Полный текст (488 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ومما ينبغي التنبه إليه هنا أن الأحوال السياسية التي أشرنا إليها مع الدول سيما مقاصد ألمانيا لا يمكن أن تخفى على أمة عاقلة مثل الفرنساويين فكيف مع ذلك أقدموا على تبوؤ تونس مع كون الفائدة التي تحصل لهم منها لا توازي ما ذكر سيما إذا كان المعاهدة مع تونس التي ذكرناها تجري حقيقة على ظاهرها فالجواب أم كثيراً من عقلاء الفرنسيين قد نددوا على دولتهم وما زالوا في الاعتراض عليها لكنها بعد الوقوع في الأمر المتسبب عن تهور ممن بيدهم مقاليد السياسة حتى اتهمهم مضادوهم من نفس الفرنسيين بان لهم في ذلك أرباحاً ذاتية من التجارة في الرقاع الدولية وموهوا على العامة بالانتصار لحفظ ناموس فرنسا، فبعد ذلك صعب على الدولة إهمال سعيها ما خسرته من الأموال المتجاوزة مائة مليون ومن الرجال الذين ماتوا بالحرب مع الأعراب والأمراض المتجاوزين خمسة وثلاثين ألفاً فرأت فرنسا التحفظ على ما وقع مع السعي في حسن السلوك الذي يخفف أو يدفع عنها الغوائل المنتظرة ثم وراء ذلك أمر مهم جداً لفرنسا وهو طمعها في إحداث مملكة عظيمة في إفريقيا مثل ما للإنكليز في الهند فتريد أن تمتد من الجزائر إلى ما جاورها شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى دواخل إفريقيا والسودان وتصل بين شاطئ إفريقيا الغربي في سانيغال والشرقي في الجزائر وتونس حتى رسمت جمعية فرنساوية رسماً لخط الحديد في ذلك ولو يتم هذا يكون لفرنسا شان عظيم غير أن القياس على الهند الإنكليزي هو قياس مع الفارق لا من جهة سياسة الفرنساويين في مستعمراتهم من حيث قلبها إلى عوائد الفرنسيين وإناطتها الإدارة في الكليات والجزئيات بباريس ولا من حيث أخلاق الأمم المستوطنين بإفريقيا والمتسوطنين بالهند، وغن شئت الوقوف على برهان ذلك فانظر ما حررناه في أحوال الجزائر وفي أحوال الهند وفي سياسة كل من الدولتين تتبين لك حقيقة الحال وبما ذكرناه هنا يندفع الاعتراض على ما ذكرناه في سياسة تونس الخارجية من كون فرنسا لا تريد الاستيلاء عليها مع كون أعمالها ناقضت ذلك وشرح الدفع يؤول إلى أن الحامل لدولة فرنسا على مخالفة ما سبق من مقاصدها في تونس شيئان أحدهما سياسي ظاهري والآخر خصوصي باطني، فالباطني هو المشار إليه بما وقع من التهمة في نفع الأفراد الذي يأتي له مزيد شرح في مبحث الأحكام، والظاهري هو أن الدول قد تغيرت أفكارهم بالنسبة لمحافظة الدولة العثمانية منذ عقد معاهدة برلين فدلت أعمالهم على أن من ناسبه شيء منها وكانت له قدرة على حوزه بادر إليه وغض عنه النظر بقيتهم إذا كان المحوز أكثر مناسبة بالحائز وقد علمت مقاصد فرنسا ف يتونس ورأت أن إيطاليا لها من المقاصد والمناسبات ما يزاحمها ثم رأت سيرة ابن إسماعيل وانه غير أمين فلا يبعد أن يفعل مع إيطاليا أو غيرها من الدول ما فعل معها لخوف أو طمع مع تيسر إجراء الأمور بواسطته فانتهزت الفرصة خوفاً على درجة نفوذها فبادرت قبل أن تبادر إيطاليا، ومن المعلوم أن السياسة تدور مع الأحوال الحاضرة ولله عاقبة الأمور".
إلى هنا انتهى الذيل الذي كتبه صاحب الصفوة.
ما بعد الحماية
لم يحدث في المدة التي أعقبت الحماية حوادث ذات أهمية لقصر المدة التي ما بين الاحتلال وانتقال موقع الحماية إلى الدار الآخرة.
ومن المتوقع أن معاهدة المرسى كانت مهيأة لأن يوقعها موقع معاهدة باردو وغنما عاجلته المنية أو هي مخبأة لمن يأتي بعده.
عاش المشير الثالث محمد الصادق باي بعد إعلان الحماية إلى سنة ١٢٩٩.
وهذا ما جاء في الرائد الرسمي إخباراً بوفاته في العدد (٥٠) المؤرخ يوم الأربعاء ٢٠ ذي الحجة ١٢٩٩.
قسم غير رسمي
في السبت الفارط ١٦ ذي الحجة (١٢٩٩) فجع القطر التونسي وتزعزعت أركانه بفقد غرة جبينه، وصادقه وأمينه، المولى الجميل الذكر المشير محمد الصادق باشا باي هطلت عليه سحائب الرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، وقد أسفت السكان على اختلافهم من فقده وأفول بدره، برد الله ثراه وأولاده من نعيم الجنة ما أولاه.
وجاء في نفس العدد المذكور: (هذا ولما بلغ نعيه مسامع ضو الشجرة الحسينية الثابتة الأصل المباركة المولى المعظم الأرفع سيدنا علي باشا باي أقبل للجلوس علة الدست الحسيني وقبول المبايعة الخاصة حيث كان ولي عهد المقدس.
стр. 142
وعندما وصل جنابه إلى سراية المرحوم انعقد موكب خاص حسب العادة المألوفة فيما بين الآل الحسيني مؤلف من جنابه أيده الله والوزير الأكبر، وبقية الوزراء الفخام، والمجلس الشرعي وبايعه الحاضرون.
وقد حضره الهمام الأفخم مسيو كامبون وزير الدولة للجمهورية الفرنسية المقيم بحاضرة تونس وتلا خطاباً بالنيابة عن دولته المحترمة وتأتي ترجمته) .
ولما لهذا الخطاب من أهمية توضح مرامي فرنسا في ابتلاع النفوذ التونسي بعنوان إجراء الإصلاحات التي خطوتها الأولى معاهدة المرسى ننشره توضيحاً لخطى الحماية الفرنسية التي أرادت ذوبان الذاتية التونسية خطوة خطوة، ولولا لطف الله تعالى بالحصول على الاستقلال لاضمحلت الأمة التونسية.
ونصه: قد جئت أنا (أي كامبون) في حق الجمهورية الفرنسوية الحبيبة الحامية للملكة التونسية نشارك حضرتكم في الحزن الذي أصابكم في أعز أوديكم كذا.
ونغتنم فرصة ولايتكم لنحقق احترام وصادقتي لحضرتكم.
ونعرف حضرتكم باليقين أنها تقدر أن تستند على فرنسا كذلك.
والدولة الفرنساوية تعتمد على العلامة المشهورة التي برهنت بها حضرتكم عند الموافقة بجوار عساكرنا.
وإحساس هذه الثقة التامة الموجودة ما بين الدولتين في بعضهم بعضاً يعجل، وهذا عندي محقق، إجراء الإصلاحات اللازمة للغاية.
وما عطل حضرة محمد الصادق على شروعها إلا حضور أجله.
وبحول الله يعود لهذه البلاد غناها وثروتها السابقة.
هذا هو الدعاء الذي ينفتح به ملك حضرتكم، وهذا هو المرغوب الذي دائماً نعين حضرتكم لاتصاله فيما يخصني، وأنا جاعل نصب عيني فائدة العامة من دون التفات إلى اختلاف الجناس لهذه الأمة التي منذ اليوم ترأسها حضرتكم والتي فرنسا تحامي عليها.
وأجاب الأمير علي باي على هذا الخطاب بما لفظه.
نستكثر خير الدولة الفخيمة الجمهورية كثيراً على ما نتحققه من وثيق صداقتها، وخير جنابكم الذي نتحقق جميل وساطته.
وبجانب هذا الخطاب نجد فقرة أحدهم بهامش نسخة من النزهة الخيرية توضح كيف أن المتولي الأول في عهد الحماية لم يتقدم للإمارة إلا بعد أن توثق منه المقيم العام بأنه ملزم بتوقيع المعاهدة التي تعتزم عقدها فرنسا.
وهذا نص ما كتبه بعضهم في النزهة الخيرية لسنة ١٢٩٩ تعليقاً على اسم الباي: توفي سيدنا محمد الصادق باشا ليلة السبت السادس عشر من ذي الحجة الموافق للسادس من أكتوبر سنة (١٢٩٩) على أن عمره تسعون سنة والصواب أن عمره سبعون سنة كاملين كذا) .
وفي صبيحة السبت توجه كامبون وزير فرنسا المقيم بالحاضرة، والسيد محمد الوزير الأكبر، والشيخ العزيز بوعتور باش كاتب إلى سانية علي باي بالمرسى وعزوه في أخيه، وطلبوا منه القدوم معهم إلى باردو، فقدم مع كامبون وأولاده عوض أخيه على شرطها عليه، وقبلها منه وتركا في السراية منفردين ما يقرب من أربع ساعات منفردين للمفاوضة لقبول البيعة من الحاضرين.
ثم قبل الزوال بنصف خرج مصاحباً لكامبون عن يمينه وأجلسه على الكرسي وقبل البيعة قرأها إلياس بالنيابة عنه قبل جلوسه.
هذا التعليق لم يذكر كاتبه اسمه والظاهر انه من المتصلين بالحكومة ومن خواص الصادق باي، وتعليقه هذا يشرح لنا كيف جلس علي باي على دست الإمارة وأنه لم يجلس إلا بعد توثق كامبون من انه لا يمانع فيما يملى عليه في المستقبل.
الأمير علي باي
١٢٩٩ ١٣٢٠ افتتح عهده باستقالة الوزير محمد بفتح الميم خزنة دار واستقالته مبنية على ما رآه من مرامي فرنسا لابتلاع الذاتية التونسية.
فبعد أسبوع من جلوس هذا الأمير قدم الوزير المذكور استقالته.
جاء في الرائد التونسي عدد ٤١ سنة ٢٤ بتاريخ يوم الأربعاء ٢٧ من ذي الحجة (١٢٩٩) ونوفيمبر (١٨٨٢) تحت عنوان: استعفاء جناب الوزير الأكبر سيدي محمد وبعد الإشادة بأعمال هذا الوزير جاء خبر تولي خلفه: وفي يوم السبت الفارط دعا مولانا جناب أمير الأمراء الشيخ سيدي محمد العزيز بوعتور فقلده الوزارة الكبرى.
وكانت فاتحة الأعمال معاهدة المرسى في أواخر جمادى الثانية من سنة ١٣٠٠ وفي ٨ ماي من سنة ١٨٨٣.
стр. 143
خولت هذه المعاهدة حق الحماية للدولة الفرنسية بفصلها الأول الناص على أن الغرض هو إتمام الحماية لذلك يتكفل الباي بإدخال الإصلاحات الإدارية والعدلية التي ترى حكومة فرنسا الفائدة في إدخالها.
لذلك كانت الحكومة التونسية بالباي والوزير الأكبر آلة تنفيذ لما تراه الحكومة الفرنسية من تقييد للحكومة التونسية بعنوان الإصلاحات.
ولم تمض إلا مدة وجيزة على معاهدة باردو حتى استصدرت الحكومة الفرنسية أمراً من الباي في إنشاء الكتابة العامة كما في منتخبات الرائد التونسي المبدوءة من ١٢٩٩ إلى ١٣٠٠ ويوافق التاريخ المذكور لإصدار أمر الكتابة العامة ٤ فيفيري سنة (١٨٨٣) ومن ذلك الحين والسلطة التونسية في ذوبان والسلطة الفرنسية في تركيز وتثبيت إلى أن جاءت الخطوة الحاسمة بالاستقلال.
وهذا الباي من أطول الملوك الحسينيين عمراً إذ عمره (٨٧) سنة فقد ولد سنة (١٢٣٣) وتوفي سنة (١٣٢٠) .
ابنه الأمير محمد الهادي باي
١٣٢٠ ١٣٢٤ كان فيه انكماش عن فرنسا مما أدى إلى نفار بينه وبين بعض رجال دولته.
وقد أراد هذا الأمير الأخذ بيد العلوم الإسلامية فحضر بعض أختام الحديث سنة ولايته، واعتنى بطبع بعضها وهي التي ختم بها سنة (١٣٢٠) .
الأمير محمد الناصر باي
١٣٢٤ ١٣٤٠ عاش هذا فترة من التاريخ التونسي تعد من فتراته الانتقالية سواء بالنسبة لتونس خاصة أو بالنسبة للعالم.
أما بالنسبة للعالم فقد نشبت الحرب العالمية الأولى في سنة (١٩١٤ ١٩١٨) التي شاركت فيها أكثرية من دول العالم وانقسم المتحاربون فيها إلى قسمين الحلفاء ودول الوسط تتزعمهم ألمانيا.
ونتج عن هذه الحرب وود دول عربية، وبدأ العالم العربي يعتمد على نفسه دون الاتكال على الخلافة التي انتهى أمرها (١٢٢٤ م) .
كما أن مبادئ ولسن الرئيس (٢٧) الربعة عشر التي أعلنها في سنة (١٩١٨) م والتي منها تقرير المصير حركت مشاعر الحرية.
وأما بالنسبة لتونس فإن هناك نهضة نشأت من عوامل مختلفة منها: التحاك بالغرب.
والنهضة العربية التي أيقظتها الأحداث فأرادت مسايرة ركب الحضارة.
وسقوط الخلافة الذي بعث هزة في تونس حيث أدرك التونسيون أنه لا اعتماد للشعوب إلا على نفسها.
والتأثر بالحركات الوطنية في الخارج.
الحركة التونسية في الخارج التي ابتدأها الشيخ إسماعيل الصفائحي (١٣٣٧) والشيخ صالح الشريف (١٣٣٨) ، ومحمد باش حانبة (١٣٣٦) .
ومن الأحداث في مدة هذا الأمير بدء الحركة السياسية فقد تأسس الحزب الحر الدستوري اختفاء ثم إعلاناً.
ومن بواكير أعماله وفد الأربعين الذي أعلنت فيه المطالب التونسية وأم هذا الوفد الأمير محمد الناصري باي.
وتلكم عن وفد الربعين الزعيم التونسي الجزائري احمد توفيق المدني في مذكراته حياة كفاح فقال ما ملخصه: لم يكن من المنطق السليم أن يذهب الوفد التونسي إلى باريس لعرض رغائب تونس دون أن يقع عمل مشابه لذلك لعرض القضية على سمو باي تونس وإشراكه في المسؤولية.
وتركب الوفد من مجموعة تمثل كافة طبقات الشعب التونسي.
ثم يقول: وأسندت رئاسته لعالم من أكرم العلماء ومدرس من أفضل المدرسين هو الشيخ الإمام محمد الصادق النيفر الذي أشهد أنه أبلى البلاء الحسن وناضل النضال المجيد.. في سبيل القضية التونسية.
وأعلن وفد الأربعين المطالب التونسية في ٢ شوال سنة ١٣٣٨ وفي ١٩ جوان سنة ١٩٢٩.
وسافر في شهر جوان من السنة المذكورة الوفد الأول الدستوري الممثل للجنة التنفيذية.
فتشكلت الحركة بشكل حركة منظمة منبعثة للعمل في الداخل والخارج، وقد نبهت المستعمر أن الشعب التونسي ليس بالشعب النائم، إذ أخذ ينقض عنه ما تراكم من تلك القرون المظلمة فأصبح يحسب له حسابه.
الأمير محمد الحبيب باي
١٣٤٠ ١٣٤٧ من أهم الأحداث في مدته أنه بادر إلى التوقيع على الإصلاحات التي قدمها له المقيم فيما يخص تعويض المجلس الشوري بمجلس يسمى المجلس الأكبر.
والفرق بين المجلسين غير كبير فمجلس الشورى كان يتركب من قسمين فرنسي وأهلي هكذا كانوا يعبرون عن القسم التونسي.
وبتركب القسم الفرنسي للمجلس الشوري من (٣٦) عضواً.
والقسم التونسي المعبر عنه بالأهلي من (١٦) عضواً يعينون كل أربع سنوات.
стр. 144
وانظر أسماء الأعضاء التونسييين في السنة الحادية عشرة من الرزنامة التونسية ص١٤٢.
وأما المجلس الأكبر فأعضاؤه الفرنسيون (٤٤) والتونسيون (١٨) .
وجاء تفصيل تركيب المجلس التونسي المسمى بالأهلي في السنة الأولى للتقويم التونسي ص (٤٧) ومكان التوقيع على هذه الإصلاحات في ١٣ جويلية سنة (١٩٢٢) .
وثارت حول هذه الإصلاحات ضجة كبرى بسبب النظرة إليها، وبسبب دخول بعض الوطينن في انتخابات هذا المجلس.
واسم هذا المجلس (مجلس المملكة التونسية الأكبر) .
الأمير احمد باي
١٣٤٧ ١٣٦١ في طالعة ما حدث في مدته تأسيس الديوان السياسي الذي كان الطريق إلى الاستقلال التام .
وابتدأت الحركة التي نتج عنها تأسيس الديوان السياسي وهي ناتجة عن حدثين هامين فيهما طعن للإسلام وطعن للوطن.
الحادث الأول المؤتمر الأفخارستي بعاصمة تونس في سنة (١٣٤٨) (١٩٣٠) الذي تبرأ من المشاركة فيه شيخ الإسلام الحنفي ورئيس المفتين المالكي.
والحادث الثاني هو ذكرى الاحتلال لتونس الذي لم يتم.
وفي سنة (١٩٣٢) أسس الأستاذ الحبيب بورقيبة جريدة (العمل التونسي) .
وتبلورت الحركة الوطنية بتأسيس الديوان السياسي (١٣٥٢) وفي مارس (١٩٣٤) .
الأمير المنصف باي
١٣٦١ ١٣٦٢ هو أول أمير خلع حياً من الأمراء الحسينيين خلعته السلطة الفرنسية إثر دخول الحلفاء إلى تونس، ونفي إلى الخارج.
ويمتاز هذا الأمير بأنه تزعم الحركة الوطنية في مدة إمارته.
وتوفي في منفاه في (بو) سنة (١٣٦٧) (١٩٤٨) .
الأمير محمد الأمين باي
١٣٦٢ ١٣٧٦ جرى في عهده كثير من الأحداث حيث إن الشعب التونسي كان شعباً ناضجاً فمن أهم هذه الأحداث.
نهضة الزيتونة
فقد تقدمت الزيتونة التي أصبحت تتمتع بمثل ما تتمتع بع بقية المؤسسات التعليمية لأنها كان منظوراً إليها بعين غير العين التي ينظر بها إلى المؤسسات المضطلعة بمهمة تعليمة كبرى.
الاستقلال الداخلي
وقامت في أيامه الثورة التونسية بالمقاومة المسلحة.
وبعد جهاد محكم نالت تونس استقلالها الداخلي إذ أعلن منداس فرانس رئيس الحكومة الفرنسية استقلال تونس الداخلي، في ٣٠ ذي القعدة سنة (١٣٧٣) وفي ٣١ جويلية (١٩٥٤) .
وأعقب إعلان الاستقلال الداخلي تكوين وزارة تفاوضية لإرساء الاستقلال الداخلي ونجم عن ذلك الحركة اليوسفية لمقاومة الوضع الجديد، ولكنها لم تعمر طويلاً.
الاستقلال التام
وأعلن الاستقلال التام في ٧ شعبان (١٣٧٥) و٢٠ مارس (١٩٥٦) .
افتتاح المجلس التأسيسي
وفي ٢٦ شعبان ١٣٧٥ وفي ٨ أفريل ١٩٥٦ اجتمع المجلس التأسيسي لسن دستور البلاد التونسية.
وهو أول مجلس شعبي في البلاد التونسية، وكان يوم افتتاحه يوماً مشهوداً.
وانتخب الرئيس الحبيب بورقيبة رئيساً له.
وكان من مبادراته أنه أعلن في أول فصوله الأولى أن تونس دينها الإسلام ولغتها العربية.
ولكون المجلس التأسيسي أول مجلس انتخابي في هذه الديار اعتنت بذلك الصحافة اعتناء زائداً.
من ذلك أن جريدة الزيتونة استجوبت عدداً من المرشحين لإبداء آرائهم في هذا الحدث العظيم في تاريخ تونس، وفيما سيقدمه هذا المجلس.
وكان من المستجوبين المحقق لهذا الكتاب محمد الشاذلي النيفر، وقد ركز في إجابته على أن يكون الدستور التونسي كما يأتي.
(لا مناص من أن يكون الدستور التونسي متماشياً مع مقتضيات الزمن كما انه يربط قافلتنا بالعالم الإسلامي والعالم العربي، ورائده الإسلام) .
الزيتونة عدد ٨ من السلسلة الجديدة.
أول وزارة العهد الاستقلالي
تشكلت أول وزارة في عهد الاستقلال برئاسة الرئيس الحبيب بورقيبة وهي أول وزارة تضم ستة عشر وزيراً.
وكان وكيل رئيس الحكومة الأستاذ الباهي الأدغم.
وكان ذلك (في ٤ رمضان ١٣٧٥) و (١٥ أفريل ١٩٥٦) .
وتم على يدها في أوائل عهدها تركيز الذاتية التونسية في الديبلوماسية، والمن والجيش، والاقتصاد والمالية، مما طوى لها مراحل في أمد قصير، ولولا تلك الخطوات الجزيئة لما تم ذلك فإن الوزارة الاستقلالية استثمرت بعض المواقف فتوسعت في فهم وثيقة الاستقلال، وبذلك انقلب الوضع رأساً على عقب بالنسبة للدولة الحامية فانفلت زمام المر من يدها.
стр. 145
وأصبت تونس بعد تلك الجرأة السياسية البرعة لا يقيدها قيد في استقلالها على حسب إرادتها لا إرادة الحامية السابقة وهي فرنسا.
إعلان الجمهورية
أرادت تونس استكمال نظامها السياسي المختار علاوة على حريتها التي نالتها بجهادها المتواصل.
ولم يحدث يوم إعلان الجمهورية ما يصاحب عادة الانتقال من نظام إلى نظام منم سفك دماء، وهزات شعبية، إذ جرى إعلان الجمهورية في رحاب مجلس منتخب أعلن بالإجماع الجمهورية وإلغاء الملكية.
وعبر الكثير من الأعضاء في الجلسة التي أعلنت الجمهورية عن آرائهم في الجمهورية يوم الخميس ٢٦ ذي الحجة ١٣٧٦ وفي ٢٥ جويلية ١٩٥٦.
وقد ساهم كاتبه في الجلسة التاريخية فعلان الجمهورية بكلمة لخصتها كتابة الأخبار والإرشاد في كتابها الأول: ثقف نفسك في السياسة بما يلي:
فحوى كلمة الشيخ محمد الشاذلي النيفر
(لقد جعل الإسلام الكلمة للشعب في اختيار من يرتضيه لحراسة مصالحه، والذود عنها، ولهذا جعل الخلافة شورى، فقد كان المسلمون أحراراً في اختيار خليفتهم.
وقد ربى الإسلام المسلمين على أن يفهموا أن الشورى جزء لا يتجزأ من الحكومة وجزء لا ينفصم من الأمة، حتى أنه قرر مبدأ الشورى في حق من عصمه الله تعالى، وهو سيدنا محمد ﷺ .
وإن هذه الأمة حين أخذت طريقها السوي وأنقذت نفسها من استعمار غاشم قد أرادت لنفسها نظاماً يضمن لها أن تكون أمة في مصاف الأمم الناهضة بحق وجدارة.
فحين نختار اليوم النظام الجمهوري لا نرمي من وراء ذلك الاختيار إلى أية غاية إلا أن نكيف الدولة ونينيها بناء لا يتسرب إليه الخلل على تعاقب الأيام) .
وفي تلك الجلسة التاريخية أصدر المجلس القومي التأسيسي برئاسة جلولي فارس رئيس المجلس القومي التأسيسي القرار التالي المتضمن لإعلان الجمهورية وانتخاب رئيس لها وهو فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة.
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن نواب الأمة التونسية أعضاء المجلس القومي التأسيسي بمقتضى ما لنا من نفوذ كامل مستمد من الشعب.
وتدعيماً لأركان استقلال الدولة وسيادة الشعب.
وسيراً في طريق النظام الديمقراطي الذي هو وجه المجلس في تسيطر الدستور.
نتخذ باسم الشعب القرار التالي النافذ المفعول حالاً: أولاً: نلغي النظام الملكي إلغاء تاماً.
ثانياً: نعلن أن تونس دولة جمهورية.
ثالثاُ: نكلف رئيس الحكومة السيد الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر ريثما يدخل الدستور في حيز التطبيق ونطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية.
رابعاً: نكلف الحكومة بتنفيذ هذا القرار وباتخاذ التدابير اللازمة لصيانة النظام الجمهوري كما نكلف كلاً من رئيس المجلس والأمين العام لمكتب المجلس والحكومة بإبلاغ هذا القرار إلى الخاص والعام.
أصدرناه في قصر المجلس بباردو يوم الخميس في ٢٦ ذي الحجة سنة ١٣٧٦ وفي ٢٥ جويلية سنة ١٩٥٧ على الساعة السادسة مساءً.
جلولي فارس رئيس المجلس التأسيسي ختمت الملكية بتونس في آخر سنة ١٣٧٦ وانتقلت البلاد إلى العهد الجمهوري برئاسة فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة رئيسها الحالي أجرى الله على يديه الخير موفقاً لما فيه رضاه بنهضة إسلامية لهذه البلاد مركز الإشعاع الإسلامي.
