتوفى سنة ١٣٦٠ هـ، وهو أحد مريدي عبد القادر بن عجيبة، ولذلك عُرفت شفشاون بنشاطٍ في نشر الطريقة الدرقاوية (١).

стр. 798

الفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية، ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السنة منها وفيه ثلاث مباحث: المبحث الأول: التعريف بالطريقة الدرقاوية المبحث الثاني: دوره في تأسيسها المبحث الثالث: موقف أعلام السنة من الطريقة الدرقاوية

стр. 799

المبحث الأول: التعريف بالطريقة الدرقاوية أ- التعريف بالطريقة الدرقاوية وسبب تسميتها بما أن ابن عجيبة أحد أئمَّة المتصوفة المنتسبين إلى الطريقة الدرقاوية فقد اقتضى البحث أن نقف على تعريف لهذه الطريقة, فقد سُمِّيت هذه الطريقة بهذا الاسم نسبةً لمؤسِّسها أبي عبد الله محمد العربي بن أحمد الدرقاوي الزروالي، ينتمي لجدِّه محمد بن يوسف الملقب بأبي درقة (١) من ذرية إدريس أبي العباس (٢). ولد في أوائل النصف الثاني عشر بقرية بني عبد الله من قبيلة بني زروال سنة ١١٥٠ هـ، وتوفي عام ١٢٣٩ هـ، عُرف بكثرة زيارته لأضرحة الأولياء (٣) طوافًا عليهم (٤)، وهذه العقيدة راسخة عند العربي الدرقاوي فلقد لبث طويلًا يبحث عن شيخ مربي ليسلك على يديه طريق الصوفية، وأخبر عن نفسه أنه ختم القرآن ستين مرة عند ضريح المولى إدريس بفاس، وتضرع بالدعاء حتى أجاب الله دعاءه

стр. 800

والتقى بعلي العمراني الملقب بالجمل (١) بمدينة فاس سنة ١١٨٢ هـ، هو ابن ثلاث أو أربع وعشرين سنة تقريبًا (٢)، فهو يعتبر الشيخ ضرورة للمريد فيقول: "من لا شيخ له فالشيطان شيخه، ومن لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا شيخ له فهو بطَّال" (٣). ولا شك أنَّ من الباطل تخصيص مكان للعبادة بطريقة غير مشروعة بالكتاب والسُّنَّة وفق منهج السَّلف الصالح الذين عبدوا الله حق عبادته ولم ينقل عن أحد منهم أنه خصَّ مكانًا دون آخر كما يفعل ذلك بعض الصوفية في الزوايا (٤) والأربطة (٥)؛ ليُجعل بعد ذلك سُنَّة يقتفيها كل أتباع الطرق الصوفية. قال ابن الجوزي مبيِّنًا ما عليه الصوفية من إحيائهم الزوايا بالعبادة: "أمَّا بناء الأربطة فإنَّ قومًا من المتعبِّدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبُّد وهؤلاء إذا صحَّ قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه: أحدها: أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد. والثاني: أنهم جعلوا للمساجد نظيرًا يُقلِّل جمعها.

стр. 801

والثالث: أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد. والرابع: أنهم تشبَّهوا بالنَّصارى بانفرادهم بالأديرة. والخامس: أنهم تعزَّبوا (١) وهم شباب وأكثرهم محتاجٌ إلى النكاح. والسادس: أنهم جعلوا لأنفسهم علمًا ينطق بأنهم زُهَّاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم ... وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كدِّ المعاش متشاغلين بالأكل والشُّرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كلِّ ظالم ولا يتورَّعون من عطاء ماكس، وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ووقفوا عليها الأموال الخبيثة" (٢). والأدلة مستفيضة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس على تحريم ذلك. أ من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣). ووجه الاستدلال بالآية عمومها؛ إذ الاسم الموصول بصلة عامة يعم بعمومها حتى يرد تخصيصه، فكلُّ مسجد شارك مسجد سبب النزول في التفرقة والضرر كان كهو في الحكم ... فسبب النُّزول لا يخصص الدليل العام كما هو معلوم في الأصول، ولما كانت القباب والزوايا أعظم ضار ومفرق أخذت بذلك حكم مسجد الضرار (٤).

стр. 802

ب من السُّنَّة: قال ﷺ : «اشتد غضب الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢). وقال: «لا تتخذي قبري وثنًا» (٣). قال ابن عبد البر ﵀: "الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنمًا كان أو غير صنم، وكانت العرب تُصلِّي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله ﷺ على أُمَّته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم كانوا إذا مات لهم نبيٌّ عكفوا حول قبره كما يُصنع بالصنم، فقال ﷺ : اللهم لا تجعل قبري وثنًا يصلى إليه، ويُسجد نحوه، ويُعبد فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله ﷺ

стр. 803

يُحذِّر أصحابه وسائر أُمَّته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدًا، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبي ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم من امتثال طرقهم" (١). ج- من الإجماع: "لا يتردد مؤمنٌ يعلم هذا في تحريم ذلك، ولا يعتبر من الخلاف ... وما خالف فيما نُقل عن العلماء إلا يحيى الزيدي (٢) حيث قال: " يجوز بناء القباب والمساجد على قبور أهل الفضل لاستعمال المسلمين ذلك، ولم ينكروه" (٣)، ولكن لا يلتفت لقوله، ولا يقدح في الإجماع بل الإجماع قادح فيه. ويُرَدُّ على هذا المخالف من سبعة أوجه: أولًا: مخالفته لما جاء عن رسول ﷺ كما تقدَّم في حديث اللَّعن واشتداد الغضب وغيرهما من أمر رسول الله ﷺ بهدمها وتسويتها. ثانيًا: مخالفته لفعل رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤). والآية دالَّةٌ على عدم جواز مخالفة أمر رسول الله ﷺ ونقض الإجماع. قال ابن كثير ﵀: "ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ ،

стр. 804

فصار في شقٍّ والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبيَّن له واتضح له، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأُمَّة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيِّهم" (١). ثالثًا: مخالفته للصحابة ﵃ حيث لم يفعلوا. رابعًا: مناقضة فهمه لما فهمه رسول الله ﷺ وصرح به من أنَّ ذلك النهي في قبور الأنبياء والصلحاء الذي قيّد به هو النهي. خامسًا: مخالفته لما عليه سلف الأُمَّة وعلمائها. سادسًا: فتحه بفتواه باب عبادة الأوثان كما يُرى موجودًا أو حاضرًا بكلِّ ذي بصر وبصيرة. سابعًا: مخالفته لما خاف رسول الله ﷺ على أُمَّته من التشبه باليهود والنصارى وغيرهم بفتواه التي تدلُّ على أنه لا خوف عليهم من ذلك (٢). د- من بالقياس: أنَّ ضرر مسجد لآخر يُنقص جماعته وعمارته، وكذلك هذه الأبنية التي حالت بين السواد الأعظم من المسلمين وبين مساجدهم وبيوت ربهم وجرَّتهم إلى الويلات وعبادة الأوثان فيها والسجود والركوع إلى العظام النخرة بها، وسؤال الحوائج التي لا يقدر عليها إلا الله من رممهم البالية وتعظيمهم كتعظيم الله والتقرُّب

стр. 805

إليهم بالأموال، والذبائح، وعقر الحيوان وتسييبها لهم، واعتقاد أنَّ الله رهن إشارتهم، وطوع أيديهم، وأوامرهم، وأنَّ المجيء إليهم لا يخشى من ربٍّ ولا مربوب، وإن فعل ما فعل (١). وإذا كان شأن هذه البيوت والقباب والزوايا هو نفسه شأن مسجد الضرار فإنها تُلْحَقُ به بجامع الضرر المتحقِّق من قبلها. ب- الطريقة الدرقاوية وانتشارها ١ - الطريقة الدرقاوية: عُرفت بطريقة خرق العوائد (٢) (٣)، ومثَّلها العربي الدرقاوي، وتلميذه البوزيدي، وأحمد بن عجيبة، وهي تدعو إلى تصوف عملي اجتماعي يشارك في الحياة السياسية والاجتماعية، ويرجع في ذلك الكتاب والسُّنَّة وسيرة السلف الصالح في الأقوال والأفعال والعبادات (٤)، وكانت لها شارات عرفت بها سلوك الطريقة الدرقاوية وهي: لبس المرقعة (٥)، وتقلُّد السبحة ذات الحبَّات الخشبية الكبيرة، ويلفُّونها حول أعناقهم، وحمل العصا في اليد (٦). وقد اشتهر الدرقاويون بالذكر جهرًا واعتبروه أساسًا في طريقتهم، وقد