الوزارة التونسية
رأت البلاد التونسية تقلبات متعددة في أطوار مختلفة فبعد أن كانت عضواً في الخلافة الإسلامية سواء في الطور الأموي، أو الطور العباسي استقلت استقلالً داخلياً من الخلافة العباسية، إلى أن انفصلت عن الخلافة وأصبحت دولة تناوي الدولة العباسية وفي ذلك الطور كان هيكل الدولة مكتملاً بكل رجال الدولة.
وجاءت صنهاجة بنظامها، وكذلك الدولة الحفصية إلى أن رزحت تونس تحت الحماية الإسبانية، ثم جاءت الدولة العثمانية فأصبحت البلاد التونسية ولاية عثمانية ففقدت المقومات التي للدولة، ومنها الوزراء.
ثم أخذت تونس تسترجع سيادتها في البوتقة العثمانية إلى أن تكونت الدولة التونسية بالإمارة والوزارة والمعروف أن الوزارة المتصلة بالعهد الحاضر ابتدأت في إمارة الأمير علي بن حسين باي الذي تولى الإمارة من سنة (١١٧٢) إلى سنة (١١٩٦) .
стр. 146
ومن المفيد ذكر رؤساء الوزارات بتونس منذ عادت الوزارة في تونس إلى العصر الذي نعيشه اليوم وهو العام الأول من القرن الخامس عشر (١٤٠١) .
مدة الولاية سنة الوفاة ١ مصطفى خوجة ١١٧٢ ١١٩٦ ١٢١٥ ٢ يوسف صاحب الطابع ١١٩٦ ١٢٣٠ استشهد في ١٢٣٠ ٣ العربي رزوق أول وزير في العهد التركي من أبناء البلاد ١٢٣٠ ١٢٣٨ قتل سنة ١٢٣٨ ٤ حسين باش مملوك ١٢٣٨ ١٢٤٥ ١٢٧٤ ٥ شاكير صاحب الطابع ١٢٤٥ ١٢٥٣ قتل سنة ١٢٥٣ ٦ مصطفى صاحب الطابع ١٢٥٣ ١٢٥٦ ١٢٧٧ ٧ مصطفى خزاندار ١٢٥٦ ١٢٩٠ ١٢٩٥ ٨ خير الدين باشا ١٢٩٠ ١٢٩٤ ١٣٠٨ ٩ محمد خزندار (١) ١٢٩٤ ١٢٩٥ ١٠ مصطفى بن إسماعيل ١٢٩٥ ١٢٩٨ ١٣٢٧ ١١ محمد خزندار (الوزارة الثانية) ١٢٩٨ ١٣٠٠ ١٢ الشيخ محمد العزيز بوعتور ١٣٠٠ ١٣٢٥ ١٣٢٥ ١٣ محمد بن فرحات الجلولي ١٣٢٥ ١٣٢٦ ١٣٢٧ ١٤ يوسف جعيط ١٣٢٦ ١٣٣٣ ١٣٣٣ ١٥ الطيب بن حسين الجلولي ١٣٣٣ ١٣٤٠ ١٦ مصطفى دنقزلي ١٣٤٠ ١٣٤٥ ١٣٤٥ ١٧ خليل أبو حاجب ١٣٤٥ ١٣٥٠ ١٩٤٨م ١٨ الهادي الأخوة
١٣٥٠١٩٣٢م ١٩٤٢ م
١٩ محمد شنيق (١)
١٣٦٢١٩٤٣ م
٢٠ صلاح الدين البكوش (١) ١٩٤٣م ١٩٤٧م ٢١ مصطفى الكعاك ١٩٤٧ ١٩٥٠ ٢٢ محمد شنيق (٢) ١٩٥٠م ١٩٥٢م ٢٣ صلاح الدين البكوش (٢) ١٩٥٢م ١٩٥٤م ٢٤ محمد الصالح مزالي ١٩٥٤م ١٩٥٤م وفي المدة التي استقالت فيها وزارة محمد الصالح مزالي إلى المدة التي تشكلت فيها وزارة التفاوض كان هناك موظفون يباشرون المهمات الوزارية إلى أن تشكلت الوزارة التفاوضية برئاسة: ٢٥ الطاهر بن عمار (١) ٨ ذي الحجة ١٣٧٣ و٧ أوت ١٩٥٤ م.
وهي أول وزارة تونسية صرفة تتركب من عشرة وزراء وهي التي تولت المفاوضة مع الحكومة الفرنسية في شان الاستقلال الداخلي.
وكان التفاوض المؤدي إلى حل الأزمات مع رئيس الديوان السياسي الحبيب بورقيبة.
ورجع الرئيس إلى تونس ١٠ شوال ١٣٧٤ وفي غرة جوان ١٩٥٥ م.
وفي ٢٩ المحرم ١٣٧٥ و١٧ سبتمبر ١٩٥٥ م تألفت وزارة التفاوض الثانية من: ٢٦ الطاهر بن عمار (٢) .
وتركبت من أثني عشر وزيراً.
وسعى الديوان السياسي في إتمام خطواته الحاسمة لنيل الاستقلال التام فاستؤنفت المفاوضات إلى أن انتهت بالاستقلال التام فغي التاريخ المتقدم، وبذلك أنفسح الجو أمام العمل، فلهذا تكونت الوزارة الاستقلالية.
وقد تشكلت في ٤ رمضان ١٣٧٥ و١٤ أفريل ١٩٥٦ م.
وهي تتركب على الصفة الآتية: ٢٧ الرئيس الحبيب بورقيبة.
وزير أكبر رئيس الحكومة ووزير الدفاع والخارجية.
والأستاذ الباهي الأدغم وكيل رئيس الحكومة.
الوزارة التونسية في العهد الجمهوري
ونظمت الوزارة التونسية في العهد الجمهوري بالقانون الصادر في ٣٠ ذي الحجة سنة ١٣٧٦ وفي ٢٩ جويلية سنة ١٩٥٧ م بإثر إعلان الجمهورية.
واقتضى هذا التنظيم المعلن بإثر إعلان الجمهورية حذف أسماء الوزارات وعوضت بكتابات للدولة وأصبح المجلس تحت رئاسة فخامة رئيس الجمهورية.
وفي ٢٠ جمادى ٢ سنة ١٣٧٨ و٣١ ديسمبر ١٩٥٨ م وقع تعديل في كتابات الدولة فأصبحت اثني عشرة كتابة دولة.
وفي ٧ نوفمير سنة ١٩٦٩ م أرجع لقب الوزارة وكان على رأس هذه الوزارة.
٢٨ السيد الباهي الأدغم الوزير الأول.
ثم في يوم الأحد ١٦ رمضان ١٣٩٠ و١٥ نوفميبر سنة ١٩٧٠ تشكلت وزارة الاستقرار وكان تأليفها برئاسة: ٢٩ السيد الهادي نويرة الوزير الأول ثم في ٨ جمادى الثانية ١٤٠٠ الموافق ل?٢٣ أفريل ١٩٨٠ شكل الوزارة: ٣٠ السيد محمد مزالي الوزير الأول.
وهذه الوزارة حققت لتونس أمنيتها الغالية في التقدم بالديمقراطية خطوة عملاقة، علاوة على ما تقدمت فيه من إنجازات تسير بالأمة التونسية إلى مصاف الأمم الراقية.
وفي ١ ذي القعدة ١٤٠٦، الموافق له ٨ جويلية ١٩٨٦ أقال رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة السيد محمد مزالي من مهامه كوزير أول وأمين عام للحزب وتم تعيين: ٣١ السيد رشيد صفر وزيراً أول.
وأميناً عاماً للحزب.
стр. 147
ثم في ٩ صفر سنة ١٤٠٨، الموافق له ٢ أكتوبر ١٩٨٧ قرر رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة إعفاء السيد رشيد صفر من مهامه كوزير أول، وأمين عام للحزب وتعيين: ٣٢ السيد زين العابدين بن علي وزيراً أول.
وأميناً عاماً للحزب.
ابتدأ عهد التفتح بتخلي الرئيس الحبيب بورقيبة عن مهامه بسبب أن حالته الصحية لم تعد تسمح له بمباشرة الوظائف المنطوقة بعهدته كما أفاد ذلك البلاغ الطبي.
وبمقتضى الفصل (٥٧) من دستور الجمهورية التونسية تولى فوراً منصب رئاسة الجمهورية الوزير الأول سيادة العابدين بن علي، وذلك في ١٥ ربيع الأول سنة ١٤٠٨، الموافق له ٧ نوفمبر ١٩٨٧.
وقد قرر سيادته تشكيل الحكومة الجديدة.
٣٣ السيد الهادي البكوش وزيراً أول وفي ٢٦ صفر ١٤١٠، الموفق له ٢٧ سبتمبر ١٩٨٩ تم تعيين من سيادة رئيس الجمهورية.
٣٤ السيد حامد القروي وزيراً أول.
? الملحق (٧)
? تاريخ تأسيس جاع الزيتونة
بناء جامع الزيتونة وتسميته
نس بالمؤلف في كلته بناء جامع الزيتونة إلى حاسن بن نعمان الذي تولى إمارة إفريقية من سنة (٧٨) إلى سنة (٨٣) ، لما دخل تونس سنة (٧٩) وعقب على تأسيس حسان بأن عبيد الله بن الحباحاب أتم بناء جامع الزيتونى سنة (١٤١) .
وأخذ المؤلف أن إتمام البناء (١٤١) مما رسم على أحد أقواس الجامع من لفظ (أعلم) الذي عدده بحساب الجمل (١٤١) .
وما أتى به المؤلف هنا من تاريخ الزيتونة اختلط عيه فيه الأمر فغن حسان بن النعمان لم يدخل إفريقيا سنة (٧٩) بل دخل إفريقيا سنة (٧٨) .
ثم إن عبيد الله بن الحبحاب لم يبق بإفريقيا إلى سنة (١٤١) وما أتى به لم يذكره أحد من المؤرخين فكلهم يذكر أنه بناه إما سنة (١١٤) أو سنة (١١٦) وهي سنة دخوله إلى إفريقيا ويدعو المقام إلى تحرير تاريخ تأسيس الزيتونة لن هذا الكتاب مبني على تاريخ أئمته وعلمائه فمن جزيل الفائدة أن نحرر متى كان تأسيسه وما يتبع ذلك.
يتراءى للمؤرخ الباحث تساؤلات عدة منها: من أسسه أولاً؟ تاريخ ابتداء تأسيسه؟ لماذا اختار ابن الحبحاب تونس لبناء مسجده؟ هل كان يسمى جامع الزيتونة منذ تأسيسه؟ ١ مؤسسه: جزم المؤلف أنه حسان بن النعمان وليس له في ذلك ما يستند إليه من شيء صحيح، فهذه كتب التاريخ التي هي الأمهات لتاريخ المغرب تذكر أن الباني هو عبيد الله بن الحبحاب والي إفريقيا.
ونجد هذا المستند التاريخي عند البكري في كتابه المسالك والممالك (- ٤٨٧) ففيه: "ودور مدينة تونس أربعة وعشرون ألف ذراع، وفي سنة أربع عشرة ومائة بني عبيد الله بن الحبحاب الجامع، ودار الصناعة بمدينة تونس".
ونحو هذا المستند التاريخي في البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري المراكشي من رجال القرن السابع حين يذكر ولاية عبيد الله بن الحبحاب إفريقيا والمغرب كله: "وهو مولى بني سلول، وكان رئيساً نبيلاً، وأميراً جليلاً بارعاً في الفصاحة والخطابة، حافظاً لأيام العرب وأشعارها ووقائعها، فقدم إفريقيا في ربيع الآخر من سنة (١١٦) وهو الذي بني المسجد الجامع ودار الصناعة بتونس.
وكان أول الأمر كاتباً ثم تناهت به الحال إلى ولاية مصر وإفريقيا والأندلس والمغرب كله.
فاستخلف على مصر ابنه القاسم، واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي، واستعمل على طنجة وما والاها من المغرب الأقصى ابنه إسماعيل، ثم عمر بن الله المرادي".
(المغرب ج?١ ص٥١) .
ومثل ما ورد عن ابن عذاري المراكشي، ورد عن ابن خلدون (-٨٠٨) ونصه: "عبيد الله بن الحبحاب ثم عزل هشام عبيدة بن عبد الرحمن وولي عبيد الله بن الحبحاب مولى بن سلول، وكان والياً على مصر فأمره أن يمضي إلى إفريقيا، واستحلف على مصر ابنه القاسم، وسار إلى إفريقيا فقدمها سنة أربع عشرة ومائة (١١٤) كذا هنا وبنى جامع تونس، واتخذ لها دار صناعة لإنشاء المراكب البحرية".
(العبر، وديوان المبتدأ والخبر) (ج?٤ ص٤٠٤) .
ونسب ابن الشماع في تاريخه الأدلة البينة النورانية على مفاخر الدولة الحفصية بناء الزيتونة إلى ابن الحبحاب: "وجامعها أي مدينة تونس، مليح الصنعة، حسن الوضع مطل على البحر بناه عبيد اله بن الحبحاب، هو ودار الصناعة (سنة أربع عشر ومائة) وأنفذ إليها البحر".
стр. 148
وابن دينار في المؤنس (-١١١١) اعتمد كلام ابن الشماع وبنى عليه كلامه في الباب الأول الذي عقده في التعريف بتونس، فإنه علق على قول ابن الشماع: "وجامع تونس مليح الصنعة" إلخ..
(قلت) عبيد الله بن الحبحاب كان عاملاً لهشام بن عبد الملك بن مروان على مصر، وأرسله إلى إفريقيا سنة عشر ومائة، فلما وصل إلى القيروان أخرج المستنير من السجن وأرسله إلى تونس والياً عليها، ولعله لم يدخل تونس.
وتقدمه البكري حيث قال ومدينة تونس دورها أربعة وعشرون ألف ذراع وذكر بناء عبيد الله بن الحبحاب.
لكن صاحب المؤنس بعدما نقل الكثير من كلام المؤرخين المتحدثين عن تونس ذكر رأياً له وهو: وإذا ثبت ما قلته، وتقرر ما نقلته، فالذي صح عندي إنها قديمة من بناء الأوائل، والذي ذكر فتحها هو أقرب من غيره، وأن حسان بن النعمان هو الذي فتحها، وبني بها مسجداً، وعبيد الله بن الحبحاب زاد في ضخامته كما أن زيادة الله بن الأغلب زاد وضخمه وكملت في أيام بني حفص كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ذكر ابن أبي دينار هذه الخلاصة التي ضمنها رأيه في أن تونس قديمة وأن فاتحها هو حسان بن النعمان وأن جامع تونس المعروف بجامع الزيتونة بناه حسان وضخمه عبيد الله بن الحبحاب وهو الرأي الذي اعتمده صاحب مسامرات الظريف لكنه زاد على ما ذكر ابن أبي دينار شيئاً وهو أن عبيد اله بن الحبحاب زاد فيه سنة (١٤١) كما رسم على أحد الأقواس وهو غلط تاريخي لا يغتفر.
وذكر الوزير السراج في تاريخه الحلل السندسية في الأخبار التونسية في القسم الثالث من الجزء الأول: "وأن عبيد الله بن الحبحاب هو الذي أسس جامع تونس وبناه سنة (أربع عشرة ومائة) .
ومما اتفق فيه أن مفرد (جامع) وتاريخه متفقان".
وخلط المؤلف هنا خلطاً ولم يتحر في التاريخ في هذا الموضع الذي هو أساس تاريخه وهو جامع الزيتونة لأنه أراد أن يؤرخ لأمته وعلمائه البارزين من المفاتي والقضاة كما قدمنا.
فلا بد أن نذكر ما وقع فيه من الخطأ: أولاً: أنه نسب بناءه لحسان معتمداً ذلك تاريخاً مع انه غير صحيح.
وغنما هو رأي لابن أبي دينار صاحب المونس، وإما كافة المؤرخين فإنهم لا يذكرون غلا ما نقلناه عنهم.
ثانياً: ذكره لقدوم عبيد الله بن الحبحاب والياً على تونس على عهد هشام بن عبد الملك بن مروان وأنه أتم بناء جامع الزيتونة سنة إحدى وأربعين مع أن هشام بن عبد الملك انتهت خلافته سنة (١٢٥) .
ثالثاً: أن ابن الحبحاب لم يل إفريقيا سنة (١٤١) بل وليها إما سنة (١١٤) أو سنة (١١٦) .
رابعاً: أن التاريخ الذي ذكر وهو (أعلم) حسابه بالجمل (١٤١) وليس هو إشارة إلى التأسيس إذ يبعد أن يكون مراداً به ذلك لن حساب الجمل الآخذ به متأخر.
ومن القريب جداً أن يكون المسجد الذي أسسه حسان بن النعمان غير الذي أسسه ابن الحبحاب، ويؤيد هذا أن هناك مسجداً صغيراً بالنهج المعروف بنهج الخمسة الذي بجانب المدرسة السليمانية يتناقل الناس أنه أقدم من جامع الزيتونة وأمام باب صخرة عظيمة يحكي المعرون من المشايخ أن بعض العملة الذين كانوا بصدد بناء جامع الزيتونة يقسمون أجورهم عليها كالمنضدة، والله أعلم.
وهذا المسجد به أسطوانة عظيمة عتيقة يقوم سقف المسجد عليها وعلى الجدران الأربعة.
وكان لذلك المسجد منارة هدمت قبل الاحتلال بقليل لأنها ساخ بعض جدرانها بالأرض مما أدى إلى ميلانها فأدى ذلك إلى هدمها، وكان بابها يصعد إليه من تلك الصخرة التي أمام باب المسجد.
وإنما اتخذ حسان مسجداً صغيراً لأنه لم تكن له رغبة في إقامة مدينة بقرب قرطاجنة لأن هذه الأخيرة كانت حصناً للذين يغيرون على إفريقيا فلم تكن له رغبة في عمارتها.
٢ تاريخ ابتداء تأسيسه: المشتهر والمتعارف هو أن ابتداء تأسيسه كان في سنة (١١٤) وهو ما اختاره صاحب الحلل السندسية حتى ذهب إلى أن تاريخه بحساب الجمل (جامع) .
إذ الجيم ب?٣ والألف ب?١ والميم ب?٤٠ والعين ب?٧٠ ١١٤ وهو ما جاء في المسالك والممالك للبكري.
والبكري عمدة الكثير من المؤرخين التونسيين وهو ما ذكره ابن خلدون في كتابه العبر.
стр. 149
والتحقيق أن عبيد الله بن الحبحاب لم يدخل إلى إفريقيا سنة (١١٤) بل دخلها سنة (١١٦) كما جاء في فتوح إفريقيا والأندلس لابن عبد الحكم من أن هشام بن عبد الملك كتب إلى عامله على مصر بأن يسير إلى إفريقيا وكان مسيره في سنة ست عشرة ومائة، وابن عبد الحكم من رجال القرن الثالث الهجري، وهو في تاريخه يعتمد السند الذي يعتمده رجال الحديث، فكان ما يأتي به مدعماً.
وسنده هنا عن رجلين هما يحيى بن بكير، والليث بن سعد.
أما يحيى بن بكير فالصواب في اسمه أنه يحيى بن أبي بكير، وذكره ابن يونس في تاريخه بأنه: يحيى بن ابي بكير النخعي أبو زكرياء الكوفي، قدم مصر وحدث بها ومات بها في ربيع الآخر سنة ثلاثين ومائتين (من تهذيب التهذيب ج?١١ ص١٩٠) .
وهو ليس من رجال الصحاح الستة لكن لم يكن في المجرحين فهو ممن يعتمد عليه في الرواية.
وأما الليث بن سعد فهو الإمام المصري أبو الحارث.
وعرف به ابن حبان في الثقاب بقوله: كان من سادات أهل زمانه فقهاً، وورعاً، وعلماً، وفضلاً، وسخاء وعدداه في الرجال الثقاب العلماء قريب من مالك الإمام الكبير وقد ولد سنة (٩٤) وتوفي سنة (١٧٥) .
وقد أطال ترجمته في تهذيب التهذيب في الجزء الثامن من (ص٤٥٩) إلى (ص٤٦٥) .
وإذا نظرنا إلى ترجمته نراه معاصراً لعبيد الله بن الحبحاب والي إفريقيا ومؤسس جامع الزيتونة، فإذا ما حدثنا أنه سار إلى إفريقيا سنة (١١٦) وهو الرجل الثبت علمنا علم اليقين أن سنة مسيره هي (١١٦) وبالطبع أن يكون تأسيس الزيتونة تلك السنة ويؤكد صحة ذلك أن الليث بن سعد كان إمام مصر فهو أعلم بأحوالها من غيره.
ولا يمكن أن يغلط في مسير والي مصر إلى إفريقيا إذ كان ذهابه إليها وهو في سن الشباب إذ أنه كان سنة ذهاب ابن الحبحاب ستاً وعشرين سنة مع أنه كان من احفظ أهل زمانه وأثبتهم، فالرواية عنه في هذه القضية تفيد القطع.
وما ذكره ابن عبد الحكم اعتمده المؤرخ الثبت ابن عذاري المراكشي صاحب البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، وهو أحفل الكتب المؤرخة للمغرب والأندلس من القرن الألو الهجري حين وقع الفتح للمغرب إلى نصف القرن السابع.
اعتمده المذكور مبيناً أنه قدم إفريقيا في ربيع الآخر من سنة (١١٦) ونسب إليه كما ذكرنا بناء المسجد الجامع بتونس، وكذلك دار الصناعة والمسجد كما ذكره ابن عبد الحكم.
وعلى هذا الغرار سار ابن الأثير في تاريخه المسمى بالكامل فأتى بخبر مسيره إلى إفريقيا ضمن حوادث سنة (١١٦) : وفيها (أي سنة ١١٦) عزل هشام عبيد الله بن الحبحاب عن ولاية مصر واستعمله على إفريقيا فسار إليها، وقيل بل ولي عبيد الله بن الحبحاب سنة سبع عشرة وسترد أخباره هناك، وهذا أصح.
(الكامل ج?٤ ص٢١٩) .
وابن الأثير هو أبو الحسن علي بن ابي المكارم محمد عز الدين الجزري المتوفى سنة (٦٣٠) ألف كتابه خلاصة لكتب التواريخ التي في مقدمتها تاريخ الطبري، وكتابه الكامل هذا له امتياز خاص، وهو أنه جمع فيه بين تواريخ المشرق والمغرب كما أشار إلى ذلك: (.. والشرقي منهم قد أدخل بذكر أخبار الغرب، والغربي قد أهمل أحوال الشرق فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخاً احتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددة مع ما فيها من الإخلال والإملال.
فلما رأيت الأمر كذلك شرعت في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق، والغرب، وما بينهما ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان، وآتى فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان، متابعة يتلو بعضها بعضاً إلى وقتنا هذا) .
وقد انتهى ابن الأثير في تاريخه إلى حوادث سنة (٦٢٨) .
ووقف تاريخه عند ابتداء دخول سنة (٦٢٩) .
فهؤلاء العمد في التاريخ نواهم مطبقين على أن ابن الحبحاب كان دخوله إلى إفريقيا في سنة (١١٦) وبذلك لا يمكن ابتداء تأسيس مسجد تونس الجامع الذي سمي بالزيتونة إلا في تلك السنة.
٣ لماذا اختار ابن الحبحاب تونس لبناء مسجده؟ اعتاد المؤرخون أن يذكروا الحوادث دون أن يتعمقوا في الأسباب إلا في القليل النادر كما هنا يقتصرون على فقرة قصيرة، وهي أن ابن الحبحاب سار إلى تونس بأمر هشام بن عبد الملك في سنة (١١٦) وأسس مسجدها الجامع وبنى دار الصناعة بها.
стр. 150
ولا تنقع النفس بذلك متطلبة لماذا اختار هذه البلدة على غيرها؟ وما الداعي له لتأسيس هذا المسجد الجامع مع أن مقامه بالقيروان؟ والجواب نجده فيما ذكره مؤرخ الفتح الإفريقي عبد الرحمن بن عبد الحكم (- ٢٥٧) الذي هو أقدم من وصلت إلينا مؤلفاته دون بقية مؤرخي مصر الإسلامية، كذا الفتوح الإفريقية لاتصالها بتاريخ مصر.
وننقل ما ذكره ابن عبد الحكم في مسير ابن الحبحاب، ثم نستخرج منه الجواب المطلوب.
(كان قدوم عبيدة بن عبد الرحمن من إفريقيا سنة خمس عشرة ومائة.
وفيها أمر ابن قطن على الأندلس، وكان ما خرج فيه العبيد والإماء من الجواري المتخيرة سبعمائة جارية، وغير ذلك من الخصيان، والخيل، والدواب، والذهب والفضة، والآنية.
واستخلف على إفريقيا حين خرج عقبة بن قدامة التجيبي.
فقدم على هشام [بن عبد الملك] بهدياه واستعفاه فأعفاه.
وكتب (أي هشام بن عبد الملك) إلى عبد الله (ذكا) بن الحبحاب وهو عامله على مصر يأمره بالمسير إلى إفريقيا وولاه إياها وذلك في شهر ربيع الآخر من سنة ست عشر ومائة.
فقدم عبيد الله بن الحبحاب إفريقيا فأخرج المستنير من السجن وولاه تونس، واستعمل ابنه إسماعيل بن عبيد الله على السوس، واستخلف ابنه القاسم بن عبيد الله على مصر، واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج، وعزل عبد الملك بن قطن، ويقال بل كان الوالي على الأندلس يومئذ عنبسة بن سحيم الكلبي فعزله ابن الحبحاب، وولي عقبة بن الحجاج) .
يطالعنا كلام ابن عبد الحكم بأمرين هامين أولهما أن ابن الحبحاب لما حل بإفريقيا وزع وظائفها على ذويه من أبناء وأخوة وكأنه يرمي من وراء ذلك إلى أن تكون له خالصة دون غيره لأنه إذا غرس فيها امتنعت طاعتها على غيره.
فقد استعمل ابنه إسماعيل بن عبيد الله على السوس.
وستخلف ابنه القاسم بن عبيد الله على مصر.
وستعمل المستنير على تونس بعد أن أخرجه من السجن، والمستنير هذا الظاهر فيه انه أخو عبيد الله بن الحبحاب كما يفيده كلام ابن عبد الحكم حين حديثه على عبيدة بن عبد الرحمن القيسي الذي تولى إفريقيا قبل الحبحاب.
وهذا ما ذكره في ذلك: حدثنا بن أبي بكير عن الليث قال: وولي عبيدة بن عبد الرحمن إفريقيا في المحرم سنة عشر ومائة (١١٠) .
فلما قدم عبيدة إفريقيا وجه المستنير بن الحبحاب غازياً إلى صقيلة فأصابتهم ريح فأغرقتهم ووقع المركب الذي كان فيه المستنير إلى ساحل أطرابلس.
فكتب عبيدة بن عبد الرحمن إلى عامله علىىأطرابلس يزيد بن مسلم الكندي يأمره أن يشده وثاقاً ويبعث معه ثقة فبعث به في وثاق فلما قدم على عبيدة جلده جلداً وجيعاً، وطاف به القيروان على أتان ثم جعل يضربه في كل جمعة مرة حتى أبلغ إليه وذلك أن المستنير أقام بأرض الروم حتى نزل عليه الشتاء واشتدت أمواج البحر وعواصفه فلم يزل محبوساً عنده.
(فتوح إفريقا والأندلس ص٩٢) .
أفاد ابن عبد الحكم أن المستنير بن الحبحاب، فلعله أخو عبيد الله بن الحبحاب.
فالمستنير بن الحبحاب لما ولي ولاية تونس لا نرتاب في أنه اقترح على والي إفريقيا أن يبني بها مسجداً حين رأى مدينة تونس لا تقل عظمة عن القيروان لأنها المدينة الثانية بعد الولاية الإفريقية والمغربية والأندلسية وهي القيروان وكونها المدينة الثانية في العصور الأولى الإسلامية يشير إليه ما ذكره ابن الشماع في الأدلة البينة النورانية على مفاخر الدولة الحفصية.
وكان أبو جعفر المنصور العباسي إذا قدم عليه رسول صاحب القيروان يقول له: ما فعلت إحدى القيروان يعني مدينة تونس، تعظيماً لها.
وخص أبو جعفر المنصور تونس كونها كانت كثيرة الشغب على الولاة، وهو ما أشار إليه البكري في كتابه المسالك والممالك، فبعد أن مدح أهل تونس قال: ومع هذا الفضل الذي فيها هي مخصوصة بالقيام على الأمراء والخلاف للولاة خالفت نحو عشرين مرة (المسالك والممالك ص٤٠) .
فهذه الأهمية لهذه البلاد بعثت عبيد الله بن الحبحاب أن ينشئ مسجداً جامعاً بها، فهو المسجد الثاني بعد مسجد عقبة بالقيروان وهو إن كان من حيث المساحة أقل من مسجد عقبة إلا انه كما قال ابن الشماع: وجامع تونس مليح الصنعة، حسن الوضع، مطل على البحر.
(الأدلة البينة النورانية ص١٧) .
стр. 151
وثاني الأمرين اتخاذها عاصمة إذ يتجمع من توجيه العناية إلى تونس سواء في اتخاذ مسجدها الجامع أو بناء قصبتها، أو بناء دار الصناعة بها إلى غير سواء من العنايات البالغة بهذه المدينة مع أنها لم تكن عاصمة أن الرغبة كانت أكيدة في اتخاذ تونس عاصمة للبلاد الإفريقية لأنها تجمع بين الحصانة وبين كونها مرسى من اعظم المراسي مع ما اختصت به من كونها كثيرة الخيرات مدرارة البركات التي لا توجد في غيرها كما حدثنا عن ذلك البكري إذ يصفها بأنها أشرف مدائن إفريقيا وأطيبها ثمرة وأنفسها فاكهة (المسالك والممالك ص٤١) .
فرغبة ابن الحبحاب في اتخاذها عاصمة يبديها هذا النص عن ابن عبد الحكم.
واستمرت هذه الرغبة في رجال الدولة الأغلبية إذ انتقل إلى سكانها واتخاذها عاصمة لبلاد الإفريقية إبراهيم بن الأغلب في سنة (٢٨١) .
وبقي بها إلى أن انتقل إلى رقادة سنة (٢٨٣) ثم عاد إلى سكناها وإليها انتقل ابنه عبد الله بن إبراهيم وقتل بها.
وبها كانت بيعة ابنه وزيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم ولم يمكث بها.
وليست رغبة بني الأغلب مقصورة فيمن ذكر منهم بل كلهم قد اتخذوا بها القصور والبساتين ينتقلون إليها وقد جعلوها منتزهاً لهم كما أفاده البكري حين حديثه على تونس وابن أبي دينار في المونس.
وإنما اتخذها الأغالبة عاصمة ثانية أو العاصمة الأولى في فترات اقتداء بابن الحبحاب الذي كانت رغبته كذلك بدليل تأسيس مسجدها الجامع فإنه لا يبنى مثله في بلد صغير وغنما في بلد له اتساع لأن إحداث مثله لا يكون إلا في العواصم الكبرى وإنما اتخذها الأغالبة كذلك لما رأوا فيها من جديرة بأن تكون عاصمة، إنما حببهم في القيروان لم يجرؤوا على مخالفة عقبة بن نافع ولعل ابن الحبحاب كان يرمي إلى اتخاذها عاصمة لأنها تجمع بين الحصانة في البر، والمكانة البحرية بمرساها الفريد في الخليج التونسي.
فنظرة الأمراء إلى إفريقية مختلفة فعقبة بن نافع يرى أن الاستقرار بإفريقيا إنما يكون في مجمع الجند في مكان يبعد عن البحر ولهذا اتخذ القيروان عاصمة لهذا الصقع الإفريقي بينما أخذت فمرة المراء تختلف عن ذلك من حسان بن نعمان إلى ابن الحبحاب إلى الأغالبة في ترددهم بين سكانها وسكنى القيروان.
وغير الفواطم الاتجاه نحو تونس بإنشاء المهدية التي كانت على البحر فهم قد حققوا أن العاصمة تكون بحرية في عاصمتهم الجديدة.
ورجعت الرغبة في تونس عند افتكاك الموحدين لشواطئ إفريقيا من يد النورمان لأسباب بسطناها في بحث لنا في بيان الأسباب الداعية للموحدين لاتخاذ تونس عاصمة معرضين عن المهدية والقيروان.
ابن الحبحاب والفكرة الاتساعية
حل ابن الحبحاب بإفريقية فانتشرت رجاله من قرابته في كل مكان تحت نظره حتى مصر والأندلس فضلاً عن إفريقيا والمغرب، وأسند هذه الولايات إلى أبنائه وصنائعه وانضاف إلى ذلك انه ركز اهتمامه على تونس في إحداثاته بها.
ومن تلك الإحداثات دار الصناعة لإنشاء أسطول تونسي غزا به في البحر بإمرة حبيب بن أبي عبدة.
واتجهت سياسته إلى سيادة العنصر العربي سيادة مطلقة حتى اعتبر البربر مسلمهم وكافرهم سواء وأنهم فيء مع أن الولاة قبله كانوا يخمسون من لم يجب إلى الإسلام وأما من أجاب إليه فهو بالإسلام قد أندمج في العائلة الإسلامية.
ومسلكه السياسي نحو البربر أوغر الصدور عليه وأدى إلى ثورة كبرى لم تعهد من قبل وكان اتجاهه هذا يقصد من ورائه إيجاد ملك عربي ممتد الأطراف يقوده هو وأهل بيته لكن إهانة البربر أدت إلى عزله حيث لم يقدر على إخماد تلك الثورة.
ونتائج تلك السياسة جعلت المسلمين في المغرب منقسمين إلى عنصرين كلما خمدت فتنتهما دهراً لسبب السياسة الحازمة عادت إلى الظهور من جديد مما تسبب في فتن عدة جرت إلى كوارث ومحن قعدت بالإسلام وأوقفت تقدمه، ثم جرت إلى ضياع الأندلس مع أشياء أخرى.
٤ هل كان يسمى مسجد تونس بجامع الزيتونة: نجد قصة طريفة في سبب تسمية هذا المسجد بجامع الزيتونة ذكرها الوزير السراج وهي: وأخبرني بعض إخواني عن سيدي سعيد الشريف رحمة الله تعالى (-١١١٣) أنه حدثهم أن نوحاً ﵇ لما كان في السفينة على الطوفان وقفت به يوماً وسط البحر فأوحى الله إليه أن تلك بقعة يقال لها: جامع الزيتونة.
стр. 152
فلما دخلها الصحابة وحدوا الرهبان في صومعتها لأن صومعة الجامع قديمة كانت للرهبان..
وكان قبلة الصومعة محل محصن بالحجارة والشوك فسأل الصحابة أولئك الرهبان عن سبب ذلك، فقالوا لهم إنا كل ليلة من ذلك المحل نوراً ساطعاً لعنان السماء فرضعنا ذلك صوناً له من الكلاب أن يقذروا في ذلك المحل واتفق أن كان ذلك المحل هو المحراب، (الحلل ج?١ ص٥٥٨ ط٢) .
هذا ما جاء في الحلل السندسية في الأخبار التونسية وهو لا يتصل بشيء من الحقيقة التاريخية حيث جعل تسمية هذا المسجد الجامع منذ الطوفان مع أن تسميته بجامع اليزتونة غير متعارفة في القرون الولى بل المعروف أنه مسجد تونس، ثم إن تلك القصة لا تتصل بالحقيقة بل هي من نسج الخيال.
ثم إنها كلها عليها أثواب الوضع ونشك في نقلها عن الشيخ سعيد الشريف فإنه كان محدثاً راوية والرواة من أهل الحديث لا ينقلون شيئاً إلا مسنداً وسعيد الشريف هذا توفي سنة (١١١٣) كما في إتحاف أهل الزمان لا في سنة (١١١٢) كما في شجرة النور الذكية.
وإذا تتبعنا كتب التاريخ ثبت لدينا أن هذا المسجد لا يسمى بجامع الزيتونة وإنما يعرف (بمسجد جامع تونس) .
ذكر أبو العرب في الجزء السابع الذي خصه بذكر علماء تونس في ترجمة زيد بن بشر فقد روى حين وصفه بأنه أكرم الناس ما يؤيد كرامة نفسه: لقد حدثني سليمان بن سالم وغيره أنه انصرف ليلة من جامع تونس فانقطع شسع نعله فوثب إليه رجل حائك من حانوته أعطاه شسعاً فأصلح نعله وكان رجل معه يحمل قنديلاً فقال لحامل القنديل: قرب القنديل إلي فقربه منه فنظر إلى وجه الحائك ليعرفه فيكافئه، فكان كلما مر إلى المسجد ومعه الجماعة مال إلى الحائك، فيسلم عليه، ويسأله عن حاله شكراً للشسع الذي أعطاه.
(طبقات علماء إفريقيا لأبي العرب التميمي ص٢٥٦ ط باريس وص٢٢٦ ط تونس) .
وما جاء في طبقات أبي العرب جاء مثله عن محمد بن حارث في ضمن الطبقات التي لأبي العرب عند ترجمة أبي العرب ليحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري الذي دخل تونس.
قال محمد بن حارث كنت في جامع مدينة تونس مع بعض العلماء من أهلها فقال لي: "هذا الباب وأشار إلى باب مغلق لا يفتح هو باب يحيى بن سعيد وكان يدخل منه إذا كان بها" (طبقات علماء إفريقيا لأبي العرب ج?١ ص٢٦) .
وإذا التفتنا إلى البكري أبي عبيد عبد الله الأندلس لا يذكر إلا أن ابن الحبحاب بنى الجامع بتونس قارناً لبنائه ببناء دار الصناعة.
ولما وصف بناءه قال: وجامع تونس رفيع البناء مطل على البحر ينظر الجالس فيه إلى جميع جواريه (المسالك ص٣٧ وص٤٠) .
وكذلك لم يسمه ابن عذاري المراكشي في كتابه البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب إذ يقول: وهو أي عبيد الله بن الحبحاب الذي بنى المسجد الجامع، ودار الصناعة بتونس (ج?١ ص٥١) .
وابن عذاري المراكشي من رجال القرن السابع (-٦٩٥) وكان ينقل عن الرقيق الذي كان حياً سنة (٣٨٨) .
والرقيق من أهل إفريقية قيرواني عليم بأماكن تونس وتواريخها فلو كان الجامع يسمى بجامع الزيتونة لذكر أنه جامع الزيتونة.
وإذا التفتنا إلى كتب المناقب القديمة التأليف لقدماء الصلحاء بتونس نجد كتاب أبي الطاهر الفارسي حين ذكر مسجد تونس لا يذكره إلا باسم جامع تونس دون جامع الزيتونة، فإنه حين تحدث على ما أحدثه الشيخ أبو محمد محرز بن خلف الصديقي المتوفى سنة (-٤١٣) يقول: قال أبو الطاهر: وأعظم شيء أذكره من كراماته الدالة على فضله وولايته أن القرآن كل يوم يقرأ على قبره، ويختم كل جمعة منذ توفي إلى الآن ثماني عشرة سنة، لا ينقطع يوماً لعلة من العلل، لا في صيف ولا في شتاء ولا في شدة ولا في رخاء ولا غير ذلك، وهو دائم إلى الآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن استنباطه ﵁ بمقصورة الجامع الأعظم بتونس حزب السبع لا ينقطع في كل يوم إلى آخر الدهر.
وكان تأليف أبي الطاهر الفارسي في سنة ثلاثين وأربعمائة بعد وفاة الشيخ محرز بن خلف رحمه الله تعالى بسبعة عشر عاماً.
стр. 153
وهذه المناقب ليست كالكثير من كتب المناقب التي تكون لغتها سقيمة ثم تكتب في جوانب لا تفيد الكثير من حياة صاحبها بل هي لغة سامية صحيحة التركيب والتعبير مع كونها معرفة بالمترجم له وهو الشيخ محرز بن خلف وذاكرة من مناقبه ما يدل على علمه وأخلاقه وإخلاصه وتأثيره على مخاطبيه، وهي خالية من المبالغات التي يعتني بها أصحاب كتب المناقب فلا تجد فيها شيئاً من ذلك.
? تسمية المساجد
لم يسم مسجد تونس باسم جامع الزيتونة لأن المتعارف في تسمية المساجد أن تكون إما باسم البلد كما يقال مسجد الكوفة أو مسجد البصرة أو باسم مؤسسه كمسجد عقبة بالقيروان، وغنما لما تعددت المساجد في البلد الواحد اضطروا إلى تسميتها باسم خاص بسبب اتساع العمران وانتشار السكان لأجل التفرقة بين المساجد.
وهو القريب في مسجد تونس فإنه لما كان منفرداً أطلقوا عليه المسجد الجامع بتونس فحين أحدث مسجد القصبة الذي تم بناؤه سنة (٦٣٣) وكان يعرف بمسجد قصبة تونس أو مسجد الموحدين سمي حينذاك بجامع الزيتونة.
التسمية ب?"جامع الزيتونة": ولم يشتهر جامع الزيتونة بهذا الاسم في القرون الولى وقصارى ما وقفنا عليه انه اشتهر بأنه جامع الزيتونة في أوائل العصر الحفصي وهو القرن السابع وفي طالعة ما وقفنا عليه (صلة السمط وصلة المرط) لابن الشباط التوزري فإنه يذكره باسم جامع الزيتونة ويعلل التسمية بما ننقله: وسمعت من يقول: إن المسلمين وجدوا بها أي تونس زيتونة، وأرى أنها التي يضاف إليها الجامع، فيقال: (جامع الزيتونة) .
فلما رأوا تلك الزيتونة قالوا: أو قال بعضهم لبعض: إن هذه الزيتونة تونس، فسميت المدينة بذلك (صلة السمط ج?٣ الورقة ١ ١٢ وجهاً) .
وجاءت تسمية جامع تونس بجامع الزيتونة في رحلة العبدري وكان ذلك سنة (٦٨٨) حين تكلم على الحنايا المجلوب عليها الماء إلى تونس.
وأما الساقية المجلوبة من ناحية زغوان فقد استأثر بها قصر السلطان وجنانه إلا رشحاً يسيراً سرب إلى ساقية جامع الزيتونة يرتشف منها في أنابيب من رصاص، ويستقي منها الغرباء ومن ليس في داره ماء ويكثر عليها ازدحام (رحلة العبدري ص٤٠) .
ومن هذا التاريخ وهو القرن السابع إلى عصرنا الحاضر يذكر المسجد الجامع بتونس باسم جامع الزيتونة فلا تكاد تقف على تاريخ لتونس إلا تجده ذكوراً بذلك.
ومن تلك التواريخ تاريخ ابن القنفذ القسنطيني في كتابه الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية المتوفى سنة (٨٠٩) على التحقيق، في مواضع من كتابه منها ما جاء حين حديثه على السقاية المستنصرية.
وفي هذه السنة سنة (٦٤٨) بنيت السقاية بشرقي جامع الزيتونة (ص١١٧) .
وذكره باسم جامع الزيتونة عندما تحدث على وفاة أحد أئمته: وفي شهر ربيع الأول الشريف المبارك من عام أحد وسبعمائة (٧٠١) توفي الشيخ الفقيه الخطيب الصالح أبو مروان عبد الملك بن الغرغار خطيب جامع الزيتونة (الفارسية ص١٥٣) .
واستمر على تسمية المسجد الجامع بتونس بجامع الزيتونة غير واحد منهم ابن الشماع أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الهنتاتي وكان حياً سنة (٨٦١) .
فقد ذكر السقاية التي أحدثها المستنصر بالله الحفصي وبين أنها بشرقي جامع الزيتونة.
واستمرت التسمية على انه جامع الزيتونة فلا يعرف بغير ذلك سواء في التواريخ أو في غيرها.
والقريب في وجه هذه التسمية أنه ربما يكون راجعاً إلى أن البلاد التونسية اشتهرت بزياتينها فتبرك الناس بتسمية مسجدهم بمسجد الزيتونة.
أو أنه عرف بجامع اليزتونة في القرن السابع بدون أن يعرف وجه للتسمية يستند لشيء ثابت معروف ولذلك التمس ابن الشباط في وجه التسمية ما تقدم.
@القسم الثاني في التعريف بالمفاتي الحنفية أعلم أن مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ﵁ كان أظهر المذاهب بإفريقية إلى أواسط المائة الخامسة فتناقص واستمر على تناقص رجال الدين الحنفي الزكي إلى دخول الدولة التركية في سنة ٩٨١ إحدى وثمانين وتسعمائة وإلى العهد لم يكن بالديار التونسية مفت حنفي.
١
стр. 154
إلى أن قدم من دار الخلافة (رمضان أفندي) بخطة القضاء على عهد يوسف داي في مبادئ العشرة الثالثة بعد الألف ولما استكمل مدة القضاء المعينة ورام الرجوع أمسكه يوسف داي حيث كان له بعض إلمام بفقه أبي حنيفة وأولاه خطة الإفتاء على مذهب أبي حنيفة فهو أول من تقلد هاته في حاضرة تونس.
ثم لما بنى يوسف داي المذكور جامعه الذي برأس سوق الترك وأتم بناءه في شهر رمضان المعظم سنة ١٠ ٢ ١ إحدى وعشرين وألف قدم رمضان أفندي المذكور خطيبا به وقدم أحمد أفندي إماما لإقامة الخميس، ولما أتم يوسف داي بناء المدرسة المجاورة لجامعه قدم رمضان أفندي لمشختها فهو أيضاً أول خطيب بالجامع اليوسفي وأول شيخ بالمدرسة اليوسفية فقرأ عليه الشيخ أحمد الشريف الحنفي أحد أبناء الترك المولودين بتونس نصف الكتاب المذكور، ولما رأى رمضان أفندي حسن ذكاء تلميذه وحسن فهمه ألزمه أن يتممه له وجلس بين يدي تلميذه إلى أن أتمه.
وكان في ذلك العهد الشيخ محمد بن سليمان ممن يتعاطى حل المسائل على مذهب أبي حنيفة وعنه أخذ الشيخ أحمد الشريف الحنفي.
٢
ولما توفي رمضان أفندي قدم يوسف داي الشيخ أحمد الشريف الحنفي للفتيا والإمامة والمشيخة عوضه بعد الأربعين والألف وأقرأ الدرر بالمدرسة.
وقد ذكر شيخ الإسلام البيرمي الثاني في شرح نظمه لأسماء المفتين من الحنيفة ما استدل به على ضعف بضاعة هذا المفتي في فقه مذهبه. ورب البيت أدرى بما فيه.
٣
وقد استمر على خططه إلى دولة أحمد خوجة بعد الخمسين والألف فوفد على الحاضرة الشيخ "أحمد الشريف الأندلسي" الحنفي من بلاد الترك شارح منية المصلي. ولسعة فقه قدمه أحمد خوجة لمشيخة المدرسة الشماعية لما أعاد بناءها ليقرئ بها الفقه الحنفي فهو أول من وليها من الحنفية ثم تقدم لخطة الفتيا والإمامة والمشيخة بعد عزل من قبله، وبث الفقه الحنفي في صدور كثير من الرجال غير انه امتحن بحسدة نسبوا إليه الكفر في نازلة أفتى بها بالمعتمد في مذهبه وهو قول محمد، فعارضوه بمقابله وهو قول الإمام وأبي يوسف وزعموا أن ذلك قول الإمام أبي حنيفة وجميع أصحابه فقال الشيخ أما أنه قول أبي حنيفة فصحيح وأما إنه قول جميع أصحابه فباطل فقالوا إنه حكم ببطلان قول الإمام واتفقوا على ردة من تلفظ بذلك جهلاً وحسداً من عند أنفسهم وقد حكى النازلة في تأليف له في صفة الإيمان ذكر في آخره أنه فرغ من تأليفه ضحى يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة ١٠ ٤ ٧ سبع وأربعين وألف. وبسبب الواقعة المذكورة تخلى عن جميع وظائفه ولم يبق بيده غير مشيخة المدرسة اليوسفية إلى أن توفي أوائل ربيع الأول سنة ١٠٦١ إحدى وستين وألف.
٤
وتقدم عوضه للفتيا الشيخ محمد بن مصطفى الأزهري ابن زروق أحد أبناء الترك الوافد على تونس من طرابلس بعد أن قرأ بالجامع الأزهر على فحول منهم الشيخ إبراهيم اللقاني المالكي وبلغ إلى درجة التحصيل وكان قدومه على عهد حمودة باشا المرادي فأكرم نزله حتى أنه ليقدم له نعله وقدمه لخطة الإفتاء بعد تخلي من قبله وخطبة الجامع اليوسفي وتوفي في التاسع عشر من صفر الخير سنة ١٠٦٧ سبع وستين وألف ودفن بزاوية سيدي أحمد بن عروس وأحصيت تركته فكانت مائة ألف ريال تونسياً.
٥
стр. 155
وولي عوضه الفتيا الشيخ "مصطفى بن عبد الكريم" البنزرتي قدم والده الشيخ عبد الكريم من بنزرت وقرأ بتونس وأقرأ وولي خطبة جامع القصبة ودفن بالسلسلة من تونس، وتزايد ابنه مصطفى سنة ١٠٢٨ ثمان وعشرين وألف وقرأ العلم وتفقه على الشيخ أحمد الشريف وأقرأ كتباً مهمة وتولى عوض شيخه المذكور إمامة الجامع اليوسفي وكان لا يفتي إلا كتابة وربما أخر المسألة سنة لتحريه وتثبته. ثم في سنة ١٠ ٧ ٥خمس وسبعين وألف عزل من جميع ذلك وخرج لحج بيت الله الحرام ولما عاد ولي خطبة جامع القصبة، ثم لما توفي الشيخ محمد بن شعبان خامس ربيع الأول سنة ١٠٩٧ سبع وتسعين وألف صار إماماً وخطيباً ومدرساً بالجامع الباشي. فأقام على ذلك إلى أن كان من جور طاطار داي وما أضجر المسلمين من تهافته على قتل النفس واتفق أن قدم من دار الخلافة منجي باشا فاجتمع الشيخ به ليلاً وذكر له فظائع طاطار، وبعد سفره لم يكن من طاطار إلا أن خنقه فقتل وألقاه في بئر وبعد أن أخرج منها وجد على حالته ودفن جوار الزلاج وقد قتل قاتله بعده بنحو ثلاثة اشهر والله لا يضيع عمل العاملين، وكان قتله سنة ١١٠ ٦ ست ومائة وألف.
٦
وأم الذي تقدم عوضه الفتيا فهو الشيخ (يوسف درغوث) ولازمها إلا أن قتل عليه ﵀ فخلفه ولده الذي أدرك الدولة الحسينية فكان ترتيب المفتين من ذلك العهد على ما يأتي:
٧
الشيخ عبد الكبير درغوث هو الشيخ عبد الكريم بن يوسف بن درغوث شاوش الوافد على الحاضرة من بلد الترك. ونشأ والده الشيخ يوسف في طلب العلم وكان من علماء الميقات وأخذ الفقه عن الشيخ محمد بن شعبان إمام الجامع اليوسفي وتقدم للنيابة عن القاضي الحنفي حيث إن المولى من قبل الدولة العثمانية قارة خوجة انتهت مدته ولم يقدم غيره فيباشر النيابة إلى أن قدم الشيخ يوسف القفال.