стр. 806

استحسنه العربي الدرقاوي (١)، ووصف المعسكري الذكر عند العربي الدرقاوي بقوله: كانت حلقات الذكر عنده هي أسس الوسائل وأسمى الفضائل (٢). ولا شكَّ أنَّ إطلاق مرجعيتها إلى الكتاب والسُّنَّة يتنافى مع واقعهم الاعتقادي والسُّلوكي، فكيف بمن كانت عقائدهم الحلول ووحدة الوجود، وتقديس الأولياء، والاعتقاد فيهم أنهم يعلمون الغيب، ويتصرفون في الكون، وأنَّ فيهم أقطابًا وأوتادًا يستغاث بهم من دون الله ، ومؤلفاتهم تدينهم بالضلال، كيف يجتمع هذا مع ادعاء الرُّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة؟ ولهذا لا يرتاب المسلم في أنَّ أصحاب هذه الطرق خارجون عن السُّنَّة بعيدون عنها، فمن ادَّعى أن عمله وفق سيرة السَّلف الصالح فليأت بدليل ولن يجد، فهؤلاء القوم حينما غلب عليهم الهوى مع الجهل بطريقة أهل السُّنَّة، توهموا أنَّ ما ظهر لهم بعقولهم هو الطريق القويم دون غيره، فساروا عليه، فحادوا بسببه عن الطريق المستقيم، فهم ضالون من حيث ظنوا أنهم راكبون للجادة، كالذي يمر بالليل على الجادة، وليس له دليل يهديه، فيوشك أن يضل عنها فيقع في متاهة، وإن كان بزعمه يتحرَّى قصدها، فالمبتدع من هذه الأُمَّة إنما ضلَّ في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة، لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله (٣). قال البربهاري ﵀: "واعلم أنَّ الناس لو وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يجاوزوها بشيء، ولم يولدوا كلامًا مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃ لم تكن بدعة" (٤).

стр. 807

٢ - انتشار الطريقة الدرقاوية داخل المغرب وخارجه. انتشرت الطريقة الدرقاوية في المدن والبوادي المغربية، وكانت تضم في سنة ١٩٣٩ م حوالي ٣٣٩٥٦ ألف تابع في المغرب موزعة على الشكل الآتي (١): المنطقة عدد أتباع الدرقاويين وجدة (٢) ٢٥٨٨ تازة (٣) ٢٨٥٧ فاس ٤٧٨١ مكناس ١٠١٨ القنيطرة (٤) ٦٩٧

стр. 808

الرباط (١) ٩٨٩ الدار البيضاء (٢) ٤٠٥٠ الجديدة (٣) ٣٠٦١ أسفي ٩٦١ مراكش ٧٧٩٢ وسط الأطلس (٤) ١٣٢٩ تافيلات (٥) ١٧٧٩

стр. 809

مناطق الحدود المغربية الجزائرية ٢٠٥٤ المجموع ٣٣٩٥٦ (١) وكانت الجزائر في أواخر القرن الثامن عشر أرضية خصبة لنشر الطريقة الدرقاوية؛ لسوء الأوضاع السياسية والاجتماعية، والاقتصادية (٢)، ولهذا شكَّلت الجزائر بالنسبة للدرقاويين بلادًا لنشر دعوتهم والبحث عن مريدين جدد وسط السكان المستائين من حكم العثمانيين، فأصبح شاذلية الجزائر يُعرفون بالدرقاويين خاصة بغرب البلاد، فهم يمثِّلون الفرع المغربي للشاذلية (٣).

стр. 810

المبحث الثاني: دوره في تأسيسها سلك ابن عجيبة الطريقة الدرقاوية عام ١٢٠٨ هـ، عندما التقى بشيخه البوزيدي، لكن ابن عجيبة كان ميَّالًا للفكر الصوفي قبل هذا التاريخ فابن عجيبة "لم يجعل من تلك السَّنَة تاريخًا لانتسابه للتصوُّف، وتفضيله على الميادين الأخرى، بل إنَّ مقصوده أنه في هذه السَّنَة (١) اتخذ له شيخًا مربِّيًا، وإلا فإنَّ ميله إلى الفكر الصوفي كان منذ الصغر" (٢). ودلَّ على ذلك أنه ذكر سبب بداية انتقاله من العلم إلى العمل أنه وجد نسخة من كتاب الحكم لابن عطاء الله ثم نسخها وطالع عليها شرح ابن عباد (٣)، ثم حُبِّبت له الخلوة والتعبُّد في مقامات الصوفية، وقد عزم على الطلوع إلى ضريح عبد السلام بن مشيش بالجبل للتعبُّد، لكنه عدل عن ذلك (٤). ثم ذكر بعد ذلك تحوله الكامل إلى الطريقة الدرقاوية الشاذلية، فلقد التقى بالشيخ، وأخذ عنه علم الباطن سنة ثمان ومائتين وألف، ثم التقى بالشيخ مولاي العربي، وسيدي محمد البوزيدي، مرة أخرى في زروال ومكث عندهم ثلاثة أيام يتدارسون التصوف، فتأثَّر بهم ابن عجيبة، ثم قال لشيخه البوزيدي: "أنا من أصحابك" (٥).
следующие страницы →