كما باشر النيابة عن الشيخ أبي المواهب النفاتي في خطة القضاء أيضاً سنة ١٠٧١ ثم قدمه الداي قارة كوز إلى خطة الفتوى وقد وقفت على مضمون أمر ولايته من محمد باشا مؤرخ بأواخر المحرم سنة ١٠٧٦ ست وسبعين وألف. ومثله أمر الآغا وجماعة الديوان. كما وقفت على مضمون أمر ولايته إماماً وخطيباً بجامع يوسف داي مؤرخ بغزة صفر سنة ست وسبعين وألف وفيهما التنصيص على أن ولايته عوض الشيخ مصطفى بن عبد الكريم.
وكان بمعيته في فتوى المالكية الشيخ أبو الفضل المسراتي، ولما توفي ولي بعده الشيخ محمد فتاتة ولم يزل الشيخان درغوث وفتاتة على وظيفتهما (وقد وقفت على مضمون أمر من حسن كاهية، وعلى طبقه أمر الآغا وجماعة الديوان مؤرخين بأوائل ربيع الثاني سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف في تقرير الشيخ يوسف بن درغوث شاوش إماماً وخطيباً بجامع يوسف داي، مذكور فيه "أبطلنا حكم الأمر الذي صدر منا للشيخ مصطفى بن عبد الكريم ورفعنا يده") . ولما ثارت نار الفتنة بين الأخوين محمد وعلي ابني مراد بن حمودة باشا سنة ١٠٨٨ ثمان وثمانين وألف، في خبر طويل ليس هذا بمحل ذكره وجالت يد محمد في المنتمين إلى أخيه فاعتقل الشيخان المذكورين بمحلته التي بالجبل الأخضر، أما المفتي المالكي فخرج مستتراً بظلام الليل وتيسر له أن وصل إلى دار الشيخ سعيد الشريف فاختفى فيها وبقي المفتي الحنفي إلى الصباح فأمر محمد باي بقتلهما فقتل المفتي الحنفي خنقاً وأمر بإخراجه ورمي جثته بالرصاص وأعاده إلى البئر وأغلق جامعه ومنع الصلاة فيه، وبقي المفتي المالكي مستتراً إلى أن أمنه محمد باي وأعاده إلى خطته وندم على ما فات منه في صاحبه وعند ذلك أمر بإخراجه من البئر فغسل وكفن وصلي عليه ودفن بالزلاج قرب سيدي أبي مقطع وكان ذلك أواخر حجة عام ١٠٨٨ ثمانية وثمانين وألف، وأخبرني حفيده أنه قد سقط على قبره سقف تربته بالزلاج فلما رفعوا التراب وجدوا قبر الشيخ قد فتح وإذا به كيوم وضع ولم يبل منه غير كفنه وكان ذلك بعد أكثر من مائتي سنة رحمه الله تعالى.
стр. 156
وبعد دفن الشيخ بأيام أرسل محمد باي إلى والده صاحب الترجمة بتوليه وظائف والده فولي خطة الفتيا وإمامة الجامع اليوسفي بعد الامتناع الكلي لنفوره بما وقع بوالده وتعلل بصغره وقصوره وكانت ولايته خامس صفر الخير سنة ١٠٨٩ تسع وثمانين وألف، وعند ذلك صاحب المفتي المالكي الشيخ محمد فتاتة وأعانه على الفتيا فكان يرجع إليه في جميع الفتاوي وبسبب ذلك حصلت له مشاركة في المذهب المالكي مع أنه كان قرأ على والده وعلى غيره وأخذ الفقه عن الشيخ مصطفى بن عبد الكريم والشيخ محمد بن شعبان. وقد ذكر شيخ الإسلام البيرمي في شرح نظم المفتين الاستدلال على قصوره غير ما دلت عليه تحلية معاصره المفسر الشيخ محمد زيتونة في ثنائه على تقريظ لسمط اللآل ولذلك تعين علي أن نذكر ذلك التقريظ والثناء عليه إذ يمكن للمطالع أن يهتدي بذلك لتحلية صاحبه الترجمة وذلك أن كتاب سمط اللآل الذي ألفه مدرس جامع محمد باي المرادي العالم الصالح الشيخ محمد قويسم في التعريف برجال الشفا وهو كتاب غريب في بابه يحتوي على عشرة أجزاء ضخمة فيه من شوارد المسائل والتحريرات واللطائف والتراجم والأخبار ما يسلي الغريب، ويفيد العالم اللبيب، ولذلك قرظه كثير من علماء ذلك العصر ومنهم صاحب الترجمة كتب عليه ما نصه: نحدمك اللهم يا من أنطق الألسن بنفائس السحر الحلال، والأقاويل ببدائع يواقيت المقال، فأصبح روض المحاسن بوابلها الهتان في ميادين البها زاهرا، ودجى المعارف لفتوحات أنوارها ناضرا. ونصلي ونسلم على سيدنا محمد نقطة دائرة الوجود، وشفيع العصاة في اليوم الموعود، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد فقد نزهت طرفي في مساحة من رياض هذا التأليف البديع، وأجريت طرفي في ميدان ما أبداه المؤلف من حين هذا الصنيع، فألفيته فائزاً بالتقدم في حلبة التأليف، حائزاً قصب السبق باشتماله على الترصيع والترصيف، مشحوناً باللطائف تمتد إليها أعناق ذوي الهمم من كل جانب، وترى تواليها أحداق أولي المشارق والمغارب، فالحق أحق أن يتبع أو يقال، لم ينسج في زماننا على هذا المنوال، فلله در مؤلفه حيث جمع فأوعى، وأتى بما تعجز عنه القوى فجاء الغاية القصوى، على جل العلوم قد احتوى، فهو علامة زمانه، ولوذعي أوانه، الجهبذ الفريد، والمحقق المفيد، الشيخ الفاضل والنحرير الكامل أبو عبد الله الشيخ محمد قويسم أدام الله النفع بعلومه، وسقى رياض المعارف من طيب فهومه. إنه على ذلك قدير. وبالإجابة جدير"أ. هـ.
ولما اطلع على هذا التقريظ خاتمة المحققين وعمدة الراسخين الشيخ محمد زيتونة كتب في الثناء عليه ما نصه: هذه بنات أفكار، وعرائس أبكار، ونفائس سجع برزت من وراء الستار، جالسة على منابر العز متنافسة، سائرة بين أغصان الرياض متمايسة، مرتضعة من ثدي الأدب رحيق الزلال، منبهة على عظيم مقدار سمط اللآل. سالكة منه مسلك الإجازة، فيما زبره التأليف وأجازه: [الخفيف]
نمّقتها يدُ المحاسن فضلاً ... من همام موضّحِ المشكلاتِ
صادعٍ بالدليل في كل خطب ... ناصر الحق قدوة الأثباتِ
شيخ الإسلام جامعٍ لعلومٍ ... واسع الصدر فاتح المعضلاتِ
كاشف الكرب راحمٍ لفقير ... رافع القدر دافع المذهلاتِ
من أتاه يروم فك عقال ... من مهم لبّاه بالإثباتِ
شكر الله سعيه وحباه ... حين يلقاه روضة الجناتِ
عالم أرجاء البسيطة التونسية، ومفتي الديار الإفريقية، المنفرد بين أهل عصره في العلوم العقلية والفقهية، بالرئاستين المالكية والحنفية، سيدنا الهمام، ومولانا العلام، الإمام المتصدي لأجوبة النوازل تصدي الأسد الليوث، أبي عبد الله محمد المشتهر بالكبير، في طاعة مولانا الكبير، ونصرة شرع السراج المنير، ابن العلم الأكبر، ورئيس الفتيا الأشهر، محرر الدلائل، ومقرب المسائل، وموضح المشكلات لكل سائل، المرحوم بكرم الله سيدي يوسف درغوث، رحم الله السلف، وأدام ذكرهم بالخلف"أ. هـ.
стр. 157
ولما ولي مراد باي في شهر رمضان سنة ١١١٠عشر ومائة وألف عزله من الفتيا وخطبة الجامع اليوسفي لسابقية حكمه عليه بالسجن في خبر نقله شيخ الإسلام البيرمي في شرح نظم المفتين وأولى مكانه فيها الشيخ علي الصوفي وبعد مدة اعتذر الشيخ علي الصوفي بالعجز وطلب معونة الشيخ عبد الكبير درغوث فأعيد إلى خطته وتقدم على الشيخ علي الصوفي لسابقيته فصار الشيخ علي الصوفي مفتياً ثانياً وذلك أول عهد تعدد المفتين من الحنفية. ولم يزل الشيخ عبد الكبير، محبباً إلى الصغير والكبير، بما عنده من محاسن الأخلاق وحسن المعاملة ولطف المحاضرة زيادة على علمه إلى أن توفي في المحرم سنة (١١٣٣) ثلاث وثلاثين ومائة وألف، عليه رحمة الله ورثاه الشيخ محمد الوزير السراج بقوله: [مجزوء الرمل]
ذا ضريح ضم كنزاً ... لعلوم الثقلينِ
كان في الدينا كبيراً ... كاسمه في الخافقينِ
لقّبوه درّ غوثٍ ... صدقوا من غير مينَ
مدّ من نهر الفتاوي ... للورى نضّاختينِ
حلّ في جنة عدن ... ونعيم خالدينِ
فاسأل المولى لديه ... بخضوع الرّاحتين
عللاً من نهر عفوٍ ... في جني من جنتين
إنَّ من قد أرَّخوه ... (كان يدري المذهبينِ)
٨
الشيخ علي الصوفي هو الشيخ أبو الحسن علي الصوفي ولد سنة ١٠٥٨ ثمان وخمسين وألف، وتصدى للأسخذ فقرأ على فحول وهم الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا والشيخ مصطفى بن عبد الكريم والشيخ محمد فتاتة والشيخ يوسف درغوث الأكبر والشيخ محمد قويسم والشيخ إبراهيم الأندلسي والشيخ عاشور القسنطيني والشيخ محمد الغماد وقرأ مختصر الشيخ خليل على الشيخ سعيد الشريف وتضلع بالمعقول والمنقول وتقدم على رجال عصره في العلم والعمل والزهد حتى لقب بالصوفي وكانت دروسه مملوءة رجالاً، يواظب عليها ويقرأ عشية الجمعة تنبيه الأنام بزاوية الشيخ سيدي عياد الزيات وتقدم لمشيخة المدرسة الشماعية وخطبة الجامع الباشي وهو أول مدرس حنفي وإمام بجامع محمد باي الذي تم بناؤه عام ١١٠٤ أربعة ومائة وألف، ثم قدمه مراد باي الثاني إلى خطه الفتيا وخطبة الجامع اليوسفي سنة ١١١٠ عشر عند عزل الشيخ يوسف درغوث ثم صار مفتياً ثانياً بإرجاعه. ولما توفي الشيخ يوسف تقدم لمشيخة الإسلام سنة ١١٣٣ ثلاث وثلاثين ومائة وألف وبلغ من العمر إلى خمسين وثمانين سنة وتوفي سنة ١١٤٣ ثلاث وأربعين ومائة وألف، عليه رحمة الله، ودفن بالزلاج بمقربة من قبر الإمام ابن عبد السلام وأرخ وفاته أحد الشعراء بقوله: [الكامل]
رمسٌ تخطُّ به يد التصريف ... توقيعَ تحذير بغير حروفِ
وضجيعه تبدي مآثره لنا ... دررَ العلا من بحره المكفوف
نفدت فتاويه وما نفدت فتوَّ ... ته التي بعلا المعارف توفي
إذ حاز في تاريخه كل الكما ... (ل عليٌّ المفتي الإمام الصوفي)
٩
الشيخ يوسف درغوث هو الشيخ أبو المحاسن يوسف بن عبد الكبير بن يوسف بن درغوث شاوش ثالث آبائه الكرام في مشيخة الإسلام، ولد سنة تسع وثمانين وألف ونشأ في بذاخة عز آبائه الكرام. وأخذ الفقه عن والده الشيخ عبد الكريم والشيخ علي الصوفي وخطيب جامع القصر وشيخ المدرسة اليوسفية الشيخ محمود مهتار وقرأ مختصر القدوري على الشيخ محمد بن حسين بن بيرام وقرأ أيضاً على الشيخ قاسم الجبالي والشيخ محمود الغماري. ولم يتصد للإقراء غير أنه كان عارفاً بالنوازل ولما توفي والده رفعه الأمير حسين باشا باي من جنازة والده إلى باردو وقدمه إلى خطة الفتيا وخطبة الجامع اليوسفي في أواسط المحرم سنة ١١٣٣ ثلاث وثلاثين ومائة وألف فصار مفتياً ثانياً وباشر الإفتاء بطريقة غراء. ولما توفي الشيخ الصوفي تقدم لمشيخة الإسلام فزانها بفضله وعمله وكرم نفسه وهمته ووقاره إلى أن أدركته المنية فتوفي سنة ١١٥٦ ست وخمسين ومائة وألف، ورثاه الشيخ أحمد سمية بقوله: [الكامل]
لله رمسٌ صم يوسفَ عصره ... فغدا به كالبدر في غسق الظلامْ
حاز المحاسن في الحياة وبعدها ... ورقي المنابر في جلال واحتشام
ما جاءه لمحله ذو حاجة ... إلا وشوهد في محياه ابتسام
أجلى صدر الفتيا بحدة ذهنه ... فتبهرجت بجماله بين الأنام
стр. 158
وكسا علاه حلةً من بهجة ... محرابه والمنير العالي المقام
فسل المهيمن يكسه حلل الرضى ... ويهب له الخيرات في دار السلام
وبحقّه قل إن سئلت مؤرخاً: ... (هذا الهمام ابن الإمام ابن الإمام)
١٠
الشيخ يوسف برتقيز هو الشيخ أبو المحاسن يوسف بن محمد بن سليمان بن عبد الله برتقيز، جده عبد الله هو الذي هاجر إلى دين الإسلام، وولد صاحب الترجمة بزغوان سنة اثنتين وتسعين ألف. وقرأ بها القرءان وجوده برواية نافع على الشيخ حسين بالزاوية العزوزية، وقرأ هنالك على الشيخ أحمد الهرميلو الأندلسي نبذة من النحو وشرح السعد على العقائد النسفية وارتحل إلى باجة فأخذ عن الشيخ حميدة بها بهجة السيوطي ومختصر السعد والعروض.
ثم ارتحل إلى مصر فقرأ على الشيخ أحمد العقدي الفقه والأصول، وقرأ على الشيخ خليل تلميذ الحموي قطعة من الهداية، ثم ارتحل لحج بيت الله الحرام وجاور الحرم الشريف وقرأ على الشيخ عبد الله بن سالم البصري الحديث وقطعة من المبسوط للسرخسي ونبذة من الكنز وشرح ملا مسكين ونصف الملتقى.
ثم رجع إلى تونس على عهد المقدس حسين باشا بن علي تركي فأحضره عنده لإقراء أبنائه، ولما توفي الداي قارة مصطفى عوض منه إمامة الحاج علي فاصطفاه لنفسه وأقبل عليه بكليته وأناله من عنايته به الحظ الأوفر لما رأى عليه من النصح في تعليم أبنائه وحسن عنايته بهم حتى بلغوا به إلى مراتب العلماء.
وكان الأمير حسين باشا يجل منزلته فولاه من الإقبال ما لا كفاء له حتى أنه كل يوم عند خروجه من محل الحكم يدخل إلى بيت الإمام المذكور ويعلمه بجميع متعلقات الدولة، وعند ذلك يعرض عليه الشيخ شكايات بعض المظلومين من قبل العمال وبعض مطالب لذي حاجة عرضها ويجري فصل جميع ذلك في بيت الإمام حتى كانت تسمى المحكمة الثانية.
ولما توفيت زوجة الشيخ وتكدر من وفاتها ورام التسلي جهزه الأمير حسين أكمل جهاز من مال الغنائم الحلال وأرسله ليحج عنه فخرج خروجاً لازال حديثه مطراً في جباه مسطور التواريخ، وأقبل كذلك، وعند وصوله لطرابلس أرسل له الأمير كروسته وعند قربه من الحاضرة أرسل له ابنيه محمد باي وعلي باي فتلقياه في طريقه وعند وصوله تلقاه وعظم قبوله بنفسه غاية التعظيم.
ولما توفي الشيخ علي الصوفي قدمه مفتياً ثانياً سنة ١١٤٣ ثلاث وأربعين ومائة وألف، وأولاه إماماً ومدرساً بجامع محمد باي ونزل من باردو لسكنى الحاضرة بعد أن اشترى له الأمير داراً ببئر الحجاز من أعظم ديار تونس ثم أضاف إليه خطبة جامع محمد باي وكان ولد الشيخ أحمد قرأ مع أبناء الأمير على والده وعمره يومئذ سبع عشرة سنة فقدمه الأمير لإمامته عوض والده براً به فأقبل الشيخ على بث العلم، وشرح متن القدوري شرحاً سماه المنن. وقد وقفت على رسالة في جمع أسماء رجال الطبقات للشيخ عبد الوهاب الشعراني وتلخيص تراجمهم ذكر في أخرها أنه وافق الفارغ من اختصارها ببلد باجة يوم الخميس الثامن من شوال سنة ١١١٨ ثماني عشرة ومائة وألف ورأيت بخط حفيده إمام جامع القصر الشيخ محمد ابن الشيخ حمودة صاحب الترجمة ما نصه: "إن أول من اتخذ ركاب الحديد المهلب بن أبي صفرة وكانت ركب العرب من خشب قال جدي في رياض الفنون على رسالة ابن زيدون"أ. هـ.
غير أني لم أقف على هذا الشرح وله تأليف سماه "المعالم في ألقاب ملوك العالم" لك أقف عليه أيضاً. وقد رأيت في شرحه على المنن في ترجمة الإمام أبي حنيفة أن له كتاباً سماه تيجان العقيان، في تجريد جامع مسانيد النعمان، وأنه شرحه شرحاً سماه اليواقيت الحسان، غير أني لم أقف على واحد منهما، وقد نظم هداية الصبيان في العبادات على مذهب أبي حنيفة وقد قال في مطلعها: [الرجز]
الحمد لله الذي كرّمنا ... على جميع الخلق إذ صورنا
بصورة شريفة خصصنا ... وببنا فكر الحجا شرفنا
أنقذنا من ظلمات الكفر ... عساه أن يحط وقر الوزر
منحنا بفضله الإسلاما ... علمنا العلوم والأحكاما
شكراً على مزية الإتباع ... لسنة النبي ذي الأتباع
صلى عليه الله سيد البشر ... وأفضل المخلوق من نبي أبر
والآل والأصحاب أهل الاهتداء ... بهم نجا يوم الجزا من اقتدى
стр. 159
هذا وقال يوسف الزغواني ... المرتجى مغفرة الرحمن
وهو نظم لطيف موجز يسهل حفظه للطالب ولم يزل الشيخ وولده بالمكانة العطمى إلى أن دخل الباشا علي وتقيد الشيخ عن الفرار مع أبنائه بكثرة عياله، ورجع إليه ولده إمام المحلة فاراً فقبض عليهما الباشا وسجنهما واستأصل جميع متاعهما، وعندما اشتد الضجر بالشيخ قتلهما الباشا لما يعلم من قربهما من عمه أواسط صفر الخير سنة ١١ ٤٨ ثمان وأربعين مائة وألف عليه رحمة الله.
?١١
الشيخ عبد الكبير الصوفي هو الشيخ عبد الكبير بن علي الصوفي ولد سنة ١٠٨٩ تسع وثمانين وألف، وقرأ على والده الشيخ علي الصوفي وعلى الشيخ عبد الكريم الحنفي وعلى الشيخ محمد الغالبي والشيخ أحمد مجاهد صاحب رواية الحديث بزاوية الشيخ سيدي أحمد بن عروس ﵁ والشيخ محمود مهتار والشيخ حسي والشيخ محمد الكفيف والشيخ هبة الله والشيخ عبد القادر الجبالي والشيخ قاسم الغاري والشيخ محمد الغماد والشيخ سعيد المحجوز.
ولما بلغ أشده وتضع في العلوم نزله له والده عن مشيخة المدرسة الشماعية وقدمه إليها سنة سبع عشرة فلازم التدريس بها مع تحقيق وتدقيق وتحرير.
ولما توفي الشيخ أحمد برناز صاحب الشهب المحرقة في الرد على أهل الزندقة قدمه الباشا حسين عوضه لإمامة الجامع اليوسفي وروايته وخطبة جامع محمد باي في ذي القعدة سنة ١١٣٨ ثمان وثلاثين ومائة وألف فزان الخطتين بحسن ترتيله وبلاغة خطبه. ثم لما دخل الباش عليٌّ قدمه مفتياً ثانياً عوض الشيخ يوسف برتقيز وكان محتملاً أثقالاً من تقدم الشيخ يوسف درغوث عليه ولما أعياه الانتظار لما كان يتوقعه للشيخ المذكور طلب من الباشا أن يسافر صحبة الهدية الموجهة للسلطان وأضمر عدم العود من حيث أن الباشا لم يشعر بما أضمره فأذن له بالسفر ولما رجع السفراء أقام الشيخ في دار الخلافة مدة وجيزة وبلغ خبر وفاته أواسط رجب سنة ١١٥٠ خمسين ومائة وألف، وعظموا جنازته وكتبوا على قبره تاريخاً بالذهب، عليه رحمة الله.
١٢ الشيخ محمد الأرناؤوط
هو الشيخ أبو عبد الله محمد الأرناؤوط إمام الأمة في المذهب الحنفي ومعرفة الأصول بحيث إنه وحيد عصره فقهاً وأصولاً بعد أن كان حلاقاً في صباه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أخذ الفقه عن الشيخ الكبير الصوفي، وأخذ العربية عن الشيخ علي سويسي، وملأ الصدور والمحافل بعلومه وكماله فأقرأ كتباً مهمة مثل الكنز والمجمع وصدر الشريعة والدرر والمنار، ولازم التدريس وأخذ عنه الفحول.
ولما توفي الشيخ يوسف برتقيز قدمه الباشا علي بجامع الباي خطيباً وإماماً ومدرساً أواسط صفر الخير سنة ١١٤٨ ثمان وأربعين ومائة وألف فزان الجامع المذكور بعلمه وفصاحته.
ولما نعي الشيخ عبد الكبير الصوفي قدمه مفتياً ثانياً عوضه فأقام على الفتيا إلى أن توفي الشيخ يوسف درغوث فتقدم لمشيخة الإسلام سنة ١١٥٦ ست وخمسين فزانها بعلمه.
ثم تقدم لمشيخة المدرسة الشماعية سنة سبع وخمسين ومائة وألف بعد وفاة الشيخ حسن البارودي.
ولم يزل على مشيخة الإسلام يبث العلم بين الأعلام حتى امتحنه الله بإيداع علي باشا أمانة عنده تبلغ نحو عشرة آلاف بندقي حين أيس من البقاء على الدولة. ولما خرج وعاثت يد الجزيريين بالنهب في البلاد دخلوا إلى دار الشيخ للانتهاب فوجودا عنده المال المذكور فحملوه لرئيس محلة الجزيريين حسن باي فاتهمه أنه قد استخلص لنفسه أموالاً أخر وتعمد ضربه بالسياط مع علمه وإشرافه على الثمانين ولم يراقب الله فيه، وكان الأمير محمد الرشيد باي في كرب عظيم من ذلك مع عجزه عن دفع ذلك عنه حتى أرسل إليه مع باش كاتب الشيخ محمد الدرناوي في السجن يأمره بالشكاية إلى حاكم الجزائر، وأفضى الأمر إلى إيقاع صلح مع حسن باي باع فيه الشيخ جميع كسبه حتى أمتعة بيته ودفع له الأمير محمد الرشيد لإكمال الصلح ألف محبوب سراً ليعيده من أسر الجزيريين. والله لا يضيع عمل عامل.
وقد لازم الشيخ بيته بعد ذلك ولم يكن للأمير أن يرجعه لمشيخة الإسلام نظراً لما وقع به من الامتهان وإنما أجرى عليه فيوض إحسانه إلى أن توفي، رحمة الله عليه.
١٣ الشيخ محمد درغوث
стр. 160
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عبد الكبير بن يوسف درغوث رابع الدرغوثيين في الخطة الشرعية، وذلك أنه لما توفي والده سنة ست وخمسين توقف الباشا في تقديمه لخطة الإفتاء حيث إنه لم تسبق له سابقية العلم، وانتظر قدوم الشيخ حسن البارودي من إسلامبول ليوليه الفتيا وعند ذلك أخذ صاحب الترجمة في القراءة على الشيخ علي بن سلامة وقرأ معين المفتي على الشيخ محمد الأرناؤوط، وما لبث أن جاء خبر نفي الشيخ حسن البارودي فأعمل صاحب الترجمة الوسائل مع صهره سليمان باي ولد الباشا إلى أن قلده الباشا علي باي الإفتاء وإمامة الجامع اليوسفي وراثة عن والده.
وأقام مفتياً ثانياً إلى أن تبلج صبح الهدى بولاية الباشا محمد الرشيد باي فأخره عن الخطة لقصوره، وذلك أخر العهد بالدرغوثيين في الخطة الشرعية وإمامة الجامع اليوسفي بعد أربع وتسعين سنة، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وقد توفي سنة تسع وسبعين ومائة وألف، عليه رحمة الله ورثاه أحد الشعراء بقوله: [البسيط]
رمسٌ عليه من المولى جلالاتُ ... لا بل من الجنة الفردوس روضاتُ
مذْ حلّه من له بين الورى شرفٌ ... ورتبة دونها الشهب العلياتُ
محمدٌ شيخُ الإسلام بن يوسف من ... لذكرهم في العلا والمجد آياتُ
من آل درغوث من أمست مناقبهم ... لها على هامة الجوزاء دوساتُ
توارثتْ منصب النعمان كابرهمْ ... عن كابرٍ إثره يقفوه ساداتُ
كانت بهم تونسٌ قطب البلاد وقد ... كانوا إليه بدوراً وهي هالات
مولاي قبلهُ بالعفو الجميل فقد ... وافى لبابك تجدوه الخطيئات
أجاب داعيكَ لمّا أن دعوتَ وما ... سوى الرجا زاده التقوى وآلاتُ
فجازه بالرضا إذْ كان تاج علا ... في حكم شرعك تضنيه الولايات
وقد جزمنا بفألٍ من مؤرخه ... (حزاءُ تاجِ العلا والعلم جناتُ)
١٤ الشيخ حسين البارودي
هو الشيخ أبو محمد حسين بن إبراهيم البارودي بن محمد أصلهم من بلد مورة ومنها قدم إبراهيم المذكور وقد حج بيت الله الحرام وكان له أولاد ثلاثة أولهم قاره مصطفى وقد نشأ في العسكرية وبلغ إلى أن ولّي ترجماناً في دريبة الدولاتلي، والثاني وكان عالماً ولي إمامة الجامع اليوسفي ومشيخة المدرسة الشماعية بعد وفاة الشيخ عبد الكبير الصوفي في رجب سنة ١١٥٠ خمسين ومائة وألف، وتقدم أيضاً لمشيخة المدرسة العنقية، وكان فصيحاً في اللغة التركية وقد جرى الرسم في الجامع اليوسفي بترجمته الحديث الشريف بها فجرى على ذلك، ومعظم أمره عند الترك مدة الباشا لمكان علمه وفصاحته حتى أحس الباشا من إقبال الترك إليه فأرسله برسم شراء كتب من إسلامبول فأدركته الوفاة قرب ساقس فدفن بها.
وأما ثالث أبناء إبراهيم المذكور فهو صاحب الترجمة وقد ولد بتونس سنة ١١١٠ عشر ومائة وألف. ونشأ نشأة صالحة وتصدى لقراءة العلم الشريف فقرأ على أعلام جامع الزيتونة حضر على الشيخ علي سويسي عند إقرائه شرح الباشا على التسهيل، وقرأ على الشيخ محمد الحرقافي شرح القطر لابن هشام وملا جامي في النحو، وقرأ الكتاب المذكور على الشيخ حمودة العامري خليفة جامع الزيتونة وتفقه في مذهب أبي حنيفة على الشيخين أحمد الطرودي وإمام الباشا وخطيبه الشيخ ملا باكير، وقرأ على خاتمة المفسرين الشيخ محمد زيتونة، وظهرت براعته وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة ثم لازم بث العلم لولا ما عاقه من المحن مدة الدولة الباشية فقد انتبهوا داره وأثاثه وسجنه الباشا مدة ثم نفاه لزاغون ولما ورد خبر وفاة أخيه أرسل بإرجاعه إلى الحاضرة وأولاه إمامة الجامع اليوسفي وروايته سنة ١١٥٧ سبع وخمسين، ولم تمض عليه سنة حتى أعاده إلى النفي بزغوان، فبقي هنالك إلى أن انقضت فتنة يوسف باي فأرسل إليه وأتى به وأولاه إمامة الجامع الباشي عند عزل الشيخ يوسف القفال وأولاه رواية الجامع المذكور وتدريسه عند عزل الشيخ محمد الأرناؤوط كل ذلك أواسط رجب سنة سبع وسبعين ومائة وألف.
стр. 161
ولما وفد على دست الدولة ركاب الرشيد الحسيني وعزل المفتين أولى الشيخ المذكور مشيخة الإسلام وإمامة الجامع اليوسفي وأولاه خطبة جامع باردو المعمور ونقله من إمامة الجامع الباشي إلى إمامة جامع والده الجامع الحسيني والخطبة به وإن بقي له تدريس الجامع الباشي مع تدريس الجامع الحسيني وأعطاه داراً جليلة للسكنى، فساعده الإقبال ببلوغ الآمال وهنأه الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز في جميع ذلك بقوله: [الوافر]
تضوّعَ منبر تعلوه طيباً ... غداة علوتَ ذروته خطيبا
وتطربه فيهتزُّ ارتياحاً ... كما قد كان أملوداً رطيبا
ليهنك يا إمام العصر يا منْ ... بحكم الله مجتهداً مصيبا
فأضحى الدين محميّاً مصوناً ... وقدماً كان قد لاقى شحوبا
وأضحى آهلاً بمراح أنسٍ ... وقبلك كان في الدنيا غريبا
ودار قد حللت بها فظلّتْ ... لمرتا العلا ربعاً خصيبا
تضم البدر لا يخشى محاقاً ... وتحوي الشمس لا تبغي غروبا
قد ازدحمت بساحتها وفودٌ ... وما أحد توهّم أن يخيبا
فلاقوا منك وجهاً ذا ابتسام ... وصدراً ضمّن التقوى رحيبا
سقاها غيرَ مفسدها سحابٌ ... يحاكي جود راحتكم صبيبا
ولازالت سعودك في توالٍ ... وقد زالت نحوس لن تؤوبا
تبلّغ كل ذي أمل مناه ... بعيداً كان ذلك أو قريبا
وحيث أنه قد اجتمعت بيده ثلاث خطب باشر منها خطبة جامع باردو بنفسه وأناب لخطبة الجامع اليوسفي إمام الخمس به ورواية [الجامع الباشي] الشيخ عمر بوشناق، وأناب لوظائف الجامع الحسيني خطيبه الأصلي [خطابة] وإمامة ورواية الشيخ محمد قاره بطاق المنقول منها لإمامة الجامع الباشي.
وتصدى الشيخ حسن البارودي للإفتاء وبث العلم وأقرأ بالجامع الباشي الجوهرة على القدوري وعاد للتدريس بالمدرسة الشماعية فأقرأ فيها ملا مسكين على الكنز وتصدى لخدمة العلم الشريف والقيام بخططه أحسن قيام.
وقد كتب رسائل كثيرة في كثير من المسائل الفقهية منها رسالته التي في الرد على من قال بإبطال حكم القاضي بعد القضاء وقد تنازع في المسألة مع قاضي بارودو إذ ذاك وبعض الشيوخ المالكية، وله رسالة فيمن قال لامرأته أنت طالق يا زانية، ورسالة في الشكل المثلث والمربع من الأحواض، ورسالة سماها القسطاس السوي في الصاع النبوي، ورسالة في خلع الصبية، وأخرى في أبوة زوج المرضعة، وأخرى في الزايغة وأخرى في حكم الكتابي والصابي والمجوسي، وأخرى في نقل الحاضنة للمحضون، وأخرى في تقدير الشجر المغروس في الأرض المغصوبة، وأخرى في رد الجواري المشتراة بعيب، وقد كتب على قوله تعالى: (يوجد أية) ، وشرح حديث قتل النملة، وشرح خطبة العيني على الكنز، وكتب في بحث الأمير علي باي في النذور.
وشرح عبارة القدوري فيمن أفسد الركعتين الأخيرتين وكان الشيخ لطف الله الأعجمي إذ ذاك بتونس سنة ثمان وسبعين فشرحها بغير ما شرحها به الشيخ البارودي، فتعقب شرح الشيخ لطف الله برسالة استدراك من أجلها الشيخ لطف الله على رسالته الأولى بما اعتذر به لصحتها، وعند اطلاعه على ذلك الاستدراك رده برسالته الأخرى وأغلظ فيها ما شاء، والمستفاد من جميع ذلك أن اليد لصاحب الترجمة في أصل المسألة الفقهية وإن ارتكب في أثناء ذلك أشياء لا تنهض في الرد لكن على كل حال هي شاهد عدل على فقهه وقد وقفت على تقريظ لهاته الرسالة البارودية من شعر الشيخ محمد الشحمي وذلك قوله: [الكامل]
غاصت سوابحُ فكره في أبحرٍ ... من رائق العلم السني المجدودِ
فسعت من الدر الأنيق نفائساً ... ما رامها إلا بكف الجود
كم حبّرت أقلامهُ بدفاترٍ ... تهدي إليك من العطا الممدود
العالمُ الأسنى حسينٌ من غدا ... في فضله يزهو بغير جحود
كم مشكلٍ أعيا جهابذة الورى ... أضحى إليه بذلّةِ المصفودِ
حتى أقر الجاحدون بما رأوا ... وانقاد للتسليم كلّ حسودِ
لا تعجبوا إن شق مصمت صلدها ... شقّ الجبال بقوة البارودي
وكتب عليه أحد الشعراء في ذلك العهد بيتين فيهما تعريض بنسبة الشيخ لطف الله للتشيع وحاشاه من ذلك ﵁ وهما: [الوافر]
إذا نقلَ الثقاتُ فروعَ فقهٍ ... مفرّعةٍ على أصل متين
стр. 162
فما ردّ المقلّد ذلك إلا ... كشيعيٍّ يرد على الحسين
لوما تكاثرت عليه الخطط أناب في بعضها من شاء وباشر منها ما شاء وصفا له العيش فيما بقي من عمره وباشر بنفسه إمامة باردو فرتل القرآن بصوته وحسن تلاوته وزان المنبر ببهجته وحسن فصاحته، مع تهذيب العلم وحسن المحاضرة ولطف الفهم وجمال السمت وحسن الإقبال عند الأمير وفاء بما أصابه من الدولة الباشية ترمقه العيون بتعظيم العلم ومزيد الإجلال، ويتوجه إليه العموم في معظم الإقبال. وقد نفع بعلمه وجاهه وقد حج بيت الله الحرام ورجع سالماً، ولم يزل على كماله إلى أن أدركه الأجل فتوفي في ذي القعدة الحرام سنة ١١٨٦ ست وثمانين ومائة وألف عليه رحمة الله وقد رثاه الشيخ أبو الفلاح صالح الكواش بقوله: [الرمل]
ذا ضريحٌ أم رياضٌ لم يزلْ ... من سحاب العفو في وبل وطلّ
خلته يحوي الدراري فلكاً ... حلّه شمس الهدى لكن أفل
ذو علومٍ وذكاءٍ وتقىً ... وابتهال وسخاء وخجل
نسب البارود فيه حيثما ... شق في الفتيا مواضيع الحيل
رب لا تقطع شآبيب الرضا ... عن حسين يا كريمٌ لم يزل
قد مضى يرجو رضا الرحمن أر ... خت: يا مؤمن بلغه الأمل
١٥ الشيخ محمد بيرم الأول
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بن بيرام قدم جده بيرام من القسطنطينية إلى تونس في أثناء الجند العثماني الذي قدم صحبة سنان باشا لفتح قلعة حلق الوادي وافتكاكها من يد الإسبانيوليين سنة ٩٨١ إحدى وثمانين وتسعمائة، ولما أيدهم الله بالنصر أقام الجد المذكور بتونس وتزوج بها في ثروة واعتبار، ثم إن أبناءه تعاطوا العلم واحداً بعد واحد كل على حسب ما يسر الله له عدا جد صاحب الترجمة فإنه لم يتعاط شيئاً من العلم. أما والده فقد كانت له مشاركة غير أنه دخل في الخدمة العسكرية وكان متقلداً وظيفة أوضه باشي وتولى استخلاص الأعشار على عهد الباشا فصادره في ماله وسجنه إلى أن مات، وكانت زوجته جنات بنت الحاج حسن كحل العيون أمها من آل الشريف الذين مر نشر بعض مناقبهم في آل القسم الأول وهي الشريفة صاحبة الكرامات حسينة بنت أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن علي بن الحسن بن أحمد الشريف الهندي المتقدم الذكر ومنهما كان ولده صاحب الترجمة فهو يتصل بآل الشريف من قبل أم أمه.
وقد ولد في شوال سنة ١١٣٠ ثلاثين ومائة وألف، ونشأ في طلب العلم فقرأ على الشيخ أحمد اللعلاع المقدمة والمغني والماكودي والأشموني على الألفية وشرح الخزرجية والقلصادي في الحساب والشنشوري على الرحبية، وقرأ على الشيخ علي سويسي المغني والتسهيل، وقرأ على الشيخ أحمد المكودي الأشموني على الألفية والتصريح والمحلي ومختصر السعد وعصام على السمرقندية والكبرى وألفية العراقي، وقرأ على الشيخ أحمد الشريف الثاني الفاكهي والعصام على السمرقندية، وقرأ على الشيخ حسين البارودي السابق الذكر الشرنبلالي في العبادات ومختصر القدوري والعيني على الكنز وابن فرشته على المجمع وصدر الشريعة، وروى صحيح البخاري على غالب شيوخه المذكورين، وقد قرأ على غير هؤلاء.
وطلع شمساً في أفق العلوم، فوضح طريق المنطوق والمفهوم، غير أنه أصابته محن الدولة الباشية وذلك أن الباشا لم يسمح له بإخراج ولده من السجن وفاته إلا أن يسجن عوضه ولده صاحب الترجمة، فأقام في السجن صابراً يطالع الكتب ويحرر المسائل ثم خرج من السجن وأولاه الباشا تدريس مدرسته الحنفية عند عزل الشيخ محمد المحجوب سنة ٦٧ سبع وستين فختم بها صحيح البخاري وهنأه بذلك الشيخ أبو محمد حمودة بن عبد العزيز بقوله: [الكامل]
زمن الوصال وعهدَ أيام الصّبا ... يسقيك عهدُ الغيث ساقته الصبّا
من لي بها أيّام عهد قد مضت ... ما شمت فيها برق وصل خلّبا؟
أيّامَ ما ظلّ المنامُ محرماً ... عنّي ولا أمسى الحبيب محجَّبا
في حيثُ زهرُ الروض بلّله الندى ... والشمس تلثم منه ثغراً أشنبا
والطّلُّ مسكٌ بث في ديباج نب ... ت ظل منشوراً على تلك الربى
يشتمّ بالأجفان فأعجب مثل ما ... قد شمّ بالآذان مسكاً طيبا
بفناء مدرسة المعظم قدره الباشا ... أمير المؤمنين الأغلبا
стр. 163
ملك الملوك وخير من قاد العسا ... كر في الوغى أسداً وزان الموكبا
يا حسنها عزّت وعز نظيرها ... لما غدت بالعلم ربعاً مخصبا
قد زانها المولى الهمام محمد ... ذاك الأغر الألمعي الأكتبا
العالم النحريرُ والحبرُ الذي ... لبديع أبكار المعاني قد سبى
العلمُ في مغناه ألقى الرحلَ وال ... المجد المؤثل في ذراه طنّبا
كشّافُ (أسرار البلاغة) موضح ... (لدلائل الأعجاز) مجلي الغيهبا
يا محرزاً قصب السباق وحائزاً ... فضل الرئاسة حين شاد المذهبا
يهنيك يا مولاي ذا الختم الذي ... ليس الزمان به طرازاً مذهبا
أوضحت فيه من الحديث غوامضاً ... دقّت فعنها كل عقل قد نبا
إن البخاري لو رآك مقرراً ... لصحيحه لغدا بفضلك معجبا
ذاك الإمام الحافظ اللذ قد قضى ... من كل علياءٍ وفخر مأربا
قد كان رافع راية العلم الجلي ... ل وسنة الهادي النبيّ المجتبى
خير الأنام محمد المختار من ... سجد الجماد له وكلمه الظّبا
صلى عليه الله والآل الألى ... نصروا الشريعة بالأسنة والظُّبى
ما حن صب أو تذكر مغرم ... زمن الوصال وعهد أيام الصبا
وقد أقرأ الشيخ بالمدرسة المذكورة شرح العيني على الكنز ولما ختمه هنأه بذلك الشيخ أبو الحسن علي الغراب بقصيدة ضمنها التبري مما رماه به وهذا نصها: [الطويل]
كفى الإثمَ بعضُ كيف التوهمُ ... أيرضى لبيبٌ بالمظنَّة يأثمُ؟
ومن يرم ضوء النيّرين فلم يزل ... بمقت الورى يرمى ولم يك يكرم
إذا مس عرض الحرّ مر مقالة ... فليس لحرٍ المساس تألم
فما شرف الياقوت بالنار مؤلمٌ ... ولا الذهب الإبريز بالسبك يهضم
ولا لضياء النيرين إذا بدا ... خسوفهما عيب به الضوء يوسم
وما نقص حد السيف [بالسّنِّ] منقص ... ولكن يرى في فعله وهو أصرم
ومن شتم الدرِّ النفيس فلا يرى ... له شاتماً بل شاتم الدر يشتم
لئن يجل قدحي في لسان فربما ... حلا وهو يحوي ناقع السم مطعم
وإن لسعت عرضي عقارب ألسنٍ ... فإن لساني في اللواسع أرقم
وما ثوب عرض الحر لطخ بالخنا ... به غير مطليّ به يتحتم
لئن قذفوا رجماً فشهب مقاولي ... بهن شياطين القواذف ترجمُ
سيعلم من ألقى مواقد ريبةٍ ... عليَّ بمن تلك المواقد تضرم
إلى أن يظن المحرقون بنارها ... عليهم كأنّ البردَ منها جهنم
هم قصدوني بالإذاية واجتروا ... على حسدٍ منهم وما كنت أعلم
كفاني ضرّ الحاسدين عذابهمْ ... بفضلٍ ولم يحظوا يما أن منعم
دعاهم نسيب الشعر منّي لريبةٍ ... (أكل فصيحة قال شعراً متيّم)
لئن كان لي في الشعر فسق وريبةُ ... فإنّ ضميري بالعفاف مسلّم
نعم أنا أهوى كل أحور أغيدٍ ... به ينقض الصبر الجميل ويبرمُ
فما الدر إلا من سناه ولم تمل ... غصون الرّبى إلا عليه تسلّمُ
يحلُّ عرى صبري وحلمي بوجهه ... ربيع بها، لكنْ عليّ محرّم
يظن وفي بعض المظنة مأثمٌ ... تسليت أو بحت الذي كنت أكتم
فدع ظن سلواني وأيضن بضدّه ... بلى أنا صبٌّ في الصبابة مغرم
إذا صد عني صمت عن مطعم الكرى ... وإن يرض فهو العيد عندي وأعظمُ
فيا عجباً مني أرى الصوم هجره ... وعيدي منه الوصل والعيد بيرم
عنيت أبا عبد الإله محمداً ... به مذهب النعمان يبدا ويختم
به رمزُ عين (الكنز) في الفقه قد غدا ... يصرّح بالمعنى الخفيّ ويعلم
تحلّى به (صدر الشريعة) إذ بدا ... به منتقى الدر اليتيم يبسّم
تجمع فيه العلم والفضل فاغتدى ... به (مجمع البحرين) في الناس يعلم
إذا أظلم المعنى (فمصباح) ذهنه ... (لمنهاجه) يهدى به وهو مظلم
سراج بأفق الفهم (نهرُ) فوائدٍ ... (وبحرٌ) بأمواج المعارف خضرمُ
له فضُّ أبكار الفتاوي لأنه ... أبو عذرها ما دام فيها تختّم
تراه بتحقيق العلوم كأنّما ... أدلّته شمسٌ وبدر متمّمُ
فأما أصولُ الدين تدرى فروعها ... به وأصول الفقه من فيه ترسم
стр. 164
وللنحو أضحى والبيان تفاخرٌ ... به إن بدو والخصم فيه يخصَّم
أمولاي هذا الختمُ مبارك ... عليك به نشر الثنا ليس يكتمُ
ختمت به (العيني) على الكنز فاغتدى ... غنياً عن العلم الذي فيه معدم
فلا زلت إكليلاً على هامة العلا ... يعز بكم عصر الزمان ويفخم
ولازالت العلياء ملكَ يمينكم ... تصرفها فيما تشاء فتخدم
وصل على خير الأنام محمدٍّ ... شفيع الورى في الحشر والخطب مظلم
ثم أراد الباشا إعادته للسجن فالتجأ إلى زاوية الشيخ سيدي منصور بن جردان ﵁، وأقام هنالك ملازماً بث العلم ومطالعة الكتب إلى أن انجلى ذلك الغمام. وساعد الإقبال بدخول الأمير محمد الرشيد الحسيني أوائل ذي الحجة الحرام سنة ١١٦٩ تسع وستين ومائة وألف فأمر بإخراجه من الزاوية وقدمه مفتياً ثانياً.
وأقام على الإفتاء وتحرير المسائل والتأليف إلى أن توفي شيخ الإسلام البارودي فقدمه الأمير علي باشا لمشيخة الإسلام في ذي القعدة الحرام سنة ١١٨٦ ست وثمانين ومائة وألف.
وكان ملازماً بث العلم فتخرجت عليه فحول كثيرون ولازم المطالعة وشرع في عدة تآليف أتم منها "اختصار أنفع الوسائل" للطرسوسي، ورسالة في السياسة الشرعية، ونظم مسائل كثيرة، وله شعر ونثر جيد. فقضى عمره في تدريس وتأليف وفتوى.
وقد كان مرض، وعوفي من مرضه سنة ١١٨٤ أربع وثمانين ومائة وألف فهنأه الشيخ أحمد سمية بقوله: [الطويل]
علومُ الهدى أضحى كمالُ كمالها ... منيراً وأمسى سيفها غير مغمدِ
وقد عادت الفتيا لعادته على ... منصّتها في ثوب حسنٍ مجدّد
تبسم من بعد التعبس ثغرها ... فلاح لتاريخي: (شفاءُ محمدِ)
وقد امتحن بفقد والده حسين في مبدأ شبابه فأرخه الشيخ محمد الورغي بقوله: [الوافر]
ترحّم إن وقفت هنا وسلّم ... وعاين بالتراب فتى مكرّمْ
عزيز عاقه ذا الموت قسراً ... ولو سلم ابن أنثى كان أسلم
نبيهُ البيت لم يحتج لعذر ... ولا بالهجرِ في الدنيا تكلّم
تكهّل في الشباب وحين طابت ... به الأيام طلقها وتممْ
وكان أبوه يأملُ أن يراه ... وحيداً في الكمال فكان ما لم ...
وليس يموت من هذي حلاه ... ولكن نام عن زمن مجذّم
لذلك قال من يدريه أرِّخْ: ... (عزيز الناس مات حسين بيرم)
وقد بلغ صاحب الترجمة أربعاً وثمانين سنة قضى منها في الفتوى خمساً وأربعين سنة، وكان ورعاً ثبتً عمدة حاملاً لراية مذهب أبي حنيفة، على طريقة بديعة ومكرمة شريفة، إلى أن توفي يوم الأربعاء آخر شوال سنة أربع عشرة ومائة وألف، ودفن بتربته المجاورة لزاوية الشيخ عبد الرزاق قرب دار الآغة ورثاه العالم الشريف الشيخ عمر المحجوب بقوله:
جفن المنية ليس بالوسنان ... يصمي بسيف صارم وسنانِ
ومن المقابر لو علمتَ منابرُ ... للدهر يخطبُ فوقها ببيان
(يا أيها الإنسان إنك كادح) ... فانظر بعينك غاية الإنسان
وتناقص الأرضين من أطرافها ... يدعو الورى للزهد في العمران
فانظر جبال العلم وهي شوامخٌ ... قد سيّرت للمحشر المتواني
وانظر إلى مفتي الأنام محمدٍ ... أضحى رهين الترب والأكفان
لهفي على البحر ابن بيرم غيّضتْ ... منه علوم الدين والأبدان
قد كان في الفتيا عمداً عمدة ... (صدر الشريعة) غرّ الأعيان
قد كان قطبَ مدارها عجباً له ... وهو (المحيط) (بكنز) هذا الشان
يا مسبل العبرات عند مصابه ... بالله لا تغنيك في السلوان
ما درّه المختار يسلي فقده ... درر الدموع بمحجر الأجفان
فاستنزل الرحمات عند ضريحه ... واقرأ له شيئاً من القرآن
يا رب قدّس سرّه ومقاله ... واخلع عليه ملابس الرضوان
أحسن عزاء القائلين وأرّخوا: ... (لهفاً لحامل مذهب النعمان)
١٦ الشيخ محمد المحجوب
стр. 165
هو الشيخ أبو عبد الله محمد الملقب بالمحجوب الحنفي. تصدى لقراءة العلم الشريف، فقرأ على الشيخ يوسف برتقيز والشيخ محمد الأرناؤوط، وتفقه عليهما في مذهب أبي حنيفة، وقرأ المعقول على الشيخ حمودة العامري والشيخ قاسم بن عبد الملك وغيرهما من علماء ذلك العصر. وكان مشاركاً خيراً كثير الاعتقاد في أرباب الأحوال.
ولما أتم الباشا علي بناء المدرسة الحنفية التي قرب جامع الزيتونة بالقشاشين أولاه مشيختها سنة ١١٦٦ ست وستين ومائة وألف، وكان يكشف رأسه كثيراً ويختلط بطلبة المدرسة فيطوف بيوتهم واحداً بعد واحد، وربما ترك عمامته في بيت أحدهم وهو لا يشعر وخرج صاحب البيت بعد أن قفل بيته فيبقي الشيخ كذلك بقية يومه وربما عطش فخرج إلى الاستقاء من السقاء الذي يأتي للحمام أمام المدرسة وهو مكشوف الرأس، وبهاته الأحوال عزله الباشا.
ولما عزل شريف المختار من نقابة الأشراف قدم صاحب الترجمة لنقابة الأشراف.
ثم لما توفي الشيخ أحمد الطرودي ولي خطيباً بالجامع الباشي في رجب سنة ١١٦٧ سبع وستين ومائة وألف.
ولما توفي شيخ الإسلام الباردودي وتقدم لمشيخة الإسلام البيرمي السابق قدم الأمير علي باي صاحب الترجمة لخطة الفتوى في ذي القعدة الحرام سنة ١١٨٦ ست وثمانين ومائة وألف، واستمر على خطته إلى أن أصابه الطاعون الجارف سنة ١١٨٩ ثمان وتسعين ومائة وألف عليه رحمة الله.
١٧ الشيخ محمد البارودي
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحسين بن إبراهيم البارودي تربى في حجر أبيه واعتنى بتربيته وجود عليه القرآن العظيم كما جوده أيضاً على الشيخ حمودة إدريس، وقرأ العلوم على والده مدة حياته، وقرأ على أعلام أخر منهم الشيخ صالح الكواش والشيخ محمد الدرناوي والشيخ أحمد السوسي وغيرهم وتفقه وحصل.
ودرس بجامع الزيتونة والمدرسة الشماعية فأقرأ الفقه والأصول، ولما توفي والده استقل بمشيخة المدرسة الشماعية وخطبة جامع باردو. ثم قدمه الأمير علي باي مفتياً ثالثاً أواخر سنة ١١٩٠ تسعين ومائة وألف فجرى مجرى والده في حسن الصنيع ثم في عام أربعة وتسعين ومائة وألف، ولي إمامة الجامع الباشي وتدريسه، وأولاها لولده أبي عبد الله محمد بالفتح، وقد هنأه بذلك العالم الشيخ محمد بيرم الثاني بقوله: [الطويل]
قد نلتَ في ابنك مثل ما قد ناله ... فيك الإمام أبوك أعظم ماجدِ
وغدوت تدعى بالخطيب وبابنه ... وأبيه والعليا تنال بواحدِ
والعادة اطّردت وذلك منبئٌ ... أنّ الحفيد كذا برغم الحاسد
لكن قد أصيب الشيخ في ولده المذكور فتوفي شاباً سنة ١٢٠٧ سبع ومائتين وألف ورسم على قبره قصيدة لطيفة وهي: [الرمل]
قف وزرْ من حلَّ في هذا المكان ... واقرأ القرآن والسبع المثانْ
واسأل الرحمن من إفضاله ... رحمة تنمو على مر الزمان
ذا ضريح مشرق قد حله ... واعظ حبر خطيب ذو بيان
ذو العلا محمد ذاك الرضا ... والسليمُ الصدر والعذب اللسان
الذي يدعى ببارودي ومن ... في الورى قد حاز شأناً أي شان
الخطيبُ ابن الخطيب ابن الخطيبْ ... الذي ما إن له في العصر ثان
خاض في بحر علوم زاخرٍ ... طالما حرر بحثاً وأبان
إن رقى على منبر يسبي النهى ... بعقود من لآل وجمان
عمّر الوقت ببر وتقى ... ودروس لعلوم ومعان
جاءه داعي المنايا سرعةً ... فغدا وهو له ثاني العنان
فأتى جنة فردوس وقد ... فاز بالولدان والحور الحسان
فإذن قد قلت في تاريخه ... (قمر قد حل فردوس الجنان)
ثم في سنة ١١٩٨ ثمان وتسعين قدمه الأمير مفتياً ثانياً لوفاة من قبله ولازم الإفتاء والتدريس إلى أن توفي شيخ الإسلام البيرمي فقدمه الأمير حمودة باشا لمشيخة الإسلام صبيحة يوم الجمعة وهو يوم التروية من ذي الحجة الحرام سنة ١٢١٤ أربع عشرة ومائتين وألف فنسج على منوال والده بوجاهة ومروءة وتحصيل في العلوم وفصاحة لسان، يستلين الصخر بتلاوة القرآن، وحسن صوت لم يسمع مثله في العصر الغابر، تقعد دونه ألباب الألباب إذ قام على المنابر.
стр. 166
وقد ألف رسالة في رؤية الهلال وأخرى في مسائل الحيطان، وله اختام على أبدع نظام، فقد ابتهجت ببهجته الليالي والأيام، وصاهر بابنته الأمير حمودة باشا فنال غاية الاحترام، وقد رزق منها بولد سماه محمداً وتوفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من المحرم سنة ١٢١٥ خمس عشرة.
وقد نال الشيخ من إقبال دنياه غاية المرام، وتقلب في النعم الجسام، إلى أن أدركه الحمام، يوم الثلاثاء سابع عشر ثاني ربيعي سنة ١٢١٦ ست عشرة ومائتين وألف، عليه رحمة الله وأرخ وفاته العالم الشريف الشيخ عمر المحجوب بقصيدة قالها في تاريخها: [الطويل]
وقال بشير الحال فيه مؤرخاً ... (أعدّت له دارُ السلام ونزلها)
ورثاه أيضاً أخوه العالم الشيخ أحمد البارودي بقوله: [الطويل]
قفا بضريح ضم نور محمد ... شقيق لبدرٍ لا أقول لفرقد
جميلٌ عفيفٌ ذو وقار مقرر ... عزيز كريم ذو فخارٍ وسؤدد
جليلٌ مهاب في القلوب معظّمٌ ... إذا ما بدا فرداً على كل مفردِ
فقف خاشعاً واعلم بأن مصير ذا ... إلى مثل هذا المصرع المتوحّدِ
وعظْ واتعظْ وانهض إلى الفوز بالتقى ... كما كان ذا بالبر والمجد يرتدي
هو العلمُ العلامةُ الفاضلُ لاذي ... علمتُ به علماً به كنتُ أهتدي
محمد البارودي يا طيب محتدٍ ... له، ابن حسين سيّدٌ وابن سيّد
رئيس لعلم الشرع من بعد والدٍ ... فكان بحمد الله أكرم مقتدِ
تصدّر للإفتاء لما بدت لنا ... عوائصه قد كان أرشد مرشدِ
لما كان فيه من صلاحٍ وعفةٍ ... وذهنٍ منير ثاقب متوقّدِ
فكان بفضل الله فيه مثابراً ... على الحق يرويه برأي مسدّدِ
وقد كان في فنّ التلاوة آيةً ... تحرّى بها فضلاً على كل محتدِ
بكته المعالي والمنابر مذ بدا لها ... لها نعيه: وافرقتاهُ لمنشدِ
كذاك محاريب المساجد هدّمت ... ولم تر فيها بعده من مجدّد
فطبت أخي حيّاً وميتً ومبعثاً ... وجوزيت بالقرآن قرباً لأحمدِ
كذاك شقيقي قلت فيك مؤرخاً ... (قبلتَ بقرآنٍ جوار محمدِ)
١٨ الشيخ محمد بيرم الثاني
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بن بيرام تقدمت ترجمة والده شيخ الإسلام الأول.
وقد ولد ولدُه هذا في السادس عشر من ذي القعدة الحرام عام ١١٦٢ اثنين وستين ومائة وألف، واعتنى والده بتعليمه فقرأ القرآن العظيم وجوّده على أعيان منهم الشيخ محمد قارة باطاق، وقرأ على الشيخ قاسم بن عاشور أيضاً صغار كتب النحو إلى الشذور وشرح الشيخ في الكلام، وقرأ على الشيخ أحمد سويسي الفاكهي والألفية والتصريح، وقرأ على الشيخ الكواش القطر والفاكهي والعصام ومختصر السعد ونبذة من المطول ومختصر ابن الحاجب، وقرأ على الشيخ أحمد الثعالبي مختصر السعد والكبرى، وقرأ على الشيخ محمد الدرناوي التهذيب والوسطى ونبذة من مختصر السعد وقرأ على الشيخ محمد الشحمي دروساً من التهذيب والقطب والمطالع والكبرى. وقد تضلع من معقول العلوم ومعقولها، وحصّل ما بلغ به الغاية في فروعها وأصولها، حتى صار مشاراً إليه في سائر العلوم، عمدة المنطوق والمفهوم.
وقد أخذ صحيح البخاري عن والده ونظم سنده فيه بقوله: [الرجز]
سندُ هذا العبد في البخاري ... عن والدي صين من الأكدار
قراءة بعضه والبعضُ قدْ ... أجازني فيه بوجه معتمدْ
وهوَ روى عن شيخه المكودي ... عن الحريشي العلم المقصودِ
عن شيخه الفاسيّ عبد القادر ... عن عابد الرحمن ذي المفاخر
عمّ أب له عن القصّار ... عن شيخه خروف النظار
عن شيخه الفخر سقين العاصمي ... عن زكريا الفذّ ذي المكارم
عن حافظ الدنيا الإمام ابن حجر، ... لعسقلان الفخرُ إذ منها ظهر
عن التنوخيّ عن الحجّار ... عن الزبيدّي الشائع الأذكار
ذا عن أبي الوقت عن الداوودي ... عن السّرخي المنهل المورود
عن الفربريّ عن البخاري ... دامت عليه رحمات الباري
стр. 167
وجلس للتدريس وعمره ثماني عشرة سنة، فقلّد الرقاب من در علومه النفيس ما شئت من تدقيق وتحرير، فاق به الجهابذة النحارير، وما شئت من أدب يملأ المحاضر، ومتانة علم تخلدت آثارها في بطون الدفاتر، تحريراته في المذهب النعماني بالديار التونسية هي التي عليها اليوم العمل، وكم له في ذلك مما يبلغ به المتحري في دينه غاية الأمل، وقد كتب على شرح الشيخ قاسم لمختصر المنار الأصولي شرحاً بديعاً، وشرح رسالة الشيخ لطف الله الأرزويلة في الترتيب بين الفوائت، وكتب رسالة في شرح عبارة الدرر في الطير ورسالة نيل المنى في استحقاق المشترى بعد البنا، ورسالة القول الأسد في حكم الميت في الوقف من غير ولد، ورسالة تحقيق المقال في حكم المغارسة والاستنزال، ورسالة تحقيق المناط في عدم إعادة الساباط، ورسالة حسن الحط على توهم جواز الاحتجاج عندنا بالخط، ورسالة فيما يلحق من الطلاق المردف، ورسالة فيما يرجع فيه الدافع عن غيره وما لا يرجع، ورسالة الوفا بأحكام بيع الوفا، ورسالة في السفينة التي استؤجر ملاحها على تبليغ متاع لموضع معين فغرقت هل له أجر أم لا وسماها "طلوع الصباح على المتحير في أجر الملاح".
وقد قرظها والده شيخ الإسلام الشيخ محمد بيرم الأول بما نصه: حمداً على نعمه التي لا تحصى، وآلائه التي لا يمكن بالعد أن تستقصى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذي الشرف والكمال، وعلى جميع أصحابه والآل. وبعد فقد أجلت فكري في مطاوي هذا الورق، الذي هو باسم الورق أحق، فألفيته أنبأ عن فكر ألمعي، وذكاء لوذعي، إذ أخذ بجميع أطراف مسألة السفينة، وتمكن بمتعلقاتها مكنةٍ مكينة، وصدق فيها المثل السائر، "كم ترك الأول للآخر" أشكر الله تعالى على هذه النعمة الحميدة، شكراً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، أن أهّل ولدي ثمرة عمري، وجلاء بصري، لهذا الجمع الغريب، والأسلوب العجيب، في التفرقة بين المخطئ في هذه المسألة والمصيب، فرفعت أكف الابتهال، إلى الكريم المتعال، في أن يمتع المسلمين بطول وجوده، ويفيض عليه سحائب كرمه وجوده، ويوفقه لما فيه رضاه، ويتولى حفظه في دنياه وأخراه، انتهى.
وآدابه قد خلدت آثار البلاد، بأبدع طريقة تستجاد، فقد نظم ملوك الدولة التركية بتونس، وشرح نظم المفتين الحنفية خاصة بها وشرحه المذكور هو الذي دعاني إلى تحرير هاته العجالة ولكن أقول: [البسيط]
وابنُ اللّبون إذا ما لزّ في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
استغفر الله أن أكون محاكيه، وأين الثريا من يد المتناول.
وكتب رسالة في التعريف بنسبهم البيرمي أودعها جميع ما مدح به هو وما قاله من الشعر الرقيق مما أغناني عن ذكر ذلك هنا.
ونظم سلاطين آل عثمان، وله نثر وشعر رقيق يرزي بكأس الرحيق.
وقد قدمه والده لمشيخة المدرسة العنقية وخطبة الجامع اليوسفي وقد أخذ عنه خلق كثير وانتفعوا بعلمه.
وفي صبيحة يوم السبت الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة ١١٩٢ اثنتين وتسعين ومائة وألف قدمه الأمير علي باي لخطة القضاء فأحسن القيام بها وتحرى لدينه فكان من قضاة العدل إلا أنه لم يرض البقاء على تحمل أخطارها واستقال منها بمكتوب بديع كاتب به الأمير وهذا نصه:
стр. 168
"أما بعد حمد الله مقيل المستقيل من العثار، وغافر ذنب التائب بعد الإصرار، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه المختار، وحبيبه المصطفى على المرسلين الأخيار، المنتقى من أطهر عنصر ونجار، وأظهر بيت سؤدد وفخار، وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار من المهاجرين والأنصار، والدعاء للمقام العليّ، والفخر الجلي، الظاهر ظهور الشمس في رابعة النهار، ذي الدولة التي هي في جبهة جبين الدهر غرة، وفي قلادة لبّته درّة، وفي معصمه سوار، الطالع بدرها في أفق السيادة وفلك السعادة أمناً من السرار بجعل الملك كلمة باقية في عقبه إلى يوم القرار، فيا مولانا خلد الله تعالى على حضرتكم الشريفة سوابغ الإنعام، وأدام ظلالها الوريفة على الخاص والعام. ولا زلت ملجأ القاصدين، ووجهة الراغبين، إني قصدت مقامك العلي للإقالة طالبا، وفي رفع يدي عن خطة القضاء راغبا، مقدماً شرح حالي لدى السيادة العلية، مؤملاً من فيض فضلها بلوغ الأمنية، فليكن في شريف علم مولانا حرس الله مجده، وصان سعده، ولا أرانا فقده، أني تقلدت هذه الخطة، ودخلت في هذه العهدة البعيدة الشقة، بعد أن سبق بذلك القضاء الغالب، والقدر الذي لا ينجو من طلبه هارب. وذلك أمر سطر في الكتاب، وإنما العبد مجيب للقدر لا مجاب، على علم مني بصعوبة مداركها، وضيق مسالكها، وكثرة عطب سالكها، غير أن الإجمال ليس كالتفصيل، والكثير في نظر البعيد قليل. وما أمكنني إذ ذاك مقابلة أمرك المطاع، بالرد والامتناع، بل إن ذلك عقوق، لما للسيادة علينا من الحقوق، تأنف من أن تتلبس به هنا طباع لها في باب رعاية الحقوق، مع أن طلبتي الآن للإقالة، أولى من الامتناع في تلك الحالة، فإن اللائق أن أكون للمقام العلي طالباً لا مطلوباً، وراغباً في فضله لا مرغوبا. فقبلتها والقلب مني راجف، والدمع على الخدين واكف، فلاقيت من وصبها ليل السليم، واستقبلت من نصبها ما يعلمه السميع العليم. فما صفا لي منذ تقلدتها يوم، ولا ذاق جفني بعدها حلاوة نوم، وكيف لا وهي الفيح التي تتيه فيه القطا ويقصر عن سلوكه مديد الخطى. هذا مع ضعف جسدي، وقلة جلدي، ونهوك جسمي، وشمول النحول لحمي وعظمي، وأنّى لمثلي ممن لم يذق لذة شباب، لتوالي علله وأوصابه، والقيام بهذا الأمر العظيم، ومعاناة الخطب الجسيم، فمكثت فيها هذه المدة قابضاً يدي على الجمر، مستسلماً لمن له الخلق والأمر، ثم إن الضعف بي لشدتها قد زاد، والنحول لهولها أربى على المعتاد، والفساد تدرج في المزاج وقد ألهى عن العلاج وحين رأيت الصحة رجعت مني القهقرى، وجند صبري ولى مدبرا، وسحاب المرض عليّ متراكما، وما كان من عرضه مفارقاً عاد لازما، قلت أفيء لمولاي الذي تفضل بإسداء نعمتها، ليتطول علينا رفع كلفتها، حتى يكون أيده الله تعالى جامعاً فيها بين عطيتين، منعماً عليّ فيها بنعمتين، وفضل هذا عندي أعظم، وشكري عليها أوجب وألزم، فإن خلاص العبد من هذه العهدة، هو لديه حديث الفرج بعد الشدّة والذي لا يحلف به المسلم كاذبا، ولا ينجو من درك الحنث في القسم به ذاهباً أو آيباً. ليس لي فوق هذا المطلب مرام، سوى من الله تعالى علي الموت على الإسلام. على أنه لو لم يكن لي عذر المرض، وما طرأ بالجسم منه وعرض، ففي المنقول عن إمامنا أبي حنيفة، بوأه الله تعالى إلى الرتب المنيفة، أن لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة كي لا ينسى العلم، هذا والرجال رجال وقته أولو التحقيق والفهم، فكيف بنا والحال ما هو معلوم، وهل تقاس الحصباء بالنجوم، مع أني قد بلغت الحد المعدود، بل تجاوزت الأجل المعهود.
فها أنا قد شرحت للمقام العلي باطن أمري، وللحضرة السامية بينت عذري، وتوسلت في تبليغ المرام، وإرواء الأوام، بالسادات الأنجال الكرام، بدور الليالي وشموس الأيام، أبقاهم الله بهجة للزمان، متحلياً بهم سرير الملك والإيوان.
والمعهود من تلك الحضرة أسماه الله تعالى وأعلاها، وأدام على الأنام غمام نداها، أن لا تردّ فيها الوسائل، ولا يخيب لديها سائل، فاجبر أيها المولى الكبير وفك المعاني والأسير، وارحم العليل، وبرد له الغليل، وانظر بعين الشفقة لجسم بال ترشقه من كنانة الألم نبال، واغتنم دعاء صاحب هذا الحال لمقامكم العلي في أطراف الليال.
[الطويل]
أقلني فقد ضاقت عليّ مذاهبي ... وأثقل مني الظهر ما أن حاملُ
стр. 169
وجاوز ما قد حل في كلّ غايةٍ ... وعند التناهي يقصر المتطاول
ودعني أدعو والأنامُ تجيبني ... بآمين إذ تصغى لما أنا قائل
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل
اللهم يا مفرج الكروب، وكاشف الخطوب، ومقلّب القلوب، قلّب لنا قلب مولانا لإجابة هذا المطلوب، وإنالة هذا المحبوب المرغوب، إنك أكرم من أجاب الدعا، وحقق ظن من توجه إليه وسعى، وأفضل الصلاة والتسليم (وأكمل التبجيل المحفوف بالعظيم) على سيدنا المخصوص بعموم الشفاعة، تلك الساعة، وعلى آله وصحبه الغيوث النافعة، أن تيسر لنا ما نرومه ونرجوه، فأنت أكرم من توجهت إليه الوجوه. أهـ.
وعند ذلك أقاله الأمير من خطة القضاء يوم الأحد الرابع من رجب الأصب عام ٩٣ ثلاثة وتسعين ولازم بث العلوم في صدور الرجال، غير أنه لم تمض عليه العشرة الأشهر حتى استعاده لخطة القضاء فعاد إليها يوم الإثنين السادس والعشرين من ثاني ربيعي سنة ٩٤ أربع وتسعين واستمر على كرهه للخطة قائماً بأعبائها، وفي شهر ربيع الأول سنة ٩٧ سبع وتسعين أعاد الكرة إلى طلب الإقامة وكتب في ذلك مكتوباً بديعاً أجابه عنه الأمير بما اقتضى إبقاءه بعد المراجعة واستمر على خطته حتى كانت مدة مباشرته نحواً من الاثنين والعشرين سنة.
وقد امتحن في الطاعون الجارف سنة تسع وتسعين ومائة وألف بفقد خمسة أولاده وزوجته وأخته وقد قال في ذلك: [الوافر]
إذا فكّرتُ ما فعل الوباء ... بأولادي وضاقَ بيَ الفضاءُ
أقول لئن غدوتُ الآن فرداً ... ففي الله الكفاية والرّجاء
وبعد ذلك كاتبه والده في التزوج فأعلمه أنه ترك التزوج حيث أيس من الولد. فكتب إليه والده "لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" (٨٧ يوسف) وزوجه بابنة الفلايح فرزق منها بولده العالم وقد عاش حتى رآه في خطة الفتيا ورأى ولده عالماً.
ولما توفي نقيب الأشراف الشيخ عبد الكبير الشريف قدمه الأمير حمودة باشا لنقابة الأشراف سنة ست ومائتين وألف، وقد علمت مما سبق أن له نسبة في الشرف النسبي زيادة على الشرف العلمي.
ولما توفي شيخ الإسلام والده قدمه الأمير حمودة باشا (لنقابة الأشراف سنة ست ومائتين وألف وقدمه) لخطة الفتيا يوم السبت سابع المحرم من سنة ١٢١٥ خمس عشرة ومائتين وألف فأولاه مفتياً ثانياً وأقام في الفتيا إلى أن توفي شيخ الإسلام البارودي فقدمه الأمير لخطة مشيخة الإسلام ثاني ربيعي سنة عشر ومائتين وألف، فنهض لها نهوض زعيم، وبذل في خدمة العلم الجهد العظيم، ونظم من مسائل الفتاوي كثيراً وحرر كثيراً من الرسائل، في مهمات المسائل، وله رسالة جليلة في صحة الرجوع عن الوصية الملتزم عدم الرجوع عنها نحا فيها منحى الاجتهاد وجمع بين مذهبه ومذهب المالكية ثم عرضها على علماء عصره المالكية فكتب عليها العالم الشريف الشيخ محمد المحجوب مقرظاً بقوله: [الطويل]
إليك فخذها درةً في نظامها ... فريدة فذِّ العصر بل وأفخمُ
حباك بها فرعُ العلوم محمّدٌ ... كما أصله فرد الكمالات (بيرمُ)
هما فاضلا عصريهما وكلاهما ... به مذهب النعمان جذلانُ يبسم
ولما تبدت بان للحق وجههُ ... فأصبح منثوراً وقد كاد يهدم
ولمْ لا وقد وافت بجند دلائل ... تلاه من التحقيق جيشٌ عرمرم
تعاضد فيها المذهبان وحبذا ... وفاق بلا خلفٍ بدا فهو أسلم
فجوزي بالحسنى وقوبل بالرضا ... من الله في يوم رضا الله أعظم
وقرظها الشيخ أبو محمد حسن الشريف بتقريظ بديع وهذا نصه: حمداً لمن أقام لتبيان أدلة الشريعة أقواما، ونصب لتوضيح مشكلها أعلاما، وصلاة وسلاماً على من قررها أكمل تقرير، ثم على من بلغها لمن جاء في الزمن الأخير.
стр. 170
وبعد فقد وقفت على هاته الرسالة التي يرحل إليها، والفوائد التي يعوّل في بيان المعاني الغوامض عليها، الفرائد التي لا يلفت إلى ما خلفها ولا يقبل إلا على ما بين يديها، وتأملتها بعين الإنصاف، ولحظت ما اشتملت عليه من بدائع الأوصاف، فوجدت لسان التحقيق قد نطق بفضلها، وحاكم الانقياد قد قضى برفعة محلها، ورأيت نقودا لا سبيل لصرفها عن الصواب، وأسئلة يعسر عنها فتح باب الجواب، وأبحاثاً قد شهد ميزان الامتحان برجحانها، وصدق الاختبار بفضلها عند امتحانها، ومسائل قضاياها محفوظة من النقض، وأبكار مزاياها محروسة عن الفتك والفض وتصاريف إلا عن الإجادة مصروفة، وبمنع الموانع معروفة وموصوفة، فدلت على جودة جواد منشيها، وىذنت بصولة أنظار مبدعها ومبديها، وأنه مفرد العصر، وعلامة هذا المصر، فلله در ناظم عقودها، وراقم برودها، فقد جلا عليها للأبصار ما شاء من زين، وجلا عن البصائر ما شاء من رين، ما تصدى فيها لبحث إلا بثته بغاية البيان، ولا وجه جياد آرائه إلى غاية إلا كانت مطلقة العنان، فيا لها من غرر مجد في وجه الزمان ساطعة، ودرر فضل في جيد الزمان لامعة.
[الطويل]
سرتْ غرراً تزري من الحسن أنجما ... وعن درّها ثغر العلوم تبسّما
عجبتُ لها في جنح ليل تطلعتْ ... وما استندت إلا إلى الشمس منتمى
عقيلة فكر قلد الحسنُ جيدها ... وصاغ لها حليّاً وعقداً منظما
أبتْ أن تجوب الترب إلا ترفعا ... فما وطئت إلا بدوراً وأنجما
وضاءت بأذن الجهر شنفاً وأشرقت ... محاسنها في الثغر منه تبسما
وجرّت ذيول التيه عن حامل الربى ... فأزهرت بأزهار الرياض تنسما
بأيّ حجا صيغت فقد أعجز الحجا ... وأفحم معناها الفحولَ تفهما؟
ترنّم إعجابا بها الدهر ناطقا ... وأعرب حتى قيل: ما الدهر أعجما
أبان لسانُ الحق فيها رسوخه ... وأفصح فيه العلم عنهُ مترجما
يراها فيزري ذو العلوم بنفسه ... ويقسم جهراً أنه ما تعلما
فلو كان للسر المكتم سلّمٌ ... لكانت لما استخفى من العلم سلما
بني العصرِ إذعانا فمن كان قبلكم ... ومن بعدُ يأتي لو رآها لسلما
قد استخلفتها الكتب في العلم كله ... كما استخلف النعمان في الفقه (بيرما)
رسالة محمود المقام (محمّدٍ) ... لحق على إعجازها أن تسلما
مقدمة إذ قدم الله ربّها ... محكّمة إذ كان هو المحكّما
ولا غروَ أن كان الأخير فإنه ... إذا ذكرَ الأعلامُ عدّ المقدما
فتىً كرمت آباؤه وجدوده ... فهم مرهم في الفضل منهم لآدما
إليهم لوى علم الشريعة لائذاً ... بهم والتقى فيهم أناخَ وخيّما
ولا مثلُ مأثور الكمال محمد ... هدى أوْ جداً أو عزة وتكرما
إمامٌ به الفتيا أطيلَ عمادها ... وأرسيَ حتى جاوز الأرض والسما
حبا الدينَ إفضالاً به الله منعم ... به حرم الإسلام قد عز واحتمى
بأسرع من لبّى وأدفع من حمى ... وأنفعِ من أسدى وأرفع من سما
وأعظم مقداراً وأقدم مفخراً ... وأفخم آثاراً وأعلى وأعلما
تذكرك النعمان غرُّ علومه ... وآدابه تنسي (الوليد ومسلما)
تقيّ لو ألقى جملة من عظاته ... على كافر من حينه عاد مسلما
ولوْ ميت جهلٍ أمّهُ لأعاده ... حياة وما أمَّ المسيحَ ابن مريما
إليك تنهى التحقيق في العلم وانتمى ... إلى كل فضل من إلى علمك انتمى
أرى كل ما ألَّفت معتنياً به ... من الناس من عانى العلوم وعلما
ولو كان مسبوقاً لما افترقوا له ... وكم زائدٍ علماً على من تقدما
فخلّدتَ من غيث من العلم نافع ... متى خص غيث عم أوضن أنعما
ولا زلت في كل المعاني نهايةً ... وغايةُ من عاداك حطُّ إذا سما
стр. 171
ولا غرو كونه في التحقيق، كعبة يحج إليها، وللتدقيق، عمدة يعول عليها، إذ قد انتهى في المعارف إلى أقصى أمدها، وكرع في بحرها لإثمدها، وملك أعنتها، وقاد أزمتها، فعلا قدرا، ولاح في سنا السّناء بدرا، وصار أولئك الصدور صدرا، وبالجملة فلسان القلم في وصف مدحه قصير، ومن أتى بأبدع مقال فإنما آتٍ بيسير. قال بفمه، وزير بلسان قلمه، العبد المسربل بسرابيل الخطا والأوزار، الراجي للتنصل منه رحمة العزيز الغفار، فقير ربه اللطيف، حسن بن عبد الكبير الشريف، أصلح الله حاله، ونعم بالتقوى باله، آمين. أهـ.
وقرظها الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الطويل]
كأنّك تهوى أنّ عذلك ينفعُ ... وهلْ كان عند الصب للقول مسمع
إذا كان من ذاتي رجوعي إلى الهوى ... فما نفع قولي: إنني لست راجع
وهل وقع الملزوم يوماً ولم يكن ... للزمه في ساحة الكون موقع؟
لذاك تراني كلما شمت بارقاً ... يسابقه من برق وجدي أدمع
فأمّا إذا تبدو محاسنُ (بيرم) ... فكيف تر الحربا إذا الشمسُ تطلعُ
سماءُ علوم كلما لاح لامعٌ ... تقفّاه منها ألمعٌ ثم ألمعُ
وبحرٌ فهوم يزدري الدرُّ عندها ... على أنه للنقل والعقل مجمع
وفي هذه الحسنا التي برزت هنا ... بألوانِ حسنٍ للمنازع مقنع
بدت للمنى روضاً وللعين قرة ... وفيها الذي عن ذا وذلك أنفع
فجاءت تهادى لا سوى السحرِ غنجها ... ولا ما سوى ماء الوسامة برقع
ترى بين معناها ورقّة لفظها ... عناقاً على نولْ الطبيعة تصنع
إذا اختصم النعمان فيها ومالك ... تقول لكل منهما فيّ منزع
ومهما ادّعاها العقل ردّ اختصاصه ... بها نصّ قولٍ بالحقيقة يقطعُ
وإن تفخرِ الفتيا بها فلكم بها ... لأهل القضا من تاج عز يرصع
فسبحان مختار الإمام محمّد ... لها وهو أدرى أيّهم هو موضع
وكيف وبيتُ الدين والعلم بيته ... وللمجد والتقوى مصيفٌ ومربع
وهيَ القرون المستطابة هديها ... على سنّة فضلى لها الدين مبدع
عفافٌ على وجد وعفو بقدرة ... وجاهٌ ولكن لم يدنسه مطمع
وخفضٌ على رفعٍ وتليينُ منطقٍ ... على أنه للصّلد في الحق يصدع
وفضل ثبات ما الرواسي رواسخاً ... لديه إذا طارتْ نهىً وهي وقّع
وقدرٌ تمنّى النجم نيل محله ... فكيف ترى من في الثرى فيه يطمع؟
إلى ما يفوت العد من كل حلية ... بها شمل أشتات الكمال مجمّعُ
فدمْ واحداً لا من يضاهيك في الورى ... وعزك موصول وأمرك يسمع
ولا تحتقر شعري وإن كان دونكم ... فقدركمُ من أبلغ المدح أرفع
ولكننّي حاولت شرح مودةٍ ... وشافع شعري في الوداد مشفع
وأزكى سلامٍ من سليم مودةٍ ... عليك بريحان الرضا يتضوّعُ
وأجابه الشيخ محمد بيرم الثاني عن ذلك بقوله: [الطويل]
بدتْ وهي أبهى من ذكاء وأرفع ... عقيلةُ فكر للمحاسن مجمعُ
تشير بطرف اللّخط فاتن ... له كل أرباب الصّبابة خضّعُ
لقد جمعت ما بين رقة لفظها ... وقوة معناها وذلك أبدع
ولكنّها حلّت من الفضل عاطلاً ... وليس له في ذلك الروض مرتع
فحاولت نفسي أن تقومَ بحقها ... وتشربَ من كأس أدارت وتكرع
فألفيتها وافتْ وعمريَ مدبرٌ ... ولم يبقَ مني للصبابة موضع
وحال جريضي عن قريظي فلم أطق ... أجاوب عنها بالذي فيه مقنع
فحسبي دعاءٌ للذي صاغ تاجها ... بما هو في الدنيا وفي الدين ينفع
وقرظ الرسالة المذكورة الشيخ أحمد البارودي بقوله: [الرمل]
لؤلؤٌ نظّمَ أم درّ نثر ... أمْ سنا الفجر جلا وجهَ السحرْ؟
أم وميض البرق جنح الدّجى ... جاءه الغيثُ بماء منهمرْ؟
أم شعاعُ الشمس يتلوه ضيا ... في رياضٍ؟ إنها نورُ الشجر
لا ولكن نورُ علمٍ ساطع ... سافرٍ عن وجه شرعٍ منتشر
بمقولات الهمام المرتضى ... وتعاليلٍ بقولٍ مختصر
من فنونٍ تقصر الأفهام عن ... درك ما استخرج عنها بالفكر
فوجوه الحق منها تنجلي ... أنّ وجه الحق يجلى بالنظر
стр. 172
قل لمن رام المعالي يقتفي ... إثرَ من قدّم من سنِّ الصّغر
ذلك ركن الشرع فينا (بيرمٌ) ... وابنُ ركنٍ للفتاوي مشتهر
عمدةُ الفتوى عماد للهدى ... وإمامق كالإمام المنتظر
أفريدَ العصر حاوي السبق في ... مذهب النعمان موصولَ الأثر
كنت من بيت شريف وله ... من شريف الشرع ركنٌ معتبر
يا ولاةَ الأمر شرعاً أذعنوا ... محض الحقُّ فهل من مدّكر
هكذا المختارُ للفتوى فمن ... شاء فليؤمن ومن شاء كفر
من يقل في الناس خلفاً يأتنا ... بكتاب مثل هذا مستطر
واتل قول الله في تنزيله ... ما جزاء التقي فيمن ذكر
عانك الله ولا زلت المدى ... ناصراً للحق مأمون الغير
هاكها عذراً عروساً تجتلى ... مهرها منكم قبولٌ مغتفر
فاقبلوها واقبلوا عذراً لها ... إن من عذري لكم بشر
إن أكن قصّرتُ في قولي فما ... فضلكم يقصر عمن يعتذر
وقد ألف رسالة في عدم فسخ الإجازة بموت المؤجر له وقرظها أيضاً الشيخ أحمد البارودي بقوله: [الخفيف]
أقبلَ الفجر صادقاً مستنيرا ... ودجى اللّيل عنه ولّى حسيرا
فبشمس الهدى أتانا بشيراً ... ولمحق الظلام جاء نذيرا
فظلام الضلال أعمى تولى وضياءُ الهدى تراه بصيرا
مثل ذاك الهدى فتاوى همامٍ ... في سماء العلوم يبدو منيرا
حلّ من مشكلاتها معضلاتٍ ... بعد ما الطّرفُ باء عنها حسيرا
كل من أمّه ليروي علوماً ... عنه يلقي عليه درّاً نثيرا
عالمٌ عامل تقيٌّ عفيف ... صائب الراي يافعاً وكبيرا
ذلِكمْ (بيرمٌ) محمدُ ابنٌ ... لسميّ له الكبير شهيرا
مثلكم من يكون نجل همام ... أيّ ذلك الهمام فاسأل خبيرا
ما على النجل من جناح إذا ما ... شابهَ الأصل فاضلاً أو حقيرا
فنتاجُ المها يلدن مهاة ... وحوايا الحمير يلفى حميرا
وحبوب الحصيد قوتٌ وذخرٌ ... وحصيد السّباخ يلفى حصيرا
كل من كان من كرام أصول ... فكريماً تجدْه طلقاً بشيرا
ومتى كان من وضيع أصول ... فعبوساً تراه أو قمطريرا
يا كريم الأصولِ يا خير نجلٍ ... طاب أصلاك فانتشرت عبيرا
فرّج الله عنك ما كان محصى ... ووقاكم بما صبرتم سعيرا
وجزاكم بجنة الخلد عمّا ... جئت بالحق ناصحاً ونصيرا
لا عدمناك للمفاخر فخراً ... أو عماداً ودمت فينا أميرا
وبحسن الختام ندعوه ربّاً ... نرتجي عفوه عفواً قديرا
وصلاتي على النبي وآل ... كلما سامرَ السميرُ سميرا
وسلامي عليه ما أنشدونا ... أقبل الفجر صادقاً مستنيرا
وأجابه الشيخ محمد بيرم الثاني بقوله: [الخفيف]
جلبت إذ بدتْ إلى العين نورا ... وإلى القلب بهجةٍ وسرورا
بنتُ فكر تسبي العقول بفكرٍ ... فاترٍ في الفؤاد يلفى قديرا
شنّفت مسمعي بصوت رخيمٍ ... زاد عقلي سماعهُ تحريرا
وأتت من بديعها بمعان ... وبيان أنستْ بذلك (جريرا)
وكستني من نسجها ثوب مدحٍ ... جوهري ولا أقوال حريرا
لست أهلاً له لكنه الح ... ب يغضُّ عن الحبيب ستورا
ربها الباروديُّ أحمد من قد ... أدرك السبق للمعالي صغيرا
طرفاه إن أرسل الطرف ولّى ... عنهما خاسئاً وولى حسيرا
فأبوه وعمه وأخوه ... وكذا خاله حووا تصديرا
فقهاءٌ أجلّةٌ وهو أيضاً ... مثلهم هل ترى لذلك نظيرا
ولقد رمت أن أجيب وهيها ... ت وقد أصبح اللسان قصيرا
فتوالي السّقام أخمدَ فكري وأعاد الصحيح مني كسيرا
والذي هكذا بعيدٌ عن النظ ... م وإن كان بالقريض بصيرا
فاقبلن عذره وعدّ قصوراً ... منه فيما أتاك لا تقصيرا
وجزاه رب البرية عنها ... فوق ما ترتجون منه كثيرا
بنبي الهدى عليه صلاة الله ... ما عانق الغماما ثبيرا
وعلى الآل كلما قال صب ... جلبت إذ بدت إلى العين نورا
стр. 173
وقد عمّر الشيخ في خدمة العلم الشريف إلى أن بلغ الاثنتين والثمانين سنة، وختم له بالسعادة فأحب الله لقاءه، فتوفي أواخر ليلة السبت السادس عشر من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين ومائتين وألف، وتبرّك الأمير والمأمور بحمل جنازته، عليه رحمة الله. وقد رثاه الأديب الفاضل الشيخ عبد الرحمن الكامل بقصيدة قال في مطلعها: [الكامل]
فيم امتناعكُ للتراب بدارا؟ ... ولقد عدمت من السرور قرارا
وأرخ وفاته الفاضل أبو الثناء محمود بن باكير بقوله: [طويل]
ألا قف برمسٍ داعياً بتوسّل ... وكن تالياً أمّ الكتاب المنزّلِ
تيقّنْ ولا تغفلْ عن الموت لحظةً ... فماذا بأولى منك فيه وأمثلِ
وما أنت في دنياك إلا مسافرٌ ... فكل أوانٍ مشعرٌ بالترحّلِ
سقامٌ وعسرُ بعد يسر وصحة ... دليلُ الفنا يغني الفتى عن تأمّلِ
تزوّد لما بعد الممات من التّقى ... كما جاء في نص العزيز المرتّل
وخص برزء الموت أن عزّ أهله ... وعمّ البرايا رزءُ هذا المفضّل
إمام سما فوق الثريا مقامه ... وأضحى ضجيعاً بين ترب وجندل
وقادت له فخراً ومجداً عناصرُ ... لهم نسبٌ ينهى إلى خير مرسل
هدايةُ أهلِ العلمِ وهو كمالُهم ... بتحريرِ تقريرٍ وبين مشكل
وبحرٌ محيطُ لكن الدّرّ لفظهُ ... ضيا إن بدا في غيهب الجهل ينجلي
تآليفه جمّتْ وعمّت بنفعها ... كما عمّنا نفعُ السراج بأليلِ
عيون أحول الشّرع منه تفجّرتْ ... ففاقت بعذب سائغ كلّّ منهل
لقد كان في المفتين صدر شريعةٍ ... كوالده السامي على كل معتلي
هما مجمع البحرين في العلم والتقى ... فسادا وحازا كلّ فضلٍ بأكمل
فأمطرهما ربيّ شئابيب رحمة ... وأنزلهما الجنات يا خير منزل
بخير الورى حقق دعاء مؤرخ: ... (لبيرم في الجنات أرفع منزل)
ورثاه أيضاً العالم الفاضل الشيخ محمد الخضار بقوله: [الوافر]
يروعُ الدهرُ بالهممِ الأبيّه ... ويكدي بعد أن يهب العطيهْ
وينزل من أعنتها الدّراري ... إلى تُرب مبلقعةٍ خليّه
وأيّةُ نسمةٍ تبقى بحال ... إذا انتشبت بأظفار المنيه
وهل يبقى على الحدثان باقٍ ... سوى الذات المقدّسة العليّة
هوى الدهر الخؤونُ برأس طود ... من الأطواد ليس له ثنيّه
وزلزلَ من قواعده أصولاً ... لها في الدين مرتبةٌ سنيّة
نعى الناعي لنا العلمَ المكنّى ... (بيرم) فانطوى الإسلام طيّه
نعانا نجمه الأسمى ولكن ... نعى نفس العلومِ الألمعيّة
إمامٌ كان في العرفان بحراً ... وما للبحرِ أن يحوي حليّه
فكم نظم الجواهر في طروس ... تترجم عن مداركه الخفيّة
وكم أجلى العماية عن سؤال ... يطول البحث فيه بلا رويّه
ولا طاشت لفكرته سهامٌ ... ولا كذبت لحجته قضيّه
فضاقت بعده الدنيا وكانت ... رزيّتنا به فوقَ الرزيّه
ألا يا زائراً جوزيت خيراً ... فلا تنسْ الدعاء ولا التحية
جزاه الله في الفردوس داراً ... من الدار المكدرة الدنيّه
وهنأه السرورَ بما حباهُ ... من النعماء محتسباً هنيّه
ولما فارق الدنيا وكانت سجايا المتقين له سجية
١٩ الشيخ مصطفى البارودي
стр. 174
هو أبو النخبة الشيخ مصطفى بن محمد بن حسين بن إبراهيم البارودي، فرع شيخي الإسلام. قرأ على والده وعلى شيخ الإسلام البيرمي الثالث والشيخ صالح الكواش وغيرهم من علماء ذلك العصر، وتقدم على صغره إماماً ومدرساً بالجامع الباشي سنة ١٢٠٧ سبع ومائتين وألف، وكان ضعيف البدن متمارضاً. ولما توفي والده قدّمه الأمير حمودة باشا إلى جميع وظائف والده من مشيخة المدرسة الشمّاعية وخطبة جامع باردو وإمامة الجامع الباشي والفتيا يوم الجمعة الموفي عشرين من ربيع الثاني عام ستة عشر ومائتين وألف والمرض يومئذ يصاحبه فأقام على تلك الوظائف. وكان ذكياً عالماً فقيهاً فصيحاً حسن الصورة خيّراً إلى أن عاجله الحمام رطباً فتوفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شعبان الأكرم عام ١٢١٩ تسعة عشر ومائتين وألف، وقد رثاه شاعر عصره العالم الشريف الشيخ أحمد رزوق الكافي قاضي المحلة بقوله: [الطويل]
على النيّرِ المكنونِ في طيّ أكفانِ ... بدورُ العلا تبكي دماملَ أجفانِ
بها ما دها العلياءَ من فقد مصطفى ... وأسمى بينها من هموم وأحزان
سقى جدثاً واراهُ واكفُ رحمةٍ ... وروّاهُ من سحب الرضا صوب هتّان
على مثل ذا المفتي الجليل تأسّفي ... يجدّد مهما قد تولّى الجديدان
فتى كان كالنعمان فقها وإنما ... بلاغته أبدته في شكل (سحبان)
وكان خبيراً بالنوازل عالماً ... بمبدأ كل من حديثٍ وقرآنِ
فلو شاء أفتى في العلوم برأيه ... ولكن أبى الإفتاء إلا ببرهان
فمنْ للعلا من بعد فقدان بدرها ... أصيبتْ إذاً في العين منها بفقدان؟
ومن لعلوم الدين بعدَ أفوله؟ ... وما كان إلا شمس رشد وتبيان؟
وأن يبكي المحرابُ والمنبرُ الذي ... علاه فمن شجو بكاه الجديدان
مضى مصطفى البارود (ي) والمجدُ مصطفى ... وحيداً من الأشباه ليس له ثانِ
وكان الغنى للعادم المال والمنى ... [تجود له] يمناه والقصد للعاني
وما عاد من نشر الفخار لطيّه ... فإن غاب والآثار منه لإعلان
ولكن إلى المولى أناب فخصّهُ ... بطيب رضا أوفى وعفو وغفران
لذلك لما مات قلت مؤرخاً ... (لمفتٍ منيفٍ مصطفى طيبُ رضوان)
٢٠ الشيخ أحمد البارودي
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن حسين بن إبراهيم البارودي تربى في حجر العز والترف، وحمل على كواهل العلوم إلى أعلى الغرف، فقرأ العلم الشريف والده ورافق أخاه شيخ الإسلام في القراءة على شيوخه، وانفرد بالقراءة على الشيخ محمد بيرم الأول فقرأ عليه قطعة من الأشموني وقطعة من الملتقى وقرأ على الشيخ محمد الشحمي شرح التهذيب للخبيصي.
ثم جلس للتدريس فأجاد بتقرير عذب، ولسان غضب، ولي الإمامة والخطبة بالجامع الجديد بعد وفاة والده في ذي القعدة الحرام سنة ست وثمانين ومائة وألف، ثم ولى تدريس المدرسة الجديدة والمدرسة العنقية. ما شئت من فصاحة لسان، وحسن بيان، وترتيل في تلاوة القرآن، وحسن رواية لأحاديث سيد ولد عدنان، يسحر الألباب بثاقب فهمه، ويرمي الأغراض فلا يخطئ صائب سهمه، وله قريحة في نظم الشعر، مع الثروة التي تنعم بها وتجمل منها بفضل العطاء والإهداء الذي استرق به الأحرار من ذوي النهي.
وله همة عالية، ومفاخر غالية، يركب الخيل بالسروج المحلاة ويلبس أفخر لباس. خرج للتداوي بحمام الأنف فأرسل إليه الوزير يوسف صاحب الطابع ألف محبوب فرد بها الرسول وقال له قل لسيدك لو أرسلت لنا مركوباً أو مملوكاً لقبلناه منك هدية أما المال فإنّا والحمد لله عندنا ما يكفينا فيمكنكم أن تتفضلوا به على من هو محتاج إليه. وقد راوده الأمير حمودة باشا على خطة الفتيا عدة مرات وهو يمتنع ويقسم أن لا يقبلها ويقول له إنه عنده ولله الحمد ما يغنيه عن تحمل أخطارها.
стр. 175
ولما توفي ابن أخيه المتقدم حلف المتقدم حلف عليه الأمير فأولاه الفتيا يوم الأحد موفى شعبان الأكرم عام ١٢١٩ تسعة عشر ومائتين وألف، فأضاف له عند ذلك خطبة باردو ودروس التجويد ودرس الجامع الباشي، فقام بإمامة باردو قياماً كلياً وباشرها بنفسه فزان المنبر والمحراب، وأتى في تلاوته وروايته ودرايته بالعجب العجاب، وقد هناه بتلك الولاية يومئذ شاعر البلاد وصديقه العالم الشريف الشيخ أحمد زروق بقوله:
حقّ الثناء لأحمداً ... ولمثله أنْ يحمدا
بدر العلا الباروديُّ من ... له في العلا أقصى مدى
[الكامل]
لك في العلا شرفٌ علا وفخارُ ... ومآثر شهدت بها آثارُ
لبستْ بها وبك الليالي بهجةً ... حتى استوى ليلٌ بها ونهار
وملأتها عدلاً ومعرفة بدا ... للدين منها وبينك استبشار
وهدى أنرت به الشرائع فاهتدت ... فينا بصائرُ واجتلت أبصار
حتى لقد سعدت بك الأقطار وازْ ... دهرتْ الأعصار والأمصار
وحبتك أبكار الثناء وعونه ... فيما تطرز وشيه الأفكارُ
ورأتك منفرد الكمال فأقسمت ... أن لا ترى أنظارك الأنظار
تأبى المعالي ثانياً لك في العلا ... وتجلُّ عن ذا قدرك الأقدار
ما ثاب من زمن الأعادي معشر ... مما أتيت من العلا المعشار
عجز الأفاضل عن علاك فسلّموا ... لك ما أتاه لغيرك المقدار
علموا بأنك خيرهم كرماً فإن ... جاروك في قصبات سبقٍ جاروا
قصرتْ على علياك ألسنةُ الثنا ... وطوالها عما تنيل قصار
لعظمتَ حتى لا يوافى فضلكم ... ما كرّرتْ من مدحه الإعصار
وسمت لعزّك في المعالي همّةٌ ... شمّاءُ دون سموّها الأقمارُ
شمساً طلعت فما انجلت لك بهجة ... حتى علاها من علاك نهار
أخذت حظوظُ المجد فيك حقوقها ... وازدان منك على الفخار شعار
ما لُحتَ في أفق المعالي نيّراً ... إلاّ ليعلَم للعلوم منار
يا فخر تونس واكتمالَ بدورها ... لولاك ما اجتنب البدور سرار
أنت الكفيل بعزّها ولعزها ... حيث اعتزالك في الخلود قرار
لم يدركنهُ الفخر حتى لحت في ... كبرائها، والفخر منك يُعار
فأعرتها شرفاً لها بمعيره ... تيه على الأكفاء واستكبار
ها أنت تاج في سما أفلاكها ... شرفٌ به لا لؤلؤ ونضار
ونظمت للمجد الخطير فريدةً ... عقداً وإنك درّه المختار
وجمعت شمل المعلومات فأصبحت ... جاراً يعز كما يعز الجار
ورعى اهتمامك بالمكارم سرحها ... فنظمتها كالدر وهي نثار
رتب علوت العالمين بجمعها ... ويجمعها تتفاوت الأقدار
بعلاك أوصاف الفخار تشرفت ... حتى كأنك للفخار فخار
قد تفضل الأوصاف من موصوفها ... وبحسن لابسه يزين إزار
كصفات أحمد فهي طيب ثنائه ... وشذاه وهي ثناؤه المعطار
بدر العلا البارود (ي) صدر بدورها ... من قد علته هيبةٌ ووقارُ
العالم العلم الشهير النير ... الفرد الذي عنّت له الأنظار
ذو السيرة الغراء والحكم الذي ... نصرته من آرائه الأنصار
مازال أحمدُ في شريعة أحمدٍ ... محمودةٍ من سيره الآثار
حتى استنار به الهدى وأنار في ... أفق الشرائع من هداه منار
وثقت يد النعمان منه بغاية ... في الفقه دون بلوغها الأنظار
رأي له في الاعتقاد رشاده ... يهدى به كلّ الورى استبصار
من كان مثل أبي حنيفة ماله ... إلاّ اعتقاد الأشعريّ شعارُ
بحرٌ وأين النهر من تياره ... في بحر علمه تغرق الأنهار
هو (ملتقى البحرينِ) من علم ومنْ ... أدبٍ طمعاً له فيهما تيار
كل يقول لعلمه ولشعره ... هو (أحمدٌ) في شعره (بشار)
(كابن الحسين) ابنُ الحسين وقلما ... تتماثل الشعراء والأشعار
أو ما ترى الدّرر التي قذفتْ بها ... أفكاره سحرتْ به الأفكار
تغدو المنابر تحته بسماعها ... معتزةً ولو أنها أحجار
ويراع في يده اليراع وكيف لا ... وهي البحارُ ومن ذكائه نار
الماجد الأعلى الجليل المجتبى ال ... معطاء والمتفضل المكثار
стр. 176
مفتي الأنام وشيخها ورئيسها ... نهر العلوم وروضها المعطار
مجلي غوامض ما يخوض عبابها ... للفكر إدراك ولا إشعار
مستحضر أغناه عن تكريرها ... نظرُ الطروس لكلها استحضار
وكأنّ فكره في الذكاء موقّد ... وكأنّ كفّهُ للعطاء بحار
تروي أنامله الأنامَ بجودها ... فكأنّما هي ديمةٌ مدرار
لابن الحسين محاسنٌ ومحمدٌ ... شغفت بها الأسماع والأبصار
ذا المجدُ فيه وفي أبيه وراثةٌ ... إذ هو منه ومن أبيه شعار
يا ابن الألى ملأ البسيطة مجدهم ... وتعطرت بنسيمه الأقطار
مثل البدور تدفقاً ... وتألقوا كالشمس ثم أناروا
ركبوا العزائم للمكارم والعلا ... فلهم على صهواتها استقرار
نفحت بهم وبذكرهم حلل الثنا ... فها بهم ولهم بها أعطار
هم خير من لاقوا وأحمد خيرهم ... وأبوه فهو من الخيار خيار
حزتم بني البارودي كل فضيلة ... فزتمْ فخصّكمُ بها المقدار
وأرى العلا داراً لها أبناؤكم ... وبنوهم تأوي لتلك الدار
رفعت بكمْ رتبُ الكمال فأصبحتْ ... أمماً وفيها أنتمُ الأقمار
في القرب منكمْ كيمياْء سعادة ... في ضمنها تتيسّرُ الأوطار
لم يعتصم بكمُ فقير بائس ... إلا وسار له غنى ويسار
أو ينتسبْ لكم وضيعٌ خامل ... إلا سمتْ لسموه الأبصار
فخراً أبا العباس إنك سيد ... شهد الأنام بها ولا إنكار
ولئن اقرّ بها العداة ففضلكم ... يأبى لكم أن تكفر الكفار
أضمرتُ فيك مودة أولى بها ... وأحقُّ من إضمارها الإضمار
أخفيتها حذر الوشاة فمذ طما ... تيارها ظهرت وغاب حذار
حباً أكون من الشهود وصدقه ... بشهود حبك ما لهم أعذار
وجعلت يمنك في يمين توجّهي ... ورجوت أن يرقى بها السيار
أربٌ يبيت سواك يملكني به ... فالحر تملك رقّه الأحرار
أنت الذي أحييت آثار الجدا ... والفضل منك بدا له إيثار
وعلمتُ ما لم يدر ما طرق العلا ... فغدا ودرهم فضله دينار
وجرى على آثار سبقك كم جرى ... بطل فعاقه عن مداك عثار
هيهات لو ركب الرياح سوابقٌ ... ما شق إثرك للحاق غبار
بك خصّصَ التمييزُ لما ميّزتْ ... أقدارَ أربابِ العلا الأقدار
فغدوت أنت كبير أهل الفضل ال ... كبراء إن نسبوا إليك صغار
ما كل من نار الولاية محرزا ... شرفاً ولا كلُّ إليه يشار
بعلاك يختتم الكمال وإنّما ... بمديحكم تتنقل الأخبار
وقد أقام صاحب الترجمة على وجاهته ووظائفه واحترام، يباشر الوظائف على أحسن الوجوه ثم استأذن الأمير حمودة باشا في التوجه إلى حج بيت الله الحرام سنة ١١٢٧ سبع وعشرين ومائتين وألف بقصيدة وهي قوله: [الطويل]
إليك رسولَ الله شوقي يسنّدُ ... وفرطُ غرامي فيك ما خلتُ ينفذُ
وإن فؤادي في هواك متيم ... وجفني قريح ليس يرقى فيرقد
فسل عن غرامي فيك مرقاة منبري ... يصدّقها المحراب والدمعُ يشهد
وسل مربعي من بعد ذاك ومضجعي ... وما كنت ألقى في هواك وأسهد
فقربك مطلوبي ووصلك بغيتي ... وإن زاد شوقي فيك لا شك أفقدُ
فعد لي بوصل إنّ بعدي مضت به ... صنونُ وإني في غراميَ مبعدُ
فيا ليتني إذ كنت فيها مواصلاً ... حبيبي وفي محرابه كنت أسجد
يجيب مناجاتي ويرحم عبرتي ... ويؤنسني قرباً لأنّي مفرد
وأسمعه القرآن ذلك وحيه ... وأتلو عليه ما تلا وأردد
وأنشده مدحاً لحسان مسنداً ... [فذو العرش محمود وهذا محمد]
وبت أناجي الله ربي وإنني ... لأشكره وصلي وإني لأحمد
وفزت بقربي منه بالأمن والمنى ... وساعدني دهري وما كاد يسعد
فشط مزاري بعد ذاك وليتني ... بلحد بذاك الترب فيه موسّدُ
فلله ما ألقى من الوجد كلما ... ركاب له زفت وإني لمقعد
وإن فصلت عير بقصد ديارهم ... وجدت له ريحاً وقالوا مفنّد
سلام على تلك الديار ومن بها ... ففيها ديار للحبيب ومعبد
سلام على محراب مسجد وحيه ... ومن قام فيه ليله يتهجّد
стр. 177
سلام على تلك البطاح من الربى ... وإن لها نوراً يرى يتوقد
سلام على تلك الليالي وليتها ... تعود وما ظني بها الآن تبعد
يقول لي العذال فزتَ بوصله ... وأدركت ما تبغي وما كنت تقصد
فقلت بعادي بعد وصليَ زادني ... غراماً وشوقي اليوم فيه مجدّد
فخلوا سبيلي إنني أطلب الدوا ... لعل دوائي فيه تحظى به اليد
فوجهت آمالي إلى باب سيّدٍ ... يرقُّ لحالي رحمةً ثم يسعد
هو الملك المولى الحميد مآثراً ... فحمودة باشا السعيد المؤيد
فأشكوك يا مولاي شوقي لبعد من ... غرامي به لا زال في الناس ينشد
قصدتك فضلا منك ترحم عبرتي ... رضاك الذي أبغي به أتزود
لوصل رسول بعد حج وعمرة ... فأبلغه منك السلام فتسعد
وأسأله عند اللقاء شفاعة ... إليكم وملكاً دائماً ليس ينفد
فحقق رجائي فيك يا خير سيد ... وأنجد ولا تمنع فإنك منجد
وإني ختمت المدح فيه مصلياً ... على من به ختمُ المديح ينضّدُ
سلامي عليه كلما هبت الصبا ... وما قام في أيكٍ هخزارٌ يغرّد
فلم يأذن له فاستعطفه ثانياً بالقصيدة الطويلة وهي قوله: [الرمل]
أركبُ الصّعب ولا يستصعبُ ... ومقامي بمقامي أصعبُ
وعتادي باعتنائي لكم ... راحتي الكبرى وذلك المطلب
وهو أني بهوائي شرف ... وانتظاري بلقائي يعزب
ولذيذ العيش بالبعد له ... من مذاق الصبر طعمٌ مكربُ
كريه منه بقرب لكمُ ... نعمة عظمى ورزق طيب
يعذب العذب ولكن إن تكن ... علة بالذوق لا يستعذب
فزلال الماء في ذوق الذي ... هام فيكم علقم لا يشرب
جرعةٌ من مائكم تكفي وإنْ ... لم يكن زادٌ كفاني العشبُ
أولا أعزُب من ذكري لكمْ ... بمديح، وهو مما يعجب؟
لا ةعمر الله ما يفضله ... من مذاق الشهد عندي مشرب
تنجلي بالمدح فيكمْ فكرتي ... لمعانٍ ليس عنها يرغب
لم تكنْ عندي ولا في طاقتي ... بل ولا عنها مديح يعرب
خالطَ الشوقُ غرامي فبدا ... لي ممّا لم أكن أحتسب
كلّما يذكرني ذكركمُ ... هزّني من جانبيَّ الطّربُ
يا بنات الحيّ من ذات القنا ... يا غصونَ البانَ لا تحتجبوا
حمّلوا البدر سناءً منكمُ ... إنّني أرجوه إذ ما يقرب
يا بدوراً أشرقت في ناظري ... دونكم هذا فؤادي فاغربوا
وهو وقف عليكم حبس ... أفترضون به إذ يخرب؟
من حقوق الحب ما عنه احتوى ... جفن عيني حب قوم أغربوا
من حقوق الحب ما عنه احتوى ... جفن عيني حب قوم أغربوا
واقبلوا في الرق أيضاً خبّةً ... فارحموا إن شئتمُ أو عذّبوا
كل فعل منكم عدل متى ... إن يكن رقي إليكم ينسب
أقبلوا رقي ففيكمْ كرمٌ ... وارحموا ذلي فأنتم عرب
أدركوني يا عريب المنحنى ... أدركوا صبّاً إليكمْ يرغبُ
أسرعوا لي إنني مضنى بكم ... قبل أن أقضي ودوني الحجبُ
لا تقولوا إنني أسلو الهوى ... ما لقلبي في هواكم تعب
ليس ما أرجو ولا بي مطلب ... غير ما أني له مرتقب
من رضاً عني وعفوٍ، إنه ... من جميل العفو أن لا تغصبوا
متِّعوني وصلكم أو شرّفوا ... من هواكم بذلوا ما كسبوا
لكن الحكمُ الإلهيُّ اقتصى ... قرب أقوام وقومٍ تحجب
فقلوبٌ قاسياتُ أبعدت ... وعقول راسخات تجذب
وعيونٌ ساهرات أمِّنتْ ... وجفونٌ نائمات ترهب
ومطايا صافنات أتعبت ... لخطايا مثقلات تنهب
في سطور بخطايا سطِّرتْ ... بمدادٍ من دموعي تكتب
فلسانُ الحال فيها كتبت: ... يمّمُوا لنجداً فنعم المذهب
هذه الكثبان منها قربتْ ... وإلى طيبة يسعى الطيب
أطيب الأيام يوم قيل لي ... فيه هذي طيبةٌ والكثب
هذه طيبةُ دارُ المصطفى ... عينها الزرقا لديكم فاشربوا
هذه حضرة من قيل له ... ليلة الإسراء: أنت الأقرب
هذه الرحمة حامت حولكم ... مزنها الهامي عليكم صيّب
هذه جنة عدن فتّحت ... لكم الأبواب منها فاقربوا
стр. 178
وحسانُ الحور منها أقبلت ... لتّحييكم وفيكم تخطب
برزت غلمانها يدعوننا ... يا حجيجاً أكرموا من يركب
فترجلنا وأركبناهمُ للمطايا عزّ ما قد رغبوا
إنهم من حي من تهواهمُ ... ولعينٍ ألفُ عين ترغب
فتسابقنا لأبارِ على ... نستقي منها ومنها المشرب
ودخلنا الباب نبكي خشيةً ... من ذنوب كثرت لا تحسب
فتنادينا: ظفرنا بالمنى ... وإلى باب السلام اقتربوا
فولجناه وما منّا فتى ... قابل الحجرة إلا يرهب
فترى القوم سكارى ما همُ ... بسكارى إنما هم أرهبوا
من خطايا معضلاتٍ عظمت ... حسبوا أنَّ بها تنقلب
علموا الذنب ولكن جهلوا ... عفو خير الخلق عمن يذنب
وتوجهنا لوجه المصطفى ... بدموع من عيون تسكب
فوجدنا قومه حفّوا به ... فهو في حجرته محتجب
بستورٍ وشّحت من نوره ... حجب الشمس علينا الكوكبُ
من وراء السّتر فيها نائم ... لا تقولوا ميتاً لا تكذبوا
إنما الميت من عاش ولم ... تكن الحسنى إليه تنسب
إنما من مات لا يشفع في ... من جنى وهو شفيع مرغب
لكن الرسل الكرام انتقلوا ... للعلا ما همْ إليه رغبوا
ورسول الله فينا طيّبٌ ... وهو منا ناظر لا يحجب
يا رسول الله جد بالعفو ول ... يبقَ مني في حماكم مقرب
بعد علمي أنّ ظهري مثقلٌ ... بخطيئاتٍ وأني مذنب
وذمام الحب لولا أنني ... واثق بالحلم ما أقترب
إنَّ ترباً خصَّ من بين الثرى ... لخطى أقدامكم منتخب
لا أراه لخطى أقدامنا ... كلّما تخطو جفانا الأدبُ
إنما حقَّ لذاك الترب أن ... تشتفي منه عيون تسكب
بدموعٍ تخمد النار التي ... في فؤادي حرها يلتهب
لبعادي من ديار أشرفت ... ورسول الله فيها يصحب
كان لي فيها مقام سبقتْ ... لي بها الحسنى ومن قبلي أبُ
لم يكن إذ ذاك من يمنعني ... من حبيب بل ولا لي مآرب
غير ما أصبوا إلى روضته ... أجتني من خير ما ينتخب
فمن القبر إلى منبره ... روضةٌ تقصر عنها الرُّتب
بتُّ فيها ليلة ما مثلها ... من شهور الدهر ألفُ تحسب
وتوجهت إلى محرابه ... قمت أقضي بعض [ما قد] يجب
وانقضى ليلي به منفرداً ... وصفا وقتي ممن يرقب
صبحوني عندما الفجر بدا ... نوره فيها ونعم المصحب
لم يكنْ لي شغفٌ إلا بهم ... منهمُ قومي ومنهم عرب
لا سوى حبهمُ عنديَ بل ... أكرم القوم لديَّ العرب
إنهم لي سادة فيهم بدا ... سيدُ الخلق ومنهم ينسب
وهو خير الأنبياء والرسل منْ ... جاءت الدنيا له تختطب
فتولّى معرضاً عنها وما ... ناله منها نصيبٌ يحسب
يا رسول الله أشكو فرقتي ... فدوائي عنكم لا يصعب
يا رسول الله غوثاً إنما ... مطلبي من غيركم لا يطلب
وكذا شوقي وأيم الله لا ... ينقضي حتى تماطَ الحجُب
فإذا لم تستقم لي عودةٌ ... عظم الكرب وبان العطب
يا بدوراً طال بعدي عنهمُ ... ورجائي فيهم لا يعزب
قمت فيهم طول ليلي ساهراً ... أرصد النجم متى ينقلب
يا لصحب بديار بعدت ... وإلى خير رسولٍ قربوا
جاههم أرجوه عند المصطفى ... لخلاصي جاههم لا يغلب
واسألوا الرضاءَ من طاعتهُ ... بكتاب الله شرعاً تجب
ذلكم حمودة باشا الذي ... ساد فينا منه جد وأب
فخرُ فحلٍ لعلي المرتضى ... لحسين بن علي ينسب
طيبٌ من طيبٍ من طيب ... وإذا ما طاب فهو الطيب
سيدٌ من سيدٍ من سيد ... فانتهى فخراً إليه الحسب
ذهب خلص من تبر وهل ... خالصات التبر إلا ذهب
هكذا المجد وإلاّ لا تقل ... مثل ذاك المجد مجد يحسب
دونكم مولاي قولاً جامعاً ... لمعالي المدح مما يعجب
باختصارِ اللفظ سهلُ نشرهِ ... كلما حاولته لا يحجب
فخرهفي كلمٍ حررتها ... بمقول صادق يستعذب
ذلك فخر القول لا ما أطنبوا ... بالذي يغري إليه الكذب
стр. 179
لا تقل مولاي إني موجزٌ ... مدحكمْ ربَّ مجيزٍ مطنب
كنت مولاي رفعت لكمُ ... بمديحي منه قصدي يعرب
لا أعيد القولَ في ذا إنما ... أثقلُ القولِ معادٌ يكرب
أبتغي منكم جواباً بالرضا ... تنجلي منه لديّ الكرب
فإذا لم تسمحوا واحسرتي ... آزفات آزِفات ترعب
إنني قدمت مدح المصطفى ... بين أيدي مدحكم أستوهِب
لك ما يرضيك منه عاجلاً ... وكذا في آجل لا ترهبوا
إن باب المصطفى يفتح في ... وجه منْ أمّ إليه يرغب
صل يا رب على من بعثت ... فيه بعث الأنبياء والكتب
وعلى آلٍ وصحب والرضا ... عن جميعهم ومن هم صحبوا
واسق يا ربّ ثرى تربتهم ... كلما بالغيثِ تهمي السحب
وارض يا رب على ناظمها ... أحمد البارود باليا ينسب
وارحم اللهم شيخي والدي ... وكذا والدتي لا عزبوا
وأدِم حلمك في مذنبنا ... كلنا ذاك، ومن لا يذنب؟
واختم العمر جوار المصطفى ... ليكون الحشر فيمن يصحب
وأذن له فحج بيت الله الحرام، ورجع مغفور الآثام، وصار الحاج أحمد ابن الحاج حسين ابن الحاج إبراهيم فثلاثتهم قد حجوا وزاروا، وإلى دار النعيم صاروا، فتوفي عليه رحمة الله ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شوال سنة ١٢٢٩ تسع وعشرين ومائتين وألف ودفن بالمرسى جوار ضريح الشيخ سيدي عبد العزيز المهدوي ﵀ ورثاه العالم الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الكامل]
عش ما تشاء لذاذة وحبورا ... إن القصور ستستحيل قبورا
يا غافلاً لم ينتبه لمذكّرٍ ... أفما كفى داعي المنون نذيرا
كم من رفيع في أسرّةِ عزّه ... خفضوه في ذل التراب أسيرا
وبموت أهل العلم أبلغ واعظ ... يهدي إلى كون الحياة مرورا
وهنا اعتبر بضريح أحمد كم طوى ... بمغيّب في طيه منثورا
غربت لبارودي بهون محاسن ... يا طالما أشرقن فيه بدورا
قد كان في وجه المحافل غرةً ... وعلى المنابر قسها المشهورا
ولطالما قرعت زواجر وعظه ... صمّا وكم ذا قد شرحن صدورا
أمّا إذا يتلو الكتاب فإنّه ... يهدي لأموات القلوب نشورا
عظم المصاب به وأحرى مذهب الن ... عمان إذ لهداه كان نصيرا
ركدت رياحُ زئيره فكأنه ... ما كان ليثاً في الرجال هصورا
إن يمض فهو سبيلنا ومنِ الذي ... كتبتْ له يمنى الخلود ظهيرا
لبّى المنادي واستجاب لربه ... يرجو رضاه فضله الموفورا
يا رب حقق فيه قوله مؤرخ: ... (ألقاه وجهك نضرة وسرورا)
٢١ الشيخ حسين برناز
هو الشيخ أبو محمد حسين بن مصطفى برناز، ولد سنة أربعين ومائة وألف، ونشأ في طلب العلم، فقرأ على أعلام عصره كالشيخ صالح الكواش ومن عاصره، وختم الدر المختار على الشيخ مراد بوسيكة وقرأ صدر الشريعة على الشيخ حمودة باكير والشيخ حمودة البرادعي.
وتقدم للفتيا ببلد منستير وخطبة جامعها الحنفي.
ثم لما طال به المقام طلب رفع يده من خطط المنستير ورجع إلى تونس وجلس للإشهاد فعدَّ من ثقات العدول ودرس الفقه ومبادئ النحو بجامع الزيتونة وولي الإمامة والرواية بالجامع اليوسفي وخطبة جامع القصر.
ثم لما ولي الفتيا الشيخ محمد بيرم الثاني تقدم عوضه لخطة القضاء يوم الجمعة الثالث عشر من المحرم ١٢١٥ خمس عشرة وقضى نحو خمس سنين في الخطة المذكورة، غير أنه كان غرّاً كريماً فقدمه الأمير حمودة باشا لخطة الفتوى يوم وهو يوم عيد النحر عاشر ذي الحجة الحرام عام ١٢١٩ تسعة عشر ومائتين وألف، وتولى خطيباً في جامع القصر عام ١٢٢٤ أربعة وعشرين ومائتين وألف. وكان فقيهاً فاضلاً تقياً خطيباً فصيحاً حسن الاعتقاد كثير الزيارة للصالحين محسن الظن بالناس لا يتكلف شيئاً وقد بلغ الهرم حيث بلغ من العمر إلى ثمانية وثمانين عاماً وتوفي عند الفجر من يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شوال سنة ١٢٢٨ ثمان وعشرين ومائتين وألف، ودفن من الغد بالسلسلة وقد رثاه العالم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم الرياحي بقوله:
كل الورى هدف لسهم حمامِ ... حكم جرى حتى على الحكامِ
كيف الدوام وكل شيء هالك ... لنزيل دار غير ذات دوام
стр. 180
فاعمل لنفسك صالحاً تلقاه إذ ... يصحو الورى من سكرهم بمنام
وانفض يداً من هاته الدار التي ... سحرت بأحلام ذوي الأحلام
وهي التي وعظت، وحسبك واعظاً ... موت العلوم ونقلة الأعلام
انظر إلى هذا الضريح وما حوى ... من عالمٍ علمٍ وبحرٍ طامي
بحر من التحقيق قلّد درّه ... نحرَ الطروس أنامل الأقلام
كنز من التدقيق كم حلى به ... درراً من الإفتاء والأحكام
هذا الإمام حسين العلم الذي ... نظم التقى والعلم أيّ نظام
يا (مجمع البحرين) يا (برناز) من ... أبقيت نوراً في دجى الإظلام
قد كنت مصباح الهدى وصباحه ... وجمال وجهِ محافلِ الأيام
إن غبت عن نظر العيون فلم تزل ... بين الجوانح في أعزّ مقام
يهنيك ما خلفت من شكر وما ... قدمت من ذكر لنيل مرام
لا غرو أن يحوي المنى فضلاً وفي ... تاريخه: (حصل الهنا بختام)
٢٢ الشيخ أحمد بن الخوجة
هو الشيخ أبو العباس أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة، جده علي من بلاد الترك بوظيفة خوجة حج بيت الله الحرام وامتحن بفقده ولده محمد بفتح أوله غير أنه تسلى بحفيده حمودة المذكور، فتبناه واجتهد في التعليم، فقرأ العلم الشريف وكانت له في العسكرية وظيفة أولظاش على عهد الباشا علي وسافر بالأمحال مع ولده الأمير يونس باي، وكان في المحلة لا يتخلى عن إقراء الفقه لعوام العسكر الحنفية بعد صلاة العصر حتى اتفق أن يونس في بعض الأيام افتقد كثرة دوران من العسكر فسأل عن سبب انزوائهم فقيل له إنهم يقرؤون الدرس المذكور، فتعجب من أمر الأولظاش وطلبه للحضور ليختبره بمحضر إمام المحلة ولما حضر ورام اختباره أذنه بالمحاورة مع إمامه بمحضره ليتبين حاله وكان اليوم يوم جمعة فبادر الشيخ لسؤال الإمام وقال له إن هذا اليوم يوم صلاة جمعة فهل هي رخيصة أو عزيمة، فلم يجد الإمام جواباً وإنما قال للأمير إنه عالم يستحق أن لا يبقى على الخدمة العسكرية فأرسل الأمير لوالده بخبره وطلب سراحه فقبل غيره عوضاً عنه وأخرجه من العسكرية فلازم خدمة العلم الشريف إلى أن تقلد خطة التدريس بجامع يوسف داي، وفي أمر ولايته أنه يقري ما شاء.
وهذا دليل واضح على سعة علمه وذلك على عهد الأمير علي باي في أوائل رجب من عام ثلاثة وثمانين ومائة وألف وخطب بالنيابة وكان كثير الخشوع عند الخطبة يغلبه البكاء وله في الدرس تحقيقات عقلية ونقلية، وصفه بذلك رضية، وقد كانت وفاته سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف، ورثاه الشيخ محمد بن سعيد النجم بقوله:
كل امرئ نحو الممات سبيله ... سيان فيه عزيزه وذليله
يفني الذي حرم القضاء ومن له ... تاج يعض جبينه إكليله
لم يبق إلا ما قضت كل النهى ... ببقائه وأتى به تنزيله
فليحذر الإنسان أن يغترّه ... من زخرف الدهر الخئون جميله
وليعتظ بمصاب كل مسجّدٍ ... قد كان للصنع الجميل يطيله
لا سيّما حمودة بن الخوجة الأ ... سمى الذي ما ريء قط مثيله
قمر الدروس ومن إذا وقف الورى ... في مشكل لم يعيه تأويله
يبدي المسائل مثل غصن ناضر ... والبحثُ في مثل النسيم يميله
كم لاح فوق ذرى المنابرِ وعظه ... وانهلَّ في محرابه ترتيلهُ
وجرى على ثوب الدجى من جفنه ... دمع لخوف الله كان يزيله
حتى أجاب إلى ضيافة ربه ... جمّ الرجاءِ أمامه تهليله
فاغفر له ربيّ وزده وأعطه ... ما لا يجول بفكره تأميله
وأجب دعاه إذ يقول مؤرخاً: ... (هب لي قري من لا يخيب نزيله)
ونشأ ولده صاحب الترجمة بين يديه، وقرأ المبادئ عليه، ثم على أعلام عصره كالشيخ أبي الفلاح صالح الكواش قرأ عليه المطول وصدر الشريعة والمغني وغيرها، وقرأ على الشيخ حسونة بن خليل الحنفي والشيخ محمد بن سعيد النجم ومن لطائف أستاذه معه أنه عند وفاة والده استدعاه ليلة الأربعين وكانت ليلة مطر فكتب إليه معتذراً بقوله:
أبا العباس لا تعتب فإني ... بعيدٌ عن مزلاّتِ العتابِ
أن نجم وهل أبصرت نجماً ... تبدى نوره ليل السحابِ
следующие страницы →